← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

سَلَبْنَاكُمُ كَرًّا فَفُزْتُمْ بِغِرَّةٍ … مِنَ الْكَرِّ أَفْعَالَ الضِّعَافِ الْعَزَائِمِ فَطِرْتُمْ سُرُورًا عِنْدَ ذَاكَ وَنَخْوَةً … كَفِعْلِ الْمَهِينِ النَّاقِصِ الْمُتَعَاظِمِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا فِي تَضَاعِيفِ غَفْلَةٍ … عَرَتْنَا وَصَرْفُ الدَّهْرِ جَمُّ الْمَلَاحِمِ وَلَمَّا تَنَازَعْنَا الْأُمُورَ تَخَاذُلًا … وَدَالَتْ لِأَهْلِ الْجَهْلِ دَوْلَةُ ظَالِمِ وَقَدْ شَغَلَتْ فِينَا الْخَلَائِفَ فِتْنَةٌ … لِعُبْدَانِهِمْ مِنْ تُرْكِهِمْ وَالدَّيَالِمِ بِكُفْرِ أَيَادِيهِمْ وَجَحْدِ حُقُوقِهِمْ … بِمَنْ رَفَعُوهُ مِنْ حَضِيضِ الْبَهَائِمِ وَثَبْتُمْ عَلَى أَطْرَافِنَا عِنْدَ ذَاكُمُ … وُثُوبَ لُصُوصٍ عِنْدَ غَفْلَةِ نَائِمِ أَلَمْ نَنْتَزِعْ مِنْكُمْ بِأَيْدٍ وَقُوَّةٍ … جَمِيعَ بِلَادِ الشَّامِ ضَرْبَةَ لَازِمِ وَمِصْرَ وَأَرْضَ الْقَيْرَوَانِ بِأَسْرِهَا … وَأَنْدَلُسًا قَسْرًا بِضَرْبِ الْجَمَاجِمِ أَلَمْ تَنْتَصِفُ مِنْكُمْ عَلَى ضَعْفِ حَالِهَا … صِقِلِّيَّةٌ فِي بَحْرِهَا الْمُتَلَاطِمِ أَحَلَّتْ بِقُسْطَنْطِينَةٍ كُلُّ نَكْبَةٍ … وَسَامَتْكُمُ سُوءَ الْعَذَابِ الْمُلَازِمِ مَشَاهِدُ تَقْدِيسَاتِكُمْ وَبُيُوتُهَا … لَنَا وَبِأَيْدِينَا عَلَى رَغْمِ رَاغِمِ أَمَا بَيْتُ لَحْمٍ وَالْقُمَامَةُ بَعْدَهَا … بِأَيْدِي رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ الْأَعَاظِمِ وَكُرْسِيُّكُمْ فِي أَرْضِ إِسْكَنْدَرِيَّةٍ … وَكُرْسِيُّكُمْ فِي الْقُدْسِ فِي أُورَشَالِمِ

стр. 9487

ضَمَمْنَاهُمُ قَسْرًا بِرَغْمِ أُنُوفِكُمْ … كَمَا ضَمَّتِ السَّاقَيْنِ سُودُ الْأَدَاهِمِ وَكُرْسِيُّ أَنْطَاكِيَّةٍ كَانَ بُرْهَةً … وَدَهْرًا بِأَيْدِينَا بَذُلِّ الْمَلَاغِمِ فَلَيْسَ سِوَى كُرْسِيِّ رُومَةَ فِيكُمُ … وَكُرْسِيِّ قُسْطَنْطِينَةٍ فِي الْمَقَادِمِ وَلَا بُدَّ مِنْ عَوْدِ الْجَمِيعِ بِأَسْرِهِ … إِلَيْنَا بِعِزٍّ قَاهِرٍ مُتَعَاظِمِ أَلَيْسَ يَزِيدٌ حَلَّ وَسْطَ دِيَارِكُمْ … عَلَى بَابِ قُسْطَنْطِينَةٍ بِالصَّوَارِمِ وَمَسْلَمَةٌ قَدْ دَاسَهَا بَعْدَ ذَاكُمُ … بِجَيْشٍ لُهَامٍ كَاللُّيُوثِ الضَّرَاغِمِ وَأَخْدَمَكُمْ بِالذُّلِّ مَسْجِدَنَا الَّذِي … بُنِي فِيكُمُ فِي عَصْرِهِ الْمُتَقَادِمِ إِلَى جَنْبِ قَصْرِ الْمُلْكِ مِنْ دَارِ مُلْكِكُمْ … أَلَا هَذِهِ حَقًّا صَرِيمَةُ صَارِمِ وَأَدَّى لِهَارُونَ الرَّشْيدِ مَلِيكُكُمْ … إِتَاوَةَ مَغْلُوبٍ وَجِزْيَةَ غَارِمِ سَلَبْنَاكُمُ مَسْرَى شُهُورًا بِقُوَّةٍ … حَبَانَا بِهَا الرَّحْمَنُ أَرْحَمُ رَاحِمِ إِلَى بَيْتِ يَعْقُوبٍ وَأَرْيَافِ دُومَةٍ … إِلَى لُجَّةِ الْبَحْرِ الْبَعِيدِ الْمَحَارِمِ فَهَلْ سِرْتُمُ فِي أَرْضِنَا قَطُّ جُمْعَةً … أَبَى اللَّهُ ذَاكُمْ يَا بَقَايَا الْهَزَائِمِ فَمَا لَكُمُ إِلَّا الْأَمَانِيُّ وَحْدَهَا … بَضَائِعَ نَوْكَى تِلْكَ أَحْلَامُ نَائِمِ رُوَيْدًا يَعُدْ نَحْوَ الْخِلَافَةِ نُورُهَا … وَيُسْفِرُ مُغْبَرُّ الْوُجُوهِ السَّوَاهِمِ

стр. 9488

وَحِينَئِذٍ تَدْرُونَ كَيْفَ فِرَارُكُمْ … إِذَا صَدَمَتْكُمْ خَيْلُ جَيْشٍ مُصَادِمِ عَلَى سَالِفِ الْعَادَاتِ مِنَّا وَمِنْكُمُ … لَيَالِيَ أَنْتُمْ فِي عِدَادِ الْغَنَائِمِ سُبِيتُمْ سَبَايَا يَحْصَرُ الْعَدُّ دُونَهَا … وَسَبْيُكُمْ فِينَا كَقَطْرِ الْغَمَائِمِ فَلَوْ رَامَ خَلْقٌ عَدَّهَا رَامَ مُعْجِزًا … وَأَنَّى بِتَعْدَادٍ لِرِيشِ الْحَمَائِمِ بِأَبْنَاءِ حَمْدَانَ وَكَافُورَ صُلْتُمُ … أَرَاذِلَ أَنْجَاسٍ قِصَارِ الْمَعَاصِمِ دَعِيُّ وَحَجَّامٌ سَطَوْتُمْ عَلَيْهِمَا … وَمَا قَدْرُ مَصَّاصٍ دِمَاءَ الْمَحَاجِمِ فَهَلَّا عَلَى دِمْيَانَةٍ قَبْلَ ذَاكَ أَوْ … عَلَى مَحَلٍ أَرْبَا رُمَاةُ الضَّرَاغِمِ لَيَالِيَ قَادُوكُمْ كَمَا اقْتَادَ جَازِرٌ … حَلَائِبَ أَتْيَاسٍ لَحَزِّ الْحَلَاقِمِ وَسَاقُوا عَلَى رِسْلٍ بَنَاتِ مُلُوكِكُمْ … سَبَايَا كَمَا سِيقَتْ ظِبَاءُ الصَّرَائِمِ وَلَكِنْ سَلُوا عَنَّا هِرَقْلًا وَمَنْ خَلَا … لَكُمْ مِنْ مُلُوكٍ مُكْرَمِينَ قُمَاقِمِ يُخَبِّرْكُمُ عَنَّا الْمُتَوَّجُ مِنْكُمُ … وَقَيْصَرُكُمْ عَنْ سَبْيِنَا لِلْكَرَائِمِ وَعَمَّا فَتَحْنَا مِنْ مَنِيعِ بِلَادِكُمْ … وَعَمَّا أَقَمْنَا فِيكُمُ مِنْ مَآتِمِ وَدَعْ كُلَّ نَذْلٍ مُفْتَرٍ لَا تَعُدَّهُ … إِمَامًا وَلَا مِنْ مُحْكَمَاتِ الدَّعَائِمِ فَهَيْهَاتَ سَامَرَّا وَتَكْرِيتُ مِنْكُمُ … إِلَى جَبَلٍ تِلْكُمْ أَمَانِيُّ هَائِمِ مَتَى يَتَمَنَّاهَا الضَّعِيفُ وَدُونَهَا … تَطَايُرُ هَامَاتٍ وَحَزُّ الْغَلَاصِمِ

стр. 9489

وَمِنْ دُونِ بَغْدَادٍ سُيُوفٌ حَدِيدَةٌ … مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْفَنِيقِ الْقَوَاصِمِ مَحَلَّةُ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالْخَيْرِ وَالتُّقَى … وَمَنْزِلَةٌ مُحْتَلُّهَا كُلُّ عَالِمِ دَعُوا الرَّمْلَةَ الصَّهْبَاءَ عَنْكُمْ فَدُونَهَا … مِنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّيدِ كُلُّ مُقَاوِمِ وَدُونَ دِمَشْقٍ جَمْعُ جَيْشٍ كَأَنَّهُ … سَحَائِبُ طَيْرٍ تَنْتَحِي بِالْقَوَادِمِ وَضَرْبٌ يُلَقِّي الْكُفْرَ كُلَّ مَذَلَّةٍ … كَمَا ضَرَبَ السَّكِّيُّ بِيضَ الدَّرَاهِمِ وَمِنْ دُونِ أَكْنَافِ الْحِجَازِ جَحَافِلٌ … كَقَطْرِ الْغُيُوثِ الْهَامِلَاتِ السَّوَاجِمِ بِهَا مِنْ بَنِي عَدْنَانَ كُلُّ سَمَيْدَعٍ … وَمِنْ حَيِّ قَحْطَانٍ كِرَامُ الْعَمَائِمِ وَأَمْوَالُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَدِمَاؤُكُمْ … بِهَا يُشْتَفَى حَرُّ النُّفُوسِ الْحَوَائِمِ وَلَوْ قَدْ لَقِيتُمْ مِنْ قُضَاعَةَ كُبَّةً … لَقِيتُمْ ضِرَامًا فِي يَبِيسِ الْهَشَائِمِ إِذَا صَبَّحُوكُمْ ذَكَّرُوكُمْ بِمَا خَلَا … لَهُمْ مَعَكُمْ مِنْ مَأْزِقٍ مُتَلَاحِمِ زَمَانَ يَقُودُونَ الصَّوَافِنَ نَحْوَكُمْ … فَجِئْتُمْ ضَمَانًا أَنَّكُمْ فِي الْمَغَانِمِ سَيَأْتِيكُمُ مِنْهُمْ قَرِيبًا عَصَائِبٌ … تُنَسِّيكُمُ تَذْكَارَ أَخْذِ الْعَوَاصِمِ وَأَرْضُكُمُ حَقًّا سَيَقْتَسِمُونَهَا … كَمَا فَعَلُوا دَهْرًا بِعَدْلِ الْمُقَاسِمِ وَلَوْ طَرَقَتْكُمُ مِنْ خُرَاسَانَ عُصْبَةٌ … وَشِيرَازَ وَالرَّيِّ الْقِلَاعِ الْقَوَائِمِ لَمَا كَانَ مِنْكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ غَيْرُ مَا … عَهِدْنَا لَكُمْ ذُلٌّ وَعَضُّ الْأَبَاهِمِ

стр. 9490

فَقَدْ طَالَ مَا زَارُوكُمُ فِي دِيَارِكُمْ … مَسِيرَةَ عبَامٍ بِالْخُيُولِ الصَّلَادِمِ وَأَمَّا سِجِسْتَانُ وَكَرْمَانُ وَالْأُلَى … بِكَابُلَ حَلُّوا فِي بِلَادِ الْبَرَاهِمِ وَفِي فَارِسٍ وَالسُّوسِ جَمْعٌ عَرَمْرَمٌ … وَفِي أَصْبَهَانَ كُلُّ أَرْوَعَ عَازِمِ فَلَوْ قَدْ أَتَاكُمْ جَمْعُهُمْ لَغَدَوْتُمُ … فَرَائِسَ لِلْآسَادِ مِثْلَ الْبَهَائِمِ وَبِالْبَصْرَةِ الزَّهْرَاءِ وَالْكُوفَةِ الَّتِي … سَمَتْ وَبِأَدْنَى وَاسِطٍ كَالْكَظَائِمِ جُمُوعٌ تُسَامِي الرَّمْلَ جَمٌّ عَدِيدُهَا … فَمَا أَحَدٌ يَنْوِي لِقَاهُمْ بِسَالِمِ وَمِنْ دُونِ بَيْتِ اللَّهِ فِي مَكَّةَ الَّتِي … حَبَاهَا بِمَجْدٍ لِلثُّرَيَّا مُزَاحِمِ مَحَلُّ جَمِيعِ الْأَرْضِ مِنْهَا تَيَقُّنًا … مَحَلَّةُ سُفْلِ الْخُفِّ مِنْ فَصِّ خَاتَمِ دِفَاعٌ مِنَ الرَّحْمَنِ عَنْهَا بِحَقِّهَا … فَمَا هُوَ عَنْهَا كَرَّ طَرْفٍ بِرَائِمِ بِهَا دَفَعَ الْأُحْبُوشَ عَنْهَا وَقَبْلَهُمْ … بِحَصْبَاءِ طَيْرٍ فِي ذُرَا الْجَوِّ حَائِمِ وَجَمْعٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ مَاضٍ عَرَمْرَمٍ … حَمَى سُرَّةَ الْبَطْحَاءِ ذَاتِ الْمَحَارِمِ وَمِنْ دُونِ قَبْرِ الْمُصْطَفَى وَسْطَ طِيبَةٍ … جُمُوعٌ كَمُسْوَدٍّ مِنَ اللَّيْلِ فَاحِمِ يَقُودُهُمْ جَيْشُ الْمَلَائِكَةِ الْعُلَا … كِفَاحًا وَدَفْعًا عَنْ مُصَلٍّ وَصَائِمِ فَلَوْ قَدْ لَقِينَاكُمْ لَعُدْتُمْ رَمَائِمًا … بِمَنْ فِي أَعَالِي نَجْدِنَا وَالتَّهَائِمِ وَبِالْيَمَنِ الْمَمْنُوعِ فِتْيَانُ غَارَةٍ .... إِذَا مَا لَقُوكُمْ كُنْتُمْ كَالْمَطَاعِمِ وَفِي حِلَّتَيْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ عُصْبَةٌ … مَغَاوِرُ أَنْجَادٍ طِوَالُ الْبَرَاجِمِ سَتُفْنِيكُمْ وَالْقِرْمِطِيِّينَ دَوْلَةٌ … تَعُودُ لِمَيْمُونِ النَّقِيبَةِ حَازِمِ

стр. 9491

خَلِيفَةُ حَقٍّ يَنْصُرُ الدِّينَ حُكْمُهُ … وَلَا يَتَّقِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمِ إِلَى وَلَدِ الْعَبَّاسِ تُنْمَى جُدُودُهُ … بِفَخْرٍ عَمِيمٍ أَوْ لِزُهْرِ الْعَبَاشِمِ مُلُوكٌ جَرَى بِالنَّصْرِ طَائِرُ سَعْدِهِمْ … فَأَهْلًا بِمَاضٍ مِنْهُمُ وَبِقَادِمِ مَحَلَّتُهُمْ فِي مَسْجِدِ الْقُدْسِ أَوْ لَدَى … مَنَازِلِ بَغْدَادَ مَحَلُّ الْمَكَارِمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ عُلْيَا عَدِيٍّ وَتَيْمِهَا … وَمِنْ أَسَدٍ أَهْلِ الصَّلَاحِ الْحَضَارِمِ فَأَهْلًا وَسَهْلًا ثُمَّ نُعْمَى وَمَرْحَبًا … بِهِمْ مِنْ خِيَارٍ سَالِفِينَ أَقَادِمِ هُمُ نَصَرُوا الْإِسْلَامَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا … وَهُمْ فَتَحُوا الْبُلْدَانَ فَتْحَ الْمُرَاغِمِ رُوَيْدًا فَوَعْدُ اللَّهِ بِالصِّدْقِ وَارِدٌ … بِتَجْرِيعِ أَهْلِ الْكُفْرِ طَعْمَ الْعَلَاقِمِ سَنَفْتَحُ قُسْطَنْطِينَةَ وَذَوَاتِهَا … وَنَجْعَلُكُمْ قُوتَ النُّسُورِ الْقَشَاعِمِ وَنَمْلِكُ أَقْصَى أَرْضِكُمْ وَبِلَادِكُمْ … وَنُلْزِمُكُمْ ذُلَّ الْجِزَى وَالْمَغَارِمِ وَنَفْتَحُ أَرْضَ الصِّينِ وَالْهِنْدِ عَنْوَةً … بِجَيْشٍ لِأَرْضِ التُّرْكِ وَالْخَزْرِ حَاطِمِ مَوَاعِيدُ لِلرَّحْمَنِ فِينَا صَحِيحَةٌ … وَلَيْسَتْ كَأَمْثَالِ الْعُقُولِ السَّقَائِمِ إِلَى أَنْ يُرَى الْإِسْلَامُ قَدْ عَمَّ حُكْمُهُ … جَمِيعَ الْبِلَادِ بِالْجُيُوشِ الصَّوَارِمِ أَتَقْرِنُ يَا مَخْذُولُ دِينَ مُثَلِّثٍ … بَعِيدًا عَنِ الْمَعْقُولِ بَادِي الْمَآثِمِ تَدِينُ لِمَخْلُوقٍ يَدِينُ عِبَادَهُ … فَيَا لَكَ سُحْقًا لَيْسَ يَخْفَى لِكَاتِمِ أَنَاجِيلُكُمْ مَصْنُوعَةٌ بِتَكَاذُبٍ … كَلَامِ الْأُلَى فِيهَا أَتَوْا بِالْعَظَائِمِ

стр. 9492

وُعُودُ صَلِيبٍ مَا تَزَالُونَ سُجَّدًا … لَهُ يَا عُقُولَ الْهَامِلَاتِ السَّوَائِمِ تَدِينُونَ تَضْلَالًا بِصَلْبِ إِلَهِكُمْ … بِأَيْدِي يَهُودٍ أَرْذَلِينَ أَلَائِمِ إِلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ تَوْحِيدِ رَبِّنَا .... فَمَا دِينُ ذِي دِينٍ لَنَا بِمُقَاوِمِ وَصِدْقِ رِسَالَاتِ الَّذِي جَاءَ بِالْهُدَى … مُحَمَّدٍ الْآتِي بِدَفْعِ الْمَظَالِمِ وَأَذْعَنَتِ الْأَمْلَاكُ طَوْعًا لِدِينِهِ … بِبُرْهَانِ صِدْقٍ ظَاهِرٍ فِي الْمَوَاسِمِ كَمَا دَانَ فِي صَنْعَاءَ مَالِكُ دَوْلَةٍ … وَأَهْلُ عُمَانٍ حَيْثُ رَهْطِ الْجَهَاضِمِ وَسَائِرُ أَمْلَاكِ الْيَمَانِينَ أَسْلَمُوا … وَمِنْ بَلَدِ الْبَحْرَيْنِ قَوْمُ اللَّهَازِمِ أَجَابُوا لِدِينِ اللَّهِ دُونَ مَخَافَةٍ … وَلَا رَغْبَةٍ تَحْظَى بِهَا كَفُّ عَادِمِ فَحَلُّوا عُرَى التِّيجَانِ طَوْعًا وَرَغْبَةً … بِحَقٍّ يَقِينٍ بِالْبَرَاهِينِ نَاجِمِ وَحَابَاهُ بِالنَّصْرِ الْمَكِينِ إِلَهُهُ … وَصَيَّرَ مَنْ عَادَاهُ تَحْتَ الْمَنَاسِمِ فَقِيرٌ وَحِيدٌ لَمْ تُعِنْهُ عَشِيرَةٌ … وَلَا دَفَعُوا عَنْهُ شَتِيمَةَ شَاتِمِ وَلَا عِنْدَهُ مَالٌ عَتِيدٌ لِنَاصِرٍ … وَلَا دَفْعِ مَرْهُوبٍ وَلَا لِمُسَالِمِ وَلَا وَعَدَ الْأَنْصَارَ مَالًا يَخُصُّهُمْ … بَلَى كَانَ مَعْصُومًا لِأَقْدَرِ عَاصِمِ فَلَمْ تَمْتَهِنْهُ قَطُّ قُوَّةُ آسِرٍ … وَلَا مُكِّنَتْ مِنْ جِسْمِهِ يَدُ لَاطِمِ كَمَا يَفْتَرِي إِفْكًا وَزُورًا وَضِلَّةً … عَلَى وَجْهِ عِيسَى مِنْكُمُ كُلُّ آثِمِ عَلَى أَنَّكُمْ قَدْ قُلْتُمُ هُوَ رَبُّكُمْ … فَيَا لَضَلَالٍ فِي الْحَمَاقَةِ عَائِمِ أَبَى اللَّهُ أَنْ يُدْعَى لَهُ ابْنٌ وَصَاحِبٌ … سَتَلْقَى دُعَاةُ الْكُفْرِ حَالَةَ نَادِمِ

стр. 9493

وَلَكِنَّهُ عَبْدٌ نَبِيٌّ مُكَرَّمٌ … مِنَ النَّاسِ مَخْلُوقٌ وَلَا قَوْلَ زَاعِمِ أَيُلْطَمُ وَجْهُ الرَّبِّ تَبًّا لِنَوْكِكُمْ … لَقَدْ فُقْتُمْ فِي ظُلْمِكُمْ كُلَّ ظَالِمِ وَكَمْ آيَةٍ أَبْدَى النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ … وَكَمْ عِلْمٍ أَبْدَاهُ لِلشِّرْكِ حَاطِمِ تَسَاوَى جَمِيعُ النَّاسِ فِي نَصْرِ حَقِّهِ … فَلِلْكُلِّ فِي إِعْظَامِهِ حَالُ خَادِمِ فَعُرْبٌ وَأُحْبُوشٌ وَفُرْسٌ وَبَرْبَرٌ … وَكُرْدِيُّهُمْ قَدْ فَازَ قِدْحُ الْمَرَاحِمِ وَقِبْطٌ وَأَنْبَاطٌ وَخَزْرٌ وَدَيْلَمٌ … وَرُومٌ رَمَوْكُمْ دُونَهُ بِالْقَوَاصِمِ أَبَوْا كُفْرَ أَسْلَافٍ لَهُمْ فَتَحَنَّفُوا … فَآبُوا بِحَظٍّ فِي السَّعَادَةِ جَاثِمِ بِهِ دَخَلُوا فِي مِلَّةِ الْحَقِّ كُلُّهُمْ … وَدَانُوا لِأَحْكَامِ الْإِلَهِ اللَّوَازِمِ بِهِ صَحَّ تَفْسِيرُ الْمَنَامِ الَّذِي أَتَى … بِهِ دَانِيَالُ قَبْلَهُ خَتْمِ خَاتِمِ وَسِنْدٌ وَهِنْدٌ أَسْلَمُوا وَتَدَيَّنُوا … بِدِينِ الْهُدَى فِي رَفْضِ دِينِ الْأَعَاجِمِ وَشَقَّ لَنَا بَدْرَ السَّمَوَاتِ آيَةً … وَأَشْبَعَ مِنْ صَاعٍ لَهُ كُلَّ طَاعِمِ وَسَالَتْ عُيُونُ الْمَاءِ فِي وَسْطِ كَفِّهِ … فَأَرْوَى بِهِ جَيْشًا كَثِيرَ الْهَمَاهِمِ وَجَاءَ بِمَا تَقْضِي الْعُقُولُ بِصِدْقِهِ … وَلَا كَدَعَاوٍ غَيْرِ ذَاتِ قَوَائِمِ عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ … تَعَاقَبَهُ ظَلْمَاءُ أَسْحَمَ قَاتِمِ بَرَاهِينُهُ كَالشَّمْسِ لَا مِثْلُ قَوْلِكُمْ … وَتَخْلِيطِكُمْ فِي جَوْهَرٍ وَأَقَانِمِ لَنَا كُلُّ عِلْمٍ مِنْ قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ … وَأَنْتُمْ حَمِيرٌ دَامِيَاتُ الْمَحَازِمِ أَتَيْتُمْ بِشِعْرٍ بَارِدٍ مُتَخَاذِلٍ … ضَعِيفِ مَعَانِي النَّظْمِ جَمِّ الْبَلَاغِمِ فَدُونَكَهَا كَالْعِقْدِ فِيهِ زُمُرُّدٌ … وَدُرٌّ وَيَاقُوتٌ بِإِحْكَامِ حَاكِمِ

стр. 9494

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْخَلِيفَةُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَالسُّلْطَانُ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ. وَعَمِلَتِ الرَّوَافِضُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَزَاءَ الْحُسَيْنِ، عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ النَّوْحِ. وَلَمَّا كَانَ ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تُوَفِّيَ: مُعِزُّ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ الَّذِي أَظْهَرَ الرَّفْضَ، وَيُقَالُ لَهُ: مُعِزُّ الدَّوْلَةِ، بِعِلَّةِ الذَّرَبِ، فَصَارَ لَا يَثْبُتُ فِي مَعِدَتِهِ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَوْتِ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ ، وَرَدَّ كَثِيرًا مِنَ الْمَظَالِمِ، وَتَصَدَّقَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَأَعْتَقَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ مَمَالِيكِهِ، وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ بَخْتِيَارَ عِزِّ الدَّوْلَةِ. وَقَدِ اجْتَمَعَ بِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، فَكَلَّمَهُ فِي السُّنَّةِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا زَوَّجَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا قَطُّ. وَرَجَعَ إِلَى السُّنَّةِ وَمُتَابَعَتِهَا، وَلَمَّا حَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، خَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا

стр. 9495

تُصَلِّي هَاهُنَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ دَارَكَ مَغْصُوبَةٌ. فَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ ذَلِكَ. وَكَانَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ حَلِيمًا كَرِيمًا عَاقِلًا، وَكَانَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ مَقْطُوعَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ السُّعَاةَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ; لِيَبْعَثَ بِأَخْبَارِهِ إِلَى أَخِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ إِلَى شِيرَازَ سَرِيعًا، وَحَظِيَ عِنْدَهُ أَهْلُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ، وَتَعَلَّمَ أَهْلُ بَغْدَادَ ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَجْرِي فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ فَرْسَخًا، وَكَانَ فِي الْبَلَدِ سَاعِيَانِ مَاهِرَانِ، وَهُمَا فَضْلٌ وَمَرْعُوشٌ، يَتَعَصَّبُ لِهَذَا عَوَامُّ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلِهَذَا عَوَامُّ أَهْلِ الشِّيعَةِ، وَجَرَتْ لَهُمَا مَنَاصِفُ وَمَوَاقِفُ. وَلَمَّا مَاتَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ دُفِنَ بِبَابِ التِّبْنِ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، وَجَلَسَ ابْنُهُ لِلْعَزَاءِ، وَأَصَابَ النَّاسَ مَطَرٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا، فَبَعَثَ عِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى رُءُوسِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِمَالٍ جَزِيلٍ; لِئَلَّا تَجْتَمِعَ الدَّوْلَةُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ مُبَايَعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَقْلِهِ وَدَهَائِهِ. وَكَانَ عُمُرُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَيَوْمَيْنِ، وَكَانَ قَدْ نَادَى فِي أَيَّامِهِ بِرَدِّ الْمَوَارِيثِ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ قَبْلَ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَدْ سَمِعَ بَعْضُ النَّاسِ لَيْلَةَ تُوُفِّيَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ هَاتِفًا يَقُولُ: لَمَّا بَلَغْتَ أَبَا الْحُسَيْـ … ـــنِ مُرَادَ نَفْسِكَ فِي الطَّلَبْ

стр. 9496

وَأَمِنْتَ مِنْ حَدَثِ اللَّيَا … لِي وَاحْتَجَبْتَ عَنِ النُّوَبْ مُدَّتْ إِلَيْكَ يَدُ الرَّدَى … وَأُخِذْتَ مِنْ بَيْتِ الذَّهَبْ وَلَمَّا مَاتَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ عِزُّ الدَّوْلَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَى اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ النِّسَاءِ، فَتَفَرَّقَ شَمْلُهُ، وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ، وَطَمِعَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ السَّامَانِيُّ صَاحِبُ بِلَادِ خُرَاسَانَ فِي مُلْكِ بَنِي بُوَيْهِ، وَأَرْسَلَ الْجُيُوشَ الْكَثِيفَةَ صُحْبَةَ الْمَلِكِ وُشْمَكِيرَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَابْنِ أَخِيهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ يَسْتَنْجِدُهُمَا، فَأَرْسَلَا إِلَيْهِ بِجُنُودٍ كَثِيرَةٍ، فَرَكِبَ فِيهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ وُشْمَكِيرُ يَتَهَدَّدُهُ وَيَتَوَعَّدُهُ، وَيَقُولُ: لَئِنْ قَدَرْتُ عَلَيْكَ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ وَلَأَفْعَلَنَّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رُكْنُ الدَّوْلَةِ: لَكِنِّي إِنْ قَدَرْتُ عَلَيْكَ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْكَ وَلَأَصْفَحَنَّ عَنْكَ. فَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ لِهَذَا، فَدَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ شَرَّهُ; وَذَلِكَ أَنَّوُشْمَكِيرَ رَكِبَ فَرَسًا صَعْبَةً فَتَصَيَّدَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ خِنْزِيرٌ، فَنَفَرَتِ الْفَرَسُ، فَأَلْقَتْهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ. وَبَعَثَ ابْنُ وُشْمَكِيرَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ مِنْ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَأَمَّنَهُ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْمَالِ وَالرِّجَالِ، وَوَفَى بِمَا قَالَ، وَصَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ كَيْدَ السَّامَانِيَّةِ، وَذَلِكَ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَحُسْنِ الطَّوِيَّةِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو الْفَرَجِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيُّ

стр. 9497

الْأَصْبِهَانِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «الْأَغَانِي» وَكِتَابِ «أَيَّامِ الْعَرَبِ» ذَكَرَ فِيهِ أَلْفًا وَسَبْعَمِائَةِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِمْ وَوَقَائِعِهِمْ، وَكَانَ شَاعِرًا أَدِيبًا كَاتِبًا، عَالِمًا بِالْأَخْبَارِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَتَشَيَّعُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَمِثْلُهُ لَا يُوثَقُ بِهِ; فَإِنَّهُ يُصَرِّحُ فِي كُتُبِهِ بِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِسْقَ، وَيُهَوِّنُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَرُبَّمَا حَكَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كِتَابَ «الْأَغَانِي» رَأَى كُلَّ قَبِيحٍ وَمُنْكَرٍ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مُطَيَّنٍ وَخَلْقٍ، وَرَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا الْبُحْتُرِيُّ الشَّاعِرُ. وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ مُصَنَّفَاتٍ عَدِيدَةً; مِنْهَا «الْأَغَانِي» «وَالدِّيَارَاتُ»، وَ «أَيَّامُ الْعَرَبِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ. سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ، صَاحِبُ حَلَبَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْهَيْجَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ حَمْدُونَ التَّغْلِبِيُّ الرَّبَعِيُّ الْمُلَقَّبُ بِسَيْفِ

стр. 9498

الدَّوْلَةِ، أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الشُّجْعَانِ، وَالْمُلُوكِ الْكَثِيرِي الْإِحْسَانِ، عَلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ تَشَيُّعٍ، وَقَدْ مَلَكَ دِمَشْقَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَاتَّفَقَ لَهُ أَشْيَاءُ غَرِيبَةٌ; مِنْهَا أَنَّ خَطِيبَهُ كَانَ مُصَنِّفَ «الْخُطَبِ النَّبَاتِيَّةِ» أَحَدَ الْفُصَحَاءِ الْبُلَغَاءِ، وَشَاعِرَهُ الْمُتَنَبِّي، وَمُطْرِبَهُ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ. وَكَانَ كَرِيمًا جَوَّادًا مُعْطِيًا لِلْجَزِيلِ. وَمِنْ شَعْرِهِ فِي أَخِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ: رَضِيتُ لَكَ الْعَلْيَا وَقَدْ كُنْتَ أَهْلَهَا … وَقُلْتُ لَهُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي فَرْقُ وَمَا كَانَ لِي عَنْهَا نُكُولٌ وَإِنَّمَا … تَجَاوَزْتُ عَنْ حَقِّي فَتَمَّ لَكَ الْحَقُّ أَمَا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ أَكُونَ مُصَلِّيًا … إِذَا كُنْتُ أَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ السَّبْقُ وَلَهُ أَيْضًا: قَدْ جَرَى فِي دَمْعِهِ دَمُهُ … فَإِلَى كَمْ أَنْتَ تَظْلِمُهُ رُدَّ عَنْهُ الطَّرْفَ مِنْكَ فَقَدْ … جَرَحَتْهُ مِنْكَ أَسْهُمُهُ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ التَّجَلُّدَ مَنْ … خَطَرَاتُ الْوَهْمِ تُؤْلِمُهُ وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ الْفَالِجُ، وَقِيلَ: عُسْرُ الْبَوْلِ. وَتُوفِّيَ بِحَلَبَ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ فَدُفِنَ بِهَا وَعُمُرُهُ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَقَامَ بِمُلْكِ حَلَبَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ سَعْدُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْمَعَالِي شَرِيفٌ، ثُمَّ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مَوْلَى أَبِيهِ قَرْعُوَيْهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ حَلَبَ إِلَى أُمِّهِ بِمَيَّافَارِقِينَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

стр. 9499

وَذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ شَيْئًا كَثِيرًا مِمَّا قَالَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ وَقِيلَ فِيهِ، قَالَ: وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِبَابِ أَحَدٍ مِنَ الْمُلُوكِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ مَا اجْتَمَعَ بِبَابِهِ مِنَ الشُّعَرَاءِ. وَقَدْ أَجَازَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْكِبَارِ مِنْهُمْ; كَالْمُتَنَبِّي وَالْخَالِدِيَّيْنِ، وَالسَّرِيِّ الرَّفَّاءِ، وَالنَّامِي، وَالْبَبْغَاءِ، وَالْوَأْوَاءِ، وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ - وَقِيلَ: إِحْدَى - وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَنَّهُ مَلَكَ حَلَبَ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَمْلِكُ وَاسِطًا وَنَوَاحِيهَا، ثُمَّ تَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ حَتَّى مَلَكَ حَلَبَ - انْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْكِلَابِيِّ صَاحِبِ الْإِخْشِيدِ - وَمَلَكَ دِمَشْقَ فِي وَقْتٍ. وَقَدْ قَالَ يَوْمًا لِنُدَمَائِهِ: أَيُّكُمْ يُجِيزُ قَوْلِي، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْكُمْ يُجِيزُهُ: لَكَ جَسْمِي تُعِلُّهُ … فَدَمِي لَمْ تُحِلُّهُ فَقَالَ أَبُو فِرَاسٍ أَخُوهُ بَدِيهَةً: قَالَ إِنْ كُنْتُ مَالِكًا … فَلِيَ الْأَمْرُ كُلُّهُ وَفِيهَا تُوُفِّيَ: كَافُورُ الْإِخْشِيدِيُّ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجٍ الْإِخْشِيدِ وَقَدْ قَامَ

стр. 9500

بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ مَوْلَاهُ لِصِغَرِ أَوْلَادِهِ، فَمَلَكَ كَافُورٌ مِصْرَ وَدِمَشْقَ، وَنَاوَأَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ وَغَيْرَهُ. وَقَدْ كُتِبَ عَلَى قَبْرِهِ: انْظُرْ إِلَى غِيَرِ الْأَيَّامِ مَا صَنَعَتْ … أَفْنَتْ أُنَاسًا بِهَا كَانُوا وَمَا فَنِيَتْ دُنْيَاهُمُ ضَحِكَتْ أَيَّامَ دَوْلَتِهِمْ … حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ نَاحَتْ لَهُمْ وَبَكَتْ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ، صَاحِبُ «الْأَمَالِي» إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَيْذُونَ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ اللُّغَوِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ هَذَا كَانَ مَوْلًى لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَالْقَالِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى قَالِيقِلَا وَيُقَالُ: إِنَّهَا أَرْزَنُ الرُّومِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِمَنَازِجِرْدَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَخَذَ النَّحْوَ وَاللُّغَةَ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَنِفْطَوَيْهِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَنَّفَ «الْأَمَالِيَ» وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَكِتَابَ «الْبَارِعِ» عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، فِي خَمْسَةِ آلَافِ وَرَقَةٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ فِي اللُّغَةِ. وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَسَمِعَ بِهَا، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى قُرْطُبَةَ فَدَخَلَهَا فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ

стр. 9501

وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَاسْتَوْطَنَهَا، وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً فِيهَا، إِلَى أَنْ تُوفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. قَالَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِلْيَاسَ صَاحِبُ بِلَادِ كَرْمَانَ وَمُعَامَلَاتِهَا، فَأَخَذَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ كَرْمَانَ مِنْ أَوْلَادِ مُحَمَّدِ بْنِ إِلْيَاسَ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ; الْيَسَعُ، وَإِلْيَاسُ، وَسُلَيْمَانُ. وَالْمَلِكُ الْكَبِيرُ وُشْمَكِيرُ، كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْمُلُوكِ: الْحَسَنُ بْنُ الْفِيرَزَانِ صَاحِبُ بِلَادِ جُرْجَانَ وَمُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَسَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ صَاحِبُ حَلَبَ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِيهَا هَلَكَ النِّقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، يَعْنِي الدُّمُسْتُقْ، صَاحِبُ بِلَادِ الْأَرْمَنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ وَمَا وَرَدَ عَنْهُ مِنَ الشِّعْرِ، وَأَوْرَدْنَا جَوَابَهَا لِلْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ الْفَقِيهِ الظَّاهِرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ بِهَا كَافُورٌ الْإِخْشِيدِيُّ فِي قَوْلِ ابْنِ خَلِّكَانَ.

стр. 9502

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا شَاعَ الْخَبَرُ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ أَنَّ رَجُلًا ظَهَرَ، يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَتَلَقَّبَ بِالْمَهْدِيِّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْمَهْدِيِّ، وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ، وَدَعَا إِلَيْهِ نَاسٌ بِبَغْدَادَ; فَإِنْ دَعَوْا سُنِّيًّا قَالُوا: هُوَ مِنْ سُلَالَةِ الْعَبَّاسِ. وَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ شِيعِيًّا قَالُوا لَهُ: عَلَوِيٌّ. وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ إِذْ ذَاكَ مُقِيمًا بِمِصْرَ عِنْدَ كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَكَانَ يُكْرِمُهُ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحْسِنِينَ لَهُ سُبُكْتِكِينُ الْحَاجِبُ، وَكَانَ شِيعِيًّا، فَظَنَّهُ عَلَوِيًّا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُقْدِمَ إِلَى بَغْدَادَ لِيَأْخُذَ لَهُ الْبِلَادَ، فَتَرَحَّلَ مِنْ مِصْرَ، فَلَقِيَهُ سُبُكْتِكِينُ إِلَى قَرِيبِ الْأَنْبَارِ فَلَمَّا رَآهُ عَرَفَهُ، وَإِذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ الْعَبَّاسِيُّ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ أَنَّهُ عَبَّاسِيٌّ وَلَيْسَ بِعَلَوِيٍّ، انْثَنَى رَأْيُهُ عَنْهُ، فَتَفَرَّقَ شَمْلُهُ، وَتَمَزَّقَ أَصْحَابُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَحُمِلَ إِلَى عِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ فَأَمَّنَهُ، وَتَسَلَّمَهُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ فَجَدَعَ أَنْفَهُ، وَاخْتَفَى أَمْرُهُ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ بِالْكُلِّيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَفِيهَا وَرَدَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الرُّومِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - إِلَى بِلَادِ أَنْطَاكِيَةَ فَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْ حَوَاضِرِهَا، وَسَبَوُا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِهَا، وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ أَحَدٌ.

стр. 9503

وَعَمِلَتِ الرَّوَافِضُ فِي عَشُورَاءَ الْمَأْتَمَ، وَفِي يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ الْهَنَاءَ وَالسُّرُورَ. وَفِيهَا عَرَضَ لِلنَّاسِ فِي تِشْرِينَ دَاءُ الْمَاشَرَا، فَمَاتَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَجْأَةً، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَفِيهَا مَاتَ أَكْثَرُ جِمَالِ الْحَجِيجِ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْعَطَشِ، وَلَمْ يَصِلْ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَمَاتَ أَكْثَرُ مَنْ وَصَلَ مِنْهُمْ عَامَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَفِيهَا اقْتَتَلَ أَبُو الْمَعَالِي شَرِيفُ بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ هُوَ وَخَالُهُ وَابْنُ عَمِّ أَبِيهِ أَبُو فِرَاسِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ الشَّاعِرُ، عِنْدَ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: صَدَرُ. فَقُتِلَ أَبُو فِرَاسٍ فِي الْمَعْرَكَةِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ. وَفِيهَا أَظْهَرَتِ الشِّيعَةُ الْحُزْنَ الشَّدِيدَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَعَمِلُوا عِيدَ غَدِيرِ خُمٍّ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَظْهَرُوا الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا أَيْضًا: إِبْرَاهِيمُ الْمُتَّقِي لِلَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُقْتَدِرُ وَكَانَ قَدْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، ثُمَّ أُلْجِئَ إِلَى أَنَّهُ خُلِعَ عَنْهَا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَزِمَ بَيْتَهُ،

стр. 9504

فَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ عَنْ سِتِّينَ سَنَةً. عُمَرُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ، أَبُو جَعْفَرٍ الْبَصَرِيُّ الْحَافِظُ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ يَنْتَخِبُ عَلَى الْمَشَايِخِ، حَدَّثَ عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ وَغَيْرِهِ، وَقَدِ انْتَقَدَ عَلَيْهِ مِائَةَ مَوْضِعٍ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَنَظَرْتُ فِيهَا، فَإِذَا الصَّوَابُ مَعَ عُمَرَ بْنِ جَعْفَرٍ. مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُخَلَّدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيُّ الْمُحْتَسِبُ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْمُحْرِمِ، كَانَ أَحَدَ أَصْحَابِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَقَدْ رَوَى عَنِ الْكُدَيْمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ جَلَسَ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ، فَجَاءَتْ أُمُّهَا، فَأَخَذَتِ الدَّوَاةَ، فَرَمَتْ بِهَا وَقَالَتْ: هَذِهِ أَضَرُّ عَلَى ابْنَتِي مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ضَرَّةٍ. وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ.

стр. 9505

كَافُورُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْإِخْشِيدِيُّ كَانَ مَوْلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجٍ الْإِخْشِيدِيِّ، اشْتَرَاهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ مِصْرَ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، وَاخْتَصَّهُ مِنْ بَيْنِ الْمَوَالِي وَاصْطَفَاهُ، ثُمَّ جَعَلَهُ أَتَابِكًا حِينَ مَلَّكَ وَلَدَاهُ، ثُمَّ اسْتَقَلَّ بِالْأُمُورِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَاسْتَقَرَّتِ الْمَمْلَكَةُ بِاسْمِهِ، يُدْعَى لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَبِلَادِ الْحِجَازِ جَمِيعًا، وَكَانَ شَهْمًا ذَكِيًّا فَاتِكًا جَيِّدَ السِّيرَةِ، مَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، وَوَفَدَ إِلَيْهِ الْمُتَنَبِّي، حِينَ ذَهَبَ مُغَاضِبًا عَلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَآوَى إِلَى كَافُورٍ وَحَصَلَ لَهُ مِنْهُ رِفْدٌ، ثُمَّ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ فَأَبْعَدَهُ كَافُورٌ، فَهَجَاهُ وَرَحَلَ عَنْهُ، وَصَارَ إِلَى عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَكَانَ هُنَاكَ حَتْفُهُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَأَمَّا كَافُورٌ فَإِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ دُفِنَ بِتُرْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ بِهِ، وَقَامَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْإِخْشِيدِ وَمِنْهُ أَخَذَ الْفَاطِمِيُّونَ الْأَدْعِيَاءُ بِلَادَ مِصْرَ كَمَا سَيَأْتِي. وَكَانَتْ مَمْلَكَةُ كَافُورٍ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ﵀.

стр. 9506

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي عَاشُورَاءَ عَمِلَتِ الرَّوَافِضُ بِدْعَتَهِمْ، وَفِي يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ عَمِلُوا الْفَرَحَ الْمُبْتَدَعَ. وَحَصَلَ بِالْعِرَاقِ غَلَاءٌ عَظِيمٌ، كَانَ يُعْدَمُ الْخُبْزُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَعَاثَتِ الرُّومُ فِي الْبِلَادِ فَسَادًا، وَحَرَقُوا حِمْصَ وَأَفْسَدُوا فِيهَا فَسَادًا عَرِيضًا، وَسَبَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَحَوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. دُخُولُ جَوْهَرٍ الْقَائِدِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَدَخَلَ أَبُو الْحَسَنِ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ الرُّومِيُّ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، مِنْ جِهَةِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطِبَ لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ عَلَى مَنَابِرِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَسَائِرِ أَعْمَالِهَا، وَأَمَرَ جَوْهَرٌ الْمُؤَذِّنِينَ بِالْجَامِعِ الْعَتِيقِ وَبِجَامِعِ ابْنِ طُولُونَ أَنْ يُؤَذِّنُوا بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَأَنْ يَجْهَرَ الْأَئِمَّةُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ كَافُورٌ

стр. 9507

الْإِخْشِيدِيُّ لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ مَنْ تَجْتَمِعُ الْقُلُوبُ عَلَيْهِ، وَأَصَابَهُمْ غَلَاءٌ شَدِيدٌ أَضْعَفَهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُعِزَّ وَهُوَ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ بَعَثَ جَوْهَرًا الْقَائِدَ الرُّومِيَّ مَوْلَى أَبِيهِ الْمَنْصُورِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَصْحَابَ كَافُورٍ هَرَبُوا مِنْهَا قَبْلَ وُصُولِ جَوْهَرٍ إِلَيْهَا، فَدَخَلَهَا فَأَخَذَهَا بِلَا ضَرْبَةٍ وَلَا طَعْنَةٍ وَلَا مُمَانَعَةٍ، فَفَعَلَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأُمُورِ، وَاسْتَقَرَّتْ أَيْدِيهِمْ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ بَعْدَ كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ شَرَعَ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ فِي بِنَاءِ الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ، وَبِنَاءِ الْقَصْرَيْنِ عِنْدَهَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. وَهَيَّأَ الْإِقَامَاتِ لِمَوْلَاهُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ. وَأَرْسَلَ جَوْهَرٌ جَعْفَرَ بْنَ فَلَاحٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى الشَّامِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ بِدِمَشْقَ الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي يَعْلَى الْهَاشِمِيُّ، وَكَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ، فَحَاجَفَ عَنِ الْعَبَّاسِيِّينَ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ آلَ الْحَالُ إِلَى أَنْ خُطِبَ لِلْمُعِزِّ بِدِمَشْقَ، وَحُمِلَ الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأُسِرَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طُغْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ فَحُمِلُوا إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَحَمَلَهُمْ جَوْهَرٌ إِلَى الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ الْفَاطِمِيِّينَ عَلَى دِمَشْقَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ، كَمَا سَيَأْتِي، وَأُذِّنَ فِيهَا: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً، وَكُتِبَتْ لَعْنَةُ

стр. 9508

الشَّيْخَيْنِ ﵄ وَلَعْنُ مَنْ لَعَنَهُمَا - عَلَى أَبْوَابِ الْجَوَامِعِ بِهَا وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى أَزَالَتْ ذَلِكَ دَوْلَةُ الْأَتْرَاكِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا دَخَلَتِ الرُّومُ إِلَى حِمْصَ فَوَجَدُوا أَكْثَرَ أَهْلِهَا قَدْ جَلَوْا عَنْهَا وَانْتَقَلُوا مِنْهَا، فَحَرَّقُوهَا وَأَسَرُوا مِمَّنْ بَقِيَ فِيهَا وَمِنْ حَوْلِهَا نَحْوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَفِي ذِي الْحِجَّةِ نَقَلَ عِزُّ الدَّوْلَةِ وَالِدَهُ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ مِنْ دَارِهِ إِلَى تُرْبَتِهِ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «مُنْتَظَمِهِ» كَافُورٌ الْإِخْشِيدِيُّ; قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ رَأَيْتُ مِدَحَ الْمُتَنَبِّي لِكَافُورٍ تَحْمِلُ الذَّمَّ وَالْمَدْحَ، وَكَأَنَّهُ تَلَعَّبَ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 9509

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا عَمِلَتِ الرَّوَافِضُ بِدْعَتَهُمُ الشَّنْعَاءَ، فَغُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ، وَتَعَطَّلَتِ الْمَعَايِشُ، وَدَارَتِ النِّسَاءُ سَافِرَاتٍ عَنْ وُجُوهِهِنَّ يَنُحْنَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَيَلْطِمْنَ وُجُوهَهُنَّ، وَالْمُسُوحُ مُعَلَّقَةٌ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالتِّبْنُ مَذْرُورٌ فِيهَا. وَفِيهَا دَخَلَتِ الرُّومُ الْمَلَاعِينُ أَنْطَاكِيَةَ فَنَفَوْا مِنْ أَهْلِهَا الشُّيُوخَ وَالْعَجَائِزَ، وَسَبَوْا مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ نَحَوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا; وَذَلِكَ كُلُّهُ بِتَدْبِيرِ مَلِكِ الْأَرْمَنِ نُقْفُورَ، لَعَنَهُ اللَّهُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَ قَدْ قَهَرَ وَطَغَا وَتَمَرَّدَ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مَعَ ذَلِكَ بِامْرَأَةِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَلَهَا مِنْهُ ابْنَانِ، فَأَرَادَ أَنْ يَخْصِيَهُمَا وَيَجْعَلَهُمَا فِي الْكَنِيسَةِ; لِئَلَّا يَصْلُحَا بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُلْكِ، فَلَمَّا فَهِمَتْ ذَلِكَ أُمُّهُمَا عَمِلَتْ عَلَيْهِ، وَسَلَّلَتْ عَلَيْهِ الْأُمَرَاءَ، فَقَتَلُوهُ وَهُوَ نَائِمٌ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ أَكْبَرَ وَلَدَيْهَا. وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ صُرِفَ عَنِ الْقَضَاءِ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، وَأُعِيدَ إِلَيْهِ أَبُو

стр. 9510

مُحَمَّدِ بْنُ مَعْرُوفٍ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ نَقَصَتْ دِجْلَةُ حَتَّى غَارَتِ الْآبَارُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ النَّقِيبُ. قَالَ: وَانْقَضَّ كَوْكَبٌ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَأَضَاءَتْ مِنْهُ الدُّنْيَا حَتَّى بَقِيَ لَهُ شُعَاعٌ كَالشَّمْسِ، ثُمَّ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَالرَّعْدِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ خُطِبَ لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ بِدِمَشْقَ عَنْ أَمْرِ جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ الَّذِي سَيَّرَهُ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ فَقَاتَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طُغْجٍ بِالرَّمْلَةِ، فَغَلَبَهُ ابْنُ فَلَاحٍ، وَأَسَرَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى جَوْهَرٍ، فَأَرْسَلَهُ جَوْهَرٌ إِلَى الْمُعِزِّ وَهُوَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ الْفَاطِمِيِّينَ عَلَى دِمَشْقَ أَيْضًا بَعْدَ حُرُوبٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا، تَطَاوَلَ أَمْرُهَا إِلَى آخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتِ الْمُنَافَرَةُ بَيْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ وَبَيْنَ ابْنِهِ أَبِي تَغْلِبَ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ بِبَغْدَادَ، عَزَمَ أَبُو تَغْلِبَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى بَغْدَادَ وَأَخْذِ مَمْلَكَةِ الْعِرَاقِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُوهُمْ: إِنَّ

стр. 9511

مُعِزَّ الدَّوْلَةِ قَدْ تَرَكَ لِابْنِهِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، لَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مَا دَامَتْ فِي يَدِهِ، وَلَكِنِ اصْبِرُوا حَتَّى يُنْفِقَهَا فَإِنَّهُ مُبَذِّرٌ، فَإِذَا أَفْلَسَ فَثُورُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ تَغْلِبُونَهُ لَا مَحَالَةَ. فَحَقَدَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ أَبُو تَغْلِبَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ بِأَبِيهِ حَتَّى سَجَنَهُ بِالْقَلْعَةِ، فَاخْتَلَفَ أَوْلَادُهُ بَيْنَهُمْ، وَصَارُوا أَحْزَابًا، وَضَعُفُوا عَنْ حِفْظِ مَا بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى بَعَثَ أَبُو تَغْلِبَ إِلَى عِزِّ الدَّوْلَةِ فَضَمِنَ مِنْهُ بِلَادَ الْمَوْصِلِ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ كُلَّ سَنَةٍ يَحْمِلُهَا إِلَيْهِ، وَاتَّفَقَ مَوْتُ أَبِيهِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَاسْتَقَرَّ أَبُو تَغْلِبَ بِالْمَوْصِلِ وَمَلَكَهَا، إِلَّا أَنَّهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُخْتَلِفُونَ مُتَحَارِبُونَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ دَخَلَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى طَرَابُلُسَ فَأَحْرَقَ كَثِيرًا مِنْهَا، وَمَلَكَ قَلْعَةَ عِرْقَةَ وَنَهَبَهَا وَسَبَى أَهْلَهَا وَكَانَ فِي قَلْعَتِهَا صَاحِبُ طَرَابُلُسَ كَانَ لَجَأَ إِلَيْهَا حِينَ أَخْرَجَهُ أَهْلُ طَرَابُلُسَ مِنْهَا لِشِدَّةِ ظُلْمِهِ، فَأَسَرَتْهُ الرُّومُ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَكَانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى السَّوَاحِلِ، فَمَلَكُوا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْبَرًا سِوَى الْقُرَى، وَتَنَصَّرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ عَلَى أَيْدِيهِمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَجَاءُوا إِلَى حِمْصَ فَحَرَقُوا وَنَهَبُوا. وَمَكَثَ مَلِكُ الرُّومِ شَهْرَيْنِ يَأْخُذُ مَا شَاءَ مِنَ الْبِلَادِ، وَيَأْسِرُ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْعِبَادِ، وَصَارَتْ لَهُ مَهَابَةٌ عَظِيمَةٌ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بِلَادِهِ وَمَعَهُ مِنَ السَّبْيِ نَحْوٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَبِيٍّ وَصَبْيَةٍ، وَكَانَ سَبَبَ عَوْدِهِ إِلَى بِلَادِهِ كَثْرَةُ الْأَمْرَاضِ فِي جَيْشِهِ وَاشْتِيَاقُهُمْ إِلَى أَوْلَادِهِمْ

стр. 9512

وَأَهْلِيهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ. وَبَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى الْجَزِيرَةِ فَنَهَبُوا وَسَبَوْا، وَكَانَ قَرْعُوَيْهِ غُلَامُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى حَلَبَ وَأَخْرَجَ مِنْهَا ابْنَ أُسْتَاذِهِ أَبَا الْمَعَالِي شَرِيفَ بْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ إِلَى حُرَّانَ وَهِيَ تَحْتَ حُكْمِهِ، فَأَبَوْا أَنْ يُدْخِلُوهُ إِلَيْهِمْ، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ بِمَيَّافَارِقِينَ، وَهِيَ ابْنَةُ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ، فَمَكَثَ عِنْدَهَا حِينًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى حُمَاةَ فَمَلَكَهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى حَلَبَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ. وَلَمَّا عَاثَتِ الرُّومُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالشَّامِ صَانَعَهُمْ قَرْعُوَيْهِ عَنْ حَلَبَ وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِأَمْوَالٍ وَتُحَفٍ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ فَمَلَكُوهَا وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهَا، وَسَبَوْا عَامَّةَ أَهْلِهَا، وَرَكِبُوا إِلَى حَلَبَ وَأَبُو الْمَعَالِي شَرِيفٌ مُحَاصِرٌ غُلَامَهُمْ قَرْعُوَيْهِ بِهَا، فَخَافَهُمْ أَبُو الْمَعَالِي، فَهَرَبَ عَنْهَا، وَحَاصَرَهَا الرُّومُ، فَأَخَذُوا الْبَلَدَ، وَامْتَنَعَتِ الْقَلْعَةُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا مَعَ قَرْعُوَيْهِ عَلَى هُدْنَةٍ مُؤَبَّدَةٍ وَمَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْبَلَدَ، وَرَجَعُوا عَنْهُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ عَلَى الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ وَهُوَ بِإِفْرِيقِيَّةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو خَزْرٍ، فَنَهَضَ إِلَيْهِ الْمُعِزُّ بِنَفْسِهِ وَجُنُودِهِ، فَهَرَبَ مِنْهُ فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ يُوسُفَ بْنَ بُلُكِّينَ بْنِ زِيرِي، فَشَرَّدَهُ، وَطَرَدَهُ، ثُمَّ عَادَ فَاسْتَأْمَنَ، فَقَبِلَ مِنْهُ الْمُعِزُّ ذَلِكَ وَصَفَحَ عَنْهُ، وَجَاءَ الرَّسُولُ مِنْ جَوْهَرٍ الْقَائِدِ إِلَى الْمُعِزِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يُبَشِّرُهُ بِفَتْحِ الدِّيَارِ

стр. 9513

الْمِصْرِيَّةِ وَإِقَامَةِ الدَّعْوَةِ لَهُ بِهَا، وَطَلَبَهُ إِلَيْهَا، فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ فَرَحًا شَدِيدًا، وَامْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، فَكَانَ مِمَّنِ امْتَدَحَهُ شَاعِرُهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَانِئٍ فِي قَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا: يَقُولُ بَنُو الْعَبَّاسِ هَلْ فُتِحَتْ مِصْرُ … فَقُلْ لِبَنِي الْعَبَّاسِ قَدْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ النِّقْفُورُ الَّذِي كَانَ دُمُسْتُقًا، ثُمَّ صَارَ مَلِكَ الرُّومِ، وَأَرَادَ قَتْلَ ابْنَيِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، فَغَارَتْ أُمُّهُمَا لَهُمَا، فَقَتَلَتْهُ غِيلَةً. قَالَ: وَقَدْ كَانَ هَذَا اللَّعِينُ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ يُعْرَفُ بِابْنِ الْفَقَّاسِ، فَتَنَصَّرَ وَلَدُهُ هَذَا وَحَظِيَ عِنْدَ النَّصَارَى حَتَّى صَارَ مِنْ أَمْرِهِ مَا صَارَ، وَكَانَ مِنْ أُشِدِّ النَّاسِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخَذَ بِلَادًا كَثِيرَةً عَنْوَةً، مِنْ ذَلِكَ طَرَسُوسُ وَأَذَنَةُ، وَعَيْنُ زَرْبَةَ، وَالْمِصِّيصَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْبِلَادِ، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ، وَسَبَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ مَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُمْ. وَهَذَا اللَّعِينُ هُوَ الَّذِي بَعَثَ تِلْكَ الْقَصِيدَةَ إِلَى الْمُطِيعِ لِلَّهِ وَقَدْ أَوْرَدْنَاهَا فِي آخِرِ الْجُزْءِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ انْتُدِبَ لَهَا فِيمَا بَعْدُ ذَلِكَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ، فَأَجَابَ عَنْهَا جَوَابًا شَافِيًا كَافِيًا، فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا.

стр. 9514

وَفِيهَا رَامَ عِزُّ الدَّوْلَةِ صَاحِبُ بَغْدَادَ مُحَاصَرَةَ عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ وَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ. وَفِيهَا اصْطَلَحَ قَرْعُوَيْهِ وَأَبُو الْمَعَالِي شَرِيفٌ، فَخَطَبَ لَهُ قَرْعُوَيْهِ بِحَلَبَ، وَخَطَبَا جَمِيعًا فِي مُعَامَلَتَيْهَا لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ بِحَلَبَ وَحِمْصَ، وَخُطِبَ بِمَكَّةَ لِلْمُطِيعِ لِلَّهِ وَلِلْقَرَامِطَةِ أَيْضًا، وَبِالْمَدِينَةِ لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَخَطَبَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ بِظَاهِرِهَا لِلْمُطِيعِ لِلَّهِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَلِيٍّ الصَّوَّافُ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ وَطَبَقَتِهِ، وَعَنْهُ خَلْقٌ; مِنْهُمُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَهُ فِي تَحَرُّزِهِ وَدِينِهِ. وَقَدْ بَلَغَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُحَارِبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَارِبٍ، أَبُو الْعَلَاءِ الْقَاضِي الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، مِنْ ذُرِّيَّةِ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَكَانَ ثِقَةً عَالِمًا فَاضِلًا، رَوَى عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ وَغَيْرِهِ. أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَطَّانِ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ،

стр. 9515

تَفَقَّهَ بِابْنِ سُرَيْجٍ، ثُمَّ بِالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَتَفَرَّدَ بِرِيَاسَةِ الْمَذْهَبِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ، وَصَنَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، وَكَانَتِ الرِّحْلَةُ إِلَيْهِ بِبَغْدَادَ، وَدَرَّسَ بِهَا، وَكَتَبَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 9516

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي عَاشِرِ مُحَرَّمٍ مِنْهَا عَمِلَتِ الرَّافِضَةُ بِدْعَتَهُمُ الْمُحَرَّمَةَ عَلَى عَادَتِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرِهَا. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا أَخَذَتِ الْقَرَامِطَةُ دِمَشْقَ وَقَتَلُوا نَائِبَهَا جَعْفَرَ بْنَ فَلَاحٍ مِنْ جِهَةِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَكَانَ رَئِيسَ الْقَرَامِطَةِ وَأَمِيرَهُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَهْرَامٍ، وَقَدْ أَمَدَّهُ عِزُّ الدَّوْلَةِ مِنْ بَغْدَادَ بِسِلَاحٍ وَعُدَدٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى الرَّمْلَةِ فَأَخَذُوهَا، وَتَحَصَّنَ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمَغَارِبَةِ بِيَافَا، فَتَرَكُوا عَلَيْهَا مَنْ يَحْصُرُهَا، ثُمَّ سَارُوا نَحْوَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالْإِخْشِيدِيَّةِ وَالْكَافُورِيَّةِ، فَوَصَلُوا عَيْنَ شَمْسٍ فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَجُنُودُ جَوْهَرٍ قِتَالًا شَدِيدًا، وَالظَّفَرُ لِلْقَرَامِطَةِ، وَحَصَرُوا الْمَغَارِبَةَ حَصْرًا عَظِيمًا. ثُمَّ حَمَلَتِ الْمَغَارِبَةُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ عَلَى مَيْمَنَةِ الْقَرَامِطَةِ فَهَزَمَتْهَا، وَرَجَعَتِ الْقَرَامِطَةُ إِلَى الشَّامِ فَجَدُّوا فِي حِصَارِ يَافَا فَأَرْسَلَ جَوْهَرٌ إِلَى أَصْحَابِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَرْكَبًا، مِيرَةً لِأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَتْهَا مَرَاكِبُ الْقَرَامِطَةِ، سِوَى مَرْكَبَيْنِ أَخَذَتْهَا الْفِرِنْجُ. وَجَرَتْ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ.

стр. 9517

وَمِنْ شَعْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَهْرَامٍ أَمِيرِ الْقَرَامِطَةِ: زَعَمَتْ رِجَالُ الْغَرْبِ أَنِّي هِبْتُهَا … فَدَمِي إِذَنْ مَا بَيْنَهُمْ مَطْلُولُ يَا مِصْرُ إِنْ لَمْ أَسْقِ أَرْضَكِ مِنْ دَمٍ … يَرْوِي ثَرَاكِ فَلَا سَقَانِي النِّيلُ وَفِيهَا تَزَوَّجَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ ابْنَةَ بَخْتِيَارَ عِزِّ الدَّوْلَةِ، وَعُمُرُهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، عَلَى صَدَاقٍ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَوَقَعَ الْعَقْدُ فِي صَفَرٍ. وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ الصَّاحِبَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ عَبَّادٍ، فَأَصْلَحَ أُمُورَهُ كُلَّهَا وَسَاسَ دَوْلَتَهُ جَيِّدًا. وَفِيهَا أُذِّنَ بِدِمَشْقَ وَسَائِرِ الشَّامِ بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ جَعْفَرِ بْنِ فَلَاحٍ نَائِبِ دِمَشْقَ: أَوَّلُ مَنْ تَأَمَّرَ بِهَا عَنِ الْفَاطِمِيِّينَ وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِذَلِكَ نِيَابَةً عَنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ صَاحِبِ الْقَاهِرَةِ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْأَلْهَانِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِرَامٍ: وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَعْلَنَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ وَسَائِرِ مَآذِنِ الْبَلَدِ، وَمَآذِنِ الْمَسَاجِدِ بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، بَعْدَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ جَعْفَرُ بْنُ فَلَاحٍ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَلَا وَجَدُوا مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَتِهِ بُدًّا. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، الثَّامِنِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا أُمِرَ الْمُؤَذِّنُونَ أَنْ يُثَنُّوا الْأَذَانَ

стр. 9518

وَالتَّكْبِيرَ فِي الْإِقَامَةِ مَثْنَى مَثْنَى، وَأَنْ يَقُولُوا فِي الْإِقَامَةِ: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ. فَاسْتَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَصَبَرُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ ﵎، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الرَّفَّاءُ الشَّاعِرُ، السَّرِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرِيِّ، أَبُو الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ الرَّفَّاءُ الشَّاعِرُ الْمَوْصِلِيُّ أَرَّخَ وَفَاتَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ - وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَغْدَادَ، ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ كَمَا سَيَأْتِي. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ يَزِيدَ، أَبُو بَكْرٍ الْبُنْدَارُ أَصْلُهُ أَنْبَارِيٌّ، سَمِعَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلِيلِ الْبُرْجُلَانِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ الرِّيَاحِيِّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّائِغِ، وَأَبِي إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيِّ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُمْ. قَالُوا: وَكَانَتْ أُصُولُهُ جِيَادًا بِخَطِّ أَبِيهِ، وَسَمَاعُهُ صَحِيحًا، وَقَدِ انْتَقَى عَلَيْهِ عُمَرُ الْبَصْرِيُّ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فَجْأَةً يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ.

стр. 9519

مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ الْآجِرِيُّ سَمِعَ جَعْفَرًا الْفِرْيَابِيَّ، وَأَبَا شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيَّ، وَأَبَا مُسْلِمٍ الْكَجِّيَّ وَخَلْقًا، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا دَيِّنًا، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ مُفِيدَةٌ، مِنْهَا «الْأَرْبَعُونَ الْآجِرِيَّةُ»، وَقَدْ حَدَّثَ بِبَغْدَادَ قَبْلَ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ بَعْدَ إِقَامَتِهِ بِهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُظَفَّرٍ، أَبُو عَمْرٍو الزَّاهِدُ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ الْمُتَنَائِيَةِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الْحُفَّاظُ الْكِبَارُ، وَكَانَ فَقِيرًا مُتَقَلِّلًا، يَضْرِبُ اللَّبَنَ لِقُبُورِ الْفُقَرَاءِ، وَيَتَقَوَّتُ بِرَغِيفٍ بِجَزَرَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ وَيُعْرَفُ بِالدُّقِّيِّ، أَصْلُهُ مِنَ الدِّينَوَرِ وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى دِمَشْقَ وَقَدْ قَرَأَ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيِّ، وَصَحِبَ ابْنَ الْجَلَاءِ وَالدَّقَّاقَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9520

مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرُّخَانِ بْنِ رُوزْبَهْ، أَبُو الطِّيبِ الدُّورِيُّ دَخَلَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ أَبِيهِ بِأَحَادِيثَ مُنْكَرَةٍ، وَرَوَى عَنِ الْجُنَيْدِ وَابْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَ فِيهِ ظُرْفٌ وَلَبَاقَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَّهِمُونَهُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الطَّبَرَانِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ، أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ اللَّخْمِيُّ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، صَاحِبُ الْمَعَاجِمِ الثَّلَاثَةِ; «الْكَبِيرِ» وَ «الْأَوْسَطِ»، وَ «الصَّغِيرِ»، وَكِتَابِ «السُّنَّةِ»، وَكِتَابِ «مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ»، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمُفِيدَةِ. عَمَّرَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِأَصْبَهَانَ، وَدُفِنَ عَلَى بَابِهَا عِنْدَ قَبْرِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيِّ الصَّحَابِيِّ، ﵁، قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ». قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَسَمِعَ مِنْ أَلْفِ شَيْخٍ. قَالَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ السَّبْتَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي شَوَّالٍ مِنْهَا. أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ - وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ - بْنُ خَاقَانَ، أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ النِّجَادِ، إِمَامُ جَامِعِ دِمَشْقَ.

стр. 9521

قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَ عَابِدًا صَالِحًا. وَذَكَرَ أَنَّ جَمَاعَةً جَاءُوا لِزِيَارَتِهِ، فَسَمِعُوهُ يَتَأَوَّهُ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِمْ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ آهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ يَسْتَرْوِحُ إِلَيْهِ الْأَعِلَّاءُ. قَالَ: فَزَادَ فِي أَعْيُنِهِمْ وَعَظَّمُوهُ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ مُسَلَّمًا بِلَا دَلِيلٍ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمَعْصُومِ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 9522

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا عَمِلَتِ الرَّوَافِضُ بِبَغْدَادَ الْبِدْعَةَ الَّتِي تَقَرَّرَتْ مِنَ النَّوْحِ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ وَقَبَّحَهُمْ. وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَدِيَارِ بَكْرٍ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الرَّهَا وَسَارُوا فِي الْبِلَادِ كَذَلِكَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَغْنَمُونَ، إِلَى أَنْ وَصَلُوا نَصِيبِينَ وَفَعَلُوا كَذَلِكَ بِبِلَادِ بَكْرٍ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ مُتَوَلِّيهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ دِفَاعٌ وَلَا لَهُ قُوَّةٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَهَبَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ إِلَى بَغْدَادَ يَسْتَنْصِرُونَ وَيَسْتَصْرِخُونَ، فَرَثَى لَهُمْ أَهْلُ بَغْدَادَ وَأَرَادُوا إِدْخَالَهُمْ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُطِيعِ لِلَّهِ فَلَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مَشْغُولًا بِالصَّيْدِ، فَذَهَبَتِ الرُّسُلُ وَرَاءَهُ، فَبَعَثَ الْحَاجِبَ سُبُكْتِكِينَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ، فَتَجَهَّزَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ أَنْ يُعِدَّ الْمِيرَةَ وَالْإِقَامَاتِ، فَأَظْهَرَ السُّرُورَ بِذَلِكَ وَالْفَرَحَ وَالِابْتِهَاجَ، وَلَمَّا تَجَهَّزَتِ الْعَامَّةُ لِلْغَزَاةِ، وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ; بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ، فَأَحْرَقَتِ السُّنَّةُ دُورَ الرَّوَافِضِ بِالْكَرْخِ، وَقَالُوا: الشَّرُّ كُلُّهُ مِنْكُمْ. وَصَارَتِ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ، وَتَنَاقَضَ النَّقِيبُ أَبُو أَحْمَدَ

стр. 9523

الْمُوسَوِيُّ وَالْوَزِيرُ أَبُو الْفَضْلِ الشِّيرَازِيُّ، وَأَرْسَلَ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَمْوَالًا يَسْتَعِينُ بِهَا فِي هَذِهِ الْغَزَوَاتِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الْخَرَاجُ يُجْبَى إِلَيَّ لَدَفَعْتُ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ أَنْتَ تَصْرِفُ مِنْهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ ضَرُورَةٌ، وَأَمَّا أَنَا فَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أَبْعَثُ بِهِ إِلَيْكَ، فَتَرَدَّدَتِ الْبُرُدُ بَيْنَهُمَا، وَأَغْلَظَ بَخْتِيَارُ لِلْخَلِيفَةِ فِي ذَلِكَ وَتَهَدَّدَهُ، فَاحْتَاجَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُحَصِّلَ لَهُ شَيْئًا، فَبَاعَ بَعْضَ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَشَيْئًا مِنْ أَثَاثِهِ، وَنَقَضَ بَعْضَ سُقُوفِ دَارِهِ، وَحَصَّلَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَصَرَفَهَا بَخْتِيَارُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ، وَأَبْطَلَ تِلْكَ الْغَزَاةَ، فَتَغَمَّمَ النَّاسُ لِلْخَلِيفَةِ، وَسَاءَهُمْ مَا فَعَلَ ابْنُ بُوَيْهِ مِنْ أَخْذِهِ مَالَ الْخَلِيفَةِ وَتَرَكِهِ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَنْ إِمَامِهِمْ. وَفِيهَا تَسَلَّمَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ قَلْعَةَ مَارِدِينَ فَنَقَلَ حَوَاصِلَهَا وَمَا فِيهَا إِلَى الْمَوْصِلِ. وَفِيهَا اصْطَلَحَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ السَّامَانِيُّ صَاحِبُ خُرَاسَانَ هُوَ وَرُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ وَابْنُهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَا إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَزَوَّجَ بِابْنَةِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ. وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا خَرَجَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ بِأَهْلِهِ وَحَاشِيَتِهِ وَجُنُودِهِ مِنْ مَدِينَةِ

стр. 9524

الْمَنْصُورَةِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ قَاصِدًا الْبِلَادَ الْمِصْرِيَّةَ، بَعْدَمَا مَهَّدَ لَهُ مَوْلَاهُ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ أَمْرَهَا، وَأَطَّدَهَا لَهُ وَبَنَى لَهُ بِهَا الْقَصْرَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ عَلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَنَوَاحِيهَا وَصِقِلِّيَةَ وَأَعْمَالِهَا نُوَّابًا مِنْ حِزْبِهِ وَأَنْصَارِهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ شَاعِرَهُ مُحَمَّدَ بْنَ هَانِئٍ الْأَنْدَلُسِيَّ، فَتُوُفِّيَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَكَانَ قُدُومُ الْمُعِزِّ إِلَى الْقَاهِرَةِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ النَّقِيبُ عَلَى الطَّالِبِيِّينَ كُلِّهِمْ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ، أَبُو الْقَاسِمِ الْقِرْمِطِيُّ الْهَجَرِيُّ وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ سُلَالَةِ أَبِي سَعِيدٍ سِوَاهُ. عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَفِيفٍ، أَبُو عَمْرٍو الْمُقْرِئُ الْمَعْرُوفُ بِالدَّرَّاجِ، حَدَّثَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَعَنْهُ ابْنُ رَزْقَوَيْهِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالدِّرَايَةِ وَالدِّيَانَةِ وَالسِّتْرِ، جَمِيلَ الْمَذْهَبِ، وَكَانَ يُعَدُّ مِنَ الْأَبْدَالِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ﵀.

стр. 9525

عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خَلَفٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، الشَّاعِرُ الْمَعْرُوفُ بِالزَّاهِي. وَمِنْ شِعْرِهِ: قُمْ نُهَنِّئُ عَاشِقَيْنِ … أَصْبَحَا مُصْطَحِبَيْنَ جَمْعًا بَعْدَ فِرَاقٍ … فُجِعَا مِنْهُ وَبَيْنِ ثُمَّ عَادَا فِي سُرُورٍ … مِنْ صُدُودٍ آمِنَيْنَ فَهُمَا رُوحٌ وَلَكِنْ … رُكِّبَتْ فِي بَدَنَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَدَّادٍ، أَبُو بَكْرٍ الْمُخَرِّمِيُّ سَمِعَ أَبَا خَلِيفَةَ وَجَعْفَرًا الْفِرْيَابِيَّ وَ ابْنَ جَرِيرٍ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ رَزْقَوَيْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَرْقَانِيُّ وَابْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ وَغَيْرُهُمَا.
следующие страницы →