Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.
стр. 9521
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَ عَابِدًا صَالِحًا. وَذَكَرَ أَنَّ جَمَاعَةً جَاءُوا لِزِيَارَتِهِ، فَسَمِعُوهُ يَتَأَوَّهُ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِمْ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ آهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ يَسْتَرْوِحُ إِلَيْهِ الْأَعِلَّاءُ. قَالَ: فَزَادَ فِي أَعْيُنِهِمْ وَعَظَّمُوهُ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ مُسَلَّمًا بِلَا دَلِيلٍ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمَعْصُومِ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 9522
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا عَمِلَتِ الرَّوَافِضُ بِبَغْدَادَ الْبِدْعَةَ الَّتِي تَقَرَّرَتْ مِنَ النَّوْحِ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ وَقَبَّحَهُمْ. وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَدِيَارِ بَكْرٍ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الرَّهَا وَسَارُوا فِي الْبِلَادِ كَذَلِكَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَغْنَمُونَ، إِلَى أَنْ وَصَلُوا نَصِيبِينَ وَفَعَلُوا كَذَلِكَ بِبِلَادِ بَكْرٍ، وَلَمْ يُغْنِ عَنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ مُتَوَلِّيهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ دِفَاعٌ وَلَا لَهُ قُوَّةٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَهَبَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ إِلَى بَغْدَادَ يَسْتَنْصِرُونَ وَيَسْتَصْرِخُونَ، فَرَثَى لَهُمْ أَهْلُ بَغْدَادَ وَأَرَادُوا إِدْخَالَهُمْ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُطِيعِ لِلَّهِ فَلَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ مَشْغُولًا بِالصَّيْدِ، فَذَهَبَتِ الرُّسُلُ وَرَاءَهُ، فَبَعَثَ الْحَاجِبَ سُبُكْتِكِينَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ، فَتَجَهَّزَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ أَنْ يُعِدَّ الْمِيرَةَ وَالْإِقَامَاتِ، فَأَظْهَرَ السُّرُورَ بِذَلِكَ وَالْفَرَحَ وَالِابْتِهَاجَ، وَلَمَّا تَجَهَّزَتِ الْعَامَّةُ لِلْغَزَاةِ، وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ شَدِيدَةٌ; بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ، فَأَحْرَقَتِ السُّنَّةُ دُورَ الرَّوَافِضِ بِالْكَرْخِ، وَقَالُوا: الشَّرُّ كُلُّهُ مِنْكُمْ. وَصَارَتِ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ، وَتَنَاقَضَ النَّقِيبُ أَبُو أَحْمَدَ
стр. 9523
الْمُوسَوِيُّ وَالْوَزِيرُ أَبُو الْفَضْلِ الشِّيرَازِيُّ، وَأَرْسَلَ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَمْوَالًا يَسْتَعِينُ بِهَا فِي هَذِهِ الْغَزَوَاتِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الْخَرَاجُ يُجْبَى إِلَيَّ لَدَفَعْتُ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ أَنْتَ تَصْرِفُ مِنْهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ ضَرُورَةٌ، وَأَمَّا أَنَا فَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أَبْعَثُ بِهِ إِلَيْكَ، فَتَرَدَّدَتِ الْبُرُدُ بَيْنَهُمَا، وَأَغْلَظَ بَخْتِيَارُ لِلْخَلِيفَةِ فِي ذَلِكَ وَتَهَدَّدَهُ، فَاحْتَاجَ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُحَصِّلَ لَهُ شَيْئًا، فَبَاعَ بَعْضَ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَشَيْئًا مِنْ أَثَاثِهِ، وَنَقَضَ بَعْضَ سُقُوفِ دَارِهِ، وَحَصَّلَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَصَرَفَهَا بَخْتِيَارُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ، وَأَبْطَلَ تِلْكَ الْغَزَاةَ، فَتَغَمَّمَ النَّاسُ لِلْخَلِيفَةِ، وَسَاءَهُمْ مَا فَعَلَ ابْنُ بُوَيْهِ مِنْ أَخْذِهِ مَالَ الْخَلِيفَةِ وَتَرَكِهِ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَنْ إِمَامِهِمْ.
وَفِيهَا تَسَلَّمَ أَبُو تَغْلِبَ بْنُ حَمْدَانَ قَلْعَةَ مَارِدِينَ فَنَقَلَ حَوَاصِلَهَا وَمَا فِيهَا إِلَى الْمَوْصِلِ.
وَفِيهَا اصْطَلَحَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ السَّامَانِيُّ صَاحِبُ خُرَاسَانَ هُوَ وَرُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ وَابْنُهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَا إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَزَوَّجَ بِابْنَةِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ.
وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا خَرَجَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ بِأَهْلِهِ وَحَاشِيَتِهِ وَجُنُودِهِ مِنْ مَدِينَةِ
стр. 9524
الْمَنْصُورَةِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ قَاصِدًا الْبِلَادَ الْمِصْرِيَّةَ، بَعْدَمَا مَهَّدَ لَهُ مَوْلَاهُ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ أَمْرَهَا، وَأَطَّدَهَا لَهُ وَبَنَى لَهُ بِهَا الْقَصْرَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ عَلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ وَنَوَاحِيهَا وَصِقِلِّيَةَ وَأَعْمَالِهَا نُوَّابًا مِنْ حِزْبِهِ وَأَنْصَارِهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ شَاعِرَهُ مُحَمَّدَ بْنَ هَانِئٍ الْأَنْدَلُسِيَّ، فَتُوُفِّيَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَكَانَ قُدُومُ الْمُعِزِّ إِلَى الْقَاهِرَةِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ النَّقِيبُ عَلَى الطَّالِبِيِّينَ كُلِّهِمْ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ، أَبُو الْقَاسِمِ الْقِرْمِطِيُّ الْهَجَرِيُّ
وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ سُلَالَةِ أَبِي سَعِيدٍ سِوَاهُ.
عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَفِيفٍ، أَبُو عَمْرٍو
الْمُقْرِئُ الْمَعْرُوفُ بِالدَّرَّاجِ، حَدَّثَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَعَنْهُ ابْنُ رَزْقَوَيْهِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالدِّرَايَةِ وَالدِّيَانَةِ وَالسِّتْرِ، جَمِيلَ الْمَذْهَبِ، وَكَانَ يُعَدُّ مِنَ الْأَبْدَالِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ﵀.
стр. 9525
عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خَلَفٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، الشَّاعِرُ الْمَعْرُوفُ بِالزَّاهِي. وَمِنْ شِعْرِهِ:
قُمْ نُهَنِّئُ عَاشِقَيْنِ … أَصْبَحَا مُصْطَحِبَيْنَ
جَمْعًا بَعْدَ فِرَاقٍ … فُجِعَا مِنْهُ وَبَيْنِ
ثُمَّ عَادَا فِي سُرُورٍ … مِنْ صُدُودٍ آمِنَيْنَ
فَهُمَا رُوحٌ وَلَكِنْ … رُكِّبَتْ فِي بَدَنَيْنِ
مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ شَدَّادٍ، أَبُو بَكْرٍ الْمُخَرِّمِيُّ
سَمِعَ أَبَا خَلِيفَةَ وَجَعْفَرًا الْفِرْيَابِيَّ وَ ابْنَ جَرِيرٍ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ رَزْقَوَيْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَرْقَانِيُّ وَابْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ وَغَيْرُهُمَا.
стр. 9526
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
عَمِلَتِ الرَّوَافِضُ بِدْعَتَهُمْ فِي عَاشُورَاءَ مِنَ النِّيَاحَةِ وَتَعْلِيقِ الْمُسُوحِ وَغَلْقِ الْأَسْوَاقِ.
وَفِيهَا اجْتَمَعَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ الْحَنَفِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الرُّمَّانِيُّ وَابْنُ الدَّقَّاقِ الْحَنْبَلِيُّ بِعِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَحَرَّضُوهُ عَلَى غَزْوِ الرُّومِ، فَبَعَثَ جَيْشًا لِقِتَالِهِمْ، فَأَظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَبَعَثُوا بِرُءُوسِهِمْ إِلَى بَغْدَادَ فَسَكَنَتْ أَنْفُسُ النَّاسِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِيهَا سَارَتِ الرُّومُ مَعَ الدُّمُسْتُقِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - إِلَى حِصَارِ آمِدَ وَعَلَيْهَا هَزَارِمَرْدُ غُلَامُ أَبِي الْهَيْجَاءِ بْنِ حَمْدَانَ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ يَسْتَصْرِخُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَخَاهُ أَبَا الْقَاسِمِ هِبَةَ اللَّهِ بْنَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَاجْتَمَعَا لِقِتَالِهِ، فَلَقِيَاهُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ لَا مَجَالَ لِلْخَيْلِ فِيهِ، فَاقْتَتَلُوا مَعَ الرُّومِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَعَزَمَتِ الرُّومُ عَلَى الْفِرَارِ، فَلَمْ تَقْدِرْ، فَاسْتَحَرَّ فِيهِمُ الْقَتْلُ، وَأُخِذَ الدُّمُسْتُقُ أَسِيرًا، فَأُودِعَ فِي السِّجْنِ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِ حَتَّى مَرِضَ، وَمَاتَ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، وَقَدْ جَمَعَ لَهُ أَبُو تَغْلِبَ الْأَطِبَّاءَ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ.
стр. 9527
وَفِيهَا احْتَرَقَ الْكَرْخُ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَعُونَةِ ضَرَبَ رَجُلًا مِنَ الْعَامَّةِ فَمَاتَ، فَثَارَ بِهِ الْعَامَّةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ فَدَخَلَ دَارًا، فَأَخْرَجُوهُ مَسْحُوبًا، وَقَتَلُوهُ وَحَرَقُوهُ، فَرَكِبَ الْوَزِيرُ أَبُو الْفَضْلِ الشِّيرَازِيُّ - وَكَانَ شَدِيدَ التَّعَصُّبِ لِلسُّنَّةِ - وَبَعَثَ حَاجِبَهُ إِلَى أَهْلِ الْكَرْخِ، فَأَلْقَى فِي دُورِهِمُ النَّارَ، فَاحْتَرَقَتْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الدُّورِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةِ دُكَّانٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ مَسْجِدًا، وَسَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ إِنْسَانٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَلَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ وَزِيرَهُ هَذَا عَنِ الْوِزَارَةِ، وَوَلَّاهَا مُحَمَّدَ بْنَ بَقِيَّةَ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ وَضِيعًا عِنْدَ النَّاسِ لَا حُرْمَةَ لَهُ، كَانَ أَبُوهُ فَلَّاحًا بِقَرْيَةِ أَوَانَا وَكَانَ هُوَ مِمَّنْ يَخْدِمُ عِزَّ الدَّوْلَةِ، يُقَدِّمُ لَهُ الطَّعَامَ، وَيَحْمِلُ مِنْدِيلَ الزَّفَرِ عَلَى كَتِفِهِ إِلَى أَنْ وَلِيَ الْوِزَارَةَ، وَمَعَ هَذَا كَانَ أَشَدَّ ظُلْمًا لِلرَّعِيَّةِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَثُرَ فِي زَمَانِهِ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ، وَفَسَدَتِ الْأُمُورُ بِبَغْدَادَ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ حَاجِبِهِ سُبُكْتِكِينَ ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى دَخَنٍ.
وَفِيهَا كَانَ دُخُولُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَصَحِبَتْهُ تَوَابِيتُ آبَائِهِ فَوَصَلَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا، وَقَدْ تَلَقَّاهُ أَعْيَانُ مِصْرَ إِلَيْهَا، فَخَطَبَ النَّاسَ هُنَالِكَ خُطْبَةً بَلِيغَةً ارْتِجَالًا، ذَكَرَ فِيهَا فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ، وَقَدْ كَذَبَ فَقَالَ فِيهَا: إِنَّ اللَّهَ أَغَاثَ الرَّعَايَا بِهِمْ وَبِدَوْلَتِهِمْ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْهُ قَاضِي
стр. 9528
بِلَادِ مِصْرَ، وَكَانَ جَالِسًا إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلَهُ: هَلْ رَأَيْتَ خَلِيفَةً أَفْضَلَ مِنِّي؟ فَقَالَ لَهُ: لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ الْخَلَائِفِ سِوَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ: أَحَجَجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَزُرْتَ قَبْرَ الرَّسُولِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ قَالَ: فَتَحَيَّرْتُ مَاذَا أَقُولُ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا ابْنُهُ قَائِمٌ مَعَ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ، فَقُلْتُ: شَغَلَنِي عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا شَغَلَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ السَّلَامِ عَلَى وَلِيِّ الْعَهْدِ، وَنَهَضْتُ إِلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَرَجَعْتُ، فَانْفَسَحَ الْمَجْلِسُ إِلَى غَيْرِي.
ثُمَّ سَارَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى مِصْرَ، فَدَخَلَهَا فِي الْخَامِسِ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَنَزَلَ الْقَصْرَيْنِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَا دَخَلَ إِلَى مَحَلِّ مُلْكِهِ خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ .
ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ حُكُومَةٍ انْتَهَتْ إِلَيْهِ أَنَّ امْرَأَةَ كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ أَوْدَعَتْ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ الصُّوَّاغِ قَبَاءً مِنْ لُؤْلُؤٍ مَنْسُوجٍ بِالذَّهَبِ، وَأَنَّهُ جَحَدَ ذَلِكَ، فَاسْتَحْضَرَهُ وَقَرَّرَهُ، فَجَحَدَ الْيَهُودِيُّ ذَلِكَ وَأَنْكَرَهُ، فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُعِزُّ، بِأَنْ تُحْفَرَ دَارُهُ، وَيُسْتَخْرَجُ مَا فِيهَا، فَوَجَدُوا الْقَبَاءَ بِعَيْنِهِ قَدْ جَعَلَهُ فِي جَرَّةٍ وَدَفَنَهَا فِيهَا، فَسَلَّمَهُ الْمُعِزُّ إِلَيْهَا، فَقَدَّمَتْهُ إِلَيْهِ وَعَرَضَتْهُ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهَا وَرَدَّهُ عَلَيْهَا، فَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ ذَلِكَ الْحَاضِرُونَ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ.
стр. 9529
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
السَّرِيُّ الرَّفَّاءُ الشَّاعِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرِيِّ، أَبُو الْحَسَنِ الْكِنْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ
الشَّاعِرُ، لَهُ مَدَائِحُ فِي سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، وَقَدْ قَدِمَ بَغْدَادَ فَاتَّفَقَ مَوْتُهُ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقِيلَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ - وَقِيلَ خَمْسٍ - وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، قَالَ: وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدٍ ابْنَيْ هَاشِمٍ الْخَالِدِيَّيْنِ الْمَوْصِلِيَّيْنِ مُعَادَاةٌ، وَادَّعَى عَلَيْهِمَا سَرِقَةَ شِعْرِهِ، وَكَانَ مُعْتَنِيًا بِنَسْخِ دِيوَانِ كُشَاجِمَ الشَّاعِرِ، وَرُبَّمَا زَادَ فِيهِ مِنْ شِعْرِ الْخَالِدِيَّيْنِ لِيَكْثُرَ حَجْمُهُ وَيَزُنَّهُمَا بِالْكَذِبِ.
وَكَانَ قَدِ امْتَدَحَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ فَأَجْرَى لَهُ رِزْقًا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ الْخَالِدِيَّانِ حَتَّى قَطَعَا رَسْمَهُ مِنْ عِنْدِهِ، فَدَخَلَ بَغْدَادَ وَامْتَدَحَ الْوَزِيرَ الْمُهَلَّبِيَّ، فَرَحَلَا وَرَاءَهُ فَلَمْ يَزَالَا فِي ثَلْبِهِ عِنْدَهُ حَتَّى هَجَرَهُ وَقَلَاهُ، فَرَكِبَهُ الدَّيْنُ وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلِلسَّرِيِّ الرَّفَّاءِ هَذَا دِيوَانُ شِعْرٍ كَبِيرٌ جَيِّدٌ، فَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
يَلْقَى النَّدَى بِرَقِيقِ وَجْهٍ مُسْفِرٍ … فَإِذَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ عَادَ صَفِيقَا
стр. 9530
رَحْبُ الْمَنَازِلِ مَا أَقَامَ فَإِنْ سَرَى … فِي جَحْفَلٍ تَرَكَ الْفَضَاءَ مَضِيقًا
وَقَوْلُهُ:
أَلْبَسْتَنِي نِعَمًا رَأَيْتُ بِهَا الدُّجَى … صُبْحًا وَكُنْتُ أَرَى الصَّبَاحَ بَهِيمَا
فَغَدَوْتُ يَحْسُدُنِي الصَّدِيقُ وَقَبْلَهَا … قَدْ كَانَ يَلْقَانِي الْعَدُوُّ رَحِيمَا
وَقَوْلُهُ:
بِنَفْسِي مَنْ أَجُودُ لَهُ بِنَفْسِي … وَيَبْخَلُ بِالتَّحِيَّةِ وَالسَّلَامِ
وَحَتْفِي كَامِنٌ فِي مُقْلَتَيْهِ … كُمُونَ الْمَوْتِ فِي حَدِّ الْحُسَامِ
مُحَمَّدُ بْنُ هَانِئٍ الْأَنْدَلُسِيُّ الشَّاعِرُ
كَانَ قَدِ اسْتَصْحَبَهُ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ مِنْ بِلَادِ الْقَيْرَوَانِ وَتِلْكَ النَّوَاحِي حِينَ تَوَجَّهَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَجَدَ مُحَمَّدَ بْنَ هَانِئٍ مَقْتُولًا مُجَدَّلًا عَلَى حَافَّةِ الْبَحْرِ، وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ شَاعِرًا مُطَبِّقًا قَوِيَّ النَّظْمِ، إِلَّا أَنَّهُ كَفَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مُبَالَغَاتِهِ فِي مَدَائِحِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ يَمْدَحُ الْمُعِزَّ قَبَّحَهُمَا اللَّهُ
مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءَتِ الْأَقْدَارُ … فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
وَهَذَا خَطَأٌ كَبِيرٌ، وَكُفْرٌ كَثِيرٌ.
стр. 9531
وَقَالَ أَيْضًا، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَفَضَّ فَاهُ:
وَلَطَالَمَا زَاحَمْتُ تَحْ … تَ رِكَابِهِ جِبْرِيلَا
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ فِي دِيوَانِهِ -:
حَلَّ بِرَقَّادَةَ الْمَسِيحُ … حَلَّ بِهَا آدَمٌ وَنُوحُ
حَلَّ بِهَا اللَّهُ ذُو الْمَعَالِي … فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ رِيحُ
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَقَدْ شَرَعَ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ فِي الِاعْتِذَارِ عَنْهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: هَذَا الشِّعْرُ إِنْ صَحَّ عَنْهُ، فَلَيْسَ عَنْهُ اعْتِذَارٌ، لَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَلَا فِي هَذِهِ الدَّارِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَخْتَوَيْهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَكِّي
أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْمُبَرَّزِينَ، أَنْفَقَ عَلَى الْحَدِيثِ وَأَهْلِهُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَسَمِعَ النَّاسُ بِتَخْرِيجِهِ، وَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسُ الْإِمْلَاءِ بِنَيْسَابُورَ، وَرَحَلَ وَسَمِعَ مِنَ الْمَشَايِخِ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَمِنْ مَشَايِخِهِ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ، مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ وَأَضْرَابُهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
سَعِيدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ أَبُو عَمْرٍو الْبَرْذَعِيُّ
стр. 9532
أَحَدُ الْحُفَّاظِ، رَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَوْثَرِ بْنِ عَلِيٍّ، أَبُو بَحْرٍ الْبَرْبَهَارِيُّ
رَوَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَتِمْتَامٍ وَالْبَاغَنْدِيِّ وَالْكُدَيْمِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ رَزْقَوَيْهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَانْتَخَبَ عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: اقْتَصِرُوا عَلَى مَا خَرَّجْتُهُ لَهُ، فَقَدِ اخْتَلَطَ صَحِيحُ سَمَاعِهِ بِفَاسِدِهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ حُفَّاظِ زَمَانِهِ بِسَبَبِ تَخْلِيطِهِ وَغَفْلَتِهِ، وَاتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَذِبِ أَيْضًا.
الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو عَلِيٍّ الْمَرْوَرُّوذِيُّ
أَحَدُ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ فِي زَمَانِهِ، وَلَهُ التَّعْلِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ، تَفَقَّهَ بِأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيَّ وَأَخَذَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْبَغَوِيُّ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَ «التَّفْسِيرِ» وَ «شَرَحِ السُّنَّةِ» وَ «الْمَصَابِيحِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي الطَّبَقَاتِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَّالِيُّ: قَالَ الْقَاضِي. فَهُوَ هَذَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 9533
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا عُمِلَتِ الْبِدْعَةُ الشَّنْعَاءُ عَلَى عَادَةِ الرَّوَافِضِ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بِبَغْدَادَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالرَّافِضَةِ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ قَلِيلُ عَقَلٍ، بَعِيدٌ عَنِ السَّدَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَرْكَبُوا امْرَأَةً وَسَمَّوْهَا عَائِشَةَ، وَتَسَمَّى بَعْضُهُمْ بِطَلْحَةَ، وَبَعْضُهُمْ بِالزُّبَيْرِ وَقَالُوا: نُقَاتِلُ أَصْحَابَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَعَاثَتِ الْعَيَّارُونَ فِي الْبَلَدِ بِالْفَسَادِ وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الرِّجَالِ، ثُمَّ أَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَقُتِلُوا وَصُلِبُوا، فَسَكَنَتِ النُّفُوسُ.
وَفِيهَا أَخَذَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ الْمَوْصِلَ وَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ.
وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالْبَصْرَةِ بَيْنَ الدَّيَالِمِ وَالْأَتْرَاكِ، فَقَوِيَتِ الدَّيْلَمُ عَلَى التُّرْكِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُلْكَ فِيهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَحَبَسُوا رُءُوسَهُمْ، وَنَهَبُوا كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَكَتَبَ عِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى أَهْلِهِ: إِنِّي سَأَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَنِّي قَدْ مُتُّ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ فَأَظْهِرُوا النَّوْحَ، وَاجْلِسُوا لِلْعَزَاءِ، فَإِذَا جَاءَ سُبُكْتِكِينُ لِلتَّعْزِيَةِ فَاقْبِضُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ رُكْنُ الْأَتْرَاكِ وَرَأْسُهُمْ. فَلَمَّا جَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى بَغْدَادَ بِذَلِكَ أَظْهَرُوا النَّوْحَ وَالصُّرَاخَ، فَفَهِمَ سُبُكْتِكِينُ أَنَّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ فَلَمْ يَقَرَبْهُمْ،
стр. 9534
وَتَحَقَّقَ الْعَدَاوَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِزِّ الدَّوْلَةِ، وَرَكِبَ مِنْ فَوْرِهِ فِي الْأَتْرَاكِ، فَحَاصَرُوا دَارَ عِزِّ الدَّوْلَةِ بِبَغْدَادَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَنْزَلَ أَهْلَهُ مِنْهَا، وَنَهَبَ مَا فِيهَا وَأَحْدَرَهُمْ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى وَاسِطٍ مَنْفِيِّينَ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى بَعْثِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِ، فَعَفَا عَنْهُ وَأَقَرَّهُ بِدَارِهِ وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ سُبُكْتِكِينَ وَالْأَتْرَاكِ بِبَغْدَادَ، وَنَهَبَتِ الْأَتْرَاكُ دُورَ الدَّيْلَمِ، وَخَلَعَ سُبُكْتِكِينُ عَلَى رُؤَسَاءِ الْعَامَّةِ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُ عَلَى الدَّيْلَمِ، وَقَوِيَتِ السُّنَّةُ عَلَى الشِّيعَةِ، وَأَحْرَقُوا الْكَرْخَ حَرِيقًا ثَانِيًا، وَظَهَرَتِ السُّنَّةُ عَلَى أَيْدِي الْأَتْرَاكِ، وَخُلِعَ الْمُطِيعُ، وَوُلِّيَ وَلَدُهُ الطَّائِعُ لِلَّهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
خِلَافَةُ الطَّائِعِ وَخَلْعُ أَبِيهِ الْمُطِيعِ لِلَّهِ
ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ - وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «مُنْتَظَمِهِ»: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - خُلِعَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَذَلِكَ لِفَالِجٍ أَصَابَهُ، فَثَقُلَ لِسَانُهُ، فَسَأَلَهُ سُبُكْتِكِينُ أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ، وَيُوَلِّيَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدَهُ الطَّائِعَ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ فَعُقِدَتِ الْبَيْعَةُ لِلطَّائِعِ بِدَارِ الْخِلَافَةِ عَلَى يَدَيِ الْحَاجِبِ سُبُكْتِكِينَ، وَخُلِعَ أَبُوهُ الْمُطِيعُ بَعْدَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً كَانَتْ لَهُ فِي الْخِلَافَةِ، وَلَكِنْ تَعَوَّضَ بِوِلَايَةِ وَلَدِهِ.
وَاسْمُ الطَّائِعِ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْمُطِيعِ لِلَّهِ أَبِي الْقَاسِمِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُقْتَدِرِ
стр. 9535
بِاللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُعْتَضِدِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ بْنِ الْمُعْتَصِمِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ مَنِ اسْمُهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ سِوَاهُ، وَلَا مَنْ أَبَوْهُ حَيٌّ سِوَاهُ وَسِوَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ ﵁، وَلَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ أَسَنَّ مِنْهُ حَالَ الْوِلَايَةِ، كَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَمَّ وَلَدٍ اسْمُهَا عُتْبُ، وَكَانَتْ تَعِيشُ أَيْضًا يَوْمَ بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ، وَلَمَّا بُويِعَ الطَّائِعُ رَكِبَ وَعَلَيْهِ الْبُرْدَةُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ سُبُكْتِكِينُ وَالْجَيْشُ، ثُمَّ خَلَعَ مِنَ الْغَدِ عَلَى سُبُكْتِكِينَ خِلَعَ الْمُلُوكِ، وَلَقَّبَهُ نَصْرَ الدَّوْلَةِ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءَ الْإِمَارَةِ. وَلَمَّا حَضَرَ الْأَضْحَى رَكِبَ الطَّائِعُ وَعَلَيْهِ السَّوَادُ، فَخَطَبَ النَّاسَ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَةً خَفِيفَةً حَسَنَةً.
وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ» أَنَّ الْمُطِيعَ لِلَّهِ كَانَ يُسَمَّى بَعْدَ خَلْعِهِ بِالشَّيْخِ الْفَاضِلِ.
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْقِرْمِطِيِّ
لَمَّا اسْتَقَرَّ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَابْتَنَى فِيهَا الْقَاهِرَةَ وَالْقَصْرَيْنِ،
стр. 9536
وَتَأَطَّدَ مُلْكُهُ، سَارَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقِرْمِطِيُّ مِنَ الْأَحْسَاءِ فِي جَمْعٍ كَثِيفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالْتَفَّ مَعَهُ أَمِيرُ الْعَرَبِ بِبِلَادِ الشَّامِ وَهُوَ حَسَّانُ بْنُ الْجَرَّاحِ الطَّائِيُّ، فِي عَرَبِ الشَّامِ بِكَمَالِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمُ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ أُسْقِطَ فِي يَدِهِ لِكَثْرَتِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى الْقِرْمِطِيُّ يَسْتَمِيلُهُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ دَعْوَةَ آبَائِكَ إِنَّمَا كَانَتْ إِلَى آبَائِي قَدِيمًا، فَدَعْوَتُنَا وَاحِدَةٌ. وَيَذْكُرُ فِيهِ فَضْلَهُ وَفَضْلَ آبَائِهِ، فَرَدَّ الْجَوَابَ: وَصَلَ كِتَابُكَ الَّذِي كَثُرَ تَفْضِيلُهُ، وَقَلَّ تَحْصِيلُهُ، وَنَحْنُ سَائِرُونَ إِلَيْكَ عَلَى إِثْرِهِ، وَالسَّلَامُ.
فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى دِيَارِ مِصْرَ عَاثُوا فِيهَا قَتْلًا وَنَهْبًا وَإِفْسَادًا، وَحَارَ الْمُعِزُّ مَاذَا يَصْنَعُ; لِكَثْرَةِ مَنْ مَعَ الْقِرْمِطِيِّ، وَضَعُفَ جَيْشُهُ عَنْ مُقَاوَمَتِهِمْ، فَعَدَلَ إِلَى الْمَكِيدَةِ وَالْخَدِيعَةِ، فَرَاسَلَ حَسَّانَ بْنَ الْجَرَّاحِ أَمِيرَ الْعَرَبِ، وَوَعَدَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ إِنْ هُوَ خَذَّلَ بَيْنَ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِمَا الْتَزَمْتَ، وَتَعَالَ بِمَنْ مَعَكَ، فَإِذَا الْتَقَيْنَا انْهَزَمْتُ بِمَنْ مَعِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُعِزُّ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ فِي أَكْيَاسٍ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهَا زَغَلٌ، ضَرَبَ النُّحَاسَ وَلَبَّسَهُ الذَّهَبَ، وَجَعْلَهُ فِي أَسْفَلِ الْأَكْيَاسِ، وَوَضَعَ فِي رُءُوسِ الْأَكْيَاسِ الدَّنَانِيرَ الْخَالِصَةَ، وَلَمَّا بَعَثَهَا إِلَيْهِ رَكِبَ فِي إِثْرِهَا بِجَيْشِهِ، فَالْتَقَى النَّاسُ، وَلَمَّا تَوَاجَهَ الْفَرِيقَانِ وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، انْهَزَمَ حَسَّانُ بْنُ الْجَرَّاحِ بِالْعَرَبِ، فَضَعُفَ جَانِبُ الْقِرْمِطِيِّ، وَقَوِيَ عَلَيْهِ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ فَكَسَرَهُ، وَانْهَزَمَتِ الْقَرَامِطَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَجَعُوا إِلَى أَذْرِعَاتَ فِي أَذَلِّ حَالٍ وَأَفَلِّهِ، وَبَعَثَ الْمُعِزُّ فِي آثَارِهِمُ الْقَائِدَ أَبَا مَحْمُودٍ إِبْرَاهِيمَ بْنَ جَعْفَرٍ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ; لِيَحْسِمَ مَادَّةَ الْقَرَامِطَةِ.
стр. 9537
مُلْكُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ دِمَشْقَ، وَانْتِزَاعُهُ إِيَّاهَا مِنْ يَدِ الْقَرَامِطَةِ
لَمَّا انْهَزَمَ الْقِرْمِطِيُّ وَأَصْحَابُهُ، بَعَثَ الْمُعِزُّ سَرِيَّةً، عَلَيْهِمْ ظَالِمُ بْنُ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيُّ أَمِيرًا عَلَى دِمَشْقَ فَتَسَلَّمَهَا مِنَ الْقَرَامِطَةِ بَعْدَ حِصَارٍ شَدِيدٍ، وَاعْتَقَلَ مُتَوَلِّيَهَا أَبَا الْمُنَجَّا الْقِرْمِطِيَّ وَابْنَهُ، وَاعْتَقَلَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَهْلِ نَابُلُسَ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي الْفَاطِمِيِّينَ، وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ مَعِي عَشَرَةُ أَسْهُمٍ لَرَمَيْتُ الرُّومَ بِسَهْمٍ وَرَمَيْتُ الْمَغَارِبَةَ - يَعْنِي الْفَاطِمِيِّينَ - بِتِسْعَةٍ. فَسُلِخَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعِزِّ، وَحُشِيَ جِلْدُهُ تِبْنًا، وَصُلِبَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلَمَّا تَفَرَّغَ أَبُو مَحْمُودٍ الْقَائِدُ مِنْ قِتَالِ الْقَرَامِطَةِ أَقْبَلَ نَحْوَ دِمَشْقَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ ظَالِمُ بْنُ مَوْهُوبٍ، فَتَلَقَّاهُ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ ظَاهِرَ دِمَشْقَ فَأَفْسَدَ أَصْحَابُهُ فِي الْغُوطَةِ وَالْمَرْجِ وَنَهَبُوا الْفَلَّاحِينَ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَاتِ عَلَى النَّاسِ، وَتَحَوَّلَ أَهْلُ الْغُوطَةِ إِلَى الْبَلَدِ مِنْ كَثْرَةِ النَّهْبِ، وَجِيءَ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الْقَتْلَى فَأُلْقُوا فِي الْجَامِعِ، فَكَثُرَ الضَّجِيجُ، وَغُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَامَّةُ لِلْقِتَالِ، وَالْتَقَوْا مَعَ الْمَغَارِبَةِ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ، وَانْهَزَمَتِ الْعَامَّةُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَحْرَقَتِ الْمَغَارِبَةُ
стр. 9538
نَاحِيَةَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالدُّورِ وَلَبِثَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَأُحْرِقَ الْبَلَدُ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ عَزْلِ ظَالِمِ بْنِ مَوْهُوبٍ وَتَوْلِيَةِ جَيْشِ بْنِ صَمْصَامَةَ ابْنِ أُخْتِ أَبِي مَحْمُودٍ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَقُطِّعَتِ الْقَنَوَاتُ وَسَائِرُ الْمِيَاهِ عَنِ الْبَلَدِ، وَمَاتَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ فِي الطُّرُقَاتِ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَلَمْ يَزَلِ الْحَالُ كَذَلِكَ حَتَّى وَلِيَ عَلَيْهِمُ الطَّوَاشِيُّ رَيَّانُ الْخَادِمُ، مِنْ جِهَةِ الْمُعِزِّ، فَسَكَنَتِ الْأُمُورُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَلَمَّا قَوِيَتِ الْأَتْرَاكُ بِبَغْدَادَ تَحَيَّرَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بْنُ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ فِي أَمْرِهِ، وَمَا يَصْنَعُ، وَهُوَ بِالْأَهْوَازِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ يَسْتَنْجِدُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِعَسْكَرٍ مَعَ وَزِيرِهِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَتَبَاطَأَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى عِمْرَانَ بْنِ شَاهِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي تَغْلِبَ بْنِ حَمْدَانَ، فَأَظْهَرَ نَصْرَهُ وَإِنَّمَا يُرِيدُ فِي الْبَاطِنِ أَخْذَ بَغْدَادَ وَخَرَجَتِ الْأَتْرَاكُ مِنْ بَغْدَادَ فِي جَحْفَلٍ كَثِيرٍ، وَمَعَهُمُ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ وَأَبُوهُ الْمُطِيعُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى وَاسِطٍ تُوُفِّيَ الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَبَعْدَ أَيَّامٍ تُوُفِّيَ سُبُكْتِكِينُ أَيْضًا، فَحُمِلَا إِلَى بَغْدَادَ فَالْتَفَّتِ التُّرْكُ عَلَى أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ: أَفْتُكِينُ، فَاجْتَمَعَ شَمْلُهُمْ، وَالْتَقَوْا مَعَ بَخْتِيَارَ فَضَعُفَ أَمْرُهُ جِدًّا، وَقَوِيَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مُلْكَ الْعِرَاقِ، وَتَمَزَّقَ شَمْلُهُ، وَتَفَرَّقَ أَمْرُهُ.
وَفِيهَا خُطِبَ لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ بِالْحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.
стр. 9539
وَفِيهَا خَرَجَ جَمْعٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى الْحُجَّاجِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَطَّلُوا عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمُ الْحَجَّ فِي هَذَا الْعَامِ.
وَفِيهَا انْتَهَى تَارِيخُ ثَابِتِ بْنِ سِنَانِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ وَأَوَّلُهُ مِنْ أَوَّلِ دَوْلَةِ الْمُقْتَدِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ بِوَاسِطٍ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ حَجٌّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سِوَى مَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى دَرْبِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ أَخَذَ بِالنَّاسِ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَتَمَّ حَجُّهُمْ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْعَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَبُو الْفَضْلِ الشِّيرَازِيُّ
الْوَزِيرُ لِعِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِلسُّنَّةِ، عَكْسَ مَخْدُومِهِ، فَعَزَلَهُ، وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ بَقِيَّةَ الْبَابَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَبَسَ هَذَا، فَقُتِلَ فِي مَحْبِسِهِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا، عَنْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ فِيهِ ظُلْمٌ وَحَيْفٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِغُلَامِ
стр. 9540
الْخَلَّالِ، أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْحَنَابِلَةِ الْأَعْيَانِ، وَمِمَّنْ صَنَّفَ وَجَمَعَ وَنَاظَرَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَطَبَقَتِهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ فَوْقَ الثَّمَانِينَ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَهُ «الْمُقْنِعُ» فِي مِائَةِ جُزْءٍ، وَ «الشَّافِي» فِي ثَمَانِينَ جُزْءًا، وَ «زَادُ الْمُسَافِرِ»، وَ «الْخِلَافُ مَعَ الشَّافِعِيِّ» وَكِتَابُ «الْقَوْلَيْنِ» وَ «مُخْتَصَرُ السُّنَّةِ» وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وَالْأُصُولِ.
عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْفَتْحِ الْبُسْتِيُّ
الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، لَهُ دِيوَانٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، لَهُ فِي الْمُطَابَقَةِ وَالْمُجَانَسَةِ يَدٌ طُولَى، وَمُبْتَكَرَاتٌ أُولَى، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ» مِنْ ذَلِكَ قِطْعَةً كَبِيرَةً مُرَتَّبَةً عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِذَا قَنِعْتُ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقُوتِ … بَقِيتُ فِي النَّاسِ حُرًّا غَيْرَ مَمْقُوتِ
يَا قُوتَ يَوْمِي إِذَا مَا دَرَّ خَلْفُكَ لِي … فَلَسْتُ آسَى عَلَى دُرٍّ وَيَاقُوتِ
وَلَهُ:
стр. 9541
يَا أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْ مَذْهَبِي … لِيُقْتَدَى فِيهِ بِمِنْهَاجِي
مِنْهَاجِيَ الْعَدْلُ وَقَمْعُ الْهَوَى … فَهَلْ لِمِنْهَاجِيَ مِنْ هَاجِي
وَلَهُ:
أَفِدْ طَبْعَكَ الْمَكْدُودَ بِالْجِدِّ رَاحَةً … تَجُمَّ وَعَلِّلْهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَزْحِ
وَلَكِنْ إِذَا أَعْطَيْتَ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ … بِمِقْدَارِ مَا تُعْطِي الطَّعَامَ مِنَ الْمِلْحِ
وَلَهُ:
إِذَا خَدَمْتَ الْمُلُوكَ فَالْبَسْ … مِنَ التَّوَقِّي أَعَزَّ مَلْبَسْ
وَادْخُلْ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ أَعْمَى … وَاخْرُجْ إِذَا مَا خَرَجْتَ أَخْرَسْ
وَلَهُ:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ رَاغِمًا … وَتَقْتُلَهُ هَمًّا وَتَحْرِقَهُ غَمَّا
فَسَامِ الْعُلَا وَازْدَدْ مِنَ الْفَضْلِ إِنَّهُ … مَنِ ازْدَادَ فَضْلًا زَادَ حَاسِدُهُ غَمَّا
وَلَهُ:
إِنَّ أَسْيَافَنَا الْعِضَابَ الدَّوَامِي … صَيَّرَتْ مُلْكَنَا طَوِيلَ الدَّوَامِ
لَمْ نَزَلْ نَحْنُ فِي سَدَادِ ثُغُورٍ … وَاصْطِلَامِ الْأَعْدَاءِ مِنْ وَسْطِ لَامِ
стр. 9542
وَاقْتِحَامِ الْأَهْوَالِ مِنْ وَقْتِ حَامٍ … وَاقْتِسَامِ الْأَمْوَالِ مَنْ وَقْتِ سَامِ
وَلَهُ:
يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ … أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيهِ خُسْرَانُ
أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا … فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ
أَبُو فِرَاسِ بْنُ حَمْدَانَ الشَّاعِرُ
لَهُ دِيوَانٌ مَشْهُورٌ، اسْتَنَابَهُ أَخُوهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ عَلَى حَرَّانَ وَمَنْبِجَ، فَقَاتَلَ مَرَّةً الرُّومَ فَأُسِرَ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، وَاتَّفَقَ مَوْتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ وَمَعَانٍ حَسَنَةٌ. وَقَدْ رَثَاهُ أَخُوهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ:
الْمَرْءُ نَصْبُ مَصَائِبٍ لَا تَنْقَضِي … حَتَّى يُوَارَى جِسْمُهُ فِي رَمْسِهِ
فَمُؤَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى فِي غَيْرِهِ … وَمُعَجَّلٌ يَلْقَى الرَّدَى فِي نَفْسِهِ
стр. 9543
وَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ: قُلْ فِي مَعْنَاهُمَا، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ:
مَنْ يَتَمَنَّ الْعُمُرَ فَلْيَتَّخِذْ … صَبْرًا عَلَى فَقْدِ أَحِبَّائِهِ
وَمَنْ يُعَمَّرْ يَلْقَ فِي نَفْسِهِ … مَا يَتَمَنَّاهُ لِأَعْدَائِهِ
كَذَا ذَكَرَ ابْنُ السَّاعِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ فِي أَخِيهِ أَبِي فِرَاسٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ» مِنْ شِعْرِ أَبِي فِرَاسٍ نَفْسِهِ، وَأَنَّ الْأَعْرَابِيَّ أَجَازَهُمَا بِالْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بَعْدَهُمَا.
وَذَكَرَ مِنْ شِعْرِ أَبِي فِرَاسٍ أَشْيَاءَ حَسَنَةً، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قَصِيدَةٍ:
سَيَفْقِدُنِي قَوْمِي إِذَا جَدَّ جَدُّهُمْ … وَفِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ يُفْتَقَدُ الْبَدْرُ
وَلَوْ سَدَّ غَيْرِي مَا سَدَدْتُ اكْتَفَوْا بِهِ … وَمَا كَانَ يَغْلُو التِّبْرُ لَوْ نَفَقَ الصُّفْرُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قَصِيدَةٍ:
إِلَى اللَّهِ أَشْكُو أَنَّنَا فِي مَنَازِلٍ … تَحَكَّمُ فِي آسَادِهِنَّ كِلَابُ
فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيرَةٌ … وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالْأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الْذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ … وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ
стр. 9544
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا جَاءَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ إِلَى وَاسِطٍ وَمَعَهُ وَزِيرُ أَبِيهِ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْعَمِيدِ، فَهَرَبَ مِنْهُ أَفْتِكِينُ فِي جَمَاعَةِ الْأَتْرَاكِ إِلَى بَغْدَادَ فَسَارَ وَرَاءَهُمْ، فَنَزَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَأَمَرَ بَخْتِيَارَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَحَصَرَ التُّرْكَ حَصْرًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ أُمَرَاءَ الْأَعْرَابِ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى الْأَطْرَافِ، وَيَقْطَعُوا الْمِيرَةَ الْوَاصِلَةَ إِلَى بَغْدَادَ فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ جِدًّا، وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الْمَعَاشِ مِنْ كَثْرَةِ الْعَيَّارِينَ وَالنَّهْبِ، وَكَبَسَ أَفْتِكِينُ الْبُيُوتَ لِطَلَبِ الطَّعَامِ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ جِدًّا، ثُمَّ الْتَقَتِ الْأَتْرَاكُ وَعَضُدُ الدَّوْلَةِ، فَكَسَرَهُمْ وَهَرَبُوا إِلَى تِكْرِيتَ وَاسْتَحْوَذَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى بَغْدَادَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَتِ التُّرْكُ قَدْ أَخْرَجُوا مَعَهُمُ الْخَلِيفَةَ، فَرَدَّهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ مُكَرَّمًا، وَنَزَلَ هُوَ بِدَارِ الْمُلْكِ، فَضَعُفَ أَمْرُ بَخْتِيَارَ جِدًّا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَطَرَدَ الْحَجَبَةَ وَالْكَتَبَةَ عَنْ بَابِهِ، وَاسْتَعْفَى عَنِ الْإِمَارَةِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشُورَةِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، فَاسْتَعْطَفَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي الظَّاهِرِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ أَنْ لَا يَقْبَلَ، فَلَمْ يَقْبَلْ.
وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا، فَصَمَّمَ بَخْتِيَارُ عَلَى الِامْتِنَاعِ ظَاهِرًا، فَأَلْزَمَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِذَلِكَ، وَأَظْهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا عَجْزًا مِنْهُ عَنِ الْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الْمُلْكِ
стр. 9545
فَأَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَى بَخْتِيَارَ وَعَلَى أَهْلِهِ وَإِخْوَتِهِ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ وَسُرَّ بِهِ، وَأَظْهَرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ مِنْ تَعْظِيمِ الْخِلَافَةِ مَا كَانَ دَارِسًا، وَجَدَّدَ دَارَ الْخِلَافَةِ حَتَّى صَارَ كُلُّ مَحَلٍّ مِنْهَا آنِسًا، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِالْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ وَالْأَمْتِعَةِ الْحَسَنَةِ، وَقَتَلَ جَمَاعَةَ الْمُفْسِدِينَ مِنْ مَرَدَةِ التُّرْكِ وَشُطَّارِ الْعَيَّارِينَ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَظُمَ الْبَلَاءُ بِالْعَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ، وَأَحْرَقُوا سُوقَ بَابِ الشَّعِيرِ، وَأَخَذُوا أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَرَكِبُوا الْخُيُولَ، وَتَلَقَّبُوا بِالْقُوَّادِ، وَأَخَذُوا الْخَفَرَ مِنَ الْأَسْوَاقِ وَالدُّرُوبِ، وَعَظُمَتِ الْمِحْنَةُ بِهِمْ جِدًّا، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ كَثِيرًا، حَتَّى إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَسْوَدَ كَانَ مُسْتَضْعَفًا نَجَمَ فِيهِمْ وَكَثُرَ مَالُهُ حَتَّى اشْتَرَى جَارِيَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَلَمَّا حَصَلَتْ عِنْدَهُ حَاوَلَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: مَاذَا تَكْرَهِينَ مِنِّي؟ قَالَتْ: أَكْرَهُكَ كُلَّكَ، فَقَالَ: فَمَا تُحِبِّينَ؟ فَقَالَتْ: تَبِيعُنِي، فَقَالَ: أَوَخَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَحَمَلَهَا إِلَى الْقَاضِي، فَأَعْتَقَهَا، وَأَعْطَاهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَأَطْلَقَهَا، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ حِلْمِهِ وَكَرَمِهِ مَعَ فِسْقِهِ وَتَمَرُّدِهِ.
قَالَ: وَوَرَدَ الْخَبَرُ فِي الْمُحَرَّمِ بِأَنَّهُ خُطِبَ لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي الْمَوْسِمِ، وَلَمْ يُخْطَبْ لِلطَّائِعِ.
قَالَ: وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ جِدًّا حَتَّى بِيعَ الْكُرُّ الدَّقِيقُ الْحُوَّارَى بِمِائَةٍ وَنَيِّفٍ وَسَبْعِينَ دِينَارًا.
стр. 9546
قَالَ: وَفِيهَا اضْمَحَلَّ أَمْرُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَتَفَرَّقَ جُنْدُهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى بَغْدَادَ وَحْدَهَا، فَبَعَثَ إِلَى أَبِيهِ يَشْكُو لَهُ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ يَلُومُهُ عَلَى الْغَدْرِ بِابْنِ عَمِّهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى فَارِسَ بَعْدَمَا أَخْرَجَ ابْنَ عَمِّهِ بَخْتِيَارَ مِنَ السِّجْنِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا لَهُ بِالْعِرَاقِ يَخْطُبُ لَهُ بِهَا، وَجَعَلَ مَعَهُ أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ أَمِيرَ الْجُيُوشِ لِضَعْفِ بَخْتِيَارَ عَنْ تَدْبِيرِ الْأُمُورِ، وَاسْتَمَرَّ ذَاهِبًا إِلَى بِلَادِ فَارِسَ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ أَمْرِ أَبِيهِ لَهُ بِذَلِكَ، وَغَضَبِهِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ غَدْرِهِ بِابْنِ عَمِّهِ، وَتَكْرَارِ مُكَاتَبَاتِهِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَلَمَّا سَارَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ تَرَكَ بَعْدَهُ وَزِيرَ أَبِيهِ أَبَا الْفَتْحِ بْنَ الْعَمِيدِ لِيَلْحَقَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَتَشَاغَلَ بِالْقَصْفِ مَعَ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ وَحْشَةً بَيْنَ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَبَيْنَ ابْنِ الْعَمِيدِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَلَاكِ ابْنِ الْعَمِيدِ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِزُّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارُ بِبَغْدَادَ وَمَلَكَ الْعِرَاقَ لَمْ يَفِ لِابْنِ عَمِّهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، وَلَا مَا كَانَ الْتَزَمَ لَهُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، بَلْ تَمَادَى فِي ضَلَالِهِ الْقَدِيمِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى سَنَنِهِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
قَالَ: وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ تَزَوَّجَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ شَاهْ نَازَ بِنْتَ عِزِّ الدَّوْلَةِ عَلَى صَدَاقٍ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.
стр. 9547
وَفِي سَلْخِ ذِي الْقَعْدَةِ عُزِلَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ أُمِّ شَيْبَانَ، وَقَلَّدَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعْرُوفٍ.
وَأَقَامَ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَصْحَابُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَخُطِبَ لَهُ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ دُونَ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ذِكْرُ أَخْذِ دِمَشْقَ مِنْ أَيْدِي الْفَاطِمِيِّينَ
ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «كَامِلِهِ» أَنَّ أَفْتِكِينَ غُلَامَ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ الَّذِي كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْتَفَّ عَلَيْهِ عَسَاكِرُ وَجُيُوشٌ مِنَ الدَّيْلَمِ وَالتُّرْكِ وَالْأَعْرَابِ، نَزَلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى دِمَشْقَ لِيَأْخُذَهَا مِنْ أَيْدِي الْفَاطِمِيِّينَ، وَكَانَ عَلَيْهَا رَيَّانُ الْخَادِمُ مِنْ جِهَةِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، فَلَمَّا نَزَلَ بِظَاهِرِهَا خَرَجَ إِلَيْهِ كُبَرَاؤُهَا وَشُيُوخُهَا، فَذَكَرُوا مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ وَمُخَالَفَةِ الِاعْتِقَادِ بِسَبَبِ مُلْكِ الْفَاطِمِيِّينَ عَلَيْهِمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُصَمِّمَ عَلَى أَخْذِ الْبَلَدِ لِيَسْتَنْقِذَهَا مِنْهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَمَّمَ عَلَى أَخْذِهَا، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَخَذَهَا، وَأَخْرَجَ رَيَّانَ الْخَادِمَ مِنْهَا، وَاسْتَقَلَّ بِأَمْرِهَا، وَكَسَرَ أَهْلَ الشَّرِّ بِهَا، وَرَفَعَ أَهْلَ الْخَيْرِ، وَوَضَعَ الْعَدْلَ فِيهِمْ، وَقَمَعَ أَهْلَ اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ، وَكَفَّ أَيْدِيَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَأَخَذُوا عَامَّةَ الْمَرْجِ وَالْغُوطَةِ، وَنَهَبُوا أَهْلَهَا.
стр. 9548
وَلَمَّا اسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ عَلَى يَدَيْهِ، وَصَلُحَ أَمْرُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ مِنْ مِصْرَ يَشْكُرُ سَعْيَهُ وَيَطْلُبُهُ إِلَيْهِ; لِيَخْلَعَ عَلَيْهِ وَيَجْعَلَهُ نَائِبًا مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ وَخَافَ غَائِلَتَهُ، وَقَطَعَ خُطْبَتَهُ مِنَ الشَّامِ وَخَطَبَ لِلطَّائِعِ الْعَبَّاسِيِّ، ثُمَّ قَصَدَ صَيْدَا وَبِهَا خَلْقٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ عَلَيْهِمُ ابْنُ الشَّيْخِ، وَفِيهِمْ ظَالِمُ بْنُ مَوْهُوبٍ الْعُقَيْلِيُّ - الَّذِي كَانَ نَائِبًا عَلَى دِمَشْقَ لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَسَاءَ بِهِمُ السِّيرَةَ - فَحَاصَرَهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَخَذَ الْبَلَدَ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ سَرَاتِهِمْ، ثُمَّ قَصَدَ طَبَرِيَّةَ فَفَعَلَ بِأَهْلِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَمَ الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَقِتَالِهِ.
فَبَيْنَمَا هُوَ يَجْمَعُ لَهُ وَيُرَتِّبُ الْجُيُوشَ إِذْ تُوفِّيَ الْمُعِزُّ بِمِصْرَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَامَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْعَزِيزُ، فَاطْمَأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ أَفْتِكِينُ بِالشَّامِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، فَتَشَاوَرَ الْمِصْرِيُّونَ فِي أَمْرِهِ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ بَعَثُوا جَوْهَرًا الْقَائِدَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ عَنْ رَأْيِ الْوَزِيرِ يَعْقُوبَ بْنِ كِلِّسٍ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ لِقَصْدِ الشَّامِ حَلَّفَ أَفْتِكِينُ أَهْلَ دِمَشْقَ عَلَى مُنَاصَرَتِهِ وَمُنَاصَحَتِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ بِذَلِكَ.
وَجَاءَ جَوْهَرٌ فَحَصَرَ دِمَشْقَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَصْرًا شَدِيدًا، وَرَأَى مِنْ شَجَاعَةِ أَفْتِكِينَ مَا بَهَرَهُ، وَحِينَ طَالَ الْحَالُ أَشَارَ مَنْ أَشَارَ مِنَ الدَّمَاشِقَةِ عَلَى أَفْتِكِينَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْقِرْمِطِيِّ وَهُوَ بِالْأَحْسَاءِ; لِيَجِيءَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَتَبَ إِلَيْهِ أَقْبَلَ لِنَصْرِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ جَوْهَرٌ بِقُدُومِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَبْقَى بَيْنَ عَدُوَّيْنِ مِنْ دَاخِلِ الْبَلَدِ وَمِنْ خَارِجِهَا، فَارْتَحَلَ قَاصِدًا الرَّمْلَةَ فَتَبِعَهُ أَفْتِكِينُ وَالْقِرْمِطِيُّ فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَتَوَاقَعُوا عِنْدَ نَهْرِ الطَّوَاحِينِ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الرَّمَلَةِ وَحَصَرُوا جَوْهَرًا بِالرَّمْلَةِ، فَضَاقَ حَالُهُ جِدًّا مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى أَشْرَفَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْهَلَاكِ، فَسَأَلَ أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَأَفْتِكِينُ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَفَّقُ
стр. 9549
لَهُ أَنْ يُطْلِقَهُ، لِيَرْجِعَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى أُسْتَاذِهِ شَاكِرًا لَهُ مُثْنِيًا عَلَيْهِ الْخَيْرَ، وَلَا يَسْمَعُ مِنَ الْقِرْمِطِيِّ رَأْيَهُ فِيهِ - وَكَانَ جَوْهَرٌ دَاهِيَةً - فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَنَدَّمَهُ الْقِرْمِطِيُّ، وَقَالَ: الرَّأْيُ أَنَّا كُنَّا نَحْصُرُهُمْ حَتَّى يَمُوتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَإِنَّهُ الْآنَ سَيَذْهَبُ إِلَى سَيِّدِهِ فَيُخْبِرُهُ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ إِلَيْنَا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَطْلَقَهُ أَفْتِكِينُ مِنَ الْحَصْرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَأْبٌ إِلَّا أَنَّهُ حَثَّ الْعَزِيزَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى أَفْتِكِينَ بِنَفْسِهِ وَجُيُوشِهِ، فَأَقْبَلَ فِي جَحَافِلَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ وَكَثْرَةٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالْعُدَدِ وَالْأَثْقَالِ وَالْأَمْوَالِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ، وَجَمَعَ أَفْتِكِينُ وَالْقِرْمِطِيُّ الْجُيُوشَ وَالْأَعْرَابَ وَسَارُوا إِلَى الرَّمْلَةِ فَاقْتَتَلُوا فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ.
وَلَمَّا تَوَاجَهُوا رَأَى الْعَزِيزُ مِنْ شَجَاعَةِ أَفْتِكِينَ مَا بَهَرَهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَعْرِضُ عَلَيْهِ إِنْ أَطَاعَهُ وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مُقَدَّمَ عَسَاكِرِهِ وَأَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِ غَايَةَ الْإِحْسَانِ، فَتَرَجَّلَ أَفْتِكِينُ عَنْ فَرَسِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ نَحْوَ الْعَزِيزِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا قَبْلَ هَذَا الْحَالِ لَأَمْكَنَنِي وَسَارَعْتُ وَأَطَعْتُ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا، ثُمَّ رَكِبَ فَرَسَهُ وَحَمَلَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، فَفَرَّقَ شَمْلَهَا، وَبَدَّدَ خَيْلَهَا وَرَجِلَهَا، فَبَرَزَ عِنْدَ ذَلِكَ الْعَزِيزُ مِنَ الْقَلْبِ، وَأَمَرَ الْمَيْمَنَةَ، فَحَمَلَتْ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَانْهَزَمَ الْقِرْمِطِيُّ وَتَبِعَهُ بَقِيَّةُ الشَّامِيِّينَ، وَرَكِبَتِ الْمَغَارِبَةُ أَقَفِيَتَهُمْ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ مَنْ شَاءُوا، وَتَحَوَّلَ الْعَزِيزُ فَنَزَلَ خِيَامَ الشَّامِيِّينَ بِمَنْ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ السَّرَايَا وَرَاءَهُمْ، وَجَعَلَ الْعَزِيزُ لَا يُؤْتَى بِأَسِيرٍ إِلَّا خَلَعَ عَلَى مَنْ جَاءَ بِهِ، وَجَعَلَ لِمَنْ جَاءَهُ بِأَفْتِكِينَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ.
فَاتَّفَقَ أَنَّ أَفْتِكِينَ عَطِشَ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ عَطَشًا شَدِيدًا، فَاجْتَازَ بِمُفَرِّجِ بْنِ دَغْفَلٍ، وَكَانَ صَاحِبَهُ، فَاسْتَسْقَاهُ فَسَقَاهُ مَاءً وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ فِي
стр. 9550
بُيُوتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْعَزِيزِ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ الَّذِي يَطْلُبُ عِنْدَهُ، فَلْيَحْمِلْ إِلَيْهِ الذَّهَبَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَجَاءَ مَنْ تَسَلَّمَهُ مِنْهُ، فَلَمَّا أُحِيطَ بِأَفْتِكِينَ لَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ مَقْتُولٌ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ حَضَرَ عِنْدَ الْعَزِيزِ أَكْرَمَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ وَاحْتَرَمَهُ غَايَةَ الِاحْتِرَامِ، وَرَدَّ إِلَيْهِ حَوَاصِلَهُ وَأَمْوَالَهُ لَمْ يَفْقِدْ مِنْهَا شَيْئًا، وَجَعَلَهُ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِهِ وَأُمَرَائِهِ، وَأَنْزَلَهُ إِلَى جَانِبِ مَنْزِلِهِ، وَرَجَعَ بِهِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا، وَأَقْطَعَهُ هُنَالِكَ إَقْطَاعَاتٍ جَزِيلَةً، وَأَرْسَلَ إِلَى الْقِرْمِطِيِّ يَعْرِضُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَيُكْرِمَهُ كَمَا أَكْرَمَ أَفْتِكِينَ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَجَعَلَهَا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَكُفُّ بِهَا شَرَّهُ، وَلَمْ يَزَلْ أَفْتِكِينُ مُكَرَّمًا عِنْدَ الْعَزِيرِ، حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَزِيرِ يَعْقُوبَ بْنِ كِلِّسٍ، فَعَمِلَ عَلَيْهِ حَتَّى سَقَاهُ سُمًّا فَمَاتَ، وَحِينَ عَلِمَ الْخَلِيفَةُ بِذَلِكَ غَضِبَ عَلَى الْوَزِيرِ، وَحَبَسَهُ بِضْعًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَخَذَ مِنْهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ رَأَى أَنَّ لَا غِنَى بِهِ عَنِ الْوَزِيرِ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ وَأَعَادَهُ إِلَى الْوِزَارَةِ، وَذَهَبَ أَفْتِكِينُ فِي حَالِ سَبِيلِهِ، ﵀. هَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ:
سُبُكْتِكِينُ الْحَاجِبُ التُّرْكِيُّ، مَوْلَى الْمُعِزِّ الدَّيْلَمِيِّ وَحَاجِبُهُ
وَقَدْ تَرَقَّى فِي الْمَرَاتِبِ حَتَّى آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ قَلَّدَهُ الطَّائِعُ الْإِمَارَةَ وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ، وَلَقَّبَهُ بِنُورِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ دَوْلَتِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَدُفِنَ بِبَغْدَادَ، وَدَارُهُ هِيَ دَارُ الْمُلْكِ بِبَغْدَادَ، وَهِيَ دَارٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَقَدِ اتَّفَقَ لَهُ
стр. 9551
أَنَّهُ سَقَطَ يَوْمًا عَنْ فَرَسِهِ فَانْكَسَرَ ضِلْعُهُ، فَدَاوَاهُ الطَّبِيبُ حَتَّى اسْتَقَامَ ظَهْرُهُ وَقَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ الرُّكُوعَ، فَأَعْطَاهُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ يَقُولُ لِلطَّبِيبِ: إِذَا ذَكَرْتُ مَرَضِي وَمُدَاوَاتَكَ لِي لَا أَقْدِرُ عَلَى مُكَافَأَتِكَ، وَلَكِنْ إِذَا تَذَكَّرْتُ وَضْعَكَ قَدَمَيْكَ عَلَى ظَهْرِي اشْتَدَّ غَيْظِي مِنْكَ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، مِنْ ذَلِكَ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَصُنْدُوقَانِ مِنْ جَوْهَرٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ صُنْدُوقًا مِنَ الْبَلُّورِ، وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُنْدُوقًا مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ، وَمِائَةٌ وَثَلَاثُونَ مَرْكَبًا مِنْ ذَهَبٍ، مِنْهَا خَمْسُونَ وَزْنُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفُ دِينَارٍ، وَسِتُّمِائَةِ مَرْكَبٍ فِضَّةً، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ ثَوْبٍ دِيبَاجًا، وَعَشَرَةُ آلَافِ دَبِيقِيٍّ وَعِتَّابِيٍّ، وَثَلَاثُمِائَةِ عِدْلٍ مَعْكُومَةٍ مِنَ الْفُرُشِ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ فَرَسٍ وَبَغْلٍ، وَأَلْفُ جَمَلٍ، وَثَلَاثُمِائَةِ غُلَامٍ وَأَرْبَعُونَ خَادِمًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَا أَوْدَعَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ صَاحِبِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 9552
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا قَسَّمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ مَمَالِكَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ عِنْدَمَا كَبِرَتْ سِنُّهُ، فَجَعَلَ لِوَلَدِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بِلَادَ فَارِسَ وَكَرْمَانَ وَأَرَّجَانَ، وَلِوَلَدِهِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ الرَّيَّ وَأَصْبَهَانَ، وَلِفَخْرِ الدَّوْلَةِ هَمْدَانَ وَالدِّينَوَرَ، وَجَعَلَ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ فِي كَنَفِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَأَوْصَاهُ بِهِ.
وَفِيهَا جَلَسَ قَاضِي الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَعْرُوفٍ فِي دَارِ عِزِّ الدَّوْلَةِ وَفِي مَجْلِسِهِ عَنْ أَمْرِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ لِفَصْلِ الْحُكُومَاتِ، وَحَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ جِهَةِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ بَعْدَمَا حُوصِرَ أَهْلُ مَكَّةَ وَلَقُوا شِدَّةً عَظِيمَةً، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ عِنْدَهُمْ جِدًّا.
وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ذَهَبَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ - نَائِبُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ عَلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ - إِلَى سَبْتَةَ فَأَشْرَفَ عَلَيْهَا مِنْ جَبَلٍ مُطِلٍّ عَلَيْهَا، فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُ مِنْ أَيْنَ يُحَاصِرُهَا؟ نِصْفَ يَوْمٍ، فَخَافَهُ أَهْلُهَا خَوْفًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا إِلَى مَدِينَةٍ هُنَالِكَ يُقَالُ لَهَا: بَصْرَةُ، فِي الْمَغْرِبِ، فَأَمَرَ بِهَدْمِهَا
стр. 9553
وَنَهْبِهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ بَرْغَوَاطَةَ، وَبِهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عِيسَى ابْنُ أُمِّ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ مَلِكُهَا، وَقَدِ اشْتَدَّتِ الْمِحْنَةُ بِهِ لِسِحْرِهِ وَشَعْبَذَتِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَطَاعُوهُ، وَوَضَعَ لَهُمْ شَرِيعَةً يَقْتَدُونَ بِهِ فِيهَا، فَقَاتَلَهُمْ بُلُكِّينُ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ هَذَا الْفَاجِرَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، فَلَمْ يُرَ سَبْيٌ أَحْسَنُ أَشْكَالًا مِنْهُمْ، فِيمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ أَبُو بَكْرٍ الْخُتُّلِيُّ
لَهُ مُسْنَدٌ كَبِيرٌ، رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْكَجِّيِّ وَخَلْقٍ، وَرَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ثِقَةً، قَارَبَ التِّسْعِينَ.
ثَابِتُ بْنُ سِنَانِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قُرَّةَ الصَّابِئُ
الْمُؤَرِّخُ، فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْكَامِلِ».
الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو عَلِيٍّ الْمَاسَرْجَسِيُّ
الْحَافِظُ، رَحَلَ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ مُسْنَدًا فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ جُزْءٍ بِطُرُقِهِ وَعِلَلِهِ، وَلَهُ
стр. 9554
«الْمَغَازِي» وَ «الْقَبَائِلُ»، وَخَرَّجَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي بَيْتِهِ وَسَلَفِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ مُحَدِّثًا. تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ
الْكَبِيرُ الْمُفِيدُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْجَوَّالُ النَّقَّالُ الرَّحَّالُ، لَهُ كِتَابُ «الْكَامِلِ» فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَا يُلْحَقُ فِي شَكْلِهِ.
قَالَ حَمْزَةُ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ: فِيهِ كِفَايَةٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ. وُلِدَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَتُوُفِّيَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْمُعِزُّ الْفَاطِمِيُّ
بَانِي الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ، مَعَدُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو تَمِيمٍ
стр. 9555
الْمُدَّعِي أَنَّهُ فَاطِمِيٌّ، صَاحِبُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَهَا مِنَ الْفَاطِمِيِّينَ، وَكَانَ مُلْكُهُمْ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَوْهَرًا الْقَائِدَ، فَأَخَذَ لَهُ الْبِلَادَ الْمِصْرِيَّةَ مِنْ كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ بَعْدَ حُرُوبٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ جَوْهَرٍ الْقَائِدِ عَلَيْهَا، فَبَنَى بِهَا الْقَاهِرَةَ الْمُعِزِّيَّةَ، وَنَزَلَ الْمَلِكُ الْمَكَانَ الْمُسَمَّى بِالْقَصْرَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْخُطْبَةُ لِلْمُعِزِّ فِي سِنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَدِمَ الْمُعِزُّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي جَحَافِلَ عَظِيمَةٍ، وَمَعَهُ الْأُمَرَاءُ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَالْأَكَابِرُ وَالْقُوَّادُ، وَحِينَ نَزَلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ تَلَقَّاهُ وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهَا، فَخَطَبَهُمْ بِهَا خُطْبَةً بَلِيغَةً افْتَخَرَ فِيهَا بِنَسَبِهِ وَمُلْكِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ يَعْدِلُ وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَ الْأُمَّةَ بِهِمْ، وَاسْتَنْقَذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الظَّلَمَةِ إِلَى عَدْلِهِمْ وَإِنْصَافِهِمْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَدَّعِي ظَاهِرَ الرَّفْضِ وَيُبْطِنُ - كَمَا قَالَ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ - الْكُفْرَ الْمَحْضَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ طَاعَتِهِ وَمَنْ نَصَرَهُ وَوَالَاهُ، وَاتَّبَعَهُ فِي مَذْهَبِهِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَإِيَّاهُ.
وَقَدْ أُحْضِرَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ الزَّاهِدُ الْعَابِدُ التَّقِيُّ أَبُو بَكْرٍ النَّابُلُسِيُّ فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُعِزُّ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: لَوْ أَنَّ مَعِي عَشَرَةُ أَسْهُمٍ لَرَمَيْتُ الرُّومَ بِسَهْمٍ، وَرَمَيْتُ الْمُعِزِّيِّينَ بِتِسْعَةٍ، فَقَالَ: مَا قُلْتُ هَذَا، فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ،
стр. 9556
وَقَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَكُمْ بِتِسْعَةٍ، ثُمَّ يَرْمِيَكُمْ بِالْعَاشِرِ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّكُمْ غَيَّرْتُمْ دِينَ الْأُمَّةِ، وَقَتَلْتُمُ الصَّالِحِينَ، وَادَّعَيْتُمْ نُورَ الْإِلَهِيَّةِ، فَأَمَرَ بَإِشْهَارِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ، ثُمَّ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ضَرْبًا شَدِيدًا مُبَرِّحًا، ثُمَّ أَمَرَ بِسَلْخِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَجِيءَ بِيَهُودِيٍّ فَجَعَلَ يَسْلُخُهُ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَأَخَذَتْنِي رِقَّةٌ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ تِلْقَاءَ قَلْبِهِ طَعَنْتُهُ بِالسِّكِّينِ، فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقِيلَ لَهُ: الشَّهِيدُ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ بَنُو الشَّهِيدِ مِنْ أَهْلِ نَابُلُسَ إِلَى الْيَوْمِ.
وَقَدْ كَانَ الْمُعِزُّ ذَا شَهَامَةٍ وَقُوَّةٍ وَشِدَّةِ عَزْمٍ، وَلَهُ سِيَاسَةٌ، وَيُظْهِرُ أَنَّهُ يَعْدِلُ وَيَنْصُرُ الْحَقَّ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُنَجِّمًا يَعْتَمِدُ مَا يُرْصَدُ مِنْ حَرَكَاتِ النُّجُومِ، قَالَ لَهُ مُنَجِّمُهُ: إِنَّ عَلَيْكَ قُطْعًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَتَوَارَ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ حَتَّى تَنْقَضِيَ هَذِهِ الْمُدَّةُ. فَعَمِلَ لَهُ سِرْدَابًا، وَأَحْضَرَ الْأُمَرَاءَ، وَأَوْصَاهُمْ بِوَلَدِهِ نِزَارٍ، وَلَقَّبَهُ بِالْعَزِيزِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَدَخَلَ ذَلِكَ السِّرْدَابَ، فَتَوَارَى فِيهِ سَنَةً، فَكَانَتِ الْمَغَارِبَةُ إِذَا رَأَى الْفَارِسُ مِنْهُمْ سَحَابًا سَارِيًا تَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِالسَّلَامِ ظَانِّينَ أَنَّ الْمُعِزَّ فِي ذَلِكَ الْغَمَامِ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزُّخْرُفِ: ٥٤] ثُمَّ بَرَزَ إِلَى النَّاسِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ، وَجَلَسَ فِي مَقَامِ الْمُلْكِ، وَحَكَمَ عَلَى عَادَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ عَاجَلَهُ الْقَضَاءُ الْمَحْتُومُ، وَالْحِينُ الْمَقْسُومُ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ
стр. 9557
أَيَّامِهِ فِي الْمُلْكِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، مِنْهَا بِمِصْرَ سَنَتَانِ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَجُمْلَةُ عُمُرِهِ كُلِّهِ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ; لِأَنَّهُ وُلِدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهِيَ هَذِهِ السَّنَةُ.
стр. 9558
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا تُوُفِّيَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ بُوَيْهِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ أَيَّامُ وِلَايَتِهِ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَبْلَ مَوْتِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ قَسَّمَ مُلْكَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ عُمِلَتْ ضِيَافَةٌ فِي دَارِ ابْنِ الْعَمِيدِ بِأَصْبَهَانَ حَافِلَةٌ، حَضَرَهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ وَبَنُوهُ وَأَعْيَانُ دَوْلَتِهِ، فَعَهِدَ فِي هَذَا الْيَوْمِ إِلَى ابْنِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَخَلَعَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ عَلَى إِخْوَتِهِ وَسَائِرِ الْأُمَرَاءِ الْأَقْبِيَةَ وَالْأَكْسِيَةَ عَلَى عَادَةِ الدَّيْلَمِ، وَحَيَّوْهُ بِالرَّيْحَانِ عَلَى عَادَتِهِمْ أَيْضًا، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، ثُمَّ تُوُفِّيَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَ سَائِسًا حَلِيمًا وَقُورًا، كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، فِيهِ إِيثَارٌ وَكَرَمٌ كَثِيرٌ، وَحُسْنُ عِشْرَةٍ وَرِيَاسَةٍ عَلَى أَقَارِبِهِ وَدَوْلَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ.
وَحِينَ تَمَكَّنَ ابْنُهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ قَصَدَ الْعِرَاقَ لِيَأْخُذَهَا مِنِ ابْنِ عَمِّهِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بَخْتِيَارَ لِسُوءِ سِيرَتِهِ وَرَدَاءَةِ سَرِيرَتِهِ، فَالْتَقَوْا فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِأَرْضِ الْأَهْوَازِ، فَهَزَمَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ، وَأَخَذَ أَثْقَالَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَأَخَذَهَا، وَأَصْلَحَ بَيْنَ أَهْلِهَا حَيَّيْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُمَا خُلْفٌ مُتَقَادِمٌ مِنْ نَحْوِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُضَرُ تَمِيلُ إِلَيْهِ، وَرَبِيعَةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ
стр. 9559
الْحَيَّانِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْفَرِيقَانِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَةُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ فَعَزَلَ عِزَّ الدَّوْلَةِ، وَقَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ ابْنِ بَقِيَّةَ; لِأَنَّهُ اسْتَحْوَذَ عَلَى الْأُمُورِ دُونَهُ، وَجَبَى الْأَمْوَالَ إِلَى خَزَائِنِهِ، فَاسْتَظْهَرَ عِزُّ الدَّوْلَةِ بِمَا وَجَدَهُ مِنَ الْحَوَاصِلِ لِابْنِ بَقِيَّةَ، وَلَمْ يُبْقِ لَهُ مِنْهَا بَقِيَّةً.
وَكَذَلِكَ أَمَرَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ بِالْقَبْضِ عَلَى وَزِيرِ أَبِيهِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ الْعَمِيدِ لِمَوْجِدَةٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ سَلَفَ ذِكْرُهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِبَنِي الْعَمِيدِ أَيْضًا فِي الْأَرْضِ بَقِيَّةٌ، وَقَدْ كَانَتِ الْأَكَابِرُ تَتَّقِي مِنْهُمُ التَّقِيَّةَ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ الْعَمِيدِ مِنَ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ بِأَوْفَرَ مَكَانٍ، فَخَانَتْهُ الْمَقَادِيرُ وَعَاجَلَهُ غَضَبُ السُّلْطَانِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ الرَّحْمَنِ.
وَفِي مُنْتَصَفِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، تُوُفِّيَ الْأَمِيرُ مَنْصُورُ بْنُ نُوحٍ السَّامَانِيُّ - صَاحِبُ بِلَادِ خُرَاسَانَ - بِبُخَارَى، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرةَ سَنَةً، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ أَبُو الْقَاسِمِ نُوحٌ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلُقِّبَ بِالْمَنْصُورِ.
стр. 9560
وَفِيهَا تُوَفِّيَ الْحَكَمُ، وَلَقَبُهُ الْمُسْتَنْصِرُ بِاللَّهِ بْنُ النَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، وَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَعُلَمَائِهِمْ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْخِلَافِ وَالتَّوَارِيخِ، مُحِبًّا لِلْعُلَمَاءِ، مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، مُدَّةُ خِلَافَتِهِ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً وَخَمْسَةُ أَشْهُرٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ هِشَامٌ وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَلُقِّبَ بِالْمُؤَيَّدِ بِاللَّهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِهِ، وَاضْطَرَبَتِ الرَّعَايَا عَلَيْهِ، وَحُبِسَ مُدَّةً، ثُمَّ أُخْرِجَ وَأُعِيدَ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَقَامَ بِأَعْبَاءِ أَمْرِهِ حَاجِبُهُ الْمَنْصُورُ أَبُو عَامِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْمُعَافِرِيُّ، وَابْنَاهُ الْمُظَفَّرُ وَالنَّاصِرُ، فَسَاسَ الرَّعَايَا جَيِّدًا، وَعَدَلَ فِيهِمْ، وَغَزَا الْأَعْدَاءَ، وَاسْتَقَرَّ لَهُمُ الْحَالُ كَذَلِكَ نَحْوًا مِنْ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقَدْ سَاقَ ابْنُ الْأَثِيرِ هَاهُنَا قِطْعَةً مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَطَالَ شَرْحَهَا.
وَفِيهَا رَجَعَ مُلْكُ حَلَبَ إِلَى أَبِي الْمَعَالِي شَرِيفِ بْنِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ وَقَامَ هُوَ مِنْ بَعْدِهِ تَغَلَّبَ مَوْلَاهُمْ قَرْعُوَيْهِ عَلَيْهِمْ، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَسَارَ إِلَى أُمِّهِ بِمَيَّافَارِقِينَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ،
следующие страницы →