Полный текст (102 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
التحفة الربانية
في شرح الأربعين حديثا النووية
ومعها شرح الأحاديث التي زادها ابن رجب الحنبلي
تأليف
فضيلة الشيخ العلامة / إسماعيل بن محمد الأنصاري (يرحمه الله)
الباحث في دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، نسأله جل شأنه أن يهدينا صراطه المستقيم، ويحمينا من مضلات المفتنين، وموبقات الملحدين، وأصلي وأسلم على من أرسله الله رحمة للعالمين، هدى وذكرى للمؤمنين، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله حق الجهاد، فبلغوا الرسالة إلى كافة العباد، وفازوا بالعز والسعادة في الدنيا والمعاد.
وبعد: فللإمام النووي قدم راسخة في السنة المطهرة، آثاره فيها حميدة، ومكانته فيها مكانة الراسخين في العمل، فقد خدم صحيح مسلم أجل خدمة، وساق إلى من يريد الإصلاح كتابه ((رياض الصالحين))، ثم استخلص من الصحاح الأربعين حديثا المشهورة التي أنزلها العلماء منزلة القبول والاستحسان، لاشتمالها على أصول الأحكام وشرائع الإسلام فتعهدوها بالشرح والبيان، ومن أجل شروحها هذا الشرح الوجيز، الذي ألفه أستاذنا الشيخ إسماعيل الأنصاري _ وفقه الله _ فقد أحسن الجميل إلى طلبة العلم، وأبدع التنسيق في بيان مقاصد الحديث، حيث سار على الطريقة الاستنتاجية بعد شرح المفردات اللغوية، وكانت الأغراض التي تستنبط منكل حديث خير ما امتاز به هذا الشرح المفيد.
سائلين الله تعالى أن يجعله عملا صالحا خالصا لوجه الكريم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 3
الحديث الأول
عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
المفردات:
إنما: للحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
الأعمال: الشرعية المفتقرة إلى النية.
بالنيات: بتشديد الياء وتخفيفها جمع نية وهي عزم القلب.
وإنما لكل امريء ما نوى: فمن نوى شيئا لم يحصل له غيره.
стр. 4
فمن كانت هجرته: إنتقاله من دار الشرك إلى دار الإسلام.
إلى الله ورسوله: بأن يكون قصده بالهجرة طاعة الله ورسوله ﷺ .
فهجرته إلى الله ورسوله: ثوابا وأجرا.
لدنيا: بضم الدال وكسرها من الدنو، أي القرب سميت بذلك لسبقها للأخرى، أو لدنوها إلى الزوال، وهي ما على الأرض مع الهواء والجو مما قبل قيام الساعة. وقيل: المراد بها هنا المال بقرينة عطف المرأة عليها.
يصيبها: يحصيها.
ينكحها: يتزوجها.
فهجرته إلى ما هاجر إليه: كائنا ما كان، فالأول تاجر والثاني خاطب
يستفاد منه:
١ - الحث على الإخلاص، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان صوابا وابتغي به وجهه. ولهذا استحب العلماء استفتاح المصنفات بهذا الحديث تنبيها للطالب على تصحيح النية.
٢ - أن الأفعال التي يتقرب بها إلى الله إذا فعلها المكلف على سبيل العادة لم يترتب الثواب على مجرد ذلك الفعل وإن كان صحيحا، حتى يقصد بها التقرب إلى الله.
٣ - فضل الهجرة إلى الله ورسوله. وقد وقعت الهجرة في الإسلام على وجهين: الأول _ الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، الثاني _ الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص. وبقي عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن قدر عليه واجبا.
стр. 5
الحديث الثاني
عن عمر رضي الله تعالى عنه أيضا قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﵌ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﵌ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ : ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال صدقت، فعجبنا له، يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تبعد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما لمسئول عنها بأعلم من السائل، قال فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن
стр. 6
ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)). رواه مسلم
المفردات:
رجل: ملك في صورة رجل.
لا يرى عليه: بالياء المثناة من تحت المضمومة على المشهور. ورواه بعضهم بالنون المفتوحة، وكلاهما صحيح.
على فخذيه: على فخذي النبي ﷺ كما يفهم من رواية النسائي.
أن تشهد أن لا إله إلا الله: يبين معنى هذه الكلمة ما في الرواية الأخرى لأبي هريرة بلفظ ((أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا))
وأن محمد رسول الله: يجب على الخلق تصديقه وطاعته فيما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه.
وتقيم الصلاة: المكتوبة. أما صلاة النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام فليست من أركانه. وكذلك الزائد على الفرض من الزكاة والصوم والحج.
تؤتي الزكاة: المفروضة لمستحقيها.
وتصوم رمضان: تمسك نهاره عن المفطرات بنية.
وتحج البيت: تقصده لأداء النسك المعدود من أركان الإسلام إن استطعت إليه سبيلا: وهو الزاد والراحلة.
فعجبنا له يسأله ويصدقه: لأن ما أجا ب به النبي ﷺ لا يعرف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي ﷺ والسماع منه. ثم هو قد سأل سؤال عارف بما يسأل عنه. لأنه لم يخبره بأنه صادق فيه.
стр. 7
أن تؤمن بالله: أنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقائص. لا شريك له.
وملائكته: أنهم كما وصفهم الله: عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
وكتبه: أنها كلام الله، وأن ما تضمنته حق.
ورسله: أنهم صادقون، وأنهم بلغوا كل ما أمرهم الله بتبليغه.
واليوم الآخر: يوم القيامة بما أشتمل عليه من البعث والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، إلى غير ذلك مما صحت فيه النصوص.
وتؤمن بالقدر خيره وشره: أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في عمله أن يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، خيرا كان أو شرا , وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك.
فإن لم تكن تراه فإنه يراك: أي فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك.
عن الساعة: متى تقوم. والمراد بالساعة يوم القيامة.
ما المسئول عنها بأعلم من السائل: لا أعلم وقتها أنا ولا أنت، بل هو مما استأثر الله بعلمه.
أماراتها: بفتح الهمزة: علاماتها.
أن تلد الأمة ربتها: سيدتها فسر هذا باتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاك الشرك فيكثر التسرى، فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه، وفسر أيضا بكثرة العقوق: حتى يعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام. واختاره الحافظ ابن حجر قال: لأن المقام يدل على
стр. 8
أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، وذكر أن التسرى كان موجود حين المقالة، فحمل الحديث عليه فيه نظر.
الحفاة: جمع حاف. وهو غير المنتعل.
العراة: جمع عار، وهو من لا شيء على جسده.
العالة: الفقراء.
رعاء الشاء: بكسر الراء. حراسها، والشاء: جمع شاة.
يتطاولون في البنيان: يتفاخرون في تطويل البنيان ويتكاثرون به.
فلبثت: أقمت بعد انصرافه.
مليا: بتشديد الياء. زمانا كثيرا، تبينه رواية النسائي والترمذي: (فلبثت ثلاثا)
يعلمكم دينكم: كليات دينكم.
يستفاد منه:
١ - تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على الفضلاء، فإن جبريل أتى معلما للناس بحاله ومقاله.
٢ - الرفق بالسائل وإدناؤه، ليتمكن من السؤال غير منقبض ولا هائب.
٣ - سؤال العالم مالا يجهله السائل، ليعلمه السامع.
٤ - بيان الإسلام والإيمان والإحسان، وتسميتها كلها دينا.
٥ - التفرقة بين مسمى الإسلام، ومسمى الإيمان، حيث جعل الإسلام في الحديث اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن منها، وقد جمع العلماء بين هذا وبين ما دلت عليه النصوص المتواترة من كون الإيمان قولا وعملا، بأن هذين الاسمين إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده،
стр. 9
وإذا قرن بينها دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي.
٦ - وجوب الإيمان بالقدر، وهو على درجتين إحداهما _ الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعلمه العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه. الثانية _ أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان. وشاءها منهم، ومع ذلك لا يحتج به في المعاصي.
٧ - أن وقعت قيام الساعة مما استأثر الله بعلمه.
٨ - أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه. ولا يعبر بعبارات مترددة بين الجواب والاعتراف بعد م العلم، وأن ذلك لا ينقصه، بل هو دليل على ورعه وتقواه، وعد تكثره بما ليس عنده.
٩ - أن من أشراط الساعة انعكاس الأمور بحيث يصير المربي مربيا. والسافل عاليا.
١٠ - أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما، لقول النبي ﷺ في جبريل: ((يعلمكم دينكم، مع أنه لم يصدر منه سوى السؤال)).
стр. 10
الحديث الثالث
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم يقول: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد ارسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)) رواه البخاري ومسلم.
المفردات:
بني: أسس.
على خمس: دعائم.
شهادة أن لا إله إلا الله: في رواية ((بني الإسلام على خمس على ان يعبد الله ويكفر بما دونه))، وهي مبينه لمعنى كلمة التوحيد.
وإقام الصلاة: المداومة عليها بشروطها.
وإيتاء الزكاة: إعطائها لمستحقيها.
وحج البيت: قصده لأداء النسك المعدود من أركان الإسلام وصوم رمضان: الإمساك نهاره عن المفطرات بنية.
يستفاد منه:
١ - معرفة أركان الدين، وهو داخل في ضمن حديث جبريل المتقدم.
٢ - أن هذه الفروض الخمسة من فروض الأعيان، لا تسقط بإقامة البعض عن الباقين.
٣ - جواز إطلاق رمضان من غير لفظ (شهر).
стр. 11
الحديث الرابع
عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله ﵌ وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكو علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) رواه البخاري ومسلم.
المفردات:
الصادق: المخبر بالحق.
المصدوق: الذي صدقه الله وعده.
إن أحدكم: بكسر همزة ((إن)) على حكاية لفظ النبي ﷺ ، ويجوز الفتح.
стр. 12
يجمع خلقه: بضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار. والمراد بالخلق مادته، وهو الماء الذي يخلق منه.
في بطن أمه: في رحمها.
نظفه: منيا. وأصل النطفة: الماء القليل.
علقة: قطعة دم.
مثل ذلك: الزمن، وهو الأربعون.
مضغة. قطعة لحم.
مثل ذلك: الزمن، وهو الأربعون.
ثم يرسل إليه الملك: الموكل بالرحم.
بكتب: ضبط بوجهين: أحدهما بموحدة مكسورة وكاف مفتوحة مثناة ساكنة ثم موحدة، على البدل. والأخر مفتوحة بصيغة المضارع، وهو أوجه: لأنه وقع في رواية ((فيؤذن بأربع كلمات فيكتب)) وكذا في رواية أبي داود وغيره.
رزقه: تقديره، قليلا أو كثيرا، وصفته حراما أو حلالا.
وأجله: طويلا كان أو قصيرا، وهو مدة الحياة.
وعمله: صالحا كان أو فاسدا.
وشقي أو سعيد: بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هو شقي أو سعيد والمراد أنه تعالى يظهر ما ذكر من الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة للملك، ويأمره بكتابته وإنفاذه.
بعمل أهل الجنة: من الطاعات.
حتى ما يكون: حتى هنا ناصبة، وما نافية. ويجوز رفع (يكون) على أن (حتى) ابتدائية.
فيسبق عليه الكتاب: يغلب عليه ما تضمنه.
بعمل أهل النار: من المعاصي
стр. 13
يستفاد منه:
١ - الإشارة إلى علم المبدأ والمعاد، وما يتعلق ببدن الإنسان وحاله في الشقاوة والسعادة.
٢ - القسم على الخبر الصادق لتأكيده في نفس السامع.
٣ - التنبيه على صدق البعث بعد الموت، لأن من قدر على خلق الشخص من ماء مهين ينقله إلى العلقه ثم إلى المضغة ثم ينفخ الروح فيه، قادر على نفخ الروح فيه بعد أن يصير ترابا، وجمع أجزائه بعد تفريغها، ولقد كان قادرا على أن يخلقه دفعة واحدة. ولكن اقتضت الحكمة نقله في الأطوار المذكورة رفقا بالأم، لأنها لم تكن معتادة فكانت المشقة تعظم عليها، فهيأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل. ومن تأمل أصل خلقته كان حقا عليه أن يعبد ربه حق عبادته، ويطيعه ولا يعصيه.
٤ - إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره: خيرها وشرها.
٥ - الحث على القناعة. والزجر على الحرص الشديد، لأن الرزق قد سبق تقد يره، وإنما شرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا.
٦ - أنه لا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال لجهالة العاقبة، ومن ثم شرع الدعاء بالثبات على الدين وحسن الخاتمة.
٧ - أن التوبة تهدم ما قبلها.
٨ - أن من مات على شيء حكم له به من خير أو شر، إلا أن أصحاب المعاصي غير الكفر تحت المشيئة.
٩ - الشقاوة والسعادة قد سبق الكتاب بهما، وأنهما مقدرتان بحسب خواتم الأعمال، وأن كلا ميسر لما خلق له.
стр. 14
الحديث الخامس
عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)).
المفردات:
أحدث: أنشأ واخترع.
في أمرنا: ديننا.
ما ليس منه: من الدين، بأن لا يشهد له شيء من أدلة الشرع وقواعده العامة.
فهو: الأمر المحدث.
رد: مردود غير مقبول: من إطلاق المصدر وإرادة إسم المفعول.
يستفاد منه:
١ - رد كل محدثة في الدين لا توافق الشرع، وفي الرواية الثانية التصريح بترك كل محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها، فإنه قد يحتج بعض المعاندين إذا فعل البدعة يقول: ما أحدثت شيئا، فيحتج عليه بالرواية الثانية (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وينبغي حفظ هذا الحديث، واستعماله في رد المنكرات.
стр. 15
٢ - أن كل ما شهد له شيء من أدلة الشرع أو قواعده العامة ليس يرد بل هو مقبول.
٣ - إبطال جميع العقود المنهي عنها، وعدم جود ثمراتها المترتبة عليها.
٤ - أن النهي يقتضي الفساد، لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها.
٥ - أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر، لقوله (ليس عليه أمرنا) والمراد به الدين.
٦ - أن الصلح الفاسد منتقض، والمأخوذ عنه مستحق للرد.
стр. 16
الحديث السادس
عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). رواه البخاري ومسلم.
المفردات:
الحلال: وهو ما نص الله ورسوله، أو أجمع المسلمون على تحليله. أو لم يعلم فيه منع.
بين: ظاهر.
الحرام: وهو ما نص أو أجمع على تحريمه، أو على أن فيه حدا أو تعزيزا، أو وعيدا.
أمور: شئون وأحوال.
مشتبهات: ليست بواضحة الحل ولا الحرمة.
стр. 17
لا يعلمهن كثير من الناس: في راية الترمذي، لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام.
اتقى الشبهات: تركها وحذر منها. وفيه إيقاع الظاهر موقع المضمر تفخيما لشأن اجتناب الشبهات، إذا هي المشتبهات بعينها.
استبرأ لدينه: طلب البراءة له من الذم الشرعي وحصلها له.
وعرضه: يصونه عن كلام الناس فيه بما يشينه ويعيبه. والعرض: موضع المدح والذم من الإنسان.
ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام: إي إذا اعتادها واستمر عليها. أدته إلى التجاسر إلى الوقوع في الحرام.
حول الحمى: المحمى المحظور عن غير مالكه.
يرتع فيه: بفتح التاء، تأكل ماشيته منه فيعاقب.
وأن لكل ملك: من ملوك العرب.
حمى: موضعا يحميه عن الناس، ويتوعد من دخل إليه أو قرب منه، بالعقوبة الشديدة.
محارمه: جمع محرم، وهو فعل المنهي عنه، أو ترك المأمور به الواجب.
ألا: حرف استفتاح، يدل على تحقق ما بعدها. وفي تكرير ها دليل على عظم شأن مدخولها وعظم موقعه.
مضغة: قطعة لحم.
صلحت: بفتح اللام وضمها، والفتح أشهر وقيد بعضهم الضم بالصلاح الذي صار سجية.
يستفاد منه:
١ - الحث على فعل الحلال.
٢ - اجتناب الحرام والشبهات.
стр. 18
٣ - أن للشبهات حكما خاصا بها، عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس وإن خفي على الكثير.
٤ - المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.
٥ - أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه، ويعتبر هذا الحديث من أصول الجرح والتعديل لما ذكر.
٦ - سد الذرائع إلى المحرمات، وأدلة ذلك في الشريعة كثيرة.
٧ - ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية.
٨ - التنبيه على تعظيم قدر القلب والحث على إصلاحه، فإن أمير البدن بصلاحه يصلح، وبفساده يفسد.
٩ - إن لطيب الكسب أثرا في إصلاحه.
стр. 19
الحديث السابع
عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ قال: ((الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) رواه مسلم.
المفردات:
الدين: دين الإسلام.
النصيحة: تصفية النفس من الغش للمنصوح له.
قلنا: معشر السامعين.
لله: بالإيمان به ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وتنزيهه عن جميع النقائص. والرغبة في محابه بفعل طاعته، الرهبة من مساخطه بترك معصيته، والاجتهاد في رد العصاة إليه.
ولكتابه: بالإيمان، بأنه كلامه وتنزيله، وتلاوته حق تلاوته وتعظيمه، والعمل بما فيه والدعاء إليه. ولرسوله: بتصديق رسالته، والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها، والإقتداء به في أقوله وأفعاله، ومحبته ومحبة أتباعه.
ولأئمة المسلمين: الولاة بإعانتهم على ما حملوا القيام به وطاعتهم وجمع الكلمة عليهم، وأمرهم بالحق ورد القلوب النافرة إليهم، وتبليغهم حاجات المسلمين، والجهاد معهم
стр. 20
والصلاة خلفهم، وأداء الزكاة إليهم وترك الخروج عنهم بالسيف إذا ظهر منهم حيف، والدعاء لهم بالصلاح. وأما أئمة العلم فالنصيحة لهم بث علومهم ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم.
وعامتهم: بالشفقة عليهم، وإرشادهم إلى مصالحهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وكف الأذى عنهم، وأن بحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
يستفاد منه:
١ - الأمر بالنصيحة.
٢ - أنها تسمى دينا وإسلاما.
٣ - أن الدين يقع على العمل كما يقع على القول.
٤ - أن للعالم أن يكل فهم ما يلقيه إلى السامع، ولا يزيد له في البيان حتى يسأله السامع لتشوق نفسه حينئذ إليه، فيكون أوقع في نفسه مما إذا هجمه به من أول وهلة.
стр. 21
الحديث الثامن
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)) رواه البخاري ومسلم.
المفردات:
أمرت: أمرني ربي، لأنه لا آمر لرسول الله ﷺ إلا الله .
أن أقاتل: بأن أقاتل، وحذف الجار من (أن) كثير.
الناس: المشركين من غير أهل الكتاب، لرواية النسائي ((أمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، يبين معنى هذه الكلمة، رواية مسلم عن طارق (من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه).
ويقيموا الصلاة: يداوموا على الإتيان بها بشروطها. والمراد بالصلاة هنا المفروضة لا جنسها.
ويؤتوا الزكاة: يعطوا الزكاة المفروضة لمستحقيها.
فإذا فعلوا ذلك: عبر بالفعل هنا عما بعضه قول على سبيل التغليب) أو إرادة المعنى الأعم، إذ القول فعل اللسان.
стр. 22
عصموا: منعوا وحفظوا.
إلا بحق الإسلام: بأن يصدر منهم ما يقتضي حكم الإسلام مؤاخذتهم به من قصاص أو حد أو غرامة متلف أو نحو ذلك.
وحسابهم: في سرائرهم.
على الله: إذ هو المطلع وحده على ما في القلوب من كفر ونفاق وغير ذلك فمن أخلص في إيمانه جازاه جزاء المخلصين، ومن لا، أجرى عليه في الدنيا أحكام المسلمين، وعذب في الآخرة.
يستفاد منه:
١ - اشتراط التلفظ بكلمتي الشهادة في الحكم بالإسلام.
٢ - أنه لا يكف عن قتال المشركين إلا بالنطق بهما , وأما أهل الكتاب فيقاتلون إلى إحدى غايتين: الإسلام، أو أداء الجزية، للنصوص الدالة على ذلك.
٣ - مقاتلة تاركي الصلاة والزكاة.
٤ - أن الإسلام يعصم الدم والمال، وكذلك العرض، الحديث (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ...... )) الحديث.
٥ - أن الأحكام إنما تجري على الظواهر، والله يتولى السرائر.
٦ - أنه لا يجب تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بهما، فإن النبي ﷺ اكتفى بما ذكر في الحديث ولم يشترط معرفة الأدلة الكلامية، والنصوص المتظاهرة بعدم اشتراطها يحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي.
٧ - مؤاخذه من أتى بالشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة بالحقوق الإسلامية، من قصاص أو حد أو غرامة متلف ونحو ذلك.
стр. 23
الحديث التاسع
عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعلى عنه قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)) رواه البخاري ومسلم.
المفردات:
فاجتنبوه: باعدوا منه حتما في المحرم، وندبا في المكروه.
فأتوا منه: وجوبا في الواجب، وندبا في المندوب.
استطعتم: أطقتم.
واختلافهم: بالرفع، لأنه أبلغ في ذم الاختلاف، إذ لا يتقيد حينئذ بكثرة خلافه لو جر، ومعنى الاختلاف على الأنبياء مخالفتهم. وهي تستلزم اختلاف الأمة فيما بينها.
يستفاد منه:
١ - الأمر بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
٢ - أن النهي أشد من الأمر، لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه،
стр. 24
وأمر قيد بالاستطاعة، ولهذا قال بعض السلف: أعمال البر يعملها البار والفاجر، والمعاصي لا يتركها إلا صديق.
٣ - أن العجز عن الواجب أو عن بعضه مسقط للمعجوز عنه، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، إلا أن المعجوز عنه إن كان له بدل فأتى به فقد أتى بما عليه، كمن عجز عن القيام في الصلاة فانتقل إلى الصلاة قاعدا، أو على جنب، وإن عجز عن أصل العبادة فلم يأت بها كالمريض يعجز عن الصيام سقطت عنه المباشرة حالة العجز، ووجب عليه القضاء بعده. وقد يكون الوجوب منوطا بالقدرة حالة الوجوب فقط، فإذا عجز عنه سقط رأسا كزكاة الفطر لمن عجز عن قوته وقوت عياله.
٤ - النهي عن كثرة السؤال. وقد قسم العلماء السؤال إلى قسمين: أحدهما _ ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين، فهذا مأمور به لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وعلى هذا النوع تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما. والثاني _ ما كان على وجه التعنت والتكلف وهذا هو المنهي عنه.
٥ - تحذير هذه الأمة من مخالفة نبيها، كما وقع في الأمم التي قبلها.
стр. 25
الحديث العاشر
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﵌: ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)) رواه مسلم.
المفردات:
طيب: مقدس منزه عن النقائص والعيوب.
لا يقبل: من الأعمال والأموال.
إلا طيبا: وهو من الأعمال ما كان خاليا من الرياء والعجب، وغيرهما من المفسدات، ومن الأموال الحلال الخالص.
بما أمر به المرسلين: من الأكل من الطيبات والعمل الصالح.
أشعث. جعد الرأس.
стр. 26
أغبر: مغبر اللون لطول سفره في الطاعات.
يمد يديه: يرفعها بالدعاء إلى الله تعالى.
غذى: بضم الغين المعجمة وتخفيف الذال المكسورة.
فأنى يستجاب له: من أين يستجاب لمن هذه صفته. والمراد أنه ليس أهلا للإجابة، وليس صريحا في استحالتها بالكلية.
يستفاد منه:
١ - الأمر بإخلاص العمل لله .
٢ - الحث على الإنفاق من الحلال
٣ - النهي عن الإنفاق من غيره.
٤ - أن الأصل استواء الأنبياء مع أممهم في الأحكام الشرعية، إلا ما قام الدليل على أنه مختص بهم.
٥ - أن التوسع في الحرام يمنع قبول العمل وإجابة الدعاء.
٦ - أن من أسباب إجابة الدعاء أربعة أشياء: أحدها _ إطالة السفر لما فيه من الانكسار الذي هو من أعظم أسباب الإجابة. الثاني: رثاثة الهيئة، ومن ثم قال النبي ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. الثالث: مد اليدين إلى السماء فإن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفر خائبتين. الرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء.
стр. 27
الحديث الحادي عشر
عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله ﵌ وريحانته ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﵌: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
المفردات:
سبط رسول الله ﷺ : ابن ابنته فاطمة ﵂.
وريحانته: شبهه لسروره وفرحه به وإقبال نفسه عليه بريحان طيب الرائحة، تهش إليه النفس وترتاح له.
دع: اترك.
ما يريبك: بفتح ياء المضارعة وضمها، والفتح أفصح وأشهر: أي ما تشك فيه.
إلى مالا يريبك: ما لا تشك فيه.
يستفاد منه:
١ - أن على المسلم بناء أموره على اليقين. وأن يكون في دينه على بصيرة.
٢ - النهي عن الوقوع في الشبهات، والحديث أصل عظيم في الورع وقد روى الترمذي من حديث عطية السعدي مرفوعا ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس)).
стр. 28
الحديث الثاني عشر
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﵌: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره هكذا.
المفردات:
من: تبعيضية، أو بيانية.
ما لا يعنيه: بفتح ياء المضارعة، من عناء الأمر إذا تعلقت به عنايته، وكان من قصده وإرادته.
يستفاد منه:
١ - أن من قبح إسلام المرء أخذه فيما لا يعنيه، وهو الفضول كله على اختلاف أنواعه، فإن معاناته ضياع للوقت النفيس الذي لا يمكن أن يعوض فائته فيما لم يخلق لأجله.
٢ - الحث على الاشتغال بما يعني، وهو ما يفوز به المرء في معاده من الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، فإن المشتغل بهذا يسلم من المخاصمات وجميع الشرور.
стр. 29
الحديث الثالث عشر
عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه خادم رسول الله ﷺ عن النبي ﵌ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) رواه البخاري ومسلم.
المفردات:
لا يؤمن: يفسر هذا النفي رواية أحمد بلفظ (لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير، وكثيرا ما يأتي هذا النفي لانتفاء بعض واجبات الإيمان وإن بقي أصله.
لأخيه: في الإسلام.
ما يحب لنفسه: من الخير كما في رواية أحمد المتقدمة. والخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدينية والدنيوية. وتخرج المنهيات.
يستفاد منه:
- أن من خصال الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، ويستلزم ذلك أن يبغض له ما يبغض لنفسه، وبهذا تنتظم أحوال المعاش والمعاد، ويجري الناس على مطابقة قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وعماد ذلك وأساسه: السلامة من الأمراض القلبية، كالحسد وغيره.
стр. 30
الحديث الرابع عشر
عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). رواه البخاري ومسلم.
المفردات:
لا يحل دم امريء: لا تجوز إراقة دمه. والمراد النهي عن قتله ولو لم يرق دمه.
مسلم: في رواية ((يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) وهي صفة كاشفة.
إلا بإحدى ثلاث: خصال يجب على الإمام القتل بها لما فيه من المصلحة العامة، وهي حفظ النفوس والأنساب والدين.
الثيب الزاني: من تزوج ووطي في نكاح صحيح ثم زنى بعد ذلك فإنه يرجم حتى يموت.
والنفس بالنفس: من قتل عمدا بغير حق فإنه يقتل بشرط المكافأة في الدين والحرية. فلا يقتل المسلم بالكافر، ولا الحر بالعبد.
стр. 31
والتارك لدينه: الإسلام بالارتداد.
المفارق للجماعة: جماعة المسلمين.
يستفاد منه:
١ - أن دم المسلم لا يباح إلا بإحدى ثلاثة أنواع: ترك دين الإسلام، وقتل النفس بالشروط المتقدمة، وانتهاك حرمة الفرج المحرم بالزنى بعد الوطء في نكاح صحيح.
٢ - جواز وصف الشخص بما كان عليه أولا، وانتقل عنه لاستثناء المرتد من المسلمين، اعتبارا لما كان عليه قبل مفارقة دينه.
стр. 32
الحديث الخامس عشر
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) رواه البخاري ومسلم.
المفردات:
يؤمن: الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضاه
بالله: أنه الذي خلقه.
واليوم الآخر: أنه سيجازى فيه بعمله.
فليقل: هذه اللام لام الأمر، ويجوز سكونها وكسرها لكونها بعد الفاء.
خيرا: كالإبلاغ عن الله وعن رسوله، وتعليم الخير والأمر بالمعروف عن علم وحلم، والنهي عن المنكر عن علم ورفق، والإصلاح بين الناس، والقول الحسن لهم، وكلمة حق عند من يخاف شره ويرجى خيره، في ثبات وحسن قصد.
ليصمت: بضم الميم وكسرها، ليسكت.
стр. 33
فليكرم جاره: بالإحسان إليه وكف الأذى عنه، وتحمل ما يصدر منه، والبشر في وجهه، وغير ذلك من وجوه الإكرام.
فليكرم ضيفه: بالبشر في وجهه، وطيب الحديث معه، وإحضار المتيسر.
يستفاد منه:
١ - التحذير من آفات اللسان، وأن على المرء أن يتفكر فيما يريد أن يتكلم به، فإذا ظهر له أنه لا ضرر عليه في التكلم به تكلم به، وإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه أمسك، وقد ندب الشارع إلى الإمساك عن كثير من المباحات، لئلا تجر صاحبها إلى المحرمات والمكروهات.
٢ - تعريف حق الجار، والحث على حفظ جواره وإكرامه وجاء في تفسير هذا الإكرام عنه ﷺ أنه قال: ((إن إستقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه، وأصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الرياح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده. وفي بغض رواياته ((وإن أعوز سترته، وأسانيد هذا الحديث واهية، لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن له أصلا في فتح الباري.
٣ - الأمر بإكرام الضيف، وهو من آداب الإسلام وخلق النبيين.
أن هذه الخصال من شعب الإيمان. وفي ذلك دليل على دخول الأعمال في الإيمان. والخصال المذكورة في الحديث ترجع إلى التخلي عن الرذيلة، والتحلي بالفضيلة
стр. 34
الحديث السادس عشر
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال للنبي ﵌: أوصني، قال: ((لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب)). رواه البخاري.
المفردات:
رجلا: لعله أبو الدرداء، والقول بأنه جارية بن قدامة عارضه يحيى القطان بأن جارية المذكور تابعي لا صحابي.
أوصني: وصية وجيزة جامعة لخصال الخير.
لا تغضب: لا تتعرض لما يجلب الغضب، ولا تفعل ما يأمرك به.
فردد: كرر ذلك الرجل قوله ((أوصني)) يلتمس أنفع من ذلك، أو أبلغ أو أعم.
مرارا: في رواية عثمان بن أبي شيبة بيان عددها، فإنها بلفظ ((لا تغضب ثلاث مرات)).
قال: النبي ﷺ له في المرة الثانية والثالثة.
لا تغضب: فيه بتكرارها على عظيم نفعها وعمومه.
يستفاد منه:
١ - معالجة كل ذي مرض بما يناسب مرضه، إن صح أن النبي ﷺ خص هذا الرجل بهذه الوصية. لأنه كان غضوبا.
стр. 35
٢ - التحذير من الغضب فإنه جماع الشر، والتحرز منه جماع الخير، وفي هذا الوصية استجلاب المصلحة، ودرء المفسدة ما يتعذر إحصاؤه، فإن الغضب يترتب عليه من المفاسد تغير الظاهر والباطن والأثر القبيح في اللسان، أما تغير الظاهر، فبتغير اللون والرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال من غير ترتيب، واستحالة الخلقة، بحيث لو رأى الغضبان نفسه لا ستحيا من قبح صورته، وأما الباطن أشد، لأنه يولد الحقد في القلب والحسد، وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل تغير ظاهره ثمرةتغير باطنه، وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحى منه العاقل، ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضا في الفعل بالضرب أو القتل، وإن فات ذلك بهروب المغضوب عليه رجع الغضبان إلى نفسه فيمزق ثوبه، ويلطم خده، وربما سقط صريعا، وربما أغمى عليه، وربما كسر الآنية، أو ضرب من ليس له جريمة في ذلك.
٣ - الأمر بالأخلاق التي إذا تخلق بها المرء وصارت له عادة دفعت عنه الغضب عند حصول أسبابه، كالكرم والسخاء، والحلم والحياء، والتواضع والاحتمال، وكف الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ والشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة.
стр. 36
الحديث السابع عشر
عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﵌ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)). رواه مسلم
المفردات:
كتب: أوجب.
على كل شيء: ((على)) هنا بمعنى ((إلى)) أو ((في))
فإذا قتلتم: قودا أو حدا.
فأحسنوا القتلة: بأن تختاروا أسهل الطرق وأخفها وأسرعها زهوقا، القتلة بكسر القاف.
وإذا ذبحتم: ما يحل ذبحه من البهائم.
فأحسنوا الذبحة: بأن ترفقوا بالبهيمة وبإحداد الآلة، وتوجيهها القبلة والتسمية، ونية التقرب بذبحها إلى الله.
وليحد: بضم الياء، من حد السكين، وبفتحها من حد شفرته بفتح الشين، آلة الذبح.
стр. 37
وليرح: بضم الياء.
ذبيحته: مذبوحته، فعيلة بمعنى مفعولة.
يستفاد منه:
١ - الأمر بالإحسان وهو في كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان بإكمال مستحباتها فمستحب، والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها وترك ظاهرها وباطنها، وهذا القدر منه واجب، والإحسان في الصبر على المقدورات، الصبر عليها من غير تسخط، ولا جزع. والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوقهم. والإحسان الواجب في ولاية الخلق: القيام فيهم بواجبات الولاية المشروعة. والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها، من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه.
٢ - النهي عما كانت عليه الجاهلية من التمثيل في القتل بجدع الأنوف وقطع الآذان والأيدي والأرجل، ومن الذبح بالمدى الكالة ونحوها مما يعذب الحيوان، ومن أكلهم المنخنقة، وما ذكر معها في آية المائدة.
стр. 38
الحديث الثامن عشر
عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ ابن جبل رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله ﵌ قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحبح
المفردات:
اتق الله: بامتثال أمره واجتناب نهيه، والوقوف عند حده.
حيثما كنت: في أي مكان كنت فيه حيث يراك الناس، وحيث لا يرونك، فإنه مطلع عليك.
وأتبع: بالهمزة، وسكون المثناة فوق، وكسر الموحدة: ألحق.
السيئة: وهي ترك بعض الواجبات، أو ارتكاب بعض المحظورات.
الحسنة: التوبه منها. أو الإتيان بحسنة أخرى.
تمحها: تمح عقابها من صحف الملائكة وأثرها السيء في القلب.
وخالق الناس: عاملهم.
بخلق حسن: وهو أن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك، فبذلك تجمع القلوب، وتتفق الكلمة، وتنتظم الأحوال.
стр. 39
يستفاد منه:
١ - الأمر بتقوى الله، وهو وصية الله لجميع خلقه، ووصية الرسول ﷺ لأمته.
٢ - إن الإتيان بالحسنة عقب السيئة يمحو السيئة. وهذا من فضل الله تعالى على عبده، فإنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى: إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره الله بفعل ما يمحو ذلك التفريط، وهو أن يتبعه بالحسنة.
٣ - الترغيب في حسن الخلق، وهو من خصال التقوى التي لا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرد بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى بمجرد القيام بحق الله دون حقوق عباده، وليس الأمر كذلك، بل الجمع بين حقوق الله وبين حقوق عباده هو المطلوب شرعا، وهو عزيز لا يقوى عليه إلا الكمل.
стр. 40
الحديث التاسع عشر
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت خلف النبي ﵌ يوما، فقال: ((ياغلام إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف)). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا))
المفردات:
خلف النبي ﷺ : على دابته رديفا.
следующие страницы →