← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

فِي اللَّيْلِ إِلَى دَارِ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى فَنَزَلَ بِهَا، ثُمَّ اصْطَلَحَتِ الْأَتْرَاكُ عَلَيْهِ، وَحَلَفُوا لَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ، وَكَثُرَتِ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ، وَاسْتَطَالُوا عَلَى النَّاسِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَسِرًّا وَجِهَارًا، وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ هَذِهِ السَّنَةَ; لِفَسَادِ الْبِلَادِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْوَاعِظُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّمَّاكِ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَمِعَ جَعْفَرًا الْخُلْدِيَّ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ يَعِظُ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ وَجَامِعِ الْمَهْدِيِّ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِيهِ وَنَسَبَ إِلَيْهِ الْكَذِبَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 9837

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا غَزَا السُّلْطَانُ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ بِلَادَ الْهِنْدِ، وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً، فَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ حَاصَرَ قَلْعَةً حَصِينَةً، فَخَرَجَتْ مِنَ السُّورِ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ سَاحِرَةٌ، وَأَخَذَتْ مِكْنَسَةً فَبَلَّتْهَا وَرَشَّتْهَا عَلَى نَاحِيَةِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَرِضَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَارْتَحَلَ عَنْ تِلْكَ الْقَلْعَةِ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّ ذَاهِبًا عَنْهَا عُوفِيَ عَافِيَةً كَامِلَةً، وَرَجَعَ إِلَى غَزْنَةَ سَالِمًا. وَفِيهَا تَوَلَّى الْبَسَاسِيرِيُّ حِمَايَةَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ لَمَّا تَفَاقَمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ، وَكَثُرَ سِرُّهُمْ وَفَسَادُهُمْ. وَفِيهَا وَلِيَ سِنَانُ بْنُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ غَرِيبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَقْنٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، فَقَصَدَ عَمَّهُ قِرْوَاشًا، فَأَقَرَّهُ وَسَاعَدَهُ عَلَى اسْتِقَامَةِ أُمُورِهِ. وَفِيهَا هَلَكَ مَلِكُ الرُّومِ أَرْمَانُوسُ، فَمَلَكَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ رَجُلٌ لَيْسَ مِنْ بَيْتِ مُلْكِهِمْ، قَدْ كَانَ صَيْرَفِيًّا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، إِلَّا أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ

стр. 9838

بَانِي الْمَدِينَةِ الَّتِي لَهُمْ. وَفِيهَا كَثُرَتِ الزَّلَازِلُ بِمِصْرَ وَالشَّامِ، فَهَدَمَتْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَمَاتَ تَحْتَ الرَّدْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْهَدَمَ مِنَ الرَّمْلَةِ ثُلُثُهَا، وَتَقَطَّعَ جَامِعُهَا تَقْطِيعًا، وَخَرَجَ أَهْلُهَا مِنْهَا، فَأَقَامُوا ظَاهِرَهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ سَكَنَ الْحَالُ فَعَادُوا إِلَيْهَا، وَسَقَطَ بَعْضُ حَائِطِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَوَقَعَ مِنْ مِحْرَابِ دَاوُدَ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ، وَمِنْ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ قِطْعَةٌ، وَسَلَّمَتِ الْحُجْرَةُ، وَسَقَطَتْ مَنَارَةُ عَسْقَلَانَ وَرَأْسُ مَنَارَةِ غَزَّةَ وَسَقَطَ نِصْفُ بُنْيَانِ نَابُلُسَ وَخُسِفَ بِقَرْيَةٍ بِإِزَائِهَا وَبِأَهْلِهَا وَبَقَرِهَا وَغَنَمِهَا، وَسَاخَتْ فِي الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قُرًى كَثِيرَةٌ هُنَالِكَ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَكَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَعَصَفَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ بِنَصِيبِينَ، فَأَلْقَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَشْجَارِ كَالتُّوتِ وَالْجَوْزِ وَالْعُنَّابِ، وَاقْتَلَعَتْ قَصْرًا مُشَيَّدًا بِحِجَارَةٍ وَآجُرٍّ وَكِلْسٍ، ثُمَّ سَقَطَ مَطَرٌ مَعَهُ بَرَدٌ أَمْثَالُ الْأَكُفِّ وَالزُّنُودِ وَالْأَصَابِعِ، وَجَزَرَ الْبَحْرُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ، فَذَهَبَ النَّاسُ خَلْفَ السَّمَكِ، فَرَجَعَ الْمَاءُ عَلَيْهِمْ، فَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا كَثُرَ الْمَوْتُ بِالْخَوَانِيقِ، حَتَّى كَانَ يُغْلَقُ الْبَابُ عَلَى مَنْ فِي الدَّارِ، كُلُّهُمْ قَدْ مَاتَ، وَكَانَ أَكْثَرُ ذَلِكَ بِبَغْدَادَ، فَمَاتَ مِنْ أَهْلِهَا فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ

стр. 9839

سَبْعُونَ أَلْفًا. وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ، حَتَّى بَيْنَ الْعَيَّارِينَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمَنَعَ ابْنَا الْأَصْبِهَانِيِّ - وَهُمَا مُقَدَّمَا عَيَّارِي أَهْلِ السُّنَّةِ - أَهْلَ الْكَرْخِ مِنْ وُرُودِ مَاءِ دِجْلَةَ، فَضَاقَ عَلَيْهِمُ النِّطَاقُ. وَقُتِلَ ابْنُ الْبُرْجُمِيِّ وَأَخُوهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ الْحَافِظُ، أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِالْبَرْقَانِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ إِلَى الْبِلَادِ، وَجَمَعَ كُتُبًا كَثِيرَةً جِدًّا، وَكَانَ عَالِمًا بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي الْحَدِيثِ حَسَنَةٌ نَافِعَةٌ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إِذَا مَاتَ الْبَرْقَانِيُّ ذَهَبَ هَذَا الشَّأْنُ، وَمَا رَأَيْتُ أَتْقَنَ مِنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا رَأَيْتُ أَعْبَدَ مِنْهُ فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْجَامِعِ بِبَغْدَادَ، وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ شَعْرِهِ قَوْلَهُ: أُعَلِّلُ نَفْسِي بِكَتْبِ الْحَدِيثِ … وَأَحْمِلُ فِيهِ لَهَا الْمَوْعِدَا

стр. 9840

وَأَشْغَلُ نَفْسِي بِتَصْنِيفِهِ وَتَخْرِيجِهِ دَائِمًا سَرْمَدَا … فَطَوْرًا أُصَنِّفُهُ فِي الشُّيُو خِ وَطَوْرًا أُصَنِّفُهُ مُسْنَدَا … وَأَقْفُو الْبُخَارِيَّ فِيمَا نَحَا هُ وَصَنَّفَهُ جَاهِدًا مُجْهَدَا … وَمُسْلِمَ إِذْ كَانَ زَيْنَ الْأَنَامِ بِتَصْنِيفِهِ مُسْلِمًا مُرْشِدَا … وَمَا لِيَ فِيهِ سِوَى أَنَّنِي أَرَاهُ هَوًى صَادَفَ الْمَقْصِدَا … وَأَرْجُو الثَّوَابَ بِكَتْبِ الصَّلَا ةِ عَلَى السَّيِّدِ الْمُصْطَفَى أَحَمَدَا … وَأَسْأَلُ رَبِّي إِلَهَ الْعِبَا دِ جَرْيًا عَلَى مَا بِهِ عَوَّدَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَبِيوَرْدِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، مِنْ تَلَامِيذِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ لَلْفُتْيَا، وَكَانَ يُدَرِّسُ فِي قَطِيعَةِ الرَّبِيعِ، وَوَلِيَ الْحُكْمَ بِبَغْدَادَ نِيَابَةً عَنِ ابْنِ الْأَكْفَانِيِّ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، جَمِيلَ الطَّرِيقَةِ، فَصِيحَ اللِّسَانِ، صَبُورًا عَلَى الْفَقْرِ، كَاتِمًا لَهُ، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ الْجَيِّدَ، وَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [الْبَقَرَةِ: ٢٧٣]. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ. أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ، الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى، الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَتِلْمِيذُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَيْضًا، وَلَمْ

стр. 9841

يَكُنْ فِي أَصْحَابِهِ مِثْلُهُ، دَرَّسَ وَأَفْتَى وَحَكَمَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ دَيِّنًا وَرِعًا. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا. عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، أَبُو الْفَرَجِ التَّمِيمِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الْوَاعِظُ، سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ أَثَرًا مُسَلْسَلًا عَنْ عَلِيٍّ: الْحَنَّانُ الَّذِي يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَالْمَنَّانُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ. تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. غَرِيبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَقْنٍ سَيْفُ الدَّوْلَةِ، أَبُو سِنَانٍ كَانَ قَدْ ضَرَبَ السِّكَّةَ بِاسْمِهِ، وَكَانَ مَلِكًا مُتَمَكِّنًا فِي الدَّوْلَةِ، وَخَلَّفَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقَامَ ابْنُهُ سِنَانٌ بَعْدَهُ، وَتَقَوَّى بِعَمِّهِ قِرْوَاشٍ، وَاسْتَقَامَتْ أُمُورُهُ بِهِ، تُوُفِّيَ بِكَرْخِ سَابُورَ عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً.

стр. 9842

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ كَثُرَ تَرَدُّدُ الْأَعْرَابِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ إِلَى حَوَاشِي بَغْدَادَ وَمَا حَوْلَهَا، بِحَيْثُ كَانُوا يَسْتَلِبُونَ مَا عَلَى النِّسَاءِ، وَمَنْ أَسَرُوهُ أَخَذُوا مَا مَعَهُ وَطَالَبُوهُ بِفِدَاءِ نَفْسِهِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ بِبَغْدَادَ، وَكَثُرَتْ شُرُورُهُمْ وَإِفْسَادُهُمْ. وَفِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ زَادَتْ دِجْلَةُ بِحَيْثُ ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى الضَّيَاعِ ذِرَاعَيْنِ، وَسَقَطَ مِنَ الْبَصْرَةِ فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ نَحْوٌ مَنْ أَلْفَيْ دَارٍ. وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ بِأَنَّهُ قَدْ فَتَحَ فَتْحًا عَظِيمًا فِي الْهِنْدِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَسَرَ تِسْعِينَ أَلْفًا، وَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ أَهْلِ بَغْدَادَ وَالْعَيَّارِينَ، وَوَقَعَ حَرِيقٌ كَثِيرٌ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ فِي هَذَا الْعَامِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

стр. 9843

أَحْمَدُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاعِرُ أَحَدُ مَنْ هَلَكَ بِالْعِشْقِ، رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ» بِسَنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيِّ بِسَنَدِهِ: أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ كُلَيْبٍ هَذَا الْمِسْكِينَ الْعَثَرِيَّ تَعَشَّقَ شَابًّا يُقَالُ لَهُ: أَسْلَمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، مِنْ بَنِي خَالِدٍ، وَكَانَ فِيهِمْ وِزَارَةٌ وَحِجَابَةٌ، فَأَنْشَدَ فِيهِ أَشْعَارًا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَا، وَكَانَ أَسْلَمُ هَذَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي مَجَالِسِ الْمَشَايِخِ، فَاسْتَحْيَا مِنَ النَّاسِ وَانْقَطَعَ فِي دَارِهِ، فَلَا يَجْتَمِعُ بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَازْدَادَ غَرَامُ ابْنِ كُلَيْبٍ بِهِ حَتَّى مَرِضَ مِنْ ذَلِكَ مَرَضًا شَدِيدًا، عَادَهُ النَّاسُ مِنْهُ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ عَادَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَرَضِهِ فَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ دَائِي وَدَوَائِي، لَوْ زَارَنِي أَسْلَمُ، وَنَظَرَ إِلَيَّ نَظْرَةً، وَنَظَرْتُهُ نَظْرَةً وَاحِدَةً بَرِئْتُ، وَإِلَّا فَأَنَا هَالِكٌ. فَرَأَى ذَلِكَ الشَّيْخُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَزُورَهُ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً مُخْتَفِيًا، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى انْطَلَقَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَا دَرْبَهُ تَغَيَّرَ الْغُلَامُ وَاسْتَحْيَا مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ جِدًّا،

стр. 9844

وَرَجَعَ، فَحَرَصَ بِهِ الرَّجُلُ كُلَّ الْحِرْصِ لِيُدْخِلَهُ عَلَيْهِ، فَأَبَى وَانْصَرَفَ، فَدَخَلَ الرَّجُلُ عَلَى ابْنِ كُلَيْبٍ، فَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَقَدْ كَانَ غُلَامُهُ دَخَلَ إِلَيْهِ فَبَشَّرَهُ بِقُدُومِ أَسْلَمَ عَلَيْهِ، فَفَرِحَ جِدًّا، فَلَمَّا تَحَقَّقَ رُجُوعَهُ اخْتَلَطَ كَلَامُهُ وَاضْطَرَبَ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: اسْمَعْ يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ مِنِّي وَاحْفَظْ عَنِّي. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَسْلَمُ يَا رَاحَةَ الْعَلِيلِ … رَفْقًا عَلَى الْهَائِمِ النَّحِيلِ وَصْلُكَ أَشْهَى إِلَى فُؤَادِي … مِنْ رَحْمَةِ الْخَالِقِ الْجَلِيلِ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: اتَّقِ اللَّهَ، مَا هَذِهِ الْعَظِيمَةُ؟! فَقَالَ: قَدْ كَانَ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِهِ، فَمَا تَوَسَّطَ الدَّرْبَ حَتَّى سَمِعَ الصُّرَاخَ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا. وَهَذِهِ زَلَّةٌ شَنْعَاءُ، وَعَظِيمَةٌ صَلْعَاءُ، وَدَاهِيَةٌ دَهْيَاءُ، وَلَوْلَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ ذَكَرُوهَا مَا ذَكَرْتُهَا، وَلَكِنَّ فِيهَا عِبْرَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَتَنْبِيهٌ لِذَوِي الْعُقُولِ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ رَحْمَتَهُ وَلُطْفَهُ بِهِمْ أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ الْمَمَاتِ، إِنَّهُ كَرِيمٌ جَوَّادٌ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ لِأَحْمَدَ بْنِ كُلَيْبٍ، وَقَدْ أَهْدَى إِلَى أَسْلَمَ كِتَابَ

стр. 9845

«الْفَصِيحِ» لِثَعْلَبَ: هَذَا كِتَابُ الُفَصِيحِ … بَكُلِّ لَفْظٍ مَلِيحِ وَهَبْتُهُ لَكَ طَوْعًا … كَمَا وَهَبْتُكَ رُوحِي الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ الْبَزَّازُ أَحَدُ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، جَاءَهُ يَوْمًا شَابٌّ غَرِيبٌ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ فَسَلْ عَلَيْهِ، وَأُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ. ثُمَّ انْصَرَفَ الشَّابُّ، فَبَكَى الشَّيْخُ، وَقَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي عَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ هَذَا غَيْرَ صَبْرِي عَلَى إِسْمَاعِ الْحَدِيثِ، وَصَلَاتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا ذُكِرَ. ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا، فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِبَابِ الدَّيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَوْرَةَ، أَبُو عُمَرَ الْوَاعِظُ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفَلْوِ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَةٍ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَ يَعِظُ، وَلَهُ بَلَاغَةٌ، وَفِيهِ كَرَمٌ، وَكَانَ ثِقَةً يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ،

стр. 9846

وَمِنْ شَعْرِهِ: دَخَلْتُ عَلَى السُّلْطَانِ فِي دَارِ عِزِّهِ … بِفَقْرٍ وَلَمْ أُجْلِبْ بَخِيلٍ وَلَا رَجْلِ وَقُلْتُ انْظُرُوا مَا بَيْنَ فَقْرِي وَمُلْكِكُمْ … بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الْوِلَايَةِ وَالْعَزْلِ تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ حَرْبٍ إِلَى جَانِبِ ابْنِ السَّمَّاكِ

стр. 9847

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ تَكَامَلَتْ عِمَارَةُ قَنْطَرَةِ عِيسَى الَّتِي كَانَتْ قَدْ سَقَطَتْ، وَكَانَ الَّذِي يَلِي مُشَارَفَةَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ. وَفِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ تَفَاقَمَ أَمْرُ الْعَيَّارِينَ، وَكَبَسُوا الدُّورَ، وَتَزَايَدَ شَرُّهُمْ وَعَمَلَاتُهُمْ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَاحِبُ مِصْرَ الظَّاهِرُ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَاكِمِ بْنِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً وَأَشْهَرٌ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَتِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ سِيرَتُهُ جَيِّدَةً، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الْمُسْتَنْصِرُ، وَعُمُرُهُ سَبْعُ سِنِينَ، وَاسْمُهُ مَعَدٌّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو تَمِيمٍ، وَتَكَفَّلَ

стр. 9848

بِأَعْبَاءِ الْمَمْلَكَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ الْأَفْضَلُ أَمِيرُ الْجُيُوشِ، وَاسْمُهُ بَدْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَالِيُّ، وَكَانَ الظَّاهِرُ الْمَذْكُورُ قَدِ اسْتَوْزَرَ الصَّاحِبَ أَبَا الْقَاسِمِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الْجَرْجَرَائِيَّ - وَكَانَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمِرْفِقَيْنِ - فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، فَاسْتَمَرَّ فِي الْوِزَارَةِ مُدَّةَ وِلَايَةِ الظَّاهِرِ، ثُمَّ لِوَلَدِهِ الْمُسْتَنْصِرِ، حَتَّى تُوُفِّيَ الْوَزِيرُ الْجَرْجَرَائِيُّ الْمَذْكُورُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَكَانَ قَدْ سَلَكَ فِي وِزَارَتِهِ الْعِفَّةَ الْعَظِيمَةَ، وَكَانَ الَّذِي يُعَلِّمُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُضَاعِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «الشِّهَابِ»، وَكَانَتْ عَلَامَتَهُ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ شُكْرًا لِنِعْمَتِهِ. وَكَانَ الَّذِي قَطَعَ يَدَيْهِ مِنَ الْمِرْفِقَيْنِ الْحَاكِمُ; لِخِيَانَةٍ ظَهَرَتْ مِنْهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ سَنَةَ تِسْعٍ، فَلَمَّا فُقِدَ الْحَاكِمُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، ثُمَّ تَمَلَّكَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ الظَّاهِرُ الْمَذْكُورُ، تَنَقَّلَتْ بِالْجَرْجَرَائِيِّ الْمَذْكُورِ الْأَحْوَالُ حَتَّى اسْتَوْزَرَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ هَجَاهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ: يَا أَحْمَقًا اسْمَعْ وَقُلْ … وَدَعِ الرَّقَاعَةَ وَالتَّحَامُقْ أَأَقَمْتَ نَفْسَكَ فِي الثِّقَا … تِ وَهَبْكَ فِيمَا قُلْتَ صَادِقْ فَمِنَ الْأَمَانَةِ وَالتُّقَى … قُطِعَتْ يَدَاكَ مِنَ الْمَرَافِقْ وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعَالِبِيُّ وَيُقَالُ: الثَّعْلَبِيُّ - وَهُوَ لَقَبٌ

стр. 9849

أَيْضًا وَلَيْسَ بِنِسْبَةٍ - النَّيْسَابُورِيُّ الْمُفَسِّرُ الْمَشْهُورُ، لَهُ «التَّفْسِيرُ الْكَبِيرُ»، وَلَهُ كِتَابُ «الْعَرَائِسِ» فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ، وَاسِعَ السَّمَاعِ; وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كُتُبِهِ مِنَ الْغَرَائِبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ. ذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ فِي «تَارِيخِ نَيْسَابُورَ» وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحُ النَّقْلِ مَوْثُوقٌ بِهِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا، وَرُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ، وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ: وَنَيْسَابُورُ كَانَتْ مَقْصَبَةً، فَأَمَرَ سَابُورُ الثَّانِي بِبِنَائِهَا مَدِينَةً، وَ «نَيْ» هُوَ الْقَصَبُ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 9850

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى أَبِي تَمَامٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّيْنَبِيِّ، وَقَلَّدَهُ مَا كَانَ إِلَى أَبِيهِ مِنْ نِقَابَةِ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالصَّلَاةِ. وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الْجُنْدِ وَبَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَقَطَعُوا خُطْبَتَةُ وَخُطْبَةَ الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ، ثُمَّ أَعَادُوا الْخُطْبَةَ لَهُمَا وَصَلَحَتْ حَالُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَحَلَفَ الْخَلِيفَةُ لَهُ وَعَزَلَ وَزِيرَهُ ابْنَ مَاكُولَا وَاسْتَوْزَرَ أَبَا الْمَعَالِي بْنَ عَبْدِ الرَّحِيمِ. وَكَانَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ قَدْ جَمَعَ خَلْقًا كَثِيرًا مَعَهُ، مِنْهُمُ الْبَسَاسِيرِيُّ، وَدُبَيْسُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ، وَقِرْوَاشُ بْنُ مُقَلَّدٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَنَازَلَ بَغْدَادَ مِنْ جَانِبِهَا الْغَرْبِيِّ حَتَّى أَخَذَهَا قَهْرَا، وَاصْطَلَحَ هُوَ وَأَبُو كَالِيجَارَ عَلَى يَدَيْ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيِّ، وَتَزَوَّجَ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ أَبِي كَالِيجَارَ بِابْنَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ عَلَى صَدَاقِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمَا، وَحَسُنَ حَالُ الدَّوْلَةِ. وَفِيهَا نَزَلَ مَطَرٌ بِبِلَادِ فَمِ الصُّلْحِ وَمَعَهُ سَمَكٌ، وَزْنُ السَّمَكَةِ رَطْلٌ وَرَطْلَانِ.

стр. 9851

وَفِيهَا بَعَثَ صَاحِبُ مِصْرَ بِمَالٍ لِيُنْفَقَ عَلَى نَهْرٍ بِالْكُوفَةِ إِنْ أَذِنَ الْخَلِيفَةُ الْعَبَّاسِيُّ فِي ذَلِكَ، فَجَمَعَ الْقَائِمُ بِاللَّهِ الْفُقَهَاءَ، وَسَأَلَهُمُ عَنْ هَذَا الْمَالِ، فَأَفْتَوْا بِأَنَّ هَذَا الْمَالَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ، فَأَذِنَ فِي صَرْفِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهَا ثَارَ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ، وَفَتَحُوا السِّجْنَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَأَخَذُوا مِنْهُ رِجَالًا، وَقَتَلُوا مِنْ رِجَالَةِ الشُّرَطِ سَبْعَةَ عَشْرَ رَجُلًا، وَانْتَشَرَتِ الْفِتَنُ وَالشُّرُورُ فِي الْبَلَدِ جِدًّا. وَفِيهَا وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سَلَامَةَ إِمَارَةَ تِهَامَةَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَفِيهَا وَلِيَ عُمَانَ الْقَاسِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُكْرَمٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ أَيْضًا. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ; لِفَسَادِ الْبِلَادِ وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ قَالَ الْخَطِيبُ: سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَوْشَبِيِّ، وَلَمْ

стр. 9852

يُحَدِّثْ إِلَّا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، كَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوقًا، وَكَانَ مِمَّنْ أَنْجَبَ فِي الْفِقْهِ; لِذَكَائِهِ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ فِي الْعِرَاقِ رِيَاسَةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَارْتَفَعَ جَاهُهُ. وَكَانَ بَرَّزَ فِي الْقِرَاءَاتِ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَحَدِ الْخَامِسِ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِدَارِهِ فِي دَرْبِ خَلَفٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَسَنُ بْنُ شِهَابِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَبُو عَلِيٍّ الْعُكْبَرِيُّ، الْفَقِيهُ الْحَنْبَلِيُّ الشَّاعِرُ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، سَمِعَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً أَمِينًا، كَمَا قَالَ الْبَرْقَانِيُّ، وَكَانَ يَسْتَرْزِقُ مِنَ الْوِرَاقَةِ - وَهُوَ النَّسْخُ - يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ دِيوَانَ الْمُتَنَبِّي فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَيَبِيعُهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخَذَ السُّلْطَانُ مِنْ تَرِكَتِهِ أَلْفَ دِينَارٍ سِوَى الْأَمْلَاكِ، وَكَانَ قَدْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي نَفَقَةِ الْحَنَابِلَةِ، فَلَمْ يُصْرَفْ ذَلِكَ. لُطْفُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى، أَبُو الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ وَلِيَ الْقَضَاءَ

стр. 9853

وَالْخَطَابَةَ بِدَرْزِيجَانَ، وَكَانَ ذَا لِسَانٍ، وَقَدْ أَضَرَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَكَانَ يَرْوِي حِكَايَاتٍ وَأَنَاشِيدَ مِنْ حَفْظِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْهَا. مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عِيسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، أَبُو عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ الْقَاضِي، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، أَبُو الْحَسَنِ الْأَهْوَازِيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَخَرَّجَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ النُّعَيْمِيُّ أَجْزَاءَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَسَمِعَ مِنْهُ الْبَرْقَانِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ بَانَ كَذِبُهُ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ جِرَابَ الْكَذِبِ. أَقَامَ بِبَغْدَادَ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 9854

مِهْيَارُ الدَّيْلَمِيُّ الشَّاعِرُ، مِهْيَارُ بْنُ مَرْزَوَيْهِ، أَبُو الْحَسَنِ الْكَاتِبُ الْفَارِسِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ: الدَّيْلَمِيُّ. كَانَ مَجُوسِيًّا فَأَسْلَمَ، إِلَّا أَنَّهُ سَلَكَ سَبِيلَ الرَّافِضَةِ، فَكَانَ يُنَظِّمُ الشِّعْرَ الْقَوِيَّ الْفَحْلَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ مِنْ سَبِّ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بُرْهَانَ: يَا مِهْيَارُ، انْتَقَلْتَ مِنْ زَاوِيَةٍ فِي النَّارِ إِلَى زَاوِيَةٍ أُخْرَى; كُنْتَ مَجُوسِيًّا، فَأَسْلَمْتَ، فَصِرْتَ تَسُبُّ الصَّحَابَةَ. وَقَدْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِدَرْبِ رَبَاحٍ مِنَ الْكَرْخٍ، وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ: أَسْتَنْجِدُ الصَّبْرَ فِيكُمْ وَهْوَ مَغْلُوبُ … وَأَسْأَلُ النَّوْمَ عَنْكُمْ وَهْوَ مَسْلُوبُ وَأَبْتَغِي عِنْدَكُمْ قَلْبًا سَمَحْتُ بِهِ … وَكَيْفَ يُرْجِعُ شَيْءٌ وَهْوَ مَوْهُوبُ مَا كُنْتُ أَعْرِفُ مَا مِقْدَارُ وَصْلِكُمُ … حَتَّى هَجَرْتُمْ وَبَعْضُ الْهَجْرِ تَأْدِيبُ وَلِمِهْيَارَ أَيْضًا قَوْلُهُ: أَجَارَتَنَا بِالْغَوْرِ وَالرَّكْبُ مُتَّهَمُ … أَيَعْلَمُ خَالٍ كَيْفَ بَاتَ الْمُتَيَّمُ رَحَلْتُمْ وَعُمْرُ اللَّيْلِ فِينَا وَفِيكُمُ … سَوَاءٌ وَلَكِنْ سَاهِرُونَ وَنُوَّمُ بِنَا أَنْتُمْ مِنْ ظَاعِنِينَ وَخَلَّفُوا … قُلُوبًا أَبَتْ أَنْ تَعْرِفَ الصَّبْرَ عَنْهُمُ وَلَمَّا جَلَا التَّوْدِيعُ عَمَّا حَذِرْتُهُ … وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا نَظْرَةٌ تَتَغَنَّمُ بَكَيْتُ عَلَى الْوَادِي فَحَرَّمْتُ مَاءَهُ … وَكَيْفَ يَحِلُّ الْمَاءُ أَكْثَرُهُ دَمُ

стр. 9855

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَلَمَّا كَانَ شِعْرُهُ كُلُّهُ جَيِّدًا اقْتَصَرْتُ مِنْهُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ. هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَعْرُوفُ بِالْحَاجِبِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْأَدَبِ وَالتَّدَيُّنِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ قَوْلُهُ: يَا لَيْلَةً سَلَكَ الْزَمَا … نُ بِطِيبِهَا فِي كُلِّ مَسْلَكْ إِذْ أَرْتَعِي رَوْضَ الْمَسَرَّ … ةِ مُدْرِكًا مَا لَيْسَ يُدْرَكْ وَالْبَدْرُ قَدْ فَضَحَ الظَّلَا … مَ فَسِتْرُهُ فِيهِ مُهَتَّكْ وَكَأَنَّمَا زُهْرُ النُّجُو … مِ بِلَمْعِهَا شُعَلٌ تُحَرَّكْ وَالْغَيْمُ أَحْيَانًا يَلُو … حُ كَأَنَّهُ ثَوْبٌ مُمَسَّكْ وَكَأَنَّ تَجْعِيدَ الرِّيَا … حِ لِدِجْلَةٍ ثَوْبٌ مُفَرَّكْ وَكَأَنَّ نَشْرَ الْمِسْكِ يَنْ … فَحُ فِي النَّسِيمِ إِذَا تَحَرَّكْ وَكَأَنَّمَا الْمَنْثُورُ مُصْ … فَرَّ الذُّرَا ذَهَبٌ مُشَبَّكْ وَالنُّورُ يَبْسِمُ فِي الرِّيَا … ضِ فَإِنْ نَظَرْتَ إِلَيْهِ سَرَّكْ شَارَطْتُ نَفْسِي أَنْ أَقُو … مَ بِحَقِّهَا وَالشَّرْطُ أَمْلَكْ حَتَّى تَوَلَّى اللَّيْلُ مُنْ … هَزِمًا وَجَاءَ الصُّبْحُ يَضْحَكْ

стр. 9856

وَاهِ الْفَتَى لَوْ أَنَّهُ … فِي ظِلِّ طِيبِ الْعَيْشِ يُتْرَكْ وَالدَّهْرُ يَحْسُبُ عُمْرَهُ … فَإِذَا أَتَاهُ الشَّيْبُ فَذْلَكْ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا، الطَّبِيبُ الْفَيْلَسُوفُ، الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِينَا الشَّيْخُ الرَّئِيسُ، الَّذِي كَانَ نَادِرَةً فِي زَمَانِهِ، كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَلْخَ وَانْتَقَلَ إِلَى بُخَارَى، وَاشْتَغَلَ بِهَا ابْنُ سِينَا فَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَأَتْقَنَ عُلُومَهُ وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ، وَأَتْقَنَ الْحِسَابَ وَالْجَبْرَ وَالْمُقَابَلَةَ وَ «إِقْلِيدِسَ» وَ «الْمَجَسْطِيَّ»، ثُمَّ اشْتَغَلَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّاتِلِيِّ الْحَكِيمِ، فَبَرَعَ فِيهِ، وَفَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ، وَتَرَدَّدَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَاشْتَغَلُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ عَالَجَ بَعْضَ الْمُلُوكِ السَّامَانِيَّةِ، وَهُوَ الْأَمِيرُ نُوحُ بْنُ نَصْرٍ، فَأَعْطَاهُ جَائِزَةً سَنِيَّةً، وَحَكَّمَهُ فِي خِزَانَةِ كُتُبِهِ، فَرَأَى فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ عَزَا بَعْضَ تِلْكَ الْكُتُبِ إِلَى نَفْسِهِ. وَلَهُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالطَّبِيعِيَّاتِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ.

стр. 9857

قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: لَهُ نَحْوٌ مِنْ مِائَةِ مُصَنَّفٍ; صِغَارٍ وَكِبَارٍ، مِنْهَا «الْقَانُونُ» وَ «الشِّفَاءُ» وَ «النَّجَاةُ» وَ «الْإِشَارَاتُ» وَ «سلَامَانُ وَإِبْسَالُ» وَ «حَيُّ بْنُ يَقْظَانَ» وَغَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ: وَكَانَ مِنْ فَلَاسِفَةِ الْإِسْلَامِ. ثُمَّ أَوْرَدَ لَهُ مِنَ الْأَشْعَارِ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ الْمَحَلِّ الْأَرْفَعِ … وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ مَحْجُوبَةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ … وَهْيَ الَّتِي سَفَرَتْ فَلَمْ تَتَبَرْقَعِ وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرْبَّمَا … كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفُجُّعِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. وَقَوْلُهُ أَيْضًا: اجْعَلْ غِذَاءَكَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً … وَاحْذَرْ طَعَامًا قَبْلَ هَضْمِ طَعَامِ وَاحْفَظْ مَنِيَّكَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّهُ … مَاءُ الْحَيَاةِ يُرَاقُ فِي الْأَرْحَامِ وَذَكَرَ أَنَّهُ مَاتَ بِالْقُولَنْجِ فِي هَمَذَانَ، وَقِيلَ: بِأَصْبَهَانَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، عَنْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. قُلْتُ: وَقَدْ لَخَّصَ الْغَزَّالِيُّ كَلَامَهُ فِي «مَقَاصِدِ الْفَلَاسِفَةِ»، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ فِي «تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ» فِي عِشْرِينَ مَسْأَلَةً، كَفَّرَهُ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ مِنْهُنَّ; وَهِيَ قَوْلُهُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَعَدَمِ الْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَبَدَّعَهُ فِي الْبَوَاقِي، وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَابَ عِنْدَ الْمَوْتِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 9858

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا بُدُوُّ مُلْكِ السَّلَاجِقَةِ. وَفِيهَا اسْتَوْلَى رُكْنُ الدَّوْلَةِ أَبُو طَالِبٍ طُغْرُلْبَكُ مُحَمَّدُ بْنُ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ عَلَى نَيْسَابُورَ وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهَا، وَبَعَثَ أَخَاهُ دَاوُدَ إِلَى سَائِرِ بِلَادِ خُرَاسَانَ، فَمَلَكَهَا وَانْتَزَعَهَا مِنْ نُوَّابِ الْمَلِكِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ. وَفِيهَا قَتْلُ جَيْشِ الْمِصْرِيِّينَ لِصَاحِبِ حَلَبَ وَهُوَ شِبْلُ الدَّوْلَةِ نَصْرُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا. وَفِيهَا سَأَلَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ الْخَلِيفَةَ أَنْ يُلَقَّبَ بِمُلْكِ الدَّوْلَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ تَمَنُّعٍ. وَفِيهَا اسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ، وَأَحْضَرَ جَاثَلِيقَ النَّصَارَى وَرَأَسَ جَالُوتِ الْيَهُودِ، وَأُلْزِمُوا بِالْغِيَارِ. وَفِي رَمَضَانَ لُقِّبَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ شَاهِنْشَاهِ الْأَعْظَمَ مَلِكَ الْمُلُوكِ بِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ، وَخُطِبَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَنَابِرِ، فَنَفَرَتِ الْعَامَّةُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَمَوُا الْخُطَبَاءَ بِالْآجُرِّ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَاسْتُفْتِيَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ، فَأَفْتَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

стр. 9859

الصَّيْمَرِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَصْدُ وَالنِّيَّةُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا [الْبَقَرَةِ: ٢٤٧] وَقَالَ: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الْكَهْفِ: ٧٩] وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مُلُوكٌ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ; لِتَفَاضُلِهِمْ فِي الْقُوَّةِ وَالْإِمْكَانِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ التَّكَبُّرَ وَلَا الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِينَ. وَكَتَبَ الْقَاضِيأَبُو الطِّيبِ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ إِطْلَاقَ مَلِكِ الْمُلُوكِ جَائِزٌ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ مَلِكَ مُلُوكِ الْأَرْضِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: كَافِي الْكُفَاةِ وَقَاضِي الْقُضَاةِ، جَازَ مَلِكُ الْمُلُوكِ. وَإِذَا كَانَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُلُوكُ الْأَرْضِ زَالَتِ الشُّبْهَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الْمَلِكَ، فَيُصْرَفُ الْكَلَامُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَكَتَبَ التَّمِيمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ «الْحَاوِي الْكَبِيرِ» فَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فِي «أَدَبِ الْمُفْتِي» أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَصَرَّ عَلَى الْمَنْعِ، مَعَ صُحْبَتِهِ لِلْمَلِكِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، وَكَثْرَةِ تَرْدَادِهِ إِلَيْهِ، وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى اسْتَدْعَاهُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، دَخَلَ وَهُوَ وَجِلٌ خَائِفٌ أَنْ يُوقِعَ بِهِ مَكْرُوهًا، فَلَمَّا وَاجَهَهُ قَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَكَ مِنْ مُوَافَقَةِ الَّذِينَ جَوَّزُوا ذَلِكَ، مَعَ صُحْبَتِكَ إِيَّايَ وَوَجَاهَتِكَ عِنْدِي، دِينُكَ وَاتِّبَاعُكَ الْحَقَّ، وَلَوْ حَابَيْتَ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ لَحَابَيْتَنِي، وَقَدْ زَادَكَ ذَلِكَ

стр. 9860

عِنْدِي مَحَبَّةً وَمَكَانَةً. قُلْتُ: وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ; قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي «مَسْنَدِهِ»: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ. قَالَ أَحْمَدُ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ عَنْ «أَخْنَعِ اسْمٍ» قَالَ: أَوْضَعُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ نَبِيُّهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الثَّعَالِبِيُّ صَاحِبُ «يَتِيمَةِ الدَّهْرِ» أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ

стр. 9861

إِسْمَاعِيلَ الثَّعَالِبِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ كَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ وَالْأَخْبَارِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، بَارِعًا مُفِيدًا، لَهُ التَّصَانِيفُ الْكِبَارُ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَأَكْبَرُ كُتُبِهِ «يَتِيمَةُ الدَّهْرِ فِي مَحَاسِنِ أَهْلِ الْعَصْرِ»، وَفِيهَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: أَبْيَاتُ أَشْعَارِ الْيَتِيمَهْ … أَبْكَارُ أَفْكَارٍ قَدِيمَهْ مَاتُوا وَعَاشَتْ بَعْدَهُمْ … فَلِذَاكَ سُمِّيَتِ الْيَتِيمَهْ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الثَّعَالِبِيَّ; لِأَنَّهُ كَانَ فَرَّاءً يَخِيطُ جُلُودَ الثَّعَالِبِ، وَلَهُ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ مَلِيحَةٌ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَكَانَ مَاهِرًا فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا عِلْمُ الْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ، وَكَانَ ذَا مَالٍ وَثَرْوَةٍ، أَنْفَقَهُ كُلُّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ، وَصَنَّفَ فِي الْعُلُومِ، وَدَرَّسَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ عِلَمًا، وَكَانَ اشْتِغَالُهُ عَلَى الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ نَاصِرٌ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُ.

стр. 9862

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِيهَا الْتَقَى الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ وَالْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ السَّلْجُوقِيُّ وَمَعَهُ أَخُوهُ دَاوُدُ فِي شَعْبَانَ، فَهَزَمَهُمَا مَسْعُودٌ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِمَا خَلْقًا كَثِيرًا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَطَبَ شَبِيبُ بْنُ وَثَّابٍ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ بِحَرَّانَ وَالرَّقَّةِ وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْمُسْتَنْصِرِ الْعُبَيْدِيِّ. وَفِيهَا خُوطِبَ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ جَلَالِ الدَّوْلَةِ بِالْمَلِكِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِوَاسِطٍ، وَهَذَا الْعَزِيزُ هُوَ الَّذِي كَانَ آخِرُ مَنْ تَمَلَّكَ مِنْ بَنِي بُوَيْهِ بِبَغْدَادَ، لَمَّا طَغَوْا وَبَغَوْا وَتَمَرَّدُوا وَتَسَمَّوْا بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ، وَهُوَ اسْمٌ يُبْغِضُهُ اللَّهُ، فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ مَا كَانَ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ الْمُلْكَ إِلَى غَيْرِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمِ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرَّعْدِ: ١١]. وَفِيهَا خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاكُولَا خِلْعَةَ تَشْرِيفٍ.

стр. 9863

وَفِيهَا وَقَعَ ثَلْجٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَادَ مِقْدَارَ شِبْرٍ عَلَى الْأَسْطِحَةِ حَتَّى جَرَفَهُ النَّاسُ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مَلَكَ بَنُو سَلْجُوقَ بِلَادَ خُرَاسَانَ وَالْجَبَلَ، وَتَقَسَّمُوا الْأَطْرَافَ، وَهُوَ أَوَّلُ مُلْكِ السَّلْجُوقِيَّةِ. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَلَا مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ ذُو التَّصَانِيفِ الْمُفِيدَةِ الْكَثِيرَةِ الشَّهِيرَةِ، مِنْ ذَلِكَ «حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ» فِي مُجَلَّدَاتٍ كَثِيرَةٍ، دَلَّتْ عَلَى اتِّسَاعِ رِوَايَتِهِ، وَكَثْرَةِ مَشَايِخِهِ، وَقُوَّةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَخَارِجِ الْأَحَادِيثِ، وَتَشَعُّبِ طُرُقِهَا، وَلَهُ «مُعْجَمُ الصَّحَابَةِ» وَهُوَ عِنْدِي بِخَطِّهِ، وَلَهُ «صِفَةُ الْجَنَّةِ» وَ «دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ»، وَكِتَابٌ فِي الطِّبِّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمُفِيدَةِ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ يَخْلِطُ الْمَسْمُوعَ لَهُ بِالْمَجَازِ، وَلَا يُوَضِّحُ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ.

стр. 9864

وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ النَّخْشَبِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ أَبُو نُعَيْمٍ «مُسْنَدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ» مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ بِتَمَامِهِ، فَحَدَّثَ بِهِ كُلِّهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ مَيْلًا كَثِيرًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الثَّامِنَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا، عَنْ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ﵀ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي بْنُ خَلِّكَانَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: وَلَهُ «تَارِيخُ أَصْبَهَانَ». وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ وَالِدِهِ أَنَّ مِهْرَانَ أَسْلَمَ، وَأَنَّ وَلَاءَهُمْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَذَكَرَ أَنَّ مَعْنَى أَصْبَهَانَ - وَأَصْلُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ سَبَاهَانُ - أَيْ مَجْمَعُ الْعَسَاكِرِ، وَأَنَّ إِسْكَنْدَرَ بَنَاهَا، قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ. الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَبُو عَلِيٍّ الرُّخَّجِيُّ وَزَرَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ سَنَتَيْنِ ثُمَّ عُزِلَ، وَكَانَ عَظِيمَ الْجَاهِ فِي زَمَانِ عُطْلَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْمَارَسْتَانَ بِوَاسِطٍ، وَرَتَّبَ فِيهِ الْأَشْرِبَةَ وَالْأَطِبَّاءَ وَالْأَدْوِيَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ كِفَايَتَهُ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الْحَسَنُ بْنُ حَفْصٍ، أَبُو الْفُتُوحِ الْعَلَوِيُّ، أَمِيرُ مَكَّةَ.

стр. 9865

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُؤَدَّبُ وَهُوَ أَخُو أَبِي مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، سَمِعَ «صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ» مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُشْمَيْهَنِيِّ، وَسَمِعَ غَيْرَهُ. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ. عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو الْقَاسِمِ الْوَاعِظُ سَمِعَ النَّجَّادَ وَدَعْلَجَ بْنَ أَحْمَدَ وَالْآجُرِّيَّ وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، وَكَانَ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحُكَّامِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ رَغْبَةً عَنْهُ، وَمَاتَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ الرُّصَافَةَ، وَكَانَ الْجَمْعُ حَافِلًا، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَكَانَ أَوْصَى بِذَلِكَ. مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ خَلَفِ بْنِ الْفَرَّاءِ، أَبُو خَازِمٍ أَخُو الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، الْحَنْبَلِيُّ، سَمِعَ الدَّارَقُطْنِيَّ وَابْنَ شَاهِينَ. قَالَ الْخَطِيبُ: كَانَ لَا بَأْسَ بِهِ، وَرَأَيْتُ لَهُ أُصُولًا سَمَاعُهُ فِيهَا، ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ خَلَطَ فِي الْحَدِيثِ بِمِصْرَ، وَاشْتَرَى مِنَ الْوَرَّاقِينَ صُحُفًا فَرَوَى مِنْهَا، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى الِاعْتِزَالِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِتِنِّيسَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ.

стр. 9866

مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ الزَّاهِدُ، كَانَ خَشِنَ الْعَيْشِ، وَكَانَ ابْنُ الْقَزْوِينِيِّ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَكَانَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ صَاحِبُ بَغْدَادَ يَزُورُهُ، وَقَدْ سَأَلَهُ مَرَّةً أَنْ يُطْلِقَ لِلنَّاسِ مَكْسَ الْمِلْحِ، وَكَانَ فِي السَّنَةِ أَلْفَيْ دِينَارٍ، فَتَرَكَهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ لِجِنَازَتِهِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مَرَّاتٍ، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الْفَضْلُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَبُو الرِّضَا، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الظَّرِيفِ وَكَانَ شَاعِرًا ظَرِيفًا، وَمِنْ شِعْرِهِ الْفَائِقِ وَنَظْمِهِ الرَّائِقِ قَوْلُهُ: يَا قَالَةَ الشِّعْرِ قَدْ نَصَحْتُ … لَكُمْ وَلَسْتُ أُدْهَى إِلَّا مِنَ النُّصْحِ قَدْ ذَهَبَ الدَّهْرُ بِالْكِرَامِ وَفِي … ذَاكَ أُمُورٌ طَوِيلَةُ الشَّرْحِ وَتَطْلُبُونَ النَّوَالَ مِنْ رَجُلٍ … قَدْ طُبِعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الشُّحِّ وَأَنْتُمُ تَمْدَحُونَ بِالْحُسْنِ وَال … ظَّرْفِ وُجُوهًا فِي غَايَةِ الْقُبْحِ مِنْ أَجْلِ ذَا تُحْرَمُونَ رِزْقَكُمْ … لِأَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ فِي الْمَدْحِ صُونُوا الْقَوَافِيَ فَمَا أَرَى أَحَدًا … يَغْتَرُّ فِيهِ الرَّجَاءُ بِالنُّجْحِ فَإِنْ شَكَكْتُمْ فِيمَا أَقُولُ لَكُمْ … فَكَذِّبُونِي بِوَاحِدٍ سَمْحِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَاكُولَا وَزَرَ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ مِرَارًا، وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، عَارِفًا بِالشِّعْرِ وَالْأَخْبَارِ، خُنِقَ بِهِيتَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 9867

أَبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عِيسَى الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ، أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ عَلِمَ الْخِلَافَ، وَأَبْرَزَهُ إِلَى الْوُجُودِ. قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ قَالَ: وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمِثْلُ، وَالدَّبُّوسِيُّ: نِسْبَةٌ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ أَعْمَالِ بُخَارَى. قَالَ: وَلَهُ كِتَابُ «الْأَسْرَارِ» وَ «تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ». وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَانِيفِ وَالتَّعَالِيقِ. قَالَ: وَرُوِيَ أَنَّهُ نَاظَرَ الْفُقَهَاءَ، فَبَقِيَ بَعْضُهُمْ كُلَّمَا أَلْزَمَهُ أَبُو زَيْدٍ إِلْزَامًا تَبَسَّمَ أَوْ ضَحِكَ، فَأَنْشَدَ أَبُو زَيْدٍ: مَا لِي إِذَا أَلْزَمْتُهُ حُجَّةً … قَابَلَنِي بِالضِّحْكِ وَالْقَهْقَهَهْ إِنْ كَانَ ضِحْكُ الْمَرْءِ مِنْ فِقْهِهِ … فَالدُّبُّ فِي الصَّحَرَاءِ مَا أَفْقَهَهْ الْحَوْفِيُّ صَاحِبُ «إِعْرَابِ الْقُرْآنِ»، أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ الْحَوْفِيُّ النَّحْوِيُّ لَهُ كِتَابٌ فِي النَّحْوِ كَبِيرٌ وَ «إِعْرَابُ الْقُرْآنِ» فِي عَشْرِ مُجَلَّدَاتٍ، وَلَهُ «تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ» أَيْضًا، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالنَّحْوِ وَالْأَدَبِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ انْتَفَعَ النَّاسُ بِهَا، قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَالْحَوْفِيُّ: نِسْبَةٌ إِلَى نَاحِيَةٍ بِمِصْرَ، يُقَالُ لَهَا: الشَّرْقِيَّةُ، وَقَصَبَتُهَا مَدِينَةُ بُلْبَيْسَ فَجَمِيعُ رِيفِهَا يُسَمَّوْنَ الْحَوْفَ، وَاحِدُهُمْ حَوْفِيٌّ، وَهُوَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: شَبْرَا اللَّنْجَةِ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرْقِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ، آمِينَ.

стр. 9868

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً بِحَيْثُ حَمَلَتِ الْجِسْرَ وَمَنْ عَلَيْهِ، فَأَلْقَتْهُمْ بِأَسْفَلِ الْبَلَدِ وَسَلِمُوا. وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ الْجُنْدِ وَبَيْنَ الْمَلِكِ جَلَالَ الدَّوْلَةِ شَغَبٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَرَتْ شُرُورٌ طَوِيلَةٌ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ، وَنَهَبَتِ الْأَتْرَاكُ دُورَ النَّاسِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ عِنْدَهُمْ حُرْمَةٌ وَلَا كَلِمَةٌ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ جِدًّا. وَفِيهَا بَعَثَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ وَزِيرَهُ الْعَادِلَ بْنَ مَافَنَّةَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَمَلَكَّهَا لَهُ. وَفِيهَا زَارَ الْمَلِكُ أَبُو طَاهِرٍ مَشْهَدَ عَلِيٍّ وَمَشْهَدَ الْحُسَيْنِ، وَمَشَى حَافِيًا فِي بَعْضِ تِلْكَ الزِّيَارَاتِ، وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضَّرِيرُ الْحِيرِيُّ،

стр. 9869

مِنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ كَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْفُضَلَاءِ الْأَذْكِيَاءِ، وَالثِّقَاتِ الْأُمَنَاءِ، قَدِمَ بَغْدَادَ حَاجًّا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ جَمِيعَ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي ثَلَاثَةِ مَجَالِسَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ الْكُشْمَيْهَنِيِّ، عَنِ الْفِرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. بُشْرَى الْفَاتِنِيُّ وَهُوَ بُشْرَى بْنُ مَسِيسَ، مِنْ سَبْيِ الرُّومِ، أَهْدَاهُ بَعْضُ أُمَرَاءِ بَنِي حَمْدَانَ لِفَاتِنَ غُلَامِ الْمُطِيعِ، فَأَدَّبَهُ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَرَوَى عَنْهُ الْخَطِيبُ، وَقَالَ: كَانَ صَدُوقًا صَالِحًا دَيِّنًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ مَرْوَانَ، أَبُو الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيُّ وَأَصْلُهُ مِنْ فَمِ الصُّلْحِ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَقَرَأَ الْقِرَاءَاتِ وَرَوَاهَا، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي رِوَايَتِهِ فِي الْقِرَاءَاتِ وَالْحَدِيثِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 9870

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا عَظُمَ شَأْنُ السَّلْجُوقِيَّةِ، وَارْتَفَعَ شَأْنُ مَلِكِهِمْ طُغْرُلْبَكَ مُحَمَّدٍ وَأَخِيهِ جَغْرِيبَكَ دَاوُدَ، وَهُمَا ابْنَا مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ بْنِ دُقَاقَ، وَقَدْ كَانَ جَدُّهُمْ دُقَاقُ هَذَا مِنْ مَشَايِخِ التُّرْكِ الْقُدَمَاءِ الَّذِينَ لَهُمُ الرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ وَالْمَكَانَةُ عِنْدَ مَلِكِهِمُ الْأَعْظَمِ، وَنَشَأَ وَلَدُهُ سَلْجُوقُ نَجِيبًا شَهْمًا، فَقَدَّمَهُ الْمَلِكُ وَلَقَّبَهُ سُبَاشَى، فَأَطَاعَتْهُ الْجُيُوشُ، وَانْقَادَتْ لَهُ النَّاسُ بِحَيْثُ تَخَوَّفَ مِنْهُ الْمَلِكُ، وَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسْلَمَ فَازْدَادَ عِزًّا وَعُلُوًّا، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْ مِائَةٍ وَسَبْعِ سِنِينَ، وَخَلَّفَ أَرْسَلَانَ وَمِيكَائِيلَ وَمُوسَى، فَأَمَّا مِيكَائِيلُ فَإِنَّهُ اعْتَنَى بِقِتَالِ الْكُفَّارِ مِنَ الْأَتْرَاكِ، حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، وَخَلَّفَ وَلَدَيْهِ طُغْرُلْبَكَ مُحَمَّدًا، وَجَغْرِيبَكَ دَاوُدَ، فَعَظُمَ شَأْنُهُمَا فِي بَنِي عَمِّهِمَا، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمَا التُّرْكُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمْ تُرْكُ الْإِيمَانِ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ الْيَوْمَ: تَرْكُمَانُ. وَهُمُ السَّلَاجِقَةُ بَنُو سَلْجُوقَ جَدِّهِمْ هَذَا، فَفَتَحُوا بِلَادَ خُرَاسَانَ بِكَمَالِهَا بَعْدَ مَوْتِ مَحْمُودِ بْنِ

стр. 9871

سُبُكْتِكِينَ، فَقَدْ كَانَ يَتَخَوَّفُ مِنْهُمُ الْمَلِكُ مَحْمُودٌ بَعْضَ التَّخَوُّفِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَقَامَ وَلَدُهُ مَسْعُودٌ مِنْ بَعْدِهِ قَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ مِرَارًا، فَيَهْزِمُونَهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاقِفِ، وَاسْتُكْمِلَ لَهُمْ مُلْكُ خُرَاسَانَ بِأَسَرِهَا، ثُمَّ قَصَدَهُمْ مَسْعُودٌ فِي جُنُودٍ يَضِيقُ بِهِمُ الْفَضَاءُ فَكَسَرُوهُ فِيهَا، وَكَبَسَهُ مَرَّةً دَاوُدُ، فَانْهَزَمَ مِنْهُ مَسْعُودٌ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَخِيَامِهِ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَفَرَّقَ الْغَنَائِمَ، وَمَكَثَ جَيْشُهُ عَلَى خُيُولِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَا يَنْزِلُونَ عَنْهَا; خَوْفًا مِنْ دُهْمَةِ الْعَدُوِّ، وَبِمِثْلِ هَذَا الِاحْتِرَاسِ تَمَّ لَهُمْ مَا رَامُوهُ، وَكَمَلَ جَمِيعُ مَا أَمَّلُوهُ، ثُمَّ كَانَ مِنْ سَعَادَتِهِمْ أَنَّ الْمَلِكَ مَسْعُودًا تَوَجَّهَ نَحْوَ بِلَادِ الْهِنْدِ لِيُشَتِّيَ بِهَا، وَتَرَكَ مَعَ وَلَدِهِ مَوْدُودٍ جَيْشًا كَثِيفًا بِسَبَبِ قِتَالِ السَّلَاجِقَةِ، فَلَمَّا عَبَرَ الْجِسْرَ الَّذِي عَلَى سَيَحْوُنَ نَهَبَتْ جُنُودُهُ حَوَاصِلَهُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ، وَخَلَعُوا مَسْعُودًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ مَسْعُودٌ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمُوهُ وَأَسَرُوهُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّكَ عَلَى سُوءِ صَنِيعِكَ إِلَيَّ، وَلَكِنِ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ أَيَّ بَلَدٍ تَكُونُ فِيهِ أَنْتَ وَعِيَالُكَ. فَاخْتَارَ قَلْعَةً كُبْرَى فَكَانَ بِهَا، ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ مُحَمَّدًا جَعَلَ لِوَلَدِهِ أَحْمَدَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، وَبَايَعَ الْجَيْشُ لَهُ، وَقَدْ كَانَ فِي أَحْمَدَ هَوَجٌ وَقِلَّةُ عَقْلٍ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَعَمُّهُمْ يُوسُفُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ عَلَى قَتْلِ مَسْعُودٍ لِيَصْفُوَ لَهُمُ الْأَمْرُ، وَيَتِمَّ لَهُمُ الْمُلْكُ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْ أَبِيهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُوهُ غَاظَهُ ذَلِكَ وَعَتَبَ عَلَى ابْنِهِ عَتْبًا شَدِيدًا، وَبَعَثَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، وَيُقْسِمُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى كَانَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَوْدُودُ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: رَزَقَ اللَّهُ وَلَدَكَ الْمَعْتُوهَ عَقْلًا يَعِيشُ بِهِ، فَقَدِ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا، وَأَقْدَمَ عَلَى إِرَاقَةِ دَمِ مَلِكٍ مِثْلِ وَالِدِي، لَقَّبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِسَيِّدِ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، وَسَتَعْلَمُونَ أَيَّ حَتْفٍ تَوَرَّطْتُمْ وَأَيَّ شَرِّ تَأَبَّطْتُمْ: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبِ يَنْقَلِبُونَ

стр. 9872

[الشُّعَرَاءِ: ٢٢٧]. ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي جُنُودٍ عَظِيمَةٍ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَهَرَهُمْ وَأَسَرَهُمْ، فَقَتَلَ عَمَّهُ مُحَمَّدًا وَابْنَهُ أَحْمَدَ وَبَنِي عَمِّهِ كُلَّهُمْ، إِلَّا عَبْدَ الرَّحِيمِ وَخَلْقًا مِنْ رُءُوسِ أُمَرَائِهِمْ، وَابْتَنَى قَرْيَةً هُنَالِكَ وَسَمَّاهَا فَتْحَا بَادَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى غَزْنَةَ فَدَخَلَهَا فِي شَعْبَانَ، فَأَظْهَرَ الْعَدْلَ وَسَلَكَ سِيرَةَ جَدِّهِ مَحْمُودٍ، فَأَطَاعَهُ النَّاسُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ بِالِانْقِيَادِ وَالِاتِّبَاعِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَهْلَكَ قَوْمَهُ بِيَدِهِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ سَعَادَةِ السَّلَاجِقَةِ. وَفِيهَا خَالَفَ أَوْلَادُ حَمَّادٍ عَلَى الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ، وَوَقَعَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِسَبَبِ تَأَخُّرِ الْأَمْطَارِ عَنْهُمْ. وَوَقَعَ بِبَغْدَادَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَرْخِ وَأَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَضَوَاحِيهَا. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَبُو يَعْلَى الْبَصْرِيُّ الصُّوفِيُّ أَذْهَبَ عُمُرَهُ فِي الْأَسْفَارِ وَالتَّغْرِيبِ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، فَحَدَّثَ بِهَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ الدِّمَشْقِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ جُمَيْعٍ الْغَسَّانِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا أَدِيبًا حَسَنَ الشِّعْرِ.

стр. 9873

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا مَلَكَ طُغْرُلْبَكُ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا. وَفِيهَا وَلِيَ ظَهِيرُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَاكَوَيْهِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، فَوَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَوَيْهِ; أَبِي كَالِيجَارَ وَكُرْشَاسِفَ. وَفِيهَا دَخَلَ أَبُو كَالِيجَارَ هَمَذَانَ وَدَفَعَ الْغُزَّ عَنْهَا. وَفِيهَا شَغَبَتِ الْأَتْرَاكُ بِبَغْدَادَ بِسَبَبِ تَأَخُّرِ الْعَطَاءِ عَنْهُمْ. وَسَقَطَتْ قَنْطَرَةُ بَنِي زُرَيْقٍ عَلَى نَهْرِ عِيسَى، وَكَذَا الْقَنْطَرَةُ الْعَتِيقَةُ الَّتِي تُقَارِبُهَا. وَفِيهَا دَخَلَ بَغْدَادَ رَجُلٌ مِنَ الْبَلْغَرِ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ كِبَارِهِمْ، فَأُنْزِلَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْأَرْزَاقُ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ مُوَلَّدُونَ مِنَ التُّرْكِ وَالصَّقَالِبَةِ، وَأَنَّهُمْ فِي أَقْصَى بِلَادِ التُّرْكِ، وَأَنَّ النَّهَارَ يَقْصُرُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَكُونَ سِتَّ سَاعَاتٍ،

стр. 9874

وَكَذَا اللَّيْلُ، وَعِنْدَهُمْ عُيُونٌ وَزُرُوعٌ وَثِمَارٌ عَلَى الْمَطَرِ وَالسَّقْيِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُرِئَ الِاعْتِقَادُ الْقَادِرِيُّ الَّذِي كَانَ جَمَعَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُخِذَتْ خُطُوطُ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ بِأَنَّهُ اعْتِقَادُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ خَالَفَهُ فَقَدْ فَسَقَ وَكَفَرَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْقَزْوِينِيُّ، ثُمَّ كَتَبَ بَعْدَهُ الْعُلَمَاءُ، وَقَدْ سَرَدَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «مُنْتَظَمِهِ» بِتَمَامِهِ، وَفِيهِ جُمْلَةٌ جَيِّدَةٌ مِنِ اعْتِقَادِ السَّلَفِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: بَهْرَامُ بْنُ مَافَنَّةَ، أَبُو مَنْصُورٍ الْوَزِيرُ لِأَبِي كَالِيجَارَ كَانَ عَفِيفًا نَزِهَا صِيِّنَا، عَادِلًا فِي سِيرَتِهِ، وَقَدْ وَقَفَ خِزَانَةَ كُتُبٍ فِي مَدِينَةِ فِيرُوزَابَاذَ، تَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ مُجَلَّدٍ، مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ وَرَقَةٍ بِخَطِّ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنَىْ مُقْلَةَ. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَعْرُوفُ بِالْجَهْرَمِيِّ، قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: هُوَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ لَقِينَاهُمْ وَسَمِعْنَا مِنْهُمْ، وَكَانَ يُجِيدُ الْقَوْلَ وَمِنْ شِعْرِهِ:

стр. 9875

يَا وَيْحَ قَلْبِي مِنْ تَقَلُّبِهِ … أَبَدًا يَحِنُّ إِلَى مُعَذِّبِهِ قَالُوا كَتَمْتَ هَوَاهُ عَنْ جَلَدٍ … لَوْ أَنَّ لِي جَلَدًا لَبُحْتُ بِهِ بِأَبِي حَبِيبٍ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ … عَنِّي وَيُكْثِرُ مِنْ تَعَتُّبِهِ حَسْبِي رِضَاهُ مِنَ الْحَيَاةِ وَيَا … قَلَقِي وَمَوْتِي مِنْ تَغَضُّبِهِ مَسْعُودٌ الْمَلِكُ بْنُ الْمَلِكِ مَحْمُودِ بْنِ الْمَلِكِ سُبُكْتِكِينَ صَاحِبُ بِلَادِ غَزْنَةَ وَابْنُ صَاحِبِهَا، قَتَلَهُ ابْنُ عَمِّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ، فَانْتَقَمَ لَهُ ابْنُهُ مَوْدُودُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَقَتَلَ عَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ مِنْ أَجْلِ أَبِيهِ، وَاسْتَتَبَّ لَهُ الْأَمْرُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ مِنْ قَوْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. بِنْتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِيِّ لِلَّهِ تَأَخَّرَتْ مُدَّتُهَا حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهَا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً بِالْحَرِيمِ الطَّاهِرِيِّ، وَدُفِنَتْ بِالرُّصَافَةِ، رَحِمَهَا اللَّهُ وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
следующие страницы →