← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا كَانَ الْقَبْضُ عَلَى الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ وَخِلَافَةُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَسَ الْخَلِيفَةُ عَلَى عَادَتِهِ فِي الرِّوَاقِ، وَقَعَدَ الْمَلِكُ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ مَنِ اجْتَذَبَ الْخَلِيفَةَ بِحَمَائِلِ سَيْفِهِ عَنِ السَّرِيرِ، وَلَفُّوهُ فِي كِسَاءٍ، وَحَمَلُوهُ إِلَى الْخِزَانَةِ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَتَشَاغَلَ النَّاسُ بِالنَّهْبِ، وَلَمْ يَدْرِ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا الْخَطْبُ وَلَا مَا الْخَبَرُ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ الْمَلِكَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ هُوَ الَّذِي مُسِكَ، فَنُهِبَتِ الْخَزَائِنُ وَالْحَوَاصِلُ وَشَيْءٌ كَثِيرٌ مِنْ أَثَاثِ دَارِ الْخِلَافَةِ، حَتَّى أُخِذَتْ ثِيَابُ الْأَعْيَانِ وَالْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ، وَجَرَتْ كَائِنَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَرَجَعَ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى دَارِهِ، وَكَتَبَ عَلَى الطَّائِعِ كِتَابًا بِالْخَلْعِ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ الْأَشْرَافُ وَالْقُضَاةُ أَنَّهُ قَدْ خَلَعَ نَفْسَهُ عَنِ الْخِلَافَةِ وَسَلَّمَهَا إِلَى الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَنُودِيَ بِذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَتَشَغَّبَتِ الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ، وَطَالَبُوا بِرَسْمِ الْبَيْعَةِ، وَرَاسَلُوا بَهَاءَ الدَّوْلَةِ فِي ذَلِكَ، وَتَطَاوَلَ الْأَمَرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يُمَكَّنُوا

стр. 9627

مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِصَرِيحِ اسْمِهِ، بَلْ قِيلَ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَكَ وَخَلِيفَتَكَ الْقَادِرَ بِاللَّهِ. وَلَمْ يُسَمَّ، ثُمَّ أَرْضَى وُجُوهَهُمْ وَأَكَابِرَهُمْ، وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ، وَأَمَرَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِتَحْوِيلِ جَمِيعِ مَا فِي دَارِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْأَوَانِي وَالْفُرُشِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى دَارِهِ، وَأُبِيحَتْ لِلْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَقَلَعُوا أَبْوَابَهَا وَشَبَابِيكَهَا وَشَعَّثُوا أَبْنِيَتَهَا، ثُمَّ مُنِعُوا بَعْدَ ذَلِكَ. هَذَا كُلُّهُ وَالْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ قَدْ هَرَبَ إِلَى أَرْضِ الْبَطِيحَةِ مِنَ الطَّائِعِ حِينَ كَانَ يَطْلُبُهُ، وَلَمَّا رَكِبَ إِلَى بَغْدَادَ مَنَعَتْهُ الدَّيْلَمُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا حَتَّى يُعْطِيَهُمْ رَسْمَ الْبَيْعَةِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ رَضُوا عَنْهُ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ هَرَبِهِ بِأَرْضِ الْبَطِيحَةِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَجَلَسَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ مَقْدِمِهِ جُلُوسًا عَامًّا لِلتَّهْنِئَةِ وَسَمَاعِ الْمَدَائِحِ وَالْقَصَائِدِ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَوَّالٍ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِبَيْعَةِ بَهَاءِ الدِّينِ وَتَفْوِيضِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِ مَا وَرَاءَ بَابِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَقَدْ كَانَ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ وَسَادَاتِ الْعُلَمَاءِ فِي أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَقْرَانِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، وَصَنَّفَ عَقِيدَةً فِيهَا فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَكَانَتْ تُقْرَأُ فِي حِلَقِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ كُلَّ جُمُعَةٍ فِي جَامِعِ الْمَهْدِيِّ، وَتَجْتَمِعُ النَّاسُ لِسَمَاعِهَا مُدَّةَ خِلَافَتِهِ، وَكَانَ يُنْشِدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ يَتَرَنَّمُ بِهَا، وَهِيَ لِسَابِقٍ الْبَرْبَرِيِّ: سَبَقَ الْقَضَاءُ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنُ … وَاللَّهُ يَا هَذَا لِرِزْقِكَ ضَامِنُ

стр. 9628

تُعْنَى بِمَا تُكْفَى وَتَتْرُكُ مَا بِهِ تَغْنَى كَأَنَّكَ لِلْحَوَادِثِ آمِنُ … أَوَ مَا تَرَى الدُّنْيَا وَمَصْرَعَ أَهْلِهَا فَاعْمَلْ لِيَوْمِ فِرَاقِهَا يَا خَائِنُ … وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا أَبًا لَكَ فِي الَّذِي أَصْبَحْتَ تَجْمَعُهُ لِغَيْرِكَ خَازِنُ … يَا عَامِرَ الدُّنْيَا أَتَعْمُرُ مَنْزِلًا لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعَ الْمَنِيَّةِ سَاكِنُ … الْمَوْتُ شَيْءٌ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ حُقٌّ وَأَنْتَ بِذِكْرِهِ مُتَهَاوِنُ … إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَا تُؤَامِرُ مَنْ أَتَتْ فِي نَفْسِهِ يَوْمًا وَلَا تَسْتَأْذِنُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - وَهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ - جَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ، وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَاسْتَظْهَرَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ، وَخَرَّقُوا أَعْلَامَ السُّلْطَانِ، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ اتُّهِمُوا بِفِعْلِ ذَلِكَ، وَصُلِبُوا عَلَى الْقَنْطَرَةِ لِيَرْتَدِعَ أَمْثَالُهُمْ. وَفِيهَا ظَهَرَ أَبُو الْفُتُوحِ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعُلْوِيُّ أَمِيرُ مَكَّةَ وَادَّعَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَسَمَّى نَفْسَهُ الرَّاشِدَ بِاللَّهِ، فَمَالَأَهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَحَصَلَ لَهُ أَمْوَالٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْصَى لَهُ بِهَا، فَانْتَظَمَ أَمْرُهُ بِسَبَبِهَا، وَتَقَلَّدَ سَيْفًا وَزَعَمَ أَنَّهُ ذُو الْفَقَارِ، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ قَضِيبًا زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَصَدَ بِلَادَ الرَّمْلَةِ لِيَسْتَعِينَ بِعَرَبِ الشَّامِ فَتَلَقَّوْهُ بِالرَّحْبِ وَقَبَّلُوا لَهُ الْأَرْضَ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَظْهَرَ الْأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَاكِمَ صَاحِبَ مِصْرَ - وَكَانَ قَدْ قَامَ

стр. 9629

بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - كَتَبَ إِلَى عَرَبِ الشَّامِ مُلَطَّفَاتٍ، وَوَعَدَهُمْ مِنَ الذَّهَبِ بِأُلُوفٍ وَمِئَاتٍ، وَكَذَلِكَ إِلَى عَرَبِ الْحِجَازِ، وَاسْتَنَابَ عَلَى مَكَّةَ أَمِيرًا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِجَارِيَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَانْتَظَمَ أَمْرُ الْحَاكِمِ، وَتَمَزَّقَ أَمْرُ الرَّاشِدِ، وَتَسَحَّبَ إِلَى بِلَادِهِ كَمَا بَدَأَ مِنْهَا، وَعَادَ إِلَيْهَا، وَكَانَ عَوْدُهُ إِلَيْهَا كَمَا رَحَلَ عَنْهَا، وَاضْمَحَلَّ حَالُهُ، وَانْتَقَضَتْ حِبَالُهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ رِجَالُهُ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو بَكْرٍ الْمَقْرِئُ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَاتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ مَاتَ فِي يَوْمِ وَفَاتِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْعَامِرِيُّ الْفَيْلَسُوفُ، فَرَأَى بَعْضُ الصَّالِحِينَ أَحْمَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ هَذَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أُسْتَاذُ، أَيُّ شَيْءٍ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: أَقَامَ أَبَا الْحَسَنِ الْعَامِرِيَّ إِلَى جَانِبِي، وَقَالَ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْرُوفٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ قَاضِي الْقُضَاةِ

стр. 9630

بِ بَغْدَادَ رَوَى عَنِ ابْنِ صَاعِدٍ وَعَنْهُ الْخَّلَالُ وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ الْأَلِبَّاءِ الْعُقَلَاءِ الْفُطَنَاءِ، حَسَنَ الشَّكْلِ، جَمِيلَ الْمَلْبَسِ عَفِيفًا عَنِ الْأَمْوَالِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، ثُمَّ دُفِنَ فِي دَارِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. جَوْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَائِدُ بَانِي الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَةِ، أَصْلُهُ رُومِيٌّ، وَيُعْرَفُ بِالْكَاتِبِ، أَرْسَلَهُ مَوْلَاهُ الْمُعِزُّ بْنُ الْمَنْصُورِ بْنِ الْقَائِمِ بْنِ الْمَهْدِيِّ الْمُدَّعِي أَنَّهُ فَاطِمِيٌّ مِنْ إِفْرِيقِيَةَ لِأَخْذِ مِصْرَ عِنْدَ اضْطِرَابِ جَيْشِهَا بَعْدَ مَوْتِ كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ فَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْإِخْشِيدِ، فَلَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمُعِزِّ يَسْتَنْجِدُ بِهِ، فَأَرْسَلَ مَوْلَاهُ جَوْهَرًا هَذَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَوَصَلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَمَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ أَلْفٌ وَمِائَتَا صُنْدُوقٍ لِيُنْفِقَهُ فِي ذَلِكَ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ وَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، فَلَمْ يَرْضَ الْجَيْشُ بِذَلِكَ، وَبَرَزُوا لِقِتَالِهِ فَكَسَرَهُمْ، وَجَدَّدَ الْأَمَانَ لِأَهْلِهَا، وَدَخَلَهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءَ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ، فَشَقَّ مِصْرَ، وَنَزَلَ فِي مَكَانِ الْقَاهِرَةِ الْيَوْمَ، وَأَسَّسَ مِنْ لَيْلَتِهِ الْقَصْرَيْنِ، وَخَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْآتِيَةِ، فَقَطَعَ خُطْبَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَعَوَّضَ بِمَوْلَاهُ، وَذَكَرَ الْأَئِمَّةَ الْاثْنَيْ عَشَرَ، وَأُذِّنَ بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَكَانَ يُظْهِرُ الْإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ، وَيَجْلِسُ كُلَّ يَوْمِ سَبْتٍ مَعَ الْوَزِيرِ جَعْفَرِ بْنِ الْفُرَاتِ وَالْقَاضِي، وَاجْتَهَدَ فِي تَكْمِيلِ الْقَاهِرَةِ وَفَرَغَ مِنْ

стр. 9631

جَامِعِهَا سَرِيعًا، وَخَطَبَ بِهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: جَامِعُ الْأَزْهَرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ جَعْفَرَ بْنَ فَلَاحٍ إِلَى الشَّامِ فَأَخَذَهَا لِلْمُعِزِّ، وَقَدِمَ مَوْلَاهُ الْمُعِزُّ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَنَزَلَ بِالْقَصْرَيْنِ، وَلَمْ تَزَلْ مَنْزِلَتُهُ عَالِيَةً عِنْدَهُ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَامَ فِي مَنْصِبِهِ وَعَظَمَتِهِ ابْنُهُ الْحُسَيْنُ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ: قَائِدُ الْقُوَّادِ، وَهُوَ أَكْبَرُ أُمَرَاءِ الْحَاكِمِ بْنِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ، ثُمَّ كَانَ قَتْلُهُ عَلَى يَدَيْهِ فِي سِنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقُتِلَ مَعَهُ صِهْرُهُ زَوْجُ أُخْتِهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ النُّعْمَانِ، وَأَظُنُّ هَذَا الْقَاضِيَ هُوَ مُصَنِّفُ كِتَابِ «الْبَلَاغِ الْأَكْبَرِ وَالنَّامُوسِ الْأَعْظَمِ» الَّذِي فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ مَا لَمْ يَصِلْ إِبْلِيسُ إِلَى مِثْلِهِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، ﵀.

стр. 9632

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا رَسَمَ الْوَزِيرُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَوْكَبِيُّ - وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْمُعَلِّمِ، وَكَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى السُّلْطَانِ - لِأَهْلِ الْكَرْخِ وَبَابِ الطَّاقِ مِنَ الرَّافِضَةِ بِأَنْ لَا يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْبِدَعِ الَّتِي كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهَا فِي عَاشُورَاءَ; مِنْ تَعْلِيقِ الْمُسُوحِ وَتَغْلِيقِ الْأَسْوَاقِ وَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْحُسَيْنِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ طَمَّاعًا; رَسَمَ بِأَنْ لَا يُقْبَلَ أَحَدٌ مِنَ الشُّهُودِ مِمَّنِ اسْتَحْدَثَ عَدَالَتَهُ بَعْدَ ابْنِ مَعْرُوفٍ وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ قَدْ بَذَلَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً فِي ذَلِكَ، فَاحْتَاجُوا إِلَى أَنْ جَمَعُوا لَهُ شَيْئًا، فَوَقَعَ لَهُمْ بِالِاسْتِمْرَارِ. وَلَمَّا كَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَعَتِ الدَّيْلَمُ وَالتُّرْكُ عَلَى ابْنِ الْمُعَلِّمِ هَذَا، وَخَرَجُوا بِخِيَامِهِمْ إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَرَاسَلُوا بَهَاءَ الدَّوْلَةِ لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ، لِسُوءِ مُعَامَلَتِهِ إِيَّاهُمْ، فَدَافَعَ عَنْهُ مُدَافَعَةً عَظِيمَةً فِي مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَمْ يَزَالُوا يُرَاسِلُونَهُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى خَنَقَ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْمُعَلِّمِ فِي حَبْلٍ، وَمَاتَ وَدُفِنَ بِالْمُخَرِّمِ. وَفِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ سَلَّمَ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ الَّذِي خُلِعَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَلِيفَةِ الْوَقْتِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ فَأَمَرَ بِوَضْعِهِ فِي حُجْرَةٍ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ،

стр. 9633

وَأَمَرَ أَنْ تُجْرَى عَلَيْهِ الْأَرْزَاقُ وَالتُّحَفُ وَالْأَلْطَافُ، مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَلْبَسٍ وَطِيبٍ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ وَيَخْدِمُهُ، وَكَانَ يَتَعَنَّتُ وَيَتَعَتَّبُ عَلَى الْقَادِرِ فِي تَقَلُّلِهِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَلْبَسِ، فَرَتَّبَ مَنْ يَخْدِمُهُ يُحْضِرُ لَهُ مَا يَشْتَهِيهِ مِنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ وَهُوَ فِي السِّجْنِ. وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا وُلِدَ لِلْخَلِيفَةِ الْقَادِرِ وَلَدٌ ذَكَرٌ، وَهُوَ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ، وَقَدْ وَلَّاهُ الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِهِ، وَسَمَّاهُ الْغَالِبَ بِاللَّهِ، فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ الْأَمْرُ. وَفِي هَذَا الْوَقْتِ غَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ حَتَّى بِيعَ رَطْلُ الْخُبْزِ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَالْحَوْزَةُ بِدِرْهَمٍ. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ قَدِمَ صَاحِبٌ الْأُصَيْفِرُ الْأَعْرَابِيُّ، وَالْتَزَمَ بِحِرَاسَةِ الْحُجَّاجِ فِي ذَهَابِهِمْ وَإِيَابِهِمْ، وَبِشَرْطِ أَنْ يُخْطَبَ لِلْقَادِرِ مِنَ الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ إِلَى الْكُوفَةِ فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَأُطْلِقَتْ لَهُ الْخِلَعُ وَالْأَمْوَالُ وَالْأَلْوِيَةُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ، أَبُو عُمَرَ الْخَزَّازُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ حَيُّوَيْهِ، سَمِعَ الْبَغَوِيَّ وَالْبَاغَنْدِيَّ وَابْنَ صَاعِدٍ وَخَلْقًا

стр. 9634

كَثِيرًا، وَانْتَقَى عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَمِعَ مِنْهُ الْأَعْيَانُ، وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا مُتَيَقِّظًا، ذَا مُرُوءَةٍ، وَكَتَبَ مِنَ الْكُتُبِ الْكِبَارِ كَثِيرًا بِيَدِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْهَا، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، ﵀. الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ فِي اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَالنَّحْوِ وَالنَّوَادِرِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ تَصَانِيفُ مُفِيدَةٌ، مِنْهَا «التَّصْحِيفُ» وَغَيْرُهُ، وَكَانَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ يَوَدُّ الِاجْتِمَاعَ بِهِ، فَسَافَرَ إِلَى عَسْكَرِ مُكْرَمٍ حَتَّى اجْتَمَعَ بِهِ، فَأَكْرَمَهُ وَرَاسَلَهُ بِالْأَشْعَارِ، تُوُفِّيَ فِيهَا وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً. كَذَا أَرَّخَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَنْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، كَمَا سَيَأْتِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9635

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا أَمَرَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ بِعِمَارَةِ مَسْجِدِ الْحَرْبِيَّةِ وَكِسْوَتِهِ، وَأَنْ يُجْرَى مَجْرَى الْجَوَامِعِ فِي الْخُطَبِ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَفْتَوْهُ بِهِ فَعَلَهُ، وَأَمَرَ بِهِ. قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: أَدْرَكْتُ الْجُمُعَةَ تُقَامُ بِبَغْدَادَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدِ الرَّصَافَةِ، وَمَسْجِدِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَمَسْجِدِ بَرَاثَا، وَمَسْجِدِ قَطِيعَةَ أُمِّ جَعْفَرٍ، وَمَسْجِدِ الْحَرْبِيَّةِ، قَالَ: وَلَمْ يَزَلِ الْأَمَرُ عَلَى هَذَا إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَتَعَطَّلَتْ فِي مَسْجِدِ بَرَاثَا. وَفِي جُمَادَى الْأُولَى فُرِغَ مِنَ الْجِسْرِ الَّذِي بَنَاهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ فِي مَشْرَعَةِ الْقَطَّانِينَ، وَاجْتَازَ عَلَيْهِ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ زُيِّنَ الْمَكَانُ وَاحْتُفِلَ بِهِ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ شَغَبَتِ الدَّيَالِمُ وَالْأَتْرَاكُ لِتَأَخُّرِ الْعَطَاءِ عَنْهُمْ، وَغَلَاءِ الْأَسْعَارِ وَرَاسَلُوا بَهَاءَ الدَّوْلَةِ، فَأُزِيحَتْ أَعْذَارُهُمْ وَعِلَلُهُمْ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّانِي مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ تَزَوَّجَ الْخَلِيفَةُ سُكَيْنَةَ بِنْتَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، عَلَى صَدَاقٍ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ وَكِيلَ أَبِيهَا الشَّرِيفُ

стр. 9636

أَبُو أَحْمَدَ الْمُوسَوِيُّ، وَقَدْ تُوُفِّيَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ دُخُولِ الْخَلِيفَةِ بِهَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتَاعَ الْوَزِيرُ أَبُو نَصْرٍ سَابُورُ بْنُ أَزْدَشِيرَ دَارًا بِالْكَرْخِ، وَجَدَّدَ عِمَارَتَهَا وَبَيْضَهَا، وَنَقَلَ إِلَيْهَا كُتُبًا كَثِيرَةً، وَوَقَّفَهَا عَلَى الْفُقَهَاءِ، وَسَمَّاهَا دَارَ الْعِلْمِ، وَأَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ أَوَّلُ مَدْرَسَةٍ وُقِّفَتْ عَلَى الْفُقَهَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَارْتَفَعَتِ الْأَسْعَارُ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ جِدًّا، وَضَاقَ الْحَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَّانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْبَغَوِيِّ وَابْنِ صَاعِدٍ وَابْنِ دُرَيْدٍ وَابْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَرْقَانِيُّ وَالْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَانَ ثِقَةً ثَبْتًا صَحِيحَ السَّمَاعِ، كَثِيرَ الْحَدِيثِ، مُتَحَرِّيًا وَرِعًا، تُوُفِّيَ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9637

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا عَظُمَ الْخَطْبُ بِأَمْرِ الْعَيَّارِينَ، وَعَاثُوا بِبَغْدَادَ فَسَادًا، وَأَخَذُوا الْعُمْلَاتِ الثِّقَالَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَحَرَّقُوا أَمَاكِنَ كَثِيرَةً، وَأَخَذُوا مِنَ الْأَسْوَاقِ الْجِبَايَاتِ، وَتَطَلَّبَهُمُ الشُّرَطُ، فَلَمْ يَفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا فَكَّرُوا فِيهِمْ، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الرِّجَالِ، وَإِرْعَابِ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، فِي سَائِرِ الْمَحَالِّ. فَلَمَّا تَفَاقَمَ الْحَالُ بِهِمْ تَطَلَّبَهُمُ السُّلْطَانُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ، وَأَلَحَّ فِي طَلَبِهِمْ، فَهَرَبُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِمْ. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ عُزِلَ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى الْمُوسَوِيُّ وَوَلَدَاهُ اللَّذَانِ كَانَا وَلِيَّيْ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَنْ نِقَابَةِ الطَّالِبِيِّينَ. وَرَجَعَ رَكْبُ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بَعْدَمَا فَاتَهُمْ وَقْتُ الْحَجِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأُصَيْفِرَ الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي كَانَ قَدْ تَكَفَّلَ بِحِرَاسَتِهِمُ اعْتَرَضَ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الدَّنَانِيرَ الَّتِي كَانَتْ أُطْلِقَتْ لَهُ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ كَانَتْ دَرَاهِمَ مَطْلِيَّةً، وَأَنَّهُ يُرِيدُ بَدَلَهَا مِنَ الْحَجِيجِ، وَإِلَّا لَا يَتْرُكُهُمْ يُجَاوِزُوا هَذَا

стр. 9638

الْمَوْضِعَ، فَمَانَعُوهُ وَرَاجَعُوهُ، فَحَبَسَهُمْ عَنِ الْمَسِيرِ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْتُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَلْحَقُوا الْحَجَّ فِيهِ، فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَلَمْ يَحُجَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَحُجَّ مِنَ الرَّكْبِ الشَّامِيِّ وَلَا أَهْلِ الْيَمَنِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا حَجَّ أَهْلُ مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ خَاصَّةً. وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ قُلِّدَ الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ الزَّيْنَبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي تَمَّامٍ الزَّيْنَبِيُّ نِقَابَةَ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَقُرِئَ عَهْدُهُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ بِحَضْرَةِ الْقُضَاةِ وَالْأَعْيَانِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَهْرُونَ بْنِ حَبُّونَ الْحَرَّانِيُّ، الْكَاتِبُ الصَّابِئُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ وَالرَّسَائِلِ لِلْخَلِيفَةِ وَلِعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَكَانَ عَلَى دِينِ الصَّابِئَةِ إِلَى مَمَاتِهِ، وَكَانَ مَعَ هَذَا يَصُومُ رَمَضَانَ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ حِفْظِهِ، وَكَانَ يَحْفَظُهُ حِفْظًا حَسَنًا، وَيَسْتَعْمِلُ مِنْهُ فِي رَسَائِلِهِ، وَكَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى أَنْ يُسْلِمَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ. وَقَدْ رَثَاهُ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ وَقَالَ: إِنَّمَا رَثَيْتُ فَضَائِلَهُ.

стр. 9639

عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعِ بْنِ مُكْرَمٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْبُشْتِيُّ الزَّاهِدُ، وَرِثَ مِنْ آبَائِهِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، فَأَنْفَقَهَا كُلَّهَا فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْقُرُبَاتِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، يُقَالُ: إِنَّهُ مَكَثَ سَبْعِينَ سَنَةً لَا يَسْتَنِدُ إِلَى حَائِطٍ وَلَا إِلَى شَيْءٍ، وَلَا يَتَّكِئُ عَلَى وِسَادَةٍ، وَحَجَّ مِنْ نَيْسَابُورَ مَاشِيًا حَافِيًا، وَدَخَلَ الشَّامَ وَأَقَامَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ شُهُورًا، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ وَبِلَادَ الْمَغْرِبِ، وَحَجَّ مِنْ هُنَاكَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ بُشْتَ، وَكَانَتْ لَهُ بَقِيَّةُ أَمْوَالٍ وَأَمْلَاكٍ، فَتَصَدَّقَ بِهَا، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ يَتَأَلَّمُ وَيَتَوَجَّعُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَرَى بَيْنَ يَدَيَّ أُمُورًا هَائِلَةً، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ أَنْجُو مِنْهَا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَلَيْلَةَ مَوْتِهِ رَأَتِ امْرَأَةٌ أُمَّهَا بَعْدَ وَفَاتِهَا وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ حِسَانٌ وَزِينَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أُمَّهْ، مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ فِي عِيدٍ مِنْ قُدُومِ عُبَيْدِ اللَّهِ الزَّاهِدِ عَلَيْنَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْحَسَنِ

стр. 9640

النَّحْوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالرُّمَّانِيِّ، رَوَى عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ، وَلَهُ تَفْسِيرٌ كَبِيرٌ، وَشَهِدَ عِنْدَ ابْنِ مَعْرُوفٍ فَقَبِلَهُ، وَرَوَى عَنْهُ التَّنُوخِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ. تُوُفِّيَ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ فِي الشُّونِيزِيَّةِ عِنْدَ قَبْرِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَالرُّمَّانِيُّ نِسْبَةً إِلَى بَيْعِ الرُّمَّانِ، أَوْ إِلَى قَصْرِ الرُّمَّانِ بِوَاسِطٍ. مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ أَبُو الْحَسَنِ الْكَاتِبُ، الْمُحَدِّثُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: كَانَ ثِقَةً، كَتَبَ الْكَثِيرَ، وَجَمَعَ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ فِي وَقْتِهِ، بَلَغَنِي أَنَّهُ كَتَبَ مِائَةَ تَفْسِيرٍ وَمِائَةَ تَارِيخٍ، وَخَلَّفَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ صُنْدُوقًا مَمْلُوءَةً كُتُبًا، أَكْثَرُهَا بِخَطِّهِ سِوَى مَا سُرِقَ مِنْهُ، وَكَانَ خَطُّهُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَمَعَ هَذَا كَانَ لَهُ جَارِيَةٌ تُعَارِضُ مَعَهُ مَا يَكْتُبُهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمَرْزُبَانِ، رَوَى عَنِ الْبَغَوِيِّ وَابْنِ دُرَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ صَاحِبَ

стр. 9641

أَخْبَارٍ وَآدَابٍ، وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً فِي فُنُونٍ مُسْتَحْسَنَةٍ، وَكَانَ مَشَايِخُهُ وَغَيْرُهُمْ يَحْضُرُونَ عِنْدَهُ، وَيَبِيتُونَ فِي دَارِهِ فِي فُرُشٍ وَأَطْعِمَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ إِذَا مَرَّ بِدَارِهِ لَا يَجْتَازُ حَتَّى يُرْسِلَ إِلَيْهِ لِيَخْرُجَ فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، يَقُولُ: هُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الدُّنْيَا، وَقَالَ الْعَتِيقِيُّ: كَانَ ثِقَةً، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَا كَانَ ثِقَةً، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَذَّابِينَ، وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ وَاعْتِزَالٌ، وَيَخْلِطُ السَّمَاعَ بِالْإِجَازَةِ، وَبَلَغَ ثَمَانِيَةَ وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9642

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا اسْتَوْزَرَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الضَّبِّيَّ الْمُلَقَّبَ بِالْكَافِي، وَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاةِ الصَّاحِبِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّادٍ، وَكَانَ مِنْ مَشَاهِيرِ الْوُزَرَاءِ. وَفِيهَا قَبَضَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَصَادَرَهُ بِأَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا بِيعَ لَهُ فِي الْمُصَادَرَةِ أَلْفُ طَيْلَسَانٍ وَأَلْفُ ثَوْبٍ مَغْرِبِيٍّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا الْمِصْرِيُّونَ، وَالْخُطْبَةُ فِي الْحَرَمَيْنِ لَهُمْ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ أَحْمَدَ

стр. 9643

ابْنِ إِدْرِيسَ الطَّالَقَانِيُّ، أَبُو الْقَاسِمِ الْوَزِيرُ الشَّهِيرُ الْمُلَقَّبُ بِكَافِي الْكُفَاةِ، وَزَرَ لِمُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْبَرَاعَةِ وَالْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْعُلَمَاءِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ، كَانَ يَبْعَثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى بَغْدَادَ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ; لِتُفَرَّقَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي الْأَدَبِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ، وَاقْتَنَى كُتُبًا كَثِيرَةً كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي وُزَرَاءَ بَنِي بُوَيْهِ الدَّيَالِمَةِ مِثْلُهُ وَلَا قَرِيبٌ مِنْهُ فِي مَجْمُوعِ فَضَائِلِهِ، وَقَدْ كَانَتْ دَوْلَةُ بَنِي بُوَيْهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِزَارَتُهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَفَتَحَ خَمْسِينَ قَلْعَةً لِمَخْدُومِهِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ، وَابْنِهِ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، لِصَرَامَتِهِ وَشَهَامَتِهِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ وَجَوْدَةِ آرَائِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ، وَيُبْغِضُ الْفَلْسَفَةَ وَمَا يُشْبِهُهَا مِنَ الْآرَاءِ الْبِدْعِيَّةِ، وَقَدْ مَرِضَ مَرَّةً بِالْإِسْهَالِ، فَكَانَ كُلَّمَا قَامَ عَنِ الْمِطْهَرَةِ وَضَعَ عِنْدَهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِئَلَّا يَتَبَرَّمَ بِهِ الْفَرَّاشُونَ، فَكَانُوا يَوَدُّونَ أَنْ لَوْ طَالَتْ عِلَّتُهُ، وَلَمَّا عُوفِيَ أَنْهَبَ دَارَهُ الْفُقَرَاءَ، وَكَانَ قِيمَةُ مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْمَشَايِخِ الْجِيَادِ عَوَالِي الْإِسْنَادِ، وَعُقِدَ لَهُ فِي وَقْتٍ مَجْلِسٌ لِلْإِمْلَاءِ، فَاحْتَفَلَ النَّاسُ بِحُضُورِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ لَبِسَ زِيَّ الْفُقَهَاءِ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ مِمَّا يُعَانِيهِ مِنْ أُمُورِ السُّلْطَانِ، وَذَكَرَ

стр. 9644

لِلنَّاسِ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْ حِينِ نَشَأَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا مِنْ أَمْوَالِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَلَكِنْ يُخَالِطُ السُّلْطَانَ، وَهُوَ تَائِبٌ مِمَّا مَارَسَهُ مِنْ شُئُونِهِ، وَاتَّخَذَ بَيْتًا فِي دَارِهِ سَمَّاهُ بَيْتَ التَّوْبَةِ، وَوَضَعَ الْعُلَمَاءُ خُطُوطَهُمْ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ، وَحِينَ حَدَّثَ اسْتَمْلَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ لِكَثْرَةِ مَجْلِسِهِ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَكْتُبُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ الطَّلَبَةِ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْهَمَذَانِيُّ، وَمَنْ شَابَهَهُ مِنْ رُءُوسِ الْفُضَلَاءِ وَسَادَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ. وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ قَاضِي قَزْوِينَ بِهَدِيَّةٍ; كُتُبٍ كَثِيرَةٍ، وَكَتَبَ مَعَهَا: الْعُمَيْرِيُّ عَبْدُ كَافِي الْكُفَاةِ … وَإِنِ اعْتَلَّ فِي وُجُوهِ الْقُضَاةِ خَدَمَ الْمَجْلِسَ الرَّفِيعَ بَكُتْبٍ … مُفْعَمَاتٍ مِنْ حُسْنِهَا مُتْرَعَاتِ فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَيْهِ أَخَذَ مِنْهَا كِتَابًا وَاحِدًا، وَرَدَّ بَاقِيَهَا، وَكَتَبَ تَحْتَ الْبَيْتَيْنِ: قَدْ قَبِلْنَا مِنَ الْجَمِيعِ كِتَابًا … وَرَدَدْنَا لِوَقْتِهَا الْبَاقِيَاتِ لَسْتُ أَسْتَغْنِمُ الْكَثِيرَ وَطَبْعِي … قَوْلُ خُذْ لَيْسَ مَذْهَبِي قَوْلَ هَاتِ وَجَلَسَ الْوَزِيُرُ ابْنُ عَبَّادٍ مَرَّةً فِي مَجْلِسِ شَرَابٍ، فَنَاوَلَهُ السَّاقِي كَأْسًا، فَلَمَّا أَرَادَ شُرْبَهَا، قَالَ لَهُ بَعْضُ خُدَّامِهِ: يَا سَيِّدِي، إِنَّ هَذَا الَّذِي فِي يَدِكَ مَسْمُومٌ،

стр. 9645

قَالَ: وَمَا الشَّاهِدُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِكَ؟ قَالَ: تُجَرِّبُهُ، قَالَ: فِيمَنْ؟ قَالَ: فِي السَّاقِي، قَالَ: وَيْحَكَ، لَا أَسْتَحِلُّ ذَلِكَ، قَالَ: فَفِي دَجَاجَةٍ، قَالَ: إِنَّ التَّمْثِيلَ بِالْحَيَوَانِ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ أَمَرَ بِصَبِّ مَا فِي ذَلِكَ الْقَدَحِ، وَقَالَ لِلسَّاقِي: لَا تَدْخُلْ دَارِي بَعْدَ هَذَا، وَلَمْ يَقْطَعْ عَنْهُ مَعْلُومَهُ. وَقَدْ عَمِلَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ ذِي الْكِفَايَتَيْنِ حَتَّى عَزَلَهُ عَنْ وِزَارَةِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ، وَبَاشَرَهَا عِوَضَهُ، وَاسْتَمَرَّ مُدَّةً، فَبَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ أَصْحَابُهُ وَنُدَمَاؤُهُ وَهُوَ فِي أَتَمِّ سُرُورٍ، قَدْ هُيِّئَ لَهُ مَجْلِسٌ حَافِلٌ بِأَنْوَاعِ اللَّذَّاتِ، مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالتُّحَفِ، وَقَدْ نَظَّمَ أَبْيَاتًا، وَالْمُغَنُّونَ يُلَحِّنُونَهَا لَهُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الطَّرَبِ وَالسُّرُورِ وَالْفَرَحِ، وَهِيَ هَذِهِ: دَعَوْتُ الْهَنَا وَدَعَوْتُ الْعُلَا … فَلَمَّا أَجَابَا دَعَوْتُ الْقَدَحْ وَقُلْتُ لِأَيَّامِ شَرْخِ الشَّبَابِ … إِلَيَّ فَهَذَا أَوَانُ الْفَرَحْ إِذَا بَلَغَ الْمَرْءُ آمَالَهُ … فَلَيْسَ لَهُ بَعْدَهَا مُنْتَزَحْ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: بَاكِرُونِي غَدًا إِلَى الصَّبُوحِ، وَنَهَضَ إِلَى بَيْتِ مَنَامِهِ، فَمَا أَصْبَحَ حَتَّى قَبَضَ عَلَيْهِ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ، وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا فِي دَارِهِ مِنَ الْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ، وَجَعَلَهُ مُثْلَةً فِي الْعِبَادِ، وَأَعَادَ إِلَى وِزَارَتِهِ الصَّاحِبَ بْنَ عَبَّادٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، أَنَّ الصَّاحِبَ بْنَ عَبَّادٍ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَاءَهُ

стр. 9646

الْمَلِكُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ مُؤَيَّدِ الدَّوْلَةِ يَعُودُهُ لِيُوصِيَهُ فِي أُمُورِهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مُوصِيكَ أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي الْأُمُورِ عَلَى مَا تَرَكْتُهَا عَلَيْهِ، وَلَا تَغَيِّرْهَا، فَإِنَّكَ إِنِ اسْتَمْرَرْتَ بِهَا نُسِبَتْ إِلَيْكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى آخِرِهِ، وَإِنْ غَيَّرْتَهَا وَسَلَكْتَ غَيْرَهَا نُسِبَتْ هِيَ وَالْخَيْرُ الْمُتَقَدِّمُ إِلَيَّ لَا إِلَيْكَ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ نِسْبَةُ الْخَيْرِ إِلَيْكَ، وَإِنْ كُنْتُ أَنَا الْمُشِيرُ بِهَا عَلَيْكَ. فَأَعْجَبَهُ مِنْهُ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى مَا أَوْصَاهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي عَشِيَّةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ مِنَ الْوُزَرَاءِ بِالصَّاحِبِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدَهُ فِيهِمْ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ صُحْبَتِهِ الْوَزِيرَ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: صَاحِبُ ابْنِ الْعَمِيدِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ أَيَّامَ وِزَارَتِهِ، وَقَالَ الصَّابِئُ فِي كِتَابِهِ «التَّاجِيِّ»: إِنَّمَا سَمَّاهُ الصَّاحِبَ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ; لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبُهُ مِنَ الصِّغَرِ، فَكَانَ يُسَمِّيهِ الصَّاحِبَ، فَلَمَّا مَلَكَ وَاسْتَوْزَرَهُ سَمَّاهُ الصَّاحِبَ، فَاشْتُهِرَ بِهِ، وَتَسَمَّى بِهِ الْوُزَرَاءُ بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ قِطْعَةً صَالِحَةً مِنْ مَكَارِمِهِ وَفَضَائِلِهِ وَثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَعَدَّدَ لَهُ مُصَنَّفَاتٍ كَثِيرَةً، مِنْهَا كِتَابُهُ «الْمُحِيطُ» فِي اللُّغَةِ فِي سَبْعِ مُجَلَّدَاتٍ، يَحْتَوِي عَلَى أَكْثَرِ اللُّغَةِ، وَأَوْرَدَ مِنْ شِعْرِهِ أَشْيَاءَ، مِنْهَا قَوْلُهُ وَهُوَ صَنِيعٌ لَطِيفٌ رَقَّ الزُّجَاجُ وَرَقَّتِ الْخَمْرُ … وَتَشَابَهَا فَتَشَاكَلَ الْأَمْرُ فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلَا قَدَحٌ … وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ

стр. 9647

قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ تُوُفِّيَ بِالرَّيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ نَحْوُ سِتِّينَ سَنَةً، وَنُقِلَ إِلَى أَصْبَهَانَ ﵀. الْحَسَنُ بْنُ حَامِدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَامِدٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَدِيبُ، كَانَ شَاعِرًا مُتَمَوِّلًا، كَثِيرَ الْمَكَارِمِ، رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَوْصِلِيِّ، وَعَنْهُ الصُّورِيُّ، وَكَانَ صَدُوقًا، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْمُتَنَبِّيَ فِي دَارِهِ حِينَ قَدِمَ بَغْدَادَ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ النَّفَقَاتِ حَتَّى قَالَ لَهُ الْمُتَنَبِّي: لَوْ كُنْتُ مَادِحًا تَاجِرًا لَمَدَحْتُكَ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا شَاعِرًا مَاهِرًا، فَمِنْ جِيِّدِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: شَرَيْتُ الْمَعَالِيَ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ بِهَا … كَسَادًا وَلَا سُوقًا يَقُامُ لَهَا أُخْرَى وَمَا أَنَا مِنْ أَهْلِ الْمَكَاسِبِ كُلَّمَا … تَوَفَّرَتِ الْأَثْمَانُ كُنْتُ لَهَا أَشْرَى ابْنُ شَاهِينَ الْوَاعِظُ، عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ أَزْدَاذَ، أَبُو حَفْصِ بْنُ شَاهِينَ الْوَاعِظُ الْمَشْهُورُ، سَمِعَ الْكَثِيرَ،

стр. 9648

وَحَدَّثَ عَنِ الْبَاغَنْدِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَالْبَغَوِيِّ وَابْنِ صَاعِدٍ وَخَلْقٍ، وَكَانَ ثِقَةً أَمِينًا يَسْكُنُ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مِنْ بَغْدَادَ وَكَانَتْ لَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْعَدِيدَةُ الْمُفِيدَةُ، ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ صَنَّفَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ مُصَنَّفًا; مِنْ ذَلِكَ «التَّفْسِيرُ» فِي أَلْفِ جُزْءٍ، وَ «الْمُسْنَدُ» فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ جُزْءٍ، وَ «التَّارِيخُ» فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا، وَ «الزُّهْدُ» فِي مِائَةِ جُزْءٍ. تُوُفِّيَ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيِّ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ دِينَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، أُسْتَاذُ هَذِهِ الصَّنَاعَةِ فِي زَمَانِهِ وَقَبْلَهَا بِمُدَّةٍ وَبَعْدَهَا إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَجَمَعَ وَصَنَّفَ، وَأَلَّفَ وَأَجَادَ وَأَفَادَ، وَأَحْسَنَ النَّظَرَ وَالتَّعْلِيلَ، وَالِانْتِقَاءَ وَالِاعْتِقَادَ، وَكَانَ فَرِيدَ عَصْرِهِ، وَنَسِيجَ وَحْدِهِ، وَإِمَامَ أَهْلِ دَهْرِهِ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَصَنَاعَةِ التَّعْلِيلِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَحُسْنِ التَّصْنِيفِ وَالتَّأْلِيفِ، وَاتِّسَاعِ الرِّوَايَةِ، وَالِاطِّلَاعِ التَّامِّ فِي الدِّرَايَةِ، لَهُ كِتَابُ «السُّنَنِ الْكَبِيرِ» الْمَشْهُورِ، مِنْ أَحْسَنِ الْمُصَنَّفَاتِ فِي بَابِهِ، لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَا يُلْحَقُ فِي شَكْلِهِ، إِلَّا مَنِ اسْتَمَدَّ مِنْ بَحْرِهِ، وَعَمِلَ كَعَمَلِهِ، وَلَهُ كِتَابُ «الْعِلَلِ» بَيَّنَ فِيهِ الصَّوَابَ مِنَ

стр. 9649

الزَّلَلِ، وَالْمُتَّصِلَ مِنَ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُعْضَلِ، وَكِتَابُ «الْأَفْرَادِ» الَّذِي لَا يَفْهَمُهُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْظِمَهُ، إِلَّا مَنْ هُوَ مِنَ الْحُفَّاظِ الْأَفْرَادِ، وَالْأَئِمَّةِ النُّقَّادِ، وَالْجَهَابِدَةِ الْجِيَادِ، وَلَهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الَّتِي هِيَ كَالْعُقُودِ فِي الْأَجْيَادِ. وَقَدْ كَانَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ صِغَرِهِ مَوْصُوفًا بِالْحِفْظِ الْبَاهِرِ; جَلَسَ مَرَّةً فِي مَجْلِسِ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارِ، وَهُوَ يُمْلِي عَلَى النَّاسِ الْأَحَادِيثَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ يَنْسَخُ فِي جُزْءِ حَدِيثٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِي أَثْنَاءِ الْمَجْلِسِ: إِنْ سَمَاعَكَ لَا يَصِحُّ وَأَنْتَ تَنْسَخُ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَهْمِي خِلَافُ فَهْمِكَ، أَتَحْفَظُ كَمْ أَمْلَى حَدِيثًا؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: إِنَّهُ أَمْلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا إِلَى الْآنِ، فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْهَا عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ، ثُمَّ سَاقَهَا كُلَّهَا بِأَسَانِيدِهَا وَأَلْفَاظِهَا، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ. وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: لَمْ يَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مَعَ مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ الْعِلْمُ بِالْقِرَاءَاتِ وَالنَّحْوِ وَالْفِقْهِ وَالشِّعْرِ، مَعَ الْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَصِحَّةِ الْعَقِيدَةِ، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً

стр. 9650

وَيَوْمَانِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ بِمَقْبَرَةِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقَدْ رَحَلَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَأَكْرَمَهُ الْوَزِيرُ أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ حِنْزَابَةَ وَزِيرُ كَافُورٍ الْإِخْشِيدِيِّ وَسَاعَدَهُ هُوَ وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ عَلَى إِكْمَالِ «مُسْنَدِهِ» وَحَصَلَ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْهُ مَالٌ جَزِيلٌ، قَالَ: وَالدَّارَقُطْنِيُّ: نِسْبَةٌ إِلَى دَارِ الْقُطْنِ، وَهِيَ مَحَلَّةٌ كَبِيرَةٌ بِبَغْدَادَ. وَقَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْأَحَادِيثِ مِثْلُ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ فِي زَمَانِهِ، وَمُوسَى بْنِ هَارُونَ فِي زَمَانِهِ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي زَمَانِهِ. وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَلْ رَأَى مِثْلَ نَفْسِهِ؟ قَالَ: أَمَّا فِي فَنٍّ وَاحِدٍ فَرُبَّمَا رَأَيْتُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَأَمَّا فِيمَا اجْتَمَعَ فِيَّ مِنَ الْفُنُونِ فَلَا. وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنِ الْأَمِيرِ أَبِي نَصْرِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مَاكُولَا، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي أَسْأَلُ عَنْ حَالِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، فَقِيلَ لِي: ذَاكَ يُدْعَى فِي الْجَنَّةِ الْإِمَامُ،

стр. 9651

﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ. عَبَّادُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبَّادٍ أَبُو الْحَسَنِ الطَّالَقَانِيُّ وَالِدُ الْوَزِيرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّادٍ، سَمِعَ أَبَا خَلِيفَةَ الْفَضْلَ بْنَ الْحُبَابِ وَغَيْرَهُ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ وَالْأَصْفَهَانِيِّينَ وَالرَّازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ عَنْهُ ابْنُهُ الْوَزِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَلِعَبَّادٍ هَذَا كِتَابٌ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَقَدِ اتَّفَقَ مَوْتُهُ وَمَوْتُ ابْنِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ. عُقَيْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدَ، أَبُو الْحَسَنِ الْأَحْنَفُ الْعُكْبَرِيُّ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، لَهُ دِيوَانٌ مُفْرَدٌ، وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ» قَوْلُهُ: أَقْضَى عَلَيَّ مِنَ الْأَجَلْ … عَذْلُ الْعَذُولِ إِذَا عَذَلَ وَأَشَدُّ مِنْ عَذْلِ الْعَذُو … لِ صُدُودُ إِلْفٍ قَدْ وَصَلْ وَأَشَدُّ مِنْ هَذَا وَذَا … طَلَبُ النَّوَالِ مِنَ السَّفَلْ وَمِنْ شَعْرِهِ الْجَيِّدِ أَيْضًا قَوْلُهُ: مَنْ أَرَادَ الْمُلْكَ وَالرَّا … حَةَ مِنْ هَمٍّ طَوِيلٍ

стр. 9652

فَلْيُكَنْ فَرَدًا مِنَ النَّا … سِ وَيَرْضَى بِالْقَلِيلِ وَيَرَى أَنَّ قَلِيلًا … نَافِعًا غَيْرُ قَلِيلِ وَيَرَى بِالْحَزْمِ أَنَّ الْ … حَزْمَ فِي تَرْكِ الْفُضُولِ وَيُدَاوِي مَرَضَ الْوَحْ … دَةِ بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ لَا يُمَارِي أَحَدًا مَا … عَاشَ فِي قَالَ وَقِيلِ يَلْزَمُ الصَّمْتَ فَإِنَّ الصَّ … مْتَ تَهْذِيبُ الْعُقُولِ يَذْرُ الْكِبْرَ لِأَهْلِي … هِ وَيَرْضَى بِالْخُمُولِ أَيُّ عَيْشٍ لِامْرِئٍ يُصْ … بِحُ فِي حَالٍ ذَلِيلِ بَيْنَ قَصْدٍ مِنْ عَدُوٍّ … وَمُدَارَاةِ جَهُولِ وَاعْتِلَالٍ مِنْ صَدِيقٍ … وَتَجَنٍّ مِنْ مَلُولِ وَاحْتِرَاسٍ مِنْ ظُنُونِ السُّو … ءِ مَعْ عَذْلِ الْعَذُولِ وَمُمَاشَاةِ بَغِيضٍ … وَمُقَاسَاةِ ثَقِيلِ أُفِّ مِنْ مَعْرِفَةٍ النَّا … سِ عَلَى كُلِّ سَبِيلِ وَتَمَامُ الْأَمْرِ لَا يَعْ … رِفُ سَمْحًا مِنْ بَخِيلِ فَإِذَا أَكْمَلَ هَذَا كَا … نَ فِي مُلْكٍ جَلِيلِ

стр. 9653

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُكَّرَةَ، أَبُو الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِاللَّهِ، كَانَ شَاعِرًا أَدِيبًا خَلِيعًا ظَرِيفًا، وَكَانَ يَنُوبُ فِي نِقَابَةِ الْهَاشِمِيِّينَ، فَتَرَافَعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ اسْمُهُ عَلَيٌّ وَامْرَأَةٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ يَتَحَاكَمَانِ فِي جَمَلٍ، فَقَالَ: هَذِهِ قَضِيَّةٌ لَا أَحْكُمُ فِيهَا بِشَيْءٍ; لِئَلَّا يَعُودَ الْحَالُ خُدْعَةً. وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ وَلَطِيفِ قَوْلِهِ: فِي وَجْهِ إَنْسَانَةٍ كَلِفْتُ بِهَا … أَرْبَعَةٌ مَا اجْتَمَعْنَ فِي أَحَدِ الْوَجْهُ بَدْرٌ وَالصُّدْغُ غَالِيَةٌ … وَالرِّيقُ خَمْرٌ وَالثَّغْرُ مِنْ بَرَدِ وَمِنْ مُجُونِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ، وَقَدْ دَخَلَ حَمَّامًا، فَسُرِقَ نَعْلُهُ، فَعَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ حَافِيًا، فَقَالَ: إِلَيْكَ أَذُمُّ حَمَّامَ ابْنِ مُوسَى … وَإِنْ فَاقَ الْمُنَى طِيبًا وَحَرَّا تَكَاثَرَتِ اللُّصُوصُ عَلَيْهِ حَتَّى … لَيَحْفَى مَنْ يُطِيفُ بِهِ وَيَعْرَى وَلَمْ أَفْقِدْ بِهِ ثَوْبًا وَلَكِنْ … دَخَلْتُ مُحَمَّدًا وَخَرَجْتُ بِشْرًا

стр. 9654

يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَسْرُورٍ، أَبُو الْفَتْحِ الْقَوَّاسُ سَمِعَ الْبَغَوِيَّ وَابْنَ أَبِي دَاوُدَ وَابْنَ صَاعِدٍ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ الْخَلَّالُ وَالْعُشَارِيُّ وَالتَّنُوخِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَانَ ثِقَةً نَبِيلًا، يُعَدُّ مِنَ الْأَبْدَالِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: كُنَّا نَتَبَرَّكُ بِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. يُوسُفُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ النَّحْوِيُّ بْنُ النَّحْوِيِّ وَهُوَ الَّذِي تَمَّمَ شَرْحَ أَبِيهِ لِكِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَكَانَ يَرْجِعُ إِلَى عِلْمٍ وَدِينٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا عَنْ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.

стр. 9655

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَشَفَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَنْ قَبْرٍ عَتِيقٍ، فَإِذَا هُمْ بِمَيِّتٍ طَرِيٍّ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ وَسَيْفُهُ، فَظَنُّوهُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَأَخْرَجُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَدَفَنُوهُ، وَاتَّخَذُوا عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَوُقِفَتْ عَلَيْهِ أَوْقَافٌ كَثِيرَةٌ، وَجُعِلَ عِنْدَهُ خُدَّامٌ وَقُوَّامٌ وَفُرُشٌ وَتَنْوِيرٌ. وَفِيهَا مَلَكَ الْحَاكِمُ الْعُبَيْدِيُّ بِلَادَ مِصْرَ بَعْدَ أَنْ هَلَكَ أَبُوهُ الْعَزِيزُ بْنُ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيُّ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِذْ ذَاكَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ الْمَمْلَكَةِ مَعَهُ أَرْجُوَانُ الْخَادِمُ، وَأَمِينُ الدَّوْلَةِ الْحَسَنُ بْنُ عَمَّارٍ شَيْخُ كُتَامَةَ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ الْحَاكِمُ قَتَلَهُمَا وَأَقَامَ غَيْرَهُمَا، ثُمَّ قَتَلَ خَلْقًا، حَتَّى اسْتَقَامَ لَهُ الْأَمْرُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْأَمِيرُ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَالْخُطْبَةُ لَهُمْ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَخْتَوَيْهِ، أَبُو حَامِدِ بْنُ أَبِي

стр. 9656

إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي النَّيْسَابُورِيُّ سَمِعَ الْأَصَمَّ وَطَبَقَتَهُ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ مِنْ صِغَرِهِ إِلَى كِبَرِهِ، وَصَامَ فِي عُمُرِهِ سَرْدًا تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَالَ الْحَاكِمُ: وَعِنْدِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَكْتُبْ عَلَيْهِ خَطِيئَةً، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ، صَاحِبُ «قُوتِ الْقُلُوبِ»، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَطِيَّةَ، أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ، الْوَاعِظُ الْمُذَكِّرُ، الزَّاهِدُ الْمُتَعَبِّدُ، الرَّجُلُ الصَّالِحُ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَوَى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ. قَالَ الْعَتِيقِيُّ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، مُجْتَهِدًا فِي الْعِبَادَةِ. وَصَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ «قُوتَ الْقُلُوبِ» وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ لَا أَصْلَ لَهَا، وَكَانَ يَعِظُ النَّاسَ فِي الْجَامِعِ بِبَغْدَادَ. وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْجَبَلِ، وَأَنَّهُ نَشَأَ بِمَكَّةَ وَأَنَّهُ دَخَلَ الْبَصْرَةَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ، فَانْتَمَى إِلَى مَقَالَتِهِ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسُ الْوَعْظِ بِهَا، فَغَلِطَ فِي كَلَامٍ، وَحُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ أَضَرُّ مِنَ الْخَالِقِ، فَبَدَّعَهُ النَّاسُ وَهَجَرُوهُ، وَامْتَنَعَ مِنَ

стр. 9657

الْكَلَامِ عَلَى النَّاسِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا مِمَّنْ يُبِيحُ السَّمَاعَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، فَعَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَنْشَدَ أَبُو طَالِبٍ: فَيَا لَيْلُ كَمْ فِيكَ مِنْ مُتْعَةٍ … وَيَا صُبْحُ لَيْتَكَ لَمْ تَقْرَبِ فَخَرَجَ عَبْدُ الصَّمَدِ مُغْضَبًا. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بِشْرَانَ: دَخَلْتُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ وَهُوَ يَمُوتُ، فَقُلْتُ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: إِذَا خُتِمَ لِي بِخَيْرٍ فَانْثُرْ عَلَى جِنَازَتِي لَوْزًا وَسُكَّرًا، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَعْلَمُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اجْلِسْ عِنْدِي، وَيَدُكَ فِي يَدِي، فَإِنْ قَبَضْتُ عَلَى يَدِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ خُتِمَ لِي بِخَيْرٍ، قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ وَيَدِي فِي يَدِهِ، فَلَمَّا حَانَ فِرَاقُهُ، قَبَضَ عَلَى يَدِيَ قَبْضًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رُفِعَ عَلَى جِنَازَتِهِ، نَثَرْتُ اللَّوْزَ وَالسُّكَّرَ عَلَى نَعْشِهِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ بِالْقُرْبِ مِنْ جَامِعِ الرُّصَافَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْعَزِيزُ صَاحِبُ مِصْرَ نِزَارُ بْنُ الْمُعِزِّ مَعَدٍّ أَبِي تَمِيمٍ، وَيُكَنَّى نِزَارٌ هَذَا بِأَبِي مَنْصُورٍ، وَيُلَقَّبُ بِالْعَزِيزِ، تُوُفِّيَ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، مِنْهَا وِلَايَتُهُ بَعْدَ أَبِيهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً وَخَمْسَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الْحَاكِمُ، وَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي

стр. 9658

تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ الْمُضِلَّةُ الزَّنَادِقَةُ الْحَاكِمِيَّةُ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ أَهْلُ وَادِي التِّيمَ مِنَ الدَّرْزِيَّةِ أَتْبَاعِ هِسْتِكِينَ غُلَامِ الْحَاكِمِ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْكُفْرِ الْمَحْضِ، فَأَجَابُوهُ - لَعَنَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ - أَمَّا الْعَزِيزُ هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَوْزَرَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، يُقَالُ لَهُ: عِيسَى بْنُ نِسْطُورِسَ، وَآخَرَ يَهُودِيًّا اسْمُهُ مِيشَا، فَعَزَّ بِسَبَبِهِمَا أَهْلُ هَاتَيْنِ الْمِلَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى كَتَبَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ قِصَّةً فِي حَاجَةٍ لَهَا، تَقُولُ فِيهَا: بِالَّذِي أَعَزَّ النَّصَارَى بِعِيسَى بْنِ نِسْطُورِسَ، وَالْيَهُودَ بِمِيشَا، وَأَذَلَّ الْمُسْلِمِينَ بِكَ إِلَّا مَا كَشَفَتْ ظُلَامَتِي، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِالْقَبْضِ عَلَى هَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَأَخَذَ مِنَ النَّصْرَانِيِّ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ الَّتِي كَانَتْ زَوْجَةَ الطَّائِعِ لِلَّهِ فَحُمِلَتْ تَرِكَتُهَا إِلَى ابْنِ أَخِيهَا بِهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ فِيهَا جَوْهَرٌ كَثِيرٌ وَتُحَفٌ وَلَطَائِفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 9659

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا تُوُفِّيَ فَخْرُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ وَرُتِّبَ وَلَدُهُ رُسْتُمُ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقَامَ خَوَاصُّ أَبِيهِ بِتَدْبِيرِ الْمَمَالِكِ وَالرَّعَايَا. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ اللُّغَوِيُّ الْعَلَّامَةُ فِي فَنِّهِ وَتَصَانِيفِهِ الْمُفِيدُ فِي اللُّغَةِ وَغَيْرِهَا، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَمِيلُ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَلَمَّا قَدِمَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ هُوَ وَفَخْرُ الدَّوْلَةِ الْبَلْدَةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ - وَقَدْ كَبُرَ وَأَسَنَّ - بَعَثَ إِلَيْهِ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ بِرُقْعَةٍ فِيهَا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: وَلَمَّا أَبَيْتُمْ أَنْ تَزُورُوا وَقُلْتُمُ … ضَعُفْنَا فَمَا نَقْوَى عَلَى الْوَخَدَانِ أَتَيْنَاكُمُ مِنْ بَعْدِ أَرْضٍ نَزُورُكُمُ … فَكَمْ مِنْ مَنْزِلٍ بِكْرٍ لَنَا وَعَوَانِ نُنَاشِدْكُمُ هَلْ مِنْ قِرًى لِنَزِيلِكُمْ … بَطُولِ جِوَارٍ لَا بِمِلْءِ جِفَانِ

стр. 9660

فَكَتَبَ الْعَسْكَرِيُّ الْجَوَابَ فِي ظَهْرِهَا: أَرُومُ نَهُوضًا ثُمَّ يَثْنِي عَزِيمَتِي … تَعَوُّذُ أَعْضَائِي مِنَ الرَّجَفَانِي فَضَمَّنْتُ بَيْتَ ابْنِ الشَّرِيدِ كَأَنَّمَا … تَعَمَّدَ تَشْبِيهِي بِهِ وَعَنَانِي أَهُمُّ بِأَمْرِ الْحَزْمِ لَوْ أَسْتَطِيعُهُ … وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الْعَيْرِ وَالنَّزَوَانِ ثُمَّ تَحَامَلَ وَرَكِبَ بَغْلَتَهُ، وَصَارَ إِلَى الصَّاحِبِ، فَوَجَدَهُ مَشْغُولًا فِي خَيْمَتِهِ بِأُبَّهَةِ الْوِزَارَةِ، فَصَعِدَ أَكَمَةً، ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ: مَا لِي أَرَى الْقُبَّةَ الْفَيْحَاءَ مُقْفَلَةً … دُونِي وَقَدْ طَالَ مَا اسْتَفْتَحْتُ مُقْفَلَهَا كَأَنَّهَا جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مُعْرِضَةً … وَلَيْسَ لِي عَمَلٌ زَاكٍ فَأَدْخُلُهَا فَلَمَّا سَمِعَ الصَّاحِبُ صَوْتَهُ نَادَاهُ: ادْخُلْهَا يَا أَبَا أَحْمَدَ، فَلَكَ السَّابِقَةُ الْأُولَى، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ وَقَدِمْ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. تُوُفِّيَ الْعَسْكَرِيُّ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوَفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ.

стр. 9661

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو الْقَاسِمِ الشَّاهِدُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الثَّلَّاجِ لِأَنَّ جَدَّهُ أَهْدَى لِبَعْضِ الْخُلَفَاءِ ثَلْجًا، فَوَقَعَ مِنْهُ مَوْقِعًا، فَعُرِفَ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ بِالثَّلَّاجِ، وَقَدْ سَمِعَ أَبُو الْقَاسِمِ هَذَا مِنَ الْبَغَوِيِّ وَابْنِ صَاعِدٍ وَابْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَحَدَّثَ عَنِ التَّنُوخِيِّ وَالْأَزْهَرِيِّ وَالْعَتِيقِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدِ اتَّهَمَهُ الْمُحَدِّثُونَ، مِنْهُمُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُرَكِّبُ الْإِسْنَادَ، وَيَضَعُ الْحَدِيثَ عَلَى الرِّجَالِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَجْأَةً. ابْنُ زُولَاقٍ، الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفِ بْنِ رَاشِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زُولَاقٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ الْحَافِظُ صَنَّفَ كِتَابًا فِي قُضَاةِ مِصْرَ، ذَيَّلَ بِهِ عَلَى كِتَابِ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْكِنْدِيِّ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى الْكِنْدِيُّ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَذَيَّلَ ابْنُ زُولَاقٍ مِنَ الْقَاضِي بَكَّارٍ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، مُبَلِّغًا بِهِ أَيَّامَ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَاضِي الْعُبَيْدِيِّينَ، وَأَظُنُّهُ مُصَنِّفَ كِتَابِ «الْبَلَاغِ» الَّذِي انْتَصَبَ فِيهِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ، أَوْ هُوَ مُصَنِّفُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ النُّعْمَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ وَفَاةُ ابْنِ زُولَاقٍ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى

стр. 9662

وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. ابْنُ بَطَّةَ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُكْبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بَطَّةَ، أَحَدُ عُلَمَاءِ الْحَنَابِلَةِ، وَلَهُ الْكُتُبُ وَالتَّصَانِيفُ الْكَثِيرَةُ الْحَافِلَةُ فِي فُنُونٍ مِنَ الْعِلْمِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْبَغَوِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ وَابْنِ صَاعِدٍ وَخَلْقٍ فِي أَقَالِيمَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ; مِنْهُمْ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ وَالْأَزَجِيُّ وَالْبَرْمَكِيُّ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَكَانَ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ رَأَى بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِ اخْتَلَفَتْ عَلَيَّ الْمَذَاهِبُ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَهَبَ إِلَيْهِ لِيُبَشِّرَهُ بِالْمَنَامِ فَحِينَ رَآهُ ابْنُ بَطَّةَ تَبَسَّمَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُخَاطِبَهُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَدْ تَصَدَّى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ لِلْكَلَامِ فِي ابْنِ بَطَّةَ وَالطَّعْنِ فِيهِ; بِسَبَبِ ادِّعَائِهِ سَمَاعَ «السُّنَنِ» لِرَجَاءَ بْنِ مُرَجَّى وَ «مُعْجَمِ الْبَغَوِيِّ»، وَأَسْنَدَ بَعْضَ الْجَرْحِ فِيهِ إِلَى شَيْخِهِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَسَدِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ بُرْهَانَ اللُّغَوِيِّ، فَانْتُدِبَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لِلرَّدِّ عَلَى الْخَطِيبِ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ أَيْضًا، بِسَبَبِ بَعْضِ مَشَايِخِهِ، وَالِانْتِصَارِ لِابْنِ بَطَّةَ، فَحَكَى عَنْ أَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّ ابْنَ بُرْهَانَ كَانَ يَرَى مَذْهَبَ مُرْجِئَةِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَقَالُوا: لِأَنَّ دَوَامَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَتَشَفَّى لَا مَعْنَى لَهُ هُنَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ عَقِيلٍ

стр. 9663

يَرُدُّ عَلَى ابْنِ بُرْهَانَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَكَيْفَ يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ مِثْلِ هَذَا؟! ثُمَّ رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ بَطَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ «الْمُعْجَمَ» مِنَ الْبَغَوِيِّ، قَالَ: وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، قَالَ الْخَطِيبُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بُرْهَانَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ: رَوَى ابْنُ بَطَّةَ عَنِ الْبَغَوِيِّ، عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَالْحَمْلُ فِيهِ عَلَى ابْنِ بَطَّةَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَجَوَابُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وُجِدَ بِخَطِّ ابْنِ بُرْهَانَ أَنَّ مَا حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ مِنَ الْقَدْحِ فِي ابْنِ بَطَّةَ بَاطِلٌ، وَهُوَ شَيْخِي أَخَذْتُ عَنْهُ الْعِلْمَ فِي الْبِدَايَةِ، الثَّانِي: أَنَّ ابْنَ بُرْهَانَ قَدْ تَقَدَّمَ الْقَدْحُ فِيهِ بِمَا خَالَفَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، فَكَيْفَ قَبِلْتَ الْقَوْلَ فِي رَجُلٍ قَدْ حَكَيْتَ عَنْ مَشَايِخِ الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى. عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُدْرَكٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَرْذَعِيُّ رَوَى عَنْ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَتَرَكَ الدُّنْيَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ. فَخْرُ الدَّوْلَةِ عَلِيُّ بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ مَلِكُ بِلَادِ الرَّيِّ وَنَوَاحِيهَا، وَحِينَ مَاتَ أَخُوهُ مُؤَيِّدُ الدَّوْلَةِ، كَتَبَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ بِالْإِسْرَاعِ إِلَيْهِ،

стр. 9664

فَوَلَّاهُ الْمَلِكُ بَعْدَ أَخِيهِ، وَاسْتَوْزَرَ ابْنَ عَبَّادٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ أَخِيهِ مُؤَيِّدِ الدَّوْلَةِ. تُوُفِّيَ عَنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، مِنْهَا مُدَّةَ مُلْكِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَشَرَةُ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَتَرَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا; مِنْ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ مَا يُقَارِبُ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ قِطْعَةٍ، يُقَارِبُ قِيمَتُهَا ثَلَاثَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَوَانِي الذَّهَبِ زِنَتُهُ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْفِضَّةِ زِنَتُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الثِّيَابِ ثَلَاثَةُ آلَافِ حِمْلٍ، وَخِزَانَةُ السِّلَاحِ أَلْفَا حِمْلٍ، وَمِنَ الْفُرُشِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةِ حِمْلٍ، وَمِنَ الْأَمْتِعَةِ مَا يَلِيقُ بِالْمُلُوكِ، وَمَعَ هَذَا لَيْلَةَ تُوُفِّيَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَصُولٌ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا ثَوْبُ رَجُلٍ مِنَ الْمُجَاوِرِينَ فِي الْمَسْجِدِ، وَاشْتَغَلُوا عَنْهُ بِالْمُلْكِ حَتَّى تَمَّ لِوَلَدِهِ رُسْتُمَ مِنْ بَعْدِهِ، فَأَنْتَنَ الْمَلِكُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَرَبَطُوهُ فِي حِبَالٍ وَجَرُّوهُ عَلَى دَرَجِ الْقَلْعَةِ، فَتَقَطَّعَ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. ابْنُ سَمْعُونَ الْوَاعِظُ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونَ الْوَاعِظُ أَحَدُ الصُّلَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: النَّاطِقُ بِالْحِكْمَةِ، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَطَبَقَتِهِ، وَكَانَ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي الْوَعْظِ وَالتَّدْقِيقِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ وَمُكَاشَفَاتٌ، كَانَ يَوْمًا يَعِظُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَحْتَهُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْقَوَّاسِ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْمَشْهُورِينَ، فَنَعَسَ ابْنُ الْقَوَّاسِ، فَأَمْسَكَ ابْنُ سَمْعُونَ عَنِ الْوَعْظِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَحِينَ اسْتَيْقَظَ

стр. 9665

قَالَ ابْنُ سَمْعُونَ: رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِكَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلِهَذَا أَمْسَكْتُ عَنِ الْوَعْظِ حَتَّى لَا أُزْعِجَكَ عَمَّا كُنْتَ فِيهِ. وَكَانَ لِرَجُلٍ ابْنَةٌ مَرِيضَةٌ مُدْنِفَةٌ، فَرَأَى أَبُوهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى ابْنِ سَمْعُونَ لِيَأْتِيَ مَنْزِلَكَ فَيَدْعُوَ لِابْنَتِكَ وَهِيَ تَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَهَبَ إِلَى ابْنِ سَمْعُونَ لِيَأْتِيَ، فَلَمَّا رَآهُ، نَهَضَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَخَرَجَ مَعَهُ، فَظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى مَجْلِسِ وَعْظِهِ، فَقَالَ: أَقُولُ لَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا مَرَّ بِدَارِ الرَّجُلِ دَخَلَ إِلَيْهَا الشَّيْخُ، فَأَحْضَرَ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ، فَدَعَا لَهَا وَانْصَرَفَ، فَبَرِأَتْ مِنْ سَاعَتِهَا. وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الطَّائِعُ لِلَّهِ مَنْ أَحْضَرَهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَخِيفَ عَلَى ابْنِ سَمْعُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخَذَ فِي الْوَعْظِ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ كَلَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَبَكَى الْخَلِيفَةُ حَتَّى سُمِعَ شَهِيقُهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ مُكْرَمٌ، فَقِيلَ لِلْخَلِيفَةِ: رَأَيْنَاكَ طَلَبْتَهُ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَتَنَقَّصُ عَلِيًّا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُعَاقِبَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ عَلَيٍّ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مُوَفَّقٌ، قَدْ كُوشِفَ بِمَا كَانَ فِي خَاطِرِي عَلَيْهِ. وَرَأَى بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى جَانِبِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ﵇، وَهُوَ يَقُولُ: أَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي الْأَحْبَارُ؟ أَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي الرُّهْبَانُ؟ أَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ؟ فَبَيْنَا هُمَا كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ ابْنُ سَمْعُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَفِي أُمَّتِكَ مِثْلُ هَذَا؟ فَسَكَتَ عِيسَى ﵇. كَانَ مَوْلِدُ ابْنِ سَمْعُونَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ
следующие страницы →