← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

رَجَاءُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَنْصِنَاوِيُّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ، يُقَالُ لَهَا: أَنْصِنَا. قَدِمَ بَغْدَادَ فَحَدَّثَ بِهَا، وَسَمِعَ مِنْهُ الْحُفَّاظُ، وَكَانَ ثِقَةً، فَقِيهًا مَالِكِيًّا، عَدْلًا مَقْبُولًا عِنْدَ الْحُكَّامِ، مَرْضِيًّا، فَرْضِيًّا. ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَلَّانَ، أَبُو أَحْمَدَ قَاضِي الْأَهْوَازِ، كَانَ ذَا يُسْرَةٍ كَثِيرَةٍ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ، مِنْهَا كِتَابٌ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ، جَمَعَ فِيهِ أَلْفَ مُعْجِزَةٍ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ، تُوَفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ، أَبُو الْحَسَنِ، مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ صَاحِبُ بِلَادِ الْبَطِيحَةِ، كَانَتْ لَهُ مَكَارِمُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، فَيُؤْوِيهِمْ وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، وَمِنْ أَكْبَرِ مَنَاقِبِهِ فِي ذَلِكَ إِحْسَانُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَادِرِ بِاللَّهِ حِينَ اسْتَجَارَ بِهِ، وَنَزَلَ عِنْدَهُ بِالْبَطَائِحِ فَارًّا مِنَ الطَّائِعِ لِلَّهِ فَآوَاهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ فِي خِدْمَتِهِ حَتَّى وَلِيَ إِمْرَةَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَتْ لَهُ بِهَا عِنْدَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ وَقَدْ وَلِيَ الْبَطَائِحَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَشُهُورًا، وَتُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ عَنْ ثِنْتَيْنِ

стр. 9767

وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ افْتَصَدَ فَانْتَفَخَ زِرَاعُهُ حَتَّى مَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ الْمِصْرِيُّ الْحَافِظُ، كَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ وَفُنُونِهِ، وَلَهُ فِيهِ الْمُصَنَّفَاتُ الْكَثِيرَةُ الشَّهِيرَةُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ الْحَافِظُ: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَهُ فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مَا رَأَيْتُ بِمِصْرَ مِثْلَ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْغَنِيِّ، كَأَنَّهُ شُعْلَةُ نَارٍ. وَجَعَلَ يُفَخِّمُ أَمْرَهُ وَيَرْفَعُ ذِكْرَهُ. وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ هَذَا كِتَابًا فِيهِ أَوْهَامُ الْحَاكِمِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ جَعَلَ يَقْرَؤُهُ عَلَى النَّاسِ، وَيَعْتَرِفُ لِعَبْدِ الْغَنِيِّ بِالْفَضْلِ، وَيَشْكُرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ إِلَى مَا أَصَابَ فِيهِ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وُلِدَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُحَمَّدُ بْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَيُكَنَّى بِأَبِي الْفَضْلِ كَانَ أَبُوهُ قَدْ

стр. 9768

جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَضُرِبَتِ السِّكَّةُ بِاسْمِهِ، وَخَطَبَ لَهُ الْخُطَبَاءُ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَلُقِّبَ بِالْغَالِبِ بِاللَّهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ ذَلِكَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، أَبُو الْفَتْحِ الْبَزَّازُ الطَّرَسُوسِيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْبَصْرِيِّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ عَنِ الْمَشَايِخِ، وَسَمِعَ مِنْهُ الصُّورِيُّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ أَقَامَ بِهِ، وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَحِمَنَا أَجْمَعِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.

стр. 9769

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، يَذْكُرُ فِيهِ مَا افْتَتَحَهُ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ فِي السَّنَةِ الْخَالِيَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ مَدِينَةً، وَجَدَ بِهَا أَلْفَ قَصْرٍ مُشَيَّدٍ، وَأَلْفَ بَيْتٍ لِلْأَصْنَامِ، وَمَبْلَغُ مَا فِي الصَّنَمِ مِنَ الذَّهَبِ يُقَارِبُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمَبْلَغُ الْأَصْنَامِ الْفِضَّةِ زِيَادَةٌ عَلَى أَلْفِ صَنَمٍ، وَعِنْدَهُمْ صَنَمٌ مُعْظَّمٌ يُؤَرِّخُونَ مُدَّتُهُ بِجَهَالَتِهِمْ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ عَامٍ، وَقَدْ عَمَّ الْمُجَاهِدُونَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ بِالْإِحْرَاقِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الرُّسُومُ، وَبَلَغَ عَدَدُ الْهَالِكِينَ مِنَ الْهِنْدِ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَأُفْرِدَ خُمْسُ الرَّقِيقِ فَبَلَغَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ أَلْفًا، وَاسْتُعْرِضَ مِنَ الْأَفْيَالِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ فِيلًا، وَحُصِّلَ مِنَ الْأَمْوَالِ عِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ جَلَسَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ وَقُرِئَ عَهْدُ الْمَلِكِ أَبِي الْفَوَارِسِ، وَلُقِّبَ قِوَامَ الدَّوْلَةِ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِخِلَعٍ حُمِلَتْ إِلَيْهِ بِوِلَايَةِ كَرْمَانَ وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْعِرَاقِ; لِفَسَادِ الْأَعْرَابِ فِي الطُّرُقَاتِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْأُصَيْفِرُ الْمُنْتَفِقِيُّ الَّذِي كَانَ يَخْفِرُ الْحَاجَّ.

стр. 9770

أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ بْنِ فُورَكَ، أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْأَصْبَهَانِيُّ تُوَفِّي فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةِ. هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلَامَةَ، أَبُو الْقَاسِمِ الضَّرِيرُ الْمُقْرِئُ الْمُفَسِّرُ، كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَحْفَظِهِمْ لِلتَّفْسِيرِ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ. رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ قَالَ: كَانَ لَنَا شَيْخٌ نَقْرَأُ عَلَيْهِ، فَمَاتَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَرَآهُ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي. قَالَ: فَمَا كَانَ حَالُكَ مَعَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ؟ قَالَ: لَمَّا أَجْلَسَانِي وَسَأَلَانِي أَلْهَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ قُلْتُ: بِحَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ دَعَانِي. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: قَدْ أَقْسَمَ عَلَيْنَا بِعَظِيمٍ، فَدَعْهُ. فَتَرَكَانِي وَذَهَبَا.

стр. 9771

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا عُدِمَ الْحَاكِمُ الْعُبَيْدِيُّ صَاحِبُ مِصْرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ فُقِدَ الْحَاكِمُ بْنُ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيُّ صَاحِبُ مِصْرَ، فَاسْتَبْشَرَ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا، وَشَيْطَانًا مَرِيدًا، وَلْنَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ الْقَبِيحَةِ، وَسِيرَتِهِ الْمَلْعُونَةِ: كَانَ قَبَّحَهُ اللَّهُ كَثِيرَ التَّلَوُّنِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، جَائِرًا فِي كَيْفِيَّةِ بُلُوغِهِ مَا يَأْمَلُهُ مِنْ ضَمِيرِهِ الْمَلْعُونِ; لِأَنَّهُ كَانَ يَرُومُ أَنْ يَدَّعِيَ الْأُلُوهِيَّةَ كَمَا ادَّعَاهَا فِرْعَوْنُ فِي زَمَانِ مُوسَى، ﵇. وَكَانَ قَدْ أَمَرَ الرَّعِيَّةَ إِذَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنَّ يَقُومَ النَّاسُ عَلَى أَقْدَامِهِمْ صُفُوفًا; إِعْظَامًا لِذِكْرِهِ وَاحْتِرَامًا لِاسْمِهِ، فَكَانَ يُفْعَلُ هَذَا فِي سَائِرِ مَمَالِكِهِ حَتَّى فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَكَانَ أَهْلُ مِصْرَ عَلَى الْخُصُوصِ إِذَا قَامُوا خَرُّوا سُجُودًا، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْجُدُ بِسُجُودِهِمْ مَنْ فِي الْأَسْوَاقِ مِنَ الرَّعَاعِ وَغَيْرِهِمْ.

стр. 9772

وَأَمَرَ فِي وَقْتٍ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ بِالدُّخُولِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ كُرْهًا، ثُمَّ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْعَوْدِ إِلَى أَدْيَانِهِمْ، وَخَرَّبَ الْكَنَائِسَ، ثُمَّ عَمَّرَهَا، وَخَرَّبَ قُمَامَةَ، ثُمَّ أَعَادَهَا، وَابْتَنَى الْمَدَارِسَ وَجَعَلَ فِيهَا الْفُقَهَاءَ وَالْمَشَايِخَ، ثُمَّ قَتَلَهُمْ وَخَرَّبَهَا. وَأَلْزَمَ النَّاسَ بِإِغْلَاقِ الْأَسْوَاقِ نَهَارًا، وَفَتْحِهَا لَيْلًا، فَامْتَثَلُوا ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا، حَتَّى اجْتَازَ مَرَّةً بِشَيْخٍ يَعْمَلُ النِّجَارَةَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَلَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، أَمَا كَانَ النَّاسُ يَسْهَرُونَ لَمَّا كَانُوا يَتَعَيَّشُونَ بِالنَّهَارِ، فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ السَّهَرِ، فَتَبَسَّمَ وَتَرَكَهُ. وَأَعَادَ النَّاسَ إِلَى أَمْرِهِمُ الْأَوَّلِ، وَكُلُّ هَذَا تَغْيِيرٌ لِلرُّسُومِ، وَاخْتِبَارٌ لِطَاعَةِ الْعَامَّةِ، لِيَرْقَى فِي ذَلِكَ إِلَى مَا هُوَ أَطَمُّ مِنْ ذَلِكَ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ الْحِسْبَةَ بِنَفْسِهِ، يَدُورُ فِي الْأَسْوَاقِ عَلَى حِمَارٍ لَهُ، وَكَانَ لَا يَرْكَبُ إِلَّا حِمَارًا، فَمَنْ وَجَدَهُ قَدْ غَشَّ فِي مَعِيشَتِهِ أَمَرَ عَبْدًا أَسْوَدَ مَعَهُ، يُقَالُ لَهُ: مَسْعُودٌ، أَنْ يَفْعَلَ بِهِ الْفَاحِشَةَ الْعُظْمَى جِهَارًا، وَهَذَا أَمْرٌ مُنْكَرٌ مَلْعُونٌ، لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ مَنَعَ النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَنَازِلِهِنَّ، وَقَطَعَ الْأَعْنَابَ حَتَّى لَا يَتَّخِذَ النَّاسُ خَمْرًا، وَمَنَعَهُمْ مِنْ طَبْخِ الْمُلُوخِيَّةٍ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الرَّعُونَاتِ الَّتِي لَا تَنْضَبِطُ وَلَا تَنْحَصِرُ. وَكَانَتِ الْعَامَّةُ مُوتُورِينَ مِنْهُ يُبْغِضُونَهُ كَثِيرًا، وَيَكْتُبُونَ لَهُ الْأَوْرَاقَ الَّتِي فِيهَا الشَّتِيمَةُ الْبَلِيغَةُ لَهُ وَلِأَسْلَافِهِ وَحَرِيمِهِ فِي صُورَةِ قِصَصٍ، فَإِذَا قَرَأَهَا ازْدَادَ حَنَقًا عَلَيْهِمْ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مِصْرَ عَمِلُوا صُورَةَ امْرَأَةٍ مِنْ وَرَقٍ بِخُفَّيْهَا وَإِزَارِهَا، وَفِي يَدِهَا قِصَّةٌ فِيهَا مِنَ الشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَالْمُخَالَفَةِ لَهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا رَآهَا ظَنَّهَا امْرَأَةً، فَذَهَبَ مِنْ نَاحِيَتِهَا، وَأَخَذَ الْقِصَّةَ مِنْ يَدِهَا، فَقَرَأَهَا فَرَأَى مَا فِيهَا، فَأَغْضَبَهُ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَلَمَّا تَحَقَّقَهَا مِنْ وَرَقٍ

стр. 9773

ازْدَادَ أَيْضًا غَضَبًا عَلَى غَضَبِهِ، ثُمَّ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ أَمَرَ الْعَبِيدَ مِنَ السُّودَانِ أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى مِصْرَ فَيُحَرِّقُوهَا وَيَنْهَبُوا مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَرِيمِ، فَذَهَبَتِ الْعَبِيدُ فَامْتَثَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ مِصْرَ قِتَالًا عَظِيمًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالنَّارُ تَعْمَلُ فِي الدُورِ وَالْحَرِيمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، يَخْرُجُ هُوَ بِنَفْسِهِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فَيَقِفُ مِنْ بَعِيدٍ وَيَبْكِي، وَيَقُولُ: مَنْ أَمَرَ هَؤُلَاءِ الْعُبَيْدَ بِهَذَا؟ ثُمَّ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْجَوَامِعِ، وَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ، وَجَأَرُوا إِلَى اللَّهِ ، وَاسْتَغَاثُوا بِهِ، فَرَقَّ لَهُمُ التُّرْكُ وَالْمَشَارِقَةُ، وَانْحَازُوا إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ عَنْ حَرِيمِهِمْ وَدُورِهِمْ، وَتَفَاقَمَ الْحَالُ جِدًّا، ثُمَّ رَكِبَ الْحَاكِمُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - يَفْصِلُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَكَفَّ الْعَبِيدَ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ يُظْهِرُ التَّنَصُّلَ مِنَ الْقِصَّةِ، وَأَنَّ الْعَبِيدَ ارْتَكَبُوا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ وَإِذْنِهِ، وَكَانَ يُنْفِذُ لَهُمُ السِّلَاحَ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ، لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَمَا انْجَلَى الْحَالُ حَتَّى أُحْرِقَ مِنْ مِصْرَ نَحْوٌ مَنْ ثُلُثِهَا، وَنُهِبَ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِهَا، وَسُبِيَتْ حَرِيمُ خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَفُعِلَ بِهِنَّ الْفَوَاحِشُ وَالْمُنْكَرَاتُ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُنَّ مَنْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا خَوْفًا مِنَ الْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ، وَاشْتَرَى الرِّجَالُ مِنْهُمْ مَنْ سُبِيَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَالْحَرِيمِ مِنْ أَيْدِي الْعَبِيدِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ثُمَّ زَادَ ظُلْمُ الْحَاكِمِ، وَعَنَّ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ، فَصَارَ قَوْمٌ مِنَ الْجُهَّالِ إِذَا رَأَوْهُ يَقُولُونَ: يَا وَاحِدُ يَا أَحَدُ، يَا مُحْيِي يَا مُمِيتُ. صِفَةُ مَقْتَلِهِ، لَعَنَهُ اللَّهُ كَانَ قَدْ تَعَدَّى شَرُّهُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى إِلَى أُخْتِهِ، يَتَّهِمُهَا بِالْفَاحِشَةِ، وَيُسْمِعُهَا

стр. 9774

أَغْلَظَ الْكَلَامِ، فَتَبَرَّمَتْ مِنْهُ، وَعَمِلَتْ عَلَى قَتْلِهِ، فَرَاسَلَتْ فِيهِ أَكْبَرَ الْأُمَرَاءِ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ دَوَّاسٍ، فَتَوَافَقَتْ هِيَ وَهُوَ عَلَى قَتْلِهِ، وَتَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ، فَجَهَّزَ مِنْ عِنْدِهِ عَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ مِنْ عَبِيدِهِ شَهْمَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُمَا: إِذَا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَكُونَا بِجَبَلِ الْمُقَطَّمِ، فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يَكُونُ الْحَاكِمُ هُنَاكَ فِي اللَّيْلِ لِيَنْظُرَ فِي النُّجُومِ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلَّا رِكَابِيٌّ وَصَبِيٌّ، فَاقْتُلَاهُ وَاقْتُلَاهُمَا مَعَهُ. وَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى ذَلِكَ وَتَقَرَّرَ، فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ قَالَ الْحَاكِمُ لِأُمِّهِ: عَلَيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَطْعٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ نَجَوْتُ مِنْهُ عَمَّرْتُ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَمَعَ هَذَا فَانْقُلِي حَوَاصِلِي إِلَيْكِ، فَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكِ مِنْ أُخْتِي، فَنَقَلَ حَوَاصِلَهُ إِلَى أُمِّهِ، وَكَانَ لَهُ فِي صَنَادِيقَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَجَوَاهِرُ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا مَوْلَانَا، إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ فَارْحَمْنِي وَلَا تَرْكَبْ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ إِلَى مَوْضِعٍ وَكَانَ يُحِبُّهَا، فَقَالَ: أَفْعَلُ. وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَدُورَ حَوْلَ الْقَصْرِ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَدَارَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقَصْرِ، فَنَامَ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، فَاسْتَيْقَظَ، وَقَالَ: إِنْ لَمْ أَرْكَبِ اللَّيْلَةَ فَاضَتْ نَفْسِي. فَرَكِبَ فَرَسًا وَصَحِبَهُ صَبِيٌّ، وَصَعِدَ الْجَبَلَ الْمُقَطَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ ذَانِكَ الْعَبْدَانِ، فَأَنْزَلَاهُ عَنْ مَرْكُوبِهِ، وَقَطَعَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَبَقَرَا جَوْفَهُ، وَحَمَلَاهُ فَأَتَيَا بِهِ مَوْلَاهُمَا ابْنَ دَوَّاسٍ، فَحَمَلَهُ إِلَى أُخْتِهِ، فَدَفَنَتْهُ فِي مَجْلِسِ دَارِهَا، وَاسْتَدْعَتِ الْأُمَرَاءَ وَالْأَكَابِرَ وَالْوَزِيرَ، وَقَدْ أَطْلَعَتْهُ عَلَى الْحِيلَةِ، فَبَايَعَهُمْ لِوَلَدِ الْحَاكِمِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيٍّ، وَلُقِّبَ بِالظَّاهِرِ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ. وَكَانَ بِدِمَشْقَ، فَاسْتَدْعَتْ بِهِ وَجَعَلَتْ تَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّ الْحَاكِمَ قَالَ لِي: إِنَّهُ يَغِيبُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَعُودُ. فَاطْمَأَنَّ النَّاسُ، وَجَعَلَتْ تُرْسِلُ رِكَابِيِّينَ يَصْعَدُونَ الْجَبَلَ وَيَجِيئُونَ وَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُ بِالْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ. وَيَقُولُ الَّذِينَ بَعْدَهُمْ: تَرَكْنَاهُ فِي

стр. 9775

مَوْضِعِ كَذَا. حَتَّى اطْمَأَنَّ النَّاسُ، وَقَدِمَ ابْنُ أَخِيهَا وَقَدِ اسْتَصْحَبَ مَعَهُ مِنْ تِنِّيسَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَحِينَ وَصَلَ أَلْبَسَتْهُ تَاجَ الْمُعِزِّ جَدِّ أَبِيهِ، وَحُلَّةً عَظِيمَةً، وَأَجْلَسَتْهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَبَايَعَهُ الْأُمَرَاءُ وَالرُّؤَسَاءُ، وَأَطْلَقَ لَهُمُ الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ، وَخَلَعَتْ عَلَى ابْنِ دَوَّاسٍ خِلْعَةً سَنِيَّةً هَائِلَةً، وَعَمِلَتْ عَزَاءَ أَخِيهَا الْحَاكِمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَرْسَلَتْ إِلَى ابْنِ دَوَّاسٍ طَائِفَةً مِنَ الْجُنْدِ لِيَكُونُوا بَيْنَ يَدَيْهِ بِسُيُوفِهِمْ وُقُوفًا فِي خِدْمَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَتْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَنْ يَقُولُوا لَهُ: أَنْتَ قَاتِلُ مَوْلَانَا، ثُمَّ يَهْبُرُونَهُ بِسُيُوفِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَتَلَتْ كُلَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى سِرِّهَا فِي قَتْلِ أَخِيهَا، فَعَظُمَتْ هَيْبَتُهَا، وَقَوِيَتْ حُرْمَتُهَا، وَثَبَتَتْ دَوْلَتُهَا. وَقَدْ كَانَ عُمُرُ الْحَاكِمِ حِينَ قُتِلَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، كَانَتْ مُدَّةُ مُلْكِهِ مِنْ ذَلِكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9776

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا تَوَلَّى الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ السَّمَنَانِيُّ الْحِسْبَةَ وَالْمَوَارِيثَ بِبَغْدَادَ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِالسَّوَادِ. وَفِيهَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمَلِكِ الْكَبِيرِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ: أَنْتَ أَكْبَرُ مُلُوكِ الْأَرْضِ، وَفِي كُلِّ سَنَةٍ تَفْتَحُ طَائِفَةً مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ، وَهَذِهِ طَرِيقُ الْحَجِّ قَدْ تَعَطَّلَتْ مِنْ مُدَّةِ سِنِينَ، وَفَتْحُكَ لَهَا أَوْجَبُ مِنْ غَيْرِهَا. فَتَقَدَّمَ إِلَى قَاضِي الْقُضَاةِ بِعَمَلِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ النَّاصِحِيِّ أَنْ يَكُونَ أَمِيرَ الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ لِلْأَعْرَابِ، غَيْرَ مَا جَهَّزَ مِنَ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْحَرَمَيْنِ، فَسَارَ النَّاسُ صُحْبَتَهُ، فَلَمَّا كَانُوا بِفَيْدَ اعْتَرَضَهُمُ الْأَعْرَابُ، فَصَالَحَهُمُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ النَّاصِحِيُّ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ فَامْتَنَعُوا، وَصَمَّمَ كَبِيرُهُمْ، وَهُوَ جَمَّازُ بْنُ عَدِيٍّ، عَلَى أَخْذِ الْحَجِيجِ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، وَجَالَ جَوْلَةً وَاسْتَنْهَضَ مَنْ مَعَهُ مِنْ شَيَاطِينِ الْعَرَبِ، فَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ غُلَامٌ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَصَلَ إِلَى قَلْبِهِ، فَسَقَطَ مَيِّتًا، وَانْهَزَمَتِ الْأَعْرَابُ، وَسَلَكَ الْحَجِيجُ الطَّرِيقَ، فَحَجُّوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ آمِنِينَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

стр. 9777

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَفْصٍ، أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ الصُّوفِيُّ وَمَالِينُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى هَرَاةَ كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ الرَّحَّالِينَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى الْآفَاقِ، وَكَتَبَ كَثِيرًا، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا صَالِحًا، مَاتَ بِمِصْرَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ رَامِينَ الْقَاضِي، أَبُو مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ نَزَلَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الشَّافِعِيَّةِ، فَاضِلًا صَالِحًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَبُو غَالِبٍ الْوَزِيرُ الْمُلَقَّبُ ذَا السَّعَادَتَيْنِ، وُلِدَ بِسِيرَافَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ حَتَّى وَزَرَ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ قُتِلَ وَصُودِرَ ابْنُهُ عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْغَزَّالُ، سَمِعَ النَّجَّادَ وَالْخُلْدِيَّ وَابْنَ السَّمَّاكِ وَغَيْرَهُمْ. قَالَ الْخَطِيبُ: كَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ شَيْخًا ثِقَةً صَالِحًا كَثِيرَ

стр. 9778

الْبُكَاءِ عِنْدَ الذِّكْرِ. مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، أَبُو بَكْرٍ الْعَنْبَرِيُّ الشَّاعِرُ كَانَ أَدِيبًا ظَرِيفًا، حَسَنَ الشِّعْرِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى الْزَمَا … نِ وَأَهْلِهِ نَظَرًا كَفَانِي فَعَرَفْتُهُ وَعَرَفْتُهُمْ … وَعَرَفْتُ عِزِّيَ مِنْ هَوَانِي فَلِذَاكَ أَطْرَحُ الصَّدِي … قَ فَلَا أَرَاهُ وَلَا يَرَانِي وَزَهِدْتُ فِيمَا فِي يَدَيْ … هِ وَدُونَهُ نَيْلُ الْأَمَانِي فَتَعَجَّبُوا لِمُغَالِبٍ … وَهَبَ الْأَقَاصِيَ لِلْأَدَانِي وَانْسَلَّ مِنْ بَيْنِ الزِّحَا … مِ فَمَا لَهُ فِي الْكَوْنِ ثَانِي قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَ مُتَصَوِّفًا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُمْ، وَذَمَّهُمْ بِقَصَائِدَ ذَكَرْتُهَا فِي «تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ». تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَانِيَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رِزْقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَزَّازُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَزْقَوَيْهِ قَالَ الْخَطِيبُ: هُوَ أَوَّلُ شَيْخٍ كَتَبْتُ عَنْهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ دَرَسَ الْقُرْآنَ، وَدَرَسَ الْفِقْهَ

стр. 9779

عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، كَثِيرَ السَّمَاعِ وَالْكِتَابَةِ، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، جَمِيلَ الْمَذْهَبِ، مُدِيمًا لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، وَمَكَثَ دَهْرًا عَلَى الْحَدِيثِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا أَحَبُّ الدُّنْيَا إِلَّا لِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِي عَلَيْكُمُ الْحَدِيثَ. وَقَدْ بَعَثَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِذَهَبٍ، فَقَبِلُوا كُلُّهُمْ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ مَقْبَرَةِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى النَّيْسَابُورِيُّ رَوَى عَنِ الْأَصَمِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ مَشَايِخُ الْبَغَادِدَةِ، كَالْأَزْهَرِيِّ وَالْعُشَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَرَوَى عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانَتْ لَهُ عِنَايَةٌ بِأَخْبَارِ الصُّوفِيَّةِ، فَصَنَّفَ لَهُمْ تَفْسِيرًا وَسُنَنًا وَتَارِيخًا، وَجَمَعَ شُيُوخًا وَتَرَاجِمَ وَأَبْوَابًا، لَهُ بِنَيْسَابُورَ دَارٌ مَعْرُوفَةٌ، وَفِيهَا صُوفِيَّةٌ، وَبِهَا قَبْرُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ النَّاسِ فِي تَضْعِيفِهِ فِي الرِّوَايَةِ، فَحَكَى عَنِ الْخَطِيبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْقَطَّانِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِثِقَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ سَمِعَ مِنَ الْأَصَمِّ كَثِيرًا، فَلَمَّا مَاتَ الْحَاكِمُ رَوَى عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَكَانَ يَضَعُ لِلصُّوفِيَّةِ الْأَحَادِيثَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ثَالِثِ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 9780

أَبُو عَلِيٍّ، الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ النَّيْسَابُورِيُّ كَانَ يَعِظُ النَّاسَ وَيَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَحْوَالِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَمِنْ كَلَامِهِ: مَنْ تَوَاضَعَ لِأَحَدٍ لِأَجْلِ دُنْيَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ; لِأَنَّهُ خَضَعَ لَهُ بِلِسَانِهِ وَأَرْكَانِهِ، فَلَوْ خَضَعَ لَهُ بِقَلْبِهِ ذَهَبَ دِينُهُ كُلُّهُ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ اذْكُرُونِي وَأَنْتُمْ أَحْيَاءٌ أَذْكُرْكُمْ وَأَنْتُمْ تَحْتَ التُّرَابِ. وَقَالَ: الْبَلَاءُ الْأَكْبَرُ أَنْ تُرِيدَ وَلَا تُرَادُ، وَتَدْنُوَ فَتُرَدَّ إِلَى الْإِبْعَادِ. وَأَنْشَدَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [يُوسُفَ: ٨٤]. جُنِنَّا بِلَيْلَى وَهِيَ جُنَّتْ بِغَيْرِنَا … وَأُخْرَى بِنَا مَجْنُونَةٌ لَا نُرِيدُهَا وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ. إِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ لَا وُصُولَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ لَمْ يَزُلْ؟! صَرِيعُ الدِّلَاءِ الشَّاعِرُ، أَبُو الْحَسَنِ، عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ

стр. 9781

الْفَقِيهُ الْبَغْدَادِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَاجِنُ، الْمَعْرُوفُ بِصَرِيعِ الدِّلَاءِ، قَتِيلُ الْغَوَاشِي ذِي الرَّقَاعَتَيْنِ، لَهُ قَصِيدَةٌ مَقْصُورَةٌ فِي الْهَزْلِ، عَارَضَ بِهَا قَصِيدَةَ أَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ، يَقُولُ فِيهَا: وَأَلْفُ حِمْلٍ مِنْ مَتَاعِ تُسْتَرٍ … أَنْفَعُ لِلْمِسْكِينِ مَنْ لَقَطِ النَّوَى مَنْ طَبَخَ الدِّيكَ وَلَا يَذْبَحُهُ … طَارَ مِنَ الْقِدْرِ إِلَى حَيْثُ انْتَهَى مَنْ دَخَلَتْ فِي عَيْنِهِ مِسَلَّةٌ … فَسَلْهُ مِنْ سَاعَتِهِ كَيْفَ الْعَمَى وَالذَّقَنُ شَعْرٌ فِي الْوُجُوهِ طَالِعٌ … كَذَلِكَ الْعِقْصَةُ مِنْ خَلْفِ الْقَفَا مَنْ أَكَلَ الْكِرْشَ وَلَا يَغْسِلُهُ … سَالَ عَلَى لِحْيَتِهِ شِبْهُ الْخَرَا إِلَى أَنْ خَتْمَهَا بِالْبَيْتِ الَّذِي حُسِدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مَنْ فَاتَهُ الْعِلْمُ وَأَخْطَاهُ الْغِنَى … فَذَاكَ وَالْكَلْبُ عَلَى حَدٍّ سَوَا قَدِمَ مِصْرَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَامْتَدَحَ فِيهَا خَلِيفَتَهَا الظَّاهِرَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ بْنَ الْحَاكِمِ، وَاتَّفَقَتْ وَفَاتُهُ بِهَا فِي رَجَبِ هَذِهِ السَّنَةِ، سَامَحَهُ اللَّهُ.

стр. 9782

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَفِيهَا جَرَتْ كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ، وَمُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَاكِمِ اتَّفَقَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحُجَّاجِ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى أَمْرِ سَوْءٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ طَافَ هَذَا الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ جَاءَ لِيُقَبِّلَهُ، فَضَرَبَهُ بِدَبُّوسٍ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَقَالَ: إِلَى مَتَى يُعْبَدُ هَذَا الْحَجَرَ؟ وَلَا مُحَمَّدٌ وَلَا عَلَيٌّ يَمْنَعُنِي مِمَّا أَفْعَلُهُ، فَإِنِّي أَهْدِمُ الْيَوْمَ هَذَا الْبَيْتَ، وَجَعَلَ يَرْتَعِدُ، فَاتَّقَاهُ أَكْثَرُ الْحَاضِرِينَ، وَتَأَخَّرُوا عَنْهُ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا طِوَالًا جَسِيمًا، أَحْمَرَ اللَّوْنِ، أَشْقَرَ الشَّعْرِ، وَعَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُرْسَانِ وُقُوفٌ لِيَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مَعَهُ خِنْجَرٌ، فَوَجَأَهُ بِهَا، وَتَكَاثَرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَتَلُوهُ وَقَطَّعُوهُ قِطَعًا وَحَرَّقُوهُ، وَتَتَبَّعُوا أَصْحَابَهُ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَنَهَبَتْ أَهْلُ مَكَّةَ رَكْبَ الْمِصْرِيِّينَ، وَتَعَدَّى النَّهْبُ إِلَى غَيْرِهِمْ أَيْضًا، وَجَرَتْ خَبْطَةٌ عَظِيمَةٌ وَفِتْنَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا، ثُمَّ سَكَنَ الْحَالُ بَعْدَ أَنْ تُتُبِّعَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَمَالَئُوا عَلَى الْإِلْحَادِ فِي أَشْرَفِ الْبِلَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الْحَجَرِ ثَلَاثُ فِلَقٍ مِثْلُ الْأَظْفَارِ، وَبَدَا مَا تَحْتَهَا أَسْمَرَ يَضْرِبُ إِلَى صُفْرَةٍ، مُحَبَّبًا مِثْلَ الْخَشْخَاشِ، فَأَخَذَ

стр. 9783

بَنُو شَيْبَةَ تِلْكَ الْفِلَقَ فَعَجَنُوهَا بِالْمِسْكِ وَاللَّكِّ، وَحَشَوْا بِهَا تِلْكَ الشُّقُوقَ الَّتِي بَدَتْ، فَاسْتَمْسَكَ الْحَجْرُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَ الْمَارَسْتَانُ الَّذِي بَنَاهُ الْوَزِيرُ مُؤَيِّدُ الْمُلْكِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ الرُّخَجِيُّ وَزِيرُ شَرَفِ الْمُلْكِ بِوَاسِطٍ، وَرَتَّبَ لَهُ الْخُزَّانَ وَالْأَشْرِبَةَ وَالْعَقَاقِيرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَهُوَ حَسَبُنَا وَنَعِمَ الْوَكِيلُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: ابْنُ الْبَوَّابِ الْكَاتِبُ، عَلِيُّ بْنُ هِلَالٍ، أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَوَّابِ صَاحِبُ الْخَطِّ الْمَنْسُوبِ، صَحِبَ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ سَمْعُونَ الْوَاعِظَ، وَكَانَ يَقُصُّ بِجَامِعِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ أَثْنَى عَلَى ابْنِ الْبَوَّابِ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي دِينِهِ، وَأَمَّا خَطُّهُ وَطَرِيقَتُهُ فَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ، وَخَطُّهُ أَوْضَحُ تَعْرِيبًا مَنْ خَطِّ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ أَكْتَبُ مِنْهُ، وَعَلَى طَرِيقَتِهِ النَّاسُ الْيَوْمَ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ إِلَّا الْقَلِيلَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: تُوُفِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ، وَقَدْ رَثَاهُ بَعْضُهُمْ بِأَبْيَاتٍ مِنْهَا: فَلِلْقُلُوبِ الَّتِي أَبْهَجْتَهَا حَزَنٌ … وَلِلْعُيُونِ الَّتِي أَقْرَرْتَهَا سَهَرُ

стр. 9784

فَمَا لِعَيْشٍ وَقَدْ وَدَّعْتَهُ أَرَجٌ وَمَا لِلَيْلٍ وَقَدْ فَارَقْتَهُ سَحَرُ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ السِّتْرِيِّ. لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مُلَازِمًا لِسِتْرِ الْبَابِ، وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْبَوَّابِ وَكَانَ قَدْ أَخَذَ الْخَطَّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْبَزَّارِ، وَقَدْ سَمِعَ ابْنُ أَسَدٍ هَذَا عَلَى النَّجَّادِ وَغَيْرِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَمَّا ابْنُ الْبَوَّابِ فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَقَدْ رَثَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: اسْتَشْعَرَ الْكُتَّابُ فَقْدَكَ سَالِفًا … وَقَضَتْ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْأَيَّامُ فَلِذَاكَ سُوِّدَتِ الدَّوِيُّ كَآَبَةً … أَسَفًا عَلَيْكَ وَشُقَّتِ الْأَقْلَامُ ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَقِيلَ: إِسْمَاعِيلُ ﵇. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَخَذَهَا مِنْ بِلَادِ الْحِيرَةِ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: أَسْلَمُ بْنُ سِدْرَةَ. وَسُئِلَ عَمَّنِ اقْتَبَسَهَا؟ فَقَالَ: مِنْ وَاضِعِهَا; رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: مُرَامِرُ بْنُ مُرَّةَ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَنْبَارِ. فَأَصْلُ الْكِتَابَةِ فِي الْعَرَبِ مِنَ الْأَنْبَارِ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: وَقَدْ كَانَ لِحِمْيَرَ كِتَابَةٌ يُسَمُّونَهَا الْمُسْنَدَ، وَهِيَ حُرُوفٌ مُتَّصِلَةٌ غَيْرُ مُنْفَصِلَةٍ، وَكَانُوا يَمْنَعُونَ الْعَامَّةَ مِنْ تَعَلُّمِهَا، وَجَمِيعُ كِتَابَاتِ النَّاسِ تَنْتَهِي إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ صِنْفًا; وَهِيَ الْعَرَبِيَّةُ، وَالْحِمْيَرِيَّةُ، وَالْيُونَانِيَّةُ، وَالْفَارِسِيَّةُ، وَالسُّرْيَانِيَّةُ، وَالْعِبْرَانِيَّةُ، وَالرُّومِيَّةُ، وَالْقِبْطِيَّةُ، وَالْبَرْبَرِيَّةُ، وَالْهِنْدِيَّةُ، وَالْأَنْدَلُسِيَّةُ، وَالصِّينِيَّةُ. وَقَدِ انْدَرَسَ كَثِيرٌ مِنْهَا، فَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُ كَثِيرًا مِنْهَا.

стр. 9785

عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْفَارِسِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالسُّكَّرِيِّ، الشَّاعِرُ، وَكَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَيَعْرِفُ الْقِرَاءَاتِ، وَصَحِبَ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيَّ، وَأَكْثَرُ شَعْرِهِ فِي مَدِيحِ الصَّحَابَةِ وَذَمِّ الرَّافِضَةِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ قَبْرِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ وَقَدْ أَوْصَى أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ الَّتِي عَمِلَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: نَفْسُ يَا نَفْسُ كَمْ تَمَادَيْنَ فِي الْغَيِّ … وَتَأْتِينَ فِي الْفِعَالِ الْمَعِيبِ رَاقِبِي اللَّهَ وَاحْذَرِي مَوْقِفَ الْعَرْ … ضِ وَخَافِي يَوْمَ الْحِسَابِ الْعَصِيبِ لَا تَغُرَّنَّكِ السَّلَامَةُ فِي الْعَيْ … شِ فَإِنَّ السَّلِيمَ رَهْنُ الْخُطُوبِ كُلُّ حَيٍّ فَلِلْمَنُونِ وَلَا يَدْ … فَعُ كَأْسَ الْمَنُونِ كَيْدُ الْأَرِيبِ وَاعْلَمِي أَنْ لِلْمَنِيَّةِ وَقْتًا … سَوْفَ يَأْتِي عَجْلَانَ غَيْرَ هَيُوبِ إِنَّ حُبَّ الصَّدِيقِ فِي مَوْقِفِ الْحَشْ … رِ أَمَانٌ لِلْخَائِفِ الْمَطْلُوبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، أَبُو جَعْفَرٍ، الْبَيِّعُ وَيُعْرَفُ بِالْعَتِيقِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَقَامَ بِطَرَسُوسَ مُدَّةً، وَسَمِعَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، وَحَدَّثَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9786

مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمُعَلِّمِ شَيْخُ الْإِمَامِيَّةِ الرَّافِضَةِ، وَالْمُصَنِّفُ لَهُمْ، وَالْمُحَامِي عَنْ حَوْزَتِهِمْ، كَانَتْ لَهُ وَجَاهَةٌ عِنْدَ مُلُوكِ الْأَطْرَافِ، لِمَيْلِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ إِلَى التَّشَيُّعِ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ يَحْضُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ تَلَامِيذِهِ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى وَقَدْ رَثَاهُ بِقَصِيدَةٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ: مَنْ لِفَضْلٍ أَخْرَجْتَ مِنْهُ حُسَامَا … وَمَعَانٍ فَضَضْتَ عَنْهَا خِتَامَا مَنْ يُثِيرُ الْعُقُولَ مِنْ بَعْدِ مَا … كُنَّ هُمُودًا وَيَفْتَحُ الْأَفْهَامَا مَنْ يُعِيرُ الصَّدِيقَ رَأْيًا إِذَا مَا … سَلَّهُ فِي الْخُطُوبِ كَانَ حُسَامًا

стр. 9787

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا قَدِمَ الْمَلِكُ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ فَخَرَجَ الْخَلِيفَةُ فِي الطَّيَّارِ لِتَلَقِّيهِ، وَصَحِبَتْهُ الْأُمَرَاءُ وَالْقُضَاةُ وَالْفُقَهَاءُ وَالْوُزَرَاءُ وَالرُّؤَسَاءُ، فَلَمَّا وَاجَهَهُمُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ قَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ مَرَّاتٍ وَالْجَيْشُ وَاقِفٌ بِرُمَّتِهِ، وَالْعَامَّةُ فِي الْجَانِبَيْنِ وَالْخَلِيفَةُ يَبْعَثُ الرُّسُلَ إِلَيْهِ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَفِيهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ بِلَادَ الْهِنْدِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ فَتَحَ بِلَادًا، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ صَالَحَهُ بَعْضُ مُلُوكِهِمْ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِهَدَايَا سَنِيَّةٍ، فِيهَا فُيُولٌ عَدِيدَةٌ، وَمِنْهَا طَائِرٌ عَلَى هَيْئَةِ الْقُمْرِيِّ، إِذَا وُضِعَ عِنْدَ الْخِوَانِ وَفِيهِ سُمٌّ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَجَرَى مِنْهُمَا مَاءٌ، وَتَحَجَّرَ، وَيُحَكُّ وَيُؤْخَذُ مَا تَحَصَّلَ مِنْهُ، فَيُطْلَى بِهِ الْجِرَاحَاتُ ذَوَاتُ الْأَفْوَاهِ الْوَاسِعَةِ فَيَلْحُمُهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَحَجَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَكِنْ رَجَعُوا عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ لِاحْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 9788

وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلَانَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ وَزِيرُ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى سُورَ الْحَائِرِ عِنْدَ مَشْهَدِ الْحُسَيْنِ، قُتِلَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَشْفُلِيُّ الطَّبَرِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ، وَكَانَ فَهْمًا فَاضِلًا صَالِحًا زَاهِدًا، وَهُوَ الَّذِي دَرَّسَ بَعْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ فِي مَسْجِدِهِ، مَسْجِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فِي قَطِيعَةِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ الطَّلَبَةُ عِنْدَهُ مُكَرَّمِينَ، اشْتَكَى بَعْضُهُمْ إِلَيْهِ حَاجَةً، وَأَنَّهُ قَدْ تَأَخَرَّتْ عَنْهُ نَفَقَتُهُ الَّتِي تَرِدُ إِلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، وَذَهَبَ إِلَى بَعْضِ التُّجَّارِ بِقَطِيعَةِ الرَّبِيعِ، فَاسْتَقْرَضَ لَهُ مِنْهُ خَمْسِينَ دِينَارًا، فَقَالَ التَّاجِرُ: حَتَّى تَأْكُلَ شَيْئًا. وَمَدَّ سِمَاطًا، فَأَكَلُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا جَارِيَةُ هَاتِي الْمَالَ. فَأَحْضَرَتْ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ، فَوَزَنَ مِنْهُ خَمْسِينَ دِينَارًا، وَدَفَعَهَا إِلَى الشَّيْخِ، فَلَمَّا قَامَا إِذَا بِوَجْهِ ذَلِكَ الْفَقِيهِ قَدْ تَغَيَّرَ. فَقَالَ لَهُ الْكَشْفُلِيُّ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، قَدْ سَكَنَ قَلْبِي حُبُّ هَذِهِ الْجَارِيَةِ. فَرَجَعَ بِهِ إِلَى التَّاجِرِ، فَقَالَ: قَدْ وَقَعْنَا فِي فِتْنَةٍ أُخْرَى. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْفَقِيهَ قَدْ هَوَى الْجَارِيَةَ. فَأَمَرَ التَّاجِرُ أَنْ تَخْرُجَ،

стр. 9789

فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: رُبَّمَا يَكُونُ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِنْهُ مِثْلُ الَّذِي قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ مِنْهَا. فَلَمَّا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ قَدِمَتْ عَلَى الْفَقِيهِ النَّفَقَةُ مِنْ أَبِيهِ سِتُّمِائَةِ دِينَارٍ، فَوَفَّى التَّاجِرَ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ وَالْقَرْضِ، وَذَلِكَ بِسِفَارَةِ الشَّيْخِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ. عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَهْضَمٍ، أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ الْمَكِّيُّ صَاحِبُ «بَهْجَةِ الْأَسْرَارِ»، كَانَ شَيْخَ الصُّوفِيَّةِ بِمَكَّةَ، وَبِهَا تُوُفِّيَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَذَّابًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي وَضَعَ حَدِيثَ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ. الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ الْبَصْرِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ ثِقَةً أَمِينًا، وَهُوَ رَاوِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيِّ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَبُو الْفَرَجِ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ سُمَيْكَةَ، رَوَى عَنِ النَّجَّادِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ.

стр. 9790

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، أَبُو جَعْفَرٍ النَّسَفِيُّ، عَالِمُ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَلَهُ طَرِيقَةٌ فِي الْخِلَافِ، وَكَانَ فَقِيرًا مُتَزَهِّدًا، بَاتَ لَيْلَةً قَلِقًا لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، فَعَرَضَ لَهُ فِكْرٌ فِي فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ كَانَ أَشْكَلَ عَلَيْهِ، فَانْفَتَحَ لَهُ، فَقَامَ يَرْقُصُ وَيَقُولُ: أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؟ فَسَأَلَتْهُ امْرَأَتُهُ عَنْ خَبَرِهِ، فَأَعْلَمَهَا بِمَا حَصَلَ لَهُ، فَتَعَجَّبَتْ مِنْ شَأْنِهِ، ﵀. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سَعْدَانَ، أَبُو الْفَتْحِ الْحَفَّارُ سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارَ وَالنَّجَّادَ وَابْنَ السَّمَّاكِ وَابْنَ الصَّوَّافِ، وَكَانَ ثِقَةً. تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً، ﵀ وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ.

стр. 9791

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا أَلْزَمَ الْوَزِيرُ جَمَاعَةً مِنَ الْأَتْرَاكِ وَالْمُوَلَّدِينَ وَالشَّرِيفَ الْمُرْتَضَى وَنِظَامَ الْحَضْرَةِ أَبَا الْحَسَنِ الزَّيْنَبِيَّ وَقَاضِيَ الْقُضَاةِ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ أَبِي الشَّوَارِبِ وَالشُّهُودَ، بِالْحُضُورِ لِتَجْدِيدِ الْبَيْعَةِ لِمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ تَوَهَّمَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْبَيْعَةُ لِنِيَّةٍ فَاسِدَةٍ مِنْ أَجْلِهِ، فَبَعَثَ إِلَى الْقَاضِي وَالرُّؤَسَاءِ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْحُضُورِ، فَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ، ثُمَّ اصْطَلَحَا وَتَصَافَيَا، وَجُدِّدَتِ الْبَيْعَةُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ. وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ رَكْبِ خُرَاسَانَ أَحَدٌ، وَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ مِنْ جِهَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ شَهِدَ الْمَوْسِمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ صَاحِبُ مِصْرَ بِخِلَعٍ عَظِيمَةٍ لِيَحْمِلَهَا لِلْمَلِكِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ، فَلَمَّا رَجَعَ بِهَا إِلَى أُسْتَاذِهِ الْمَلِكِ مَحْمُودٍ أَرْسَلَ بِهَا إِلَى بَغْدَادَ فَحُرِقَتْ بِالنَّارِ عَلَى بَابِ النُّوْبَى لِلْخَلِيفَةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ الْعَبَّاسِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَزَاهُ خَيْرًا عَنْ قَصْدِهِ وَسِيرَتِهِ الْحَسَنَةِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

стр. 9792

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خَالِدِ بْنِ الرُّفَيْلِ، أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَدَّلُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمُسْلِمَةِ، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَمِعَ أَبَاهُ وَأَحْمَدَ بْنَ كَامِلٍ وَالنَّجَّادَ وَالْخُطَبِيَّ وَدَعْلَجَ بْنَ أَحْمَدَ وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ ثِقَةً، يَسْكُنُ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مِنْ بَغْدَادَ وَيُمْلِي فِي أَوَّلِ كُلِّ سَنَةٍ مَجْلِسًا فِي الْمُحَرَّمِ، وَكَانَ عَاقِلًا فَاضِلًا، كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ، دَارُهُ مَأْلَفٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ بِأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعًا، وَيُعِيدُهُ بِعَيْنِهِ فِي تَهَجُّدِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبَانٍ الضَّبِّيُّ، أَبُو الْحَسَنِ الْمَحَامِلِيُّ نِسْبَةً إِلَى بَيْعِ الْمَحَامِلِ، تَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَبَرَعَ فِي الْفِقْهِ، حَتَّى كَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَقُولُ: هُوَ أَحْفَظُ لِلْفِقْهِ مِنِّي. وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمَشْهُورَةُ مِنْهَا «اللُّبَابُ» وَ «الْأَوْسَطِ» وَ «الْمُقْنِعُ»، وَلَهُ فِي الْخِلَافِ، وَعَلَّقَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ تَعْلِيقَةً كَبِيرَةً. قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ

стр. 9793

الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ شَابٌّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ تُوُفِّيَ بِشِيرَازَ، عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَبُو الْقَاسِمِ الْخَفَّافُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّقِيبِ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَحِينَ بَلَغَهُ مَوْتُ ابْنِ الْمُعَلِّمِ جَلَسَ لِلتَّهْنِئَةِ، وَقَالَ: مَا أُبَالِي أَيَّ وَقْتٍ مِتُّ بَعْدَ أَنْ شَاهَدْتُ مَوْتَ ابْنِ الْمُعَلِّمِ وَمَكَثَ دَهْرًا طَوِيلًا يُصَلِّي الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعَشَاءِ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ، فَقَالَ: فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَذْكُرُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْمُقْتَدِرَ وَالْقَاهِرَ وَالرَّاضِيَ وَالْمُتَّقِيَ وَالْمُسْتَكْفِيَ وَالْمُطِيعَ وَالطَّائِعَ وَالْقَادِرَ وَالْغَالِبَ بِاللَّهِ. خُطِبَ لَهُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَلْخِ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ مِائَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ. عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ تَعْوِيذٍ، أَبُو حَفْصٍ الدَّلَّالُ. قَالَ: سَمِعْتُ الشِّبْلِيَّ يُنْشِدُ قَوْلَهُ:

стр. 9794

وَقَدْ كَانَ شَيْءٌ يُسَمَّى السُّرُورَ … قَدِيمًا سَمِعْنَا بِهِ مَا فَعَلْ خَلِيلَيَّ إِنْ دَامَ هَمُّ النُّفُوسِ … قَلِيلًا عَلَى مَا نَرَاهُ قَتَلْ يُؤَمِّلُ دُنْيَا لِتَبْقَى لَهُ … فَمَاتَ الْمُؤَمِّلُ قَبْلَ الْأَمَلْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَقْسَاسِيُّ الْعَلَوِيُّ نَائِبُ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى فِي إِمْرَةِ الْحَجِّ، فَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي سِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَهُ فَصَاحَةٌ وَشِعْرٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ مِنْ سُلَالَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.

стр. 9795

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا قَوِيَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ، وَنَهَبُوا الدُّورَ جَهْرَةً، وَاسْتَهَانُوا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا تُوُفِّيَ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ صَاحِبُ بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَكَثُرَتِ الشُّرُورُ بِبَغْدَادَ، وَنُهِبَتِ الْخَزَائِنُ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى تَوْلِيَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ أَبِي الطَّاهِرِ، وَخُطِبَ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَخَلَعَ عَلَى شَرَفِ الْمُلْكِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ مَاكُولَا وَزِيرِهِ، وَلُقِّبَ عَلَمَ الدِّينِ، سَعْدَ الدَّوْلَةِ، أَمِينَ الْمِلَّةِ، شَرَفَ الْمُلْكِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ بِالْأَلْقَابِ الْكَثِيرَةِ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يُبَايِعَ لِأَبِي كَالِيجَارَ إِذْ كَانَ وَلِيَّ عَهْدِ أَبِيهِ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ، الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِمْ، فَتَوَقَّفَ الْجَوَابُ، ثُمَّ وَافَقَهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ، وَأُقِيمَتِ الْخُطْبَةُ لِلْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عَشَرَ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ تَفَاقَمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ، وَكَبَسُوا الدُّورَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَضَرَبُوا أَهْلَهَا كَمَا يُضْرَبُ الْمُصَادَرُونَ، وَيَسْتَغِيثُ أَحَدُهُمْ فَلَا يُغَاثُ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ، وَهَرَبَتِ الشُّرَطُ مِنْ بَغْدَادَ وَلَمْ تُغْنِ الْأَتْرَاكُ شَيْئًا، وَعَمِلَتِ الشَّرَايِجُ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَلَمْ يَفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَأُحْرِقَتْ دَارُ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى فَانْتَقَلَ مِنْهَا، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ جَدًّا، وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ

стр. 9796

وَخُرَاسَانَ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: سَابُورُ بْنُ أَرْدَشِيرَ وَزَرَ لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي نَصْرِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَوَزَرَ لِمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ أَيْضًا، وَكَانَ كَاتِبًا سَدِيدًا عَفِيفًا عَنِ الْأَمْوَالِ، كَثِيرَ الْخَيْرِ، سَلِيمَ الْبَاطِنِ، وَكَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ لَا يَشْغَلُهُ شَئٌ عَنِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ وَقَفَ دَارًا لِلْعِلْمِ فِي سِنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَجَعَلِ فِيهَا كُتُبًا كَثِيرَةً جِدًّا، وَوَقَّفَ عَلَيْهَا غَلَّةً كَثِيرَةً، فَبَقِيَتْ سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُحْرِقَتْ عِنْدَ مَجِيءِ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَتْ مَحَلَّتُهَا بَيْنَ السُّورَيْنِ، وَقَدْ كَانَ جَيِّدَ الْمُعَاشَرَةِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عُمَّالَهُ سَرِيعًا، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ. عُثْمَانُ النَّيْسَابُورِيُّ الْخَرْكُوشِيُّ الْوَاعِظُ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: صَنَّفَ كِتَابًا فِي الْوَعْظِ مِنْ أَبْرَدِ الْأَشْيَاءِ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ، وَكَلِمَاتٌ مَرْذُولَةٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ خَيِّرًا صَالِحًا، وَكَانَتْ لَهُ وَجَاهَةٌ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ، وَكَانَ الْمَلِكُ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ إِذَا رَآهُ قَامَ لَهُ، وَكَانَتْ مَحَلَّتُهُ حِمَى يَحْتَمِي بِهَا مِنَ

стр. 9797

الظَّلَمَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَلْدَتِهِ نَيْسَابُورَ مَوْتٌ، وَكَانَ يُغَسِّلُ الْمَوْتَى مُحْتَسِبًا، فَغَسَّلَ نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ مَيِّتٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحَانِ، أَبُو مَنْصُورٍ الْوَزِيرُ لِمُشَرِّفِ الدَّوْلَةِ وَلِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ أَيْضًا، كَانَ وَزِيرَ صِدْقٍ، جَيِّدَ الْمُبَاشَرَةِ، حَسَنَ الصَّلَاةِ، مُحَافِظًا عَلَى أَوْقَاتِهَا، وَكَانَ مُحْسِنًا إِلَى الشُّعَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً. الْمَلِكُ مُشَرِّفُ الدَّوْلَةِ، أَبُو عَلِيِّ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، أَبِي نَصْرِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيِّ صَاحِبُ بَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ. أَصَابَهُ مَرَضٌ حَادٌّ فَتُوُفِّيَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ عَنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا. الْتِّهَامِيُّ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ التِّهَامِيُّ أَبُو الْحَسَنِ لَهُ دِيوَانٌ مَشْهُورٌ، وَلَهُ مَرْثَاةٌ فِي وَلَدِهِ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ صَغِيرًا أَوَّلُهَا: حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَارِي … مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَرَارِ

стр. 9798

وَمِنْهَا: إِنِّي لَأَرْحَمُ حَاسِدِيَّ لِحَرِّ مَا … ضَمَّتْ صُدُورُهُمُ مِنَ الْأَوْغَارِ نَظَرُوا صَنِيعَ اللَّهِ بِي فَعُيُونُهُمْ … فِي جَنَّةٍ وَقُلُوبُهُمْ فِي نَارِ وَمِنْهَا فِي ذَمِّ الدُّنْيَا، وَكُلُّ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ مَلِيحٌ مُخْتَارٌ: طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا … صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَارِ وَالْأَكْدَارِ وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا … مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ وَإِذَا رَجَوْتَ الْمُسْتَحِيلَ فَإِنَّمَا … تَبْنِي الرَّجَاءَ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي وَلَدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: جَاوَرْتُ أَعْدَائِي وَجَاوَرَ رَبَّهُ … شَتَّانَ بَيْنَ جِوَارِهِ وَجِوَارِي وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَآهُ فِي النَّوْمِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَ: بِمَ نِلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِهَذَا الْبَيْتِ. تُوُفِّيَ بِحَبْسِ خِزَانَةِ الْبُنُودِ مِنَالْقَاهِرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ﵀.

стр. 9799

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْأَسْفَهْسِلَارِيَّةِ وَبَيْنَ الْعَيَّارِينَ، وَرَكِبَتْ لَهُمُ الْأَتْرَاكُ بِالدَّبَادِبِ، كَمَا يُفْعَلُ فِي الْحَرْبِ، وَأُحْرِقَتْ أَبْوَابٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الدُّورِ الَّتِي احْتَمَى فِيهَا الْعَيَّارُونَ، وَأُحْرِقَ مِنَ الْكَرْخِ جَانِبٌ كَبِيرٌ، وَنُهِبَ أَهْلُهُ، وَتَعَدَّى النَّهْبُ إِلَى غَيْرِهِ أَيْضًا، وَكَانَتْ فِتْنَةً هَائِلَةً شَنِيعَةً، ثُمَّ خَمَدَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَقُرِّرَ عَلَى أَهْلِ الْكَرْخِ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ مُصَادَرَةً; لِإِثَارَتِهِمُ الْفِتَنَ وَالشُّرُورَ. وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ شَهِدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الصَّيْمَرِيُّ عِنْدَ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ بَعْدَمَا كَانَ اسْتَتَابَهُ عَمَّا ذُكِرَ عَنْهُ مِنَ الِاعْتِزَالِ. وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ سُمِعَ لَهُ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ، وَوَقَعَ فِي سَلْخِ شَوَّالٍ بَرَدٌ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَجَمَدَ الْمَاءُ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، حَتَّى حَافَّاتِ دِجْلَةَ وَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ، وَقَاسَى النَّاسُ شِدَّةً عَظِيمَةً، وَتَأَخَّرَ الْمَطَرُ وَزِيَادَةُ دِجْلَةَ، وَقَلَّتِ الزِّرَاعَةُ، وَامْتَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ

стр. 9800

التَّصَرُّفِ. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِفَسَادِ الْبِلَادِ وَالطُّرُقَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، أَبُو الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ قَاضِي قُضَاةِ بَغْدَادَ بَعْدَ ابْنِ الْأَكْفَانِيِّ بِثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ عَفِيفًا نَزِهًا، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ وَعَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ. قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَحَكَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيِّ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ هَذَا آخِرُ مَنْ وَلِيَ الْحُكْمَ بِبَغْدَادَ مِنْ سُلَالَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، وَقَدْ وَلِيَ الْحُكْمَ مِنْ سُلَالَتِهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ وُلُّوا قَضَاءَ قُضَاةِ بَغْدَادَ. قَالَ أَبُو الْعَلَاءِ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ أَبِي الْحَسَنِ هَذَا; جَلَالَةً وَنَزَاهَةً وَصِيَانَةً وَشَرَفًا. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ صَدِيقًا وَصَاحِبًا، وَأَنَّ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَوْصَى لَهُ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ، فَأَبَى الْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَهَا، فَجَهَدَ عَلَيْهِ كُلَّ الْجَهْدِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ لَا تَذْكُرْ هَذَا لِأَحَدٍ مَا دُمْتُ

стр. 9801

حَيًّا. فَفَعَلَ، فَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ. وَكَانَ ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ فَقِيرًا إِلَيْهَا وَإِلَى مَا هُوَ دُونَهَا، فَلَمْ يَقْبَلْهَا، ﵀. وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. جَعْفَرُ بْنُ بَايٍ، أَبُو مُسْلِمٍ الْجِيلِيُّ سَمِعَ ابْنَ بَطَّةَ وَدَرَسَ فِقْهَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا فَاضِلًا، تُوَفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدَوَيْهِ، أَبُو حَازِمٍ الْهُذَلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ سَمِعَ ابْنَ نُجَيْدٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّ وَخَلْقًا، وَسَمِعَ مِنْهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ النَّاسُ يَسْمَعُونَ بِإِفَادَتِهِ وَانْتِخَابِهِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ مِنْهَا. عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَمَّامِيِّ سَمِعَ النَّجَّادَ وَالْخُلْدِيَّ وَابْنَ السَّمَّاكِ وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ صَدُوقًا فَاضِلًا، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، وَتَفَرَّدَ بِأَسَانِيدِ الْقِرَاءَاتِ وَعُلُوِّهَا، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ

стр. 9802

هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. صَاعِدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى الرَّبَعِيُّ الْبَغْدَادِيُّ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «الْفُصُوصِ» فِي اللُّغَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْقَالِي فِي «الْأَمَالِي» صَنَّفَهُ لِلْمَنْصُورِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ كَذَّابٌ مُتَّهَمٌ فِيمَا يَنْقُلُهُ، فَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ الْكِتَابِ فِي النَّهْرِ. فَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: قَدْ غَاصَ فِي الْمَاءِ كِتَابُ الْفُصُوصْ … وَهَكَذَا كُلُّ ثَقِيلٍ يَغُوصْ فَلَمَّا بَلَغَ صَاعِدًا هَذَا الْبَيْتُ أَنْشَدَ: عَادَ إِلَى عُنْصُرِهِ إِنَّمَا … يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الْبُحُورِ الْفُصُوصْ قُلْتُ: كَأَنَّهُ سَمَّى هَذَا الْكِتَابَ بِهَذَا الِاسْمِ لِيُشَاكِلَ بِهِ «الصِّحَاحَ» لِلْجَوْهَرِيِّ، لَكِنَّهُ كَانَ مَعَ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَعِلْمِهِ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ فِيمَا يَرْوِيهِ وَيَنْقُلُهُ، فَلِهَذَا رَفَضَ النَّاسُ كِتَابَهُ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ كَانَ ظَرِيفًا مَاجِنًا سَرِيعَ الْجَوَابِ، سَأَلَهُ رَجُلٌ أَعْمَى عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا الْجَرَنْفُلُ؟ فَأَطْرَقَ سَاعَةً، وَعَرِفَ أَنَّهُ افْتَعَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَأْتِي نِسَاءَ الْعُمْيَانِ، وَلَا يَتَعَدَّاهُنَّ إِلَى غَيْرِهِنَّ. فَاسْتَحْيَى ذَلِكَ الْأَعْمَى، وَضَحِكَ الْحَاضِرُونَ. وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، سَامَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 9803

الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيُّ هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَفَّالُ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ الْكِبَارِ، عِلْمًا وَرُشْدًا وَحِفْظًا وَتَصْنِيفًا وَوَرَعًا، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الطَّرِيقَةُ الْخُرَاسَانِيَّةُ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ، قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَأَخَذَ عَنْهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ; لِأَنَّ سِنَّ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ; فَإِنَّ الْقَفَّالَ هَذَا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِسِجِسْتَانَ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وُلِدَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ وَفَاةِ الْقَفَّالِ بِسَنَتَيْنِ. وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ كَمَا سَيَأْتِي. وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: الْقَفَّالُ; لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا يَعْمَلُ الْأَقْفَالَ، وَلَمْ يَشْتَغِلْ إِلَّا وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الِاشْتِغَالِ بَعْدَ ذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9804

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقَعَ بَرَدٌ أَهْلَكَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْغَنَمِ وَالْوُحُوشِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي كُلِّ بَرَدَةٍ رِطْلَانِ وَأَكْثَرُ، وَفِي وَاسِطٍ بَلَغَتِ الْبَرَدَةُ أَرْطَالًا، وَفِي بَغْدَادَ بِقَدْرِ الْبَيْضِ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَأَلَتِ الْأَسْفَهْسِلَارِيَّةُ وَالْغِلْمَانُ الْخَلِيفَةَ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهُمْ أَبَا كَالِيجَارَ; لِتَهَاوُنِهِ بِأَمْرِهِمْ، وَفَسَادِهِ وَفَسَادِ الْأُمُورِ فِي أَيَّامِهِ، وَيُوَلِّيَ جَلَالَ الدَّوْلَةِ الَّذِي كَانُوا قَدْ عَدَلُوا عَنْهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَمَاطَلَهُمُ الْخَلِيفَةُ فِي ذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي كَالِيجَارَ أَنْ يَتَدَارَكَ أَمْرَهُ، وَأَنْ يُسْرِعَ الْأَوْبَةَ إِلَى بَغْدَادَ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الْأَمْرُ، وَأَلَحَّ أُولَئِكَ عَلَى الْخَلِيفَةِ فِي تَوْلِيَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَأَقَامُوا لَهُ الْخُطْبَةَ بِبَغْدَادَ، وَتَفَاقَمَ الْحَالُ، وَفَسَدَ النِّظَامُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ أَنَّهُ دَخَلَ بِلَادَ الْهِنْدِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ كَسَرَ الصَّنَمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي لَهُمُ الْمُسَمَّى بِسُومَنَاتَ، وَقَدْ كَانُوا يَفِدُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وَيُنْفِقُونَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، وَكَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَوْقَافِ عَشَرَةُ آلَافِ قَرْيَةٍ مَشْهُورَةٍ وَقَدِ امْتَلَأَتْ خَزَائِنُهُ أَمْوَالًا،

стр. 9805

وَعِنْدَهُ أَلْفُ رَجُلٍ يَخْدِمُونَهُ، وَثَلَاثُمِائَةٍ يَحْلِقُونَ حَجِيجِهِ، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ يُغَنُّونَ وَيَرْقُصُونَ عَلَى بَابِ الصَّنَمِ، وَقَدْ كَانَ الْعَبْدُ - يَعْنِي الْمَلِكَ مَحْمُودَ بْنَ سُبُكْتِكِينَ - يَتَمَنَّى قَلْعَ هَذَا الصَّنَمِ، وَكَانَ يَعُوقُهُ عَنْهُ طُولُ الْمَفَاوِزِ وَكَثْرَةُ الْمَوَانِعِ، ثُمَّ اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَتَجَشَّمَ بِجَيْشِهِ تِلْكَ الْأَهْوَالَ إِلَيْهِ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِمَّنِ اخْتَارَهُمْ سِوَى الْمُطَّوِّعَةِ، فَسَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَلَدِ هَذَا الْوَثَنِ، فَمَلَكْنَاهُ وَقَتَلْنَا مِنْ أَهْلِهِ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَقَلَعْنَا هَذَا الْوَثَنَ وَأَوْقَدْنَا تَحْتَهُ النَّارَ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْهُنُودَ بَذَلُوا أَمْوَالًا جَزِيلَةً لِلْمَلِكِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ لِيَتْرُكَ لَهُمْ هَذَا الصَّنَمَ الْأَعْظَمَ، فَأَشَارَ مَنْ أَشَارَ مِنَ الْأُمَرَاءِ بِقَبُولِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَخِيرَ اللَّهَ تَعَالَى. فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: إِنِّي فَكَّرْتُ فِي الْأَمْرِ فَرَأَيْتُ إِذَا نُودِيتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: أَيْنَ مَحْمُودٌ الَّذِي كَسَرَ الصَّنَمَ؟ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُقَالَ: أَيْنَ مَحْمُودٌ الَّذِي تَرَكَ الصَّنَمَ؟ ثُمَّ عَزَمَ فَكَسَرَهُ، فَوَجَدَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مِنَ الذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ مَا يُنَيِّفُ عَلَى مَا بَذَلُوهُ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، مَعَ مَا ادَّخَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْأَجْرِ الْجَزِيلِ فِي الْآخِرَةِ وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ فِي الْأُولَى، فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَالِثِ رَمَضَانَ دَخَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُ الْخَلِيفَةُ فِي دِجْلَةَ فِي الطَّيَّارِ، وَمَعَهُ الْأَكَابِرُ وَالْأَعْيَانُ، فَلَمَّا وَاجَهَ جَلَالَ الدَّوْلَةِ قَبَّلَ الْأَرْضَ دَفَعَاتٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى دَارِ الْمُلْكِ، وَعَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى دَارِهِ، وَأَمَرَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَنْ يُضْرَبَ لَهُ الطَّبْلُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الثَّلَاثِ، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ فِي زَمَنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَصَمْصَامِهَا وَشَرَفِهَا وَبَهَائِهَا، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يُضْرَبُ لَهُ الطَّبْلُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَأَرَادَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لَا يَحْسُنُ مُسَاوَاةُ الْخَلِيفَةِ. ثُمَّ صَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
следующие страницы →