← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ ثُمَّ بَايَعَهُ رُءُوسُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ وَحِمْصَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مَرْوَانُ: اخْتَارُوا أُمَرَاءَ نُوَلِّيهِمْ عَلَيْكُمْ. فَاخْتَارَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ أَمِيرًا، فَوَلَّاهُ عَلَيْهِمْ، فَعَلَى دِمَشْقَ زَامَلُ بْنُ عَمْرٍو الْحُبْرَانِيُّ وَعَلَى حِمْصَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَجَرَةَ الْكِنْدِيُّ وَعَلَى الْأُرْدُنِّ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ، وَعَلَى فَلَسْطِينَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ الْجُذَامِيُّ. وَلَمَّا اسْتَوْسَقَ الشَّامُ لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ رَجَعَ إِلَى حَرَّانَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ مِنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الَّذِي كَانَ خَلِيفَةً وَابْنُ عَمِّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُمَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ فِي أَهْلِ تَدْمُرَ فَبَايَعُوهُ. ثُمَّ لَمَّا اسْتَقَرَّ مَرْوَانُ بِحَرَّانَ أَقَامَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَانْتَقَضَ عَلَيْهِ مَا كَانَ انْبَرَمَ لَهُ مِنْ مُبَايَعَةِ أَهْلِ الشَّامِ، فَنَقَضَ أَهْلُ حِمْصَ وَغَيْرُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى حِمْصَ جَيْشًا، فَوَافَوْهُمْ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدِمَ مَرْوَانُ إِلَيْهَا بَعْدَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ، فَنَازَلَهَا مَرْوَانُ فِي جُنُودٍ كَثِيرَةٍ، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَخْلُوعُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ وَهُمَا عِنْدَهُ مُكَرَّمَانِ خِصِّيصَانِ لَا يَجْلِسُ إِلَّا بِهِمَا وَقْتَ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، فَلَمَّا حَاصَرَ حِمْصَ نَادَوْهُ: إِنَّا عَلَى طَاعَتِكَ. فَقَالَ: افْتَحُوا بَابَ الْبَلَدِ. فَفَتَحُوهُ، ثُمَّ كَانَ مِنْهُمْ بَعْضُ الْقِتَالِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوَ الْخَمْسِمِائَةٍ أَوِ السِّتِّمِائَةِ. فَأَمَرَ بِهِمْ فَصُلِبُوا حَوْلَ الْبَلَدِ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ بَعْضِ سُورِهَا. وَأَمَّا أَهْلُ دِمَشْقَ فَإِنَّ أَهْلَ الْغُوطَةِ حَاصَرُوا أَمِيرَهُمْ زَامَلَ بْنَ عَمْرٍو وَوَلَّوْا

стр. 7877

عَلَيْهِمْ يَزِيدَ بْنَ خَالِدٍ الْقَسْرِيَّ وَثَبَتَ فِي الْمَدِينَةِ نَائِبَهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَرْوَانُ مِنْ حِمْصَ عَسْكَرًا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنْ دِمَشْقَ خَرَجَ النَّائِبُ فِيمَنْ مَعَهُ، وَالْتَقَوْا هُمْ وَالْعَسْكَرُ بِأَهْلِ الْغُوطَةِ فَهَزَمُوهُمْ وَحَرَّقُوا الْمِزَّةَ وَقُرًى أُخْرَى مَعَهَا، وَاسْتَجَارَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَسْرِيُّ، وَأَبُو عِلَاقَةَ الْكَلْبِيُّ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمِزَّةِ مِنْ لَخْمٍ فَدَلَّ عَلَيْهِمْ زَامَلُ بْنُ عَمْرٍو فَأُتِيَ بِهِمَا، فَقَتَلَهُمَا وَبَعَثَ بِرَأْسَيْهِمَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَرْوَانَ وَهُوَ بِحِمْصَ. وَخَرَجَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ فِي أَهْلِ فِلَسْطِينَ عَلَى الْخَلِيفَةِ، وَأَتَوْا طَبَرِيَّةَ فَحَاصَرُوهَا، فَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَأَجْلَوْهُمْ عَنْهَا وَاسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُمْ، وَفَرَّ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ هَارِبًا إِلَى فِلَسْطِينَ فَأَتْبَعَهُ الْأَمِيرُ أَبُو الْوَرْدِ فَهَزَمَهُ ثَانِيَةً، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَأَسَرَ أَبُو الْوَرْدِ ثَلَاثَةً مِنْ أَوْلَادِهِ، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَهُمْ جَرْحَى، فَأَمَرَ بِمُدَاوَاتِهِمْ، ثُمَّ كَتَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نَائِبِ فِلَسْطِينَ وَهُوَ الرُّمَاحِسُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيُّ يَأْمُرُهُ بِطَلَبِ ثَابِتِ بْنِ نُعَيْمٍ حَيْثُ كَانَ، فَمَا زَالَ يَتَلَطَّفُ بِهِ حَتَّى أَخَذَهُ أَسِيرًا، وَذَلِكَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ، فَبَعَثَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ كَانُوا مَعَهُ، وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى دِمَشْقَ، فَأُقِيمُوا عَلَى بَابِ مَسْجِدِهَا; لِأَنَّ أَهْلَ دِمَشْقَ كَانُوا قَدْ أَرَجَفُوا بِأَنَّ ثَابِتَ بْنَ نُعَيْمٍ ذَهَبَ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ فَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا، وَقَتَلَ نَائِبَ مَرْوَانَ فِيهَا، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَيْهِمْ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ; لِيَعْرِفُوا بُطْلَانَ مَا كَانُوا بِهِ أَرَجَفُوا. وَأَقَامَ الْخَلِيفَةُ مَرْوَانُ بِدِيرِ أَيُّوبَ ﵇، مُدَّةً حَتَّى بَايَعَ لِابْنَيْهِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثُمَّ عَبْدِ اللَّهِ وَزَوَّجَهُمَا ابْنَتَيْ هِشَامٍ وَهُمَا أُمُّ هِشَامٍ وَعَائِشَةُ وَكَانَ مَجْمَعًا حَافِلًا، وَعَقْدًا هَائِلًا، وَبَيْعَةً عَامَّةً، وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَامَّةً، وَقَدِمَ الْخَلِيفَةُ إِلَى

стр. 7878

دِمَشْقَ وَأَمَرَ بِثَابِتٍ وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ مَا كَانُوا قُطِعُوا أَنْ يُصْلَبُوا عَلَى أَبْوَابِ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَسْتَبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا إِلَّا وَاحِدًا، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْكَلْبِيُّ وَكَانَ عِنْدَهُ - فِيمَا زَعَمَ - عِلْمٌ بِوَدَائِعَ كَانَ ثَابِتُ بْنُ نُعَيْمٍ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ. وَاسْتَوْسَقَ أَمْرُ الشَّامِ لِمَرْوَانَ مَا عَدَا تَدْمُرَ فَسَارَ مِنْ دِمَشْقَ فَنَزَلَ الْقَسْطَلَ مِنْ أَرْضِ حِمْصَ وَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ تَدْمُرَ قَدْ عَوَّرُوا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْمِيَاهِ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ، وَمَعَهُ جَحَافِلُ مِنَ الْجُيُوشِ، فَتَكَلَّمَ الْأَبْرَشُ بْنُ الْوَلِيدِ - وَكَانُوا قَوْمَهُ - وَسَأَلَ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أَوَّلًا لِيُعْذِرَ إِلَيْهِمْ، فَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْوَلِيدِ أَخَا الْأَبْرَشِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَلَا سَمِعُوا لَهُ قَوْلًا، فَرَجَعَ، فَهَمَّ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمُ الْجُنُودَ، فَسَأَلَهُ الْأَبْرَشُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَأَرْسَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْأَبْرَشُ كَلَّمَهُمْ وَاسْتَمَالَهُمْ إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَجَابَهُ أَكْثَرُهُمْ، وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُعْلِمْهُ بِمَا وَقَعَ، فَأَمَرَهُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يَهْدِمَ بَعْضَ سُورِهَا، وَأَنْ يُقْبِلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ، فَلَمَّا حَضَرُوا عِنْدَهُ سَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ نَحْوَ الرُّصَافَةِ عَلَى طَرِيقِ الْبَرِّيَّةِ، وَمَعَهُ مِنَ الرُّءُوسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْمَخْلُوعُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ وَلَدِ الْوَلِيدِ، وَيَزِيدَ، وَسُلَيْمَانَ فَأَقَامَ بِالرُّصَافَةِ أَيَّامًا، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الرَّقَّةِ فَاسْتَأْذَنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ أَنْ يُقِيمَ هُنَاكَ أَيَّامًا; لِيَسْتَرِيحَ وَيُجِمَّ ظَهْرَهُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَانْحَدَرَ مَرْوَانُ فَنَزَلَ عِنْدَ وَاسِطَ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ فَأَقَامَ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضَى إِلَى قَرْقِيسِيَا وَابْنُ هُبَيْرَةَ بِهَا; لِيَبْعَثَهُ إِلَى الْعِرَاقِ لِمُحَارَبَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيِّ الْخَارِجِيِّ الْحَرُورِيِّ وَاشْتَغَلَ مَرْوَانُ بِهَذَا الْأَمْرِ.

стр. 7879

وَأَقْبَلَ عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ مِمَّنْ كَانَ مَرْوَانُ قَدْ بَعَثَهُمْ فِي بَعْضِ السَّرَايَا، فَاجْتَازُوا بِالرُّصَافَةِ وَفِيهَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ اسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي الْمُقَامِ هُنَاكَ لِلرَّاحَةِ، فَدَعَوْهُ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ وَخَلْعِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمُحَارَبَتِهِ، فَاسْتَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَخَلَعَ مَرْوَانَ وَسَارَ بِالْجُيُوشِ إِلَى قِنَّسْرِينَ، وَكَاتَبَ أَهْلَ الشَّامِ، فَانْفَضُّوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ الَّذِي جَهَّزَهُ مَرْوَانُ لِقِتَالِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْخَارِجِيِّ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ نَحْوٌ مَنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَبَعَثَ مَرْوَانُ إِلَيْهِمْ عِيسَى بْنَ مُسْلِمٍ فِي نَحْوٍ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا أَيْضًا، فَالْتَقَوْا بِأَرْضِ قِنَّسْرِينَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَجَاءَ مَرْوَانُ وَالنَّاسُ فِي الْحَرْبِ، فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَيِّفًا عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَذَهَبَ سُلَيْمَانُ مَفْلُولًا، فَأَتَى حِمْصَ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ مَنِ انْهَزَمَ مَنْ جَيْشِهِ، فَعَسْكَرَ بِهِمْ فِيهَا، وَبَنَى مَا كَانَ مَرْوَانُ هَدَمَ مِنْ سُورِهَا، فَجَاءَهُمْ مَرْوَانُ فَحَاصَرَهُمْ بِهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهِمْ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ مَنْجَنِيقًا، فَمَكَثَ كَذَلِكَ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ يَرْمِيهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَخْرُجُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَيُقَاتِلُونَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ. هَذَا وَقَدْ ذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ مَعَهُ إِلَى تَدْمُرَ وَقَدِ اعْتَرَضُوا جَيْشَ مَرْوَانَ فِي الطَّرِيقِ، وَهَمُّوا بِالْفَتْكِ بِهِ وَأَنْ يُبَيِّتُوهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ، وَتَهَيَّأَ لَهُمْ مَرْوَانُ فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلُوا مِنْ جَيْشِهِ قَرِيبًا مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ وَهُمْ تِسْعُمِائَةٍ، وَانْصَرَفُوا إِلَى تَدْمُرَ وَلَزِمَ مَرْوَانُ

стр. 7880

مُحَاصَرَةَ حِمْصَ كَمَالَ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تَتَابَعَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَلَزِمَهُمُ الذُّلُّ، سَأَلُوهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ سَأَلُوهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ وَابْنَيْهِ مَرْوَانَ، وَعُثْمَانَ وَمِنَ السَّكْسَكِيِّ الَّذِي كَانَ مَعَهُ عَلَى جَيْشِهِ، وَمِنْ حَبَشِيٍّ كَانَ يَشْتُمُهُ وَيَفْتَرِي عَلَيْهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَأَمَّنَهُمْ وَقَتَلَ أُولَئِكَ. ثُمَّ سَارَ إِلَى الضَّحَّاكِ الْخَارِجِيِّ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَائِبُ الْعِرَاقِ قَدْ صَالَحَ الضَّحَّاكَ الْخَارِجِيَّ عَلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْكُوفَةِ وَأَعْمَالِهَا، وَجَاءَتْ خُيُولُ مَرْوَانَ قَاصِدَةً إِلَى الْكُوفَةِ فَتَلَقَّاهُمْ نَائِبُهَا مِنْ جِهَةِ الضَّحَّاكِ، مِلْحَانُ الشَّيْبَانِيُّ فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ مِلْحَانُ فَاسْتَنَابَ الضَّحَّاكُ عَلَيْهَا الْمُثَنَّى بْنَ عِمْرَانَ مِنْ بَنِي عَائِذَةَ وَسَارَ الضَّحَّاكُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَانْتَزَعَهَا مِنْ أَيْدِي الْخَوَارِجِ وَأَرْسَلَ الضَّحَّاكُ جَيْشًا إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ - وَكَانَ خَارِجِيًّا - اغْتَنَمَ غَفْلَةَ النَّاسِ وَاشْتِغَالَهُمْ بِمَقْتَلِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، فَثَارَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ بِالْعِرَاقِ وَالْتَفَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ - وَلَمْ تَجْتَمِعْ قَبْلَهُ لِخَارِجِيٍّ - فَقَصَدَتْهُمُ الْجُيُوشُ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُمْ، فَتَارَةً يَكْسِرُونَ، وَتَارَةً يُكْسَرُونَ، ثُمَّ مَاتَ سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ فِي طَاعُونٍ أَصَابَهُ،

стр. 7881

وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْخَوَارِجِ مِنْ بَعْدِهِ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ هَذَا، فَالْتَفَّ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ، وَالْتَقَى هُوَ وَجَيْشٌ كَثِيرٌ، فَغَلَبَتِ الْخَوَارِجُ وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، مِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخُو أَمِيرِ الْعِرَاقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرَثَاهُ بِأَشْعَارٍ. ثُمَّ قَصَدَ الضَّحَّاكُ بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مَرْوَانَ، فَاجْتَازَ بِالْكُوفَةِ، فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا، فَكَسَرَهُمْ وَدَخَلَ الْكُوفَةَ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، وَاسْتَنَابَ بِهَا رَجُلًا اسْمُهُ حَسَّانُ ثُمَّ اسْتَنَابَ مِلْحَانَ الشَّيْبَانِيَّ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَسَارَ هُوَ فِي طَلَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَائِبِ الْعِرَاقِ فَالْتَقَوْا، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَتَفْصِيلُهَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْإِمَامِ وَمَعَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، فَدَفَعُوا إِلَيْهِ نَفَقَاتٍ كَثِيرَةً، وَأَعْطَوْهُ خُمْسَ أَمْوَالِهِمْ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ لَهُمْ أَمْرٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِكَثْرَةِ الشُّرُورِ الْمُنْتَشِرَةِ، وَالْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ بِالْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَحَارَبَهُ أَمِيرُ الْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَجَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، ثُمَّ أَجْلَاهُ عَنْهَا، فَلَحِقَ بِالْجِبَالِ، فَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ الَّذِي كَانَ لَحِقَ بِبِلَادِ التُّرْكِ وَمَالَأَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْهِدَايَةِ، وَوَفَّقَهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَنْ دُعَاءِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَرَجَ إِلَى

стр. 7882

خُرَاسَانَ فَأَكْرَمَهُ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ نَائِبُهَا، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ وَجَاءُوا لِتَهْنِئَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ خُصُومَةٌ، وَاسْتَمَرَّ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَطَاعَةِ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُ بَعْضُ الْمُنَاوَأَةِ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَأَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمِيرُ الْحِجَازِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ. وَأَمِيرُ الْعِرَاقِ النَّضْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَشِيُّ وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِ الضَّحَّاكُ الْحَرُورِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَأَمِيرُ خُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِ الْكَرْمَانِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ. وَمِمَّنْ تُوفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ، وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، وَمَالِكُ

стр. 7883

بْنُ دِينَارٍ، وَوَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ.

стр. 7884

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ النَّاقِصَ كَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابَ أَمَانٍ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ وَصَارَ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَرَجَعَ عَنْ مُوَالَاةِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَأَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ نَائِبِ خُرَاسَانَ وَحْشَةٌ وَمُنَافَسَاتٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ شَرْحُهَا، فَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ اسْتَوْحَشَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ مِنْ ذَلِكَ، وَتَوَلَّى ابْنُ هُبَيْرَةَ نِيَابَةَ الْعِرَاقِ وَجَاءَتِ الْبَيْعَةُ لِمَرْوَانَ، فَامْتَنَعَ الْحَارِثُ مِنْ قَبُولِهَا وَتَكَلَّمَ فِي مَرْوَانَ وَجَاءَهُ سَلْمُ بْنُ أَحْوَزَ أَمِيرُ الشُّرْطَةِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ رُءُوسِ الْأَجْنَادِ وَالْأُمَرَاءِ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَكُفَّ لِسَانَهُ وَيَدَهُ، وَأَنْ لَا يُفَرِّقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَبَى وَبَرَزَ نَاحِيَةً عَنِ النَّاسِ، وَدَعَا نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَامْتَنَعَ نَصْرٌ مِنْ مُوَافَقَتِهِ، وَاسْتَمَرَّ هُوَ عَلَى خُرُوجِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمَرَ الْجَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ مَوْلَى بَنِي رَاسِبٍ، وَيُكَنَّى بِأَبِي مُحْرِزٍ - وَهُوَ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْفِرْقَةُ الْجَهْمِيَّةُ - أَنْ يَقْرَأَ كِتَابًا فِيهِ سِيرَةِ الْحَارِثِ عَلَى النَّاسِ، وَكَانَ الْحَارِثُ يَقُولُ: أَنَا صَاحِبُ الرَّايَاتِ السُّودِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ نَصْرٌ يَقُولُ: إِنْ كُنْتَ ذَاكَ فَلَعَمْرِي إِنَّكُمُ الَّذِينَ تُخَرِّبُونَ سُورَ دِمَشْقَ وَتُزِيلُونَ بَنِي أُمَيَّةَ فَخْذْ مِنِّي خَمْسَمِائَةِ رَأْسٍ وَمِائَتَيْ بَعِيرٍ وَمَا شِئْتَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ كُنْتَ غَيْرَهُ فَقَدْ أَهْلَكْتَ عَشِيرَتَكَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِالْحَارِثُ يَقُولُ: لَعَمْرِي إِنَّ هَذَا لَكَائِنٌ. فَقَالَ لَهُ

стр. 7885

نَصْرٌ: فَابْدَأْ بِالْكَرْمَانِيِّ أَوَّلًا، ثُمَّ سِرْ إِلَى الرَّيِّ وَأَنَا فِي طَاعَتِكَ إِذَا وَصَّلْتَهَا. ثُمَّ تَنَاظَرَ نَصْرٌ وَالْحَارِثُ وَرَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَحَكَمَا أَنْ يُعْزَلَ نَصْرٌ وَيَكُونَ الْأَمْرُ شُورَى، فَامْتَنَعَ نَصْرٌ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ، وَلَزِمَ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَغَيْرُهُ قِرَاءَةَ سِيرَةِ الْحَارِثِ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَجَامِعِ وَالطُّرُقِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمْعٌ غَفِيرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ انْتَدَبَ لِقِتَالِهِ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْجُيُوشِ عَنْ أَمْرِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَقَصَدُوهُ فَحَاجَفَ دُونَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ طَائِفَةً كَثِيرَةً مِنْهُمُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، طَعَنَهُ رَجُلٌ فِي فِيهِ فَقَتَلَهُ، وَيُقَالُ: بَلْ أُسِرَ الْجَهْمُ فَأُوقِفُ بَيْنَ يَدَيْ سَلْمِ بْنِ أَحْوَزَ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي أَمَانًا مِنِ ابْنِكَ. فَقَالَ: مَا كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَمِّنَكَ، وَلَوْ فَعَلَ مَا أَمَّنْتُكَ، وَلَوْ مَلَأْتَ هَذِهِ الْمُلَاءَةَ كَوَاكِبَ، وَأَنْزَلْتَ إِلَيَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَا نَجَوْتَ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ فِي بَطْنِي لَشَقَقْتُ بَطْنِي حَتَّى أَقْتُلَكَ. وَأَمَرَ عَبْدَ رَبِّهِ بْنَ سِيسَنَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَالْكَرْمَانِيُّ عَلَى نَصْرٍ وَمُخَالَفَتِهِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ أَئِمَّةِ الْهُدَى، وَتَحْرِيمِ الْمُنْكِرَاتِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَغَلَبَ الْكَرْمَانِيُّ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ وَكَانَ رَاكِبًا عَلَى بَغْلٍ، فَتَحَوَّلَ عَنْهُ إِلَى فَرَسٍ، فَحَرَنَتْ أَنْ تَمْشِيَ، وَهَرَبَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْهُمْ سِوَى مِائَةٌ، فَأَدْرَكَهُ أَصْحَابُ الْكَرْمَانِيِّ فَقَتَلُوهُ تَحْتَ شَجَرَةِ زَيْتُونٍ، وَقِيلَ: تَحْتَ شَجَرَةِ غُبَيْرَاءَ. وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ لَسِتٍّ بَقِيْنَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقُتِلَ مَعَهُ مِائَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ،

стр. 7886

وَاحْتَاطَ الْكَرْمَانِيُّ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَ مَنْ خَرَجَ مَعَهُ أَيْضًا، وَأَمَرَ بِصَلْبِ الْحَارِثِ بِلَا رَأْسٍ عَلَى بَابِ مَدِينَةِ مَرْوَ، وَلَمَّا بَلَغَ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ مَقْتَلُ الْحَارِثِ قَالَ فِي ذَلِكَ: يَا مُدْخِلَ الذُّلِّ عَلَى قَوْمِهِ … بُعْدًا وَسُحْقًا لَكَ مِنْ هَالِكِ شُؤْمُكَ أَرْدَى مُضَرًا كُلَّهَا … وَغَضَّ مِنْ قَوْمِكَ بِالْحَارِكِ مَا كَانَتِ الْأَزْدُ وَأَشْيَاعُهَا … تَطْمَعُ فِي عَمْرٍو وَلَا مَالِكِ وَلَا بَنِي سَعْدٍ إِذَا أَلْجَمُوا … كُلَّ طِمِرٍّ لَوْنُهُ حَالِكُ وَقَدْ أَجَابَهُ عَبَّادُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ فِيمَا قَالَ: أَلَّا يَا نَصْرُ قَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ … وَقَدْ طَالَ التَّمَنِّيَ وَالرَّجَاءُ وَأَصْبَحَتِ الْمَزُونُ بِأَرْضِ مَرْوٍ … تُقَضِّي فِي الْحُكُومَةِ مَا تَشَاءُ يَجُوزُ قَضَاؤُهَا فِي كُلِّ حُكْمٍ … عَلَى مُضَرٍ وَإِنْ جَارَ الْقَضَاءُ وَحِمْيَرُ فِي مَجَالِسِهَا قُعُودٌ … تَرَقْرَقُ فِي رِقَابِهِمُ الدِّمَاءُ فَإِنَّ مُضَرٌ بِذَا رَضِيَتْ وَذَلَّتْ … فَطَالَ لَهَا الْمَذَلَّةُ وَالشَّقَاءُ وَإِنْ هِيَ أَعَتَبَتْ فِيهَا وَإِلَّا … فَحَلَّ عَلَى عَسَاكِرِهَا الْعَفَاءُ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَبَا

стр. 7887

مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ إِلَى خُرَاسَانَ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى شِيعَتِهِمْ بِهَا: إِنَّ هَذَا أَبُو مُسْلِمٍ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَقَدْ وَلَيْتُهُ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْضِ خُرَاسَانَ. فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ خُرَاسَانَ، وَقَرَأَ عَلَى أَصْحَابِهِ هَذَا الْكِتَابَ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، وَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَرَجَعَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاشْتَكَاهُمْ إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَابَلُوهُ بِهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِنَّكَ رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ وَعَلَيْكَ بِهَذَا الْحَيِّ مِنَ الْيَمَنِ فَالْزَمْهُمْ وَانْزِلْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُتِمُّ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا بِهِمْ. ثُمَّ حَذَّرَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحْيَاءِ، وَقَالَ لَهُ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَدَعَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ لِسَانًا عَرَبِيًّا فَافْعَلْ، وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ وَاتَّهَمْتَهُ فَاقْتُلْهُ، وَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّيْخِ فَلَا تَعْصِهِ. يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ، وَسَيَأْتِي مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِيمَا بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْخَارِجِيُّ فِي قَوْلِ أَبِي مِخْنَفٍ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الضَّحَّاكَ حَاصَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِوَاسِطَ وَوَافَقَهُ عَلَى مُحَاصَرَتِهِ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَكَ فِي مُحَاصَرَتِي، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ فَسِرْ إِلَيْهِ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ اتَّبَعْتُكَ. فَاصْطَلَحَا عَلَى مُخَالَفَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَتَرَحَّلَ الضَّحَّاكُ عَنْهُ، وَسَارَ قَاصِدًا إِلَى قِتَالِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا اجْتَازَ الضَّحَّاكُ بِالْمَوْصِلِ كَاتَبَهُ أَهْلُهَا، فَمَالَ إِلَيْهِمْ فَدَخَلَهَا، وَقَتَلَ

стр. 7888

نَائِبَهَا، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ وَهُوَ مُحَاصِرٌ حِمْصَ، مَشْغُولٌ بِأَهْلِهَا وَعَدَمِ مُبَايَعَتِهِمْ إِيَّاهُ، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ - وَهُوَ نَائِبُهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ - يَأْمُرُهُ أَنْ يُقَاتِلَ الضَّحَّاكَ بِالْمَوْصِلِ فَسَارَ الضَّحَّاكُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَانَ الضَّحَّاكُ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، فَحَاصَرُوا نَصِيبِينَ، وَسَارَ مَرْوَانُ فِي طَلَبِهِ، فَالْتَقَيَا هُنَالِكَ، فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، فَاقْتَحَمَ الضَّحَّاكُ عَنْ فَرَسِهِ، وَتَرَجَّلَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ كُبَرَاءِ الْأُمَرَاءِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَفَقَدَ أَصْحَابُ الضَّحَّاكِ الضَّحَّاكَ وَشَكُّوا فِي أَمْرِهِ، حَتَّى أَخْبَرَهُمْ مَنْ شَاهَدَهُ قَدْ قُتِلَ، فَبَكَوْا عَلَيْهِ وَنَاحُوا، وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى مَرْوَانَ فَبَعَثَ إِلَى الْمَعْرَكَةِ بِالْمَشَاعِلِ وَمَنْ يَعْرِفُ مَكَانَهُ بَيْنَ الْقَتْلَى، فَلَمَّا وَجَدُوهُ جَاءُوا بِهِ إِلَى مَرْوَانَ وَهُوَ مَقْتُولٌ، وَفِي رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ نَحْوٌ مَنْ عِشْرِينَ ضَرْبَةً، فَأَمَرَ بِرَأْسِهِ، فَطِيفَ بِهِ فِي مَدَائِنِ الْجَزِيرَةِ. وَاسْتَخْلَفَ الضَّحَّاكُ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى جَيْشِهِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: الْخَيْبَرِيُّ. فَالْتَفَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ جَيْشِ الضَّحَّاكِ وَالْتَفَّ مَعَ الْخَيْبَرِيِّ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ، وَالْجَيْشُ الَّذِي كَانُوا قَدْ بَايَعُوهُ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ عَلَى الْخِلَافَةِ، وَخَلَعُوا مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْخِلَافَةِ لِأَجْلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا اقْتَتَلُوا مَعَ مَرْوَانَ فَحَمَلَ الْخَيْبَرِيُّ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ عَلَى مَرْوَانَ وَهُوَ فِي الْقَلْبِ، فَكَّرَ مُنْهَزِمًا، وَاتَّبَعُوهُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مِنَ الْجَيْشِ، وَدَخَلُوا عَسْكَرَهُ، وَجَلَسَ

стр. 7889

الْخَيْبَرِيُّ عَلَى فَرْشِهِ، هَذَا وَمَيْمَنَةُ مَرْوَانَ ثَابِتَةٌ، وَعَلَيْهَا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمَيْسَرَتُهُ أَيْضًا ثَابِتَةٌ، وَعَلَيْهَا إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ. وَلَمَّا رَأَى عَبِيدَ الْعَسْكَرِ قِلَّةَ مَنْ مَعَ الْخَيْبَرِيِّ وَأَنَّ الْمَيْمَنَةَ وَالْمَيْسَرَةَ مِنْ جَيْشِهِمْ بَاقِيَتَانِ طَمِعُوا فِيهِ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ بِعُمُدِ الْخِيَامِ، فَقَتَلُوهُ بِهَا، وَبَلَغَ مَقْتَلُهُ مَرْوَانَ وَقَدْ سَارَ عَنِ الْجَيْشِ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٍ، فَرَجَعَ مَسْرُورًا، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْخَيْبَرِيِّ وَقَدْ وَلَّوْا عَلَيْهِمْ شَيَّبَانَ فَقَاتَلَهُمْ مَرْوَانُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْكَرَادِيسِ، فَهَزَمَهُمْ. وَفِيهَا بَعَثَ مَرْوَانُ الْحِمَارُ عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ يَزِيدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ لِيُقَاتِلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْخَوَارِجِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ نَائِبُ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَأَمِيرُ الْعِرَاقِ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَأَمِيرُ خُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ، وَجَابِرٌ الْجَعْفِيُّ، وَالْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ مَقْتُولًا كَمَا تَقَدَّمَ وَالْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ أَحَدُ كُبَرَاءِ الْأُمَرَاءِ، وَقَدْ

стр. 7890

تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ تَرْجَمَتِهِ وَعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، وَأَبُو حَصِينٍ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَأَبُو الْتَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكَّيُّ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، وَأَبُو قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيُّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَهُمْ فِي كِتَابِنَا «التَّكْمِيلِ».

стр. 7891

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا اجْتَمَعَتِ الْخَوَارِجُ بَعْدَ الْخَيْبَرِيِّ عَلَى شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحُلَيْسِ الْيَشْكُرِيِّ الْخَارِجِيِّ فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ أَنْ يَتَحَصَّنُوا بِالْمَوْصِلِ وَيَجْعَلُوهَا مَنْزِلًا لَهُمْ، فَتَحَوَّلُوا إِلَيْهَا، وَتَبِعَهُمْ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَعَسْكَرُوا بِظَاهِرِهَا، وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ مِمَّا يَلِي جَيْشَ مَرْوَانَ وَقَدْ خَنْدَقَ مَرْوَانُ عَلَى جَيْشِهِ أَيْضًا مِنْ نَاحِيَتِهِمْ، وَأَقَامَ سَنَةً يُحَاصِرُهُمْ وَيَقْتَتِلُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، وَظَفَرَ مَرْوَانُ بِابْنِ أَخٍ لِسُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، أَسَرهُ بَعْضُ جَيْشِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدَاهُ، ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَعَمُّهُ سُلَيْمَانُ وَالْجَيْشُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. وَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى نَائِبِهِ بِالْعِرَاقِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ فِي بِلَادِهِ، فَجَرَتْ لَهُ مَعَهُمْ وَقَعَاتٌ عَدِيدَةٌ، فَظَفِرَ بِهِمُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَأَبَادَ خَضْرَاءَهُمْ، وَلَمْ يُبْقِ لَهُمْ بَقِيَّةً بِالْعِرَاقِ وَاسْتَنْقَذَ الْكُوفَةَ مَنْ أَيْدِيهِمْ، وَكَانَ عَلَيْهَا الْمُثَنَّى بْنُ عِمْرَانَ الْعَائِذِيُّ - عَائِذَةُ قُرَيْشٍ - فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْخَوَارِجِ أَنْ يُمِدَّهُ بِعَامِرِ بْنِ ضُبَارَةَ - وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ - فَبَعَثَهُ فِي سِتَّةِ آلَافٍ أَوْ ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، فَأَرْسَلَتِ الْخَوَارِجُ إِلَيْهِ سَرِيَّةً فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَاعْتَرَضُوهُ فِي الطَّرِيقِ، فَهَزَمَهُمُ ابْنُ ضُبَارَةَ وَقَتَلَ أَمِيرَهُمُ الْجَوْنَ بْنَ كِلَابٍ الشَّيْبَانِيَّ الْخَارِجِيَّ وَأَقْبَلَ نَحْوَ الْمَوْصِلِ،

стр. 7892

وَرَجَعَ فَلُّ الْخَوَارِجِ إِلَيْهِمْ، فَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْتَحِلُوا عَنِ الْمَوْصِلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُمُ الْإِقَامَةُ بِهَا وَمَرْوَانُ مِنْ أَمَامِهِمْ وَابْنُ ضُبَارَةَ مِنْ وَرَائِهِمْ، قَدْ قَطَعَ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ حَتَّى لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ، فَارْتَحَلُوا عَنْهَا، وَسَارُوا عَلَى حُلْوَانَ إِلَى الْأَهْوَازِ فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ ابْنَ ضُبَارَةَ فِي آثَارِهِمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَاتَّبَعَهُمْ يَقْتُلُ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ، وَيَلْحَقُهُمْ فِي مُوَاطِنَ فَيُقَاتِلُهُمْ، وَمَا زَالَ وَرَاءَهُمْ حَتَّى فَرَّقَ شَمْلَهُمْ شَذَرَ مَذَرَ، وَهَلَكَ أَمِيرُهُمْ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْيَشْكُرِيُّ بِالْأَهْوَازِ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ خُلَيْدٍ الْأَزْدِيُّ. وَرَكِبَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ فِي مَوَالِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ السُّفُنَ، وَسَارُوا إِلَى السِّنْدِ، وَرَجَعَ مَرْوَانُ مِنَ الْمَوْصِلِ فَأَقَامَ بِمَنْزِلِهِ بَحَرَّانَ وَقَدْ وَجَدَ سُرُورًا بِزَوَالِ الْخَوَارِجِ وَلَكِنْ لَمْ يَتِمَّ سُرُورُهُ، بَلْ أَعْقَبَهُ الْقَدَرُ مَنْ هُوَ أَقْوَى شَوْكَةً، وَأَعْظَمُ أَتْبَاعًا، وَأَشَدُّ بَأْسًا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَهُوَ ظُهُورُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ الدَّاعِيَةُ إِلَى دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ. أَوَّلُ ظُهُورِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ بِخُرَاسَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْإِمَامِ الْعَبَّاسِيِّ بِطَلَبِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ مِنْ خُرَاسَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي سَبْعِينَ مِنَ النُّقَبَاءِ، لَا يَمُرُّونَ بِبَلَدٍ إِلَّا سَأَلُوهُمْ: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ فَيَقُولُ أَبُو مُسْلِمٍ: نُرِيدُ الْحَجَّ. وَإِذَا تَوَسَّمَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ بَعْضِهِمْ مَيْلًا إِلَيْهِ دَعَاهُ إِلَى مَا هُمْ فِيهِ، فَيُجِيبُهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ جَاءَ كِتَابٌ ثَانٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ

стр. 7893

إِلَيْكَ بِرَايَةِ النَّصْرِ فَارْجِعْ إِلَى خُرَاسَانَ وَأَظْهَرَ الدَّعْوَةَ. فَامْتَثَلَ أَبُو مُسْلِمٍ ذَلِكَ وَأَمَرَ قَحْطَبَةَ بْنَ شَبِيبٍ أَنْ يَسِيرَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالتُّحَفِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ فَيُوَافِيهِ بِهَا فِي الْمَوْسِمِ، وَرَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ بِالْكِتَابِ، فَدَخَلَ خُرَاسَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ وَفِيهِ أَنْ أَظْهِرْ دَعْوَتَكَ وَلَا تَتَرَبَّصْ، فَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ أَبَا مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ دَاعِيًا إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ فَبَثَّ أَبُو مُسْلِمٍ دُعَاتَهُ فِي بِلَادِ خُرَاسَانَ وَنَوَاحِيهَا، وَأَمِيرُ خُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مَشْغُولٌ بِقِتَالِ الْكَرْمَانِيِّ، وَشَيْبَانَ بْنِ سَلَمَةَ الْحَرُورِيِّ وَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالْخِلَافَةِ فِي طَوَائِفَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ فَظَهَرَ أَمْرُ أَبِي مُسْلِمٍ وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَكَانَ مِمَّنْ قَصَدَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَهْلُ سِتِّينَ قَرْيَةٍ، فَأَقَامَ هُنَاكَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَفَتُحَتْ عَلَيْهِ أَقَالِيمُ كَثِيرَةٌ. وَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَقَدَ أَبُو مُسْلِمٍ اللِّوَاءَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ الْإِمَامُ، وَكَانَ يُدْعَى الظِّلَّ، عَلَى رُمْحٍ طُولُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَعَقَدَ الرَّايَةَ الَّتِي بَعَثَ بِهَا الْإِمَامُ أَيْضًا، وَتُدْعَى السَّحَابَ، عَلَى رُمْحٍ طُولُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَهُمَا سَوْدَاوَانِ، وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الْحَجِّ: ٣٩]. وَلَبِسَ أَبُو مُسْلِمٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَمَنْ أَجَابَهُمْ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ السَّوَادَ وَصَارَتْ شِعَارَهُمْ، وَأَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ نَارًا عَظِيمَةً يَدْعُونَ بِهَا أَهْلَ تِلْكَ النَّوَاحِي، وَكَانَتْ عَلَامَةَ مَا بَيْنَهُمْ فَتَجَمَّعُوا. وَمَعْنَى تَسْمِيَةِ إِحْدَى الرَّايَتَيْنِ بِالسَّحَابِ أَنَّ السَّحَابَ كَمَا يُطَبِّقُ جَمِيعَ الْأَرْضِ، كَذَلِكَ بَنُو الْعَبَّاسِ تُطَبِّقُ دَعْوَتُهُمُ الْأَرْضَ، وَمَعْنَى تَسْمِيَةِ الْأُخْرَى بِالظِّلِّ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنَ الظِّلِّ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ بَنُو الْعَبَّاسِ لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ مِنْهُمْ، وَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَكَثُرَ جَيْشُهُ جِدًّا.

стр. 7894

وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ أَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَنَصَبَ لَهُ مِنْبَرًا، وَأَنْ يُخَالِفَ فِي ذَلِكَ بَنِي أُمَيَّةَ وَيَعْمَلَ بِالسُّنَّةِ، فَنُودِيَ لِلصَّلَاةِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ، خِلَافًا لَهُمْ، وَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَكَبَّرَ سَبْعًا فِي الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، لَا أَرْبَعًا، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ لَا ثَلَاثًا، خِلَافًا لَهُمْ. وَابْتَدَأَ الْخُطْبَةَ بِالذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ، وَخَتَمَهَا بِالْقِرَاءَةِ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ أَبُو مُسْلِمٍ طَعَامًا، فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ كِتَابًا بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ عَيَّرَ أَقْوَامًا فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فَاطِرٍ: ٤٢، ٤٣] فَعَظُمَ عَلَى نَصْرٍ أَنْ قَدَّمَ اسْمَهُ عَلَى اسْمِهِ، وَأَطَالَ الْفِكْرَةَ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابٌ لَهُ جَوَابٌ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ بَعَثَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ خَيْلًا عَظِيمَةً لِمُحَارَبَةِ أَبِي مُسْلِمٍ وَذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَأَرْسَلَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِمْ مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ

стр. 7895

الْخُزَاعِيَّ فَالْتَقَوْا هُنَالِكَ فَدَعَاهُمْ مَالِكٌ إِلَى الرِّضَا عَنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَتَصَافُّوا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ جَاءَهُ مَدَدٌ فَقَوِيَ مَالِكٌ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَظْهَرَ وَظَفِرَ بِهِمْ، وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ مَوْقِفٍ اقْتَتَلَ فِيهِ دُعَاةُ بَنِي الْعَبَّاسِ وَجُنْدُ بَنِي أُمَيَّةَ. وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ غَلَبَ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى مُرْوِ الرُّوذِ وَقَتَلَ عَامِلِهَا مِنْ جِهَةِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَهُوَ بِشْرُ بْنُ جَعْفَرٍ السَّعْدِيُّ وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ. وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ إِذْ ذَاكَ شَابًّا حَدَثًا قَدِ اخْتَارَهُ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ لِدَعْوَتِهِمْ، وَذَلِكَ لِشَهَامَتِهِ وَصَرَامَتِهِ وَقُوَّةِ فَهْمِهِ وَجَوْدَةِ عَقْلِهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ مَوْلًى لِإِدْرِيسَ بْنِ مَعْقِلٍ الْعِجْلِيِّ فَاشْتَرَاهُ بَعْضُ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَخَذَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ثُمَّ آلَ وَلَاؤُهُ لِآلِ الْعَبَّاسِ وَقَدْ زَوَّجَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِمَامُ بِابْنَةِ أَبِي النَّجْمِ عِمْرَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ، وَكَتَبَ إِلَى نُقَبَائِهِمْ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، فَامْتَثَلُوا أَمْرَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَقَدْ كَانُوا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ رَدُّوا عَلَيْهِ أَمْرَهُ فِيهِ لِصِغَرِهِ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ أَكَّدَ كِتَابَهُ إِلَيْهِمْ فِي سَبَبِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَنْهُ مَعْدِلٌ، وَكَانَ

стр. 7896

فِي ذَلِكَ الْخِيَرَةُ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. وَلَمَّا اسْتَفْحَلَ أَمْرُ أَبِي مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ تَعَاقَدَتْ طَوَائِفُ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ الَّذِينَ بِهَا عَلَى حَرْبِهِ وَمُقَاتِلَتِهِ، وَلَمْ يَكْرَهْ أَمْرَهُ الْكَرْمَانِيُّ، وَشَيْبَانُ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا عَلَى نَصْرٍ وَهَذَا مُخَالِفٌ لَهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَدْعُو إِلَى خَلْعِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ وَقَدْ طَلَبَ نَصْرٌ مِنْ شَيْبَانَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ عَلَى حَرْبِ أَبِي مُسْلِمٍ أَوْ يَكُفَّ عَنْهُ حَتَّى يَتَفَرَّغَ لِحَرْبِهِ، فَإِذَا قَتَلَهُ وَتَفَرَّغَ مِنْهُ عَادَا إِلَى عَدَاوَتِهِمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا مُسْلِمٍ فَبَعَثَ إِلَى ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَثَنَى ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ شَيْبَانَ عَلَى ذَلِكَ الرَّأْيِ، وَبَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى هَرَاةَ النَّضْرَ بْنَ نُعَيْمٍ فَافْتَتَحَهَا وَطَرَدَ عَنْهَا عَامِلَهَا عِيسَى بْنَ عَقِيلٍ اللَّيْثِيَّ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْبَلَدِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِذَلِكَ، وَجَاءَ عَامِلُهَا إِلَى نَصْرٍ هَارِبًا. ثُمَّ إِنَّ شَيْبَانَ وَادَعَ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ سَنَةً عَلَى تَرْكِ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَذَلِكَ عَنْ كُرْهٍ مِنَ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ فَبَعَثَ ابْنُ الْكَرْمَانِيِّ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ: إِنِّي مَعَكَ عَلَى قِتَالِ نَصْرٍ. وَرَكِبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى خِدْمَةِ ابْنِ الْكَرْمَانِيِّ فَنَزَلَ عِنْدَهُ وَاجْتَمَعَا، فَاتَّفَقَا عَلَى حَرْبِهِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَتَحَوَّلَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى مَوْضِعٍ فَسِيحٍ، وَكَثُرَ جُنْدُهُ، وَعَظُمَ جَيْشُهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الشُّرَطِ وَالْحَرَسِ وَالرَّسَائِلِ وَالدِّيوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ الْمَلِكُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُجَاشِعٍ التَّمِيمِيَّ - وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ - عَلَى الْقَضَاءِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِأَبِي مُسْلِمٍ الصَّلَوَاتِ، وَيَقُصُّ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَيَذْكُرُ مَحَاسِنَ بَنِي هَاشِمٍ وَيَذُمُّ بَنِي أُمَيَّةَ. ثُمَّ تَحَوَّلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَنَزَلَ

стр. 7897

بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: آلِينُ. وَكَانَ فِي مَكَانٍ مُنْخَفِضٍ، فَخَشِيَ أَنْ يَقْطَعَ عَنْهُ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الْمَاءَ، وَذَلِكَ فِي سَادِسِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى بِهِمْ يَوْمَ النَّحْرِ الْقَاضِي الْقَاسِمُ بْنُ مُجَاشِعٍ، وَصَارَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فِي جَحَافِلَ قَاصِدًا قِتَالَ أَبِي مُسْلِمٍ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبِلَادِ نُوَّابًا، فَكَانَ مِنَ الْأَمْرِ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مَقْتَلُ الْكَرْمَانِيِّ وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَبَيْنَ الْكَرْمَانِيِّ وَهُوَ جَدِيعُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرْمَانِيُّ فَقُتِلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَعَلَ أَبُو مُسْلِمٍ يُكَاتِبُ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَيَسْتَمِيلُهُمْ إِلَيْهِ، يَكْتُبُ إِلَى نَصْرٍ وَإِلَى الْكَرْمَانِيِّ: إِنَّ الْإِمَامَ قَدْ أَوْصَانِي بِكُمْ خَيْرًا، وَلَسْتُ أَعْدُو رَأْيَهُ فِيكُمْ. وَكَتَبَ إِلَى الْكُوَرِ يَدْعُو إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ فَاسْتَجَابَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌ غَفِيرٌ، وَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَنَزَلَ بَيْنَ خَنْدَقِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَخَنْدَقِ جُدَيْعٍ الْكَرْمَانِيِّ، فَهَابَهُ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا. وَكَتَبَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْمُلَقَّبِ بِالْحِمَارِ يُعْلِمُهُ بِأَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ وَكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ، وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَكَتَبَ فِي كِتَابِهِ:

стр. 7898

أَرَى بَيْنَ الرَّمَادِ وَمِيضَ جَمْرٍ … فَأَحْرِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ ضِرَامُ فَإِنَّ النَّارَ بِالْعُودَيْنِ تُذْكَى … وَإِنَّ الْحَرْبَ مَبْدَؤُهَا الْكَلَامُ فَقُلْتُ مِنَ التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْرِي … أَأَيْقَاظٌ أُمَيَّةُ أَمْ نِيَامُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ: الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ. فَقَالَ نَصْرٌ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ أَعْلَمَكُمْ أَنْ لَا نُصْرَةَ عِنْدَهُ. وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهَا بِلَفْظٍ آخَرَ: أَرَى خَلَلَ الرَّمَادِ وَمِيضَ نَارٍ … فَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ضِرَامُ فَإِنَّ النَّارَ بِالزِّنْدَيْنِ تُورَى … وَإِنَّ الْحَرْبَ أَوَّلُهَا كَلَامُ لِئَنْ لَمْ يُطْفِهَا عُقَلَاءُ قَوْمٍ … يَكُونُ وُقُودُهَا جُثُثٌ وَهَامُ أَقُولُ مِنَ التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْرِي … أَأَيْقَاظٌ أُمَيَّةُ أَمْ نِيَامُ فَإِنْ كَانُوا لِحِينِهِمُ نِيَامًا … فَقُلْ قُومُوا فَقَدْ حَانَ الْقِيامُ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ عَلَوِيَّةِ الْكُوفَةِ حِينَ خَرَجَ مُحَمَّدٌ، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَلَى الْمَنْصُورِ أَخِي السَّفَّاحِ: أَرَى نَارًا تَشُبُّ عَلَى بِقَاعٍ … لَهَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ شُعَاعُ

стр. 7899

وَقَدْ رَقَدَتْ بَنُو الْعَبَّاسِ عَنْهَا … وَبَاتَتْ وَهِيَ آمِنَةٌ رِتَاعُ كَمَا رَقَدَتْ أُمَيَّةُ ثُمَّ هَبَّتْ … تُدَافِعُ حِينِ لَا يُغْنِي الدِّفَاعُ وَكَتَبَ نَصْرٌ إِلَى نَائِبِ الْعِرَاقِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ يَسْتَمِدُّهُ، كَتَبَ إِلَيْهِ: أَبْلِغٍ يَزِيدَ وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَصْدَقُهُ … وَقَدْ تَبَيِّنْتُ أَنْ لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ بِأَنْ خُرَاسَانُ أَرْضٌ قَدْ رَأَيْتُ بِهَا … بَيْضًا لَوِ افْرَخَ قَدْ حُدِّثْتَ بِالْعَجَبِ فِرَاخُ عَامَيْنِ إِلَّا أَنَّهَا كَبُرَتْ … لَمَّا يَطِرْنَ وَقَدْ سُرْبِلْنَ بِالزَّغَبِ فَإِنْ يَطِرْنَ وَلَمْ يُحْتَلْ لَهُنَّ بِهَا … يُلْهِبْنَ نِيَرَانَ حَرْبٍ أَيَّمَا لَهَبِ فَبَعَثَ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِكِتَابِ نَصْرٍ إِلَى مَرْوَانَ وَاتَّفَقَ فِي وُصُولِهِ إِلَيْهِ أَنْ وَجَدُوا رَسُولًا مِنْ جِهَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمَعَهُ كِتَابٌ مِنْهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَهُوَ يَشْتُمُهُ وَيَسُبُّهُ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُنَاهِضَ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ وَالْكَرْمَانِيَّ، وَلَا يَتْرُكُ هُنَاكَ مَنْ يُحْسِنُ الْكَلَامَ بِالْعَرَبِيَّةِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ مَرْوَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ بِحَرَّانَ إِلَى نَائِبِهِ بِدِمَشْقَ وَهُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُرْسَلَ كِتَابًا إِلَى نَائِبِهِ بِالْبَلْقَاءِ وَيَأْمُرُهُ فِيهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْحُمَيْمَةِ الْبَلْدَةِ الَّتِي فِيهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبُ بِالْإِمَامِ، فَيُقَيِّدُهُ وَيُرْسِلُهُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ نَائِبُ دِمَشْقَ إِلَى نَائِبِ الْبَلْقَاءِ، فَذَهَبَ إِلَى مَسْجِدِ الْبَلْدَةِ، فَوَجَدَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ جَالِسًا فِيهِ، فَقَيَّدَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى دِمَشْقَ، فَبَعَثَهُ نَائِبُ دِمَشْقَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَرَ بِهِ فَسُجِنَ، وَكَانَ مِنْ

стр. 7900

أَمْرِهِ مَا سَيَأْتِي فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ. وَأَمَّا أَبُو مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ لَمَّا تَوَسَّطَ بَيْنَ جَيْشِ نَصْرٍ، وَالْكَرْمَانِيِّ كَاتَبَ الْكَرْمَانِيَّ: إِنِّي مَعَكَ. فَمَالَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ نَصْرٌ: وَيْحَكَ! لَا تَغْتَرَّ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ قَتْلَكَ وَقَتْلَ أَصْحَابِكَ مَعَكَ، فَهَلُمَّ حَتَّى نَكْتُبَ كِتَابًا بَيْنَنَا بِالْمُوَادَعَةِ. فَدَخَلَ الْكَرْمَانِيُّ دَارَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الرَّحْبَةِ فِي مِائَةِ فَارِسٍ وَبَعَثَ إِلَى نَصْرٍ أَنْ هَلُمَّ حَتَّى نَتَكَاتَبَ، فَأَبْصَرَ نَصْرٌ غِرَّةً مِنَ الْكَرْمَانِيِّ فَنَهَضَ إِلَيْهِ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَقُتِلَ الْكَرْمَانِيُّ فِي الْمَعْرَكَةِ، طَعَنَهُ رَجُلٌ فِي خَاصِرَتِهِ، فَخْرَّ عَنْ دَابَّتِهِ، ثُمَّ أَمَرَ نَصْرٌ بِصَلْبِهِ، فَصُلِبَ وَصُلِبَ مَعَهُ سَمَكَةٌ، وَانْضَافَ وَلَدُهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَمَعَهُ طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِيهِ، فَصَارُوا كَتِفًا وَاحِدَةً عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَغَلَّبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى فَارِسَ وَكُوَرِهَا، وَعَلَى حُلْوَانَ وَقُومِسَ وَأَصْبَهَانَ وَالرَّيِّ بَعْدَ حُرُوبٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَبَسْطُهَا، ثُمَّ الْتَقَى عَامِرُ بْنُ ضُبَارَةَ مَعَهُ بِإْصْطَخْرَ فَهَزَمَهُ ابْنُ ضُبَارَةَ وَأَسَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَكَانَ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَنَسَبَهُ ابْنُ ضُبَارَةَ، وَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ مَعَ ابْنِ مُعَاوِيَةَ وَقَدْ عَلِمْتَ خِلَافَهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَرْوَانَ؟ فَقَالَ: كَانَ عَلَيَّ دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ حَرْبُ بْنُ

стр. 7901

قَطَنِ بْنِ وَهْبٍ الْكِنَانِيُّ فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهُ، وَقَالَ: هُوَ ابْنُ أُخْتِنَا. فَوَهَبَهُ لَهُ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَقْدِمَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. ثُمَّ اسْتَعْلَمَ ابْنُ ضُبَارَةَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَخْبَارِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ فَذَمَّهُ، وَرَمَاهُ هُوَ وَأَصْحَابَهُ بِاللِّوَاطِ، وَجِيءَ مِنَ الْأُسَارَى بِمِائَةِ غُلَامٍ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْمُصَبَّغَةُ، فَحَمَلَ ابْنُ ضُبَارَةَ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ لِيُخْبِرِهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى مَرْوَانَ فِي أَجْنَادِ أَهْلِ الشَّامِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا أَخْبَرَهُ ابْنُ ضُبَارَةَ عَنِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّ زَوَالَ مُلْكِ مَرْوَانَ يَكُونُ عَلَى يَدِ هَذَا الرَّجُلِ، وَلَا يَشْعُرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَافَى الْمَوْسِمَ أَبُو حَمْزَةَ الْخَارِجِيُّ فَأَظْهَرَ التَّحَكُّمَ وَالْمُخَالَفَةَ لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ وَالتَّبَرُّؤَ مِنْهُ، فَرَاسَلَهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَإِلَيْهِ أَمْرُ الْحَجِيجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الْأَمَانِ إِلَى يَوْمِ النَّفْرِ، فَوَقَفُوا عَلَى حَجْرَةٍ مِنَ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ ثُمَّ تَحَيَّزُوا عَنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ تَعَجَّلَ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَتَرَكَ مَكَّةَ فَدَخَلَهَا الْخَارِجِيُّ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ: زَارَ الْحَجِيجَ عِصَابَةٌ قَدْ خَالَفُوا … دِينَ الْإِلَهِ فَفَرَّ عَبْدُ الْوَاحِدِ تَرَكَ الْحَلَائِلَ وَالِإْمَارَةَ هَارِبًا … وَمَضَى يُخَبِّطُ كَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ لَوْ كَانَ وَالِدُهُ تَنَصَّلَ عِرْقَهُ … لَصَفَتْ مَشَارِبُهُ بِعِرْقِ الْوَالِدِ

стр. 7902

وَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ الْوَاحِدِ إِلَى الْمَدِينَةِ شَرَعَ فِي تَجْهِيزِ السَّرَايَا إِلَى الْخَارِجِيِّ وَبَذَلَ النَّفَقَاتِ، وَزَادَ فِي أَعْطِيَةِ الْأَجْنَادِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ سَرِيعًا. وَكَانَ إِمْرَةُ الْعِرَاقِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ وَإِمْرَةُ خُرَاسَانَ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَكَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى بَعْضِ بِلَادِهِ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ فِي قَوْلٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَهُمْ فِي كِتَابِ «التَّكْمِيلِ». وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

стр. 7903

سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِتِسْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ مَدِينَةَ مَرْوَ وَنَزَلَ دَارَ الْإِمَارَةِ بِهَا، وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَذَلِكَ بِمُسَاعَدَةِ عَلِيِّ بْنِ الْكَرْمَانِيِّ وَهَرَبَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ النَّاسِ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ الْمَرْزُبَانَةُ ثُمَّ عَجَّلَ الْهَرَبَ حَتَّى لَحِقَ بِسَرْخَسَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ وَرَاءَهُ، وَنَجَا بِنَفْسِهِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ أَبِي مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ جَدًّا، وَالْتَفَّتْ عَلَيْهِ الطَّوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ. مَقْتَلُ شَيْبَانَ بْنِ سَلَمَةَ الْحَرُورِيِّ وَلَمَّا هَرَبَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ بَقِيَ شَيْبَانُ الْحَرُورِيُّ وَكَانَ مُمَالِئًا لَهُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ رُسُلًا، فَحَبَسَهُمْ شَيْبَانُ فَأَرْسَلَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى بَسَّامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْكَبَ إِلَى شَيْبَانَ فَيُقَاتِلُهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَاقْتَتَلَا، فَهَزَمَهُ بِسَّامٌ وَقَتَلَهُ، وَاتَّبَعَ أَصْحَابَهُ يَقْتُلُهُمْ وَيَأْسِرُهُمْ. ثُمَّ قَتَلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ ابْنَيِ الْكَرْمَانِيِّ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَانَ وَجَّهَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ إِلَى أَبِيوَرْدَ فَافْتَتَحَهَا وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَوَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ أَبَا دَاوُدَ إِلَى بَلْخَ، فَأَخَذَهَا مِنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيِّ فَجَمَعَ زِيَادٌ خَلْقًا مِنَ

стр. 7904

الْجُنُودِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ لِقِتَالِ الْمُسَوِّدَةِ، فَنَهَضَ إِلَيْهِمْ أَبُو دَاوُدَ فَقَتَلَهُمْ حَتَّى كَسَرَهُمْ وَاسْتَبَاحَ مُعَسْكَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا، وَاصْطَفَى مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ هُنَالِكَ، ثُمَّ وَقَعَتْ كَائِنَةٌ اقْتَضَتْ أَنِ اتَّفَقَ رَأْيُ أَبِي مُسْلِمٍ مَعَ أَبِي دَاوُدَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ الْكَرْمَانِيِّ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ يَقْتُلُ أَبُو مُسْلِمٍ عَلِيَّ بْنَ جُدَيْعٍ الْكَرْمَانِيَّ فَوَقَعَ ذَلِكَ كَذَلِكَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَوَجَّهَ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ إِلَى نَيْسَابُورَ لِقِتَالِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَمَعَ قَحْطَبَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ كُبَرَاءِ الْأُمَرَاءِ، مِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ وَخَلْقٌ مِنْهُمْ، فَالْتَقَوْا مَعَ تَمِيمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَقَدْ وَجَّهَهُ أَبُوهُ لِقِتَالِهِمْ بِطُوسَ فَقَتَلَ قَحْطَبَةُ مِنْ أَصْحَابِ نَصْرٍ نَحْوًا مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ بَعَثَ إِلَى قَحْطَبَةَ مَدَدًا فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ عَلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ مَعْقِلٍ وَلَمَّا الْتَقَوْا قَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِ نَصْرٍ خَلْقًا، وَقَتَلُوا تَمِيمَ بْنَ نَصْرٍ وَغَنِمُوا أَمْوَالًا جَزِيلَةً جِدًّا، ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ نَائِبَ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ بَعَثَ سَرِيَّةً مَدَدًا لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَرْسَلَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ جِهَتِهِ قَحْطَبَةَ بْنَ شَبِيبٍ، فَالْتَقَى مَعَهُمْ فِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِجُرْجَانَ وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ قَحْطَبَةُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ وَذَمَّرَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْمُصَابَرَةِ، وَوَعَدَهُمْ عَنِ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ يُنْصَرُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ جُنْدُ بَنِي أُمَيَّةَ وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَغَيْرِهِمْ عَشَرَةُ آلَافٍ، مِنْهُمْ أَمِيرُ الْمَدَدِ نُبَاتَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ عَامِلُ جُرْجَانَ وَرَسَاتِيقِهَا لِابْنِ هُبَيْرَةَ فَبَعَثَ قَحْطَبَةُ بِرَأْسِهِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ.

стр. 7905

ذِكْرُ دُخُولِ أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ وَاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ حَتَّى ارْتَحَلَ مِنْهَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةٌ بِقُدَيْدٍ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ بَيْنَ أَبِي حَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ - الَّذِي كَانَ حَكَمَ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ - وَبَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَتَلَ الْخَارِجِيُّ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْخَارِجِيُّ الْمَدِينَةَ وَهَرَبَ نَائِبُهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ فَقَتَلَ الْخَارِجِيُّ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا، وَذَلِكَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مَنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ خَطَبَ الْخَارِجِيُّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ٧٢ عَلَى الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ فَوَبَّخَهُمْ وَأَنَّبَهُمْ، وَكَانَ فِيمَا وَبَّخَهُمْ بِهِ أَنْ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، إِنِّي مَرَرْتُ بِكُمْ أَيَّامَ الْأَحْوَلِ - يَعْنِي هِشَامَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَقَدْ أَصَابَتْكُمْ عَاهَةٌ فِي ثِمَارِكُمْ، فَكَتَبْتُمْ إِلَيْهِ تَسْأَلُونَهُ أَنْ يَضَعَ الْخَرْصَ عَنْ ثِمَارِكُمْ، فَوَضَعَهُ عَنْكُمْ، فَزَادَ غَنِيَّكُمْ غِنًى، وَزَادَ فَقِيرَكُمْ فَقْرًا، فَكَتَبْتُمْ إِلَيْهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. فَلَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ غَيْرِ هَذَا، وَقَدْ أَقَامَ أَبُو حَمْزَةَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ; بَقِيَّةَ صَفَرٍ وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ وَبَعْضَ جُمَادَى الْأُولَى فِيمَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدْ رَوَى الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ رَقِيَ يَوْمًا مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: تَعْلَمُونَ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنَّا لَمْ نَخْرُجْ مِنْ دِيَارِنَا وَأَمْوَالِنَا أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا عَبَثًا، وَلَا لِدَوْلَةِ مُلْكٍ نُرِيدُ أَنْ نَخُوضَ فِيهِ، وَلَا لِثَأْرٍ قَدِيمٍ نِيلَ مِنَّا،

стр. 7906

وَلَكِنَّا لَمَّا رَأَيْنَا مَصَابِيحَ الْحَقِّ قَدْ عُطِّلَتْ، وَضَعُفَ الْقَائِلُ بِالْحَقِّ، وَقُتِلَ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ، ضَاقَتْ عَلَيْنَا الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَسَمِعْنَا دَاعِيًا يَدْعُو إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَحُكْمِ الْقُرْآنِ، فَأَجَبْنَا دَاعِيَ اللَّهِ، وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ [الْأَحْقَافِ: ٣٢]. أَقْبَلْنَا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى، النَّفَرُ مِنَّا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ عَلَيْهِ زَادُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ، يَتَعَاوَرُونَ لِحَافًا وَاحِدًا. قَلِيلُونَ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ، فَآوَانَا اللَّهُ وَأَيَّدَنَا بِنْصِرِهِ، فَأَصْبَحْنَا وَاللَّهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ إِخْوَانًا، ثُمَّ لَقِينَا رِجَالَكُمْ بِقُدَيْدٍ، فَدَعَوْنَاهُمْ إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَحُكْمِ الْقُرْآنِ، وَدَعَوْنَا إِلَى طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَحُكْمِ آلِ مَرْوَانَ فَشَتَّانَ لَعَمْرُ اللَّهِ مَا بَيْنَ الْغَيِّ وَالرُّشْدِ. ثُمَّ أَقْبَلُوا نَحْوَنَا يَهْرَعُونَ يَزِفُّونَ قَدْ ضَرَبَ الشَّيْطَانُ فِيهِمْ بِجِرَانِهِ، وَغَلَتْ بِدِمَائِهِمْ مَرَاجِلُهُ، وَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ، وَأَقْبَلَ أَنْصَارُ اللَّهِ عَصَائِبَ وَكَتَائِبَ، بِكُلِّ مُهَنَّدٍ ذِي رَوْنَقٍ، فَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، بِضَرْبٍ يَرْتَابُ مِنْهُ الْمُبْطِلُونَ، وَأَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، إِنْ تَنْصُرُوا مَرْوَانَ يُسْحِتَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا، وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَوَّلُكُمْ خَيْرُ أَوَّلٍ، وَآخِرُكُمْ شَرُّ آخَرٍ. يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، النَّاسُ مِنَّا وَنَحْنُ مِنْهُمْ، إِلَّا مُشْرِكًا عَابِدَ وَثَنٍ، أَوْ كَافِرَ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ إِمَامًا جَائِرًا. يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ نَفَسًا فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ سَأَلَهَا مَا لَمْ يُؤْتِهَا، فَهُوَ لِلَّهِ عَدُوٌّ، وَلَنَا حَرْبٌ. يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَخْبِرُونِي عَنْ ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ فَرَضَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، فَجَاءَ تَاسِعٌ لَيْسَ لَهُ مِنْهَا وَلَا سَهْمٌ وَاحِدٌ، فَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ، مُكَابِرًا مُحَارِبًا لِرَبِّهِ. يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَنْتَقِصُونَ أَصْحَابِي; قُلْتُمْ: شَبَابٌ أَحْدَاثٌ، وَأَعْرَابٌ جُفَاةٌ. وَيْحَكُمْ! يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَهَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا شَبَابًا أَحْدَاثًا؟! شَبَابٌ وَاللَّهِ مُكْتَهِلُونَ فِي شَبَابِهِمْ،

стр. 7907

غَضَّةٌ عَنِ الشَّرِّ أَعْيُنُهُمْ، ثَقِيلَةٌ عَنِ الْبَاطِلِ أَقْدَامُهُمْ، قَدْ بَاعُوا لِلَّهِ أَنْفُسًا تَمُوتُ بِأَنْفُسٍ لَا تَمُوتُ، قَدْ خَالَطُوا كَلَالَهُمْ بِكَلَالِهِمْ، وَقِيَامَ لَيْلِهِمْ بِصِيَامِ نَهَارِهِمْ، مُنْحَنِيَةٌ أَصْلَابُهُمْ عَلَى أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ، كُلَّمَا مَرُّوا بِآيَةِ خَوْفٍ شَهَقُوا; خَوْفًا مِنَ النَّارِ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةِ شَوْقٍ شَهَقُوا; شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى السُّيُوفِ قَدِ انْتُضِيَتْ، وَإِلَى الرِّمَاحِ قَدْ شُرِعَتْ، وَإِلَى السِّهَامِ قَدْ فُوِّقَتْ، وَأُرْعِدَتِ الْكَتِيبَةُ بِصَوَاعِقَ الْمَوْتِ، اسْتَخَفُّوا وَعِيدَ الْكَتِيبَةِ لِوَعِيدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَسْتَخِفُّوا وَعِيدَ اللَّهِ لِوَعِيدِ الْكَتِيبَةِ، فَطُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ، فَكَمْ مِنْ عَيْنٍ فِي مِنْقَارِ طَائِرٍ طَالَمَا فَاضَتْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَمْ مِنْ يَدٍ زَالَتْ عَنْ مَفْصِلِهَا طَالَمَا اعْتَمَدَ بِهَا صَاحِبُهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ تَقْصِيرِنَا، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. ثُمَّ رَوَى الْمَدَائِنِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ هَارُونَ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ أَبُو حَمْزَةَ الْخَارِجِيُّ قَدْ أَحْسَنَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَتَّى اسْتَمَالَ النَّاسَ حِينَ سَمِعُوهُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: بَرِحَ الْخَفَاءُ أَيْنَ مَا بِكَ يَذْهَبُ؟! مَنْ زَنَى فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ سَرَقَ فَهُوَ كَافِرٌ. فَأَبْغَضَهُ النَّاسُ، وَرَجَعُوا عَنْ مَحَبَّتِهِ. وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى بَعَثَ مَرْوَانُ الْحِمَارُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ أَحَدَ بَنِي سَعْدٍ فِي خُيُولِ أَهْلِ الشَّامِ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، قَدِ انْتَخَبَهَا مِنْ جَيْشِهِ، وَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِائَةَ

стр. 7908

دِينَارٍ، وَفَرَسًا عَرَبِيَّةً وَبَغْلًا لِثِقَلِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ، وَلَوْ لَمْ يَلْحَقْهُ إِلَّا بِالْيَمَنِ فَلْيَتْبَعْهُ إِلَيْهَا، وَلِيُقَاتِلْ نَائِبَ صَنْعَاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى فَسَارَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَتَّى بَلَغَ وَادِيَ الْقُرَى فَتَلْقَّاهُ أَبُو حَمْزَةَ الْخَارِجِيُّ قَاصِدًا مَرْوَانَ فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ إِلَى اللَّيْلِ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ يَا ابْنَ عَطِيَّةَ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا. فَأَبَى أَنْ يُقْلِعَ عَنِ الْقِتَالِ، وَمَا زَالَ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى غَلَبَهُمْ وَكَسَرَهُمْ وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَنَهَضَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَدَخَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ الْمَدِينَةَ وَقَدِ انْهَزَمَ جَيْشُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْهَا، فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَى مَكَّةَ، وَسَارَ إِلَى الْيَمَنِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى مِنْ صَنْعَاءَ، فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَحْيَى وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى مَرْوَانَ وَجَاءَ كِتَابُ مَرْوَانَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِعَجَلَةِ السَّيْرِ إِلَى مَكَّةَ لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ عَامَهُ هَذَا، فَخَرَجَ مِنْ صَنْعَاءَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا، وَتَرَكَ جَيْشَهُ بِصَنْعَاءَ، وَمَعَهُ خُرْجٌ فِيهِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَزَلَ مَنْزِلًا هُنَالِكَ، إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ أَمِيرَانِ، يُقَالُ لَهُمَا: ابْنَا جُمَانَةَ. مِنْ سَادَاتِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَمَعَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا فَأَحْدَقُوا بِابْنِ عَطِيَّةِ وَأَصْحَابِهِ. فَقَالُوا: وَيْحَكُمْ! أَنْتُمْ لُصُوصٌ. فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيَّ بِإِمْرَةِ الْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ، فَنَحْنُ نُعَجِّلُ السَّيْرَ لِنَلْحَقَ الْمَوْسِمَ، وَأَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ. فَقَالُوا: هَذَا بَاطِلٌ. ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ، فَقَتَلُوا ابْنُ عَطِيَّةَ وَأَصْحَابَهُ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَخَذُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ الْمَالِ.

стр. 7909

قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَقَدْ جُعِلَتْ إِلَيْهِ إِمْرَةُ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَنَائِبُ الْعِرَاقِ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ وَإِمْرَةُ خُرَاسَانَ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، غَيْرَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ قَدِ انْتَزَعَ مِنْهُ أَمَاكِنَ كَثِيرَةً مِنْ خُرَاسَانَ وَكُوَرًا وَرَسَاتِيقَ وَقَدْ أَرْسَلَ نَصْرٌ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ يَسْتَمِدُّهُ وَيَسْتَنْجِدُهُ وَيَطْلُبُ أَنْ يَمُدَّهُ مِنْ عِنْدِهِ بِعَشَرَةِ آلَافٍ قَبْلَ أَنْ لَا يَكْفِيَهُ مِائَةُ أَلْفٍ، وَكَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ يَسْتَمِدُّهُ، فَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ يَمُدُّهُ بِمَا أَرَادَ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ شُعَيْبُ بْنُ الْحبْحَابِ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ، وَكَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ.

стр. 7910

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا وَجَّهَ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ وَلَدَهُ الْحَسَنَ إِلَى قُومِسَ لِقِتَالِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَأَرْدَفَهُ بِالْأَمْدَادِ، فَخَامَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَصْرٍ، وَارْتَحَلَ نَصْرٌ فَنَزَلَ الرَّيَّ، فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ، ثُمَّ مَرِضَ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا كَانَ بِسَاوَةَ قَرِيبًا مِنْ هَمَذَانَ تُوُفِّيَ لِمُضِيِّ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَاتَ نَصْرٌ تَمَكَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ جِدًّا، فَسَارَ قَحْطَبَةُ مِنْ جُرْجَانَ، وَقَدِمَ أَمَامَهُ زِيَادُ بْنُ زُرَارَةَ الْقُشَيْرِيُّ وَكَانَ قَدْ نَدِمَ عَلَى اتِّبَاعِ أَبِي مُسْلِمٍ فَتَرَكَ الْجَيْشَ، وَأَخَذَ جَمَاعَةً مَعَهُ، وَسَلَكَ طَرِيقَ أَصْبَهَانَ لِيَأْتِيَ ابْنَ ضُبَارَةَ فَبَعَثَ قَحْطَبَةُ وَرَاءَهُ جَيْشًا، فَقَتَلُوا عَامَّةَ أَصْحَابِهِ، وَأَقْبَلَ قَحْطَبَةُ وَرَاءَهُ، فَقَدِمَ قُومِسَ، وَقَدِ افْتَتَحَهَا ابْنُهُ الْحَسَنُ فَأَقَامَ بِهَا، وَبَعَثَ ابْنَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى الرَّيِّ، ثُمَّ سَاقَ وَرَاءَهُ، فَوَجَدَهُ قَدِ افْتَتَحَهَا، فَأَقَامَ بِهَا وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِذَلِكَ، وَارْتَحَلَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ مَرْوَ فَنَزَلَ نَيْسَابُورَ وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا، وَبَعَثَ قَحْطَبَةُ - بَعْدَ دُخُولِهِ الرَّيَّ بِثَلَاثٍ - ابْنَهُ الْحَسَنَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى هَمَذَانَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهَا خَرَجَ مِنْهَا مَالِكُ بْنُ أَدْهَمَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَجْنَادِ الشَّامِ وَخُرَاسَانَ فَنَزَلُوا نَهَاوَنْدَ فَافْتَتَحَ الْحَسَنُ هَمَذَانَ، ثُمَّ سَارَ وَرَاءَهُمْ إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُوهُ بِالْأَمْدَادِ وَرَاءَهُ، فَجَاءَ فَحَاصَرَهُمْ بِهَا حَتَّى افْتَتَحَهَا.

стр. 7911

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَامِرُ بْنُ ضُبَارَةَ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ كَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى قَحْطَبَةَ وَأَمَدَّهُ بِالْعَسَاكِرِ، فَسَارَ ابْنُ ضُبَارَةَ حَتَّى الْتَقَى مَعَ قَحْطَبَةَ، وَابْنُ ضُبَارَةَ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: عَسْكَرُ الْعَسَاكِرِ، وَقَحْطَبَةُ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الْفَرِيقَانِ رَفَعَ قَحْطَبَةُ وَأَصْحَابُهُ الْمَصَاحِفَ، وَنَادَى الْمُنَادِي: يَا أَهْلَ الشَّامِ، إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى مَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ. فَشَتَمُوا الْمُنَادِيَ، وَشَتَمُوا قَحْطَبَةَ، فَأَمَرَ قَحْطَبَةُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْمِلُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ كَثِيرُ قِتَالٍ حَتَّى انْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ ضُبَارَةَ وَاتَّبَعَهُمْ أَصْحَابُ قَحْطَبَةَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَتَلُوا ابْنَ ضُبَارَةَ فِي الْعَسْكَرِ وَأَخَذُوا مِنْ عَسْكَرِهِمْ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوَصَفُ. وَفِيهَا حَاصَرَ قَحْطَبَةُ نَهَاوَنْدَ حِصَارًا شَدِيدًا، حَتَّى سَأَلَهُ أَهْلُ الشَّامِ الَّذِينَ بِهَا أَنْ يَشْغَلَ أَهْلَهَا حَتَّى يَفْتَحُوا لَهُ الْبَابَ، فَفَتَحُوا لَهُ الْبَابَ، وَأَخَذُوا لَهُمْ مِنْهُ أَمَانًا، فَقَالَ لَهُمْ مَنْ بِهَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ: مَا فَعَلْتُمْ؟ فَقَالُوا: أَخَذْنَا لَنَا وَلَكُمْ أَمَانًا. فَخَرَجُوا ظَانِّينَ أَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ، فَقَالَ قَحْطَبَةُ لِلْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ: كُلُّ مَنْ حَصَلَ عِنْدَهُ أَسِيرٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ وَلْيَأْتِنَا بِرَأْسِهِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ مِمَّنْ كَانَ هَرِبَ مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَطْلَقَ الشَّامِيِّينَ وَأَوْفَى لَهُمْ عَهْدَهُمْ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَنْ لَا يُمَالِئُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، ثُمَّ بَعَثَ قَحْطَبَةُ - عَنْ أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ - أَبَا عَوْنٍ إِلَى شَهْرَزُورَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَحَاصَرَهَا حَتَّى افْتَتَحَهَا، وَقَتَلَ نَائِبَهَا عُثْمَانَ بْنَ سُفْيَانَ. وَقِيلَ: لَمْ يَقْتُلْ بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَبَعَثَ

стр. 7912

إِلَى قَحْطَبَةَ بِذَلِكَ. وَلَمَّا بَلَغَ مَرْوَانَ خَبَرُ قَحْطَبَةَ، وَأَبِي مُسْلِمٍ وَمَا وَقَعَ مِنْ أَمْرِهِمَا تَحَوَّلَ مِنْ حَرَّانَ، فَنَزَلَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الزَّابُّ الْأَكْبَرُ. وَفِيهَا قَصَدَ قَحْطَبَةُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ نَائِبَ الْعِرَاقِ يَزِيدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُ تَقَهْقَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى وَرَائِهِ، وَمَا زَالَ يَتَقَهْقَرُ إِلَى أَنْ جَاوَزَ الْفُرَاتَ، وَجَاءَ قَحْطَبَةُ فَجَازَهُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا سَنَذْكُرُهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 7913

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا جَازَ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ الْفُرَاتَ وَمَعَهُ الْجُنُودُ وَالْفُرْسَانُ، وَابْنُ هُبَيْرَةَ مُخَيِّمٌ عَلَى فَمِ الْفُرَاتِ مِمَّا يَلِي الْفَلُّوجَةَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ وَجَمٍّ غَفِيرٍ، وَقَدْ أَمَدَّهُ مَرْوَانُ بِجُنُودٍ كَثِيرَةٍ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ كُلُّ مَنِ انْهَزَمَ مِنْ جَيْشِ ابْنِ ضُبَارَةَ ثُمَّ إِنَّ قَحْطَبَةَ عَدَلَ إِلَى الْكُوفَةِ لِيَأْخُذَهَا، فَاتَّبَعَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ مَضَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَوَلَّى أَهْلُ الشَّامِ مُنْهَزِمِينَ، وَاتَّبَعَهُمْ أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَفُقِدَ قَحْطَبَةُ مِنَ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُمْ رَجُلٌ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يَكُونَ أَمِيرُ النَّاسِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدَهُ الْحَسَنَ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَسَنُ حَاضِرًا، فَبَايَعُوا حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ لِأَخِيهِ الْحَسَنِ، وَذَهَبَ الْبَرِيدُ إِلَى الْحَسَنِ لِيَحْضُرَ، وَقُتِلَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الْأُمَرَاءِ، وَالَّذِي قَتَلَ قَحْطَبَةَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ، وَيَحْيَى بْنُ حُصَيْنٍ. وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ آخِذًا بِثَأْرِ بَنِي نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوُجِدَ قَحْطَبَةُ فِي الْقَتْلَى، فَدُفِنَ هُنَالِكَ، وَسَارَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ خَرَجَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَدَعَا إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ وَسَوَّدَ، وَكَانَ خُرُوجُهُ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَخْرَجَ عَامِلَهَا مِنْ جِهَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ الْحَارِثِيُّ وَتَحَوَّلَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ إِلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَقَصَدَهُ حَوْثَرَةُ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ جِهَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ حَوْثَرَةُ مِنَ الْكُوفَةِ

стр. 7914

جَعَلَ أَصْحَابُهُ يَذْهَبُونَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ فَيُبَايِعُونَهُ لِبَنِي الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا رَأَى حَوْثَرَةُ ذَلِكَ ارْتَحَلَ إِلَى وَاسِطَ. وَيُقَالُ: بَلْ دَخَلَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ الْكُوفَةَ، وَكَانَ قَحْطَبَةُ قَدْ جَعَلَ فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ تَكُونَ وِزَارَةُ الْخِلَافَةِ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَوْلَى السَّبِيعِ الْكُوفِيِّ الْخَلَّالِ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ أَشَارَ أَنْ يَذْهَبَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى قِتَالِ ابْنِ هُبَيْرَةَ بِوَاسِطَ، وَأَنْ يَذْهَبَ أَخُوهُ حُمَيْدٌ إِلَى الْمَدَائِنِ وَبَعَثَ الْبُعُوثَ إِلَى كُلِّ جَانِبٍ مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي يَفْتَتِحُونَهَا، وَفَتَحُوا الْبَصْرَةَ، افْتَتَحَهَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ لِابْنِ هُبَيْرَةَ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ - كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ - جَاءَ أَبُو مَالِكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُسَيْدٍ الْخُزَاعِيُّ فَأَخَذَ الْبَصْرَةَ لِأَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا، أُخِذَتِ الْبَيْعَةُ لِأَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمُلَقَّبِ بِالسَّفَّاحِ. قَالَهُ أَبُو مَعْشَرٍ وَهِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ خِلَافَةُ السَّفَّاحِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ مَقْتَلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْإِمَامِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ أَنَّ مَرْوَانَ اطَّلَعَ عَلَى كِتَابٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ

стр. 7915

الْإِمَامِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِأَنْ لَا يُبْقِي أَحَدًا بِأَرْضِ خُرَاسَانَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ إِلَّا أَبَادَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ مَرْوَانُ عَلَى ذَلِكَ سَأَلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فَقِيلَ لَهُ: هُوَ بِالْبَلْقَاءِ. فَكَتَبَ إِلَى نَائِبِ دِمَشْقَ أَنْ يُحْضِرَهُ، وَبَعَثَ رَسُولًا فِي ذَلِكَ وَمَعَهُ صِفَتُهُ وَنَعْتُهُ، فَذَهَبَ الرَّسُولُ، فَوَجَدَ أَخَاهُ أَبَا الْعَبَّاسِ السَّفَّاحَ فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ هُوَ، فَأَخَذَهُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ لَيْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخُوهُ. فَدَلَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَأَخَذَهُ وَذَهَبَ مَعَهُ بِأُمِّ وَلَدٍ لَهُ يُحِبُّهَا، وَأَوْصَى إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَارْتَحَلُوا مِنْ فَوْرِهِمْ إِلَيْهَا، وَكَانُوا جَمَاعَةً، مِنْهُمْ أَعْمَامُهُ السِّتَّةُ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَدَاوُدُ، وَعِيسَى، وَصَالِحٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بَنُو عَلِيٍّ وَأَخَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ، وَيَحْيَى ابْنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنَاهُ مُحَمَّدٌ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ ابْنَا إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ الْمَمْسُوكِ وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْكُوفَةَ أَنْزَلَهُمْ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلَّالُ دَارَ الْوَلِيدِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي بَنِي أَوْدٍ وَكَتَمَ أَمْرَهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنَ الْقُوَّادِ وَالْأُمَرَاءِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، حَتَّى فُتِحَتِ الْبِلَادُ، ثُمَّ بُويِعَ لِلسَّفَّاحِ. وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ سِيرَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ بِحَرَّانَ فَحَبَسَهُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمَا زَالَ فِي السِّجْنِ إِلَى هَذِهِ
следующие страницы →