Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.
стр. 9661
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاهِدُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الثَّلَّاجِ
لِأَنَّ جَدَّهُ أَهْدَى لِبَعْضِ الْخُلَفَاءِ ثَلْجًا، فَوَقَعَ مِنْهُ مَوْقِعًا، فَعُرِفَ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ بِالثَّلَّاجِ، وَقَدْ سَمِعَ أَبُو الْقَاسِمِ هَذَا مِنَ الْبَغَوِيِّ وَابْنِ صَاعِدٍ وَابْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَحَدَّثَ عَنِ التَّنُوخِيِّ وَالْأَزْهَرِيِّ وَالْعَتِيقِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدِ اتَّهَمَهُ الْمُحَدِّثُونَ، مِنْهُمُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُرَكِّبُ الْإِسْنَادَ، وَيَضَعُ الْحَدِيثَ عَلَى الرِّجَالِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَجْأَةً.
ابْنُ زُولَاقٍ، الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفِ بْنِ رَاشِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زُولَاقٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ الْحَافِظُ
صَنَّفَ كِتَابًا فِي قُضَاةِ مِصْرَ، ذَيَّلَ بِهِ عَلَى كِتَابِ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْكِنْدِيِّ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى الْكِنْدِيُّ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَذَيَّلَ ابْنُ زُولَاقٍ مِنَ الْقَاضِي بَكَّارٍ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، مُبَلِّغًا بِهِ أَيَّامَ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَاضِي الْعُبَيْدِيِّينَ، وَأَظُنُّهُ مُصَنِّفَ كِتَابِ «الْبَلَاغِ» الَّذِي انْتَصَبَ فِيهِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ، أَوْ هُوَ مُصَنِّفُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ النُّعْمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَانَتْ وَفَاةُ ابْنِ زُولَاقٍ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى
стр. 9662
وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ابْنُ بَطَّةَ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُكْبَرِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بَطَّةَ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الْحَنَابِلَةِ، وَلَهُ الْكُتُبُ وَالتَّصَانِيفُ الْكَثِيرَةُ الْحَافِلَةُ فِي فُنُونٍ مِنَ الْعِلْمِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْبَغَوِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ وَابْنِ صَاعِدٍ وَخَلْقٍ فِي أَقَالِيمَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ; مِنْهُمْ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ وَالْأَزَجِيُّ وَالْبَرْمَكِيُّ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
وَكَانَ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ رَأَى بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِ اخْتَلَفَتْ عَلَيَّ الْمَذَاهِبُ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَهَبَ إِلَيْهِ لِيُبَشِّرَهُ بِالْمَنَامِ فَحِينَ رَآهُ ابْنُ بَطَّةَ تَبَسَّمَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُخَاطِبَهُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَقَدْ تَصَدَّى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ لِلْكَلَامِ فِي ابْنِ بَطَّةَ وَالطَّعْنِ فِيهِ; بِسَبَبِ ادِّعَائِهِ سَمَاعَ «السُّنَنِ» لِرَجَاءَ بْنِ مُرَجَّى وَ «مُعْجَمِ الْبَغَوِيِّ»، وَأَسْنَدَ بَعْضَ الْجَرْحِ فِيهِ إِلَى شَيْخِهِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَسَدِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ بُرْهَانَ اللُّغَوِيِّ، فَانْتُدِبَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لِلرَّدِّ عَلَى الْخَطِيبِ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ أَيْضًا، بِسَبَبِ بَعْضِ مَشَايِخِهِ، وَالِانْتِصَارِ لِابْنِ بَطَّةَ، فَحَكَى عَنْ أَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّ ابْنَ بُرْهَانَ كَانَ يَرَى مَذْهَبَ مُرْجِئَةِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَقَالُوا: لِأَنَّ دَوَامَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَتَشَفَّى لَا مَعْنَى لَهُ هُنَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ عَقِيلٍ
стр. 9663
يَرُدُّ عَلَى ابْنِ بُرْهَانَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَكَيْفَ يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ مِثْلِ هَذَا؟!
ثُمَّ رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ بَطَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ «الْمُعْجَمَ» مِنَ الْبَغَوِيِّ، قَالَ: وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، قَالَ الْخَطِيبُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بُرْهَانَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ: رَوَى ابْنُ بَطَّةَ عَنِ الْبَغَوِيِّ، عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَالْحَمْلُ فِيهِ عَلَى ابْنِ بَطَّةَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَجَوَابُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وُجِدَ بِخَطِّ ابْنِ بُرْهَانَ أَنَّ مَا حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ مِنَ الْقَدْحِ فِي ابْنِ بَطَّةَ بَاطِلٌ، وَهُوَ شَيْخِي أَخَذْتُ عَنْهُ الْعِلْمَ فِي الْبِدَايَةِ، الثَّانِي: أَنَّ ابْنَ بُرْهَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَدْحُ فِيهِ بِمَا خَالَفَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، فَكَيْفَ قَبِلْتَ الْقَوْلَ فِي رَجُلٍ قَدْ حَكَيْتَ عَنْ مَشَايِخِ الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى.
عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُدْرَكٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَرْذَعِيُّ
رَوَى عَنْ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَتَرَكَ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ.
فَخْرُ الدَّوْلَةِ عَلِيُّ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ
مَلِكُ بِلَادِ الرَّيِّ وَنَوَاحِيهَا، وَحِينَ مَاتَ أَخُوهُ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ، كَتَبَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ بِالْإِسْرَاعِ إِلَيْهِ،
стр. 9664
فَوَلَّاهُ الْمَلِكُ بَعْدَ أَخِيهِ، وَاسْتَوْزَرَ ابْنَ عَبَّادٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ أَخِيهِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ. تُوُفِّيَ عَنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، مِنْهَا مُدَّةَ مُلْكِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةُ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَتَرَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا; مِنْ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ مَا يُقَارِبُ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ قِطْعَةٍ، يُقَارِبُ قِيمَتُهَا ثَلَاثَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَوَانِي الذَّهَبِ زِنَتُهُ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْفِضَّةِ زِنَتُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الثِّيَابِ ثَلَاثَةُ آلَافِ حِمْلٍ، وَخِزَانَةُ السِّلَاحِ أَلْفَا حِمْلٍ، وَمِنَ الْفُرُشِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ حِمْلٍ، وَمِنَ الْأَمْتِعَةِ مَا يَلِيقُ بِالْمُلُوكِ، وَمَعَ هَذَا لَيْلَةَ تُوُفِّيَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَصُولٌ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا ثَوْبُ رَجُلٍ مِنَ الْمُجَاوِرِينَ فِي الْمَسْجِدِ، وَاشْتَغَلُوا عَنْهُ بِالْمُلْكِ حَتَّى تَمَّ لِوَلَدِهِ رُسْتُمَ مِنْ بَعْدِهِ، فَأَنْتَنَ الْمَلِكُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَرَبَطُوهُ فِي حِبَالٍ وَجَرُّوهُ عَلَى دَرَجِ الْقَلْعَةِ، فَتَقَطَّعَ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
ابْنُ سَمْعُونَ الْوَاعِظُ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونَ الْوَاعِظُ
أَحَدُ الصُّلَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: النَّاطِقُ بِالْحِكْمَةِ، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَطَبَقَتِهِ، وَكَانَ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي الْوَعْظِ وَالتَّدْقِيقِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ وَمُكَاشَفَاتٌ، كَانَ يَوْمًا يَعِظُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَحْتَهُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْقَوَّاسِ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْمَشْهُورِينَ، فَنَعَسَ ابْنُ الْقَوَّاسِ، فَأَمْسَكَ ابْنُ سَمْعُونَ عَنِ الْوَعْظِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَحِينَ اسْتَيْقَظَ
стр. 9665
قَالَ ابْنُ سَمْعُونَ: رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِكَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلِهَذَا أَمْسَكْتُ عَنِ الْوَعْظِ حَتَّى لَا أُزْعِجَكَ عَمَّا كُنْتَ فِيهِ.
وَكَانَ لِرَجُلٍ ابْنَةٌ مَرِيضَةٌ مُدْنِفَةٌ، فَرَأَى أَبُوهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ سَمْعُونَ لِيَأْتِيَ مَنْزِلَكَ فَيَدْعُوَ لِابْنَتِكَ وَهِيَ تَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَهَبَ إِلَى ابْنِ سَمْعُونَ لِيَأْتِيَ، فَلَمَّا رَآهُ، نَهَضَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَخَرَجَ مَعَهُ، فَظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى مَجْلِسِ وَعْظِهِ، فَقَالَ: أَقُولُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا مَرَّ بِدَارِ الرَّجُلِ دَخَلَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ، فَأَحْضَرَ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ، فَدَعَا لَهَا وَانْصَرَفَ، فَبَرِأَتْ مِنْ سَاعَتِهَا.
وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ مَنْ أَحْضَرَهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَخِيفَ عَلَى ابْنِ سَمْعُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخَذَ فِي الْوَعْظِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ كَلَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَبَكَى الْخَلِيفَةُ حَتَّى سُمِعَ شَهِيقُهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ مُكْرَمٌ، فَقِيلَ لِلْخَلِيفَةِ: رَأَيْنَاكَ طَلَبْتَهُ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَتَنَقَّصُ عَلِيًّا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُعَاقِبَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ عَلَيٍّ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مُوَفَّقٌ، قَدْ كُوشِفَ بِمَا كَانَ فِي خَاطِرِي عَلَيْهِ.
وَرَأَى بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى جَانِبِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ﵇، وَهُوَ يَقُولُ: أَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي الْأَحْبَارُ؟ أَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي الرُّهْبَانُ؟ أَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ؟ فَبَيْنَا هُمَا كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ ابْنُ سَمْعُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَفِي أُمَّتِكَ مِثْلُ هَذَا؟ فَسَكَتَ عِيسَى ﵇.
كَانَ مَوْلِدُ ابْنِ سَمْعُونَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ
стр. 9666
ذِي الْقَعْدَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ثُمَّ أُخْرِجَ بَعْدَ سِنِينَ إِلَى مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ، وَأَكْفَانُهُ لَمْ تَبْلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
آخِرُ مُلُوكِ السَّامَانِيَّةِ نُوحُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ نُوحِ بْنِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَبُو الْقَاسِمِ السَّامَانِيُّ
مَلِكُ خُرَاسَانَ وَغَزْنَةَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَلِيَ الْمُلْكَ وَلَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَاسْتَمَرَّ فِي الْمُلْكِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ قَبَضَ عَلَيْهِ خَوَاصُّهُ، وَأَجْلَسُوا أَخَاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ مَكَانَهُ، فَقَصَدَهُمْ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ، فَانْتَزَعَ الْمُلْكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ فِي الْمُلْكِ مِائَةُ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ وَشُهُورًا، فَبَادَ مُلْكُهُمْ فِي هَذَا الْعَامِ، وَلِلَّهِ النَّقْضُ وَالْإِبْرَامُ.
أَبُو الطِّيبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الصُّعْلُوكِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ
إِمَامُ أَهْلِ نَيْسَابُورَ وَشَيْخُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، كَانَ يَحْضُرُ فِي مَجْلِسِهِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِمِائَةِ مَحْبَرَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ فِي «الْإِرْشَادِ»: إِنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 9667
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ سَقَطَ فِي بَغْدَادَ بَرَدٌ شَدِيدٌ، بِحَيْثُ جَمَّدَ الْمَاءَ فِي الْحَمَّامَاتِ وَبَوْلِ الدَّوَابِّ فِي الطُّرُقَاتِ.
وَفِيهَا جَاءَتْ رُسُلُ أَبِي طَالِبٍ رُسْتُمَ بْنِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ فَبَايَعَهُ الْخَلِيفَةُ، وَأَقَرَّهُ عَلَى مُعَامَلَتِهِ بِبِلَادِ الرَّيِّ وَلَقَّبَهُ مَجْدَ الدَّوْلَةِ وَكَهْفَ الْأُمَّةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْخِلَعِ وَالْوِلَايَةِ، وَكَذَلِكَ لِبَدْرِ بْنِ حَسْنَوَيْهِ، وَلَقَّبَهُ نَاصِرَ الدِّينِ وَالدَّوْلَةِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ.
وَفِيهَا هَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ - الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْوَثَّابِ، الْمُنْتَسِبُ إِلَى جَدِّهِ الطَّائِعِ - مِنَ السِّجْنِ بِدَارِ الْخِلَافَةِ إِلَى الْبَطِيحَةِ، فَآوَاهُ صَاحِبُهَا مُهَذَّبُ الدَّوْلَةِ ثُمَّ أَرْسَلَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ فَجِيءَ بِهِ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ فَاعْتَقَلَهُ، ثُمَّ هَرَبَ مِنَ الِاعْتِقَالِ أَيْضًا، فَذَهَبَ إِلَى بِلَادِ كِيلَانَ، فَادَّعَى أَنَّهُ الطَّائِعُ لِلَّهِ فَصَدَّقُوهُ
стр. 9668
وَبَايَعُوهُ، وَأَدُّوا إِلَيْهِ الْعُشْرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ، ثُمَّ اتَّفَقَ مَجِيءُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَغْدَادَ فَسَأَلُوا عَنِ الْأَمْرِ، فَإِذَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ وَلَا حَقِيقَةٌ، فَرَجَعُوا عَنْهُ، وَاضْمَحَلَّ أَمْرُهُ، وَفَسَدَ حَالُهُ، فَانْهَزَمَ عَنْهُمْ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمِيرُ الْمِصْرِيِّينَ، وَالْخُطْبَةُ بِالْحَرَمَيْنِ لِلْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ - وَيُقَالُ: أَحْمَدُ - بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ الْخَطَّابِيُّ الْبُسْتِيُّ
أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ الْأَعْيَانِ، وَالْفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ الْمُكْثِرِينَ، لَهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ «مَعَالِمُ السُّنَنِ» وَ «شَرْحُ الْبُخَارِيِّ» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَانِيفِ النَّافِعَةِ الْمُفِيدَةِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ:
مَا دُمْتَ حَيًّا فَدَارِ النَّاسَ كُلَّهُمُ … فَإِنَّمَا أَنْتَ فِي دَارِ الْمُدَارَاةِ
مَنْ يَدْرِ دَارَى وَمَنْ لَمْ يَدْرِ سَوْفَ يُرَى … عَمَّا قَلِيلٍ نَدِيمًا لِلنَّدَامَاتِ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَدِينَةِ بُسْتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ.
الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُكَيْرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
стр. 9669
الصَّيْرَفِيُّ الْحَافِظُ الْمُطَبِّقُ
سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارَ وَابْنَ السَّمَّاكِ وَالنَّجَّادَ وَالْخُلْدِيَّ وَأَبَا بَكْرٍ الشَّافِعِيَّ، وَعَنْهُ ابْنُ شَاهِينَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَالتَّنُوخِيُّ، وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ أَجْزَاءٌ كِبَارٌ، فَجَعَلَ إِذَا سَاقَ إِسْنَادًا أَوْرَدَ مَتْنَهُ مِنْ حِفْظِهِ، وَإِذَا سَرَدَ مَتْنًا سَاقَ إِسْنَادَهُ، قَالَ: وَفَعَلْتُ هَذَا مَعَهُ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يُورِدُ الْحَدِيثَ إِسْنَادًا وَمَتْنًا كَمَا فِي كِتَابِهِ. قَالَ: وَكَانَ ثِقَةً، فَحَسَدُوهُ وَتَكَلَّمُوا فِيهِ. وَحَكَى الْخَطِيبُ أَنَّ ابْنَ أَبِي الْفَوَارِسِ اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي سَمَاعِ الشُّيُوخِ وَيُلْحِقُ رِجَالًا فِي الْأَسَانِيدِ، وَيَصِلُ الْمَقَاطِيعَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا عَنْ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً.
صَمْصَامُ الدَّوْلَةِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ
صَاحِبُ بِلَادِ فَارِسَ خَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ أَبُو نَصْرِ بْنُ بَخْتِيَارَ، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَلَجَأَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَكْرَادِ، فَلَمَّا وَغَلُوا بِهِ فِي بِلَادِهِمْ نَهَبُوا خَزَائِنَهُ وَحَوَاصِلَهُ، وَلَحِقَهُ أَصْحَابُ ابْنِ بَخْتِيَارَ، فَقَتَلُوهُ وَحَمَلُوا رَأْسَهُ فِي طَسْتٍ، فَلَمَّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ بَخْتِيَارَ قَالَ: هَذِهِ سُنَّةٌ سَنَّهَا أَبُوكَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ قُتِلَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ مُلْكِهِ مِنْهَا تِسْعُ سِنِينَ وَأَشْهَرٌ.
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يُوسُفَ الْجَكَّارُ أَبُو الْقَاسِمِ
كَاتِبُ الْإِنْشَاءِ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ
стр. 9670
ثُمَّ وَزَرَ لِابْنِهِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ. تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو الْفَرَجِ
الْمَعْرُوفُ بِغُلَامِ الشَّنَبُوذِيِّ، كَانَ عَالِمًا بِالْقِرَاءَاتِ وَتَفْسِيرِهَا، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ خَمْسِينَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ، شَوَاهِدَ لِلْقُرْآنِ. وَمَعَ هَذَا تَكَلَّمُوا فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ شَنَبُوذَ، وَأَسَاءَ الدَّارَقُطْنِيُّ الْقَوْلَ فِيهِ. تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثِمِائَةٍ.
стр. 9671
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَصَدَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ خُرَاسَانَ فَاسْتَلَبَ مُلْكَهَا مِنْ أَيْدِي السَّامَانِيَّةِ، وَوَاقَعَهُمْ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَمَا قَبْلَهَا، حَتَّى أَزَالَ اسْمَهُمْ وَرَسْمَهُمْ عَنِ الْبِلَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَانْقَرَضَتْ دَوْلَتُهُمْ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ صَمَدَ لِقِتَالِهِمْ إِيلَكُ مَلِكُ التُّرْكِ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ - وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْخَانِ الْكَبِيرِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: فَائِقٌ - وَجَرَتْ لَهُ مَعَهُمْ حُرُوبٌ وَخُطُوبٌ.
وَفِيهَا اسْتَوْلَى بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى بِلَادِ فَارِسٍ وَخُوزِسْتَانَ.
وَفِيهَا أَرَادَتِ الشِّيعَةُ أَنْ تَعْمَلَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ مِنَ الزِّينَةِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَهُ، فَقَاتَلَهُمْ جَهَلَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلسُّنَّةِ، فَادَّعَوْا أَنَّ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ حُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ فِي الْغَارِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا أَيْضًا جَهْلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَائِلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ أَوَّلِ سِنِي الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُمَا أَقَامَا فِيهِ ثَلَاثًا، وَحِينَ خَرَجَا مِنْهُ قَصَدَا الْمَدِينَةَ فَدَخَلَاهَا بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَكَانَ دُخُولُهُمَا الْمَدِينَةَ فِي
стр. 9672
الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهَذَا أَمَرٌ مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ، وَلَمَّا كَانَتِ الشِّيعَةُ يَصْنَعُونَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مَأْتَمًا يُظْهِرُونَ فِيهِ الْحُزْنَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَابَلَتْهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ جَهَلَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَادَّعَوْا أَنَّ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَعَمِلُوا لَهُ مَأْتَمًا كَمَا تَعْمَلُ الشِّيعَةُ لِلْحُسَيْنِ، وَزَارُوا قَبْرَهُ كَمَا يُزَارُ قَبْرُ الْحُسَيْنِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ مُقَابَلَةِ الْبِدْعَةِ بِبِدْعَةٍ مِثْلِهَا، وَلَا يَرْفَعُ الْبِدْعَةَ إِلَّا السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَفِيهَا وَقَعَ بَرْدٌ شَدِيدٌ مَعَ غَيْمٍ مُطْبِقٍ وَرِيحٍ قَوِيَّةٍ جِدًّا، بِحَيْثُ أَتْلَفَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ النَّخِيلِ بِبَغْدَادَ، فَلَمْ يَتَرَاجَعْ حَمْلُهَا إِلَى عَادَتِهَا إِلَّا بَعْدَ سِنِينَ.
وَحَجَّ بِرَكْبِ الْعِرَاقِ الشَّرِيفَانِ الرَّضِيُّ وَالْمُرْتَضِي، فَاعْتَقَلَهُمَا أَمِيرُ الْأَعْرَابِ ابْنُ الْجَرَّاحِ، فَافْتَدَيَا مِنْهُ بِتِسْعَةِ آلَافِ دِينَارٍ مِنْ أَمْوَالِهِمَا فَأَطْلَقَهُمَا.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى السَّرَخْسِيُّ الْمُقْرِئُ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ
شَيْخُ عَصْرِهِ بِخُرَاسَانَ، قَرَأَ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ وَتَفَقَّهَ بِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِمَامِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَخَذَ عِلْمَ اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَالنَّحْوِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
стр. 9673
الْأَنْبَارِيِّ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُخَلَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْوَانَ، أَبُو الْقَاسِمِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ حَبَابَةَ
رَوَى عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَطَبَقَتِهِمَا، وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا مُسْنِدًا، وُلِدَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ، وَدُفِنَ فِي مُقَابِلِ جَامِعِ الْمَنْصُورِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9674
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ بِأَرْضِ سِجِسْتَانَ مَعْدِنٌ مِنْ ذَهَبٍ كَانُوا يَحْفِرُونَ فِيهِ مِثْلَ الْآبَارِ، وَيُخْرِجُونَ مِنْهُ ذَهَبًا أَحْمَرَ.
وَفِيهَا قُتِلَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ بَخْتِيَارَ صَاحِبُ بِلَادِ فَارِسٍ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا بَهَاءُ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا قَلَّدَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ الْقَضَاءَ بِوَاسِطٍ وَأَعْمَالِهَا لِأَبِي خَازِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيِّ، وَقُرِئَ عَهْدُهُ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَكَتَبَ لَهُ الْقَادِرُ وَصِيَّةً حَسَنَةً طَوِيلَةً، أَوْرَدَهَا بِحُرُوفِهَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «مُنْتَظَمِهِ»، وَفِيهَا مَوَاعِظُ وَأَوَامِرُ وَنَوَاهٍ حَسَنَةٌ جَيِّدَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى، أَبُو بَكْرٍ الْهَاشِمِيُّ
الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، الْقَاضِي بِالْمَدَائِنِ وَغَيْرِهَا، وَخَطَبَ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَوَى عَنْهُ
стр. 9675
الْجَمُّ الْغَفِيرُ بِانْتِخَابِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْحَافِظِ الْكَبِيرِ، وَكَانَ عَفِيفًا نَزِهًا ثِقَةً دَيِّنًا. تُوَفِّيَ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ يَحْيَى، أَبُو الْقَاسِمِ الدَّقَّاقُ
وَيُعْرَفُ بِابْنِ جَنِيقَا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ - وَهَذَا جَدُّهُ -: وَالصَّوَابُ جَلِيقَا بِاللَّامِ، لَا بِالنُّونِ. وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ سَمَاعًا صَحِيحًا، وَرَوَى عَنْهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْعَتِيقِيُّ، قَالَ ابْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ: وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا حَسَنَ الْخُلُقِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ فِي مَعْنَاهُ.
الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ الْفَرَّاءِ
وَالِدُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَكَانَ صَالِحًا فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَسْنَدَ الْحَدِيثَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو خَازِمٍ
стр. 9676
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ
نَزِيلُ مِصْرَ، حَدَّثَ بِهَا، فَسَمِعَ مِنْهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ.
عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو حَفْصٍ، الْمَعْرُوفُ بِالْكَتَّانِيِّ الْمُقْرِئُ
وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثِمِائَةٍ. رَوَى عَنِ الْبَغَوِيِّ وَابْنِ مُجَاهِدٍ وَابْنِ صَاعِدٍ، وَعَنْهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ، أَبُو الْحُسَيْنِ الدَّقَّاقُ
الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَخِي مِيمِي، سَمِعَ الْبَغَوِيَّ وَغَيْرَهُ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً، وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا دَيِّنًا فَاضِلًا، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
стр. 9677
مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁، الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ
الْكُوفِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ عُقْدَةَ وَغَيْرِهِ، وَسَكَنَ بَغْدَادَ وَكَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ وَضَيَاعٌ، وَدَخْلٌ عَظِيمٌ، وَحِشْمَةٌ وَافِرَةٌ، وَهِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الطَّالِبِيِّينَ فِي وَقْتِهِ، وَقَدْ صَادَرَهُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ فِي وَقْتٍ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى جُمْهُورِ أَمْوَالِهِ وَسَجَنَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ شَرَفُ الدَّوْلَةِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ صَادَرَهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَكْثَرَ، ثُمَّ سَجَنَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ وَاسْتَنَابَهُ عَلَى بَغْدَادَ وَيُقَالُ: إِنَّ غِلَالَهُ كَانَتْ تُسَاوِي فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلَهُ وَجَاهَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا وَرِيَاسَةٌ بَاذِخَةٌ.
الْأُسْتَاذُ أَبُو الْفُتُوحِ بَرْجَوَانُ
النَّاظِرُ فِي الْأُمُورِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ الْحَاكِمِيَّةِ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ حَارَةُ بَرْجَوَانَ بِالْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ، كَانَ أَوَّلًا مِنْ غِلْمَانِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ، ثُمَّ صَارَ عِنْدَ الْحَاكِمِ نَافِذَ الْأَمْرِ مُطَاعًا كَبِيرًا فِي الدَّوْلَةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فِي الْقَصْرِ، فَضَرَبَهُ الْأَمِيرُ رَيْدَانُ - الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الرَّيْدَانِيَّةُ خَارِجَ بَابِ الْفُتُوحِ - بِسِكِّينٍ فِي بَطْنِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَدْ تَرَكَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَثَاثِ وَالثِّيَابِ، مِنْ ذَلِكَ أَلْفُ
стр. 9678
سَرَاوِيلَ دَبِيقِيٍّ بِأَلْفِ تِكَّةٍ مِنْ حَرِيرٍ، قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ فِي كِتَابِهِ. وَوَلَّى الْحَاكِمُ بَعْدَهُ فِي مَنْصِبِهِ الْأَمِيرَ حُسَيْنَ بْنَ الْقَائِدِ جَوْهَرٍ.
الْجَرِيرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طَرَارَا
اسْمُهُ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدِ بْنِ حَمَّادِ بْنِ دَاوُدَ، أَبُو الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيُّ الْقَاضِي; لِأَنَّهُ نَابَ فِي الْحُكْمِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طَرَارَا الْجَرِيرِيُّ; لِاشْتِغَالِهِ عَلَى ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَسُلُوكُهُ وَرَاءَهُ فِي مَذْهَبِهِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْبَغَوِيِّ وَابْنِ صَاعِدٍ وَخَلْقٍ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ ثِقَةً عَالِمًا فَاضِلًا، كَثِيرَ الْآدَابِ وَالتَّفَنُّنِ فِي أَصْنَافِ الْعُلُومِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْكَثِيرَةُ، مِنْهَا كِتَابُهُ الْمُسَمَّى بِ «الْجَلِيسِ وَالْأَنِيسِ» فِيهِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ كَثِيرَةٌ.
وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَافِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، يَقُولُ: إِذَا حَضَرَ الْمُعَافَى فَقَدْ حَضَرَتِ الْعُلُومُ كُلُّهَا، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَعْلَمِ النَّاسِ لَوَجَبَ
стр. 9679
أَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ فِي دَارِ بَعْضِ الرُّؤَسَاءِ، وَفِيهِمُ الْمُعَافَى فَقَالُوا: هَلُمَّ نَتَذَاكَرْ فِي فَنٍّ مِنَ الْعُلُومِ، فَقَالَ الْمُعَافَى لِصَاحِبِ الْمَنْزِلِ - وَكَانَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ فِي خِزَانَةٍ عَظِيمَةٍ -: مُرْ غُلَامَكَ أَنْ يَأْتِيَ بِكِتَابٍ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ أَيِّ كِتَابٍ، فَنَتَذَاكَرَ فِيهِ، فَتَعَجَّبَ الْحَاضِرُونَ مِنْ هَذَا التَّمَكُّنِ وَالتَّبَحُّرِ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: أَنْشَدَنَا الشَّيْخُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا لِنَفْسِهِ:
أَلَا قُلْ لِمَنْ كَانَ لِي حَاسِدًا … أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الْأَدَبْ
أَسَأْتَ عَلَى اللَّهِ فِي فِعْلِهِ … لِأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَبْ
فَجَازَاكَ عَنِّي بِأَنْ زَادَنِي … وَسَدَّ عَلَيْكَ وُجُوهَ الطَّلَبْ
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، ﵀.
ابْنُ فَارِسٍ
صَاحِبُ «الْمُجْمَلِ»، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، كَمَا سَيَأْتِي.
стр. 9680
أَمَةُ السَّلَامِ بِنْتُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ كَامِلِ بْنِ خَلَفِ بْنِ شَجَرَةَ أُمُّ الْفَتْحِ
سَمِعَتْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَصَلَانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهَا الْأَزْهَرِيُّ وَالتَّنُوخِيُّ وَأَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ وَغَيْرُهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهَا غَيْرُ وَاحِدٍ فِي دِينِهَا وَفَضْلِهَا وَسِيَادَتِهَا، وَكَانَ مَوْلِدُهَا فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، وَتُوُفِّيَتْ فِي رَجَبٍ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9681
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا بَايَعَ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ لِوَلَدِهِ أَبِي الْفَضْلِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، وَخُطِبَ لَهُ، وَلُقِّبَ بِالْغَالِبِ بِاللَّهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ حِينَئِذٍ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَشُهُورًا، وَلَمْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْعَجَلَةِ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ الْوَاثِقِيُّ، ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ الْأَطْرَافِ مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ، وَادَّعَى أَنَّ الْقَادِرَ بِاللَّهِ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَخَطَبُوا لَهُ هُنَالِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْقَادِرَ أَمْرُهُ بَعَثَ يَتَطَلَّبُهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ فِي الْآفَاقِ وَتَمَزَّقَ شَمْلُهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ فَسَجَنَهُ فِي قَلْعَةٍ إِلَى أَنْ مَاتَ، فَلِهَذَا بَادَرَ الْقَادِرُ إِلَى هَذِهِ الْبَيْعَةِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وُلِدَ الْأَمِيرُ أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَارَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِأَمَرِ اللَّهِ
وَفِيهَا قُتِلَ الْأَمِيرُ حُسَامُ الدَّوْلَةِ الْمُقَلَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْعُقَيْلِيُّ غِيلَةً بِبِلَادِ الْأَنْبَارِ، وَكَانَ قَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، وَرَامَ الْمَمْلَكَةَ، فَجَاءَهُ الْقَدَرُ الْمَحْتُومُ، فَقَتَلَهُ بَعْضُ غِلْمَانِهِ الْأَتْرَاكِ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ قِرْوَاشٌ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْمِصْرِيُّونَ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
стр. 9682
جَعْفَرُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ، أَبُو الْفَضْلِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ حِنْزَابَةَ الْوَزِيرُ
وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِبَغْدَادَ، وَنَزَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، وَوَزَرَ بِهَا لِأَمِيرِهَا كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ وَكَانَ أَبُوهُ وَزِيرًا لِلْمُقْتَدِرِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْحَضْرَمِيِّ وَطَبَقَتِهِ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مَجْلِسًا مِنَ الْبَغَوِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، فَكَانَ يَقُولُ: مَنْ جَاءَنِي بِهِ أَغْنَيْتُهُ. وَكَانَ لَهُ مَجْلِسٌ لِإِمْلَاءِ الْحَدِيثِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَبِسَبَبِهِ رَحَلَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى هُنَاكَ، فَنَزَلَ عِنْدَهُ وَخَرَّجَ لَهُ مُسْنَدًا، وَحَصَلَ لَهُ مِنْهُ مَالٌ جَزِيلٌ. وَحَدَّثَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَكَابِرِ. وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
مَنْ أَخْمَلَ النَّفْسَ أَحْيَاهَا وَرَوَّحَهَا … وَلَمْ يَبِتْ طَاوِيًا مِنْهَا عَلَى ضَجَرِ
إِنَّ الرِّيَاحَ إِذَا اشْتَدَّتْ عَوَاصِفُهَا … فَلَيْسَ تَرْمِي سِوَى الْعَالِي مِنَ الشَّجَرِ
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي صَفَرٍ - وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ - مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، وَقِيلَ: بِدَارِهِ. قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ قَدِ اشْتَرَى دَارًا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَجَعَلَهَا تُرْبَةً لَهُ، فَلَمَّا نُقِلَ إِلَيْهَا تَلَقَّتْهُ الْأَشْرَافُ لِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، فَحَمَلُوهُ وَحَجُّوا بِهِ، وَأَوْقَفُوهُ بِعَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَعَادُوهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَفَنُوهُ بِتُرْبَتِهِ.
ابْنُ الْحَجَّاجِ الشَّاعِرُ، الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
стр. 9683
الشَّاعِرُ الْمَاجِنُ الْمُقْذِعُ فِي نَظْمِهِ بِأَلْفَاظِ يَسْتَنْكِفُ اللِّسَانُ عَنِ التَّلَفُّظِ بِهَا، وَالْأُذُنَانِ عَنِ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ كِبَارِ الْعُمَّالِ، وَوَلِيَ هُوَ حِسْبَةَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ عِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا نُوَّابًا سِتَّةً، وَتَشَاغَلَ هُوَ بِالشِّعْرِ السَّخِيفِ وَالرَّأْيِ الضَّعِيفِ، إِلَّا أَنَّ شِعْرَهُ جَيِّدٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ، وَفِيهِ قُوَّةٌ جَيِّدَةٌ تَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنٍ وَاقْتِدَارٍ عَلَى سَبْكِ الْمَعَانِي الْقَبِيحَةِ، الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْفَضِيحَةِ، فِي الْأَلْفَاظِ الْفَصِيحَةِ، وَلَهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْعَارِ الْمُسْتَجَادَةِ. وَقَدِ امْتَدَحَ مَرَّةً صَاحِبَ مِصْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ.
وَقَوْلُ الْقَاضِي ابْنِ خَلِّكَانَ: وَيُقَالُ: إِنَّهُ عُزِلَ عَنْ حِسْبَةِ بَغْدَادَ بِأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ. قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَا يُسَامَحُ بِمِثْلِهِ الْقَاضِي، فَإِنَّ أَبَا سَعِيدٍ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَكَيْفَ يُعْزَلُ بِهِ ابْنُ الْحَجَّاجِ؟! وَهُوَ لَا يُمْكِنُ عَادَةً أَنْ يَلِيَ الْحِسْبَةَ بَعْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَلِكِبَرِ قَدْرِ ابْنِ خَلِّكَانَ فِي هَذِهِ الصَّنَاعَةِ نَاقَشْنَاهُ، فَإِنَّهُ أَرَّخَ وَفَاةَ هَذَا الشَّاعِرِ بِهَذِهِ السَّنَةِ، وَوَفَاةَ الْإِصْطَخْرِيِّ بِمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ جَمَعَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ أَشْعَارَهُ الْجَيِّدَةَ عَلَى حِدَةٍ فِي دِيوَانٍ مُفْرَدٍ، وَرَثَاهُ حِينَ تُوُفِّيَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ.
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ، أَبُو الْحَسَنِ الْخَوْزِيُّ
стр. 9684
الْقَاضِي بِالْمُخَرَّمِ وَحَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْجِهَاتِ، وَكَانَ ظَاهِرِيًّا عَلَى مَذْهَبِ دَاوُدَ، وَكَانَ لَطِيفًا ظَرِيفًا، تَحَاكَمَ إِلَيْهِ وَكِيلَانِ، فَبَكَى أَحَدُهُمَا فِي أَثْنَاءِ الْخُصُومَةِ، فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: أَرِنِي وِكَالَتَكَ، فَنَاوَلَهُ فَقَرَأَهَا ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَمْ يَجْعَلْ إِلَيْكَ أَنْ تَبْكِيَ عَنْهُ. فَاسْتَضْحَكَ النَّاسَ، وَنَهَضَ الْوَكِيلُ خَجِلًا.
عِيسَى بْنُ الْوَزِيرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْجَرَّاحِ، أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغْدَادِيُّ
وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ كِبَارِ الْوُزَرَاءِ، وَكَتَبَ هُوَ لِلطَّائِعِ أَيْضًا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ صَحِيحَ السَّمَاعِ، كَثِيرَ الْعُلُومِ، وَكَانَ عَارِفًا بِالْمَنْطِقِ وَعِلْمِ الْأَوَائِلِ، فَرَمَوْهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ، وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
رُبَّ مَيِّتٍ قَدْ صَارَ بِالْعِلْمِ حَيًّا … وَمُبَقًّى قَدْ مَاتَ جَهْلًا وَغَيًّا
فَاقْتَنُوا الْعِلْمَ كَيْ تَنَالُوا خُلُودًا … لَا تَعُدُّوا الْحَيَاةَ فِي الْجَهْلِ شَيًّا
كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِبَغْدَادَ.
стр. 9685
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا غَزَا يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، فَصَمَدَ مَلِكُهَا لَهُ جِيبَالُ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَفَتَحَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَانْهَزَمَتِ الْهُنُودُ، وَأُسِرَ مَلِكُهُمْ جِيبَالُ، وَأُخِذَ مِنْ عُنُقِهِ قِلَادَةٌ قِيمَتُهَا ثَمَانُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا عَظِيمَةً، وَفَتَحُوا بِلَادًا كَثِيرَةً، ثُمَّ أَطْلَقَ مَحْمُودٌ مَلِكَ الْهِنْدِ; احْتِقَارًا لَهُ وَاسْتِهَانَةً بِهِ، لِيَرَاهُ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ فِي لِبَاسِ الْمَذَلَّةِ، فَحِينَ وَصَلَ جِيبَالُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - إِلَى بِلَادِهِ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاحْتَرَقَ، لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا ثَارَتِ الْعَوَامُّ عَلَى النَّصَارَى بِبَغْدَادَ، فَنَهَبُوا كَنِيسَتَهُمُ الَّتِي بِقَطِيعَةِ الرَّقِيقِ وَأَحْرَقُوهَا، فَسَقَطَتْ عَلَى خَلْقٍ فَمَاتُوا، وَفِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ; رِجَالٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ. وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا قَوِيَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ، وَكَثُرَتِ الْعَمَلَاتُ وَالنَّهْبُ بِبَغْدَادَ، وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ ثَالِثِ ذِي الْقَعْدَةِ انْقَضَّ كَوْكَبٌ أَضَاءَ
стр. 9686
كَضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ التَّمَامِ، وَمَضَى الشُّعَاعُ وَبَقِيَ جِرْمُهُ يَتَمَوَّجُ نَحْوَ ذِرَاعَيْنِ فِي ذِرَاعٍ بِرَأْيِ الْعَيْنِ، ثُمَّ تَوَارَى بَعْدَ سَاعَةٍ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ قَدِمَ الْحُجَّاجُ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى بَغْدَادَ لِيَسِيرُوا إِلَى الْحِجَازِ، فَبَلَغَهُمْ عَيْثُ الْأَعْرَابِ بِالْفَسَادِ، وَأَنَّهُ لَا قَاهِرَ لَهُمْ وَلَا نَاظِرَ يَنْظُرُ فِي أُمُورِهِمْ، فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَلَمْ يَحُجَّ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ وُلِدَ لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ ابْنَانِ تَوْأَمَانِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ، وَبَقِيَ الْآخَرُ حَتَّى قَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ، وَلُقِّبَ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ وَحَجَّ الْمِصْرِيُّونَ فِيهَا بِالنَّاسِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو الْفَتْحِ عُثْمَانُ بْنُ جِنِّيٍّ الْمَوْصِلِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ
صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْفَائِقَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ جِنِّيٌّ عَبْدًا رُومِيًّا مَمْلُوكًا لِسُلَيْمَانَ بْنِ فَهْدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَزْدِيِّ الْمَوْصِّلِيِّ. وَمِنْ شِعْرِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَإِنْ أُصْبِحْ بِلَا نَسَبٍ … فَعِلْمِي فِي الْوَرَى نَسَبِي
عَلَى أَنِّي أَؤُولُ إِلَى … قُرُومٍ سَاَدَةٍ نُجُبِ
قَيَاصِرَةٍ إِذَا نَطَقُوا … أَرَمَّ الدَّهْرُ ذُو الْخُطُبِ
стр. 9687
أُولَاكَ دَعَا النَّبِيُّ لَهُمْ … كَفَى شَرَفًا دُعَاءُ نَبِي
وَقَدْ أَقَامَ بِبَغْدَادَ، وَدَرَسَ بِهَا الْعِلْمَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مَنْ صَفَرٍ مِنْهَا، قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَعْوَرَ وَلَهُ فِي ذَلِكَ:
صُدُودُكَ عَنِّي وَلَا ذَنْبَ لِي … يَدُلُّ عَلَى نِيَّةٍ فَاسِدَهْ
فَقَدْ وَحَيَاتِكَ مِمَّا بَكَيْتُ … خَشِيتُ عَلَى عَيْنِيَ الْوَاحِدَهْ
وَلَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ لَا أَرَاكَ … لَمَا كَانَ فِي تَرْكِهَا فَائِدَهْ
وَيُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِغَيْرِهِ.
وَلَهُ فِي مَمْلُوكٍ حَسَنِ الصُّورَةِ أَعْوَرَ:
لَهُ عَيْنٌ أَصَابَتْ كُلَّ عَيْنٍ … وَعَيْنٌ قَدْ أَصَابَتْهَا الْعُيُونُ
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجُرْجَانِيُّ، الْقَاضِي بِالرَّيِّ، الشَّاعِرُ الْمَاهِرُ
سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَرَقَّى فِي الْعُلُومِ حَتَّى أَقَرَّ لَهُ النَّاسُ بِالتَّفَرُّدِ، وَلَهُ أَشْعَارٌ حِسَانٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَا … رَأَوْا رَجُلًا عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا
أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُمْ … وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا
وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ الْعِلْمِ إِنْ كَانَ كُلَّمَا … بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِي سُلَّمَا
إِذَا قِيلَ هَذَا مَنْهَلٌ قُلْتُ قَدْ أَرَى … وَلَكِنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّمَا
стр. 9688
وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ الْعِلْمِ مُهْجَتِي … لِأَخْدُمَ مَنْ لَاقَيْتُ لَكِنْ لِأُخْدَمَا
أَأَشْقَى بِهِ غَرْسًا وَأَجْنِيهِ ذِلَّةً … إِذًا فَاتِّبَاعُ الْجَهْلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَا
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُمْ … وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
وَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانَ وَدَنَّسُوا … مُحَيَّاهُ بِالْأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا
وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ أَيْضًا:
مَا تَطَعَّمْتُ لَذَّةَ الْعَيْشِ حَتَّى … صِرْتُ لِلْبَيْتِ وَالْكِتَابِ جَلِيسًا
لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزَّ عِنْدِي مِنَ الْعِلْ … مِ فَمَا أَبْتَغِي سِوَاهُ أَنِيسَا
إِنَّمَا الذُّلُّ فِي مُخَالَطَةِ النَّا … سِ فَدَعْهُمْ وَعِشْ عَزِيزًا رَئِيسًا
وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَسْتَقْرِضَ الْمَالَ مُنْفِقًا … عَلَى شَهَوَاتِ النَّفْسِ فِي زَمَنِ الْعُسْرِ
فَسَلْ نَفْسَكَ الْإِنْفَاقَ مِنْ كَنْزِ صَبْرِهَا … عَلَيْكَ وَإِنْظَارًا إِلَى زَمَنِ الْيُسْرِ
فَإِنْ فَعَلْتَ كُنْتَ الْغَنِيَّ وَإِنْ أَبَتْ … فَكُلُّ مُنَوَّعٍ بَعْدَهَا وَاسِعُ الْعُذْرِ
تُوُفِّيَ ﵀ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى جُرْجَانَ فَدُفِنَ بِهَا.
стр. 9689
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ:
فِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ الطَّائِعِ لِلَّهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَفِيهَا مُنِعَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ الشِّيعَةِ مِنَ النَّوْحِ عَلَى الْحُسَيْنِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَمُنِعَ جَهَلَةُ السُّنَّةِ بِبَابِ الْبَصْرَةِ وَبَابِ الشَّعِيرِ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، فَامْتَنَعَ الْفَرِيقَانِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَفِي أَوَاخِرِ الْمُحَرَّمِ خَلَعَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ وَزِيرَهُ أَبَا غَالِبٍ مُحَمَّدَ بْنَ خَلَفٍ عَنِ الْوِزَارَةِ، وَصَادَرَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ قَاسَانِيَّةٍ.
وَفِي أَوَائِلِ صَفَرٍ مِنْهَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ جِدًّا، وَعُدِمَتِ الْحِنْطَةُ حَتَّى بِيعَ الْكُرُّ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا.
وَفِيهَا بَرَزَ عَمِيدُ الْجُيُوشِ إِلَى سُورَا، وَاسْتَدْعَى سَيِّدَ الدَّوْلَةِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مَزْيَدٍ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَالْتَزَمَ ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ عَلَى بِلَادِهِ.
стр. 9690
وَفِيهَا هَرَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ الضَّبِّيُّ وَزِيرُ مَجْدِ الدَّوْلَةِ بْنِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ مِنَ الرَّيِّ إِلَى بَدْرِ بْنِ حَسْنَوَيْهِ فَأَكْرَمَهُ، وَوَلِيَ بَعْدَ ذَلِكَ وِزَارَةَ مَجْدِ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْخَطِيرُ.
وَفِيهَا اسْتَنَابَ الْحَاكِمُ عَلَى دِمَشْقَ وَجُيُوشِ الشَّامِ أَبَا مُحَمَّدٍ الْأَسْوَدَ، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّهُ عَزَّرَ رَجُلًا مَغْرِبِيًّا عَلَى حُبِّهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، ﵄، وَطَافَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، فَخَافَ مِنْ مَعَرَّةِ ذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَعَزَلَهُ مَكْرًا وَخَدِيعَةً. وَانْقَطَعَ الْحَجُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْعِرَاقِ بِسَبَبِ الْأَعْرَابِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ
الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ، مُقَدَّمُ الْمُعَدِّلِينَ بِبَغْدَادَ، وَشَيْخُ الْقِرَاءَاتِ، وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَخَرَّجَ لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ خَمْسَمِائَةِ جُزْءِ حَدِيثٍ، وَكَانَ كَرِيمًا مُفَضَّلًا عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الطَّائِعُ لِلَّهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْمُطِيعِ
تَقَدَّمَ كَيْفَ خَلَعَهُ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو نَصْرِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَأَنَّهُ أُودِعَ فِي غُرْفَةٍ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ أَرْزَاقٌ كَثِيرَةٌ وَأَلْطَافٌ غَزِيرَةٌ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ
стр. 9691
عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ بَاشَرَ الْخِلَافَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْقَادِرُ بِاللَّهِ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا، وَشَهِدَ جِنَازَتَهُ الْأَكَابِرُ وَالْأَعْيَانُ، وَدُفِنَ بِالرُّصَافَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَكَرِيَّا، أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ
شَيْخٌ كَبِيرٌ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ، سَمِعَ الْبَغَوِيَّ وَابْنَ صَاعِدٍ وَخَلْقًا، وَعَنْهُ الْبَرْقَانِيُّ وَالْأَزْهَرِيُّ وَالْخَلَّالُ وَالتَّنُوخِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً مِنَ الصَّالِحِينَ، تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، ﵀.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الْحَسَنِ السَّلَامِيُّ
الشَّاعِرُ الْمُجِيدُ، لَهُ شِعْرٌ مَشْهُورٌ، وَمَدَائِحُ فِي عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَغَيْرِهِ.
مَيْمُونَةُ بِنْتُ شَاقُولَةَ
الْوَاعِظَةُ الَّتِي هِيَ لِلْقُرْآنِ حَافِظَةٌ، ذَكَرَتْ يَوْمًا فِي وَعْظِهَا أَنَّ ثَوْبَهَا الَّذِي عَلَيْهَا - وَأَشَارَتْ إِلَيْهِ - لَهُ فِي صُحْبَتِهَا تَلْبَسُهُ مُنْذُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَمَا تَغَيَّرَ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ غَزْلِ أُمِّهَا، قَالَتْ: وَالثَّوْبُ إِذَا لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيهِ، لَا يَتَخَرَّقُ سَرِيعًا. وَقَالَ ابْنُهَا عَبْدُ الصَّمَدِ: كَانَ فِي دَارِنَا حَائِطٌ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، فَقُلْتُ لَهَا: أَلَا نَدْعُوَ الْبَنَّاءَ لِيُصْلِحَ هَذَا الْجِدَارَ؟ فَأَخَذَتْ رُقْعَةً، فَكَتَبَتْ
стр. 9692
فِيهَا شَيْئًا، ثُمَّ أَمَرَتْنِي أَنْ أَضَعَهَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْجِدَارِ، فَوَضَعْتُهَا، فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَعْلِمَ مَا كَتَبَتْ فِي الرُّقْعَةِ فَحِينَ أَخَذْتُهَا مِنَ الْجِدَارِ سَقَطَ، وَإِذَا فِي الرُّقْعَةِ: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا [فَاطِرٍ: ٤١] بِسْمِ اللَّهِ يَا مُمْسِكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَمْسِكْهُ.
стр. 9693
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
وَفِيهَا وَلَّى بَهَاءُ الدَّوْلَةِ الشَّرِيفَ أَبَا أَحْمَدَ الْحُسَيْنَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْمُوسَوِيَّ قَضَاءَ الْقُضَاةِ وَالْحَجَّ وَالْمَظَالِمَ وَنِقَابَةَ الطَّالِبِيِّيِنَ، وَلُقِّبَ بِالطَّاهِرِ الْأَوْحَدِ ذِي الْمَنَاقِبِ، وَكَانَ التَّقْلِيدُ لَهُ بِشِيرَازَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى بَغْدَادَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ فِي قَضَاءِ الْقُضَاةِ، فَتَوَقَّفَ حَالُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا مَلَكَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ وَاصِلٍ بِلَادَ الْبَطِيحَةِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مُهَذِّبَ الدَّوْلَةِ فَقَصَدَهُ زَعِيمُ الْجُيُوشِ لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ، فَهَزَمَهُ ابْنُ وَاصِلٍ وَنَهَبَ أَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا أَصَابَ فِي خَيْمَةِ الْخِزَانَةِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ وَخَمْسُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَفِيهَا خَرَجَ الرَّكْبُ الْعِرَاقِيُّ فِي جَحْفَلٍ كَبِيرٍ وَتَجَمُّلٍ كَثِيرٍ، فَاعْتَرَضَهُمُ الْأُصَيْفِرُ أَمِيرُ الْأَعْرَابِ لِيَنْهَبَهُمْ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ بِشَابَّيْنِ قَارِئَيْنِ مُجِيدَيْنِ كَانَا مَعَهُمْ - يُقَالُ لَهُمَا: أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الرَّفَّاءِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الدَّجَاجِيِّ، وَكَانَا مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ قِرَاءَةً - لِيُكَلِّمَاهُ فِي شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنَ الْحَجِيجِ، وَيُطْلِقُ سَرَاحَهُمْ;
стр. 9694
لِيُدْرِكُوا الْحَجَّ، فَلَمَّا جَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَرَآ جَمِيعًا عَشْرًا بِأَصْوَاتٍ هَائِلَةٍ مَطْبُوعَةٍ، فَأَدْهَشَهُ ذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ جِدًّا، وَقَالَ لَهُمَا: كَيْفَ عَيْشُكُمَا بِبَغْدَادَ؟ فَقَالَا: بِخَيْرٍ، لَا يَزَالُ النَّاسُ يُكْرِمُونَنَا وَيَبْعَثُونَ إِلَيْنَا بِالذَّهَبِ وَالدَّرَاهِمِ وَالتُّحَفِ، فَقَالَ: هَلْ أَطْلَقَ لَكُمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ؟ فَقَالَا: لَا، وَلَا أَلْفَ دِينَارٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟!، قَالَ: فَإِنِّي أُطْلِقُ لَكُمَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ. فَأَطْلَقَ بِسَبَبِهِمَا الْحَجِيجَ، فَلَمْ يَعْرِضْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَذَهَبَ النَّاسُ، وَهُمْ سَالِمُونَ شَاكِرُونَ لِذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ الْمُقْرِئَيْنِ. وَلَمَّا وَقَفَ النَّاسُ بِعَرَفَاتٍ قَرَأَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ قِرَاءَةً عَظِيمَةً عَلَى جَبَلِ الرَّحْمَةِ، فَضَجَّ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ الرُّكُوبِ لِقِرَاءَتِهِمَا، وَقَالُوا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مَعَكُمْ بِهَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يُصَابَا جَمِيعًا، بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجُوا بِأَحَدِهِمَا، فَإِذَا أُصِيبَ سَلِمَ الْآخَرُ. وَكَانَتِ الْحُجَّةُ وَالْخُطْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا لِلْمِصْرِيِّينَ كَمَا هِيَ لَهُمْ مِنْ سِنِينَ مُتَقَدِّمَةٍ.
وَقَدْ كَانَ أَمِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ سَرِيعًا إِلَى بَغْدَادَ عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا، وَأَنْ لَا يَسِيرَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ; خَوْفًا مِنَ الْأَعْرَابِ، وَكَثْرَةِ الْخِفَارَاتِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَوَقَفَ هَذَانِ الْقَارِئَانِ عَلَى جَادَّةِ الطَّرِيقِ الَّتِي مِنْهَا يُعْدَلُ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَرَآ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التَّوْبَةِ: ١٢٠] الْآيَاتِ. فَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ، وَأَمَالَتِ النُّوقُ أَعْنَاقَهَا نَحْوَهُمَا، فَمَالَ
стр. 9695
النَّاسُ وَالْأَمِيرُ بِأَجْمَعِهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَزَارُوا وَعَادُوا سَالِمِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَلَمَّا رَجَعَ هَذَانِ الْقَارِئَانِ رَتَّبَهُمَا وَلِيُّ الْأَمْرِ مَعَ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبُهْلُولِ - وَكَانَ مُقْرِئًا مُجِيدًا أَيْضًا - لِيُصَلُّوا بِالنَّاسِ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فِي رَمَضَانَ، فَكَثُرَ الْجَمْعُ وَرَاءَهُمْ لِحُسْنِ تِلَاوَتِهِمْ، وَكَانُوا يَتَنَاوَبُونَ فِي الْإِمَامَةِ.
وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ الْبُهْلُولِ يَوْمًا فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الْحَدِيدِ: ١٦] فَنَهَضَ إِلَيْهِ رَجُلٌ صُوفِيٌّ، وَهُوَ يَتَمَايَلُ، فَقَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَأَعَادَ الْآيَةَ، فَقَالَ الصُّوفِيُّ: بَلَى وَاللَّهِ، وَسَقَطَ مَيِّتًا ﵀. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَذَلِكَ وَقَعَ لِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْخَشَّابِ شَيْخِ ابْنِ الرَّفَّا، وَكَانَ تِلْمِيذًا لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَدَمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَكَانَ جَيِّدَ الْقِرَاءَةِ حَسَنَ الصَّوْتِ أَيْضًا، قَرَأَ ابْنُ الْخَشَّابِ لَيْلَةً فِي جَامِعِ الرُّصَافَةِ فِي الْإِحْيَاءِ هَذِهِ الْآيَةَ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ فَتَوَاجَدَ رَجُلٌ صُوفِيٌّ، وَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ قَدْ آنَ. وَجَلَسَ وَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا، ثُمَّ سَكَتَ سَكْتَةً، فَحَرَّكُوهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَبُو عَلِيٍّ الْإِسْكَافِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِالْمُوَفَّقِ
стр. 9696
كَانَ مُقَدَّمًا عِنْدَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَوَلَّاهُ بَغْدَادَ فَأَخَذَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً مِنَ الْيَهُودِ ثُمَّ هَرَبَ إِلَى الْبَطِيحَةِ، فَأَقَامَ بِهَا سَنَتَيْنِ، ثُمَّ قَدِمَ بَغْدَادَ فَوَلَّاهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ الْوِزَارَةَ، وَكَانَ شَهْمًا مَنْصُورًا فِي الْحُرُوبِ، ثُمَّ عَاقَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَتَلَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
стр. 9697
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
فِيهَا عَادَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْبَطِيحَةِ، وَلَمْ يُمَانِعْهُ ابْنُ وَاصِلٍ، وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ عَظِيمٌ وَفَنَاءٌ بِبِلَادٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ، بِحَيْثُ تَعَطَّلَتِ الْمَخَابِزُ وَالْحَمَّامَاتُ، وَذَهَبَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفَنَاءِ، وَهَلَكَ آخَرُونَ مِنْ شِدَّةِ الْغَلَاءِ، فَلِلَّهِ الْأَمَرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَهُوَ الْمَسْئُولُ الْمَأْمُولُ أَنْ يُحْسِنَ الْعَاقِبَةَ.
وَفِيهَا أَصَابَ الْحَجِيجَ فِي الطَّرِيقِ عَطَشٌ شَدِيدٌ بِحَيْثُ هَلَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَكَانَتِ الْخِطْبَةُ لِلْمِصْرِيِّينَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ أَبُو نَصْرٍ الْبُخَارِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِالْمَلَاحِمِيِّ، أَحَدُ الْحُفَّاظِ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ مَحْمُودِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَى عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ كُلَيْبٍ وَغَيْرِهِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. تُوُفِّيَ بِبُخَارَى فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
стр. 9698
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ
وُلِدَ بِهَمَذَانَ، وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ، وَكَتَبَ الْحَدِيثَ عَنْ جَعْفَرٍ الْخُلْدِيِّ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ بِنَيْسَابُورَ مِنَ الْأَصَمِّ وَغَيْرِهِ، وَدَرَسَ فِقْهَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ دَخَلَ الشَّامَ فَصَحِبَ الصُّوفِيَّةَ، حَتَّى صَارَ مِنْ كِبَارِهِمْ، وَحَجَّ مَرَّاتٍ عَلَى الْوَحْدَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ.
ابْنُ فَارِسٍ: أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ فَارِسِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الرَّازِيُّ اللُّغَوِيُّ
صَاحِبُ «الْمُجْمَلِ» فِي اللُّغَةِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِهَمَذَانَ، وَلَهُ رَسَائِلُ حِسَانٌ، أَخَذَ عَنْهُ الْبَدِيعُ صَاحِبُ الْمَقَامَاتِ، وَمِنْ رَائِقِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ
مَرَّتْ بِنَا هَيْفَاءُ مَجْدُولَةٌ … تُرْكِيَّةٌ تَنْمِي لِتُرْكِيِّ
تَرْنُو بِطَرْفٍ فَاتِرٍ فَاتِنٍ … أَضْعَفَ مِنْ حُجَّةِ نَحْوِيِّ
وَلَهُ أَيْضًا:
إِذَا كُنْتَ فِي حَاجَةِ مُرْسِلًا … وَأَنْتَ بِهَا كَلِفٌ مُغْرَمُ
فَأَرْسِلْ حَكِيمًا وَلَا تُوصِهِ … وَذَاكَ الْحَكِيمُ هُوَ الدِّرْهَمُ
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ.
стр. 9699
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ مُسْتَهَلِّ شَعْبَانَ طَلَعَ نَجْمٌ يُشْبِهُ الزُّهَرَةَ فِي كِبَرِهِ وَضَوْئِهِ عَنْ يُسْرَةِ الْقِبْلَةِ يَتَمَوَّجُ، وَلَهُ شُعَاعٌ عَلَى الْأَرْضِ كَشُعَاعِ الْقَمَرِ، وَثَبَتَ إِلَى النِّصْفِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، ثُمَّ غَابَ.
وَفِيهَا وَلِيَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَكْفَانِيِّ قَضَاءَ جَمِيعِ بَغْدَادَ وَفِيهَا جَلَسَ الْقَادِرُ لِلْأَمِيرِ قِرْوَاشِ بْنِ أَبِي حَسَّانَ وَأَفْرَدَهُ فِي إِمَارَةِ الْكُوفَةِ، وَلَقَّبَهُ مُعْتَمِدَ الدَّوْلَةِ.
وَفِيهَا قُلِّدَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ، وَلُقِّبَ بِالرَّضِيِّ ذِي الْحَسَبَيْنِ، وَلُقِّبَ أَخُوهُ الْمُرْتَضَى ذَا الْمَجْدَيْنِ.
وَفِيهَا غَزَا يَمِينُ الدَّوْلَةِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، فَافْتَتَحَ مُدُنًا كِبَارًا مِنْهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَأَسَرَ بَعْضَ مُلُوكِهِمْ، وَهُوَ مَلِكُ كَوَاشَى حِينَ هَرَبَ مِنْهُ لَمَّا افْتَتَحَهَا، وَكَسَّرَ أَصْنَامَهَا، فَأَلْبَسَهُ مِنْطَقَةً، وَشَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ بَعْدَ تَمَنُّعٍ شَدِيدٍ، وَقَطَعَ خِنْصَرَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ; إِهَانَةً لَهُ وَإِظْهَارًا لِعَظَمَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
وَفِيهَا كَانَتِ الْخُطْبَةُ بِالْحَرَمَيْنِ لِلْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ، وَتَجَدَّدُ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ أَنَّهُ
стр. 9700
إِذَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْحَاكِمَ يَقُومُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلُوا بِدِيَارِ مِصْرَ مَعَ زِيَادَةِ السُّجُودِ، وَكَانُوا يَسْجُدُونَ عِنْدَ ذِكْرِهِ; يَسْجُدُ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنْ هُوَ فِي الْأَسْوَاقِ أَيْضًا يَسْجُدُونَ لِسُجُودِهِمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ .
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَبُو سَعْدٍ الْجُرْجَانِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَرَدَ بَغْدَادَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ حَيٌّ، وَحَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالْأَصَمِّ وَابْنِ عَدِيٍّ، وَحَدَّثَ عَنْهُ الْخَلَّالُ وَالتَّنُوخِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً فَاضِلًا، فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ، سَخِيًّا جَوَّادًا عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَهُ وَرَعٌ، وَالرِّيَاسَةُ إِلَى الْيَوْمِ فِي بَلَدِهِ إِلَى وَلَدِهِ.
قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا الطِّيبِ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: وَرَدَ أَبُو سَعْدٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَغْدَادَ فَعَقَدَ لَهُ الْفُقَهَاءُ مَجْلِسَيْنِ; تَوَلَّى أَحَدَهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَتَوَلَّى الثَّانِيَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَافِيُّ، فَبَعَثَ الْبَافِيُّ إِلَى الْقَاضِي الْمُعَافَى بْنِ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيِّ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى حُضُورِ الْمَجْلِسِ; لِيَتَجَمَّلَ بِحُضُورِهِ، وَكَانَتِ الرِّسَالَةُ مَعَ وَلَدِهِ أَبِي الْفَضْلِ، وَكَتَبَ عَلَى يَدِهِ هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ:
следующие страницы →