Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.
стр. 9871
سُبُكْتِكِينَ، فَقَدْ كَانَ يَتَخَوَّفُ مِنْهُمُ الْمَلِكُ مَحْمُودٌ بَعْضَ التَّخَوُّفِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَقَامَ وَلَدُهُ مَسْعُودٌ مِنْ بَعْدِهِ قَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ مِرَارًا، فَيَهْزِمُونَهُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاقِفِ، وَاسْتُكْمِلَ لَهُمْ مُلْكُ خُرَاسَانَ بِأَسَرِهَا، ثُمَّ قَصَدَهُمْ مَسْعُودٌ فِي جُنُودٍ يَضِيقُ بِهِمُ الْفَضَاءُ فَكَسَرُوهُ فِيهَا، وَكَبَسَهُ مَرَّةً دَاوُدُ، فَانْهَزَمَ مِنْهُ مَسْعُودٌ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَخِيَامِهِ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَفَرَّقَ الْغَنَائِمَ، وَمَكَثَ جَيْشُهُ عَلَى خُيُولِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَا يَنْزِلُونَ عَنْهَا; خَوْفًا مِنْ دُهْمَةِ الْعَدُوِّ، وَبِمِثْلِ هَذَا الِاحْتِرَاسِ تَمَّ لَهُمْ مَا رَامُوهُ، وَكَمَلَ جَمِيعُ مَا أَمَّلُوهُ، ثُمَّ كَانَ مِنْ سَعَادَتِهِمْ أَنَّ الْمَلِكَ مَسْعُودًا تَوَجَّهَ نَحْوَ بِلَادِ الْهِنْدِ لِيُشَتِّيَ بِهَا، وَتَرَكَ مَعَ وَلَدِهِ مَوْدُودٍ جَيْشًا كَثِيفًا بِسَبَبِ قِتَالِ السَّلَاجِقَةِ، فَلَمَّا عَبَرَ الْجِسْرَ الَّذِي عَلَى سَيَحْوُنَ نَهَبَتْ جُنُودُهُ حَوَاصِلَهُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى أَخِيهِ مُحَمَّدٍ، وَخَلَعُوا مَسْعُودًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ مَسْعُودٌ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمُوهُ وَأَسَرُوهُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّكَ عَلَى سُوءِ صَنِيعِكَ إِلَيَّ، وَلَكِنِ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ أَيَّ بَلَدٍ تَكُونُ فِيهِ أَنْتَ وَعِيَالُكَ. فَاخْتَارَ قَلْعَةً كُبْرَى فَكَانَ بِهَا، ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ مُحَمَّدًا جَعَلَ لِوَلَدِهِ أَحْمَدَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، وَبَايَعَ الْجَيْشُ لَهُ، وَقَدْ كَانَ فِي أَحْمَدَ هَوَجٌ وَقِلَّةُ عَقْلٍ، فَاتَّفَقَ هُوَ وَعَمُّهُمْ يُوسُفُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ عَلَى قَتْلِ مَسْعُودٍ لِيَصْفُوَ لَهُمُ الْأَمْرُ، وَيَتِمَّ لَهُمُ الْمُلْكُ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْ أَبِيهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُوهُ غَاظَهُ ذَلِكَ وَعَتَبَ عَلَى ابْنِهِ عَتْبًا شَدِيدًا، وَبَعَثَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، وَيُقْسِمُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى كَانَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَوْدُودُ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: رَزَقَ اللَّهُ وَلَدَكَ الْمَعْتُوهَ عَقْلًا يَعِيشُ بِهِ، فَقَدِ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا، وَأَقْدَمَ عَلَى إِرَاقَةِ دَمِ مَلِكٍ مِثْلِ وَالِدِي، لَقَّبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِسَيِّدِ الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، وَسَتَعْلَمُونَ أَيَّ حَتْفٍ تَوَرَّطْتُمْ وَأَيَّ شَرِّ تَأَبَّطْتُمْ: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبِ يَنْقَلِبُونَ
стр. 9872
[الشُّعَرَاءِ: ٢٢٧]. ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي جُنُودٍ عَظِيمَةٍ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَهَرَهُمْ وَأَسَرَهُمْ، فَقَتَلَ عَمَّهُ مُحَمَّدًا وَابْنَهُ أَحْمَدَ وَبَنِي عَمِّهِ كُلَّهُمْ، إِلَّا عَبْدَ الرَّحِيمِ وَخَلْقًا مِنْ رُءُوسِ أُمَرَائِهِمْ، وَابْتَنَى قَرْيَةً هُنَالِكَ وَسَمَّاهَا فَتْحَا بَادَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى غَزْنَةَ فَدَخَلَهَا فِي شَعْبَانَ، فَأَظْهَرَ الْعَدْلَ وَسَلَكَ سِيرَةَ جَدِّهِ مَحْمُودٍ، فَأَطَاعَهُ النَّاسُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ بِالِانْقِيَادِ وَالِاتِّبَاعِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَهْلَكَ قَوْمَهُ بِيَدِهِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ سَعَادَةِ السَّلَاجِقَةِ.
وَفِيهَا خَالَفَ أَوْلَادُ حَمَّادٍ عَلَى الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَحَاصَرَهُمْ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ، وَوَقَعَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِسَبَبِ تَأَخُّرِ الْأَمْطَارِ عَنْهُمْ.
وَوَقَعَ بِبَغْدَادَ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَرْخِ وَأَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَضَوَاحِيهَا.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَبُو يَعْلَى الْبَصْرِيُّ الصُّوفِيُّ
أَذْهَبَ عُمُرَهُ فِي الْأَسْفَارِ وَالتَّغْرِيبِ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، فَحَدَّثَ بِهَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْحَدِيدِ الدِّمَشْقِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ جُمَيْعٍ الْغَسَّانِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا أَدِيبًا حَسَنَ الشِّعْرِ.
стр. 9873
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِيهَا مَلَكَ طُغْرُلْبَكُ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا.
وَفِيهَا وَلِيَ ظَهِيرُ الدَّوْلَةِ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَاكَوَيْهِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، فَوَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَوَيْهِ; أَبِي كَالِيجَارَ وَكُرْشَاسِفَ.
وَفِيهَا دَخَلَ أَبُو كَالِيجَارَ هَمَذَانَ وَدَفَعَ الْغُزَّ عَنْهَا.
وَفِيهَا شَغَبَتِ الْأَتْرَاكُ بِبَغْدَادَ بِسَبَبِ تَأَخُّرِ الْعَطَاءِ عَنْهُمْ. وَسَقَطَتْ قَنْطَرَةُ بَنِي زُرَيْقٍ عَلَى نَهْرِ عِيسَى، وَكَذَا الْقَنْطَرَةُ الْعَتِيقَةُ الَّتِي تُقَارِبُهَا.
وَفِيهَا دَخَلَ بَغْدَادَ رَجُلٌ مِنَ الْبَلْغَرِ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ كِبَارِهِمْ، فَأُنْزِلَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْأَرْزَاقُ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ مُوَلَّدُونَ مِنَ التُّرْكِ وَالصَّقَالِبَةِ، وَأَنَّهُمْ فِي أَقْصَى بِلَادِ التُّرْكِ، وَأَنَّ النَّهَارَ يَقْصُرُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَكُونَ سِتَّ سَاعَاتٍ،
стр. 9874
وَكَذَا اللَّيْلُ، وَعِنْدَهُمْ عُيُونٌ وَزُرُوعٌ وَثِمَارٌ عَلَى الْمَطَرِ وَالسَّقْيِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُرِئَ الِاعْتِقَادُ الْقَادِرِيُّ الَّذِي كَانَ جَمَعَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُخِذَتْ خُطُوطُ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ بِأَنَّهُ اعْتِقَادُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ خَالَفَهُ فَقَدْ فَسَقَ وَكَفَرَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْقَزْوِينِيُّ، ثُمَّ كَتَبَ بَعْدَهُ الْعُلَمَاءُ، وَقَدْ سَرَدَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «مُنْتَظَمِهِ» بِتَمَامِهِ، وَفِيهِ جُمْلَةٌ جَيِّدَةٌ مِنِ اعْتِقَادِ السَّلَفِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
بَهْرَامُ بْنُ مَافَنَّةَ، أَبُو مَنْصُورٍ الْوَزِيرُ لِأَبِي كَالِيجَارَ
كَانَ عَفِيفًا نَزِهَا صِيِّنَا، عَادِلًا فِي سِيرَتِهِ، وَقَدْ وَقَفَ خِزَانَةَ كُتُبٍ فِي مَدِينَةِ فِيرُوزَابَاذَ، تَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ آلَافِ مُجَلَّدٍ، مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ وَرَقَةٍ بِخَطِّ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنَىْ مُقْلَةَ.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَبُو الْحُسَيْنِ
الْمَعْرُوفُ بِالْجَهْرَمِيِّ، قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: هُوَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ لَقِينَاهُمْ وَسَمِعْنَا مِنْهُمْ، وَكَانَ يُجِيدُ الْقَوْلَ وَمِنْ شِعْرِهِ:
стр. 9875
يَا وَيْحَ قَلْبِي مِنْ تَقَلُّبِهِ … أَبَدًا يَحِنُّ إِلَى مُعَذِّبِهِ
قَالُوا كَتَمْتَ هَوَاهُ عَنْ جَلَدٍ … لَوْ أَنَّ لِي جَلَدًا لَبُحْتُ بِهِ
بِأَبِي حَبِيبٍ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ … عَنِّي وَيُكْثِرُ مِنْ تَعَتُّبِهِ
حَسْبِي رِضَاهُ مِنَ الْحَيَاةِ وَيَا … قَلَقِي وَمَوْتِي مِنْ تَغَضُّبِهِ
مَسْعُودٌ الْمَلِكُ بْنُ الْمَلِكِ مَحْمُودِ بْنِ الْمَلِكِ سُبُكْتِكِينَ
صَاحِبُ بِلَادِ غَزْنَةَ وَابْنُ صَاحِبِهَا، قَتَلَهُ ابْنُ عَمِّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ، فَانْتَقَمَ لَهُ ابْنُهُ مَوْدُودُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَقَتَلَ عَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ مِنْ أَجْلِ أَبِيهِ، وَاسْتَتَبَّ لَهُ الْأَمْرُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ مِنْ قَوْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
بِنْتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِيِّ لِلَّهِ
تَأَخَّرَتْ مُدَّتُهَا حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهَا فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً بِالْحَرِيمِ الطَّاهِرِيِّ، وَدُفِنَتْ بِالرُّصَافَةِ، رَحِمَهَا اللَّهُ وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
стр. 9876
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِيهَا أَمَرَ الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَبُو طَاهِرٍ بِجِبَايَةِ أَمْوَالِ الْجَوَالَى، وَمَنَعَ أَصْحَابَ الْخَلِيفَةِ مِنْ قَبْضِهَا، فَانْزَعَجَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَعَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَغْدَادَ وَأَرْسَلَ لِلْفُقَهَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأَعْيَانِ فِي التَّأَهُّبِ لِلْخُرُوجِ صُحْبَتَهُ، وَارْتَجَّتْ بَغْدَادُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِمَدِينَةِ تِبْرِيزَ هَدَمَتْ قَلْعَتَهَا وَسُورَهَا وَأَسْوَاقَهَا وَدُورَهَا، حَتَّى مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ عَامَّةَ قُصُورِهَا، وَمَاتَ تَحْتَ الْهَدْمِ خَمْسُونَ أَلْفًا، وَلَبِسَ أَهْلُهَا الْمُسُوحَ لِشِدَّةِ مُصَابِهِمْ.
وَفِيهَا اسْتَوْلَى السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكُ عَلَى أَكْثَرِ الْبِلَادِ الشَّرْقِيَّةِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَدِينَةُ خُوَارِزْمَ وَدِهِسْتَانُ وَطَبَسُ وَالرَّيُّ وَبِلَادُ الْجَبَلِ وَكَرْمَانُ وَأَعْمَالُهَا وَقَزْوِينُ. وَخُطِبَ لَهُ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي كُلِّهَا، وَعَظُمَ شَأْنُهُ جِدًّا، وَاتَّسَعَ صِيتُهُ.
وَفِيهَا مَلَكَ سَمَّاكُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ حَلَبَ أَخَذَهَا مِنَ الْفَاطِمِيِّينَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ مَنْ حَارَبَهُ.
стр. 9877
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَا فِيمَا قَبْلَهَا.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ عَبَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ
سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَرَحَلَ إِلَى الْأَقَالِيمِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَ فِي الْعَرَبِ، وَأَقَامَ بِالسَّرَوَاتِ، وَكَانَ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ، وَيُقِيمُ بِمَكَّةَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، وَيَسْمَعُ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْمَغَارِبَةُ مَذْهَبَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنِ الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيِّ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ أَخَذَ مَذْهَبَ مَالِكٍ عَنِ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَقَدْ كَانَ ثِقَةً حَافِظًا ضَابِطًا، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو الْفَتْحِ الشَّيْبَانِيُّ الْعَطَّارُ
وَيُعْرَفُ بِقُطَيْطٍ، سَافَرَ الْكَثِيرَ إِلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ شَيْخًا ظَرِيفًا، يَسْلُكُ طَرِيقَ التَّصَوُّفِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَمَّا وُلِدْتُ سُمِّيتُ قُطَيْطًا عَلَى أَسْمَاءِ الْبَادِيَةِ، ثُمَّ سَمَّانِي بَعْضُ أَهْلِي مُحَمَّدًا.
стр. 9878
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِيهَا رُدَّتِ الْجَوَالَى إِلَى نُوَّابِ الْخَلِيفَةِ. وَفِيهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ جَلَالِ الْمُلْكِ طُغْرُلْبَكَ إِلَى جَلَالِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعَايَا وَالْوَصَاةِ بِهِمْ.
ذِكْرُ مُلْكِ أَبِي كَالِيجَارَ بَغْدَادَ، بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ
وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ أَبُو طَاهِرٍ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، فَمَلَكَ بَغْدَادَ بَعْدَهُ أَخُوهُ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ أَبُو كَالِيجَارَ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَخُطِبَ لَهُ بِهَا عَنْ مُمَالَأَةِ أُمَرَائِهَا، وَأَخْرَجُوا الْمَلِكَ الْعَزِيزَ أَبَا مَنْصُورِ بْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ، فَتَنَقَّلَ فِي الْبِلَادِ، وَتَشَرَّدَ مِنْ مَمْلَكَتِهِ إِلَى غَيْرِهَا حَتَّى تُوفِيَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَحُمِلَ فَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْمَلِكُ مَوْدُودُ بْنُ مَسْعُودٍ عَسْكَرًا كَثِيفًا إِلَى خُرَاسَانَ فَبَرَزَ إِلَيْهِمْ أَلْبُ أَرْسَلَانَ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ فِي عَسْكَرٍ آخَرَ، فَاقْتَتَلَا قِتَالًا عَظِيمًا.
стр. 9879
وَفِيهَا فِي صَفَرٍ مِنْهَا أَسْلَمَ مِنَ التَّرْكِ الَّذِينَ كَانُوا يَطْرُقُونَ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ نَحْوٌ مِنْ عَشْرَةِ آلَافِ خَرْكَاهُ، وَضَحَّوْا فِي يَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى بِعِشْرِينَ أَلْفَ رَأْسٍ مِنْ غَنَمٍ، وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَلَمْ يُسْلِمْ مِنَ الْخَطَا وَالتَّتَرِ أَحَدٌ، وَهُمْ بِنَوَاحِي الصِّينِ.
وَفِيهَا نَفَى مَلِكُ الرُّومِ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ كُلَّ غَرِيبٍ لَهُ دُونَ الْعِشْرِينَ سَنَةً فِيهَا.
وَفِيهَا خَطَبَ الْمُعِزُّ أَبُو تَمِيمِ بْنُ بَادِيسَ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ بِبِلَادِهِ لِلْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْفَاطِمِيِّينَ، وَأَحْرَقَ أَعْلَامَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْخِلَعَ وَاللِّوَاءَ وَالْمَنْشُورَ، وَفِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ.
وَفِيهَا أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَقَضَى الْقُضَاةِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْمَاوَرْدِيَّ قَبْلَ وَفَاةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ إِلَى الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَأَبِي كَالِيجَارَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَاهُ بَجُرْجَانَ، فَتَلَقَّاهُ الْمَلِكُ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ إِكْرَامًا لِمَنْ أَرْسَلَهُ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى السَّنَةِ الْآتِيَةِ. فَلَمَّا قَدِمَ أَخْبَرَهُ بِطَاعَتِهِ وَإِكْرَامِهِ لَهُ وَاحْتِرَامِهِ مِنْ أَجْلِ الْخَلِيفَةِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحُسَيْنُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دُلَفٍ الْعِجْلِيُّ
أَبُو سَعْدٍ، أَحَدُ الرَّحَّالِينَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى الْبِلَادِ الْمُتَبَايِنَةِ، ثُمَّ أَقَامَ بِبَغْدَادَ مُدَّةً وَحَدَّثَ بِهَا، وَرَوَى عَنْهُ الْخَطِيبُ، وَقَالَ: كَانَ صَدُوقًا، ثُمَّ انْتَقَلَ فِي
стр. 9880
آخِرِ عُمُرِهِ إِلَى مَكَّةَ فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ بِهَا فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْفَرَجِ بْنِ الْأَزْهَرِ، أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ
الْحَافِظُ الْمُحَدِّثُ الشَّهِيرُ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ السَّوَادِيِّ، سَمِعَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَالِكٍ وَخَلْقٍ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا دَيِّنًا، صَحِيحَ الِاعْتِقَادِ حَسَنَ السِّيرَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانِينَ سَنَةً وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ.
الْمَلِكُ جَلَالُ الدَّوْلَةِ، أَبُو طَاهِرِ بْنُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ
صَاحِبُ بَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، كَانَ فِيهِ مَحَبَّةً عَظِيمَةً لِلْعِبَادِ وَيَزُورُهُمْ، وَيَلْتَمِسُ الدُّعَاءَ مِنْهُمْ، وَقَدْ نُكِبَ مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَخَالَفَهُ الْأَتْرَاكُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ وَمِنْ بَغْدَادَ بِالْكُلِّيَّةِ غَيْرَ مَا طَرِيقٍ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِمْ وَيَرْضَوْنَ عَنْهُ حَتَّى اعْتَرَاهُ وَجَعٌ فِي كَبِدِهِ، هَذِهِ السَّنَةَ، فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الْخَامِسِ مِنْ شَعْبَانِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ إِحْدَى وَخَمْسُونَ سَنَةً وَأَشْهُرٌ، وَوَلِيَ بَغْدَادَ مِنْ ذَلِكَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.
стр. 9881
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِيهَا دَخَلَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ بَغْدَادَ وَأَمَرَ بِضَرْبِ الطَّبْلِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلَمْ تَكُنِ الْمُلُوكُ قَبْلَهُ تَفْعَلُهُ، إِنَّمَا كَانَ يُضْرَبُ لِعَضُدِ الدَّوْلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْقَاتٍ، وَمَا كَانَ يُضْرَبُ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسِ إِلَّا لِلْخَلِيفَةِ، وَكَانَ دُخُولُهُ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ فَرَّقَ عَلَى الْجُنْدِ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَبَعَثَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَخَلَعَ عَلَى مُقَدِّمِي الْجُيُوشِ، وَهُمُ الْبَسَاسِيرِيُّ، وَالنَّشَاوَوْرِيُّ، وَالْهُمَامُ أَبُو اللِّقَاءِ، وَلَقَبَّهُ الْخَلِيفَةُ مُحْيِيَ الدَّوْلَةِ، وَخُطِبَ لَهُ فِي بِلَادٍ كَثِيرَةٍ بِأَمْرِ مُلُوكِهَا، وَخُطِبَ لَهُ بِهَمَذَانَ وَلَمْ يَبْقَ لِنُوَّابِ طُغْرُلْبَكَ فِيهَا أَمْرٌ.
وَفِيهَا اسْتَوْزَرَ طُغْرُلْبَكُ أَبَا الْقَاسِمِ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْنِيَّ، وَهُوَ أَوَّلُ وَزِيرٍ وَزَرَ لَهُ.
وَفِيهَا وَزَرَ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ لِصَاحِبِ مِصْرَ، وَكَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ الْجَرْجَرَائِيِّ.
وَفِيهَا تَوَلَّى نِقَابَةَ الْعَلَوِيِّينَ الشَّرِيفُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ الشَّرِيفِ الرَّضِيُّ، وَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاةِ عَمِّهِ الْمُرْتَضَى أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيٍّ. وَسَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ.
стр. 9882
وَفِيهَا وَلِيَ الْقَضَاءَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ; قَضَاءَ الْكَرْخِ، مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ يَتَوَلَّاهُ مِنَ الْقَضَاءِ بِبَابِ الطَّاقِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْقَاضِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيِّ.
وَفِيهَا نَظَرَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ فِي كِتَابَةِ دِيوَانِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةٍ عَالِيَةٍ. وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ
نِسْبَةً إِلَى نَهْرٍ بِالْبَصْرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الصَّيْمَرُ، عَلَيْهِ عِدَّةُ قُرَى. أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلِيَ قَضَاءَ الْمَدَائِنِ، ثُمَّ قَضَاءَ رَبْعِ الْكَرْخِ، وَحَدَّثَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمُفِيدِ، وَابْنِ شَاهِينَ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ صَدُوقًا، وَافِرَ الْعَقْلِ، جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ، حَسَنَ الْعِبَارَةِ، عَارِفًا بِحُقُوقِ الْعُلَمَاءِ. تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ عَنْ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو الْحُسَيْنِ
الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمُشْتَرِي، الْأَهْوَازِيُّ، كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْأَهْوَازِ وَنَوَاحِيهَا، شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ، كَانَ لَهُ مَنْزِلَةٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَكَانَ صَدُوقًا، كَثِيرَ الْمَالِ، حَسَنَ السِّيرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى، عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،
стр. 9883
الشَّرِيفُ الْمُوسَوِيُّ
الْمُلَقَّبُ بِالْمُرْتَضَى ذِي الْمَجْدَيْنِ - كَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَخِيهِ الرَّضِيِّ، ذِي الْحَسَبَيْنِ - نَقِيبُ الطَّالِبِيِّينَ، وَكَانَ جَيِّدَ الشِّعْرِ، عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ وَالِاعْتِزَالِ، يُنَاظَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ يُنَاظَرُ عِنْدَهُ فِي كُلِّ الْمَذَاهِبِ، وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي التَّشَيُّعِ; أُصُولًا وَفُرُوعًا.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَرْجَمَتِهِ أَشْيَاءَ مِنْ تَفَرُّدَاتِهِ فِي التَّشَيُّعِ، فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السُّجُودُ إِلَّا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهَا. وَأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ إِنَّمَا يُجْزِئُ فِي الْغَائِطِ لَا فِي الْبَوْلِ. وَأَنَّ الْكِتَابِيَّاتِ حَرَامٌ، وَذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَرَامٌ، وَكَذَا مَا وَلُوهُ هُمْ وَسَائِرُ الْكُفَّارِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ. وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، وَالْمُعَلَّقَ مِنْهُ لَا يَقَعُ وَإِنْ وُجِدَ شَرْطُهُ. وَمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ وَجَبَ قَضَاؤُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا كَفَّارَةً لِمَا وَقَعَ مِنْهُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا جَزَّتْ شَعْرَهَا يَجِبُ عَلَيْهَا كَفَّارَةُ قَتْلِ الْخَطَأِ. وَمَنْ شَقَّ ثَوْبَهُ فِي مُصِيبَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا زَوْجٌ لَا يَعْلَمُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ. وَأَنَّ قَطْعَ السَّارِقِ مِنْ أُصُولِ الْأَصَابِعِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: نَقَلْتُهَا مِنْ خَطِّ أَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عُقَيْلٍ. قَالَ: وَهَذِهِ مَذَاهِبٌ عَجِيبَةٌ تَخْرُقُ الْإِجْمَاعَ، وَأَعْجَبُ مِنْهَا ذَمُّ الصَّحَابَةَ، ﵃. ثُمَّ سَرَدَ مِنْ كَلَامِهِ شَيْئًا قَبِيحًا فِي تَكْفِيرِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ﵃، وَقَبَّحَهُ وَأَمْثَالَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَابَ، فَقَدْ
стр. 9884
رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الطُّيُورِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ بُرْهَانَ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى أَبِي الْقَاسِمِ الْعَلَوِيِّ فِي مَرَضِهِ، وَإِذَا قَدْ حَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَلِيَا فَعَدَلَا، وَاسْتَرْحَمَا فَرَحِمَا، أَفَأَنَا أَقُولُ: ارْتَدَّا بَعْدَ مَا أَسْلَمَا؟! قَالَ: فَقُمْتُ فَمَا بَلَغْتُ عَتَبَةَ الْبَابِ حَتَّى سَمِعْتُ الزَّعْقَةَ عَلَيْهِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ وَأَوْرَدَ شَيْئًا مِنْ أَشْعَارِهِ الرَّائِقَةِ. قَالَ: وَيُقَالُ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ كِتَابَ «نَهْجِ الْبَلَاغَةِ».
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، أَبُو مَنْصُورٍ الرُّويَانِيُّ
صَاحِبُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ. قَالَ الْخَطِيبُ: سَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، وَكَتَبْنَا عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوقًا يَسْكُنُ قَطِيعَةَ الرَّبِيعِ. وَمَاتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ.
أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ الْمُعْتَزِلِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الطَّيِّبِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ الْمُتَكَلِّمُ
شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْمُنْتَصِرُ لَهُمْ، وَالْحَامِي عَنْ ذِمَارِهِمْ بِالتَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ، وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْقَاضِي
стр. 9885
أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ، وَدُفِنَ فِي الشُّونِيزِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ، رَوَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي «تَارِيخِهِ»: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الطَّيِّبِ، قُرِئَ عَلَى هِلَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَخِي هِلَالٍ الرَّأْيُ بِالْبَصْرَةِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قِيلَ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ وَأَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ وَالْغَلَّابِيُّ وَالْمَازِنِيُّ وَالزُّرَيْقِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رَبْعِيٍّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ وَالْغَلَابِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَازِنِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ، وَالزُّرَيْقِيُّ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ الْبَصْرِيُّ.
стр. 9886
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِيهَا بَعَثَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكُ السَّلْجُوقِيُّ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، فَمَلَكَهَا وَأَخْرَجَ مِنْهَا صَاحِبَهَا كَرْشَاسِفَ بْنَ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ، فَالْتَحَقَ بِالْأَكْرَادِ، ثُمَّ سَارَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ إِلَى الدِّينَوَرِ فَمَلَكَهَا، وَأَخْرَجَ مِنْهَا صَاحَبَهَا وَهُوَ أَبُو الشَّوْكِ، فَسَارَ إِلَى حُلْوَانَ فَتَبِعَهُ إِبْرَاهِيمُ، فَمَلَكَهَا قَهْرًا، وَأَحْرَقَ دَارَهُ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَجَهَّزَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ صَاحِبُ بَغْدَادَ لِقِتَالِ السَّلَاجِقَةِ الَّذِينَ غَزَوْا أَنْصَارَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِقِلَّةِ الظَّهْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآفَةَ اعْتَرَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْخَيْلَ، فَمَاتَ لَهُ فِيهَا نَحْوٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَرَسٍ، بِحَيْثُ جَافَتْ بَغْدَادَ مِنْ نَتَنِ الْخَيْلِ.
وَفِيهَا وَقَعَ بِبَغْدَادَ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى نَهْبِ دُورِ الْيَهُودِ، وَإِحْرَاقِ الْكَنِيسَةِ الْعَتِيقَةِ الَّتِي لَهُمْ، وَاتَّفَقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَوْتُ رَجُلٍ مِنْ أَكَابِرِ النَّصَارَى بِوَاسِطٍ، فَجَلَسَ أَهْلُهُ لِعَزَائِهِ عَلَى بَابِ مَسْجِدٍ هُنَاكَ، وَأَخْرَجُوا جِنَازَتَهُ جَهْرَةً، وَمَعَهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ يَحْرُسُونَهَا، فَحَمَلَتْ عَلَيْهِمُ الْعَامَّةُ، فَأَخَذُوا الْمَيِّتَ مِنْهُمْ، وَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ أَكْفَانِهِ فَأَحْرَقُوهُ، وَرَمَوْهُ فِي دِجْلَةَ، وَمَضَوْا إِلَى الدَّيْرِ فَنَهَبُوهُ، وَعَجَزَ الْأَتْرَاكُ عَنْ دَفْعِهِمْ. وَلَمْ يَحُجَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي هَذَا الْعَامِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
стр. 9887
فَارِسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَنَانٍ
صَاحِبُ الدِّينَوَرِ وَحُلْوَانَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذَا الْأَوَانِ.
خَدِيجَةُ بِنْتُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظَةُ
وَتُعْرَفُ بِبِنْتِ الْبَقَّالِ، وَتُكَنَّى أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَ الْخَطِيبُ: كَتَبْتُ عَنْهَا، وَكَانَتْ فَقِيرَةً صَالِحَةً فَاضِلَةً.
أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْمَنَازِيُّ
الشَّاعِرُ الْكَاتِبُ، وَزِيرُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ الْكُرْدِيِّ، صَاحِبُ مَيَّافَارِقِينَ وَدِيَارِ بَكْرٍ، كَانَ فَاضِلًا بَارِعًا لَطِيفًا، تَرَدَّدَ فِي التَّرَسُّلِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَحَصَّلَ كُتُبًا كَثِيرَةً أَوْقَفَهَا عَلَى جَامِعَيْ آمِدَ وَمَيَّافَارِقِينَ، وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مُعْتَزِلُ النَّاسِ، وَهُمْ يُؤْذُونَنِي. فَقَالَ: وَلِمَ وَقَدْ تَرَكَتْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ؟! وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ قَلِيلُ النَّظِيرِ عَزِيزُ الْوُجُودِ، حَرَصَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْفَاضِلُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَمِنْ شِعْرِهِ فِي وَادِي بُزَاعَا قَوْلُهُ:
وَقَانَا لَفْحَةَ الرَّمْضَاءِ وَادٍ … وَقَاهُ مُضَاعَفُ النَّبْتِ الْعَمِيمِ
نَزَلْنَا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلَيْنَا … حُنُوَّ الْمُرْضِعَاتِ عَلَى الْفَطِيمِ
وَأَرْشَفَنَا عَلَى ظَمَأٍ زُلَالًا … أَلَذَّ مِنَ الْمُدَامَةِ لِلنَّدِيمِ
стр. 9888
يُرَاعِي الشَّمْسَ أَنَّى قَابَلَتْهُ
فَيَحْجُبُهَا وَيَأْذَنُ لِلنَّسِيمِ … تَرُوعُ حَصَاهُ حَالِيَةَ الْعَذَارَى
فَتَلْمَسُ جَانِبَ الْعِقْدِ النَّظِيمِ
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ بَدِيعَةٌ فِي بَابِهَا.
стр. 9889
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالْمُوتَانُ كَثِيرٌ فِي الدَّوَابِّ جِدًّا حَتَّى جَافَتْ بَغْدَادَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَرُبَّمَا أَحْضَرَ بَعْضُ النَّاسِ الْأَطِبَّاءَ إِلَى دَوَابِّهِمْ فَيَسْقُونَهَا مَاءَ الشَّعِيرِ وَيُطَبِّبُونَهَا.
وَفِيهَا حَاصَرَ السُّلْطَانُ ابْنُ طُغْرُلْبَكَ أَصْبَهَانَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مَالٍ يَحْمِلُونَهُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِهَا، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.
وَفِيهَا مَلَكَ مُهَلْهِلٌ قَرْمَيْسِينَ وَالدِّينَوَرَ.
وَفِيهَا تَأَمَّرَ عَلَى بَنِي خَفَاجَةَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: رَجَبُ بْنُ أَبِي مَنِيعِ بْنِ ثُمَالٍ. بَعْدَ وَفَاةِ بَدْرَانَ بْنِ سُلْطَانَ بْنِ ثُمَالٍ، وَهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابُ هُمْ أَكْثَرُ مَنْ يَصُدُّ الْحَجِيجَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَلَا جَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا، وَقَبَّحَهُمْ يَوْمَ يقومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [سُورَةُ غَافِرٍ: ٥٢].
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ
стр. 9890
ابْنِ حَيَّوَيْهِ
الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ إِمَامُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ وَالِدُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا: سِنْبِسُ. وَجُوَيْنُ مِنْ نَوَاحِي نَيْسَابُورَ سَمِعَ الْحَدِيثِ مِنْ بِلَادٍ شَتَّى عَلَى جَمَاعَةٍ، وَقَرَأَ الْأَدَبَ عَلَى أَبِيهِ، وَتَفَقَّهَ بِأَبِي الطَّيِّبِ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصُّعْلُوكِيِّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَرْوَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَفَّالِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى نَيْسَابُورَ وَعَقَدَ مَجْلِسَ الْمُنَاظَرَةِ، وَكَانَ مَهِيبًا لَا يَجْرِي بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَّا الْجِدُّ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ الْكَثِيرَةَ فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُلُومِ، وَكَانَ وَرِعًا زَاهِدًا شَدِيدَ الِاحْتِيَاطِ، رُبَّمَا أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مَرَّتَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ» وَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ فِي مَدْحِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ صَنَّفَ «التَّفْسِيرَ الْكَبِيرَ» الْمُشْتَمِلَ عَلَى أَنْوَاعٍ الْعُلُومِ وَلَهُ فِي الْفِقْهِ «التَّبْصِرَةُ» وَ «التَّذْكِرَةُ» وَ «مُخْتَصَرُ الْمُخْتَصَرِ» وَ «الْفَرْقُ وَالْجَمْعُ» وَ «السِّلْسِلَةُ» وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَالْأَدَبِ وَالْعَرَبِيَّةِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - وَقِيلَ: سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي «الْأَنْسَابِ» - وَهُوَ فِي سِنِّ الْكُهُولَةِ.
стр. 9891
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِيهَا اصْطَلَحَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ السَّلْجُوقِيُّ وَأَبُو كَالِيجَارَ صَاحِبُ بَغْدَادَ وَتَزَوَّجَ طُغْرُلْبَكُ بِابْنَةِ أَبِي كَالِيجَارَ، وَتَزَوَّجَ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ كَالِيجَارَ بِابْنَةِ الْمَلِكِ دَاوُدَ أَخِي طُغْرُلْبَكَ.
وَفِيهَا أَسَرَتِ الْأَكْرَادُ سُرْخَابَ أَخَا أَبِي الشَّوْكِ، وَأَحْضَرُوهُ بَيْنَ يَدَيْ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، فَأَمَرَ بِقَلْعِ إِحْدَى عَيْنَيْهِ.
وَفِيهَا اسْتَوْلَى أَبُو كَالِيجَارَ عَلَى بِلَادِ الْبَطِيحَةِ، وَنَجَا صَاحِبُهَا أَبُو نَصْرٍ بِنَفْسِهِ.
وَفِيهَا ظَهَرَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْأَصْفَرُ التَّغْلِبِيُّ، وَادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الْمَذْكُورِينَ فِي الْكُتُبِ، فَاسْتَغْوَى خَلْقًا مِنَ النَّاسِ، وَقَصَدَ بِلَادَ الرُّومِ، فَغَنِمَ مِنْهَا أَمْوَالًا، فَقَوِيَ بِهَا، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَاتَّفَقَ أَنَّهُ أُسِرَ وَحُمِلَ إِلَى نَصْرِ الدَّوْلَةِ بْنِ مَرْوَانَ صَاحِبِ دِيَارِ بَكْرٍ فَاعْتَقَلَهُ، وَسَدَّ عَلَيْهِ بَابَ السِّجْنِ.
وَفِيهَا كَانَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ بِالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ وَبَغْدَادَ فَمَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، حَتَّى خَلَتِ الْأَسْوَاقُ، وَغَلَتِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمَرْضَى، وَوَرَدَ كِتَابٌ مِنَ الْمَوْصِلِ بِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا نَحْوُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ نَفْسًا.
стр. 9892
وَفِيهَا وَقَعَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ أَيْضًا، وَجَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالرَّوَافِضِ بِبَغْدَادَ، قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ رَكْبِ الْعِرَاقِ فِي هَذَا الْعَامِ. فَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو الْفَضْلِ الْقَاضِي الْهَاشِمِيُّ الرَّشِيدِيُّ
مِنْ وَلَدِ الرَّشِيدِ، وَلِيَ الْقَضَاءَ بِسِجِسْتَانَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْغِطْرِيفِيِّ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَأَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ:
قَالُوا اقْتَصِدْ فِي الْجُودِ إِنَّكَ مُنْصِفٌ … عَدْلٌ وَذُو الْإِنْصَافِ لَيْسَ يَجُورَ
فَأَجَبْتُهُمْ إِنِّي سُلَالَةُ مَعْشَرٍ … لَهُمْ لِوَاءٌ فِي النَّدَى مَنْشُورُ
تَاللَّهِ إِنِّي شَائِدٌ مَا قَدْ بَنَى … جَدِّي الرَّشِيدُ وَقَبْلَهُ الْمَنْصُورُ
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، أَبُو الْقَاسِمِ
الشَّاعِرُ الْمَعْرُوفُ بِالْمُطَرَّزِ، وَمِنْ شِعْرِهِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ قَوْلُهُ:
يَا عَبْدُ كَمْ لَكَ مِنْ ذَنْبٍ وَمَعْصِيَةٍ … إِنْ كُنْتَ نَاسِيَهَا فَاللَّهُ أَحْصَاهَا
لَا بُدَّ يَا عَبْدُ مِنْ يَوْمٍ تَقُومُ لَهُ … وَوَقْفَةٍ لَكَ يُدْمِي الْقَلْبَ ذِكْرَاهَا
إِذَا عَرَضْتُ عَلَى قَلْبِي تَذَكُّرَهَا … وَسَاءَ ظَنِّي فَقُلْتُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَبُو سَعْدٍ الْوَزِيرُ
стр. 9893
وَزَرَ لِلْمَلِكِ أَبِي طَاهِرٍ سِتَّ مَرَّاتٍ، ثُمَّ كَانَ مَوْتُهُ بِجَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظُ الشِّيرَازِيُّ
قَالَ الْخَطِيبُ: قَدِمَ بَغْدَادَ وَأَظْهَرَ الزُّهْدَ وَالتَّقَشُّفَ وَالْوَرَعَ وَعُزُوفَ النَّفْسِ عَنِ الدُّنْيَا، فَافْتَتَنَ النَّاسُ بِهِ، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ إِنَّهُ قَبْلَ مَا كَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ فَيَأْبَى قَبُولَهُ، فَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُ، وَلَبِسَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ، وَجَرَتْ لَهُ أُمُورٌ، وَكَثُرَتْ أَتْبَاعُهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْغَزْوَ، فَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَبَرَزَ ظَاهِرَ الْبَلَدِ نَاحِيَةً مِنْهَا، وَكَانَ يُضْرَبُ لَهُ الطَّبْلُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَسَارَ إِلَى نَاحِيَةِ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ فَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَضَاهَى أَمِيرَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ هُنَالِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَقَدْ حَدَّثَ بِبَغْدَادَ، وَكَتَبْتُ عَنْهُ أَحَادِيثَ يَسِيرَةً، وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَأَنْشَدَنِي هُوَ لِبَعْضِهِمْ:
إِذَا مَا أَطَعْتَ النَّفْسَ فِي كُلِّ لَذَّةٍ … نُسِبَتْ إِلَى غَيْرِ الْحِجَا وَالتَّكَرُّمِ
إِذَا مَا أَجَبْتَ النَّفْسَ فِي كُلِّ دَعْوَةٍ … دَعَتْكَ إِلَى الْأَمْرِ الْقَبِيحِ الْمُحَرَّمِ
مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانَ، أَبُو الْحَسَنِ الْغَزَّالُ
سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُظَفَّرِ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ صَدُوقًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9894
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو الْخَطَّابِ الْجَبَلِيُّ
الشَّاعِرُ، فَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
مَا حَكَمَ الْحُبُّ فَهْوَ مُمْتَثَلُ … وَمَا جَنَاهُ الْحَبِيبُ مُحْتَمَلُ
يَهْوَى وَيَشْكُو الضَّنَى وَكُلُّ هَوًى … لَا يُنْحِلُ الْجِسْمَ فَهْوَ مُنْتَحَلُ
وَقَدْ سَافَرَ إِلَى الشَّامِ فَاجْتَازَ بِمَعَرَّةِ النُّعْمَانِ، فَامْتَدَحَ أَبَا الْعَلَاءِ بْنَ سُلَيْمَانَ بِأَبْيَاتٍ، فَأَجَابَهُ عَنْهَا. وَقَدْ كَانَ حَسَنَ الْعَيْنَيْنِ حِينَ سَافَرَ، فَمَا عَادَ إِلَّا وَهُوَ أَعْمَى. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الرَّفْضِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ، الْحُسَيْنُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدٍ
شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، أَخَذَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ، وَشَرَحَ «الْفُرُوعَ» لِابْنِ الْحَدَّادِ، وَقَدْ شَرَحَهَا قَبْلَهُ شَيْخُهُ، وَبَعْدَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَشَرَحَ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ كِتَابَ «التَّلْخِيصِ» لِابْنِ الْقَاصِّ شَرْحًا كَبِيرًا، وَلَهُ كِتَابُ «الْمَجْمُوعِ» وَأَخَذَ مِنْهُ الْغَزَّالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ». قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ طَرِيقَتَيِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 9895
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا مَرِضَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ صَاحِبُ بَغْدَادَ وَهُوَ فِي بَرِّيَّةٍ، فَفُصِدَ فِي يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتِ، وَحُمِلَ فِي مَحَفَّةٍ، مَاتَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ، وَانْتَهَبَتِ الْغِلْمَانُ الْخَزَائِنَ، وَأَحْرَقَ الْجَوَارِي الْخِيَامَ، سِوَى الْخَيْمَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَالْخَرْكَاهِ الَّتِي كَانَ بِهَا، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو نَصْرٍ، وَسَمَّوْهُ الْمَلِكَ الرَّحِيمَ، وَدَخَلَ دَارَ الْخِلَافَةِ فِي يَوْمٍ مَشْهُودٍ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ سَبْعَ خِلَعٍ، وَسَوَّرَهُ وَطَوَّقَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رَأْسِهِ التَّاجَ وَالْعِمَامَةَ السَّوْدَاءَ الرُّصَافِيَّةَ، وَوَصَّاهُ الْخَلِيفَةُ، وَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ، وَجَاءَ النَّاسُ لِتَهْنِئَتِهِ.
وَفِيهَا دَارَ السُّورُ عَلَى شِيرَازَ وَكَانَ دَوْرُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ، وَارْتِفَاعُهُ ثَمَانِيَةَ أَذْرُعٍ، وَعَرْضُهُ سِتَّةَ أَذْرُعٍ، وَفِيهِ أَحَدَ عَشَرَ بَابًا.
وَفِيهَا غَزَا إِبْرَاهِيمُ يَنَّالَ بِلَادَ الرُّومِ، فَغَنِمَ مِائَةَ أَلْفِ رَأْسٍ، وَأَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْعٍ، وَقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْعٍ. وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ إِلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَحَمَلَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْمَغَانِمِ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ عَجَلَةٍ.
وَفِيهَا خُطِبَ لِذَخِيرَةِ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى الْمَنَابِرِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَحُيِّيَ بِذَلِكَ.
стр. 9896
وَفِيهَا اقْتَتَلَ الرَّوَافِضُ وَالسُّنَّةُ، وَجَرَتْ بِبَغْدَادَ فِتَنٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي هَذَا الْعَامِ أَيْضًا.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
السَّيِّدُ الْكَبِيرُ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسِيُّ
وُلِدَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَسَمِعَ مِنْ مُؤَدِّبِهِ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْيَشْكُرِيِّ، وَأَبِي الْأَزْهَرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكَاتِبِ، وَكَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا حَافِظًا لِأَخْبَارِ الْخُلَفَاءِ، عَالِمًا بِأَيَّامِ النَّاسِ، صَالِحًا، أَعْرَضَ عَنْ وِلَايَةِ الْخِلَافَةِ عَنْ قُدْرَةٍ، وَآثَرَ بِهَا الْقَادِرَ بِاللَّهِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ بِبَابِ حَرْبٍ بِغَيْرِ تَابُوتٍ، فَدُفِنَ قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَكَانَ يَوْمُ جِنَازَتِهِ مَشْهُودًا; مَشَى الْأُمَرَاءُ وَالْوُزَرَاءُ وَالْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى الْمَقْبَرَةِ، وَجَلَسَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ لِلْعَزَاءِ مِنَ الْغَدِ.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، أَبُو الْقَاسِمِ الْوَاعِظُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ شَاهِينَ
سَمِعَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ مَاسِيٍّ وَأَبِي بَحْرٍ الْبَرْبَهَارِيِّ وَابْنِ الْمُظَفَّرِ. قَالَ الْخَطِيبُ: كَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوقًا. وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ
стр. 9897
بِبَابِ حَرْبٍ، ﵀.
عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَابِ، أَبُو الْقَاسِمِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي عُثْمَانَ الدَّقَّاقُ
قَالَ الْخَطِيبُ: سَمِعَ الْقَطِيعِيَّ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا، صَدُوقًا دَيِّنًا، حَسَنَ الْمَذْهَبِ.
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ فَسَانْجِسَ الْوَزِيرُ، أَبُو الْفَرَجِ الْمُلَقَّبُ بِذِي السَّعَادَاتِ
وَزَرَ لِأَبِي كَالِيجَارَ بِفَارِسَ وَبَغْدَادَ، وَكَانَ ذَا مُرُوءَةٍ غَزِيرَةٍ، مَلِيحَ الشِّعْرِ وَالتَّرَسُّلِ، وَمِنْ مَحَاسِنِهِ أَنَّهُ كُتِبَ إِلَيْهِ فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، وَلَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يُقَارِبُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَإِنْ رَأَى الْوَزِيرُ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنَ الْعَيْنِ إِلَى حِينِ بُلُوغِ الطِّفْلِ، فَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ الْوَرَقَةِ: الْمُتَوَفَّى ﵀، وَالطِّفْلُ جَبَرَهُ اللَّهُ، وَالْمَالُ ثَمَّرَهُ اللَّهُ، وَالسَّاعِي لَعَنَهُ اللَّهُ، وَلَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى مَالِ الْأَيْتَامِ. اعْتُقِلَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً.
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَيْلَانَ بْنِ حَكِيمِ بْنِ غِيلَانَ، أَبُو طَالِبٍ الْبَزَّارُ
رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ
стр. 9898
الشَّافِعِيِّ، كَانَ صَدُوقًا دَيِّنًا صَالِحًا، قَوِيَّ النَّفْسِ عَلَى كِبَرِ السِّنِّ، كَانَ يَمْلِكُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَكَانَ يَصُبُّهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي حِجْرِهِ فَيُقَبِّلُهَا، ثُمَّ يَرُدُّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا، وَقَدْ خَرَّجَ لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ الْأَجْزَاءَ الْغَيْلَانِيَّاتِ، وَهِيَ سَمَاعُنَا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَادِسِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَيُقَالُ: إِنَّهُ بَلَغَ مِائَةً وَخَمْسَ سِنِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ، وَاسْمُهُ الْمَرْزُبَانُ بْنُ سُلْطَانِ الدَّوْلَةِ بْنِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ
كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَشْهُرٍ، وَقَدْ وَلِيَ الْعِرَاقَ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَنُهِبَتْ لَهُ قَلْعَةٌ كَانَ فِيهَا مَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ أَبُو نَصْرٍ.
стр. 9899
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ تُقُدِّمَ إِلَى أَهْلِ الْكَرْخِ أَنْ لَا يَعْمَلُوا بِدَعَةَ النَّوْحِ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ بَابِ الْبَصْرَةِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْحَدِّ; مِنَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ.
وَفِيهَا بَنَى أَهْلُ الْكَرْخِ سُورًا عَلَيْهِ، وَبَنَى أَهْلُ السُّنَّةِ سُورًا عَلَى سُوقِ الْقَلَّائِينَ، وَنَقَضَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ أَبْنِيَتَهُ، وَحَمَلُوا الْآجُرَّ إِلَى مَوَاضِعَ بِالطُّبُولِ وَالْمَزَامِيرِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ مُفَاخَرَاتٌ فِي ذَلِكَ وَسُخْفٌ لَا تَنْحَصِرُ وَلَا تَنْضَبِطُ، ثُمَّ وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ فِتَنٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَأَحْرَقُوا دُورًا كَثِيرَةً جِدًّا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَفِيهَا وَقَعَتْ وَحْشَةٌ بَيْنَ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ وَأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، فَأَمَرَ طُغْرُلْبَكُ بِضَرْبِهِ وَسَمْلِ إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقَطْعِ شَفَتَيْهِ، فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ، فَجَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَأَخُوهُ، فَهَزَمَهُ طُغْرُلْبَكُ ثُمَّ أَسَرَهُ مِنْ قَلْعَةٍ قَدْ تَحَصَّنَ بِهَا، بَعْدَ مُحَاصَرَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَاسْتَنْزَلَهُ مَقْهُورًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَكْرَمَهُ، وَأَقَامَ عِنْدَ أَخِيهِ مُكَرَّمًا.
وَكَتَبَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى طُغْرُلْبَكَ فِي فِدَاءِ بَعْضِ مُلُوكِهِمْ مِمَّنْ كَانَ أَسَرَهُ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالَ، وَيَبْذُلُ لَهُ فِيهِ قِطْعَةً كَثِيرَةً مِنَ الْمَالِ، فَبَعَثَهُ إِلَيْهِ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ اشْتَرَطَهُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ هَدَايَا كَثِيرَةً وَتُحَفًا غَزِيرَةً، وَأَمَرَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَأُقِيمَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالْجُمُعَةُ، وَخُطِبَ فِيهِ لِلْمَلِكِ
стр. 9900
طُغْرُلْبَكَ فَبَلَغَ هَذَا الْأَمْرُ الْعَجِيبُ سَائِرَ الْمُلُوكِ، فَعَظَّمُوا الْمَلِكَ طُغْرُلْبَكَ تَعْظِيمًا زَائِدًا، وَخَطَبَ لَهُ نَصْرُ الدَّوْلَةِ بْنُ مَرْوَانَ بِالْجَزِيرَةِ.
وَفِيهَا وَلِيَ مَسْعُودُ بْنُ مَوْدُودِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ الْمُلْكَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، وَكَانَ صَغِيرًا، فَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى عَمِّهِ عَلِيِّ بْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ نَازَعَهُ عَمُّهُ عَبْدُ الرَّشِيدِ بْنُ مَحْمُودٍ، فَاسْتَقَرَّ الْمُلْكُ بِيَدِهِ وَانْعَزَلَ عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ، وَهَذَا أَمْرٌ غَرِيبٌ جِدًّا، فَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
وَفِيهَا مَلَكَ الْمِصْرِيُّونَ مَدِينَةَ حَلَبَ وَأَجْلَوْا عَنْهَا صَاحِبَهَا ثُمَالَ بْنَ صَالِحِ بْنِ مِرْدَاسٍ.
وَفِيهَا كَانَ بَيْنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَبَيْنَ بَنِي عُقَيْلٍ حَرْبٌ.
وَفِيهَا مَلَكَ الْبَسَاسِيرِيُّ الْأَنْبَارَ مِنْ يَدِ قِرْوَاشٍ، فَأَصْلَحَ أُمُورَهَا.
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا سَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى طَرِيقِ خُرَاسَانَ وَقَصَدَ نَاحِيَةَ الدَّزْدَارِ وَمَلَكَهَا، وَغَنِمَ مَالًا كَثِيرًا كَانَ فِيهَا، وَكَانَ سُعْدَى بْنُ أَبِي الشَّوْكِ قَدْ حَصَّنَهَا.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي ذِي الْحِجَّةِ ارْتَفَعَتْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ لَيْلًا، فَزَادَتْ عَلَى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَظَهَرَ فِي جَوَانِبِ السَّمَاءِ كَالنَّارِ الْمُضْرَمَةِ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ لِذَلِكَ، وَخَافُوا وَأَخَذُوا فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، فَانْكَشَفَ فِي بَاقِي اللَّيْلِ بَعْدَ سَاعَةٍ.
стр. 9901
وَكَانَتْ قَدْ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَشْجَارِ، وَهَدَمَتْ رَوَاشِنَ كَثِيرَةً مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ وَدَارِ الْمَمْلَكَةِ.
وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ أَبُو الْحَسَنِ
الْمَعْرُوفُ بِالْعَتِيقِيِّ، نِسْبَةً إِلَى جَدٍّ لَهُ كَانَ يُسَمَّى عَتِيقًا، سَمِعَ مِنِ ابْنِ شَاهِينَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ صَدُوقًا. تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْهَا وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ.
عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَبُو الْقَاسِمِ الْعَلَوِيُّ
وَيُعْرَفُ بِابْنِ الشَّبِيهِ. قَالَ الْخَطِيبُ: سَمِعَ مِنِ ابْنِ مُظَفَّرٍ وَكَتَبَ عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوقًا دَيِّنًا، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، يُوَرِّقُ بِالْأُجْرَةِ وَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيَتَصَدَّقُ. تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْهَا وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَقَضَى الْقُضَاةِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيِّ
يُكَنَّى أَبَا الْفَائِزِ،
стр. 9902
شَهِدَ عِنْدَ ابْنِ مَاكُولَا فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، فَأَجَازَ شَهَادَتَهُ احْتِرَامًا لِأَبِيهِ، تُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصُّورِيُّ الْحَافِظُ
طَلَبَ الْحَدِيثَ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مَا كَبُرَ وَأَسَنَّ، فَرَحَلَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى الْآفَاقِ، وَكَتَبَ الْكَثِيرَ، وَصَنَّفَ وَاسْتَفَادَ عَلَى الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْمِصْرِيِّ، وَكَتَبَ عَنْهُ شَيْخُهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ شَيْئًا فِي تَصَانِيفِهِ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَهْلِ الْحَدِيثِ هِمَّةً فِي الطَّلَبِ وَهُوَ شَابٌّ، ثُمَّ كَانَ مَنْ أَقْوَى النَّاسِ عَزِيمَةً عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ حَسَنَ الْخُلُقِ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، فَكَانَ يَكْتُبُ بِالْأُخْرَى الْمُجَلَّدَ فِي جُزْءٍ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنِ الطُّيُورِيِّ: يُقَالُ: إِنَّ عَامَّةَ كُتُبِ الْخَطِيبِ سِوَى «التَّارِيخِ» مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كُتُبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيِّ. كَانَ قَدْ مَاتَ الصُّورِيُّ وَتَرَكَ كُتُبَهُ اثْنَيْ عَشَرَ عِدْلًا عِنْدَ أَخِيهِ، فَلَمَّا صَارَ الْخَطِيبُ إِلَى الشَّامِ أَعْطَى أَخَاهُ شَيْئًا، وَأَخَذَ بَعْضَ تِلْكَ الْكُتُبَ، فَحَوَّلَهَا فِي كُتُبِهِ.
وَمِنْ شَعْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيِّ:
تَوَلَّى الشَّبَابُ بِرَيَعَانِهِ … وَجَاءَ الْمَشِيبُ بِأَحْزَانِهِ
فَقَلْبِي لِفُقْدَانِ ذَا مُؤْلَمٌ … كَئِيبٌ بِهَذَا وَوِجْدَانِهِ
стр. 9903
وَإِنْ كَانَ مَا جَارَ فِي سَيْرِهِ
وَلَا جَاءَ فِي غَيْرِ إِبَّانِهِ … وَلَكِنْ أَتَى مُؤْذِنًا بِالرَّحِيلِ
فَوَيْلِي مِنْ قُرْبِ إِيذَانِهِ … وَلَوْلَا ذُنُوبٌ تَحَمَّلْتُهَا
لَمَا رَاعَنِي حَالَ إِتْيَانِهِ … وَلَكِنَّ ظَهْرِي ثَقِيلٌ بِمَا
جَنَاهُ شَبَابِي بِطُغْيَانِهِ … فَمَنْ كَانَ يَبْكِي شَبَابًا مَضَى
وَيَنْدُبُ طَيِّبَ أَزْمَانِهِ … فَلَيْسَ بُكَائِي وَمَا قَدْ تَرَوْ
نَ مِنِّي لِوَحْشَةِ فُقْدَانِهِ … وَلَكِنْ لِمَا كَانَ قَدْ جَرَّهُ
عَلَيَّ بِوَثْبَاتِ شَيْطَانِهِ … فَوَيْلِي وَعَوْلِي إِنْ لَمْ يَجُدْ
عَلَيَّ مَلِيكِي بِرِضْوَانِهِ … وَلَمْ يَتَغَمَّدْ ذُنُوبِي وَمَا
جَنَيْتُ بِوَاسِعِ غُفْرَانِهِ … وَيَجْعَلْ مَصِيرِي إِلَى جَنَّةٍ
يَحِلُّ بِهَا أَهْلَ قُرْبَانِهِ … وَإِنْ كُنْتُ مَا لِي مِنْ قُرْبَةٍ
سِوَى حُسْنِ ظَنِّي بِإِحْسَانِهِ … وَأَنِّي مُقِرٌّ بِتَوْحِيدِهِ
عَلِيمٌ بِعِزَّةِ سُلْطَانِهِ … أُخَالِفُ فِي ذَاكَ أَهْلَ الْجُحُودِ
وَأَهْلَ الْفُسُوقِ وَعُدْوَانِهِ … وَأَرْجُو بِهِ الْفَوْزَ فِي مَنْزِلٍ
مُقِرٍّ لِأَعْيُنِ سُكَّانِهِ … وَلَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَحُودِ
وَمَنْ قَدْ أَقَرَّ بِإِيمَانِهِ … فَهَذَا يُنَجِّيهِ إِيمَانُهُ
وَهَذَا يَبُوءُ بِخُسْرَانِهِ …
стр. 9904
وَهَذَا يُنَعَّمُ فِي جَنَّةٍ
وَذَلِكَ فِي قَعْرِ نِيرَانِهِ
وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
قُلْ لِمَنْ عَانَدَ الْحَدِيثَ وَأَضْحَى … عَائِبًا أَهْلَهُ وَمَنْ يَدَّعِيهِ
أَبِعِلْمٍ تَقُولُ هَذَا أَبِنْ لِي … أَمْ بِجَهْلٍ فَالْجَهْلُ خُلْقُ السَّفِيهِ
أَيُعَابُ الَّذِينَ هُمْ حَفِظُوا الدِّي … نَ مِنَ التُّرَّهَاتِ وَالتَّمْوِيهِ
وَإِلَى قَوْلِهِمْ وَمَا قَدْ رَوَوْهُ … رَاجِعٌ كُلُّ عَالِمٍ وَفَقِيهِ
وَكَانَ سَبَبُ وَفَاتِهِ ﵀ أَنَّهُ افْتَصَدَ، فَوَرِمَتْ يَدُهُ; لِأَنَّهُ - عَلَى مَا ذُكِرَ - كَانَتْ رِيشَةُ الْحَاجِمِ مَسْمُومَةً لِغَيْرِهِ، فَغَلِطَ، فَفَصَدَهُ بِهَا، فَكَانَتْ فِيهَا مَنِيَّتُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَارَسْتَانِ، فَمَاتَ بِهِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَلْخِ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ جَامِعِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى السِّتِّينَ سَنَةً، أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَهُ وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، آمِينَ.
стр. 9905
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِيهَا فَتَحَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكُ أَصْبَهَانَ بَعْدَ حِصَارِ سَنَةٍ، فَنَقَلَ إِلَيْهَا حَوَاصِلَهُ مِنَ الرَّيِّ وَجَعَلَهَا دَارَ إِقَامَتِهِ، وَخَرَّبَ قِطْعَةً مِنْ سُورِهَا، وَقَالَ: إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى السُّورِ مَنْ تَضْعُفُ قُوَّتُهُ، وَإِنَّمَا حِصْنِي عَسَاكِرِي وَسَيْفِي. وَقَدْ كَانَ فِيهَا أَبُو مَنْصُورٍ قَرَامِرْزُ بْنُ عَلَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ كَاكَوَيْهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا وَأَقْطَعَهُ بَعْضَ بِلَادِهَا.
وَفِيهَا سَارَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَأَطَاعَهُ عَسْكَرُ فَارِسَ وَمَلَكَ عَسْكَرَ مُكْرَمٍ.
وَفِيهَا اسْتَوْلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى عُمَانَ أَخْرَبُوا دَارَ الْإِمَارَةِ فِيهَا، وَأَسَرُوا أَبَا الْمُظَفَّرِ بْنَ أَبِي كَالِيجَارَ.
وَفِيهَا دَخَلَتِ الْعَرَبُ بِإِذْنِ الْمُسْتَنْصِرِ الْفَاطِمِيِّ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ حُرُوبٌ طَوِيلَةٌ، وَعَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا عِدَّةَ سِنِينَ.
وَفِيهَا اصْطَلَحَ الرَّوَافِضُ وَالسُّنَّةُ بِبَغْدَادَ، وَذَهَبُوا كُلُّهُمْ لِزِيَارَةِ مَشْهَدِ عَلَيٍّ
стр. 9906
وَمَشْهَدِ الْحُسَيْنِ، وَتَرَضَّوْا فِي الْكَرْخِ عَنِ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ، وَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا عَجِيبٌ جِدًّا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّقِيَّةِ.
وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ جَدًّا. وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَسَنِ، أَبُو الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ
الْمَعْرُوفُ بِالْقَزْوِينِيِّ، وُلِدَ فِي مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ، وَسَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ شَاذَانَ وَأَبَا حَفْصِ بْنَ الزَّيَّاتِ وَابْنَ حَيَّوَيْهِ، وَكَانَ وَافِرَ الْعَقْلِ، مِنْ كِبَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، لَهُ كَرَامَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ وَيَرْوِي الْحَدِيثَ، وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا لِلصَّلَاةِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَغُلِّقَتْ بَغْدَادُ يَوْمَئِذٍ، وَحَضَرَ النَّاسُ جِنَازَتَهُ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، ﵀.
عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الثَّمَانِينِيُّ
النَّحْوِيُّ الضَّرِيرُ، شَارِحُ «اللَّمْعِ» كَانَ فِي غَايَةِ الْعِلْمِ بِالنَّحْوِ، وَكَانَ يَأْتَجِرُ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَلَى ابْنِ جِنِّيٍّ وَشَرَحَ كَلَامَهُ، وَكَانَ مَاهِرًا فِي صَنَاعَةِ النَّحْوِ، قَالَ: وهَذِهِ النِّسْبَةُ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ نَوَاحِي جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْجَبَلِ الْجُودِيِّ، يُقَالُ لَهَا: ثَمَانِينَ، بِاسْمِ الثَّمَانِينَ
стр. 9907
الَّذِينَ كَانُوا مَعَ نُوحٍ ﵇ فِي السَّفِينَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قِرْوَاشُ بْنُ مُقَلَّدٍ، أَبُو الْمَنِيعِ
صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَالْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمَا، كَانَ مِنَ الْجَبَّارِينَ، وَقَدْ كَاتَبَهُ الْحَاكِمُ صَاحِبُ مِصْرَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَاسْتَمَالَهُ إِلَيْهِ، فَخَطَبَ لَهُ بِبِلَادِهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَى الْقَادِرِ فَعَذَرَهُ. وَقَدْ جَمَعَ هَذَا الْجَبَّارُ بَيْنَ أُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، فَلَامَتْهُ الْعَرَبُ، فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ نَعْمَلُهُ مِمَّا هُوَ مُبَاحٌ فِي الشَّرِيعَةِ؟! وَقَدْ نُكِبَ فِي أَيَّامِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ، وَنُهِبَتْ حَوَاصِلُهُ، وَحِينَ تُوُفِّيَ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ ابْنُ أَخِيهِ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ بْنِ مُقَلَّدٍ.
مَوْدُودُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ
صَاحِبُ غَزْنَةَ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ عَمُّهُ عَبْدُ الرَّشِيدِ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ.
стр. 9908
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِي صَفَرٍ مِنْهَا وَقَعَ الْحَرْبُ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّوَافِضَ نَصَبُوا أَبْرَاجًا، وَكَتَبُوا عَلَيْهَا بِالذَّهَبِ: مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ، فَمَنْ رَضِيَ فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ أَبَى فَقَدْ كَفَرَ. فَأَنْكَرَتِ السُّنَّةُ اقْتِرَانَ عَلَيٍّ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي هَذَا، فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ إِلَى رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقُتِلَ رَجُلٌ هَاشِمِيٌّ، فَدُفِنَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَرَجَعَ السُّنَّةُ مِنْ دَفْنِهِ، فَنَهَبُوا مَشْهَدَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَأَحْرَقُوهُ، وَأَحْرَقُوا ضَرِيحَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ الْجَوَادِ، وَقُبُورَ مُلُوكِ بَنِي بُوَيْهِ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْوُزَرَاءِ، وَأُحْرِقَ قَبْرُ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ، وَأُمِّهِ زُبَيْدَةَ، وَقُبُورٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ وَتَجَاوَزَتِ الْحَدَّ، وَقَدْ قَابَلَهُمْ أُولَئِكَ أَيْضًا بِمَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ، فَأَحْرَقُوا مَحَالَّ كَثِيرَةً، وَبَعْثَرُوا قُبُورًا قَدِيمَةً، وَأَحْرَقُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الصَّالِحِينَ، حَتَّى هَمُّوا بِقَبْرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَمَنَعَهُمُ النَّقِيبُ، وَخَافَ مِنْ غَائِلَةِ ذَلِكَ، وَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّافِضَةِ عَيَّارٌ يُقَالُ لَهُ: الطَّقَيطِقِيُّ، وَكَانَ يَتَتَبَّعُ رُءُوسَهُمْ وَكِبَارَهُمْ فَيَقْتُلُهُمْ جِهَارًا غِيلَةً، وَعَظُمَتِ الْمِحْنَةُ بِسَبَبِهِ جِدًّا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَكَانَ فِي غَايَةِ الشَّجَاعَةِ وَالْبَأْسِ وَالْمَكْرِ، وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ دُبَيْسَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مَزْيَدٍ، وَكَانَ رَافِضِيًّا،
стр. 9909
قَطَعَ خُطْبَةَ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِاللَّهِ، ثُمَّ رُوسِلَ فَأَعَادَهَا.
وَفِي رَمَضَانَ جَاءَتِ الْهَدَايَا مِنَ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ شُكْرًا لَهُ عَلَى إِنْعَامِهِ إِلَيْهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ بِمَا كَانَ بَعَثَهُ لَهُ مِنَ الْخِلَعِ وَالتَّقْلِيدِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَإِلَى الْحَاشِيَةِ بِخَمْسَةِ آلَافٍ، وَإِلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، وَقَدْ كَانَ طُغْرُلْبَكُ حِينَ عَمَّرَ الرَّيَّ وَخَرَّبَ فِيهَا أَمَاكِنَ لِيُصْلِحَهَا وَجَدَ فِيهَا دَفَائِنَ كَثِيرَةً مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ، فَعَظُمَ شَأْنُهُ بِذَلِكَ، وَقَوِيَ مُلْكُهُ بِسَبَبِهِ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو الْحَسَنِ الشَّاعِرُ الْبَصْرَوِيُّ
نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ دُونَ عُكْبَرَا يُقَالُ لَهَا: بُصْرَى، بِاسْمِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ أُمُّ حَوْرَانَ، وَقَدْ سَكَنَ بَغْدَادَ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا مَطْبُوعًا، لَهُ نَوَادِرُ، وَمِنْ شِعْرِهِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ:
تَرَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتَهَا فَتَصْبُو … وَمَا يَخْلُو مِنَ الشَّهَوَاتِ قَلْبُ
فُضُولُ الْعَيْشِ أَكْثَرُهَا هُمُومٌ … وَأَكْثَرُ مَا يَضُرُّكَ مَا تُحِبُّ
فَلَا يَغْرُرْكَ زُخْرُفُ مَا تَرَاهُ … وَعَيْشٌ لَيِّنُ الْأَعْطَافِ رَطْبُ
إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَتْكَ عَفْوًا … فَخُذْهَا فَالْغِنَى مَرْعَى وَشُرْبُ
إِذَا اتَّفَقَ الْقَلِيلُ وَفِيهِ سِلْمٌ … فَلَا تُرِدِ الْكَثِيرَ وَفِيهِ حَرْبُ
стр. 9910
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِيهَا كُتِبَتْ مَحَاضِرُ بِذِكْرِ الْخُلَفَاءِ الْمِصْرِيِّينَ، وَأَنَّهُمْ أَدْعِيَاءُ لَا نَسَبَ لَهُمْ صَحِيحًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَتَبَ فِيهَا الْقُضَاةُ وَالْفُقَهَاءُ وَالْأَشْرَافُ.
وَفِيهَا كَانَتْ زَلَازِلُ عَظِيمَةٌ بِنُوَاحِي أَرَّجَانَ وَالْأَهْوَازِ وَتِلْكَ الْبِلَادِ، تَهَدَّمَ بِسَبَبِهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعُمْرَانِ وَالدُّورِ وَشُرُفَاتِ الْقُصُورِ، وَحَكَى بَعْضُ مَنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ أَنَّهُ انْفَرَجَ إِيوَانُهُ وَهُوَ يُشَاهِدُ ذَلِكَ، حَتَّى رَأَى السَّمَاءَ مِنْهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا تَجَدَّدَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَحْرَقُوا أَمَاكِنَ كَثِيرَةً، وَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خَلَائِقُ، وَكَتَبُوا عَلَى مَسَاجِدِهِمْ: مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ خَيْرُ الْبَشَرِ. وَأَذَّنُوا بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَاسْتَمَرَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَتَسَلَّطَ الطَّقَيطِقِيُّ الْعَيَّارُ عَلَى الرَّوَافِضِ بِحَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَقِرَّ لَهُمْ مَعَهُ قَرَارٌ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْدَارُ.
وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ وَهْبِ بْنِ شُبَيْلِ بْنِ فَرْوَةَ
следующие страницы →