ثم حديث ابن عمر (١) وحديث ابن عباس (٢) ﵃ في دخول النبي ﷺ الكعبة.
وفي الأوّل: "ثم خرج فصلّى في وجه الكعبة ركعتين".
وفي الثاني: "فلمّا خرج ركع ركعتين في قُبُلِ الكعبة، وقال: "هذه القبلة".
والقدوم الذي ذكره ابن عمر في حديثه الأول كان في عمرة؛ لأنّ ابن عمر أجاب به السائل عن العمرة، وأُراها عمرة القضية.
وفي "المسند" (ج ٤ ص ٣٥٥) (٣) من حديث ابن أبي أوفى: "اعتمر النبي ﷺ فطاف بالبيت، وطفنا معه، وصلى خلف المقام وصلينا معه ... ".
وسنده بغاية الصحة. وقد أخرجه البخاري مختصرًا في "باب عمرة القضية" من المغازي (٤).
وذكر ابن حجر (٥) هناك مَنْ صرّح فيه بقوله: "في عمرة القضية"، وسياقه واضحٌ في ذلك.
ولفظ "وجه الكعبة" ورد في عدة أخبارٍ تقدّمت.
وفي "القِرَى" (ص ٣١٥) عن ابن عمر: "البيت كلُّه قبلة، قبلته وجهه".
стр. 37
نسبه إلى سعيد بن منصور.
والمراد به في تلك الأخبار ــ كما يقضي به سياقُها ــ تارةً: جدارُها المقابل لموضع المقام الآن، وتارةً: ما بجانب هذا الجدار من المطاف.
والأخبار التي أطلقته على هذا تُبيّن أنه ليس منه موضع المقام الآن, بل هو الموضع الذي كان فيه المقام قبل أن يُحوِّله عمر ﵁ إلى موضعه الآن.
ولفظ "قُبُل الكعبة" في حديث ابن عبّاس ﵄ هو أيضًا ذاك الموضع.
وابن عباس إنّما سمع هذا الحديث من أسامة ﵁ كما بيّنه ابن حجر في "الفتح" (١)، وراويه عن ابن عباس عطاء، يرويه عطاء تارة عن ابن عباس عن أسامة، وتارة عن أسامة نفسه.
وقد تقدّم قول عطاء: "إنّ عمر ﵁ أوّل من رفع المقام فوضعه في موضعه الآن، وإنّما كان في قُبُل الكعبة".
بل ثبت في حديث عطاء عن أسامة عند النسائي (٢) بسند رجالُه ثقات: " ... ثمّ خرج فصلّى خلف المقام ركعتين، وقال: "هذه القبلة".
ويؤيد ذلك ما في "السيرة" عن ابن إسحاق (٣): حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة أنّ
стр. 38
رسول الله ﷺ لمّا نزل مكة واطمأنّ الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف على راحلته، يستلم الرُّكن بمِحْجَنٍ في يده، فلمّا قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها ... ".
محمد بن جعفر وعبيدالله من رجال "الصحيح". وابن إسحاق حسن الحديث.
فهذا الخبر يدلُّ على أنّ صلاته ﷺ بعد خروجه كانت ركعتي الطواف، ومن سنته ﷺ أن يصلّيهما خلف المقام.
فأمّا صلاتُه في الكعبة ــ على القول بها ــ فهي تحيّتها.
ثبت بما تقدم أنّ صلاته ﷺ عقبَ خروجه من الكعبة كانت خلف المقام، وأنّ المقام حينئذٍ كان عند جدار الكعبة.
لمّا دخل النبي ﷺ الكعبة كان ابن عمر غائبًا، فبلغه ذلك، فأقبل "يركبُ أعناقَ الرجال"، "المسند" (ج ٦ ص ١٣) (١)، فجاء وقد خرج النبي ﷺ ، وبلال في الكعبة لمّا يخرج، فكان هَمُّ ابن عمر أن يزاحم ليسأل بلالاً: ماذا صنع النبي ﷺ في الكعبة؟
وفي تلك الأثناء صلّى النبي ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ خارج الكعبة.
فكأنّ ابن عمر اشتغل بالمزاحمة والمساءلة، فلم يُحقّق أإلى المقام صلّى النبي ﷺ أم عن يساره، أم عن يمينه؟ فاقتصر على قوله: "في وجه الكعبة".
стр. 39
فأمّا ما في أكثر روايات حديث أسامة ﵁: "في قُبُل الكعبة"، فيظهر أنّ ذلك مراعاة لقوله عقب ذلك: وقال: "هذه القبلة".
خشي أن يتوهّم أنّ الإشارة إلى المقام، مع قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ فعدل إلى قوله: "في قُبُل الكعبة"؛ ليعلم أنّ الإشارة إليها، أو إلى ذلك الموضع منها، كما يأتي.
في "صحيح مسلم" (١) عن جابر ــ في حجّة الوداع، بعد ذكر الطواف ــ: "ثم نفذَ إلى مقام إبراهيم ... فجعل المقام بينه وبين القبلة".
هكذا في عدة نسخ من "الصحيح" وكتب أخرى (٢).
وذكره الطبري في "القِرَى" (ص ٣١٠) بلفظ: "ثم تقدّم" (٣)، وكذا نقله الفاسيّ (٤) عنه.
стр. 40
وزعم الطبري أنّه يُشعِر بأنّ المقام لم يكن حينئذٍ ملصقًا بالكعبة. ولم يصنع شيئًا.
أمّا كلمة "تقدّم" ــ إن صحّت ــ فدلالتها على الملاصقة أقرب؛ لأنّه كان في الطواف، فأنهاه عند الرّكن، فإذا واصل مَشْيه بعد ذلك إلى يَمْنة الباب فهذا تقدُّم، ولو كان المقام حينئذ في موضعه الآن لكان المشي إليه مشيًا عن الكعبة، فكان حقُّه أن يقال: "تأخَّر".
وأمّا قوله: "فجعل المقام بينه وبين الكعبة" فلا يخفى أنّ المصلِّي إلى المقام إذ كان بِلِصْقِ الكعبة إمّا أن يكون عن يمينه، أو يساره، أو خلفه، فإذا كان خلفه فقد جعله بينه وبين الكعبة.
فقد ثبت بما تقدّم ــ لا سيّما حديث عائشة ﵁ ــ صحّةُ القول الثالث الذي عليه أئمة مكّة: عطاء ومجاهد وابن عيينة، مع أنّ الإنصاف يقضي بأنّ قولهم مجتمعين يكفي وحده للحجّة في هذا المطلب، والله أعلم.
* * * *
стр. 41
الفصل الخامس
لماذا حوّل عمر ﵁ المقام ؟
قد تقدّم أوّل الرّسالة ما تقدّم.
عَلم عمر ﵁ أنّ أئمة المسلمين مأمورون بتهيئة ما حول البيت للطائفين والعاكفين والمصلّين؛ ليتمكنوا من أداء عبادتهم على الوجه المطلوب بدون خلل ولا حرج.
وعلم أنّ هذه التهيئة تختلف باختلاف عدد هؤلاء.
وعلم أنّهم قد كثروا في عهده، وينتظر أن يزدادوا كثرةً، فلم تبقَ التهيئة التي كانت كافيةً قبل ذلك كافيةً في عهده.
ورأى أنّ عليه أن يجعلها كافية، فإن كان ذلك لا يتمّ إلا بتغيير يتمُّ به المقصود الشرعي، ولا يفوت به مقصودٌ شرعيّ آخر، فقد علم أنّ الشريعة تقتضي مثل هذا التغيير، فليس ذلك بمخالفة للنبي ﷺ ، بل هو عين الموافقة، وشواهد هذا كثيرة، وأمثلته من عمل عمر ﵁ وغيره من أئمة الصحابة ﵃ معروفة.
فهذه حجّة بيّنة لعمر ﵁. هذه الحجة لا تُبِيح له من التغيير إلا ما لا بدّ منه.
وللمقام حقوق:
الأول: القرب من الكعبة.
стр. 42
الثاني: البقاء في المسجد الذي حولها (١).
الثالث: البقاء على سمت الموضع الذي هو عليه.
فقد تقدّم في حديث ابن عباس وأسامة ﵃ قولُ النبي ﷺ بعد صلاته إلى المقام: "هذه القبلة".
قال ابن حجر في "الفتح" (٢): "الإشارة إلى الكعبة ... أو الإشارة إلى وجه الكعبة، أي: هذا موقف الإمام ... ".
وفي "المسند" (ج ٥ ص ٢٠٩) في حديث أسامة: "ثمّ خرج، فأقبل على القبلة، وهو على الباب، فقال: "هذه القبلة، هذه القبلة" مرّتين أو ثلاثًا".
فقد يُجمَع بين الرّوايتين بأنّه قال هذه الكلمة "هذه القبلة" عند خروجه، ثم قالها عقب صلاته.
فتكون الأولى إشارة إلى الكعبة، والثانية إشارةً إلى موقف الإمام.
وهذا الثاني محمولٌ على الندب كما في "الفتح" (٣)، وهو ظاهر.
وجرى العمل على اختيار وقوف الإمام على ذاك السَّمت: إمّا خلف المقام، وإمّا أمامه.
وبعد كثرة الناس وتضايق ما خلف المقام، بقي العمل على اختيار وقوف الإمام قُدّام المقام.
стр. 43
وفي "المسند" (ج ٦ ص ١٤) في ذكر موضع صلاة النبي ﷺ في الكعبة: "وجعل المقام خلف ظهره".
وذكر المحب الطبري في "القِرَى" (ص ٣١٢ وما بعدها)، والفاسيّ في "شفاء الغرام" (ج ١ ص ٢١٩) أخبارًا وآثارًا تتعلّق بذاك الموضع، منها: من "سنن سعيد بن منصور" عن ابن عبّاس أنّه قال ــ وهو قاعدٌ قبالةَ البيتِ والمقام ــ: "البيت كلُّه قبلة، وهذه قبلته".
وقد تقدّم في الفصلين الثاني والثالث ما يدلّ على أنّ إبراهيم ﵇ انتهى إلى ذلك الموضع في قيامه على المقام لبناء البيت، وقام عليه وهو فيه للأذان بالحجّ.
فالبيت الذي بناه إبراهيم ﵇ قبلة، والجانب الذي كان القيام فيه ــ وهو ما بين الحِجْر والحَجَر ــ خاصٌّ في ذلك. والموضع الذي كان القيام عنده أخصّ.
وشُرعت الصلاة إلى المقام؛ لأنّ عليه كان القيام.
فارتباطه بذاك الموضع من جدار الكعبة واضحٌ، وتعلُّق الصلاة بأن تكون إلى القبلة أبلغُ وأهمُّ من تعلُّقها بأن تكون قربَ القبلة.
التغيير الذي لا بدّ منه يقتصر على التخفيف من الحق الأوّل للمقام ــ وهو القرب من الكعبة ــ ولعلّه أخفُّ حقوقه، وبذلك عمل عمر؛ أخّر المقام بقدر الحاجة محافظًا على الحقّين الأخيرين: بقاء المقام في المسجد، على السّمت الخاص.
تقدّم في قول ابن عيينة الثابت عنه: "فحوّله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ ،
стр. 44
وبعد قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ".
لماذا زاد ابن عيينة: "وبعد قوله تعالى .... " مع أنّ ذلك معلومٌ قطعًا ممّا قبله؟
لا يبعدُ أن يكون ابن عيينة أومأ إلى سبب تأخير عمر للمقام؛ لأنّ الآية أمرت بالصلاة خلفه، وبقاؤه بجانب الكعبة ــ والنّاس بين مصلٍّ خلفه وطائفٍ ــ يلزمه عند كثرة الناس أن يقع الخلل والحرج في العبادتين كما مرّ.
وأخرج الفاكهيّ (١) بسندٍ ضعيف عن سعيد بن جبير: "كان المقام في وجه الكعبة .. فلمّا كثر الناس خشي عمر بن الخطاب أن يطأوه بأقدامهم، فأخّره إلى موضعه الذي هو به اليوم، حِذاءَ موضعه الذي كان قُدّام الكعبة". نقله الفاسيّ في "شفاء الغرام" (ج ١ ص ٢٠٧) بسنده.
وقال الفاسيّ (٢): ذكر الفقيه محمد بن سُراقة العامري في كتابه "دلائل القِبلة": "وهناك بجنب الكعبة كان موضع مقام إبراهيم ﵇، وصلّى النبي ﷺ عنده حين فرغ من طوافه ركعتين ... ثم نقله ﷺ إلى الموضع الذي هو فيه الآن ... لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، أو يترك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف حين كثر الناس، وليدور الصّف حول الكعبة، ويروا الإمام من كلّ وجه".
وذكر ابن فضل الله العمري في "مسالك الأبصار" (ج ١ ص ١٠٣) مثل هذا الكلام.
стр. 45
والمقصود منه ذكر العلّة، وإنّما كثر الناس في عهد عمر.
وقوله: "وليدور الصفّ ... " مبنيٌّ على ما كان عليه العمل من وقوف الإمام خلف المقام.
وقال ابن حجر في "الفتح" (ج ٨ ص ١١٩) (١) في الكلام على قول البخاري في تفسير البقرة: باب ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ بعد تثبيت تحويل عمر ﵁ للمقام: "ولم تنكر الصحابة فعل عمر، ولا مَن بعدهم، فصار إجماعًا، وكأنّ عمر رأى أن إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين، فوضعه في مكان يرتفع به الحرج، وتهيأ له ذلك؛ لأنّه (٢) الذي كان أشار با تخاذه مصلّى. [وأوّل من عمل عليه المقصورة الآن] (٣) ".
قوله: "فصار إجماعًا"، قد عرفتَ مستنده.
وكلٌّ من المستند والإجماع يدلُّ على أنّه إذا وُجِد مثل ذلك المقتضي اقتضى فعلَ مثلِ ما فعل عمر ﵁.
وقوله: "وتهيأ له ذلك ... "، لعلّ الإشارة إلى عدم الإنكار، أي: إنّه قد يكون في الصحابة ومَن بعدهم مَن يخفى عليه المقتضي، ولكن منعَه من
стр. 46
الإنكار عِلمُه بأنّ عمر ﵁ ــ مع مكانته في العلم والدّين ــ هو الذي أشار باتخاذ المقام مصلّى، فله فضل علم بالمقام وحكمه، فهذا قريبٌ.
فأما ما يتوهم أنّ مشورة عمر تُعطيه دون غيره حقًّا بأن يغير بدون حجة، أو بحجة غير تامّة، فهذا باطل قطعًا.
وحُجة عمر ﵁ بحمد الله تعالى تامّة عامّة.
* * * *
стр. 47
الفصل السادس
متى حوَّل عمر ﵁ المقام؟
ولماذا قدَّرَهُ المُطَّلِبُ، واحتاجَ عُمَرُ إلى تقديرِه ؟
لم أَقِفْ على ما يُعلَمُ به تاريخُ التحويلِ، غيرَ أَنّه قد يُظَنُّ أَنّه حوَّلَهُ عند زيادتهِ في المسجدِ الحرامِ؛ لأَنَّ السببَ واحدٌ وهو كثرةُ النَّاسِ؛ ولأَنَّ تأخيرَ المقامِ يستدعي توسعةَ المسجدِ خلفَه.
وقد زعم الواقديُّ ــ كما حكاهُ ابن جرير في "تاريخه" (١) ــ أَنَّ الزيادةَ كانت سنةَ سبعَ عشرةَ، وأَنَّ عمرَ ﵁ اعتمرَ في رَجَب، ومَكَثَ بمكّةَ عشرينَ يوماً لأَجلِ الزيادة وغيرِها.
وحالُ الواقديِّ معروفةٌ.
وفي خبرِ الأَزرقيّ المُتَقدّم في الفصل الرابع: "أَنّه لمّا ذهبَ السيلُ بالمقامِ أَرسلوا إلى عمر، فجاءَ مسرعًا وقدم بعُمرةٍ في رمضان".
ورأيتُ بعضَهم ذَكَر "أَنَّ ذلك كانَ سَنَةَ سَبعَ عشرةَ" والعلمُ عندَ الله تعالى.
ومرَّ في خبرِ الأزرقيِّ: "كانت السيولُ تدخلُ المسجدَ الحرام، فربّما رفعتِ المقامَ من موضعِهِ، وربّما نحَّتْهُ إلى وجهِ الكعبةِ، حتّى جاءَ سيلٌ في خلافةِ عمر بن الخطّاب ﵁".
فعلى فَرْضِ صحّةِ هذا يلزمُ أَنْ يكونَ التحويلُ قبلَ مدّةٍ أَقلّها ثلاثُ سنين
стр. 48
أَو نحوُها.
وقد تقدّمَ النَّظرُ في حالِ هذا الخبرِ.
وأَمّا ما تقدَّمَ عن مجاهدٍ: "كانَ المَقامُ إِلى جَنْبِ البيتِ، وكانوا يخافونَ عليه من السيولِ، وكانَ النَّاسُ يصلّونَ خلفَه"، ثمَّ ذكرَ قصّةَ عمر والمطَّلب، ولم يَسُقِ الفاسيُّ لفظَها، ــ كما تقدّمَ ــ: فالجمعُ بينَ هذا وبينَ ما صحَّ عن مجاهدٍ ــ ونَقَلَهُ ابنُ كثيرٍ وابنُ حجرٍ عن "مصنّفِ عبد الرازق" ــ وبقيّة الأَدلّةِ وطُرُقِ القصَّةِ: أَنَّ المَقامَ كانَ إِلى جَنْبِ البيتِ، فأَخَّرَهُ عمرُ، فخافوا عليه من السيولِ، فقدَّرَهُ المُطَّلِبُ.
وهذا هو المفهومُ من روايةِ ابن أبي حاتمٍ (١)، عن ابن أَبي عمر، عن ابن عُيينةَ.
والذي يظهرُ: أَنَّ المَقامَ لمّا كانَ بجنبِ الكعبةِ أَوَّلًا كانَ بمأْمَنٍ من السيلِ؛ إِمّا لأَنّه كانَ قد نَشِبَ في الأرضِ إِذ لم تكنْ مُبلَّطةً، وإمّا لغيرِ ذلك، فلمّا حوَّلَه عمرُ ﵁ رأى المُطَّلِبُ أَنّه أَصبحَ عُرضةً للسيلِ.
قد تقدَّمَ في الفصلِ السابقِ بيانُ ارتباطِهِ بالسَّمْتِ الخاصِّ الذي كانَ عليهِ وهو عندَ الكعبةِ، وأُبقي عليه عندَ تحويلِهِ.
وتقدَّمَ بيانُ مزيّةِ ذاك السَّمْتِ وسببِها، وهو يَقْتَضي أَنْ يكونَ قَدْرُ ذاكَ السَّمْتِ موقفَ رجلٍ واحدٍ، وهو مقدارُ طولِ المَقام.
فكأنَّ المَقامَ ــ مع مزيّتِهِ ــ علامةٌ محدَّدةٌ لذاكَ السَّمْتِ، عَلَّمَ المطّلبُ هذا، أَو رأى احتياطَ عمرَ ﵁ عند تحويله المقامَ للمحافظةِ على
стр. 49
السَّمْتِ، ورأى أَنَّ المَقامَ لمّا كانَ عندَ البيتِ كانَ السَّمْتُ معلومًا على التحديدِ بالمقامِ نفسِهِ.
وكذلك لمّا حوَّلَ المَقامَ على السَّمْتِ، بقيَ السَّمتُ معلومًا على التحديدِ بالمقامِ نفسِهِ، لكنْ إِذا جَرَفَ السيلُ المقامَ، وعَفَّى موضعَه، ولم يكنْ هناك تقديرٌ محفوظٌ: أَشكلَ تحديدُ السَّمْتِ. وكثرةُ رؤيةِ النَّاسِ للمَقامِ في الموضعين لا تضمنُ معرفةَ التحديدِ يقينًا.
واعتبِرْ ذلك إِنْ شئتَ في منزلِك: اعْمِدْ إِلى صندوقٍ مثلًا باقٍ منذُ مدّةٍ في موضعٍ واحدٍ إِلى جنبِ جدارٍ مع خُلُوِّ ما عن يمينِه ويسارِهِ، قد شاهدَهُ عيالُك مرارًا لا تُحصى، فَقَدِّرْ في غَيْبَتهم موضعَه بخيطٍ مثلًا، ثمَّ حوِّلْه إلى موضعٍ آخرَ غيرِ مُسامِتٍ للأَوَّلِ، واكْنِسْ موضعَه، ثمَّ ادْعُهُم واطْلُبْ منهم تحديدَ موضعِه الأَوَّلَ، وانظر النتيجةَ.
من الجائزِ أَنْ يكونَ قد اتفقَ لبعضِهم الانتباهُ لعلامةٍ خاصّةٍ تبقى في الأرضِ أَو الجدارِ، لكنْ هذا احتمالٌ فقط.
لهذا ــ واللهُ أَعلمُ ــ قدَّرَ المطَّلِبُ موضعَ المَقامِ.
ولهذا سألَ عمرُ ﵁ النَّاسَ وأَخذَ بتقديرِ المُطَّلِبِ.
هذا ما ظهرَ لي في توجيهِ ما اتَّفَقَتْ عليه رواياتُ قصّةِ المُطَّلِبِ على وجهٍ يوافقُ حديثَ عائشةَ ﵂، وقولَ أَئمّةِ مكّةَ، مع بُعْدِ أَنْ يكونَ النبيُّ ﷺ هو الذي حوَّلَهُ ولم يُنقَل ذلك، ولا عرفه أئمةُ مكة.
على أنه لو ترجَّح أن النبي ﷺ هو الذي حوَّله لكانت الحجّةُ لاختيارِ تأخيرِهِ الآنَ بحالها، بل أَقوى.
стр. 50
فأَمّا القولُ بأَنَّ موضعَه الآنَ هو موضعُهُ الأَصليّ، فهو مِنَ الضَّعفِ بحيثُ لا يحتاجُ إِلى فرضِ صحّتِهِ وما يتبعُ ذلك. واللهُ أَعلمُ.
المُعارَضةُ الثانية:
قد يُقالُ: ثَبَتَ عن عائشةَ ﵂ أَنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: "ألم تَرَيْ أنّ قومكِ حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ " قالت: فقلت: يا رسول الله! ألا تردُّها على قواعد إبراهيم؟ قال: "لولا حَدَثانُ قومك بالكفر لفعلتُ". لفظ البخاري (١).
وفي رواية له (٢): "لولا أنّ قومكِ حديثٌ عهدُهم بجاهليّة، فأخاف أن تنكر قلوبهم ... ".
وتأخير المقام عن موضعه ممّا تنكره قلوب الناس، فينبغي اجتنابه.
والجواب من أوجهٍ:
الأول: أنّ بقاء الكعبة على بناء قريش لم يترتّب عليه ــ فيما يتعلق بالعبادات ــ خللٌ ولا حرج، ولذلك لم يأمر رسول الله ﷺ كبار أصحابه ببنائها حين يبعد العهد بالجاهلية، وإنّما أخبر عائشة ﵂؛ لأنّها رغبَتْ في دخول الكعبة، فأرشدها إلى أن تصلّي في الحِجْر، وبيّن لها أنّ بعضه أو كلّه من الكعبة، قصّرت قريش دونه.
ولا أرى عائشة ﵂ كانت ترى إعادة بنائها على القواعد أمرًا ذا بال؛ فإنّه لم يُنقَل أنّها أرسلت إلى عمر أو عثمان ﵃ تخبرهم
стр. 51
بما سمعَتْ.
وفي "صحيح مسلم" (١) عنها أنّه ﷺ قال لها: "فإن بدا لقومكِ أن يَبنُوها بعدي فهَلُمِّي لأُرِيَكِ ما تركوا منه" أي: من الحِجْر.
وصرّح بعض أهل العلم بأنّ إعادة بنائها على القواعد كان هو الأولى فقط.
وترجم البخاري في كتاب العلم (٢) لهذا الحديث: "باب من ترك بعضَ الاختيار مخافةَ أن يقصُرَ فهمُ بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدَّ منه".
وإبقاء المقام في موضعه ــ بعد كثرة الناس هذه الكثرة التي عرفناها، ويُنتظر ازديادها ــ يترتّب عليه الخلل والحرج، كما تقدّم.
الوجه الثاني: أنّ الإنكار الذي خشيه رسول الله ﷺ مفسدةٌ عظيمة؛ إذ هو إنكار قلوب بعض من دخل في الإسلام، ولمّا يؤمنْ قلبه.
وإنكار هؤلاء هو ــ والله أعلم ــ ارتيابهم في صدق قوله؛ إذ قال ﷺ لهم: "إنّ البناء الموجود يومئذٍ ليس على قواعد إبراهيم".
يقولون: لا نعرف قواعد إبراهيم إلا ما عليه البناء الآن، ولم يكن أسلافنا ليغيّروا بناء إبراهيم.
فيؤدي ذلك إلى تمكن الكفر في قلوبهم. ولهذا ــ والله أعلم ــ لم يعلن النبي ﷺ القول، إنّما أخبر به أمّ المؤمنين.
стр. 52
وإلى هذا ــ والله أعلم ــ تشير ترجمة البخاري في كتاب العلم كما مرّ آنفًا.
فأما تفسير بعض الشرَّاح (١) إنكار قلوبهم بأن ينسبوه إلى الفخر دونهم، فلا يخفى ضعفه، وأيُّ مفسدةٍ في هذا؟ وقد كان ميسورًا أن يشركهم في البناء، أو يَكِلَه إليهم، ويَدَعَ الفخر لهم.
والحامل لهذا القائل على ما قاله: ظنُّه أن المراد بقومها الذين قصَّروا هم الذين بنوه البناء الأخير الذي حضره النبي ﷺ ، وكان قبل البعثة بخمس سنين فيما قيل، فرأى ذاك القائل أنه لا مجال للارتياب في صدق القول؛ لأن العهد قريب، وأكثرهم شاهدوا ذلك.
والظاهر أن التقصير كان قديمًا، وقد ورد أن قريشًا بَنَتِ الكعبة في عهد قُصيّ، فلعل التقصير وقع حينئذٍ، وإنما بنوها أخيرًا على ما كانت عليه من عهد قصي، وجهل التقصير لطول المدة.
والمقصود: أن الإنكار الذي خَشِيه رسول الله ﷺ مفسدة عظيمة لا يقاربها إنكار بعض الناس تأخير المقام. والعالم تُعرض عليه الحجة فيزول إنكاره، والجاهل تبعٌ له.
وقد جرت العادة بأن الناس يستنكرون خلاف ما ألِفُوه، ولكنه إذا عُمِل به وظهرت مصلحته انقلب الإنكار رضًا وشكرًا.
الوجه الثالث: أن المقام نفسه أُخِّر في صدر الإسلام عن موضعه الأصلي بجنب الكعبة للعلة الداعية إلى تأخيره الآن نفسها، وكان من
стр. 53
المحتمل قبل تأخيره أن تنكره قلوب بعض الناس. فلم يُلتفت إلى ذلك.
المعارضة الثالثة:
قد يقال: استقرّ المقامُ في هذا الموضع قرابة أربعة عشر قرنًا، ولا شكّ أنّ الحجاج كثروا في بعض السنين، وازدحموا في المطاف، ولم يخطر ببالِ أحدٍ تأخيرُ المقام. وفي ذلك دلالة واضحة على اختصاصه بموضعه الذي استمرّ فيه، إن لم يكن على وجه الوجوب فعلى وجه الاستحباب؛ لأنّ تأخيره لو كان جائزًا لما غفل عنه الناس طول هذه المدة، مع وجود الكثرة والزحام في كثير من الأعوام.
أقول: قد تقدّم بيان العلة التي اقتضت تأخير الصحابة ﵃ للمقام من موضعه الأصليّ، وهي أنّ الطائفين والمصلّين خلف المقام كثروا في عهدهم، وكان ينتظر أن يستمرَّ ذلك ويزدادوا في مستقبلهم إلى ما شاء الله، ورأوا أنّ بقاء المقام بجنب البيت يؤدي ــ مع تلك الكثرة ــ إلى دخول الخلل والحرج على الفريقين والعبادتين، ويستمرّ ذلك إلى ما شاء الله، وذلك مخالفٌ للتهيئة المأمور بها.
وأرى هذه العلة متحقّقةً الآن على وجه لم يتحقق منذ تأخير الصحابة ﵃ للمقام إلى هذا العهد الأغرّ.
ويمكن استثبات هذا بسؤال الخبراء بالتاريخ.
فإذا ثبت هذا؛ فإعراضُ مَن بيننا وبين الصحابة عن تأخير المقام مرّة ثانية محمولٌ على أنّه لعدم تحقّق العلة.
وكما أنّ إعراض النبي ﷺ عن تأخير المقام لمّا تبين أنّه لعدم تحقّق
стр. 54
العلة في عهده، لم يمنع الصحابة من تأخيره عند تحقّق العلّة من بعده، فهكذا هذا، ولا يختلف الحال بقصر المدّة وطولها.
على أنّه لو فرض أنّ هذه العلّة تحقّقت بتمامها فيما بين عصر الصحابة وعصرنا، ففي أيّ عصر؟
وهل استكملت بالسكوتِ حينئذٍ شرائط الإجماع؟
وقد ذكر ابن حجر الهيتمي في "تحفته" (١): أنّ الحاكم النيسابوري ــ وهو من أكابر القرن الرابع، ولد سنة ٣٢١ ــ قال عند ذكر الحديث في النهي عن الكتابة على القبور: "ليس العمل عليه؛ فإنّ أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب مكتوبٌ على قبورهم، فهو عملٌ أخذ به الخلف عن السّلف".
فردّه ابن حجر وقال: "ويُرَدُّ بمنع هذه الكلية وبفرضها، فالبناء على قبورهم أكثر من الكتابة عليها في المقابر المسبّلة، كما هو مشاهد، لا سيّما بالحرمين ومصر، وقد علموا بالنهي عنه، فكذا هي.
فإن (٢) قلت: هو إجماع فعليّ، وهو حجة، كما صرّحوا به.
قلت: ممنوع، بل هو أكثريٌّ فقط، إذ لم يُحفَظ ذلك حتّى عن العلماء الذين يرون منعه.
وبفرض كونه إجماعًا فعليًّا، فمحلُّ حجيته ــ كما هو ظاهر ــ إنّما هو عند صلاح الأزمنة، بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر،
стр. 55
وقد تعطّل ذلك منذ أزمنة".
ويقول ابن حجر الهيتمي هذا في الكتابة والبناء على القبور، وذلك شائع ذائع، لا يخفى على عالم، وكذلك النهي عنه.
فأمّا تحقّق العلة حول الكعبة، فإن فُرِض وقوعه فيما مضى فلم يعلم به من علماء ذاك العصر إلا القليل، ومن الممتنع أن يقوم إجماعٌ صحيحٌ يمنع من العمل بما يأمر به القرآن، أو ممّا أجمع على مثله أصحاب رسول الله ﷺ .
* * * *
стр. 56
تلخيص وتوضيح
يتلخّص ممّا تقدّم: أنّ الآيتين الّلتين صدّرتُ بهما الرسالة وغيرهما من الأدلة، تأمر بتهيئة ما حول البيت للطائفين ــ مبدوءًا بهم ــ وللعاكفين والمصلِّين، وأنّ المقصود من التهيئة لهذه الفِرق: تمكينها من أداء تلك العبادات على وجهها بدون خلل ولا حرج.
إنّ هذه التهيئة تختلف باختلاف قلّة تلك الفِرق وكثرتها.
ففي يوم الفتح كان المهمّ إزالة الشرك وآثاره، وفي حجة أبي بكر ﵁ سنة تسعٍ كان الناس قليلاً، يكفيهم المسجد القديم، ولا يؤدي بقاء المقام في موضعه الأصليّ بلصْقِ الكعبة، وصلاة من يصلّي خلفه، إلى تضييقٍ على الطائفين ولا خللٍ في العبادتين.
وفي حجة النبي ﷺ كثر الحاجّون لأجل الحجّ معه ﷺ ، ولم يكن ينتظر أن تستمر تلك الكثرة في السنين التي تلي ذلك، وكان تأخير المقام حينئذٍ يستدعي توسعة المسجد؛ ليتسع ما خلف المقام للعاكفين والمصلين؛ وكانت بيوت قريش ملاصقة للمسجد، وتوسعته تقتضي هدمَ بيوتهم، وعهدُهم بالشرك قريب، وتنفيرهم حينئذٍ يُخشى منه مفسدة عُظمى لدنو وفاة النبي ﷺ ، فلذلك لم يوسِّع النبي ﷺ المسجدَ، وخيَّم هو وأصحابه بالأبطح، وكان يصلِّي هناك.
فلما كان في عهد عمر ﵁ كثر الناس كثرةً يتوقع استمرارها في السنين المقبلة، وتمكن الإسلام من صدور الناس، ولم يبقَ خشيةٌ من نفرة من عساه أن ينفر ممن يهدم بيته، فهدم عمر ما احتاج إلى هدمه من
стр. 57
بيوتهم، ووسَّع المسجد بقدر الحاجة حينئذٍ، وأخَّر المقام، ، وزاد مَنْ بعده في توسعة المسجد لِيُخْلُوا المسجدَ القديم للطائفين.
ثم لا نعلم: كثُر الحجّاجُ والعمّار بعد ذلك بقدر ما كثروا في هذه السنين. والنظر ينفي ذلك، كما تقدم أولَ الرسالة.
وكانوا إذا كثروا في سنة لم ينتظر أن تستمر مثل تلك الكثرة فيما يليها من السنين.
وكان المقام في القرون الأولى بارزًا، لم يكن عليه بناء، ولا بالقرب منه بناء.
فكان من السهل على الطائفين عند الكثرة أن يطوفوا من ورائه، ويَكُفَّ غيرُهم في ذاك الوقت عن الصلاة خلفه؛ إذ كان يغلب على الناس معرفة أن إيذاء الطائف والمصلي خلف المقام لغيره حرام، وأن المندوب والمستحب إذا لزم من فعله مكروه ذهب أجره، فكيف إذا لزم منه الحرام؟ وأن من ترك المندوب اجتنابًا للمكروه أو الحرام ثبت له أجر ذلك المندوب أو أعظم منه.
وما نُقِل عن ابن عمر (١) ﵄ من المزاحمة على استلام الحجر الأسود، إنما معناه: أنه كان يتحمل إيذاء الناس له، إن آذاه أحد منهم، ولا يؤذيهم هو، بل كان ينتظر حتى يجد فُرجةً أخرى فيتقدم، وهكذا. وكان جمهور الصحابة وأفاضل التابعين يتجنبون المزاحمة.
* * * *
стр. 58
إن الحجّاج والعمّار قد كثروا في عصرنا كثرةً لا عهدَ بها، ويُنتظر استمرارها وازديادها عامًا فعامًا، وأصبح المطاف يضيق بالطائفين في موسم الحج ضيقًا شديدًا، يؤدي إلى الحرج والخلل، كما أشرتُ إليه أولَ الرسالة، ولا تتم التهيئة المأمور بها إلا بتأخير المقام، كما تقدم بيانه أيضًا.
فصارت الحال أشدَّ مما كانت عليه حين أخَّر عمر ﵁ المقامَ.
إن الحكم المتعلق بالمقام ــ وهو اتخاذه مصلَّى، أي يُصلَّي إليه ــ لو كان يختص بموضع لكان هو موضعه الأصلي الذي انتهى إليه إبراهيم في قيامه عليه لبناء الكعبة، وقام عليه فيه للأذان بالحج، ونزلت الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وهو فيه، وصلَّى إليه النبي ﷺ مرارًا، تلا في بعضها الآية، وهو فيه.
فلما أجمع الصحابة ﵃ على تأخيره، وانتقال الحكم ــ وهو الصلاة إليه ــ معه؛ ثبت قطعًا أن الحكم يتعلق به، لا بالموضع، إلا أنه يُراعى ما راعَوه من بقائه على السَّمت الخاص في المسجد، قريبًا من الكعبة القربَ الذي لا يؤدي إلى ضيق ما أمامه على الطائفين.
* * * *
إننا نقطع بأن تأخير الصحابة للمقام كان عملًا بكتاب الله تعالى الآمر بالتهيئة للطائفين أولًا، وللعاكفين والمصلِّين بعدهم، واتباعًا لسنة رسول الله ﷺ حقَّ الاتباع بالنظر إلى المقصود الشرعي الحقيقي. وإنه لا يَخدِش في ذلك أن فيه مخالفة صورية.
فكذلك إذا تحقق الآن مثل ذاك المقتضي: فالعمل بمثل عمل الصحابة
стр. 59
مع رعاية ما رَاعَوه هو عمل بكتاب الله ، واتباع لسنة نبيه ﷺ ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وإجماع المسلمين الإجماعَ المتيقن. ولا يَخدِش في ذلك أن فيه مخالفة صورية. وكما يقول أهل العلم: إن الحكم يدور مع علته.
وبعد، ففي علماء المسلمين ــ بحمد الله ــ من هم أعلمُ مني وأعرف، ولا أكاد أكون ــ بالنسبة إليهم ــ طالب علم، ولاسيما سماحة المفتي الأكبر إمام العصر في العلم والتحقيق والمعرفة، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مدَّ الله تعالى في حياته، وهو المرجع الأخير في هذا الأمر وأمثاله.
وإنما كتبتُ ما كتبتُ لِيُعرَض على سماحته، فما رآه فهو الأولى بالحق، والحقيق بالقبول.
وكما قلت في أول الرسالة: "ما كان فيها من صوابٍ فمن فضل الله عليَّ وعلى الناس، وما كان فيها من خطأ فمني، وأسأل الله التوفيق والمغفرة".
والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على خاتم المرسلين، وإمام المهتدين محمد وعلى آله أجمعين.