بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أحاط بكلّ شيءٍ علمًا، وأتقن كلَّ شيءٍ خلقًا وأمرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.
أمّا بعد، فهذه رسالة في شأن "مقام إبراهيم"، وما الذي ينبغي أن يُعمَل به عند توسعة المطاف؛ حاولتُ فيها تنقيحَ الأدلّة ودلالتها على وجه التحقيق، معتمدًا على ما أرجوه من توفيق الله ــ تبارك اسمُه ــ لي، وإن قلَّ علمي، وكلَّ فَهمي.
فما كان فيها من صواب فمن فضل الله عليَّ وعلى النّاس، وما كان فيها من خطأ فمنّي، وأسأل الله التوفيق والمغفرة.
قال الله ﵎ في سورة البقرة (الآية ١٢٥): ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وقال سبحانه في سورة الحج (الآية ٢٦): ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
جاء عن جماعة من السلف تفسير "التطهير" في الآيتين بالتطهير من الشرك والأوثان.
стр. 3
وهذا من باب ذكر الأهمّ الذي يقتضيه السبب؛ فإنّ إخلال المُشركين بتطهير البيت كان بشركهم ونَصْبِهم الأوثانَ عنده.
ولا ريبَ أنّ التطهير من ذلك هو الأهمّ، لكنّ "التطهير" المأمور به أعمّ.
أخرج ابن أبي حاتم (١) عن مجاهد وسعيد بن جبير قالا: "من الأوثان والريب، وقول الزور والرّجس". ذكره ابن كثير وغيره (٢).
وقال البغوي (٣): قال ابن جبير وعطاء: "طهِّراه من الأوثان والريب وقول الزُّور".
وأخرج ابن جرير (٤) عن عُبيد بن عُمير قال: "من الآفات والريب".
* * * *
стр. 4
أقام إبراهيم وإسماعيل ــ ﵉ ــ البيتَ على الطهارة بأوفى معانيها؛ فالأمر بتطهيره أمرٌ بالمحافظة على طهارته، وأن يُمنَع ويُزال عنه كلُّ ما يخالفها.
وقوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ ... ﴾ الآية، يدلُّ على أنّه مع أنّ التطهير مأمورٌ به لحرمة البيت، فهو مأمورٌ به لأجل هذه الفِرَق ــ الطائفين والعاكفين والقائمين والرُّكع السجود ــ لتؤدِّي هذه العباداتِ على الوجه المطلوب.
وهذا يبيّن أن "التطهير" المأمورَ به لا يَخُصُّ الكعبة، بل يَعُمُّ ما حواليها، حيث تُؤدَّى هذه العبادات، وأنّ في معنى التطهير إزالةَ كلِّ ما يمنع من أداء هذه العبادات، أو يُعسِّرها، أو يُخِلُّ بها، كأن يكون في موقع الطواف ما يَعُوق عنه؛ من حجارةٍ أو شوكٍ أو حُفَر.
فثبت الأمر بأن يُهيَّأَ ما حول البيت تهيئةً تمكِّن الطائفين والعاكفين والمصلِّين من أداء هذه العبادات بدون خلل ولا حرج.
لم يُحدّد الشارع ما أمر بتهيئته حول البيت بمقدارٍ مسمًّى، لكن لمّا أمر بالتهيئة لهذه الفرق على الإطلاق عُلِم أنّ المأمور به تهيئةُ ما يكفيها ويتّسع لهذه العبادات مع اليُسر.
فلمّا كان المسلمون قليلاً في عهد النبي ﷺ ، كان يكفيهم المسجد القديم.
نعم كثُر الحُجّاج في حجّة الوداع، لكن لم يكن منتظرًا أن يكثروا تلك الكثرة، أو ما يقرب منها في السنوات التي تليها، وكانت بيوت قريش ملاصقةً للمسجد، لا تمكن توسعته إلا بهدمها، وهدمُها يُنفِّرهم، وعهدهم
стр. 5
بالشرك قريب.
فلمّا كثروا في زمن عمر ﵁، وزال المانع؛ هدم الدُّور، وزاد في المسجد، وهكذا زاد مَن بعده من الخلفاء بحسب كثرة المسلمين في أزمنتهم.
وادَّخر الله تعالى الزيادة العظمى لصاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، أيّده الله، وأوزعَه شكر نِعَمِه، وزادَه من فضله.
* * * *
стр. 6
قدّم الله تعالى في الآيتين "الطّائفين" على "العاكفين" و"المصلين"، والتقديم في الذكر يُشعِر بالتقديم في الحكم، فقد بدأ النبي ﷺ في السعي بالصفا، وقال: "نبدأ بما بدأ الله به" (١)، وبدأ في الوضوء بالوجه.
فيؤخذ من هذا أنّ التهيئة للطائفين أهمّ من التهيئة للعاكفين والمُصلّين.
فعلى هذا يُقَدّم الطائفون عند التعارض، ولا يكون تعارضٌ عند إقامة الصلاة المفروضة جماعةً مع الإمام؛ لأنّ الواجب عليهم جميعًا الدخولُ فيها، وإنّما يمكن التعارضُ بين الطائفين وبين العاكفين والمصلّين تطوّعًا.
وإذْ كان المسجد ــ بحمد الله ــ واسعًا، وسيزداد سعةً، فإنّما يقع التعارض في المطاف، كما إذا كثُر الطائفون، وكان في المطاف عاكفون ومصلّون تطوّعًا، وضاق المطاف عن أن يسعَهم جميعًا بدون حرجٍ ولا خلل.
فإن قُدِّم بقرب البيت العاكفون والمصلّون، وقيل للطائفين: طوفوا من ورائهم، كان هذا تأخيرًا لمن قدّمه الله، ولزم منه (٢) الحرج على الطائفين، لطول المسافة عليهم، مع أنّ الطواف يكون فرضًا في الحجّ والعمرة، وإذا خرج العاكفون والمصلّون عن المطاف، وأدّوا عبادتهم في موضع آخر من المسجد، زال الحرجُ والخللُ البتّة.
* * * *
стр. 7
منذ بعث الله تعالى نبيّنا محمدًا ﷺ لم يزل عدد المسلمين يزداد عامًا فعامًا، وبذلك يزداد الحُجّاج والعُمّار، ومع ذلك فقد توفّرت في هذا العصر أسبابٌ زاد لأجلها عدد الحجّاج والعمّار زيادةً عظيمة.
منها: حدوث وسائط النقل الأمينة السريعة المريحة.
ومنها: الأمن والرّخاء الّلذان لا عهدَ لهذه البلاد بهما، ولذلك زاد عدد السّكان والمقيمين زيادةً لا عهدَ بها.
ومنها: الأعمال العظيمة التي قامت وتقوم بها الحكومة السعودية لمصلحة الحجّاج، بما فيها تعبيد الطُّرق، وتوفير وسائط النقل، والعمارات المريحة، كمدينة الحُجّاج بجُدّة، والمظلاّت بمنًى ومزدلفة وعرفة، وتوفير المياه، وكلّ ما يحتاج إليه الحجّاج في كلّ مكان، وإقامة المستشفيات العديدة، والمَحْجَر الصحي الذي قضت به الحكومة السعودية على ما كانت بعض الدول تتعلّل به لمنع رعاياها عن الحجّ أو تصعيبه عليهم، والعمارة العظمى للمسجد النبوي، والتوسعة الكبرى الجارية الآن (١) للمسجد الحرام، وغيرُ ذلك ممّا زاد في رغبة المسلمين من جميع البلاد في الحجّ.
فزاد عدد الحجّاج في السنين الماضية، ويُنتظَر استمرار الزيادة عامًا فعامًا، لذلك أصبح المسجد ــ على سعته ــ يضيق بالمصلّين في كثيرٍ من أيّام الجُمَع في غير موسم الحجّ، فما الظنُّ به فيه؟
فوفّق الله تعالى جلالة الملك المعظّم سعود بن عبد العزيز ــ أطال الله عمره في صالح الأعمال ــ لتوسعته، والعمل فيه جارٍ.
стр. 8
وأشدُّ ما يقع الزّحام في الموسم: في المطاف، وتنشأ عن ذلك مضارُّ تلحقُ الأقوياءَ، فضلاً عن الضعفاء والنساء، ويقع الخلل في هذه العبادة الشريفة ــ وهي الطواف ــ؛ لزوال ما يُطلَب فيه من الخشوع والخضوع والتذلُّل، وصدق التوجّه إلى الله ؛ إذ يهتمُّ كلُّ من وقع في الزّحام بنفسه.
وقد يكون مع الرجل القويّ ــ أو الرجلين ــ ضعيفٌ أو امرأة أو أكثر فيحاول القويّ أن يدفع الزّحام عن نفسه وعمّن معه، فيدفع من بجنبه وأمامه ليشقّ له ولمن معه طريقًا على أيّ حالٍ، فيؤذي بعضهم بعضًا، وربّما وقع النزاع والخصام والضرب والشتم، ويقع زحام الرّجال للنساء، وقد قال النبي ﷺ : "إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (١)، وقد رأينا من النّاس من يُسِيء بغيره الظنّ، وربّما أدّى ذلك إلى الإيذاء بالدّفع والشّتم، وربّما بالضرب.
ومن المعلوم أنّ صحة الطواف لا تتوقّف على أدائه في المطاف، وإنّما شرطه أن يكون في المسجد، لكن جرى العمل على أن يكون في المطاف، ولو مع الزّحام؛ لأسباب:
منها: أنّ خارج المطاف غير مهيّأ للطواف فيه بغير حرج.
ومنها: أنّ غير الطائفين يقفون ويجلسون ويسلُكون وراءَ المطاف وعند زمزم، فيشقُّ على الطائفين تخلُّل تلك الجموع.
ومنها: أنّ من أهل العلم من يشترط لصحّة الطواف في المسجد أن لا
стр. 9
يحول بين الطّائف والكعبة بناءٌ ونحوه، وممّن ذكر ذلك صاحب "الفروع" (ج ٢ ص ٣٩٠) (١).
وإزالة هذه العوائق إنّما تتمّ بتوسعة المطاف.
فلم يكن بُدٌّ من توسعة المطاف، والعمل بذلك جارٍ، ولله الحمد.
إنّ أضيق موضعٍ في المطاف هو ما بين المقام والبيت، ويزداد ضِيقُه بالنّاس شدّة؛ لقربه من الحجر الأسود والمُلتزم، حيث يقف جماعةٌ كثيرة للاستلام والالتزام والدعاء.
وإذا كانت توسعة المطاف مشروعةً، فتوسعة ذلك الموضع مشروعةٌ، وما لا يتمُّ المشروع إلاّ به ــ ولا مانعَ منه ــ فهو مشروع.
يرى بعضُ أهل العلم أنّ هذا منطبقٌ على تأخير المقام، وأنّ التوسعة المطلوبة لا تتمّ إلاّ به.
فأمّا ما يقوله بعضهم من إمكان طريقة أُخرى لتوسعة المطاف في تلك الجهة أيضًا مع بقاء "المقام" في موضعه، وذلك بأن يُحدّد موضعٌ يكفي المصلّين خلفَه، ويُوسّعَ المطافُ من وراء ذلك توسعةً يكون مجموع عرضها وعرض ما بين المقام والبيت مُساويًا لعرض المطاف بتوسعته في بقيّة الجهات، فإذا كثُر الطائفون سلك بعضُهم أمام المقام كالعادة، وسلك بعضُهم في التوسعة التي خلفه، وخلف موضع المُصلّين فيه= ففي هذه الطريقة خلَلٌ من أوجهٍ:
الأوّل: أنّها مخالفةٌ لعمل مَن عملُهُ حُجّة؛ فإنّ موضع المقام في الأصل
стр. 10
بلصق الكعبة، وسيأتي إثباته.
فلمّا كَثُر النّاس في عهد عمر ﵁، وصار بقاءُ المقام بجنب الكعبة ــ ويصلّي الناس خلفَه ــ مظنّةَ تضييقِ المطاف على الطائفين= أخّرهُ ليبقى ما أمامه للطائفين مُتّسعًا لهم، ويخلو ما وراءه للمصلين، وأقرّه سائر الصحابة ﵃، فكان إجماعًا، وهو حُجّة.
وقيل: إنّ النّبي ﷺ هو الّذي أخّرَ المقامَ للعلّة نفسِها.
وأيًّا ما كان فهو حجّة، وكان ممكنًا حينئذٍ أن يبقى المقامُ بجنب الكعبة، ويُحْجَر لمن يصلّي خلفَه موضعٌ يطوف الطائفون من ورائه، ويُوسَّع لهم المطاف من خلف.
وهذا نظير الطريقة الأخرى التي يشير بها بعضهم الآن، وأبعد منها عن الخلل، وقد أعرض عنها مَن عمله حُجّة، واختار تأخير المقام عن موضعه الأصليّ.
وإذا كانت الحالُ الآنَ كالحال حينئذٍ، فالذي ينبغي هو الاقتداء بالحجّة، وتأخير المقام.
وإذا ساغ لهذه العلّة تأخيره عن موضعه الأصليّ؛ فلَأن يَسُوغ لأجلها تأخيرُه عن موضعه الثاني أولى.
الثاني: أنّ تلك الطريقة لا تفي بالمقصود؛ لأنّ حاصلها أن يكون للمطاف في ذاك الموضع فرعٌ يسلك وراء المقامِ وموضعِ المصلِّين فيه.
وهذا مظنّة أن يَحرِص أكثر الطائفين على أن يسلكوا أمام المقام كالعادة، واختصارًا للمسافة، ويَحرِص على ذلك المطوّفون، وخلف
стр. 11
المطوّف جماعةٌ لا يجدون بُدًّا من متابعته، فيبقى الزّحام قريبًا ممّا كان.
الثالث: أنّه إن أُحيط موضعُ المصلين خلفَ المقام بحاجز شقَّ الدّخولُ إليه والخروجُ منه، وإن لم يُحجَز كان مظنّة أن يسلكه بعض الطائفين اختصارًا للمسافة، فيقع الخلل في العبادتين.
وإنّما كان يمنعهم من ذلك فيما مضى ــ مع بُعد المسافة ــ: توهُّمهم أنّ الطواف لا يصحّ إلا في المطاف.
وسيزول هذا الوهم عند توسعة المطاف من خلفه.
وبقيت أوجهٌ أُخرى؛ كتقديم حقّ المصلين على حق بعض الطائفين، وتطويل المسافة عليهم، واحتمال أن يضيق الموضع الذي يُخصَّص للمصلين خلف المقام؛ لأنّهم يكثرون في بعض الأوقات، ويَحرِص كثيرٌ منهم على المُكْث هناك للدعاء وغير ذلك.
وبالجملة فلا ريب أنّه إذا تحقّقت العلّة، ولم يكن هناك مانعٌ من تأخير المقام؛ فتأخيره هو الطريقة المُثلى.
هل هناك مانعٌ ؟
يُبدي بعض الفضلاء مُعارضاتٍ، يرى أنّها تشتمل على موانعَ، وسأذكرها مع ما لها وما عليها، وأسأل الله التوفيق:
المعارضة الأولى:
يقول بعض الناس: ذكر جماعةٌ من المفسّرين ما يدلُّ على أنّ المقام ليس هو الحجر فقط، بل هو الحجر والبقعة التي هو فيها الآن، وتأخير
стр. 12
البقعة غير ممكن، فإذا نُقِلَ الحجر عنها، فإمّا أن يفوتَ العملُ بالآية، وإمّا أن يبقى الحكم للبقعة؛ لأنّها موضع الصلاة.
وأقول: إنّ النّظر في هذا يقتضي بسطَ ما يتعلّق بالمقام، وسأشرح ذلك في فصولٍ:
стр. 13
الفصل الأول
ما هو المقام ؟
عامّة ما ورد فيه ذكر المقام من الأحاديث والآثار وكلام السّلف والأئمة ــ ويأتي كثيرٌ منها ــ يُبيّن أنّ "مقام إبراهيم" الذي في المسجد هو الحجر المعروف، غير أنّ بعض من رُوي عنه هذا رُوي عنه تفسير المقام في الآية بأنّه الحجُّ كلُّه، أو المشاعر.
وجاء عن ابن عباس ﵄ ما يبيِّن عدم الخلاف (١)، وأنّ من قال: "الحجّ كلُّه" أو "المشاعر" إنّما أراد أنّ الآية كما تنصُّ على شَرْعِ الصلاة إلى هذا الحجر الذي قام عليه إبراهيم لعبادة ربّه ــ كما يأتي ــ، فهي تدلُّ على شرع العبادة في كل موضعٍ قام فيه إبراهيم للعبادة، على ما بيَّنه الشرع، وذلك هو الحجّ والمشاعر، ولهذا جاء عنهم في تفسير كلمة ﴿مُصَلًّى﴾ قولان (٢):
الأوّل: قِبْلَة؛ يُصلّون خلفه، أو يُصلّون عنده.
الثاني: مَدْعىً.
فالأوّل بالنسبة إلى الحجر.
والثاني ــ كما أفاده ابن جرير ــ (٣) بالنسبة إلى المشاعر؛ لأنّ الدعاء
стр. 14
مشروعٌ عندها كلّها، بل يجمع العبادات المختلفة المشروعة فيها؛ إذ المطلوب بتلك العبادات هو ما يُطلَب بالدعاء من رضوان الله ومغفرته، وخير الدنيا والآخرة، فالدُّعاء عبادةٌ، والعبادة دعاءٌ.
فأمّا ما ذُكِرَ في المعارضة عن (١) بعض المفسرين؛ فأوّلهم ــ فيما أعلم ــ الزّمخشري، وتبعه بعض من بعده.
والزَّمخشري ــ على حسن معرفته بالعربية ــ قليل الحظِّ من السنّة، ورأى أنّه لا يكون الحجر مصلّى على الحقيقة إلاّ إذا كانت الصلاة عليه، وذلك غير مشروع ولا ممكن؛ لأنّه يصغر عن ذلك.
ولو وُفِّقَ الزمخشري للصواب لجعل هذا قرينةً على أنّ المراد بكلمة ﴿مُصَلًّى﴾ قِبلة، كما قاله السلف، أي: يُصلَّى إليه؛ كما بيّنه النبي ﷺ ، وعمل به أصحابه فمن بعدهم.
ومن العلاقات المعتبرة في المجاز: المُجاورة، وهي ثابتةٌ هنا؛ فإنّ الصلاة إذا وقعت إلى الحجر فهي بجواره.
ووجهٌ آخر: وهو أن تكون كلمة ﴿مُصَلًّى﴾ اسمَ مفعول، والأصل: "مصلّى إليه"، حُذِفَ حرف الجرّ، فاتصل الضمير واستتر، كما يقوله ابن جنّي في "مُزَمَّل" من قول امرئ القيس (٢):
كأنّ أبانًا في عَرانينِ وَبْلِه ... كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزمَّل
стр. 15
أنّ الأصل "مُزَمَّل به" فحذفَ حرف الجرّ، فاتصل الضميرُ واستتر (١).
والنُّكتة على الوجهين هي ــ والله أعلم ــ: التنبيهُ على أنّ المزيّة للحجر لقيام إبراهيم عليه للعبادة، والمشروعُ لهذه الأمّة التأسّي به.
والقيام على الحجر لمثل عبادة إبراهيم لا يمكن إلاّ نادرًا، فعُوّض عنه بما يمكن دائمًا، وهو القيام للصلاة، وهو يصغر عن الصلاة عليه، ودفنُه ــ ليتسع مع بعض ما حوله للصلاة ــ يؤدي إلى اندثاره.
ولماذا التكلُّف؟ وإنّما المقصود: أن يكون للقيام في الصلاة تعلُّقٌ به، فشُرِعَت الصلاة إليه.
وعبارة الزمخشري (٢): "مقام إبراهيم: الحَجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحَجر حين وضع عليه قدميه".
ويُبطِل هذا القولَ ــ مع ما تقدّم ــ أنّ المذكور في الآية مقامٌ واحدٌ لا مقامان، وأنّ وضع الرِّجْل على الحجر بدون قيام حقيقيٍّ لا يكفي لأن يُطلَق عليه كلمة "مقام" على الحقيقة، وأنّ الذي كان من إبراهيم على الحجر فسُمّي لأجله "مقام إبراهيم" قيامٌ حقيقي، لا وضعُ رِجْلٍ فقط، وأنّ الموضع الذي قام فيه على الحَجَر ليس هو موضعه الآن، وأنّ المقام كان أولاً بلصق الكعبة، وكان الحكم معه، ثم حُوِّل إلى موضعه الآن، فتحوَّل الحكم معه.
وسيأتي إثبات هذا كلّه في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.
* * * *
стр. 16
الفصل الثاني
لماذا سُمّي "الحَجر" مقامَ إبراهيم ؟
أعلى ما جاء في هذا: ما أخرجه البخاري (١) وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في خبر مجيء إبراهيم بإسماعيل ﵉ وأمّه إلى مكة، وما جرى بعد ذلك، وفيه في ذكر بناء البيت: "حتّى إذا ارتفع البناءُ جاء بهذا الحَجر، فوضعه له، فقام عليه وهو يَبني".
وفي روايةٍ أُخرى (٢): "حتّى إذا ارتفع وضَعُفَ الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على المقام".
وعند ابن جريرٍ (٣) بسند صحيح يُلاقي سندَ البخاري الثاني: "فلمّا ارتفع البناء وضعُفَ الشيخ عن نقل الحجارة قام على حَجرٍ، فهو المقام".
وفي "فتح الباري" (٤): أنّ الفاكهيّ أخرج نحو هذه القصّة من حديث عثمان، وفيه: "فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه، ويرفعه له إسماعيل، فلمّا بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه ــ يعني الحَجر الأسود ــ موضعه، وأخذ المقام فجعله لاصقًا بالبيت ... ثم قام إبراهيم على المقام، فقال: يا أيها الناس! أجيبوا ربّكم".
стр. 17
قال في "الفتح" (١): "روى الفاكهيُّ بإسنادٍ صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: "قام إبراهيم على الحَجَر، فقال: يا أيها النّاس! أجيبوا ربّكم".
وفي أوّل الخبر عند البخاري (٢) عن كثير بن كثير قال: "إنّي وعثمان بن أبي سليمان جلوسٌ مع سعيد بن جبير، فقال: ما هكذا حدّثني ابن عباس، ولكنّه قال".
وفي "فتح الباري" (ج ٦ ص ٢٨٣) (٣) بيانُ ما نفاه سعيد بن جبير، ذكر ذلك عن رواية الفاكهيّ والأزرقيّ وغيرهما. وفيه: أنّهم سألوا سعيد بن جبير عن أشياء، قال: "قال رجلٌ: أحقٌّ ما سمعنا في المقام ــ مقام إبراهيم ــ أنّ إبراهيم حين جاء من الشام حلف لامرأته أن لا ينزل بمكّة حتّى يرجع، فقرَّبتْ إليه امرأةُ إسماعيل المقام، فوضع رجله عليه حتّى لا ينزل؟ فقال سعيد بن جبير: ليس هكذا ... ".
والخبرُ ــ وفيه قريبٌ من هذا ــ عند الأزرقيّ (ج ٢ ص ٢٤) (٤) وفي آخره: "فلمّا ارتفع البُنيان وشقَّ على الشيخ تناولُهُ؛ قرّب له إسماعيل هذا الحَجَر، فكان يقوم عليه ويبني، ويُحوِّلُهُ في نواحي البيت حتّى انتهى إلى وجه البيت. يقول ابن عباس: فذلك مقام إبراهيم ﵇، وقيامه عليه".
стр. 18
وقصّة مجيء إبراهيم ولقائه امرأة إسماعيل قد ذكرها ابن عباس (١)، وليس فيها ما يُحكى من وضع رجله على الحَجر.
وكان مجيئه ذلك قبل بناء البيت.
فهبْ أنّه ثبت وضعُه رجلَه على الحَجر وهو على دابّته، فليس هذا بقيام على الحَجر، ولا هو في عبادة، فلا يناسب مزيّةً للحَجَر، وإنّما القيام الحقيقيّ على الحَجر الذي يُناسب مزيّةً له: هو ما وقع بعد ذلك من قيامه عليه لبناء الكعبة، ثمّ للأذان بالحجّ.
فهذا هو الثابت في وجه تسمية الحَجَر "مقامَ إبراهيم".
* * * *
стр. 19
الفصل الثالث
أين وضع إبراهيم المقامَ أخيرًا ؟
تقدّم في الفصل السّابق من حديث عثمان ﵁: "فجعله لاصقًا بالبيت".
ومن حديث ابن عبّاس: "فكان يقوم عليه ويبني، ويُحوِّلُهُ في نواحي البيت حتى انتهى إلى وجه البيت".
وقد ظهر أنّ منشأ مزيّته وحصول الآية فيه ــ وهي أثرُ قدمَيْ إبراهيم ــ هو قيامه عليه لبناء البيت.
فالظاهر أن يكون إبراهيم أبقاه إلى جانب البيت في ذلك الموضع الظاهر ــ وهو عن يَمْنة الباب ــ لتُشاهَد الآية، ويُعرَف تعلُّقه بالبيت.
وجاء عن بعض الصحابة ــ وهو نوفل بن معاوية الدّيليّ ﵁ أنّه رآه في عهد عبد المطلب ملصقًا بالبيت (١). وسنده ضعيف.
ويأتي بيان أنّ ذلك في الموضع المسامت له الآن.
وإقرار النبي ﷺ له هناك، يصلي هو وأصحابه خلفه بدون بيان أنّ له موضعًا آخر: يدلُّ على أنّ ذلك هو موضعه الأصليّ.
ولم أجد ما يخالف هذا من السنّة والآثار الثابتة عن الصحابة، ولا ما هو صريحٌ في خلافه من أقوال التابعين.
إلاّ أنّ المحبّ الطبري قال في "القِرى" (ص ٣٠٩): قال مالك في
стр. 20
"المدونة": كان المقام في عهد إبراهيم ﵇ في مكانه اليوم، وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السّيل، فكان ذلك في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر ﵁، فلمّا ولي عمر ﵁ ردّه بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قِيسَ بها، حتّى أخَّروه، وعمر هو الذي نصب معالم الحرم بعد أن بحث عن ذلك".
هذا آخر كلامه في "المدونة" فيما نقله صاحب "التهذيب مختصر المدونة". ولم أجد أصل ذلك الكلام في مظنّته من "المدونة" المطبوعة.
ثم قال المحبُّ: "وقال الفقيه سَنَد بن عنان المالكي في كتابه المترجم بـ "الطّراز" ــ وهو شرحٌ لـ "المدونة" ــ: وروى أشهب عن مالك قال: سمعتُ من يقول من أهل العلم: إنّ إبراهيم ﵇ أقام هذا المقام، وقد كان ملصقًا بالبيت في عهد النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ وقبل ذلك، وإنّما أُلصِقَ إليه لمكان السيل؛ مخافة أن يذهب به، فلمّا ولي عمر ﵁ أخرج خيوطًا كانت في خزانة الكعبة، وقد كانوا قاسوا بها ما بين موضعه وبين البيت في الجاهلية، إذ قدّموه مخافة السيل، فقاسه عمر، وأخّره إلى موضعه اليوم، قال مالك: والذي حمل عمر ... ".
إنّ بين سند بن عنان وبين أشهب نحو ثلاث مائة سنة. فإن صحَّ عن مالك فهذا الذي أخبره بالحكاية لم يذكر مستنده، ولا أحسبه استند إلَّا إلى حكاية مجملة وقعت له عن تحويل عمر ﵁ للمقام، وما جرى بعد ذلك، فقال ما قال.
وسيأتي ــ إن شاء الله ــ تحقيق تلك القضية بما يتّضح به أن ليس فيها دلالةٌ على ما ذكر.
стр. 21
وعلى كلّ حال؛ فهذه الحكاية المنقطعة لا تصلح لمقاومة ما تقدم من الأدلة، والله المستعان.
فالذي تعطيه الأدلة: أنّ إبراهيم ﵇ وضع المقام عند جدار الكعبة في الموضع المسامت له الآن.
* * * *
стр. 22
الفصل الرابع
أين كان موضعه في عهد النبي ﷺ -؟
في هذا ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنّه كان في موضعه الذي هو به الآن. والأدلة الصحيحة الواضحة تردّ هذا القول، كما يأتي في القول الثالث. ولكنّي أذكر ما جاء في هذا، مع النظر فيه؛ ليعرف:
أخرج الأزرقيّ (١) عن ابن أبي مُليكة قال: "موضع المقام هذا الذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية، وفي عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، إلاّ أنّ السيل ذهب به في خلافة عمر ﵁، فجُعِلَ في وجه الكعبة حتى قدم عمر، فردّه بمحضرٍ من الناس".
سند الأزرقي رجاله ثقات، وابن أبي مُليكة من ثقات التابعين، لكنّ الأزرقيّ نفسه لم يوثّقه أحدٌ من أئمة الجرح والتعديل، ولم يذكره البخاري، ولا ابن أبي حاتم، بل قال الفاسيّ في ترجمته من "العقد الثمين" (٢): "لم أر من ترجمه".
فهو ــ على قاعدة أئمة الحديث ــ مجهول الحال، وقد تفرّد بهذه الحكاية، والله أعلم.
стр. 23
وقال الأزرقيّ (١) أيضًا: حدّثني جدّي، حدّثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن كثير بن كثير بن المطلّب بن أبي وَداعة السَّهميّ عن أبيه عن جدّه قال: "كانت السيولُ تدخل المسجدَ الحرام ... ربّما دفعت المقام عن (٢) موضعه، وربّما نَحَّتْه إلى وجه الكعبة، حتى جاء سيلٌ في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ يُقال له: سيل أمّ نَهْشل .. فاحتمل المقام من موضعه، فذهب به، حتّى وُجدَ بأسفل مكة، فأُتي به، فرُبطَ إلى أستار الكعبة في وجهها، وكُتب في ذلك إلى عمر ﵁، فأقبل عمر ﵁ فَزِعًا، فدخل بعمرة في شهر رمضان، وقد غُمّي موضعُهُ وعفّاه السيل، فدعا عمر بالنّاس، فقال: أَنشُد الله عبدًا عنده علم في هذا المقام، فقال المطَّلب بن أبي وَداعة السّهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك، فقد كنت أخشى عليه هذا، فأخذتُ قَدْرَه من موضعه إلى الركن، ومن موضعه إلى باب الحِجْر، ومن موضعه إلى زمزم بمِقَاطٍ (٣)، وهو عندي في البيت، فقال له عمر: فاجلسْ عندي. وأرسِلْ إليها، فأُتي بها، فمدّها، فوجدها مستويةً إلى موضعه هذا، فسأل النّاس وشاورهم، فقالوا: نعم هذا موضعه، فلمّا استثبت ذلك عمر ﵁ وحُقَّ عنده أمر به، فأعلم ببناء رَبَضِه تحت المقام ثم حوّله، فهو في مكانه هذا إلى اليوم".
جدُّ الأزرقي وداود وابن جريج وكثير بن كثير: ثقاتٌ، لكن له عدّة علل:
الأولى: حال الأزرقي كما مرّ.
стр. 24
الثانية: أنّ ابن جريج ــ على إمامته ــ مشهورٌ بالتدليس، ولم يُصرّح هنا بالسماع من كثير بن كثير.
الثالثة: أنّه قد صحّ عن ابن جريج قولُه: "سمعت عطاء وغيره من أصحابنا ... " فذكر ما سيأتي في القول الثالث، على وجهٍ يُشعِر باعتماده له.
الرابعة: أنّ كثير بن المطلب مجهول الحال (١)، ولا يُخرِجه عن ذلك ذِكْرُ ابن حبان له في "الثقات" على قاعدته التي لا يوافقه عليها الجمهور.
وقد روى ابن جريج عن كثير بن كثير عن أبيه عن جدّه حديثًا، فذكر ابن عيينة أنّه سأل كثير بن كثير عنه، فقال: ليس من أبي سمعتُه، ولكن من بعض أهلي عن جدّي (٢).
وروى غير ابن عيينة عن ابن جريج عن كثير بن كثير عن أبيه عن جده حديثًا قريبًا من الأوّل، ولعلّه هو. راجع "المسند" (ج ٦ ص ٣٩٩) (٣). فإن كان حديثًا واحدًا فليس لكثير بن المطلب في الكتب الستّة و"المسند" شيء.
نعم أخرج ابن حبّان في "صحيحه" (٤) الحديث الثاني من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن كثير بن كثير. وفيه ما يقتضي أنّه
стр. 25
حديثٌ آخر، لكنّ الوليد شاميّ، ورواية أهل الشام عن زهير أنكرها الأئمة؛ لأنّ زهيرًا حدّثهم من حفظه، فغلط وخلّط (١).
الخامسة: أنّه لمّا جرى ذكر المطَّلب في القصة ذُكِر بما ظاهره أنّ المُخبِر غيرُه: "فقال له المطلب بن أبي وداعة السهميّ ... فقال له عمر ... ".
وهذا يَرِيب في قوله في السند: "عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السّهمي عن أبيه عن جده"؛ ويُشعِر بأنّ الحكاية منقطعة.
وقال الأزرقي (٢): حدثني ابن أبي عمر قال: حدثنا ابن عيينة عن حبيب بن أبي الأشرس قال: "كان سيلُ أمّ نهشل قبل أن يعمل عمر ﵁ الرّدمَ بأعلى مكة، فاحتمل المقام من مكانه، فلم يُدْرَ أين موضعه، فلمّا قدم عمر بن الخطاب ﵁ سأل: من يعلم موضعه؟ فقال المطّلب بن أبي وداعة: أنا يا أمير المؤمنين! قد كنتُ قدّرتُه وذَرعتُه بمقاط ــ وتخوفتُ عليه هذا ــ من الحِجر إليه، ومن الركن إليه، ومن وجه الكعبة إليه، فقال: ائْتِ به، فجاء به، ووضعه في موضعه هذا، وعمِلَ عمرُ الردمَ عند ذلك".
قال سفيان: فذلك الذي حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه: "أنّ المقام كان عند سُقْع (٣) البيت، فأمّا موضعه الذي هو موضعه: فموضعه الآن، وأمّا ما يقوله الناس: إنّه كان هنالك موضعه، فلا".
стр. 26
قال سفيان: وقد ذكر عمرو بن دينار نحوًا من حديث ابن [أبي] (١) الأشرس هذا، لا أُميّز أحدهما عن صاحبه.
الأزرقي قد تقدّم حاله.
لكن قال الفاسيّ في "شفاء الغَرام" (ج ١ ص ٢٠٦): وروى الفاكهيّ (٢) عن عمرو بن دينار وسفيان بن عيينة مثل ما حكاه عنهما الأزرقيّ بالمعنى.
أقول: ليته ساق خبر الفاكهيّ؛ فإنّ الفاكهيَّ وإن كان كالأزرقيّ في أنّه لم يوثّقه أحدٌ من المتقدمين ولا ذكره، فقد أثنى عليه الفاسيّ في ترجمته من "العقد الثمين" (٣)، ونزّهه عن أن يكون مجروحًا، وفضّل كتابه على كتاب الأزرقي تفضيلاً بالغًا، ومع هذا فالأخبارالتي يتفقان في الجملة على روايتها نجد الفاسيّ ومِن قبلِه المحب الطبري يُعنَيانِ غالبًا بنقل رواية الأزرقيّ، ويسكتان عن رواية الفاكهي، أو يشيران إليها إشارة فقط.
وأحسب الحامل لهما على ذلك حسن سياق الأزرقي.
وقد قيل لشعبة ﵀: مالك لا تحدّث عن عبد الملك بن أبي سليمان، وقد كان حسن الحديث؟ قال: مِنْ حُسْنها فررتُ (٤).
ويَرِيبني من الأزرقي حسنُ سياقه للحكايات وإشباعُه القولَ فيها، ومثل ذلك قليلٌ فيما يصح عن الصحابة والتابعين.
стр. 27
ويَرِيبني أيضًا منه تحمُّسُه لهذا القول؛ فقد روى (ج ٢ ص ٢٣) (١) عن ابن أبي عمر بسندٍ واهٍ إلى أبي سعيد الخدري، أنّه سأل عبدا لله بن سلام عن الأثر الذي في المقام، فقال: "كانت الحجارة ... وذكر الخبر، وفيه في ذكر النبي ﷺ : "فصلّى إلى الميزاب وهو بالمدينة، ثمّ قدم مكة، فكان يصلي إلى المقام ما كان بمكة".
وقد روى الفاكهي (٢) هذا الخبر كما ذكره الفاسيّ في "شفاء الغرام" (ج ١ ص ٢٠٦)، ولم يَسُقْ الفاسيّ سنده ولا متنه بتمامه، إنّما ذكر قطعة منه، هي بلفظها في رواية الأزرقي. ثم قال: "وفيه أنّ النبي ﷺ قدم مكة من المدينة، فكان يصلّي إلى المقام، وهو مُلْصَقٌ بالبيت، حتّى توفي رسول الله ﷺ ".
أسقط الأزرقيّ في روايته قوله: "وهو ملصق بالبيت حتّى توفي رسول الله ﷺ "، وجعل موضعها: "ما كان بمكة".
وقال في (ج ٢ ص ٢٧) (٣): حدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثنا سُليم بن مسلم عن ابن جريج عن محمد بن عبّاد بن جعفر عن عبدا لله بن صفوان قال: أمر عمر بن الخطاب ﵁ عبد الله بن السائب العابديّ ــ وعمر نازلٌ بمكة في دار ابن سباع ــ بتحويل المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم، قال: فحوَّلَه ثم صلّى المغرب، وكان عمر قد اشتكى رأسه، قال
стр. 28
[عبد الله بن السائب] (١): فلمّا صليتُ ركعةً جاء عمر فصلّى ورائي، قال: فلمّا قضى صلاته، قال عمر: أحسنتَ، فكنتُ أوّل من صلّى خلف المقام حين حُوّل إلى موضعه". عبد الله بن السائب القائل.
ولم تَرُقْ الأزرقيَّ كلمةُ "حُوّل" فعقّبه بقوله: "حدثني جدّي قال: حدثنا سليم بن مسلم عن ابن جريج عن محمد بن عبّاد بن جعفر عن عبد الله بن السائب ــ وكان يصلّي بأهل مكة ــ فقال: "أنا أوّل من صلّى خلف المقام حين رُدّ في موضعه هذا ... ".
هذا؛ وأمّا بقية السند بعد الأزرقيّ: فشيخه ابن أبي عمر سيأتي. وسفيان بن عيينة إمام. وحبيب بن أبي الأشرس ضعيف، راجع ترجمته في "الميزان" و "لسانه" (٢).
وعمرو بن دينار ثقةٌ جليل، لكن لا يُدرَى ما قال. نعم يستفاد إجمالاً أنّه قد ذكر ما يتعلّق بالتقدير.
فأمّا ما ذكر في هذه الرواية من رأي ابن عيينة فقد ثبت عنه (٣) ما يناقضه برواية ابن أبي حاتم الرازي وهو إمام، عن أبيه، وهو من كبار الأئمة المتثبتين، عن ابن أبي عمر شيخ الأزرقي، عن ابن عيينة نفسه. وسيأتي.
وأبو حاتم هو القائل في ابن أبي عمر هذا ــ شيخه وشيخ للأزرقي ــ: "كان شيخًا صالحًا، وكان به غفلة، رأيت عنده حديثًا موضوعًا حدّث به عن
стр. 29
ابن عيينة، وكان صدوقًا" (١).
أقول: ابن أبي عمر ثقةٌ فيما يرويه عنه أبو حاتم ومسلم ونحوهما من المتثبتين؛ لأنّهم يحتاطون وينظرون في أصوله، وإنّما تخشى غفلته فيما يرويه عنه من دونهم، ولاسيَّما أمثال الأزرقيّ.
القول الثاني:
قال بعضهم: كان المقام لاصقًا بالكعبة في عهد النبي ﷺ ، حتّى أخّره هو ﷺ إلى موضعه الآن.
ذكر ابن كثير (٢) أنّ ابن مردويه روى بسنده إلى شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت، فحوّله رسول الله ﷺ إلى هذا".
أشار ابن كثير إلى ضعفه.
وقال ابن حجر في "الفتح" (ج ٨ ص ٢٩) (٣): أخرج ابن مردويه بسند ضعيف، فذكره.
أقول: شريكٌ من النبلاء، إلاّ أنّه يخطئ كثيرًا ويدلِّس (٤). وإبراهيم بن
стр. 30
مهاجر صدوقٌ كثير الخطأ، يحدّث بما لا يحفظ فيغلَط (١).
وقد صحّ عن مجاهد أنّ عمر هو الذي حوّل المقام، كما سيأتي.
وفي "شفاء الغرام" (ج ١ ص ٢٠٦): "ذكر موسى بن عقبة في مغازيه ... قال موسى بن عقبة ... : وكان ــ زعموا ــ أنّ المقام لاصقٌ في الكعبة، فأخّره رسول الله ﷺ في مكانه هذا".
موسى بن عقبة ثقةٌ أدرك بعض الصحابة، لكن ذكروا أنّه تتّبع المغازي بعد كِبَر سنّه، فربّما يسمع ممّن هو دونه (٢)، وقد قال: "زعموا".
القول الثالث:
قال آخرون: كان المقام في عهد النبي ﷺ وبعده لاصقًا بالكعبة، حتى حوّله عمر ﵁.
قال ابن كثير (٣): قال عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني عطاء وغيره من أصحابنا قالوا: "أول مَن نقله عمر بن الخطاب ﵁".
وقال عبد الرزاق (٤) أيضًا: عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: "أوّل من أخّر المقام إلى موضعه عمر بن الخطاب".
стр. 31
وقال ابن حجر في "الفتح" (ج ٨ ص ١٢٩) (١): "كان المقام من عهد إبراهيم لِزْقَ البيت، إلى أن أخّره عمر ﵁ إلى المكان الذي هو فيه الآن". أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد أيضًا.
ونقل الفاسيّ (٢) عن كتاب "الأوائل" لأبي عروبة ــ أراه الحرّاني حافظٌ ثقة ــ عن سلمة ــ أراه ابن شبيب ثقة ــ عن عبد الرزاق ... ، فذكر السندين اللذين ذكرهما ابن كثير، وقال في متن الأول: "إنّ عمر ﵁ أوّلُ من رفع المقام، فوضعه في موضعه الآن، وإنّما كان في قُبُلِ الكعبة".
وقال في الثاني: عن مجاهد قال: "كان المقام إلى جنب البيت، وكانوا يخافون عليه من السيول، وكان الناس يُصلُّون خلفه".
قال الفاسي: انتهى باختصار؛ لقصة ردّ عمر للمقام إلى موضعه الآن، وما كان بينه وبين المطّلب بن أبي وداعة السهميّ في موضعه الذي حرّره المطّلب.
فلا أدري: أخبرٌ آخر هذا عن مجاهد؟ أم هو ذاك الخبر اختصره عبد الرزاق في "مصنفه"، وحدّث به سلمة من حفظه؟ أم ماذا؟
وعلى كلّ حال؛ فالذي نقل ابن كثير وابن حجر عن "مصنف عبد الرزاق" ثابتٌ، فيتعين حمل هذه الرواية على ما لا يخالفه.
стр. 32
وفي "الدُّرّ المنثور" (١): أخرج ابن سعد عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: "من له علمٌ بموضع المقام حيث كان؟ فقال أبووَدَاعة بن هُبيرة (٢) السهمي: عندي يا أمير المؤمنين! قدَّرتُه إلى الباب، وقدرتُه إلى ركن الحجر، وقدرته إلى الرُّكن الأسود، وقدرته، فقال عمر: هاته، فأخذه عمر، فردّه إلى موضعه اليوم للمقدار الذي جاء به أبووداعة".
لا أدري ما سنده، وبقيّة الروايات في هذا تذكر المُطّلب بن أبي وداعة، لا أبا وداعة نفسه.
وقال ابن كثير (٣): قال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا ابن أبي عمر العدني، قال: قال سفيان ــ يعني ابن عيينة، وهو إمام المكّيين في زمانه ــ: "كان المقام من سُقْع البيت على عهد رسول الله ﷺ ، فحوّله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ ، وبعد نزول قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فردّه عمر إليه".
وقال سفيان: "لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله".
قال سفيان: "لا أدري: أكان لاصقًا بها أم لا؟ ".
وقال ابن حجر في "الفتح" (ج ٨ ص ١٢٩) (٤): أخرج ابن أبي حاتم
стр. 33
بسندٍ صحيح عن ابن عيينة قال: "كان المقام في سُقع البيت في عهد رسول الله ﷺ ، فحوّله عمر، فجاء سيلٌ فذهب به، فردّه عمر إليه"، قال سفيان: "لا أدري أكان لاصقًا بالبيت أم لا؟ ".
هذا بغاية من الصحة عن سفيان بن عيينة؛ كما تقدم أواخرَ الكلام على القول الأول.
تمحيص هذه الأقوال
قد يُنتصر للأوّل بأنّ عمر ﵁ لم يكن ليخالف النبي ﷺ .
وما معنى تقدير المطَّلب وتحرّي عمر؟
فالظاهر أنّ المقام لم يزل بموضعه اليوم، فقدّره المطّلب منه، فذهب به السيل، وطمس موضعه، فجُعل بجنب الكعبة حتى يقدم عمر، فقدم وتحرّى، وردّه حيث كان.
وكأنّ هذه القضية بلغت بعضَ الناس مجملةً أنّه كان بجنب الكعبة، وأنّ عمر نقله إلى موضعه اليوم، فتوهّموا أنّه كان بجنب الكعبة منذ قديم، فراحوا يخبرون بذلك.
ويُنتصَر للثاني بأنّ أولئك الأئمة لم يكونوا ليتوهموا بدون أصل، فلعلّ النبي ﷺ حوّل المقام أخيرًا، ولم يبلغهم ذلك، وثبت عندهم أنّه قد كان في عهد النبي ﷺ بجنب الكعبة، فاستصحبوا ذلك، والباقي كما مرّ.
ويُنتصَر للثالث بأنّه قد يقع من عمر ﵁ ما هو في الصورة مخالفة، وهو في الحقيقة موافقة بالنظر إلى مقاصد الشرع واختلاف الأحوال، وقد يخفى علينا وجه ذلك، ولكنّا نعلم أنّ الصحابة رضي الله عنهم
стр. 34
لا يُجمعون إلاّ على حقّ.
وتقدير المطَّلب وتحرّي عمر ــ إن صحّ ــ فقد يخفَى علينا سببه.
وإذا كان ذلك محتملاً؛ فليس لنا أن نجعل جهلنا به حجةً على توهيم أولئك الأئمة وهم هم، ومنهم عطاء وقَدمُه وفضلُ علمه بالمناسك، ومجاهد وقَدمُه وفضلُ علمه بالتفسير، ومالك وابن عيينة، وهما هما.
ولم تكن قضية المطّلب لِتخفَى على أئمة مكة: عطاء ومجاهد وابن عيينة، بل قد ذكرها الأخيران فيما روي عنهما، والمخالف لهؤلاء ليس مثلَهم، ولا قريبًا منهم؛ فهو أحقُّ بالوهم.
أقول: قد أغنانا الله ــ وله الحمد ــ عن هذا الضرب من الاحتجاج بثبوت النقل عمّن لا يمكن أن يُظنَّ به التوهم.
أخرج البيهقي (١) من طريق أبي ثابت ــ وهو محمد بن عبيدالله المدني (٢)، ثقة من شيوخ البخاري في "صحيحه" ــ عن الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه (٣) عن عائشة ﵂، أنّ المقام كان زمانَ رسول الله ﷺ وزمانَ أبي بكر ﵁ ملتصقًا بالبيت، ثمّ أخَّره عمر ﵁".
стр. 35
ذكره ابن كثير في "تفسيره" (١) بسند البيهقي، ورجاله ثقات. وقال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح. وذكره ابن حجر في "الفتح" (٢)، وقال: بسند قوي.
وذكر الفاسي في "شفاء الغرام" (٣): أنّ الفاكهيّ روى عن يعقوب بن حُمَيد بن كاسب قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه ــ قال عبد العزيز: أُراه عن عائشة ــ: "أنّ المقام كان في زمن النبي ﷺ إلى سُقع البيت".
يعقوب بن حُميد متكلَّم فيه، ووثّقه بعضهم (٤). والاعتماد على حديث أبي ثابت.
وقال البخاري في "صحيحه" (٥) في أبواب القبلة: باب في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، ثمّ ذكر حديث ابن عمر (٦) ﵄ لمّا سُئل عن رجلٍ طاف بالبيت للعمرة، ولم يَطُفْ بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي ﷺ ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلّى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة" الحديث.
стр. 36
ثم حديث ابن عمر (١) وحديث ابن عباس (٢) ﵃ في دخول النبي ﷺ الكعبة.
وفي الأوّل: "ثم خرج فصلّى في وجه الكعبة ركعتين".
وفي الثاني: "فلمّا خرج ركع ركعتين في قُبُلِ الكعبة، وقال: "هذه القبلة".
والقدوم الذي ذكره ابن عمر في حديثه الأول كان في عمرة؛ لأنّ ابن عمر أجاب به السائل عن العمرة، وأُراها عمرة القضية.
وفي "المسند" (ج ٤ ص ٣٥٥) (٣) من حديث ابن أبي أوفى: "اعتمر النبي ﷺ فطاف بالبيت، وطفنا معه، وصلى خلف المقام وصلينا معه ... ".
وسنده بغاية الصحة. وقد أخرجه البخاري مختصرًا في "باب عمرة القضية" من المغازي (٤).
وذكر ابن حجر (٥) هناك مَنْ صرّح فيه بقوله: "في عمرة القضية"، وسياقه واضحٌ في ذلك.
ولفظ "وجه الكعبة" ورد في عدة أخبارٍ تقدّمت.
وفي "القِرَى" (ص ٣١٥) عن ابن عمر: "البيت كلُّه قبلة، قبلته وجهه".
стр. 37
نسبه إلى سعيد بن منصور.
والمراد به في تلك الأخبار ــ كما يقضي به سياقُها ــ تارةً: جدارُها المقابل لموضع المقام الآن، وتارةً: ما بجانب هذا الجدار من المطاف.
والأخبار التي أطلقته على هذا تُبيّن أنه ليس منه موضع المقام الآن, بل هو الموضع الذي كان فيه المقام قبل أن يُحوِّله عمر ﵁ إلى موضعه الآن.
ولفظ "قُبُل الكعبة" في حديث ابن عبّاس ﵄ هو أيضًا ذاك الموضع.
وابن عباس إنّما سمع هذا الحديث من أسامة ﵁ كما بيّنه ابن حجر في "الفتح" (١)، وراويه عن ابن عباس عطاء، يرويه عطاء تارة عن ابن عباس عن أسامة، وتارة عن أسامة نفسه.
وقد تقدّم قول عطاء: "إنّ عمر ﵁ أوّل من رفع المقام فوضعه في موضعه الآن، وإنّما كان في قُبُل الكعبة".
بل ثبت في حديث عطاء عن أسامة عند النسائي (٢) بسند رجالُه ثقات: " ... ثمّ خرج فصلّى خلف المقام ركعتين، وقال: "هذه القبلة".
ويؤيد ذلك ما في "السيرة" عن ابن إسحاق (٣): حدّثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة أنّ
стр. 38
رسول الله ﷺ لمّا نزل مكة واطمأنّ الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف على راحلته، يستلم الرُّكن بمِحْجَنٍ في يده، فلمّا قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها ... ".
محمد بن جعفر وعبيدالله من رجال "الصحيح". وابن إسحاق حسن الحديث.
فهذا الخبر يدلُّ على أنّ صلاته ﷺ بعد خروجه كانت ركعتي الطواف، ومن سنته ﷺ أن يصلّيهما خلف المقام.
فأمّا صلاتُه في الكعبة ــ على القول بها ــ فهي تحيّتها.
ثبت بما تقدم أنّ صلاته ﷺ عقبَ خروجه من الكعبة كانت خلف المقام، وأنّ المقام حينئذٍ كان عند جدار الكعبة.
لمّا دخل النبي ﷺ الكعبة كان ابن عمر غائبًا، فبلغه ذلك، فأقبل "يركبُ أعناقَ الرجال"، "المسند" (ج ٦ ص ١٣) (١)، فجاء وقد خرج النبي ﷺ ، وبلال في الكعبة لمّا يخرج، فكان هَمُّ ابن عمر أن يزاحم ليسأل بلالاً: ماذا صنع النبي ﷺ في الكعبة؟
وفي تلك الأثناء صلّى النبي ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ خارج الكعبة.
فكأنّ ابن عمر اشتغل بالمزاحمة والمساءلة، فلم يُحقّق أإلى المقام صلّى النبي ﷺ أم عن يساره، أم عن يمينه؟ فاقتصر على قوله: "في وجه الكعبة".
стр. 39
فأمّا ما في أكثر روايات حديث أسامة ﵁: "في قُبُل الكعبة"، فيظهر أنّ ذلك مراعاة لقوله عقب ذلك: وقال: "هذه القبلة".
خشي أن يتوهّم أنّ الإشارة إلى المقام، مع قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ فعدل إلى قوله: "في قُبُل الكعبة"؛ ليعلم أنّ الإشارة إليها، أو إلى ذلك الموضع منها، كما يأتي.
في "صحيح مسلم" (١) عن جابر ــ في حجّة الوداع، بعد ذكر الطواف ــ: "ثم نفذَ إلى مقام إبراهيم ... فجعل المقام بينه وبين القبلة".
هكذا في عدة نسخ من "الصحيح" وكتب أخرى (٢).
وذكره الطبري في "القِرَى" (ص ٣١٠) بلفظ: "ثم تقدّم" (٣)، وكذا نقله الفاسيّ (٤) عنه.
стр. 40
وزعم الطبري أنّه يُشعِر بأنّ المقام لم يكن حينئذٍ ملصقًا بالكعبة. ولم يصنع شيئًا.
أمّا كلمة "تقدّم" ــ إن صحّت ــ فدلالتها على الملاصقة أقرب؛ لأنّه كان في الطواف، فأنهاه عند الرّكن، فإذا واصل مَشْيه بعد ذلك إلى يَمْنة الباب فهذا تقدُّم، ولو كان المقام حينئذ في موضعه الآن لكان المشي إليه مشيًا عن الكعبة، فكان حقُّه أن يقال: "تأخَّر".
وأمّا قوله: "فجعل المقام بينه وبين الكعبة" فلا يخفى أنّ المصلِّي إلى المقام إذ كان بِلِصْقِ الكعبة إمّا أن يكون عن يمينه، أو يساره، أو خلفه، فإذا كان خلفه فقد جعله بينه وبين الكعبة.
فقد ثبت بما تقدّم ــ لا سيّما حديث عائشة ﵁ ــ صحّةُ القول الثالث الذي عليه أئمة مكّة: عطاء ومجاهد وابن عيينة، مع أنّ الإنصاف يقضي بأنّ قولهم مجتمعين يكفي وحده للحجّة في هذا المطلب، والله أعلم.
* * * *