← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

وَجَلَّ، وَاسْتِيجَابَ مَغْفِرَتِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ، ثَنَا صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَرَادَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَجَّ، وَقَالَ: أَشْرَبُ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ. فَهَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَفْتِكُوا بِهِ إِذَا خَرَجَ، فَجَاءُوا إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ فَأَبَى، فَقَالُوا لَهُ: فَاكْتُمْ عَلَيْنَا. فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ. فَجَاءَ إِلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَخْرُجْ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَخَافُهُمْ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَا أُخْبِرُكَ بِهِمْ. قَالَ: إِنْ لَمْ تُخْبِرْنِي بِهِمْ بَعَثْتُ بِكَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: وَإِنْ بَعَثْتَ بِي إِلَى يُوسُفَ. فَبَعَثَهُ إِلَى يُوسُفَ فَعَذَّبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِهِمْ سَجَنَهُ، ثُمَّ سَلَّمَهُ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ يَسْتَخْلِصُ مِنْهُ أَمْوَالَ الْعِرَاقِ فَقَتَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ لَمَّا وَفَدَ إِلَى الْوَلِيدِ اشْتَرَى مِنْهُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ بِخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ يُخَلِّصُهَا مِنْهُ، فَمَا زَالَ يُعَاقِبُهُ، وَيَسْتَخْلِصُ مِنْهُ حَتَّى قَتَلَهُ، فَغَضِبَ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ قَتْلِهِ، وَخَرَجُوا عَلَى الْوَلِيدِ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ:

стр. 7842

كُنْتُ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ فَذُكِرَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ: كَانَ زِنْدِيقًا. فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: خِلَافَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي زِنْدِيقٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ جَوْصَاءَ الدِّمَشْقِيُّ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا حُصَيْنُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: إِذَا قُتِلَ الْخَلِيفَةُ الشَّابُّ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ مَظْلُومًا، لَمْ تَزَلْ طَاعَةٌ مُسْتَخَفًّا بِهَا، وَدَمٌ مَسْفُوكًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقٍّ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: ذِكْرُ قَتْلِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: النَّاقِصُ. لِلْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ وَكَيْفَ قُتِلَ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ أَمْرِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ وَخَلَاعَتِهِ وَمَجَانَتِهِ، وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنْ تَهَاوُنِهِ وَاسْتِخْفَافِهِ بِأَمْرِ دِينِهِ قَبْلَ خِلَافَتِهِ، وَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَأَفْضَتْ إِلَيْهِ لَمْ

стр. 7843

يَزْدَدْ فِي الَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ اللَّهْوِ وَاللَّذَّةِ وَالرُّكُوبِ إِلَى الصَّيْدِ وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَمُنَادَمَةِ الْفُسَّاقِ، إِلَّا تَمَادِيًا وَجِدًّا، فَثَقُلَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَجُنْدِهِ، وَكَرِهُوهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى أَوْرَثَهُ ذَلِكَ هَلَاكَهُ، إِفْسَادُهُ عَلَى نَفْسِهِ بَنِي عَمَّيْهِ هِشَامٍ، وَالْوَلِيدِ مَعَ إِفْسَادِهِ الْيَمَانِيَةَ وَهُمْ عُظْمُ جُنْدِ خُرَاسَانَ; وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الْعِرَاقِ إِذْ ذَاكَ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَاقِبُهُ حَتَّى هَلَكَ، انْقَلَبُوا عَلَيْهِ وَتَنَكَّرُوا لَهُ، وَسَاءَهُمْ قَتْلُهُ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ. ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ ضَرَبَ ابْنَ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ مِائَةَ سَوْطٍ، وَحَلَّقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَغَرَّبَهُ إِلَى عَمَّانَ، فَحَبَسَهُ بِهَا، فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى قُتِلَ الْوَلِيدُ وَأَخَذَ جَارِيَةً كَانَتْ لِآلِ عَمِّهِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ: لَا أَرُدُّهَا. فَقَالَ: إِذَنْ تَكْثُرَ الصَّوَاهِلُ حَوْلَ عَسْكَرِكَ. وَحَبَسَ الْأَفْقَمَ يَزِيدَ بْنَ هِشَامٍ وَبَايَعَ لِوَلَدَيْهِ الْحَكَمِ وَعُثْمَانَ وَكَانَا دُونَ الْبُلُوغِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ أَيْضًا، وَنَصَحُوهُ فَلَمْ يَنْتَصِحْ، وَنَهَوْهُ فَلَمْ يَرْتَدِعْ وَلَمْ يَقْبَلْ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَرَمَاهُ بَنُو هِشَامٍ وَبَنُو

стр. 7844

الْوَلِيدِ بِالْكَفْرِ وَغَشِيَانِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَبِيهِ، وَقَالُوا: قَدِ اتَّخَذَ مِائَةَ جَامِعَةٍ، عَلَى كُلِّ جَامِعَةٍ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِهَا، وَرَمَوْهُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِيهِ قَوْلًا يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ النَّاسُ إِلَى قَوْلِهِ أَمْيَلُ; لِأَنَّهُ أَظْهَرَ النُّسُكَ وَالتَّوَاضُعَ، وَجَعَلَ يَقُولُ: مَا يَسَعُنَا الرِّضَا بِالْوَلِيدِ. حَتَّى حَمَلَ النَّاسَ عَلَى الْفَتْكِ بِهِ. قَالُوا: وَانْتُدِبَ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ وَالْيَمَانِيَةِ وَخَلْقٌ مِنْ أَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ وَآلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَآلِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ الْقَائِمَ بِأَعْبَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَالدَّاعِيَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ بَنِي أُمَيَّةَ وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى الصَّلَاحِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَخُوهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ فَلْمْ يَقْبَلُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْوَلِيدَ لَقَيَّدْتُكَ وَأَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِ. وَاتَّفَقَ خُرُوجُ النَّاسِ مِنْ دِمَشْقَ مِنْ وَبَاءٍ وَقَعَ بِهَا، فَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَ الْمِائَتَيْنِ، إِلَى نَاحِيَةِ مَشَارِفِ دِمَشْقَ، فَانْتَظَمَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ أَمْرُهُ، وَجَعَلَ أَخُوهُ الْعَبَّاسُ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، فَلَا يَقْبَلُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ فِي ذَلِكَ:

стр. 7845

إِنِّي أُعِيذُكُمُ بِاللَّهِ مِنْ فِتَنٍ … مِثْلِ الْجِبَالِ تَسَامَى ثُمَّ تَنْدَفِعُ إِنَّ الْبَرِيَّةَ قَدْ مَلَّتْ سِيَاسَتَكُمْ … فَاسْتَمْسِكُوا بِعَمُودِ الدِّينِ وَارْتَدِعُوا لَا تُلْحِمُنَّ ذِئَابَ النَّاسِ أَنْفُسَكُمْ … إِنَّ الذِّئَابَ إِذَا مَا أُلْحِمَتْ رَتَعُوا لَا تَبْقُرُنَّ بِأَيْدِيكُمْ بُطُونَكُمُ … فَثَمَّ لَا حَسْرَةٌ تُغْنِي وَلَا جَزَعُ فَلَمَّا اسْتَوْسَقَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ أَمْرُهُ، وَبَايَعَهُ مَنْ بَايَعَهُ مِنَ النَّاسِ، قَصَدَ دِمَشْقَ فَدَخَلَهَا فِي غَيْبَةِ الْوَلِيدِ فَبَايَعَهُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا فِي اللَّيْلِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ الْمِزَّةِ قَدْ بَايَعُوا كَبِيرَهُمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ مَصَادٍ فَمَضَى إِلَيْهِ يَزِيدُ مَاشِيًا فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَصَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ مَطَرٌ شَدِيدٌ، فَأَتَوْهُ فَطَرَقُوا بَابَهُ لَيْلًا، ثُمَّ دَخَلُوا، فَكَلَّمَهُ يَزِيدُ فِي ذَلِكَ، فَبَايَعَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ مَصَادٍ ثُمَّ رَجَعَ يَزِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى دِمَشْقَ عَلَى طَرِيقِ الْقَنَاةِ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ أَسْوَدَ، فَحَلَفَ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ دِمَشْقَ إِلَّا فِي السِّلَاحِ، فَلَبِسَ سِلَاحًا مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِ فَدَخَلَهَا، وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدِ اسْتَنَابَ عَلَى دِمَشْقَ فِي غَيْبَتِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ وَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا أَيْضًا مِنَ الْوَبَاءِ فَهُوَ مُقِيمٌ بِقَطَنَا وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ عَلَى دِمَشْقَ، وَعَلَى شُرْطَتِهَا أَبُو الْعَاجِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ اجْتَمَعَ أَصْحَابُ يَزِيدَ بَيْنَ الْعِشَائَيْنِ عِنْدَ بَابِ الْفَرَادِيسِ فَلَمَّا أُذِّنَ لِعَشَاءِ الْآخِرَةِ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُمْ بَعَثُوا إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ

стр. 7846

فَجَاءَهُمْ، فَقَصَدُوا بَابَ الْمَقْصُورَةِ فَفَتَحَ لَهُمْ خَادِمٌ، فَدَخَلُوا فَوَجَدُوا أَبَا الْعَاجِ وَهُوَ سَكْرَانُ، فَأَخَذُوهُ وَأَخَذُوا خُزَّانَ بَيْتِ الْمَالِ، وَتَسَلَّمُوا الْحَوَاصِلَ، وَتَقْوَوْا بِالْأَسْلِحَةِ، وَأَمَرَ يَزِيدُ بِإِغْلَاقِ أَبْوَابِ الْبَلَدِ، وَأَنْ لَا يَفْتَحَ إِلَّا لِمَنْ يَعْرِفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ قَدِمَ أَهْلُ الْحَوَاضِرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَدَخَلُوا مِنْ سَائِرِ أَبْوَابِ الْبَلَدِ، كُلُّ أَهْلِ مَحِلَّةٍ مِنَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِمْ، فَكَثُرَتِ الْجُيُوشُ حَوْلَ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي نُصْرَتِهِ، وَكُلُّهُمْ قَدْ بَايَعَهُ بِالْخِلَافَةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ: فَجَاءَتْهُمْ أَنْصَارُهُمْ حِينَ أَصْبَحُوا … سَكَاسِكُهَا أَهْلُ الْبُيوُتِ الصَّنَادِدِ وَكَلْبٌ فَجَاءُوهُمْ بِخَيْلٍ وَعِدَّةٍ … مِنَ الْبِيضِ وَالْأَبْدَانِ ثُمَّ السَّوَاعِدِ فَأَكْرِمْ بِهَا أَحْيَاءَ أَنْصَارِ سُنَّةٍ … هُمْ مَنَعُوا حُرْمَاتِهَا كُلَّ جَاحِدِ وَجَاءَتْهُمْ شَعْبَانُ وَالْأَزْدُ شُرَّعًا … وَعَبْسٌ وَلَخْمٌ بَيْنَ حَامٍ وَذَائِدِ وَغَسَّانُ وَالْحَيَّانِ قَيْسٌ وَتَغْلِبٌ … وَأَحْجَمَ عَنْهَا كُلُّ وَانٍ وَزَاهِدِ فَمَا أَصْبَحُوا إِلَّا وَهُمْ أَهْلُ مُلْكِهَا … قَدِ اسْتَوْثَقُوا مِنْ كُلِّ عَاتٍ وَمَارِدِ وَبَعَثَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَصَادٍ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ إِلَى قَطَنَا لِيَأْتُوهُ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ نَائِبِ دِمَشْقَ، وَلَهُ الْأَمَانُ، وَكَانَ قَدْ تَحَصَّنَ فِي قَصْرٍ هُنَاكَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَوَجَدُوا عِنْدَهُ خُرْجَيْنِ; فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا مَرُّوا بِالْمِزَّةِ قَالَ أَصْحَابُ ابْنِ مَصَادٍ:

стр. 7847

خُذْ هَذَا الْمَالَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا تُحَدِّثُ الْعَرَبُ أَنِّي أَوَّلُ مَنْ خَانَ. ثُمَّ أَتَوْا بِهِ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَاسْتَخْدَمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ جُنْدًا لِلْقِتَالِ قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَبَعَثَ بِهِمْ مَعَ أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ خَلْفَ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ لِيَأْتُوا بِهِ، وَرَكِبَ بَعْضُ مَوَالِي الْوَلِيدِ فَرَسًا سَابِقًا، فَسَاقَ بِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْلَاهُ مِنَ اللَّيْلِ وَقَدْ نَفَقَ الْفَرَسُ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، وَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، ثُمَّ تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَاكَ إِلَى حِمْصَ، فَإِنَّهَا حَصِينَةٌ، وَقَالَ الْأَبْرَشُ سَعِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكَلْبِيُّ: انْزِلْ عَلَى قَوْمِي بِتَدْمُرَ. فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ رَكِبَ بِمَنْ مَعَهُ وَهُوَ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَقَصَدَهُ أَصْحَابُ يَزِيدَ فَالْتَقَوْا بِثِقَلِهِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَأَخَذُوهُ، وَجَاءَ الْوَلِيدُ فَنَزَلَ حِصْنَ الْبَخْرَاءِ الَّذِي كَانَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَجَاءَهُ رَسُولُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ: إِنِّي آتِيكَ. وَكَانَ مِنْ أَنْصَارِهِ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِإِبْرَازِ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَعَلَيَّ يَتَوَثَّبُ الرِّجَالُ، وَأَنَا أَثِبُ عَلَى الْأَسَدِ، وَأَتَخَصَّرُ الْأَفَاعِيَ؟! وَقَدِمَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ بِمَنْ مَعَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ خَلَصَ مَعَهُ مِنَ الْأَلْفَيْ فَارِسٍ ثَمَانِمِائَةِ فَارِسٍ، فَتَصَافُّوا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْعَبَّاسِ جَمَاعَةٌ، حُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى الْوَلِيدِ، وَقَدْ كَانَ جَاءَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ لِنَصْرِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ فَجِيءَ بِهِ إِلَيْهِ قَهْرًا حَتَّى بَايَعَ لِأَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ وَاجْتَمَعُوا

стр. 7848

عَلَى حَرْبِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ اجْتِمَاعَهُمْ فَرُّوا مِنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الْوَلِيدُ فِي ذُلٍّ وَقُلٍّ مِنَ النَّاسِ، فَلَجَأَ إِلَى الْحِصْنِ فَجَاءُوا إِلَيْهِ، وَأَحَاطُوا بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يُحَاصِرُونَهُ، فَدَنَا الْوَلِيدُ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ فَنَادَى: لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ شَرِيفٌ. فَكَلَّمَهُ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ السَّكْسَكِيُّ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَلَمْ أَرْفَعِ الْمُؤَنَ عَنْكُمْ؟ أَلَمْ أُعْطِ فُقَرَاءَكُمْ؟ أَلَمْ أَخْدِمْ زَمَنَاكُمْ؟ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: إِنَّمَا نَنْقِمُ عَلَيْكَ انْتِهَاكَ الْمَحَارِمِ، وَشُرْبَ الْخُمُورِ، وَنِكَاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَبِيكَ، وَاسْتِخْفَافَكَ بِأَمْرِ اللَّهِ . فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا أَخَا السَّكَاسِكِ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ أَكْثَرْتَ وَأَغْرَقْتَ، وَإِنَّ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لِي لَسِعَةً عَمَّا ذَكَرْتَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي لَا يُرْتَقُ فَتْقُكُمْ، وَلَا يُلِمَّ شَعَثُكُمْ، وَلَا تَجْتَمِعُ كَلِمَتُكُمْ. وَرَجَعَ إِلَى الدَّارِ، فَجَلَسَ وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفًا، فَنَشَرَهُ وَأَقْبَلَ يَقْرَأُ فِيهِ، وَقَالَ: يَوْمٌ كَيَوْمِ عُثْمَانَ. وَاسْتَسْلَمَ وَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ الْحَائِطَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَزَلَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَإِلَى جَانِبِهِ سَيْفُهُ فَقَالَ: نَحِّهِ عَنْكَ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: لَوْ أَرَدْتَ الْقِتَالَ بِهِ لَكَانَ غَيْرَ هَذَا. فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَبْعَثَ بِهِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ فَبَادَرَهُ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَأَقْبَلُوا عَلَى الْوَلِيدِ يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ بِالسُّيُوفِ حَتَّى قَتَلُوهُ، ثُمَّ جَرُّوهُ بِرِجْلِهِ لِيُخْرِجُوهُ، فَصَاحَتِ النِّسْوَةُ، فَتَرَكُوهُ، وَاحْتَزَّ أَبُو عِلَاقَةَ الْقُضَاعِيُّ رَأْسَهُ، وَخَاطُوا مَا كَانَ جُرِحَ فِي وَجْهِهِ بِعَقَبٍ، وَبَعَثُوا بِهِ إِلَى يَزِيدَ مَعَ

стр. 7849

عَشَرَةِ نَفَرٍ، مِنْهُمْ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَرَوْحُ بْنُ مُقْبِلٍ، وَبِشْرٌ مَوْلَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِي كَلْبٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُلَقَّبُ بِوَجْهِ الْفَلْسِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ بَشَّرُوهُ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَأَطْلَقَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْعَشْرَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَقَالَ لَهُ رَوْحُ بْنُ مُقْبِلٍ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ الْفَاسِقِ. فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ، ، وَرَجَعَتِ الْجُيُوشُ إِلَى يَزِيدَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ يَدَهُ لِلْمُبَايَعَةِ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ السَّكْسَكِيُّ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا رِضًا لَكَ فَأَعِنِّي عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ جَعَلَ لِمَنْ جَاءَهُ بِرَأْسِ الْوَلِيدِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا جِيءَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ. لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَأَمَرَ يَزِيدُ بِنَصْبِ رَأْسِهِ عَلَى رُمْحٍ، وَأَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا يُنْصَبُ رَأْسُ الْخَارِجِيِّ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْصِبَنَّهُ. فَشَهَرَهُ فِي الْبَلَدِ عَلَى رُمْحٍ، ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ شَهْرًا، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ، فَقَالَ أَخُوهُ: بُعْدًا لَهُ، أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ شَرُوبًا لِلْخَمْرِ مَاجِنًا فَاسِقًا، وَلَقَدْ أَرَادَنِي عَلَى نَفَسِي الْفَاسِقِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ رَأْسَهُ لَمْ يَزَلْ مُعَلِّقًا بِحَائِطِ جَامِعِ دِمَشْقَ الشَّرْقِيِّ مِمَّا يَلِي الصَّحْنَ، حَتَّى انْقَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَثَرَ دَمِهِ. وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ قُتِلَ

стр. 7850

سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ. وَقِيلَ: إِحْدَى - وَقِيلَ: ثِنْتَانِ. وَقِيلَ: خَمْسٌ. وَقِيلَ: سِتٌّ - وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ سَنَةٌ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ عَلَى الْأَشْهَرِ. وَقِيلَ: وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ شَدِيدَ الْبَطْشِ، طَوِيلَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، كَانَتْ تُضْرَبُ لَهُ سِكَّةُ الْحَدِيدِ فِي الْأَرْضِ، وَيُرْبَطُ فِيهَا خَيْطٌ إِلَى رِجْلِهِ، ثُمَّ يَثِبُ عَلَى الْفَرَسِ، فَيَرْكَبُهَا، وَلَا يَمَسُّ الْفَرَسَ، فَتَنْقَلِعُ تِلْكَ السِّكَّةُ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ وَثْبَتِهِ.

стр. 7851

خِلَافَةُ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِالنَّاقِصِ; لِنَقْصِهِ النَّاسَ الزِّيَادَةَ الَّتِي كَانَ زَادَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ فِي أَعْطِيَاتِهِمْ، وَهِيَ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَرَدِّهِ إِيَّاهُمْ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ هِشَامٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ لَقَّبَهُ بِذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ. بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ - وَكَانَ فِيهِ صَلَاحٌ وَوَرَعٌ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَوَّلُ مَا عَمِلَ انْتِقَاصُهُ مِنْ أَرْزَاقِ الْجُنْدِ مَا كَانَ الْوَلِيدُ زَادَهُمْ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَشْرَةٌ عَشْرَةٌ، فَسُمِّيَ النَّاقِصَ لِذَلِكَ. وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ: الْأَشَجُّ وَالنَّاقِصُ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوَانَ. يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهَذَا. وَلَكِنْ لَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَانْتَشَرَتِ الْفِتَنُ، وَاخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ بَنِي مَرْوَانَ فَنَهَضَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ، وَكَانَ مُعْتَقَلًا فِي سِجْنِ الْوَلِيدِ بِعَمَّانَ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى أَمْوَالِهَا وَحَوَاصِلِهَا، وَأَقْبَلَ إِلَى دِمَشْقَ، فَجَعَلَ يَلْعَنُ الْوَلِيدَ وَيَعِيبُهُ وَيَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، فَأَكْرَمَهُ يَزِيدُ وَرَدَّ عَلَيْهِ أَمْوَالَهُ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا مِنْهُ الْوَلِيدُ وَتَزَوَّجَ يَزِيدُ أُخْتَ سُلَيْمَانَ وَهِيَ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ هِشَامٍ

стр. 7852

وَنَهَضَ أَهْلُ حِمْصَ إِلَى دَارِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ الَّتِي عِنْدَهُمْ فَهَدَمُوهَا، وَحَبَسُوا أَهْلَهُ وَبَنِيهِ، وَهَرَبَ هُوَ مِنْ حِمْصَ، فَلَحِقَ بِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى دِمَشْقَ، وَأَظْهَرَ أَهْلُ حِمْصَ الْأَخْذَ بِدَمِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَغْلَقُوا أَبْوَابَ الْبَلَدِ، وَأَقَامُوا النَّوَائِحَ وَالْبَوَاكِيَ عَلَى الْوَلِيدِ وَكَاتَبُوا الْأَجْنَادَ فِي طَلَبِ ثَأْرِ الْوَلِيدِ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهُمْ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْحَكَمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ يَزِيدَ الَّذِي أَخَذَ لَهُ الْعَهْدَ هُوَ الْخَلِيفَةُ، وَخَلَعُوا نَائِبَهُمْ، وَهُوَ مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ثُمَّ قَتَلُوهُ وَقَتَلُوا ابْنَهُ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حُصَيْنٍ فَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُهُمْ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ كَتَبَ إِلَيْهِمْ كِتَابًا مَعَ يَعْقُوبَ بْنِ هَانِئٍ، وَمَضْمُونُ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ شُورَى، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ رَضِينَا بِوَلِيِّ عَهْدِنَا الْحَكَمِ بْنِ الْوَلِيدِ. فَأَخَذَ يَعْقُوبُ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَ: وَيْحَكَ! لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ يَتِيمًا تَحْتَ حَجْرِكَ لَمْ يَحِلَّ لَكَ أَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ، فَكَيْفَ أَمْرُ الْأُمَّةِ. فَوَثَبَ أَهْلُ حِمْصَ عَلَى رُسُلِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ فَطَرَدُوهُمْ عَنْهُمْ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ: لَوْ قَدْ قَدِمْتُ دِمَشْقَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيَّ مِنْهُمُ اثْنَانِ. فَرَكِبُوا مَعَهُ، وَسَارُوا نَحْوَ دِمَشْقَ، وَقَدْ أَمَّرُوا عَلَيْهِمُ السُّفْيَانِيَّ فَتَلَقَّاهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ قَدْ جَهَّزَهُمْ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَجَهَّزَ أَيْضًا عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْحَجَّاجِ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ يَكُونُونَ عِنْدَ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، وَجَهَّزَ هِشَامَ بْنَ مَصَادٍ الْمِزِّيَّ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ لِيِكُونُوا عَلَى عَقَبَةِ السُّلَمِيَّةِ فَمَرَّ أَهْلُ حِمْصَ، وَتَرَكُوا جَيْشَ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ ذَاتَ الْيَسَارِ

стр. 7853

وَعَدَّوْهُ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ سُلَيْمَانُ سَاقَ فِي طَلَبِهِمْ، فَلَحِقَهُمْ عِنْدَ السُّلَيْمَانِيَّةِ فَجَعَلُوا الزَّيْتُونَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَالْجَبَلَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ وَالْجِبَابَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ مَخْلَصٌ إِلَيْهِمْ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ فِي قَيَّالَةِ الْحَرِّ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ بِمَنْ مَعَهُ، فَحَمَلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ فَاخْتَرَقَ جَيْشَهُمْ، حَتَّى رَكِبَ التَّلَّ الَّذِي فِي وَسَطِهِمْ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، فَتَفَرَّقُوا وَاتَّبَعَهُمُ النَّاسُ، ثُمَّ تَنَادَوْا بِالْكَفِّ عَنْهُمْ عَلَى أَنْ يُبَايِعُوا لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَسَرُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ ارْتَحَلَ سُلَيْمَانُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فَنَزَلَا عَذْرَاءَ وَمَعَهُمُ الْجُيُوشُ وَأَشْرَافُ النَّاسِ، وَأَشْرَافُ أَهْلِ حِمْصَ مِنَ الْأُسَارَى، وَمَنِ اسْتَجَابَ مِنْ غَيْرِ أَسْرٍ، بَعْدَ مَا قُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ نَفْسٍ، فَدَخَلُوا بِهِمْ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَصَفَحَ عَنْهُمْ، وَأَطْلَقَ الْأَعْطِيَاتِ لَهُمْ، لَا سِيَّمَا لِأَشْرَافِهِمْ، وَوَلَّى عَلَيْهِمُ الَّذِي اخْتَارُوهُ، وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَطَابَتْ عَلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ، وَأَقَامُوا عِنْدَهُ بِدِمَشْقَ سَامِعِينَ لَهُ مُطِيعِينَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَايَعَ أَهْلُ فِلَسْطِينَ يَزِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي سُلَيْمَانَ كَانَتْ لَهُمْ أَمْلَاكٌ هُنَاكَ، وَكَانُوا ينْزِلُونَهَا، وَكَانَ

стр. 7854

أَهْلُ فِلَسْطِينَ يُحِبُّونَ مُجَاوَرَتَهُمْ، فَلَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ كَتَبَ سَعِيدُ بْنُ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ - وَكَانَ رَئِيسَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ - إِلَى - يَزِيدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَدْعُوهُ إِلَى الْمُبَايَعَةِ لَهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ خَبَرُهُمْ بَايَعُوا أَيْضًا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُهُمْ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعَثَ إِلَيْهِمُ الْجُيُوشَ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ فِي الدَّمَاشِقَةِ وَأَهْلِ حِمْصَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ السُّفْيَانِيِّ فَصَالَحَهُمْ أَهْلُ الْأُرْدُنِّ أَوَّلًا وَرَجَعُوا إِلَى الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ فِلَسْطِينَ وَكَتَبَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ وِلَايَةَ الْإِمْرَةِ بِالرَّمَلَةِ وَتِلْكَ النَّوَاحِي لِأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ وَاسْتَقَرَّتِ الْمَمَالِكُ هُنَالِكَ، وَقَدْ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّاسَ بِدِمَشْقَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، أَنَا وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا، وَلَا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَا رَغْبَةً فِي الْمِلْكِ، وَمَا بِي إِطْرَاءُ نَفْسِي، إِنِّي لَظَلُومٌ لِنَفْسِي إِنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي، وَلَكِنِّي خَرَجْتُ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِدِينِهِ، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، لَمَّا هُدِمَتْ مَعَالِمُ الدِّينِ، وَأُطْفِئَ نُورُ أَهْلِ التَّقْوَى، وَظَهَرَ الْجَبَّارُ الْعَنِيدُ، الْمُسْتَحِلُّ لِكُلِّ حُرْمَةٍ، وَالرَّاكِبُ كُلَّ بِدْعَةٍ، مَعَ أَنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ يُصَدِّقُ بِالْكِتَابِ، وَلَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَإِنَّهُ لَابْنُ عَمِّي فِي النَّسَبِ، وَكُفْئِي فِي الْحَسَبِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَكِلَنِي إِلَى نَفْسِي، وَدَعَوْتُ إِلَى ذَلِكَ مَنْ أَجَابَنِي مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِي، وَسَعَيْتُ فِيهِ حَتَّى أَرَاحَ اللَّهُ مِنْهُ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ، بِحَوَلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، لَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لَكُمْ

стр. 7855

عَلَيَّ أَنْ لَا أَضَعَ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، وَلَا لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلَا أَكْرِي نَهْرًا، وَلَا أُكَثِّرُ مَالًا، وَلَا أُعْطِيَهُ زَوْجَةً وَلَا وَلَدًا، وَلَا أَنْقُلُ مَالًا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى أَسُدَّ ثَغْرَ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَخَصَاصَةَ أَهْلِهِ بِمَا يُعِينُهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ نَقَلْتُهُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي يَلِيهِ مِمَّنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ، وَلَا أُجَمِّرَكُمْ فِي ثُغُورِكُمْ فَأَفْتِنَكُمْ وَأَفْتِنَ أَهْلِيكُمْ، وَلَا أُغْلِقُ بَابِي دُونَكُمْ فَيَأْكُلَ قَوِيُّكُمْ ضَعِيفَكُمْ، وَلَا أَحْمِلَ عَلَى أَهْلِ جِزْيَتِكُمْ مَا يُجْلِيهِمْ عَنْ بِلَادِهِمْ وَيَقْطَعُ نَسْلَهُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَعْطِيَاتِكُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَرْزَاقَكُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ، حَتَّى تَسْتَدِرَّ الْمَعِيشَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ أَقْصَاهُمْ كَأَدْنَاهُمْ، فَإِنْ أَنَا وَفَّيْتُ لَكُمْ بِمَا قُلْتُ، فَعَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَحُسْنُ الْمُؤَازَرَةِ، وَإِنْ أَنَا لَمْ أَفِ لَكُمْ، فَلَكُمْ أَنْ تَخْلَعُونِي إِلَّا أَنْ تَسْتَتِيبُونِي، فَإِنْ تُبْتُ قَبِلْتُمْ مِنِّي، وَإِنْ عَلِمْتُمْ أَحَدًا مَنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ يُعْطِيكُمْ مِنْ نَفْسِهِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتُكُمْ، فَأَرَدْتُمْ أَنْ تُبَايِعُوهُ، فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ وَيَدْخُلُ فِي طَاعَتِهِ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ طَاعَةُ اللَّهِ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَأَطِيعُوهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَا أَطَاعَ، فَإِذَا عَصَى فَدَعَا إِلَى مَعْصِيَتِهِ فَهُوَ أَهْلٌ أَنْ يُعْصَى وَيُقْتَلَ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ عَنْ إِمْرَةِ الْعِرَاقِ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ مِنَ الْحَنَقِ عَلَى الْيَمَانِيَةِ، وَهُمْ قَوْمُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ حِينَ قُتِلَ

стр. 7856

الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ وَكَانَ قَدْ سَجَنَ غَالِبَ مَنْ بِبِلَادِهِ مِنْهُمْ، وَجَعَلَ الْأَرْصَادَ عَلَى الثُّغُورِ; خَوْفًا مِنْ جُنْدِ الْخَلِيفَةِ، فَعَزَلَهُ عَنْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَوَلَّى عَلَيْهَا مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ مَعَ بِلَادِ السِّنْدِ وَسِجِسْتَانَ وَخُرَاسَانَ وَقَدْ كَانَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ أَعْرَابِيًّا جِلْفًا، وَكَانَ يُزَنُّ بِمَذْهَبِ الْغَيْلَانِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ وَلَكِنْ كَانَتْ لَهُ آثَارٌ حَسَنَةٌ، وَغِنَاءٌ كَثِيرٌ فِي مَقْتَلِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ فَحَظِيَ بِذَلِكَ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ مَقْتَلِ الْوَلِيدِ ذَهَبَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى الْعِرَاقِ فَأَخَذَ الْبَيْعَةَ مِنْ أَهْلِهَا لِيَزِيدَ وَقَرَّرَ بِالْأَقَالِيمِ نُوَّابًا وَعُمَّالًا، وَكَرَّ رَاجِعًا فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ; فَلِذَلِكَ وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ مَا وَلَّاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَإِنَّهُ فَرَّ مِنَ الْعِرَاقِ فَلَحِقَ بِبِلَادِ الْبَلْقَاءِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ فَأَحْضَرُوهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ - وَكَانَ كَبِيرَ اللِّحْيَةِ جِدًّا، رُبَّمَا كَانَتْ تُجَاوِزُ سَرَّتْهُ، وَكَانَ قَصِيرَ الْقَامَةِ - فَوَبَّخَهُ وَأَنَّبَهُ، ثُمَّ سَجَنَهُ، وَأَمَرَ بِاسْتِخْلَاصِ الْحُقُوقِ مِنْهُ، وَلَمَّا انْتَهَى مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ إِلَى الْعِرَاقِ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ مَقْتَلِ الْوَلِيدِ وَأَنَّ اللَّهَ أَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، وَأَنَّهُ قَدْ وَلَّى عَلَيْهِمْ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ شَجَاعَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْحَرْبِ، فَبَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ وَكَذَلِكَ أَهْلُ السِّنْدِ وَسِجِسْتَانَ. وَأَمَّا نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ نَائِبُ خُرَاسَانَ فَإِنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْصُورِ بْنِ جُمْهُورٍ وَأَبَى أَنْ يَنْقَادَ لِأَوَامِرِهِ، وَقَدْ كَانَ جَهَّزَ هَدَايَا كَثِيرَةً لِلْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ فَاسْتَمَرَّتْ لَهُ.

стр. 7857

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبُ بِالْحِمَارِ كِتَابًا إِلَى الْغَمْرِ بْنِ يَزِيدَ أَخِي الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، يَحُثُّهُ عَلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ أَخِيهِ الْوَلِيدِ وَكَانَ مَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى أَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ. ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَزَلَ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ عَنْ وِلَايَةِ الْعِرَاقِ وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يُحِبُّونَ أَبَاكَ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا. وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، وَكَتَبَ لَهُ إِلَى أُمَرَاءِ الشَّامِ الَّذِينَ بِالْعِرَاقِ يُوصِيهِمْ بِهِ; خَشْيَةَ أَنْ يَمْتَنِعَ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ مِنْ تَسْلِيمِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ وَأَطَاعَ. وَكَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ بِوِلَايَةِ خُرَاسَانَ مُسْتَقِلًّا بِهَا، فَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْكَرْمَانِيُّ. لِأَنَّهُ وُلِدَ بِكَرْمَانَ وَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ جَدِيعُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَبِيبٍ الْمَعْنِيُّ وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ فِي نَحْوٍ مِنْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ يُسَلِّمُ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُ، فَتَحَيَّرَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ وَأُمَرَاؤُهُ فِيمَا يَصْنَعُ بِهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ بَعْدَ جَهْدٍ عَلَى سَجْنِهِ، فَسُجِنَ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَرَكِبُوا مَعَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ نَصْرٌ مَنْ قَاتَلَهُمْ وَقَهَرَهُمْ وَكَسَرَهُمْ. وَاسْتَخَفَّ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ بِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَتَلَاشَوْا أَمْرَهُ وَحُرْمَتَهُ، وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي أَعْطِيَاتِهِمْ، وَأَسْمَعُوهُ غَلِيظَ مَا يَكْرَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسِفَارَةِ سَلْمِ بْنِ أَحْوَزَ أَدَّى ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَخَرَجَتِ الْبَاعَةُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَهُوَ يَخْطُبُ، وَانْفَضَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُمْ نَصْرٌ فِيمَا قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ

стр. 7858

نَشَرْتُكُمْ وَطَوَيْتُكُمْ، وَطَوَيْتُكُمْ وَنَشَرْتُكُمْ، فَمَا عِنْدِي مِنْكُمْ عَشَرَةٌ عَلَى دِينٍ، فَاتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاللَّهِ لَئِنِ اخْتَلَفَ فِيكُمْ سَيْفَانِ لَيَتَمَنَّيْنَّ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا. ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ النَّابِغَةِ: فَإِنْ يَغْلِبْ شَقَاؤُكُمُ عَلَيْكُمْ … فَإِنِّي فِي صَلَاحِكُمُ سَعَيْتُ وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَشْرَجِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْوَرْدِ الْجَعْدِيُّ: أَبِيتُ أَرْعَى النُّجُومَ مُرْتِفِقًا … إِذَا اسْتَقَلَّتْ تَجْرِي أَوَائِلُهَا مِنْ فِتْنَةٍ أَصْبَحَتْ مُجَلِّلَةً … قَدْ عَمَّ أَهْلَ الصَّلَاةِ شَامِلُهَا مَنْ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَمَنْ … بِالشَّامِ كُلٌّ شَجَاهُ شَاغِلُهَا فَالنَّاسُ مِنْهَا فِي لَوْنٍ مُظْلِمَةٍ … دَهْمَاءَ مُلْتَجَّةٍ غَيَاطِلُهَا يُمْسِي السَّفِيهُ الَّذِي يُعَنَّفُ بِالْ … جَهْلِ سَوَاءً فِيهَا وَعَاقِلُهَا وَالنَّاسُ فِي كُرْبَةٍ يَكَادُ لَهَا … تَنْبِذُ أَوْلَادَهَا حَوَامِلُهَا يَغْدُونَ مِنْهَا فِي ظِلِّ مُبْهَمَةٍ … عَمْيَاءَ تَغْتَالُهُمْ غَوَائِلُهَا لَا يَنْظُرُ النَّاسُ مِنْ عَوَاقِبِهَا … إِلَّا الَّتِي لَا يَبِينُ قَائِلُهَا كَرَغْوَةِ الْبَكْرِ أَوْ كَصَيْحَةِ حُبْ … لَى طَرَقَتْ حَوْلَهَا قَوابِلُهَا فَجَاءَ فِينَا يَزْرِي بِوِجْهَتِهِ … فِيهَا خُطُوبٌ جَمٌّ زَلْازِلُهَا

стр. 7859

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخَذَ الْخَلِيفَةُ الْبَيْعَةَ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ إِبْرَاهِيمَ، لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، وَقَدْ حَرَّضَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَكَابِرِ وَالْوُزَرَاءِ. وَفِيهَا عَزَلَ يَزِيدُ عَنْ إِمْرَةِ الْحِجَازِ يُوسُفَ بْنَ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيَّ وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَدِمَهَا فِي أَوَاخِرِ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْهَا. وَفِيهَا أَظْهَرَ مَرْوَانُ الْحِمَارُ الْخِلَافَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ وَخَرَجَ مِنْ بِلَادِ إِرْمِينِيَّةَ يُظْهِرُ أَنَّهُ يَطْلُبُ بِدَمِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى حَرَّانَ أَظْهَرَ الْمُوَافَقَةَ، وَبَايَعَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ. وَفِيهَا أَرْسَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَبَا هَاشِمٍ بُكَيْرَ بْنَ مَاهَانَ إِلَى أَرْضِ خُرَاسَانَ، فَاجْتَمَعَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ بِمَرْوَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْإِمَامِ إِلَيْهِمْ وَوَصِيَّتَهُ، فَتَلَقَّوْا ذَلِكَ بِالْقَبُولِ، وَأَرْسَلُوا مَعَهُ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّفَقَاتِ. وَفِي سَلْخِ ذِي الْقِعْدَةِ، وَقِيلَ: فِي سَلْخِ ذِي الْحِجَّةِ. وَقِيلَ: لِعَشَرٍ مَضَيْنَ مِنْهُ. وَقِيلَ: بَعْدَ الْأَضْحَى مِنْهَا. كَانَتْ وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ ﵀، وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ: هُوَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قَصِيِّ، أَبُو خَالِدٍ الْأُمَوِيُّ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 7860

بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ أَوَّلَ مَا بُويِعَ بِهَا فِي قَرْيَةٍ الْمِزَّةِ ثُمَّ دَخَلَ دِمَشْقَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ الْجُيُوشَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْخِلَافَةِ فِي أَوَاخِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالنَّاقِصِ; لِنَقْصِهِ النَّاسَ الْعَشَرَاتِ الَّتِي زَادَهُمْ إِيَّاهَا الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَمَّاهُ بِذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبُ بِالْحِمَارِ. فَكَانَ يَقُولُ: النَّاقِصُ بْنُ الْوَلِيدِ. وَأَمُّهُ شَاهْفَرِنْدَ بِنْتُ فَيْرُوزَ بْنِ كِسْرَى كِسْرَوِيَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأُمُّهُ شَاهْ آفْرِيْدَ بِنْتُ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرِيَارَ بْنِ كِسْرَى. وَهُوَ الْقَائِلُ: أَنَا ابْنُ كِسْرَى وَأَبِي مَرْوَانُ … وَقَيْصَرُ جَدِّي وَجَدُّ خَاقَانَ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ جَدَّهُ فَيْرُوزُ وَأُمُّ أُمِّهِ بِنْتُ قَيْصَرَ وَأُمُّ شِيرَوَيْهِ هِيَ بِنْتُ خَاقَانَ مَلِكُ التُّرْكِ وَكَانَتْ قَدْ سَبَاهَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ هِيَ وَأُخْتًا لَهَا، فَبَعَثَهُمَا إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَرْسَلَ بِهَذِهِ إِلَى الْوَلِيدِ وَاسْتَبْقَى عِنْدَهُ الْأُخْرَى. فَوَلَدَتْ هَذِهِ لِلْوَلِيدِ يَزِيدَ النَّاقِصَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ تِسْعِينَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ مَسْأَلَةً فِي السَّلَمِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ وِلَايَتِهِ فِيمَا سَلَفَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ عَادِلًا دَيِّنًا، مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، مُبْغِضًا لِلشَّرِّ، قَاصِدًا لِلْحَقِّ. وَقَدْ خَرَجَ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ بَيْنَ صَفَّيْنِ مِنَ الْخَيَّالَةِ، وَالسُّيُوفُ مُسَلَّةٌ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَرَجَعَ مِنَ الْمُصَلَّى إِلَى الْخَضْرَاءِ

стр. 7861

كَذَلِكَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: الْأَشَجُّ وَالنَّاقِصُ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوَانَ. وَالْمُرَادُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهَذَا. وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّاقِصُ: يَا بَنِي أُمَيَّةَ إِيَّاكُمْ وَالْغِنَاءَ، فَإِنَّهُ يُنْقِصُ الْحَيَاءَ، وَيَزِيدُ فِي الشَّهْوَةِ، وَيَهْدِمُ الْمُرُوءَةَ، وَإِنَّهُ لَيَنُوبُ عَنِ الْخَمْرِ، وَيَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ الْمُسْكِرُ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَجَنِّبُوهُ النِّسَاءَ فَإِنَّ الْغِنَاءَ دَاعِيَةُ الزِّنَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنِ الشَّافِعِيِّ: لَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: النَّاقِصُ. دَعَا النَّاسَ إِلَى الْقَدَرِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ، وَقَرَّبَ غَيْلَانَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَلَعَلَّهُ قَرَّبَ أَصْحَابَ غَيْلَانَ لِأَنَّ غَيْلَانَ قَتَلَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّاقِصُ: وَاحَسْرَتَاهُ! وَاأَسَفَاهُ. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: الْعَظَمَةُ لِلَّهِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْخَضْرَاءِ مِنْ طَاعُونٍ أَصَابَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِسَبْعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقِيلَ: فِي مُسْتَهَلِّهِ. وَقِيلَ: يَوْمَ الْأَضْحَى مِنْهُ. وَقِيلَ: بَعْدَهُ بِأَيَّامٍ. وَقِيلَ: لِعَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْهُ. وَقِيلَ: فِي سَلْخِهِ. وَقِيلَ: فِي سَلْخِ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي عُمْرِهِ سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ سَنَةً. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ عَلَى الْأَشْهَرِ. وَقِيلَ: خَمْسَةُ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٌ.

стр. 7862

وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، ﵀. وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ أَنَّهُ دُفِنَ بَيْنَ بَابِ الْجَابِيَةِ وَبَابِ الصَّغِيرِ وَقِيلَ: إِنَّهُ دُفِنَ بِبَابِ الْفَرَادِيسِ. وَكَانَ أَسْمَرَ نَحِيفًا، حَسَنَ الْجِسْمِ، حَسَنَ الْوَجْهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ: كَانَ يَزِيدُ أَسْمَرَ طَوِيلًا، صَغِيرَ الرَّأْسِ، بِوَجْهِهِ خَالٌ، وَكَانَ جَمِيلًا، فِي فَمِهِ بَعْضُ السِّعَةِ، وَلَيْسَ بِالْمُفْرِطِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ نَائِبُ الْحِجَازِ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ نَائِبُ الْعِرَاقِ وَنَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ عَلَى نِيَابَةِ خُرَاسَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَسَدِ بْنِ كُرْزِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْقَرِيٍّ، أَبُو الْهَيْثَمِ الْبَجَلِيُّ الْقَسْرِيُّ الدَّمَشْقِيُّ أَمِيرُ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ لِأَخِيهِ سُلَيْمَانَ، وَأَمِيرُ الْعِرَاقَيْنِ لِأَخِيهِمَا هِشَامٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَتْ دَارُهُ بِدِمَشْقَ فِي مُرَبَّعَةِ الْقَزِّ وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِدَارِ الشَّرِيفِ الزَّيْدِيِّ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْحَمَّامُ الَّذِي دَاخِلُ بَابِ تَوْمَاءَ.

стр. 7863

رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا أَسَدُ، أَتُحِبُّ الْجَنَّةَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبَّ لِنَفْسِكَ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ ذَلِكَ. وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَوْسَطَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَوَى عَنْ جِدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَكْفِيرِ الْمَرَضِ الذُّنُوبَ. وَكَانَتْ أَمُّهُ نَصْرَانِيَّةً، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ فِي الْأَشْرَافِ، مِمَّنْ أَمُّهُ نَصْرَانِيَّةٌ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أَوَّلُ مَا عُرِفَ مِنْ رِيَاسَتِهِ أَنَّهُ أَوَطَأَ صَبِيًّا بِدِمَشْقَ بِفَرَسِهِ، فَحَمَلَهُ فَأَشْهَدَ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُهُ، فَإِنْ مَاتَ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ. وَقَدِ اسْتَنَابَهُ الْوَلِيدُ عَلَى الْحِجَازِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهَا، وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَةٍ اسْتَنَابَهُ هِشَامٌ عَلَى الْعِرَاقِ إِلَى سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ

стр. 7864

سَلَّمَهُ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الَّذِي وَلَّاهُ مَكَانَهُ، فَعَاقَبَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً ثُمَّ أَطْلَقَهُ، فَأَقَامَ بِدِمَشْقَ إِلَى الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَسَلَّمَهُ الْوَلِيدُ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ لِيَسْتَخْلِصَ مِنْهُ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَمَاتَ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ الْبَلِيغَةِ; كَسَرَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ سَاقَيْهِ، ثُمَّ فَخِذَيْهِ، ثُمَّ صَدْرَهُ، فَمَاتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَلَا تَأْوَّهَ حَتَّى خَرَجَتْ رُوحُهُ، ﵀. قَالَ الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ: خَطَبَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَوْمًا، فَارْتَجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَجِيءُ أَحْيَانًا، وَيَعْزُبُ أَحْيَانًا، فَيَتَسَبَّبُ عِنْدَ مَجِيئِهِ سَبَبُهُ، وَيَتَعَذَّرُ عِنْدَ عُزُوبِهِ مَطْلَبُهُ، وَقَدْ يُرَدُّ إِلَى السَّلِيطِ بَيَانُهُ، وَيُنِيبُ إِلَى الْحَصْرِ كَلَامُهُ، وَسَيَعُودُ إِلَيْنَا مَا تُحِبُّونَ، وَنَعُودُ لَكُمْ كَمَا تُرِيدُونَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ: خَطَبَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَوْمًا بِوَاسِطَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَنَافَسُوا فِي الْمَكَارِمِ، وَسَارِعُوا إِلَى الْمَغَانِمِ، وَاشْتَرُوا الْحَمْدَ بِالْجُودِ، وَلَا تَكْتَسِبُوا بِالْمَطْلِ ذَمًّا، وَلَا تَعْتَدُّوا بِمَعْرُوفٍ لَمْ تُعَجِّلُوهُ، وَمَهْمَا يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ نِعْمَةٌ عِنْدَ أَحَدٍ لَمْ يَبْلُغْ شُكْرَهَا، فَاللَّهُ أَحْسَنُ لَهُ جَزَاءً، وَأَجْزَلُ عَطَاءً، وَاعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ نِعَمٌ فَلَا تَمَلُّوهَا فَتُحَوَّلَ نِقَمًا، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْمَالِ مَا أَكْسَبَ أَجْرًا وَأَوْرَثَ ذِكْرًا، وَلَوْ رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ لَرَأَيْتُمُوهُ رَجُلًا حَسَنًا جَمِيلًا يَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَيَفُوقُ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ رَأَيْتُمُ الْبُخْلَ لَرَأَيْتُمُوهُ رَجُلًا مُشَوَّهًا قَبِيحًا تَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، وَتُغَضُّ دُونَهُ الْأَبْصَارُ، إِنَّهُ مَنْ جَادَ سَادَ، وَمَنْ بَخِلَ ذَلَّ، وَأَكْرَمُ النَّاسِ مَنْ أَعْطَى مَنْ لَا يَرْجُوهُ، وَمَنْ عَفَا عَنْ قُدْرَةٍ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ،

стр. 7865

وَمَنْ لَمْ يَطِبْ حَرْثُهُ لَمْ يَزْكُ نَبْتُهُ، وَالْفُرُوعُ عِنْدَ مَغَارِسِهَا تَنْمُو، وَبِأُصُولِهَا تَسْمُو. وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْهَيْثَمِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ عَلَى خَالِدٍ فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَةً امْتَدَحَهُ بِهَا يَقُولُ فِيهَا: إِلَيْكَ ابْنَ كُرْزِ الْخَيْرِ أَقْبَلْتُ رَاغِبًا … لِتَجَبُرَ مِنِّي مَا وَهَى وَتَبَدَّدَا إِلَى الْمَاجِدِ الْبُهْلُولِ ذِي الْحِلْمِ وَالنَّدَى … وَأَكْرَمِ خَلْقِ اللَّهِ فَرْعًا وَمَحْتِدَا إِذَا مَا أُنَاسٌ قَصَّرُوا بِفِعَالِهِمْ … نَهَضَتْ فَلَمْ تُلْفَى هُنَالِكَ مُقْعَدَا فَيَالَكَ بَحْرًا يَغْمُرُ النَّاسَ مَوْجُهُ … إِذَا يُسْأَلُ الْمَعْرُوفَ جَاشَ وَأَزْبَدَا بَلَوْتُ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ … فَأَلْفَيْتُ خَيْرَ النَّاسِ نَفْسًا وَأَمْجَدَا فَلَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّاسِ خَالِدٌ … لِجُودٍ بِمَعْرُوفٍ لَكُنْتُ مُخَلَّدًا فَلَا تَحْرِمَنِّي مِنْكَ مَا قَدْ رَجَوْتُهُ … فَيُصْبِحَ وَجْهِي كَالِحَ اللَّوْنِ أَرْبَدَا قَالَ: فَحَفِظَهَا خَالِدٌ فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ خَالِدٍ قَامَ الْأَعْرَابِيُّ يَنْشُدُهَا، فَابْتَدَرَهُ إِلَيْهَا خَالِدٌ فَأَنْشَدَهَا قَبْلَهُ، وَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ هَذَا شِعْرٌ قَدْ سَبَقْنَاكَ إِلَيْهِ. فَنَهَضَ الشَّيْخُ، فَوَلَّى ذَاهِبًا، فَأَتْبَعَهُ خَالِدٌ مَنْ يَسْمَعُ مَا يَقُولُ، فَإِذَا هُوَ يُنْشِدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: أَلَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَرْتَجِي … لَدَيْهِ وَمَا لَاقَيْتُ مِنْ نَكَدِ الْجُهْدِ دَخَلْتُ عَلَى بَحْرٍ يَجُودُ بِمَالِهِ … وَيُعْطِي كَثِيرَ الْمَالِ فِي طَلَبِ الْحَمْدِ فَخَالَفَنِي الْجَدُّ الْمَشُومُ لِشِقْوَتِي … وَقَارَبَنِي نَحْسِي وَفَارَقَنِي سَعْدِي فَلَوْ كَانَ لِي رِزْقٌ لَدَيْهِ لَنِلْتُهُ … وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ الْوَاحِدِ الْفَرْدِ فَرَدَّهُ إِلَى خَالِدٍ وَأَعْلَمَهُ بِمَا كَانَ يَقُولُ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.

стр. 7866

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ أَنْ يَمْلَأَ لَهُ جِرَابَهُ دَقِيقًا، فَأَمَرَ بِمَلْئِهِ لَهُ دَرَاهِمَ، فَقِيلَ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ: مَا فَعَلَ مَعَكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُهُ مَا أَشْتَهِي، فَأَمَرَ لِي بِمَا يَشْتَهِي هُوَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَيْنَمَا خَالِدٌ يَسِيرُ فِي مَوْكِبِهِ إِذْ تَلَقَّاهُ أَعْرَابِيٌّ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَلِمَ؟ أَقَطَعْتَ السَّبِيلَ؟ أَأَخْرَجْتَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ؟ فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا. قَالَ: فَلِمَ؟ قَالَ: مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ. فَقَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ: ثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَقَالَ خَالِدٌ: مَا رَبِحَ أَحَدٌ مِثَلَ مَا رَبِحْتُ الْيَوْمَ; إِنِّي وَضَعْتُ فِي نَفْسِي أَنْ يَسْأَلَنِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَسَأَلَ ثَلَاثِينَ، فَرَبِحْتُ سَبْعِينَ أَلْفًا، ارْجِعُوا بِنَا الْيَوْمَ. وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَكَانَ إِذَا جَلَسَ تُوضَعُ الْأَمْوَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ وَدَائِعُ لَا بُدَّ مِنْ تَفْرِقَتِهَا. وَسَقَطَ خَاتَمٌ لِجَارِيَتِهِ رَائِقَةَ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فِي بَالُوعَةِ الدَّارِ، فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُؤْتَى بِمَنْ يَسْتَخْرِجُهُ، فَقَالَ: إِنَّ يَدَكِ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ تَلْبَسَهُ بَعْدَمَا صَارَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْقَذِرِ. وَأَمَرَ لَهَا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ بَدَلَهُ، وَقَدْ كَانَ لِرَائِقَةَ هَذِهِ مِنَ الْحُلِيِّ شَيْءٌ عَظِيمٌ، مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ يَاقُوتَةٌ وَجَوْهَرَةٌ، كُلُّ وَاحِدَةٍ بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ.

стр. 7867

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ «أَفْعَالِ الْعِبَادِ» وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ «السُّنَّةِ»، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ خَطَبَ النَّاسَ فِي عِيدِ أَضْحًى، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ: كَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَهُوَ مُؤَدِّبُ مَرْوَانَ الْحِمَارِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لَهُ: مَرْوَانُ الْجَعْدِيُّ. نِسْبَةً إِلَيْهِ، وَهُوَ شَيْخُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الطَّائِفَةُ الْجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ. تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَكَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ قَدْ تَلَقَّى هَذَا الْمَذْهَبَ الْخَبِيثَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: بَيَانُ بْنُ سِمْعَانَ. وَأَخَذَهُ بَيَانٌ، عَنْ طَالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ عَنْ خَالِهِ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ تَرَكَهُ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ بِبِئْرِ ذِي أَرْوَانَ الَّتِي كَانَ مَاؤُهَا نُقَاعَةَ الْحِنَّاءِ. وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَغَيْرِهِمَا. وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ بِسَبَبِ

стр. 7868

ذَلِكَ سُورَتَيِ «الْمُعَوِّذَتَيْنِ». وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ قَالَ: رَأَيْتُ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ حِينَ أُتِيَ بِالْمُغِيرَةِ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ وُضِعَ لَهُ سَرِيرٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ: أَحْيِهِ! - وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، فَقَالَ: وَاللَّهِ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ، مَا أُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: لَتُحْيِيَنَّهُ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ أَمَرَ بِطُنِّ قَصَبٍ، فَأَضْرَمُوا فِيهِ نَارًا، ثُمَّ قَالَ لِلْمُغِيرَةِ: اعْتَنِقْهُ. فَأَبَى، فَعَدَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُغِيرَةِ فَاعْتَنَقَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَرَأَيْتُ النَّارَ تَأْكُلُهُ وَهُوَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ. قَالَ خَالِدٌ: هَذَا وَاللَّهِ أَحَقُّ بِالرِّئَاسَةِ مِنْكَ. ثُمَّ قَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أُتِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِرَجُلٍ تَنَبَّأَ بِالْكُوفَةِ فَقِيلَ لَهُ: مَا عَلَامَةُ نُبُوَّتِكَ؟ قَالَ: قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ قُرْآنٌ. قِيلَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَمَاهِرْ، فَصْلِ لِرَبِّكَ وَلَا تُجَاهِرْ. وَلَا تُطِعْ كُلَّ كَافِرٍ وَفَاجِرْ. فَأَمَرَ بِهِ، فَصُلِبَ، فَقَالَ وَهُوَ يُصْلَبُ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْعَمُودْ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ عَلَى عُودْ، فَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ لَا تَعُودْ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: أُتِيَ خَالِدٌ بِشَابٍّ قَدْ وُجِدَ فِي دَارِ قَوْمٍ، وَادُّعِيَ عَلَيْهِ السَّرَقُ،

стр. 7869

فَسَأَلَهُ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ، فَتَقَدَّمَتْ فَتَاةٌ حَسْنَاءُ، فَقَالَتْ: أَخَالِدٌ قَدْ أَوَطَأْتَ وَاللَّهِ عُشْوَةً … وَمَا الْعَاشِقُ الْمِسْكِينُ فِينَا بِسَارِقِ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يَجْنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ … رَأَى الْقَطْعَ أُولَى مِنْ فَضِيحَةِ عَاشِقِ فَأَمَرَ خَالِدٌ بِإِحْضَارِ أَبِيهَا، فَزَوَّجَهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَتَى، وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى خَالِدٍ فَقَالَ: إِنِّي قَدِ امْتَدَحْتُكَ بِبَيْتَيْنِ، وَلَسْتُ أَنْشُدُهُمَا إِلَّا بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَخَادِمٍ. فَقَالَ: قُلْ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: لَزِمْتَ نَعَمْ حَتَّى كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ … سَمِعْتَ مِنَ الْأَشْيَاءِ شَيْئًا سِوَى نَعَمْ وَأَنْكَرْتَ لَا حَتَّى كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ … سَمِعْتَ بِهَا فِي سَالِفِ الدَّهْرِ وَالْأُمَمْ قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَخَادِمٍ يَحْمِلُهَا. قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ لَهُ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ: أَكْثَرْتَ، حُطَّ مِنْهَا. فَقَالَ: أَضَعُ مِنْهَا تِسْعِينَ أَلْفًا. قَالَ: فَتَعْجَّبَ مِنْهُ خَالِدٌ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، سَأَلْتُكَ عَلَى قَدْرِكَ، وَوَضَعْتُ عَلَى قَدْرِي. فَقَالَ لَهُ: لَنْ تَغْلِبَنِي. وَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ قُلْتُ فِيكَ شِعْرًا، وَأَنَا أَسْتَصْغِرُهُ

стр. 7870

فِيكَ. فَقَالَ: قُلْ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: تَعَرَّضْتَ لِي بِالْجُودِ حَتَّى نَعَشْتَنِي … وَأَعْطَيْتَنِي حَتَّى ظَنَنْتُكَ تَلْعَبُ فَأَنْتَ النَّدَى وَابْنُ النَّدَى وَأَخُو النَّدَى … حَلِيفُ النَّدَى مَا للنَّدَى عَنْكَ مَذْهَبُ فَقَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ. قَالَ: عَلَيَّ خَمْسُونَ أَلْفًا دَيْنًا. فَقَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِهَا، وَشَفَعْتُهَا لَكَ. فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ أَبُو الطِّيبِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى ابْنِ الْوَشَّاءِ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ فَأَنْشَدَهُ: كَتَبْتَ نَعَمْ بِبَابِكَ فَهِيَ تَدْعُو … إِلَيْكَ النَّاسَ مُسْفِرَةَ النِّقَابِ وَقُلْتَ لِلَا عَلَيْكِ بِبَابِ غَيْرِي … فَإِنَّكِ لَنْ تُرَيْ أَبَدًا بِبَابِي قَالَ: فَأَعْطَاهُ عَلَى كُلِّ بَيْتٍ خَمْسِينَ أَلْفًا. وَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ: كَانَ رَجُلُ سُوءٍ يَقَعُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁. وَذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ خَالِدًا حَفَرَ بِئْرًا بِمَكَّةَ ادَّعَى فَضْلَهَا عَلَى زَمْزَمَ. وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ تَفْضِيلُ الْخَلِيفَةِ عَلَى الرَّسُولِ. وَهَذَا كُفْرٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ غَيْرَ مَا يَبْدُو مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَعَلَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ صَاحِبَ «الْعِقْدِ» سَبَّ بِهِ،

стр. 7871

وَيُقَرِّرُهُ عَنْهُ; لِأَنَّ صَاحِبَ الْعِقْدِ كَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ شَنِيعٌ، وَرُبَّمَا لَا يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَقَدِ اغْتَرَّ بِهِ شَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ فَمَدَحَهُ بِالْحِفْظِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَفْهَمْ تَشَيُّعَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ فِي إِمَارَتِهِ، وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْجَمَاعَةِ، فَحَذَّرَ خَالِدٌ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُسَمِّيَهُمْ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَعَاقَبَهُ عِقَابًا شَدِيدًا، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فَعَاقَبَهُ حَتَّى مَاتَ شَرَّ قِتْلَةٍ وَأَسْوَأَهَا، وَذَلِكَ فِي مُحَرَمٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي «الْوَفَيَاتِ» وَقَالَ: كَانَ يُتَّهَمُ فِي دِينِهِ، وَقَدْ بَنَى لِأُمِّهِ كَنِيسَةً فِي دَارِهِ فَنَالَ مِنْهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ «الْأَعْيَانِ»: كَانَ فِي نَسَبِهِ يَهُودٌ، فَانْتَمَوْا إِلَى الْعَرَبِ، وَكَانَ يَقْرُبُ مِنْ شِقٍّ، وَسَطِيحٍ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقَدْ كَانَا ابْنَيْ خَالَةٍ، وَعَاشَ كُلٌّ مِنْهُمَا سِتَّمِائَةٍ، وَوُلِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ مَاتَتْ طَرِيفَةُ بِنْتُ الْخَيْرِ بَعْدَمَا تَفَلَتْ فِي فَمِ

стр. 7872

كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَالَتْ: إِنَّهُ سَيَقُومُ مَقَامِي فِي الْكَهَانَةِ. ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ يَوْمِهَا. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ، وَدَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ فِي قَوْلٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ قَاضِي دِمَشْقَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ شَيْخُ مَالِكٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَهُمْ فِي كِتَابِ «التَّكْمِيلِ».

стр. 7873

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْخَلِيفَةُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِوَصِيَّةِ أَخِيهِ يَزِيدَ النَّاقِصِ إِلَيْهِ، وَمُبَايَعَةِ الْأُمَرَاءِ لَهُ بِذَلِكَ، وَجَمِيعِ أَهْلِ الشَّامِ، إِلَّا أَهْلَ حِمْصَ فَلْمْ يُبَايِعُوهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبَ بِالْحِمَارِ كَانَ نَائِبًا بِأَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ - وَتِلْكَ كَانَتْ لِأَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ - وَكَانَ نَقِمَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ فِي قَتْلِهِ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ، وَأَقْبَلَ فِي طَلَبِ دَمِ الْوَلِيدِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى حَرَّانَ أَنَابَ وَبَايَعَ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى بَلَغَهُ مَوْتُهُ، فَأَقْبَلَ فِي أَهْلِ الْجَزِيرَةِ حَتَّى وَصَلَ قِنَّسْرِينَ، فَحَاصَرَ أَهْلَهَا، فَنَزَلُوا عَلَى طَاعَتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى حِمْصَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ مِنْ جِهَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ يُحَاصِرُهُمْ حَتَّى يُبَايِعُوا لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْوَلِيدِ وَقَدْ أَصَرُّوا عَلَى عَدَمِ مُبَايَعَتِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْعَزِيزِ قُرْبُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ تَرَحَّلَ عَنْهَا، وَقَدِمَ مَرْوَانُ إِلَيْهَا، فَبَايَعُوهُ وَسَارُوا مَعَهُ قَاصِدِينَ دِمَشْقَ، وَمَعَهُمْ جُنْدُ الْجَزِيرَةِ وَجُنْدُ قِنَّسْرِينَ، فَتَوَجَّهَ مَرْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَقَدْ بَعَثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَالْتَقَى الْجَيْشَانِ عِنْدَ عَيْنِ الْجَرِّ مِنَ الْبِقَاعِ، فَدَعَاهُمْ مَرْوَانُ إِلَى الْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ، وَأَنْ يُخَلُّوا عَنِ ابْنَيِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ - وَهُمَا الْحَكَمُ، وَعُثْمَانُ - اللَّذَيْنِ كَانَا قَدْ أُخِذَ الْعَهْدُ لَهُمَا، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ سَجَنَهُمَا بِدِمَشْقَ فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا مِنْ حِينِ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، وَبَعَثَ مَرْوَانُ سَرِيَّةً

стр. 7874

تَأْتِي جَيْشَ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَتَمَّ لَهُمْ مَا أَرَادُوهُ، وَأَقْبَلُوا مِنْ وَرَائِهِمْ يُكَبِّرُونَ، وَحَمَلَ الْآخَرُونَ مِنْ تِلْقَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ فِي أَصْحَابِ سُلَيْمَانَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَهْلُ حِمْصَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَاسْتُبِيحَ عَسْكَرُهُمْ. وَكَانَ مِقْدَارُ مَا قُتِلَ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأُسِرَ مِنْهُمْ مِثْلُهُمْ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَرْوَانُ الْبَيْعَةَ لِلْغُلَامَيْنِ ابْنَيِ الْوَلِيدِ الْحَكَمِ، وَعُثْمَانَ، وَأَطْلَقَهُمْ كُلَّهُمْ سِوَى رَجُلَيْنِ، وَهَمَا يَزِيدُ بْنُ الْعَقَّارِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مَصَادٍ الْكَلْبِيَّانِ، فَضَرَبَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسِّيَاطِ وَحَبَسَهُمَا، فَمَاتَا فِي السِّجْنِ; لِأَنَّهُمَا كَانَا مِمَّنْ بَاشَرَ قَتْلَ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ حِينَ قُتِلَ، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ وَبَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ فَإِنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا مُنْهَزِمِينَ، فَمَا أَصْبَحَ لَهُمُ الصُّبْحُ إِلَّا بِدِمَشْقَ فَأَخْبَرُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَلِيدِ بِمَا وَقَعَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ رُءُوسُ الْأُمَرَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُمْ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَأَبُو عِلَاقَةَ السَّكْسَكِيُّ، وَالْأَصْبَغُ بْنُ ذُؤَالَةَ الْكَلْبِيُّ وَنُظَرَاؤُهُمْ، عَلَى أَنْ يَعْمِدُوا إِلَى قَتْلِ ابْنَيِ الْوَلِيدِ الْحَكَمِ، وَعُثْمَانَ خَشْيَةَ أَنْ يَلِيَا الْخِلَافَةَ فَيُهْلِكَا مَنْ عَادَاهُمَا وَقَتَلَ أَبَاهُمَا، فَبَعَثُوا إِلَيْهِمَا يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ فَعَمَدَ إِلَى السِّجْنِ وَفِيهِ الْحَكَمُ، وَعُثْمَانُ ابْنَا الْوَلِيدِ وَقَدْ بَلَغَا، وَيُقَالُ: وَوُلِدَ لِأَحَدِهِمَا وَلَدٌ. فَشَدَخَهُمَا بِالْعَمْدِ، وَقَتَلَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ وَكَانَ مَسْجُونًا مَعَهُمَا، وَكَانَ فِي سِجْنِهِمَا أَيْضًا أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ فَهَرَبَ فَدَخَلَ فِي بَيْتٍ دَاخِلَ السِّجْنِ، وَجَعَلَ وَرَاءَ الْبَابِ رَدْمًا، فَحَاصَرُوهُ فَامْتَنَعَ، فَأَتَوْا بِنَارٍ لِيَحْرِقُوا الْبَابَ، ثُمَّ اشْتَغَلُوا عَنْ ذَلِكَ بِقُدُومِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَى دِمَشْقَ فِي طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ.

стр. 7875

ذِكْرُ دُخُولِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ دِمَشْقَ فِيهَا وَوِلَايَتِهِ الْخِلَافَةَ، وَعَزْلِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَلِيدِ عَنْهَا لَمَّا أَقْبَلَ مَرْوَانُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ مِنْ عَيْنِ الْجَرِّ وَاقْتَرَبَ مِنْ دِمَشْقَ وَقَدِ انْهَزَمَ أَهْلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْأَمْسِ، هَرَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَمَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَفَتَحَهُ وَأَنْفَقَ مَا فِيهِ عَلَى أَصْحَابِهِ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ، وَثَارَ مَوَالِي الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ إِلَى دَارِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَجَّاجِ فَقَتَلُوهُ فِيهَا وَانْتَهَبُوهَا، وَنَبَشُوا قَبْرَ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ وَصَلَبُوهُ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ وَدَخَلَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ دِمَشْقَ فَنَزَلَ فِي أَعَالِيهَا، وَأُتِيَ بِالْغُلَامَيْنِ الْحَكَمِ، وَعُثْمَانَ مَقْتُولَيْنِ، وَكَذَلِكَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَأَمَرَ بِهِمْ فَدُفِنُوا، وَأُتِيَ بِأَبِي مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيِّ وَهُوَ فِي كُبُولِهِ، فَسَلَّمَ عَلَى مَرْوَانَ بِالْخِلَافَةِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَهْ! فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ جَعَلَاهَا لَكَ مِنْ بَعْدِهِمَا. ثُمَّ أَنْشَدَهُ قَصِيدَةً قَالَهَا الْحَكَمُ فِي السِّجْنِ، وَهِيَ طَوِيلَةٌ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ: أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ مَرْوَانَ عَنِّي … وَعَمِّي الْغَمْرَ طَالَ بِهِ حَنِينَا بِأَنِّي قَدْ ظُلِمْتُ وَصَارَ قَوْمِي … عَلَى قَتْلِ الْوَلِيدِ مُشَايِعِينَا فَإِنْ أَهْلَكْ أَنَا وَوَلِيُّ عَهْدِي … فَمَرْوَانٌ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَا ثُمَّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ لِمَرْوَانَ: ابْسُطْ يَدَكَ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ بِالْخِلَافَةِ

стр. 7876

مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ ثُمَّ بَايَعَهُ رُءُوسُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ وَحِمْصَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مَرْوَانُ: اخْتَارُوا أُمَرَاءَ نُوَلِّيهِمْ عَلَيْكُمْ. فَاخْتَارَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ أَمِيرًا، فَوَلَّاهُ عَلَيْهِمْ، فَعَلَى دِمَشْقَ زَامَلُ بْنُ عَمْرٍو الْحُبْرَانِيُّ وَعَلَى حِمْصَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَجَرَةَ الْكِنْدِيُّ وَعَلَى الْأُرْدُنِّ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ، وَعَلَى فَلَسْطِينَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ الْجُذَامِيُّ. وَلَمَّا اسْتَوْسَقَ الشَّامُ لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ رَجَعَ إِلَى حَرَّانَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ مِنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الَّذِي كَانَ خَلِيفَةً وَابْنُ عَمِّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُمَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ فِي أَهْلِ تَدْمُرَ فَبَايَعُوهُ. ثُمَّ لَمَّا اسْتَقَرَّ مَرْوَانُ بِحَرَّانَ أَقَامَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَانْتَقَضَ عَلَيْهِ مَا كَانَ انْبَرَمَ لَهُ مِنْ مُبَايَعَةِ أَهْلِ الشَّامِ، فَنَقَضَ أَهْلُ حِمْصَ وَغَيْرُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى حِمْصَ جَيْشًا، فَوَافَوْهُمْ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدِمَ مَرْوَانُ إِلَيْهَا بَعْدَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ، فَنَازَلَهَا مَرْوَانُ فِي جُنُودٍ كَثِيرَةٍ، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَخْلُوعُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ وَهُمَا عِنْدَهُ مُكَرَّمَانِ خِصِّيصَانِ لَا يَجْلِسُ إِلَّا بِهِمَا وَقْتَ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، فَلَمَّا حَاصَرَ حِمْصَ نَادَوْهُ: إِنَّا عَلَى طَاعَتِكَ. فَقَالَ: افْتَحُوا بَابَ الْبَلَدِ. فَفَتَحُوهُ، ثُمَّ كَانَ مِنْهُمْ بَعْضُ الْقِتَالِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوَ الْخَمْسِمِائَةٍ أَوِ السِّتِّمِائَةِ. فَأَمَرَ بِهِمْ فَصُلِبُوا حَوْلَ الْبَلَدِ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ بَعْضِ سُورِهَا. وَأَمَّا أَهْلُ دِمَشْقَ فَإِنَّ أَهْلَ الْغُوطَةِ حَاصَرُوا أَمِيرَهُمْ زَامَلَ بْنَ عَمْرٍو وَوَلَّوْا

стр. 7877

عَلَيْهِمْ يَزِيدَ بْنَ خَالِدٍ الْقَسْرِيَّ وَثَبَتَ فِي الْمَدِينَةِ نَائِبَهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَرْوَانُ مِنْ حِمْصَ عَسْكَرًا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْ دِمَشْقَ خَرَجَ النَّائِبُ فِيمَنْ مَعَهُ، وَالْتَقَوْا هُمْ وَالْعَسْكَرُ بِأَهْلِ الْغُوطَةِ فَهَزَمُوهُمْ وَحَرَّقُوا الْمِزَّةَ وَقُرًى أُخْرَى مَعَهَا، وَاسْتَجَارَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَسْرِيُّ، وَأَبُو عِلَاقَةَ الْكَلْبِيُّ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمِزَّةِ مِنْ لَخْمٍ فَدَلَّ عَلَيْهِمْ زَامَلُ بْنُ عَمْرٍو فَأُتِيَ بِهِمَا، فَقَتَلَهُمَا وَبَعَثَ بِرَأْسَيْهِمَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَرْوَانَ وَهُوَ بِحِمْصَ. وَخَرَجَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ فِي أَهْلِ فِلَسْطِينَ عَلَى الْخَلِيفَةِ، وَأَتَوْا طَبَرِيَّةَ فَحَاصَرُوهَا، فَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَأَجْلَوْهُمْ عَنْهَا وَاسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُمْ، وَفَرَّ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ هَارِبًا إِلَى فِلَسْطِينَ فَأَتْبَعَهُ الْأَمِيرُ أَبُو الْوَرْدِ فَهَزَمَهُ ثَانِيَةً، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَأَسَرَ أَبُو الْوَرْدِ ثَلَاثَةً مِنْ أَوْلَادِهِ، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَهُمْ جَرْحَى، فَأَمَرَ بِمُدَاوَاتِهِمْ، ثُمَّ كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نَائِبِ فِلَسْطِينَ وَهُوَ الرُّمَاحِسُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيُّ يَأْمُرُهُ بِطَلَبِ ثَابِتِ بْنِ نُعَيْمٍ حَيْثُ كَانَ، فَمَا زَالَ يَتَلَطَّفُ بِهِ حَتَّى أَخَذَهُ أَسِيرًا، وَذَلِكَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ، فَبَعَثَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ كَانُوا مَعَهُ، وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى دِمَشْقَ، فَأُقِيمُوا عَلَى بَابِ مَسْجِدِهَا; لِأَنَّ أَهْلَ دِمَشْقَ كَانُوا قَدْ أَرَجَفُوا بِأَنَّ ثَابِتَ بْنَ نُعَيْمٍ ذَهَبَ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ فَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ نَائِبَ مَرْوَانَ فِيهَا، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِمْ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ; لِيَعْرِفُوا بُطْلَانَ مَا كَانُوا بِهِ أَرَجَفُوا. وَأَقَامَ الْخَلِيفَةُ مَرْوَانُ بِدِيرِ أَيُّوبَ ﵇، مُدَّةً حَتَّى بَايَعَ لِابْنَيْهِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثُمَّ عَبْدِ اللَّهِ وَزَوَّجَهُمَا ابْنَتَيْ هِشَامٍ وَهُمَا أُمُّ هِشَامٍ وَعَائِشَةُ وَكَانَ مَجْمَعًا حَافِلًا، وَعَقْدًا هَائِلًا، وَبَيْعَةً عَامَّةً، وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَامَّةً، وَقَدِمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى

стр. 7878

دِمَشْقَ وَأَمَرَ بِثَابِتٍ وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ مَا كَانُوا قُطِعُوا أَنْ يُصْلَبُوا عَلَى أَبْوَابِ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَسْتَبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا إِلَّا وَاحِدًا، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْكَلْبِيُّ وَكَانَ عِنْدَهُ - فِيمَا زَعَمَ - عِلْمٌ بِوَدَائِعَ كَانَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ. وَاسْتَوْسَقَ أَمْرُ الشَّامِ لِمَرْوَانَ مَا عَدَا تَدْمُرَ فَسَارَ مِنْ دِمَشْقَ فَنَزَلَ الْقَسْطَلَ مِنْ أَرْضِ حِمْصَ وَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ تَدْمُرَ قَدْ عَوَّرُوا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْمِيَاهِ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ، وَمَعَهُ جَحَافِلُ مِنَ الْجُيُوشِ، فَتَكَلَّمَ الْأَبْرَشُ بْنُ الْوَلِيدِ - وَكَانُوا قَوْمَهُ - وَسَأَلَ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَوَّلًا لِيُعْذِرَ إِلَيْهِمْ، فَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْوَلِيدِ أَخَا الْأَبْرَشِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَلَا سَمِعُوا لَهُ قَوْلًا، فَرَجَعَ، فَهَمَّ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمُ الْجُنُودَ، فَسَأَلَهُ الْأَبْرَشُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَأَرْسَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْأَبْرَشُ كَلَّمَهُمْ وَاسْتَمَالَهُمْ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَجَابَهُ أَكْثَرُهُمْ، وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمْهُ بِمَا وَقَعَ، فَأَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَهْدِمَ بَعْضَ سُورِهَا، وَأَنْ يُقْبِلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْدَهُ سَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ نَحْوَ الرُّصَافَةِ عَلَى طَرِيقِ الْبَرِّيَّةِ، وَمَعَهُ مِنَ الرُّءُوسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَخْلُوعُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ وَلَدِ الْوَلِيدِ، وَيَزِيدَ، وَسُلَيْمَانَ فَأَقَامَ بِالرُّصَافَةِ أَيَّامًا، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الرَّقَّةِ فَاسْتَأْذَنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ أَنْ يُقِيمَ هُنَاكَ أَيَّامًا; لِيَسْتَرِيحَ وَيُجِمَّ ظَهْرَهُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَانْحَدَرَ مَرْوَانُ فَنَزَلَ عِنْدَ وَاسِطَ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ فَأَقَامَ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضَى إِلَى قَرْقِيسِيَا وَابْنُ هُبَيْرَةَ بِهَا; لِيَبْعَثَهُ إِلَى الْعِرَاقِ لِمُحَارَبَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيِّ الْخَارِجِيِّ الْحَرُورِيِّ وَاشْتَغَلَ مَرْوَانُ بِهَذَا الْأَمْرِ.

стр. 7879

وَأَقْبَلَ عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ مِمَّنْ كَانَ مَرْوَانُ قَدْ بَعَثَهُمْ فِي بَعْضِ السَّرَايَا، فَاجْتَازُوا بِالرُّصَافَةِ وَفِيهَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ اسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي الْمُقَامِ هُنَاكَ لِلرَّاحَةِ، فَدَعَوْهُ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ وَخَلْعِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمُحَارَبَتِهِ، فَاسْتَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَخَلَعَ مَرْوَانَ وَسَارَ بِالْجُيُوشِ إِلَى قِنَّسْرِينَ، وَكَاتَبَ أَهْلَ الشَّامِ، فَانْفَضُّوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ الَّذِي جَهَّزَهُ مَرْوَانُ لِقِتَالِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْخَارِجِيِّ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ نَحْوٌ مَنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَبَعَثَ مَرْوَانُ إِلَيْهِمْ عِيسَى بْنَ مُسْلِمٍ فِي نَحْوٍ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا أَيْضًا، فَالْتَقَوْا بِأَرْضِ قِنَّسْرِينَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَجَاءَ مَرْوَانُ وَالنَّاسُ فِي الْحَرْبِ، فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَيِّفًا عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَذَهَبَ سُلَيْمَانُ مَفْلُولًا، فَأَتَى حِمْصَ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ مَنِ انْهَزَمَ مَنْ جَيْشِهِ، فَعَسْكَرَ بِهِمْ فِيهَا، وَبَنَى مَا كَانَ مَرْوَانُ هَدَمَ مِنْ سُورِهَا، فَجَاءَهُمْ مَرْوَانُ فَحَاصَرَهُمْ بِهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهِمْ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ مَنْجَنِيقًا، فَمَكَثَ كَذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ يَرْمِيهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَخْرُجُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَيُقَاتِلُونَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ. هَذَا وَقَدْ ذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ مَعَهُ إِلَى تَدْمُرَ وَقَدِ اعْتَرَضُوا جَيْشَ مَرْوَانَ فِي الطَّرِيقِ، وَهَمُّوا بِالْفَتْكِ بِهِ وَأَنْ يُبَيِّتُوهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ، وَتَهَيَّأَ لَهُمْ مَرْوَانُ فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلُوا مِنْ جَيْشِهِ قَرِيبًا مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ وَهُمْ تِسْعُمِائَةٍ، وَانْصَرَفُوا إِلَى تَدْمُرَ وَلَزِمَ مَرْوَانُ

стр. 7880

مُحَاصَرَةَ حِمْصَ كَمَالَ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تَتَابَعَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَلَزِمَهُمُ الذُّلُّ، سَأَلُوهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ سَأَلُوهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ وَابْنَيْهِ مَرْوَانَ، وَعُثْمَانَ وَمِنَ السَّكْسَكِيِّ الَّذِي كَانَ مَعَهُ عَلَى جَيْشِهِ، وَمِنْ حَبَشِيٍّ كَانَ يَشْتُمُهُ وَيَفْتَرِي عَلَيْهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَأَمَّنَهُمْ وَقَتَلَ أُولَئِكَ. ثُمَّ سَارَ إِلَى الضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَائِبُ الْعِرَاقِ قَدْ صَالَحَ الضَّحَّاكَ الْخَارِجِيَّ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْكُوفَةِ وَأَعْمَالِهَا، وَجَاءَتْ خُيُولُ مَرْوَانَ قَاصِدَةً إِلَى الْكُوفَةِ فَتَلَقَّاهُمْ نَائِبُهَا مِنْ جِهَةِ الضَّحَّاكِ، مِلْحَانُ الشَّيْبَانِيُّ فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ مِلْحَانُ فَاسْتَنَابَ الضَّحَّاكُ عَلَيْهَا الْمُثَنَّى بْنَ عِمْرَانَ مِنْ بَنِي عَائِذَةَ وَسَارَ الضَّحَّاكُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ أَيْدِي الْخَوَارِجِ وَأَرْسَلَ الضَّحَّاكُ جَيْشًا إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ - وَكَانَ خَارِجِيًّا - اغْتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاسِ وَاشْتِغَالَهُمْ بِمَقْتَلِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، فَثَارَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ بِالْعِرَاقِ وَالْتَفَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ - وَلَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلَهُ لِخَارِجِيٍّ - فَقَصَدَتْهُمُ الْجُيُوشُ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُمْ، فَتَارَةً يَكْسِرُونَ، وَتَارَةً يُكْسَرُونَ، ثُمَّ مَاتَ سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ فِي طَاعُونٍ أَصَابَهُ،
следующие страницы →