← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. أَبُو الطِّيِّبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّعْلُوكِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ: تُوُفِّيَ فِيهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.

стр. 9732

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي سَادِسَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ قُلِّدَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الْمُوسَوِيُّ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ فِي سَائِرِ الْمَمَالِيكِ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ فِي دَارِ الْوَزِيرِ فَخْرِ الْمُلْكِ، بِمَحْضَرِ الْقُضَاةِ وَالْأَعْيَانِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ السَّوَادُ، وَهُوَ أَوَّلُ طَالِبِيٍّ خُلِعَ عَلَيْهِ السَّوَادُ. وَفِيهَا جِيءَ بِأَمِيرِ بَنِي خَفَاجَةَ أَبِي فُلَيْتَةَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ رُءُوسِ قَوْمِهِ أُسَارَى، وَكَانُوا قَدِ اعْتَرَضُوا الْحَجِيجَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَهُمْ رَاجِعُونَ، وَغَوَّرُوا الْمَنَاهِلَ الَّتِي يَرِدُهَا الْحُجَّاجُ، وَوَضَعُوا فِيهَا الْحَنْظَلَ، بِحَيْثُ إِنَّهُ مَاتَ مِنَ الْعَطَشِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَخَذُوا بَقِيَّتَهُمْ، فَجَعَلُوهُمْ رُعَاةً لِمَوَاشِيهِمْ فِي أَسْوَإِ حَالٍ، وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْأَحْمَالِ وَالْجِمَالِ، فَحِينَ أَحْضَرَهُمُ الْوَزِيرُ فَخْرُ الْمُلْكِ سَجَنَهُمْ وَمَنَعَهُمُ الْمَاءَ، ثُمَّ صَلَبَهُمْ تِلْقَاءَ دِجْلَةَ يَرَوْنَ صَفَاءَ الْمَاءِ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى مَاتُوا كَذَلِكَ جَزَاءً وِفَاقًا، وَلَقَدْ أَحْسَنَ فَخْرُ الْمُلْكِ فِي هَذَا الصَّنِيعِ وَاقْتَدَى بِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الرِّعَاءِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ اعْتُقِلُوا فِي بِلَادِ بَنِي خَفَاجَةَ مِنَ الْحُجَّاجِ فَجِيءَ بِهِمْ، وَقَدْ تَزَوَّجَتْ نِسَاؤُهُمْ، وَقُسِمَتْ

стр. 9733

أَمْوَالُهُمْ، فَرُدُّوا إِلَى أَهَالِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي رَمَضَانَ انْقَضَّ كَوْكَبٌ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، غَلَبَ ضَوْءُهُ عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ، وَتَقَطَّعَ قِطَعًا، وَبَقِيَ سَاعَةً طَوِيلَةً. قَالَ: وَفِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَتْ زَوْجَةُ بَعْضِ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى، فَخَرَجَتِ النَّوَائِحُ وَالصُّلُبُ مَعَهَا جَهْرَةً، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْهَاشِمِيِّينَ، فَضَرَبَهُ بَعْضُ غِلْمَانِ ذَلِكَ الرَّئِيسِ النَّصْرَانِيِّ بِدَبُّوسٍ فِي رَأْسِهِ فَشَجَّهُ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَلَجَئُوا إِلَى كَنِيسَةٍ لَهُمْ هُنَاكَ، فَدَخَلَتِ الْعَامَّةُ إِلَيْهَا فَنَهَبُوا مَا فِيهَا وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ دُورِ النَّصَارَى، وَتَتَبَّعُوا النَّصَارَى فِي الْبَلَدِ، وَقَصَدُوا دَارَ الْمُنَاصِحِ وَابْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ، فَقَاتَلَهُمْ غِلْمَانُهُمْ، وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ، وَرَفَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمَصَاحِفَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَعُطِّلَتِ الْجُمُعَةُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، وَاسْتَعَانُوا بِالْخَلِيفَةِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِابْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ فَامْتَنَعَ، فَعَزَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَغْدَادَ وَقَوِيَتِ الْفِتْنَةُ جِدًّا، وَنُهِبَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ مِنَ النَّصَارَى، ثُمَّ أُحْضِرَ ابْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ، فَبَذَلَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، فَعُفِيَ عَنْهُ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَذْكُرُ أَنَّهُ وَرَدَ إِلَيْهِ رَسُولٌ مِنَ الْحَاكِمِ صَاحِبِ مِصْرَ، يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ وَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ، وَأَسْمَعَ رَسُولَهُ غَلِيظَ مَا يُقَالُ. وَفِيهَا قُلِّدَ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَرْوَانَ الْكُرْدِيُّ إِمْرَةَ آمِدَ وَمَيَّافَارِقِينَ وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَخُلِعَ

стр. 9734

عَلَيْهِ بِطَوْقٍ وَسِوَارٍ، وَلُقِّبَ نَصِيرَ الدَّوْلَةِ. وَلَمْ يَتَمَكَّنْ رَكْبُ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الْحَجِّ لِفَسَادِ الطَّرِيقِ، وَغَيْبَةِ فَخْرِ الْمُلْكِ فِي إِصْلَاحِ الْأَرَاضِي. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَتْ مَمْلَكَةُ الْأُمَوِيِّينَ بِالْأَنْدَلُسِ، فَتَوَلَّى فِيهَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ الْأُمَوِيُّ، وَلُقِّبَ بِالْمُسْتَعِينِ بِاللَّهِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ بِقُرْطُبَةَ. وَفِيهَا مَاتَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ أَبُو نَصْرٍ فَيْرُوزُ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ، صَاحِبُ بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ أَبُو شُجَاعٍ. وَفِيهَا مَاتَ مَلِكُ التُّرْكِ الْأَعْظَمُ إِيلَكُ خَانَ، فَوَلِيَ أَمْرَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ طُغَانُ خَانَ. وَفِيهَا هَلَكَ شَمْسُ الْمَعَالِي قَابُوسُ بْنُ وُشْمَكِيرَ; أُدْخِلَ بَيْتًا بَارِدًا فِي الشِّتَاءِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللِّبَاسِ حَتَّى مَاتَ كَذَلِكَ، وَوَلِيَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ مِنُوجِهْرُ، وَلُقِّبَ فَلَكَ الْمَعَالِي، وَخُطِبَ لِمَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، وَقَدْ كَانَ شَمْسُ الْمَعَالِي قَابُوسُ عَالِمًا فَاضِلًا أَدِيبًا شَاعِرًا، فَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: قُلْ لِلَّذِي بِصُرُوفِ الدَّهْرِ عَيَّرَنَا … هَلْ عَانَدَ الدَّهْرُ إِلَّا مَنْ لَهُ خَطَرُ أَمَا تَرَى الْبَحْرَ يَطْفُو فَوْقَهُ جِيَفٌ … وَيَسْتَقِرُّ بِأَقْصَى قَعْرِهِ الدُّرَرُ فَإِنْ تَكُنْ نَشِبَتْ أَيْدِي الْخُطُوبِ بِنَا … وَمَسَّنَا مِنْ تَوَالِي صَرْفِهَا ضَرَرُ فَفِي السَّمَاءِ نُجُومٌ غَيْرُ ذِي عَدَدِ … وَلَيْسَ يَكْسِفُ إِلَّا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ

стр. 9735

وَمِنْ شَعْرِهِ الْمُسْتَجَادِ قَوْلُهُ: خَطِرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَثِيرُ مَوَدَّتِي … فَأُحِسُّ مِنْهَا فِي الْفُؤَادِ دَبِيبًا لَا عُضْوَ لِي إِلَّا وَفِيهِ صَبَابَةٌ … فَكَأَنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبًا وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَتِّيُّ كَانَ يَكْتُبُ لِلْقَادِرِ وَهُوَ بِالْبَطِيحَةِ، ثُمَّ كَتَبَ لَهُ عَلَى دِيوَانِ الْخَبَرِ وَالْبَرِيدِ، وَكَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ حِفْظًا حَسَنًا، مَلِيحَ الصَّوْتِ وَالتِّلَاوَةَ، حَسَنَ الْمُجَالَسَةِ، ظَرِيفَ النَّادِرَةِ وَالْمَجَانَةِ; خَرَجَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ هُوَ وَالشَّرِيفَانِ الرَّضِيُّ وَالْمُرْتَضَى وَجَمَاعَةٌ مِنْ رُءُوسِ الْأَكَابِرِ لِتَلَقِّي بَعْضَ الْمُلُوكِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ اللُّصُوصِ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَهُمْ بِالْحَذَّافَاتِ، وَيَقُولُونَ: يَا أَزْوَاجَ الْقِحَابِ. فَقَالَ الْبَتِّيُّ: مَا خَرَجَ هَؤُلَاءِ عَلَيْنَا إِلَّا بِعَيْنٍ. فَقَالُوا: وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: وَإِلَّا مِنْ أَيْنَ عَلِمُوا أَنَّنَا أَزْوَاجُ قِحَابٍ. الْحَسَنُ بْنُ حَامِدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَرْوَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَرَّاقُ الْحَنْبَلِيُّ كَانَ مُدَرِّسَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَفَقِيهَهُمْ فِي زَمَانِهِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمَشْهُورَةُ، مِنْهَا كِتَابُ «الْجَامِعِ» فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي أَرْبَعِمِائَةِ جُزْءٍ، وَلَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ،

стр. 9736

وَعَلَيْهِ اشْتَغَلَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ، وَكَانَ مُعَظَّمًا فِي النُّفُوسِ، مُقَدَّمًا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ كَسْبِ يَدِهِ مِنَ النَّسْجِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَخَرَجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا عَطِشَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ اسْتَنَدَ هُوَ إِلَى حَجَرٍ هُنَاكَ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ بِقَلِيلٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ حَامِدٍ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ: مَا هَذَا وَقْتُهُ، اشْرَبْ. فَقَالَ: بَلَى، هَذَا وَقْتُهُ عِنْدَ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. فَلَمْ يَشْرَبْ وَمَاتَ مِنْ فَوْرِهِ، ﵀. الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ صَاحِبُ «الْمِنْهَاجِ» فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ، كَانَ أَحَدَ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ، وُلِدَ بِجُرْجَانَ، وَحُمِلَ إِلَى بُخَارَى، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْمُحَدِّثِينَ فِي عَصْرِهِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِبُخَارَى. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: انْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّيَاسَةُ فِيمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَلَهُ وُجُوهٌ حَسَنَةٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَيْرُوزُ، أَبُو نَصْرٍ الْمُلَقَّبُ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ بْنُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ الدَّيْلَمِيُّ صَاحِبُ بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ، وَهُوَ الَّذِي قَبَضَ عَلَى الطَّائِعِ وَوَلَّى الْقَادِرَ، وَكَانَ يُحِبُّ الْمُصَادَرَاتِ، فَجَمَعَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ بَنِي بُوَيْهِ، وَكَانَ بَخِيلًا جِدًّا، تُوُفِّيَ بِأَرَّجَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَتِسْعَةِ أَشْهُرٍ

стр. 9737

وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ مَرَضُهُ بِالصَّرْعِ، وَدُفِنَ بِمُشْهِدِ عَلَيٍّ إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ. قَابُوسُ بْنُ وُشْمَكِيرَ كَانَ أَهْلُ دَوْلَتِهِ قَدْ تَغَيَّرُوا عَلَيْهِ، فَبَايَعُوا وَلَدَهُ مِنُوجِهْرَ، وَقَتَلُوا أَبَاهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَوَادِثِ، وَكَانَ قَدْ نَظَرَ فِي النُّجُومِ فَرَأَى أَنَّ وَلَدَهُ يَقْتُلُهُ، وَكَانَ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ وَلَدَهُ دَارَا; لِمَا يَرَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ لَهُ، وَلَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ مِنُوجِهْرُ; لِمَا يَرَى مِنْ طَاعَتِهِ لَهُ، فَكَانَ هَلَاكُهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ الْحَسَنِ الْجَيِّدِ، فِي الْحَوَادِثِ. الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ رَأْسُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيِّ، وَمِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ كَلَامًا وَتَصْنِيفًا فِي الْكَلَامِ، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ لَا يَنَامُ كُلَّ لَيْلَةٍ حَتَّى يَكْتُبَ عِشْرِينَ وَرَقَةً، فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ عُمُرِهِ. فَانْتَشَرَتْ عَنْهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، مِنْ جَيِّدِهَا كِتَابُ «التَّبْصِرَةِ»، وَ «دَقَائِقُ الْحَقَائِقِ» وَ «التَّمْهِيدُ» فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَ «شَرْحُ الْإِبَانَةِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَجَامِيعِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَمِنْ أَحْسَنِ تَصَانِيفِهِ كِتَابُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَاطِنِيَّةِ، الَّذِي سَمَّاهُ «كَشْفَ الْأَسْرَارِ وَهَتْكَ الْأَسْتَارِ»، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِهِ فِي الْفُرُوعِ; فَقِيلَ: شَافِعِيٌّ. وَقِيلَ: مَالِكِيٌّ. حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ

стр. 9738

أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ عَلَى الْفَتَاوَى: كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْحَنْبَلِيُّ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ كَانَ فِي غَايَةِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ، ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ بَعْثَهُ فِي رِسَالَةٍ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ إِذَا هُوَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ بَابٍ قَصِيرٍ، فَفَهِمَ أَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْحَنِيَ كَهَيْئَةِ الرَّاكِعِ لِلْمَلِكِ، فَدَخَلَ الْبَابَ بِظَهْرِهِ وَجَعَلَ يَمْشِي الْقَهْقَرَى إِلَى نَحْوِ الْمَلِكِ، ثُمَّ انْفَتَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَعَرِفَ الْمَلِكُ مَكَانَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، فَعَظَّمَهُ. وَيُذْكَرُ أَنَّ الْمَلِكَ أَحْضَرَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ آلَةَ الطَّرَبِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأُرْغُلِ، لِيَسْتَفِزَّ عَقْلَهُ بِهَا، فَلَمَّا سَمِعَهَا الْبَاقِلَّانِيُّ خَافَ أَنْ تَظْهَرَ مِنْهُ حَرَكَةٌ نَاقِصَةٌ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ، فَجَعَلَ لَا يَأْلُو جَهْدًا أَنْ جَرَحَ رِجْلَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ الْكَثِيرُ، فَاشْتَغَلَ بِالْأَلَمِ عَنِ الطَّرَبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النَّقْصِ وَالْخِفَّةِ، فَعَجِبَ الْمَلِكُ مِنْ كَمَالِ عَقْلِهِ، ثُمَّ اسْتَكْشَفَ الْمَلِكُ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَرَحَ نَفْسَهُ بِمَا أَشْغَلَهُ عَنِ الطَّرَبِ، فَتَحَقَّقَ وُفُورَ عِلْمِهِ وَعُلُوَّ فَهْمِهِ. وَقَدْ سَأَلَهُ بَعْضُ الْأَسَاقِفَةِ بِحَضْرَةِ مَلِكِهِمْ، فَقَالَ: مَا فَعَلَتْ زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ؟ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا فِيمَا رُمِيَتْ بِهِ مِنَ الْإِفْكِ؟ فَقَالَ مُجِيبًا لَهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ: هُمَا امْرَأَتَانِ ذُكِرَتَا بِسُوءٍ; مَرْيَمُ وَعَائِشَةُ، فَبَرَّأَهُمَا اللَّهُ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَمْ تَأْتِ بِوَلَدٍ، وَأَتَتْ مَرْيَمُ بِوَلَدٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ. يَعْنِي أَنَّ عَائِشَةَ أَوْلَى بِالْبَرَاءَةِ مِنْ مَرْيَمَ ﵉ فَإِنْ تَطَرَّقَ فِي الذِّهْنِ الْفَاسِدِ احْتِمَالٌ إِلَى هَذِهِ فَهُوَ إِلَى تِلْكَ أَسْرَعُ، وَهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُبَرَّأَتَانِ مِنَ السَّمَاءِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ ، ﵄.

стр. 9739

وَقَدْ سَمِعَ الْبَاقِلَّانِيُّ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ مَاسِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ قَبَّلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ يَوْمًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ بَاطِلَهُمْ. وَدَعَا لَهُ. وَكَانَتْ وَفَاةُ الْبَاقِلَّانِيِّ يَوْمَ السَّبْتَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى مَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ. مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو بَكْرٍ الْخُوَارِزْمِيُّ شَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ وَفَقِيهُهُمْ، وَقَدْ أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الرَّازِيِّ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْحَنَفِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ الْمُلُوكِ، وَمِنْ تَلَامِذَتِهِ الرَّضِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَيَقُولُ: دِينُنَا دِينُ الْعَجَائِزِ، لَسْنَا مِنَ الْكَلَامِ فِي شَيْءٍ. وَكَانَ فَصِيحًا حَسَنَ التَّدْرِيسِ. دُعِيَ إِلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ مِنْ دَرْبِ عَبْدَةَ. الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ الْمَعَافِرَيُّ الْقَابِسِيُّ مُصَنِّفُ «التَّلْخِيصِ»، أَصْلُهُ قَرَوِيٌّ، وَإِنَّمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْقَابِسَيُّ; لِأَنَّ عَمَّهُ كَانَ يَتَعَمَّمُ قَابِسِيَّةً، فَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ حَافِظًا بَارِعًا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، رَجُلًا صَالِحًا

стр. 9740

جَلِيلَ الْقَدْرِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَكَفَ النَّاسُ عَلَى قَبْرِهِ لَيَالِيَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَدْعُونَ لَهُ، وَجَاءَ الشُّعَرَاءُ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ يَرْثُونَ وَيَتَرَحَّمُونَ. وَلَمَّا أُجْلِسَ لِلْمُنَاظَرَةِ أَنْشَدَ لِغَيْرِهِ: لَعَمْرُ أَبِيكَ مَا نُسِبَ الْمُعَلَّى … إِلَى كَرَمٍ وَفِي الدُّنْيَا كَرِيمُ وَلَكِنَّ الْبِلَادَ إِذَا اقْشَعَرَّتْ … وَصَوَّحَ نَبْتُهَا رُعِيَ الْهَشِيمُ ثُمَّ بَكَى وَأَبْكَى، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَنَا الْهَشِيمُ، أَنَا الْهَشِيمُ. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَافِظُ بْنُ الْفَرْضِيِّ، أَبُو الْوَلِيدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ نَصْرٍ الْأَزْدِيُّ الْفَرْضِيُّ قَاضِي بَلَنْسِيَةَ سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَجَمَعَ وَحَصَّلَ وَصَنَّفَ «التَّارِيخَ»، وَفِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ وَمُشْتَبَهِ النِّسْبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَّامَةَ زَمَانِهِ، قُتِلَ شَهِيدًا عَلَى يَدِ الْبَرْبَرِ، فَسُمِعَ، وَهُوَ جَرِيحٌ طَرِيحٌ، يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: مَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يُدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ. وَقَدْ كَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ عِنْدَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ، وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:

стр. 9741

الْخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفُ … عَلَى وَجَلٍ مِمَّا بِهِ أَنْتَ عَارِفُ يَخَافُ ذُنُوبًا لَمْ يَغِبْ عَنْكَ غَيْبُهَا … وَيَرْجُوكَ فِيهَا فَهْوَ رَاجٍ وَخَائِفُ وَمَنْ ذَا الَّذِي يُرْجَى سِوَاكَ وَيُتَّقَى … وَمَا لَكَ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ مُخَالِفُ فَيَا سَيِّدِي لَا تُخْزِنِي فِي صَحِيفَتِي … إِذَا نُشِرَتْ يَوْمَ الْحِسَابِ الصَّحَائِفُ وَكُنْ مُؤْنِسِي فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ عِنْدَ مَا .... يَصُدُّ ذَوُوا الْقُرْبَى وَيَجْفُو الْمُؤَالِفُ لَئِنْ ضَاقَ عَنِّي عَفْوُكَ الْوَاسِعُ الَّذِي … أَرَجِّي لِإِسْرَافِي فَإِنِّي تَالِفُ

стр. 9742

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ غُرَّةِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا جَلَسَ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ فِي أُبَّهَةِ الْخِلَافَةِ، وَأُحْضِرَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ فَخْرُ الْمُلْكِ، وَالْحَجَبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ سَبْعَ خِلَعٍ عَلَى الْعَادَةِ، وَعِمَامَةً سَوْدَاءَ، وَسَيْفًا، وَتَاجًا مُرَصَّعًا، وَسِوَارَيْنِ، وَطَوْقًا، وَلِوَاءَيْنِ خَلَعَهُمَا الْخَلِيفَةُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ سَيْفًا، وَقَالَ لِلْخَادِمِ: قَلِّدْهُ بِهِ، فَهُوَ شَرَفٌ لَهُ وَلِعَقِبِهِ، يَفْتَحُ بِهِ شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا. وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمًا مَشْهُودًا بِمَحْضَرٍ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ، وَالْأَمَاثِلِ وَالْأَعْيَانِ وَالْكُبَرَاءِ بِدَارِ الْخِلَافَةِ. وَفِيهَا غَزَا مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، فَفَتَحَ وَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ وَسَلِمَ، وَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَمْلَكَةِ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَفِيهَا عَاثَتْ بَنُو خَفَاجَةَ بِبِلَادِ الْكُوفَةِ فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ نَائِبُهَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَزْيَدٍ فَوَاقَعَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا وَأَسَرَ مُحَمَّدَ بْنَ ثُمَالٍ وَجَمَاعَةً مِنْ رُءُوسِهِمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا حَارَّةً، فَأَهْلَكَتْ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةِ إِنْسَانٍ.

стр. 9743

وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَقْسَاسِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبَغْدَادِيِّ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ زَاهِدًا عَابِدًا، كَثِيرَ الْمُجَاهَدَةِ، لَا يَنَامُ إِلَّا عَنْ غَلَبَةٍ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَلَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ إِلَّا بِالْمَاءِ وَحْدَهُ، ﵀. الْحُسَيْنُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِئُ الضَّرِيرُ الْمُجَاهِدِيُّ قَرَأَ عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ الْقُرْآنَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَكَانَ آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ سَنَةٍ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْفَرَادِيسِ. عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ أَحَدُ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ، صَنَّفَ لِلْقَادِرِ بِاللَّهِ «الرَّدَّ عَلَى الْبَاطِنِيَّةِ»، فَأَجْرَى عَلَيْهِ جِرَايَةً سَنِيَّةً، وَكَانَ يَسْكُنُ دَرْبَ رَبَاحٍ، تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.

стр. 9744

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا مَنَعَ الْحَاكِمُ صَاحِبُ مِصْرَ النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَنَازِلِ، أَوْ أَنْ يَطَّلِعْنَ مِنَ الْأَسْطُحَةِ أَوِ الطَّاقَاتِ، وَمَنَعَ الْخَفَّافِينَ مِنْ عَمَلِ الْأَخْفَافِ لَهُنَّ، وَمَنَعَهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إِلَى الْحَمَّامَاتِ، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنَ النِّسَاءِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَهَدَمَ بَعْضَ الْحَمَّامَاتِ عَلَيْهِنَّ، وَجَهَّزَ عَجَائِزَ كَثِيرَةً يَطُفْنَ فِي الْبُيُوتِ; يَسْتَعْلِمْنَ أَحْوَالَ النِّسَاءِ مَنْ مِنْهُنَّ تَعْشَقُ أَوْ تُعْشَقُ، بِأَسْمَائِهِنَّ وَأَسْمَاءِ مَنْ يَتَعَرَّضُ لَهُنَّ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُنَّ كَذَلِكَ أَطْفَاهَا، وَأَكْثَرَ مِنَ الدَّوَرَانِ فِي اللَّيْلِ فِي الْبَلَدِ فِي طَلَبِ ذَلِكَ، وَغَرَّقَ خَلْقًا مِمَّنْ يَطَّلِعُ عَلَى فِسْقِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَضَاقَ النِّطَاقُ عَلَى النِّسَاءِ وَالْفُسَّاقِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ أَنْ يَصِلَ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا نَادِرًا، حَتَّى إِنَّ امْرَأَةً نَادَتْ قَاضِيَ الْقُضَاةِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ - وَهُوَ مَالِكُ بْنُ سَعِيدٍ الْفَارِقِيُّ - وَحَلَفَتْ بِحَقِّ الْحَاكِمِ لَمَا وَقَفَ لَهَا وَاسْتَمَعَ كَلَامَهَا، فَوَقَفَ لَهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَتْ: إِنَّ لِي أَخًا لَيْسَ لِي غَيْرُهُ وَهُوَ فِي السِّيَاقِ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ لَمَا وَصَّلْتَنِي إِلَيْهِ; لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَرَقَّ لَهَا الْقَاضِي رِقَّةً شَدِيدَةً، وَأَمَرَ رَجُلَيْنِ مَعَهُ أَنْ يَكُونَا مَعَهَا حَتَّى يُبَلِّغَاهَا إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي تُرِيدُهُ، فَأَغْلَقَتْ بَابَهَا، وَأَعْطَتِ الْمِفْتَاحَ جَارَتَهَا، وَذَهَبَتْ حَتَّى وَصَلَتْ مَعَ الرَّجُلَيْنِ إِلَى مَنْزِلٍ، فَطَرَقَتْ وَدَخَلَتْ، وَقَالَتْ لَهُمَا: اذْهَبَا رَاشِدَيْنِ. فَإِذَا هُوَ مَنْزِلُ رَجُلٍ تَهْوَاهُ وَيَهْوَاهَا، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا احْتَالَتْ بِهِ

стр. 9745

مِنَ الْحِيلَةِ عَلَى الْقَاضِي، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَجَاءَ زَوْجُهَا مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، فَوَجَدَ بَابَهُ مُغْلَقًا، فَسَأَلَ عَنْ أَمْرِهَا، فَذُكِرَ لَهُ مَا صَنَعَتْ، فَاسْتَغَاثَ عَلَى الْقَاضِي وَذَهَبَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: مَا أُرِيدُ امْرَأَتِي إِلَّا مِنْكَ، فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَخٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَتْ إِلَى عَشِيقِهَا. فَخَافَ الْقَاضِي مِنْ مَعَرَّةِ هَذَا الْأَمْرِ، فَرَكِبَ إِلَى الْحَاكِمِ وَبَكَى لَدَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا اتَّفَقَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ، فَأَرْسَلَ الْحَاكِمُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَارَا بِهَا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي مَنْ يُحْضِرُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ جَمِيعًا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَا عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُمَا مُتَعَانِقَيْنِ سُكَارَى، فَسَأَلَهُمَا الْحَاكِمُ عَنْ أَمْرِهِمَا، فَأَخَذَا يَعْتَذِرَانِ بِمَا لَا يُجْدِي شَيْئًا، فَأَمَرَ بِتَحْرِيقِ الْمَرْأَةِ فِي بَارِيَّةٍ، وَضَرَبَ الرَّجُلَ بِالسِّيَاطِ ضَرْبًا مُبَرِّحًا. وَازْدَادَ احْتِيَاطُ الْحَاكِمِ عَلَى النِّسَاءِ حَتَّى مَاتَ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا وَلِيَ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَضَاءَ الْحَضْرَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الْأَكْفَانِيِّ. وَفِيهَا عَمَّرَ فَخْرُ الْمُلْكِ مَسْجِدَ الشَّرْقِيَّةِ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ شَبَابِيكَ مِنْ حَدِيدٍ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: بَكْرُ بْنُ شَاذَانَ بْنِ بَكْرٍ، أَبُو الْقَاسِمِ الْمُقْرِئُ الْوَاعِظُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ الشَّافِعِيَّ،

стр. 9746

وَجَعْفَرًا الْخُلْدِيَّ، وَعَنْهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْخَلَّالُ، وَكَانَ ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا عَابِدًا زَاهِدًا، لَهُ قِيَامُ لَيْلٍ، وَكَرِيمُ أَخْلَاقٍ. مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ. بَدْرُ بْنُ حَسْنَوَيْهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَبُو النَّجْمِ الْكُرْدِيُّ، كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ بِنَاحِيَةِ الدِّينَوَرِ وَهَمَذَانَ، لَهُ سِيَاسَةٌ وَصَدَقَةٌ كَثِيرَةٌ، كَنَّاهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَبَا النَّجْمِ، وَلَقَّبَهُ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً وَأَنْفَذَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَتْ أَعْمَالُهُ فِي غَايَةِ الْأَمْنِ، بِحَيْثُ إِذَا أَعْيَا جَمَلُ أَحَدٍ مِنَ الْمُسَافِرِينَ فَتَرَكَهُ بِمَا عَلَيْهِ فِي الْبَرِّيَّةِ، رُدَّ إِلَيْهِ - وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ - بِمَا كَانَ عَلَيْهِ لَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَلَمَّا عَاثَتْ أُمَرَاؤُهُ فِي الْبِلَادِ فَسَادًا عَمِلَ لَهُمْ ضِيَافَةً حَسَنَةً، فَقَدَّمَهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَأْتِهِمْ بِخُبْزٍ، فَجَلَسُوا يَنْتَظِرُونَ الْخُبْزَ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ سَأَلُوا عَنْهُ، فَقَالَ: إِذَا كُنْتُمْ تُهْلِكُونَ الْحَرْثَ، فَمِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ بِخُبْزٍ؟! ثُمَّ قَالَ: لَا أَسْمَعُ بِأَحَدٍ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا أَرَقْتَ دَمَهُ. وَاجْتَازَ مَرَّةً فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ بِرَجُلٍ قَدْ حَمَلَ حُزْمَةَ حَطَبٍ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي كَانَ مَعِي رَغِيفَانِ أُرِيدُ أَنْ أَتَقَوَّتَ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا مِنِّي بَعْضُ الْجُنْدِ. فَقَالَ لَهُ: أَتَعْرِفُهُ إِذَا رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَوَقَفَ بِهِ فِي مَضِيقٍ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ الْجُنْدُ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الرَّغِيفَيْنِ، قَالَ: هَذَا هُوَ. فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَنْ يَحْمِلَ هَذِهِ الْحُزْمَةَ مِنَ الْحَطَّابِ حَتَّى يَبْلُغَ بِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَدِيَ مِنْ ذَلِكَ بِمَالٍ جَزِيلٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، حَتَّى تَأَدَّبَ بِهِ الْجَيْشُ كُلُّهُمْ.

стр. 9747

وَكَانَ يَصْرِفُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ، وَفِي كُلِّ شَهْرٍ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي تَكْفِينِ الْمَوْتَى، وَيَصْرِفُ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ إِلَى عِشْرِينَ نَفْسًا يَحُجُّونَ عَنْ وَالِدَيْهِ وَعَنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ; لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَبَ فِي تَمْلِيكِهِ، وَثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِلَى الْحَدَّادِينَ وَالْحَذَّائِينَ لِلْمُنْقَطِعِينَ بَيْنَ هَمَذَانَ وَبَغْدَادَ، يُصْلِحُونَ لَهُمُ الْأَحْذِيَةَ وَنِعَالَ دَوَابِّهِمْ، وَيَصْرِفُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ إِلَى الْحَرَمَيْنِ صَدَقَةً عَلَى الْمُجَاوِرِينَ، وَعِمَارَةِ الْمَصَانِعِ، وَإِصْلَاحِ الْمِيَاهِ فِي طَرِيقِ الْحِجَازِ، وَإِطْلَاقًا لِأَهْلِ الْمَنَازِلِ، وَحَفْرِ الْآبَارِ وَإِصْلَاحِهَا، وَمَا اجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ بِمَاءٍ جَارٍ إِلَّا بَنَي عِنْدَهُ قَرْيَةً، وَعُمِّرَ فِي أَيَّامِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ وَالْخَانَاتِ مَا يُنَيِّفُ عَلَى أَلْفَيْ مَسْجِدٍ وَخَانٍ، هَذَا كُلُّهُ خَارِجًا عَمَّا يَصْرِفُ مِنْ دِيوَانِهِ مِنَ الْجِرَايَاتِ، وَالنَّفَقَاتِ وَالصَّدَقَاتِ، وَالْبِرِّ وَالصِّلَاتِ، عَلَى أَصْنَافِ النَّاسِ، مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْمُؤَذِّنِينَ، وَالْأَشْرَافِ، وَالشُّهُودِ، وَالْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْأَيْتَامِ، وَالضُّعَفَاءِ. وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الدَّوَابِّ الْمُرْتَبِطَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الْجَشْرِ مَا يُنَيِّفُ عَنْ عِشْرِينَ أَلْفًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَمُدَّةُ إِمَارَتِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِمَشْهَدِ عَلَيٍّ، وَتَرَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ بَدْرَةٍ، وَنَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ بَدْرَةً، الْبَدْرَةُ عَشَرَةُ آلَافٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمَكَانَ، أَبُو عَلِيٍّ الْهَمَذَانِيُّ

стр. 9748

أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ، عُنِيَ أَوَّلًا بِالْحَدِيثِ، فَسَمِعَ شَيْئًا كَثِيرًا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ كَتَبَ بِالْبَصْرَةِ عَنْ نَحْوٍ مِنْ خَمْسِمِائَةِ شَيْخٍ. ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْفِقْهِ عَلَى أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ: كَانَ ضَعِيفًا، لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْحَدِيثِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَكْفَانِيِّ، قَاضِي قُضَاةِ بَغْدَادَ وُلِدَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَرَوَى عَنِ الْقَاضِي الْمَحَامِلِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُخَلَّدٍ وَابْنِ عُقْدَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ الْبَرْقَانِيُّ وَالتَّنُوخِيُّ، يُقَالُ: إِنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَ عَفِيفًا نَزِهَا، صَيِّنَ الْعِرْضِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَلِيَ الْحُكْمَ مِنْهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً نِيَابَةً وَاسْتِقْلَالًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، أَبُو سَعْدٍ الْحَافِظُ الْإِسْتَرَابَاذِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْإِدْرِيسِيِّ، رَحَلَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ، وَعُنِيَ بِهِ، وَسَمِعَ الْأَصَمَّ وَغَيْرَهُ، وَسَكَنَ سَمَرْقَنْدَ وَصَنَّفَ لَهَا تَارِيخًا، وَعَرَضَهُ عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ فَاسْتَحْسَنَهُ، وَحَدَّثَ بِبَغْدَادَ، فَسَمِعَ مِنْهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالتَّنُوخِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. أَبُو نَصْرٍ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ نَبَاتَةَ السَّعْدِيُّ

стр. 9749

الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، امْتَدَحَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَكَابِرِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ، وَشِعْرُهُ الْمَشْهُورُ بِالْجَوْدَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَهُوَ الْقَائِلُ الْبَيْتَ الْمَطْرُوقَ الْمَشْهُورَ: وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ … تَعَدَّدَتِ الْأَسْبَابُ وَالدَّاءُ وَاحِدُ وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: وَإِذَا عَجَزْتَ عَنِ الْعَدُوِّ فَدَارِهِ … وَامْزَحْ لَهُ إِنَّ الْمِزَاحَ وِفَاقُ فَالْمَاءُ بِالنَّارِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهَا … تُعْطِي النِّضَاجَ وَطَبْعُهَا الْإِحْرَاقُ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ﵀. عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو بَكْرٍ الدَّيْنُورِيُّ الْفَقِيهُ السُّفْيَانِيُّ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ كَانَ يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِبَغْدَادَ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ إِلَيْهِ النَّظَرُ فِي الْجَامِعِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ خَلْفَ الْجَامِعِ، ﵀. الْحَاكِمُ النَّيْسَابُورِيُّ صَاحِبُ «الْمُسْتَدْرَكِ» مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ

стр. 9750

بْنِ حَمْدَوَيْهِ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ الْحَكَمِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ الضَّبِّيُّ الْحَافِظُ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْبَيِّعِ، مِنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ لِلْحَدِيثِ، وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَطَوَّفَ فِي الْآفَاقِ، وَصَنَّفَ الْكُتُبَ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ، فَمِنْ ذَلِكَ «الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» وَ «عُلُومُ الْحَدِيثِ» وَ «الْإِكْلِيلُ» وَ «تَارِيخُ نَيْسَابُورَ»، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مَشَايِخُهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالدِّيَانَةِ، وَالصِّيَانَةِ، وَالضَّبْطِ، وَالثِّقَةِ، وَالتَّحَرُّزِ، وَالْوَرَعِ، ﵀، لَكِنْ قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: كَانَ ابْنُ الْبَيِّعِ يَمِيلُ إِلَى التَّشَيُّعِ، فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأُرْمَوِيُّ: قَالَ: جَمَعَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحَادِيثَ زَعَمَ أَنَّهَا صِحَاحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، يُلْزِمُهُمَا إِخْرَاجَهَا فِي «صَحِيحَيْهِمَا»، فَمِنْهَا حَدِيثُ الطَّيْرِ، وَ «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِهِ، وَلَا صَوَّبُوهُ فِي فِعْلِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ: قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثُ الطَّيْرِ لَمْ يُخَرَّجْ فِي «الصَّحِيحِ»، وَهُوَ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: بَلْ مَوْضُوعٌ، لَا يُرْوَى إِلَّا عَنْ سِقَاطِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الْمَجَاهِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُ هَذَا فَهُوَ جَاهِلٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُعَانِدٌ كَذَّابٌ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى الْحَاكِمِ وَهُوَ مُخْتَفٍ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ خَرَجْتَ فَأَمْلَيْتَ حَدِيثًا فِي

стр. 9751

فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ لَاسْتَرَحْتَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ. فَقَالَ: لَا يَجِيءُ مِنْ قَلْبِي، لَا يَجِيءُ مِنْ قَلْبِي. تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ كَجٍّ، أَبُو الْقَاسِمِ الْقَاضِي أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَهُ وُجُوهٌ غَرِيبَةٌ يَحْكِيهَا فِي الْمَذْهَبِ، وَكَانَتْ لَهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِالدِّينَوَرِ لِبَدْرِ بْنِ حَسْنَوَيْهِ، فَلَمَّا تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ بَعْدَ مَوْتِ بَدْرٍ وَثَبَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَيَّارِينَ فَقَتَلُوهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9752

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ، فَسَكَّنَ الْفِتْنَةَ الْوَزِيرُ فَخْرُ الْمُلْكِ، عَلَى أَنْ تَعْمَلَ الرَّوَافِضُ بِدْعَتَهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ تَعْلِيقِ الْمُسُوحِ وَالنَّوْحِ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ وَرَدَ الْخَبَرُ بِوُقُوعِ وَبَاءٍ شَدِيدٍ فِي الْبَصْرَةِ أَعْجَزَ الْحَفَّارِينَ وَالنَّاسَ عَنْ دَفْنِ مَوْتَاهُمْ، وَأَنَّهُ أَظَلَّتِ الْبَلَدَ سَحَابَةٌ فِي حَزِيرَانَ، فَأَمْطَرَتْهُمْ مَطَرًا شَدِيدًا كَثِيرًا. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَالِثِ صَفَرٍ قُلِّدَ الْمُرْتَضَى أَبُو الْقَاسِمِ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ وَالْمَظَالِمَ وَالْحَجَّ، وَجَمِيعَ مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ أَخُوهُ الرَّضِيُّ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْوَزِيرِ فَخْرِ الْمُلْكِ وَالْقُضَاةِ وَالْأَعْيَانِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَفِيهَا وَرَدَ الْخَبَرُ عَنِ الْحَجِيجِ بِأَنَّهُ هَلَكَ مِنْهُمْ بِسَبَبِ الْعَطَشِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَسَلِمَ مِنْهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ، وَأَنَّهُمْ شَرِبُوا أَبْوَالَ الْجِمَالِ مِنَ الْعَطَشِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، فَسَلَكَ بِهِ الْأَدِلَّاءُ عَلَى بِلَادٍ غَرِيبَةٍ، فَانْتَهَوْا إِلَى أَرْضٍ قَدْ غَمَرَهَا الْمَاءُ مِنَ الْبَحْرِ، فَخَاضَ بِنَفْسِهِ الْمَاءَ أَيَّامًا،

стр. 9753

حَتَّى خَلَصُوا بَعْدَ مَا غَرِقَ كَثِيرٌ مِنْ جَيْشِهِ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ. وَلَمْ يَذْهَبِ الرَّكْبُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْعِرَاقِ; لِفَسَادِ الْبِلَادِ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، إِمَامُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَمَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَهُوَ صَغِيرٌ، سَنَةَ ثَلَاثٍ - أَوْ أَرْبَعٍ - وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَدَرَسَ الْفِقْهَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، ثُمَّ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ، وَلَمْ يَزَلْ يَتَرَقَّى بِهِ الْحَالُ حَتَّى صَارَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَظُمَ جَاهُهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَالْعَوَامِّ، وَكَانَ ثِقَةً إِمَامًا فَقِيهًا جَلِيلًا نَبِيلًا، شَرَحَ الْمُزَنِيَّ فِي تَعْلِيقَةٍ حَافِلَةٍ نَحْوٍ مِنْ خَمْسِينَ مُجَلَّدًا، وَلَهُ تَعْلِيقَةٌ أُخْرَى فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: وَرَأَيْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَحَضَرْتُ تَدْرِيسَهُ بِمَسْجِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، فِي صَدْرِ قَطِيعَةِ الرَّبِيعِ، وَحَدَّثَنَا عَنْهُ الْأَزَجِيُّ وَالْخَلَّالُ، وَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ تَدْرِيسَهُ سَبْعُمِائَةِ مُتَفَقِّهٍ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: لَوْ رَآهُ الشَّافِعِيُّ لِفَرَحِ بِهِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ: مَا رَأَيْتُ فِي الشَّافِعِيِّينَ أُفُقَهُ مِنْ أَبِي حَامِدٍ،

стр. 9754

﵀. وَقَدْ ذَكَرْتُ تَرْجَمَتَهُ مُسْتَقْصَاةً فِي «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ»، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ فِي الْوَفِيَّاتِ أَنَّ الْقُدُورِيَّ قَالَ: هُوَ أَفْقَهُ وَأَنْظَرُ مِنَ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلَيْسَ هَذَا مُسَلَّمًا إِلَى الْقُدُورِيِّ; فَإِنَّ أَبَا حَامِدٍ وَأَمْثَالَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّافِعِيِّ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: نَزَلُوا بِمَكَّةَ فِي قَبَائِلِ نَوْفَلٍ … وَنَزَلْتُ بِالْبَيْدَاءِ أَبْعَدَ مَنْزِلِ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ «التَّعْلِيقَةُ الْكُبْرَى»، وَلَهُ كِتَابُ «الْبُسْتَانِ» وَهُوَ صَغِيرٌ، فِيهِ غَرَائِبُ. قَالَ: وَقَدِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الْمُنَاظَرَاتِ، فَأَنْشَأَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَقُولُ: جَفَاءٌ جَرَى جَهْرًا لَدَى النَّاسِ وَانْبَسَطْ … وَعُذْرٌ أَتَى سِرًّا فَأَكَّدَ مَا فَرَطْ وَمَنْ ظَنَّ أَنْ يَمْحُو جَلِيَّ جَفَائِهِ … خَفِيُّ اعْتِذَارٍ فَهْوَ فِي أَعْظَمِ الْغَلَطْ كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ السَّبْتَ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيتْ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ بَعْدَمَا صُلِّيَ عَلَيْهِ بِالصَّحْرَاءِ، وَكَانَ الْجَمْعُ كَثِيرًا وَالْبُكَاءُ غَزِيرًا، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى مَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَبَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9755

أَبُو أَحْمَدَ الْفَرْضِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْفَرْضِيُّ الْمُقْرِئُ سَمِعَ الْمَحَامِلِيَّ وَيُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَكَانَ إِمَامًا ثِقَةً، وَرِعًا، وَقُورًا، كَثِيرَ الْخَيْرِ، يُقْرِئُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ، وَكَانَ مُعَظَّمًا جَلِيلًا; إِذَا قَدِمَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، نَهَضَ إِلَيْهِ حَافِيًا، فَتَلَقَّاهُ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، تُوُفِّيَ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، ﵀. الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ، لَقَّبَهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِالرَّضِيِّ ذِي الْحَسَبَيْنِ، وَلَقَّبَ أَخَاهُ بِالْمُرْتَضَى ذِي الْمَجْدَيْنَ، وَكَانَ نَقِيبَ الطَّالِبِيِّينَ بِبَغْدَادَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا، قَرَأَ الْقُرْآنَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، وَحَفِظَ طَرَفًا جَيِّدًا مِنَ الْفِقْهِ وَفُنُونِ الْعِلْمِ. وَكَانَ شَاعِرًا مُطَبِّقًا، سَخِيًّا جَوَّادًا وَرِعًا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ فِي كَثْرَةِ شِعْرِهِ أَشْعَرَ قُرَيْشٍ. فَمِنْ شِعْرِهِ الْمُسْتَجَادِ قَوْلُهُ:

стр. 9756

اشْتَرِ الْعِزَّ بِمَا شِئْ … تَ فَمَا الْعِزُّ بِغَالِ بِالْقِصَارِ الصُّفْرِ إِنْ شِئْ … تَ أَوِ السُّمْرِ الطِّوَالِ لَيْسَ بِالْمَغْبُونِ عَقْلًا … مَنْ شَرَى عِزًّا بِمَالِ إِنَّمَا يُدَّخَرُ الْمَا … لِ لِحَاجَاتِ الرِّجَالِ وَالْفَتَى مَنْ جَعَلَ الْأَمْ … وَالَ أَثْمَانَ الْمَعَالِي وَمِنْ شَعْرِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا طَائِرَ الْبَانِ غِرِّيدًا عَلَى فَنَنٍ … مَا هَاجَ نَوْحُكَ لِي يَا طَائِرَ الْبَانِ هَلْ أَنْتَ مُبْلِغُ مَنْ هَامَ الْفُؤَادُ بِهِ … إِنَّ الطَّلِيقَ يُؤَدِّي حَاجَةَ الْعَانِي جِنَايَةً مَا جَنَاهَا غَيْرُ مُقْلَتِهِ … يَوْمَ الْوَدَاعِ وَوَاشَوْقِي إِلَى الْجَانِي لَوْلَا تَذَكُّرُ أَيَّامِي بِذِي سَلَمٍ … وَعِنْدَ رَامَةَ أَوَطَارِي وَأَوْطَانِي لَمَّا قَدَحْتُ بِنَارِ الْوَجْدِ فِي كَبِدِي … وَلَا بَلَلْتُ بِمَاءِ الدَّمْعِ أَجْفَانِي وَقَدْ نُسِبَ إِلَى الرَّضِيِّ قَصِيدَةٌ يَتَرَامَى فِيهَا عَلَى الْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ، وَيَوَدُّ أَنْ لَوْ كَانَ بِبَلَدِهِ وَفِي حَوْزَتِهِ، وَيَا لَيْتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ، حَتَّى يَرَى كَيْفَ تَكُونُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، وَلَوْ أَنَّ الْخَلِيفَةَ الْعَبَّاسِيَّ أَجَادَ السِّيَاسَةَ، لَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ لِيَقْضِيَ مُرَادَهُ وَيَعْلَمَ النَّاسُ كَيْفَ حَالُهُ، لَكِنْ حِلْمُ الْعَبَّاسِيِّينَ غَزِيرٌ. يَقُولُ فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ: أَلْبَسُ الذُّلَّ فِي بِلَادِ الْأَعَادِي … وَبِمِصْرَ الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ

стр. 9757

مَنْ أَبُوهُ أَبِي وَمَوْلَاهُ مَوْلَا … يَ إِذَا ضَامَنِي الْبَعِيدُ الْقَصِيُّ لَفَّ عِرْقِي بِعِرْقِهِ سَيِّدُ النَّا … سِ جَمِيعًا مُحَمَّدٌ وَعْلَيُّ إِنَّ خَوْفِي بِذَلِكَ الرَّبْعِ أَمْنٌ … وَأُوَامِي بِذَلِكَ الْوِرْدِ رِيُّ فَلَمَّا سَمِعَ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِأَمْرِ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ انْزَعَجَ، وَبَعَثَ إِلَى أَبِيهِ الشَّرِيفِ الطَّاهِرِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوسَوِيِّ يُعَاتِبُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ الرَّضِيِّ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ، وَالرَّوَافِضُ مِنْ شَأْنِهِمُ التَّقِيَّةُ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: فَإِذَا لَمْ تَكُنْ قُلْتَهَا فَقُلْ أَبْيَاتًا تَذْكُرُ فِيهَا أَنَّ الْحَاكِمَ بِمِصْرَ دَعِيٌّ لَا نَسَبَ لَهُ. فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ مِنْ غَائِلَةِ ذَلِكَ. وَأَصَرَّ عَلَى أَنْ لَا يَقُولَ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبُوهُ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ مِنَ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ، حَتَّى بَعَثَ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيَّ وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ إِلَيْهِمَا، فَأَحْلَفَاهُ بِاللَّهِ وَبِالْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ أَنَّهُ مَا قَالَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. تُوُفِّيَ فِي خَامِسِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ الْوَزِيرُ وَالْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَزِيرُ فَخْرُ الْمُلْكِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ بِمَسْجِدِ الْأَنْبَارِ وَوَلِيَ أَخُوهُ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى مَا كَانَ يَلِيهِ، وَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ مَنَاصِبَ أُخَرَ، وَقَدْ رَثَاهُ أَخُوهُ ﵀، بِمَرْثَاةٍ حَسَنَةِ الْمَطْلَعِ. بَادِيسُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ بُلُكِّينَ بْنِ زِيرِي بْنِ مُنَادٍ الْحِمْيَرِيُّ أَبُو الْمُعِزِّ مُنَادِ بْنِ

стр. 9758

بَادِيسَ، نَائِبُ الْحَاكِمِ عَلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ وَابْنُ نَائِبِهَا، وَلَقَّبَهُ الْحَاكِمُ نَصِيرَ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ ذَا هَيْبَةٍ وَسَطْوَةٍ وَحُرْمَةٍ وَافِرَةٍ، كَانَ إِذَا هَزَّ رُمْحًا كَسَرَهُ. كَانَتْ وَفَاتُهُ بَغْتَةً لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ سَلْخَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ الصَّالِحِينَ دَعَا عَلَيْهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الْمُعِزُّ.

стр. 9759

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، احْتَرَقَ مَشْهَدُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بِكَرْبَلَاءَ وَأَرْوِقَتُهُ، وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ الْقَوْمَةَ أَشْعَلُوا شَمْعَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ، فَمَالَتَا فِي اللَّيْلِ عَلَى التَّأْزِيرِ فَاحْتَرَقَ، وَنَفَذَتِ النَّارُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ أَيْضًا احْتَرَقَتْ دَارُ الْقُطْنِ بِبَغْدَادَ وَأَمَاكِنُ كَثِيرَةٌ بِبَابِ الْبَصْرَةِ وَاحْتَرَقَ جَامِعُ سَامَرَّا. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ وَرَدَ الْخَبَرُ بِتَشْعِيثِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَسُقُوطِ جِدَارٍ بَيْنَ يَدَيْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنَّهُ سَقَطَتِ الْقُبَّةُ الْكَبِيرَةُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهَذَا مِنْ أَغْرَبِ الِاتِّفَاقَاتِ وَأَعْجَبِهَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَتِ الشِّيعَةُ الَّذِينَ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَلَمْ يُتْرَكْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ لَا يُعْرَفُ. وَفِيهَا كَانَ امْتِدَادُ دَوْلَةِ الْعَلَوِيِّينَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَلِيَهَا عَلِيُّ بْنُ حَمُّودِ بْنِ أَبِي الْعَيْشِ الْعَلَوِيُّ، فَدَخَلَ قُرْطُبَةَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَتَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ الْحَكَمِ الْأُمَوِيَّ، وَقَتَلَ أَبَاهُ أَيْضًا، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا، وَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَتَلَقَّبَ بِالْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ قُتِلَ فِي الْحَمَّامِ فِي ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ

стр. 9760

السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ الْقَاسِمُ بْنُ حَمُّودٍ وَتَلَقَّبَ بِالْمَأْمُونِ، فَأَقَامَ فِي الْمُلْكِ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ كَانَ ابْنُ أَخِيهِ يَحْيَى، ثُمَّ إِدْرِيسُ أَخُو يَحْيَى، ثُمَّ مَلَكَ الْأُمَوِيُّونَ، ثُمَّ أَجَانِبُ، حَتَّى مَلَكَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ تَاشِفِينَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ بِلَادَ خُوَارِزْمَ بَعْدَ مَلِكِهَا خُوَارِزْمَ شَاهْ مَأْمُونٍ. وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ أَبُو شُجَاعٍ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ الْفَضْلِ الرَّامَهُرْمُزِيَّ، عِوَضًا عَنْ فَخْرِ الْمُلْكِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ خِلَعِ الْوِزَارَةِ، وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ لِفَسَادِ الْبِلَادِ وَالطُّرُقَاتِ، وَعَيْثِ الْأَعْرَابِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ دُوسْتَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ أَحَدُ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكَانَ يُذَاكِرُ بِحَضْرَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَيَتَكَلَّمُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، فَيُقَالُ: إِنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ تَكَلَّمَ فِيهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي غَيْرِهِ بِمَا لَا يَقْدَحُ فِيهِ كَبِيرَ شَيْءٍ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: رَأَيْتُ كُتُبَهُ كُلَّهَا طَرِيَّةً، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ أُصُولَهُ الْعُتُقَ غَرِقَتْ. وَقَدْ أَمْلَى الْحَدِيثَ مِنْ حَفِظِهِ، وَالْمُخَلِّصُ وَابْنُ شَاهِينَ حَيَّانِ مَوْجُودَانِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.

стр. 9761

الْوَزِيرُ فَخْرُ الْمُلْكِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ، أَبُو غَالِبٍ، كَانَ مِنْ أَهْلِ وَاسِطٍ وَكَانَ أَبُوهُ صَيْرَفِيًّا، فَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ إِلَى أَنْ وَزَرَ لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَاقْتَنَى أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَبَنَى دَارًا عَظِيمَةً تُعْرَفُ بِالْفَخْرِيَّةِ، وَكَانَتْ أَوَّلًا لِلْخَلِيفَةِ الْمُتَّقِي لِلَّهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَةً وَنَفَقَاتٍ غَزِيرَةً، وَكَانَ كَرِيمًا جَوَّادًا بَذَّالًا، كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ، كَسَا فِي يَوْمٍ أَلْفَ فَقِيرٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَرَّقَ الْحَلَاوَةَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَكَانَ فِيهِ مَيْلٌ إِلَى التَّشَيُّعِ، وَقَدْ قَتَلَهُ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْأَهْوَازِ، وَأَخَذَ مِنْ أَمْوَالِهِ شَيْئًا كَثِيرًا; مِنْ ذَلِكَ أَزْيَدُ مِنْ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، خَارِجًا عَنِ الْأَمْلَاكِ وَالْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ قُتِلَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ هَلَاكِهِ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَهُ بَعْضُ غِلْمَانِهِ، فَاسْتَعْدَتِ امْرَأَةُ الرَّجُلِ عَلَيْهِ إِلَى الْوَزِيرِ، وَرَفَعَتْ إِلَيْهِ قِصَصًا، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: أَرَأَيْتَ الْقِصَصَ الَّتِي رَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَلَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، قَدْ رَفَعْتُهَا إِلَى اللَّهِ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ التَّوْقِيعَ عَلَيْهَا. فَلَمَّا مُسِكَ الْوَزِيرُ، قَالَ: قَدْ وَاللَّهِ خَرَجَ تَوْقِيعُ الْمَرْأَةِ. فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.

стр. 9762

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ بِبَغْدَادَ، فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَفِيهَا مَلَكَ أَبُو الْمُظَفَّرِ أَرْسَلَانُ خَانَ بِلَادَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَغَيْرَهَا. وَتَلَقَّبَ بِشَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ طُغَانَ خَانَ، وَقَدْ كَانَ طُغَانُ خَانَ هَذَا دَيِّنًا فَاضِلًا، يُحِبُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَقَدْ غَزَا التُّرْكَ مَرَّةً، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مِائَتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ مِائَةَ أَلْفٍ، وَغَنِمَ مِنْ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَوَانِي الصِّينِ شَيْئًا لَمْ يُعْهَدُ لِأَحَدٍ مِثْلُهُ، فَلَمَّا مَاتَ ظَهَرَتْ مُلُوكُ التُّرْكِ فِي الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ. وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا وَلِيَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُهَذَّبِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ بِلَادَ الْبَطَائِحِ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَاتَلَهُ ابْنُ عَمَّتِهِ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا، وَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فِيهَا حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ آلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ صَاحِبِ بَغْدَادَ.

стр. 9763

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ضَعُفَ أَمْرُ الدَّيْلَمِ بِبَغْدَادَ، وَطَمِعَ فِيهِمُ الْعَامَّةُ، فَنَزَلُوا إِلَى وَاسِطٍ فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا مَعَ التُّرْكِ أَيْضًا. وَفِيهَا وَلِيَ نُورُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْأَغَرِّ دُبَيْسُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ. وَفِيهَا قَدِمَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ وَضُرِبَ الطَّبْلُ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ، وَلَمْ تَجْرِ بِذَلِكَ عَادَةٌ، وَعَقَدَ عَقْدَهُ عَلَى بِنْتِ قِرْوَاشٍ، عَلَى صَدَاقٍ مَبْلَغُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِفَسَادِ الْبِلَادِ، وَعَيْثِ الْأَعْرَابِ، وَضَعْفِ الدَّوْلَةِ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ»: أَخْبَرَنَا سَعْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْبَزَّازُ، أَنْبَأَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرَيْثِيثِيُّ، أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ اسْتَتَابَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فُقَهَاءَ الْمُعْتَزِلَةِ الْحَنَفِيَّةَ، فَأَظْهَرُوا الرُّجُوعَ، وَتَبَرَّءُوا مِنَ الِاعْتِزَالِ وَالرَّفْضِ وَالْمَقَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْإِسْلَامِ، وَأَخَذَ خُطُوطَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ مَتَى خَالَفُوهُ حَلَّ بِهِمْ مِنَ النَّكَالِ وَالْعُقُوبَةِ مَا يَتَّعِظُ بِهِ أَمْثَالُهُمْ، وَامْتَثَلَ يَمِينُ الدَّوْلَةِ وَأَمِينُ الْمِلَّةِ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ أَمْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ فِي أَعْمَالِهِ الَّتِي اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا مِنْ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، فِي قَتْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْجَهْمِيةِ وَالْمُشَبِّهَةِ، وَصَلَبَهُمْ

стр. 9764

وَحَبَسَهُمْ وَنَفَاهُمْ، وَأَمَرَ بِلَعْنِهِمْ عَلَى مَنَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِبْعَادِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَطَرْدِهِمْ عَنْ دِيَارِهِمْ، وَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي الْإِسْلَامِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَاجِبُ الْكَبِيرُ شَبَاشَى أَبُو طَاهِرٍ مَوْلَى شَرَفِ الدَّوْلَةِ، وَلَقَّبَهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِالسَّعِيدِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالْأَوْقَافِ عَلَى وُجُوهِ الْقُرُبَاتِ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَفَ دَبَاهَا عَلَى الْمَارَسْتَانِ، وَكَانَتْ تُغِلُّ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْخَرَاجِ، وَبَنَى قَنْطَرَةَ الْخَنْدَقِ وَالْيَاسِرِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمَّا دُفِنَ بِمَقْبَرَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، أَوْصَى أَنْ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ فَخَالَفُوهُ، فَعَقَدُوا عَلَى قَبْرِهِ قُبَّةً فَسَقَطَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِنَحْوٍ مَنْ سَبْعِينَ سَنَةً، وَاجْتَمَعَ نِسْوَةٌ عِنْدَ قَبْرِهِ يَنُحْنَ وَيَبْكِينَ، فَلَمَّا رَجَعْنَ رَأَتْ عَجُوزٌ مِنْهُنَّ - كَانَتْ هِيَ الْمُقَدَّمَةَ فِيهِنَّ - فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ تُرْكِيًّا خَرَجَ إِلَيْهَا مِنْ قَبْرِهِ وَمَعَهُ دَبُّوسٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا وَزَجَرَهَا، فَإِذَا هُوَ الْحَاجِبُ السَّعِيدُ، فَانْتَبَهَتْ مَذْعُورَةً.

стр. 9765

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ قُرِئَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ فِي الْمَوْكِبِ كِتَابٌ فِي مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَهُوَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ. وَفِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فَاضَ مَاءُ الْبَحْرِ الْمَالِحِ وَوَافَى الْأُبُلَّةَ، وَدَخَلَ الْبَصْرَةَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. وَفِيهَا غَزَا مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، وَتَوَاقَعَ هُوَ وَمَلِكُ مُلُوكِ الْهِنْدِ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا عَظِيمًا، ثُمَّ انْجَلَتْ عَنْ هَزِيمَةِ الْهِنْدِ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا عَظِيمَةً مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِائَتَيْ فِيلٍ، وَاقْتَصُّوا آثَارَ الْمُنْهَزِمِينَ مِنْهُمْ، وَهَدَمُوا مَعَاقِلَ كَثِيرَةً جِدًّا، ثُمَّ عَادَ إِلَى غَزْنَةَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ ذَا السَّعَادَتَيْنِ أَبَا غَالِبٍ الْحَسَنَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ; لِفَسَادِ الْبِلَادِ وَعَيْثِ الْأَعْرَابِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

стр. 9766

رَجَاءُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَنْصِنَاوِيُّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ، يُقَالُ لَهَا: أَنْصِنَا. قَدِمَ بَغْدَادَ فَحَدَّثَ بِهَا، وَسَمِعَ مِنْهُ الْحُفَّاظُ، وَكَانَ ثِقَةً، فَقِيهًا مَالِكِيًّا، عَدْلًا مَقْبُولًا عِنْدَ الْحُكَّامِ، مَرْضِيًّا، فَرْضِيًّا. ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَلَّانَ، أَبُو أَحْمَدَ قَاضِي الْأَهْوَازِ، كَانَ ذَا يُسْرَةٍ كَثِيرَةٍ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ، مِنْهَا كِتَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، جَمَعَ فِيهِ أَلْفَ مُعْجِزَةٍ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ، تُوَفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، أَبُو الْحَسَنِ، مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ صَاحِبُ بِلَادِ الْبَطِيحَةِ، كَانَتْ لَهُ مَكَارِمُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، فَيُؤْوِيهِمْ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَمِنْ أَكْبَرِ مَنَاقِبِهِ فِي ذَلِكَ إِحْسَانُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَادِرِ بِاللَّهِ حِينَ اسْتَجَارَ بِهِ، وَنَزَلَ عِنْدَهُ بِالْبَطَائِحِ فَارًّا مِنَ الطَّائِعِ لِلَّهِ فَآوَاهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ فِي خِدْمَتِهِ حَتَّى وَلِيَ إِمْرَةَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَتْ لَهُ بِهَا عِنْدَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ وَقَدْ وَلِيَ الْبَطَائِحَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَشُهُورًا، وَتُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ عَنْ ثِنْتَيْنِ

стр. 9767

وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ افْتَصَدَ فَانْتَفَخَ زِرَاعُهُ حَتَّى مَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ الْمِصْرِيُّ الْحَافِظُ، كَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ وَفُنُونِهِ، وَلَهُ فِيهِ الْمُصَنَّفَاتُ الْكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ الْحَافِظُ: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَهُ فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَا رَأَيْتُ بِمِصْرَ مِثْلَ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْغَنِيِّ، كَأَنَّهُ شُعْلَةُ نَارٍ. وَجَعَلَ يُفَخِّمُ أَمْرَهُ وَيَرْفَعُ ذِكْرَهُ. وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ هَذَا كِتَابًا فِيهِ أَوْهَامُ الْحَاكِمِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ جَعَلَ يَقْرَؤُهُ عَلَى النَّاسِ، وَيَعْتَرِفُ لِعَبْدِ الْغَنِيِّ بِالْفَضْلِ، وَيَشْكُرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ إِلَى مَا أَصَابَ فِيهِ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وُلِدَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُحَمَّدُ بْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَيُكَنَّى بِأَبِي الْفَضْلِ كَانَ أَبُوهُ قَدْ

стр. 9768

جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَضُرِبَتِ السِّكَّةُ بِاسْمِهِ، وَخَطَبَ لَهُ الْخُطَبَاءُ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَلُقِّبَ بِالْغَالِبِ بِاللَّهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ ذَلِكَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، أَبُو الْفَتْحِ الْبَزَّازُ الطَّرَسُوسِيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْبَصْرِيِّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ عَنِ الْمَشَايِخِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الصُّورِيُّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ أَقَامَ بِهِ، وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَحِمَنَا أَجْمَعِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.

стр. 9769

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، يَذْكُرُ فِيهِ مَا افْتَتَحَهُ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ فِي السَّنَةِ الْخَالِيَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ مَدِينَةً، وَجَدَ بِهَا أَلْفَ قَصْرٍ مُشَيَّدٍ، وَأَلْفَ بَيْتٍ لِلْأَصْنَامِ، وَمَبْلَغُ مَا فِي الصَّنَمِ مِنَ الذَّهَبِ يُقَارِبُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمَبْلَغُ الْأَصْنَامِ الْفِضَّةِ زِيَادَةٌ عَلَى أَلْفِ صَنَمٍ، وَعِنْدَهُمْ صَنَمٌ مُعْظَّمٌ يُؤَرِّخُونَ مُدَّتُهُ بِجَهَالَتِهِمْ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ عَامٍ، وَقَدْ عَمَّ الْمُجَاهِدُونَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ بِالْإِحْرَاقِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الرُّسُومُ، وَبَلَغَ عَدَدُ الْهَالِكِينَ مِنَ الْهِنْدِ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَأُفْرِدَ خُمْسُ الرَّقِيقِ فَبَلَغَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ أَلْفًا، وَاسْتُعْرِضَ مِنَ الْأَفْيَالِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ فِيلًا، وَحُصِّلَ مِنَ الْأَمْوَالِ عِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ جَلَسَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ وَقُرِئَ عَهْدُ الْمَلِكِ أَبِي الْفَوَارِسِ، وَلُقِّبَ قِوَامَ الدَّوْلَةِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِخِلَعٍ حُمِلَتْ إِلَيْهِ بِوِلَايَةِ كَرْمَانَ وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْعِرَاقِ; لِفَسَادِ الْأَعْرَابِ فِي الطُّرُقَاتِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْأُصَيْفِرُ الْمُنْتَفِقِيُّ الَّذِي كَانَ يَخْفِرُ الْحَاجَّ.

стр. 9770

أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ بْنِ فُورَكَ، أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْأَصْبَهَانِيُّ تُوَفِّي فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةِ. هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلَامَةَ، أَبُو الْقَاسِمِ الضَّرِيرُ الْمُقْرِئُ الْمُفَسِّرُ، كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَحْفَظِهِمْ لِلتَّفْسِيرِ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ. رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ قَالَ: كَانَ لَنَا شَيْخٌ نَقْرَأُ عَلَيْهِ، فَمَاتَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَرَآهُ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي. قَالَ: فَمَا كَانَ حَالُكَ مَعَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ؟ قَالَ: لَمَّا أَجْلَسَانِي وَسَأَلَانِي أَلْهَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ قُلْتُ: بِحَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ دَعَانِي. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: قَدْ أَقْسَمَ عَلَيْنَا بِعَظِيمٍ، فَدَعْهُ. فَتَرَكَانِي وَذَهَبَا.
следующие страницы →