← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 4469

التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثا النووية

إسماعيل الأنصاري

Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحديث السابع عشر عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﵌ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)). رواه مسلم المفردات: كتب: أوجب. على كل شيء: ((على)) هنا بمعنى ((إلى)) أو ((في)) فإذا قتلتم: قودا أو حدا. فأحسنوا القتلة: بأن تختاروا أسهل الطرق وأخفها وأسرعها زهوقا، القتلة بكسر القاف. وإذا ذبحتم: ما يحل ذبحه من البهائم. فأحسنوا الذبحة: بأن ترفقوا بالبهيمة وبإحداد الآلة، وتوجيهها القبلة والتسمية، ونية التقرب بذبحها إلى الله. وليحد: بضم الياء، من حد السكين، وبفتحها من حد شفرته بفتح الشين، آلة الذبح.

стр. 37

وليرح: بضم الياء. ذبيحته: مذبوحته، فعيلة بمعنى مفعولة. يستفاد منه: ١ - الأمر بالإحسان وهو في كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان بإكمال مستحباتها فمستحب، والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها وترك ظاهرها وباطنها، وهذا القدر منه واجب، والإحسان في الصبر على المقدورات، الصبر عليها من غير تسخط، ولا جزع. والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوقهم. والإحسان الواجب في ولاية الخلق: القيام فيهم بواجبات الولاية المشروعة. والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها، من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه. ٢ - النهي عما كانت عليه الجاهلية من التمثيل في القتل بجدع الأنوف وقطع الآذان والأيدي والأرجل، ومن الذبح بالمدى الكالة ونحوها مما يعذب الحيوان، ومن أكلهم المنخنقة، وما ذكر معها في آية المائدة.

стр. 38

الحديث الثامن عشر عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ ابن جبل رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله ﵌ قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحبح المفردات: اتق الله: بامتثال أمره واجتناب نهيه، والوقوف عند حده. حيثما كنت: في أي مكان كنت فيه حيث يراك الناس، وحيث لا يرونك، فإنه مطلع عليك. وأتبع: بالهمزة، وسكون المثناة فوق، وكسر الموحدة: ألحق. السيئة: وهي ترك بعض الواجبات، أو ارتكاب بعض المحظورات. الحسنة: التوبه منها. أو الإتيان بحسنة أخرى. تمحها: تمح عقابها من صحف الملائكة وأثرها السيء في القلب. وخالق الناس: عاملهم. بخلق حسن: وهو أن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك، فبذلك تجمع القلوب، وتتفق الكلمة، وتنتظم الأحوال.

стр. 39

يستفاد منه: ١ - الأمر بتقوى الله، وهو وصية الله لجميع خلقه، ووصية الرسول ﷺ لأمته. ٢ - إن الإتيان بالحسنة عقب السيئة يمحو السيئة. وهذا من فضل الله تعالى على عبده، فإنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى: إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره الله بفعل ما يمحو ذلك التفريط، وهو أن يتبعه بالحسنة. ٣ - الترغيب في حسن الخلق، وهو من خصال التقوى التي لا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرد بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى بمجرد القيام بحق الله دون حقوق عباده، وليس الأمر كذلك، بل الجمع بين حقوق الله وبين حقوق عباده هو المطلوب شرعا، وهو عزيز لا يقوى عليه إلا الكمل.

стр. 40

الحديث التاسع عشر عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت خلف النبي ﵌ يوما، فقال: ((ياغلام إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف)). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)) المفردات: خلف النبي ﷺ : على دابته رديفا.

стр. 41

يا غلام: بضم الميم، لأنه نكره مقصودة بالنداء، وهو الصبي حين يفطم إلى تسع سنين، وسنه إذ ذلك كانت نحو عشر سنين. إني أعلمك كلمات: ينفعك الله بها، والتنوين هنا للتعظيم. احفظ الله: بملازمة تقواه، واجتناب نواهيه. يحفظك: في نفسك وأهلك، ودنياك ودينك، سيما عند الموت. احفظ الله: بما مر. تجاهك: بضم التاء، أمامك كما في الرواية الآتية. إذا سألت: أردت السؤال. فاسأل الله: أن يعطيك مطلوبك، ولا تسأل غيره، فإنه لا يملك تنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيره. استعنت: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة. فاستعن بالله: لأنه القادر على كل شيء، وغيره عاجز حتى عن طلب مصالح نفسه ودفع مضارها. الأمة: المراد بها هنا سائر المخلوقات. رفعت الأقلام وجفت الصحف: كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أمد بعيد. تعرف: بتشديد الراء. إلى الله في الرخاء: بملازمة طاعته، والإنفاق في جوه القرب. يعرفك في الشدة: بتفريجها عنك، وجعله لك من كل ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا. واعلم أن ما أخطأك: من المقادير فلم يصل إليك.

стр. 42

لم يكن ليصيبك: لأنه مقدر على غيرك. وما أصابك: منها. لم يكن ليخطئك: لأنه مقدر عليك. واعلم: تنبيه. أن النصر: من الله للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه أينما يوجد. مع الصبر: على طاعة الله، وعن معصيته، وعن المصائب. الفرج: الخروج من الغم. الكرب: الغم الذي يأخذ النفس. يستفاد منه: ١ - جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته. ٢ - ذكر المعلم للمتعلم أنه يريد أن يعلمه قبل فعله، ليشتد شوقه إلى ما يعلم وتقبل نفسه عليه. ٣ - الأمر بالمحافظة على رعاية حقوق الله تعالى. ٤ - أن الجزاء قد يكون من جنس العمل. ٥ - الأمر بالاعتماد على الله، والتوكل عليه دون غيره، إذ هو النافع الضار، قال الله تعالى: ((وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله)) وقدر ما يركن الشخص إلى غير الله بطلبه، أو بقلبه أو بأمله قد أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه، خصوصا إذا كانت الحاجة التي يسألها مما لم تجر العادة بجريانه على أيدي الخلق كالهداية، وشفاء المرض، وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله . ٦ - عجز الخلائق كلهم، وافتقارهم إلى الله . ٧ - التنبيه على أن هذه الدار عرضة للمصائب، فينبغي الصبر عليها. ٨ - الرضاء بالقضاء والقدر.

стр. 43

الحديث العشرون عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) رواه البخاري. المفردات: أدرك الناس: توارثوه قرنا بعد قرن، والناس بالرفع والعائد على ما محذوف، ويجوز النصب على أن العائد ضمير الفاعل. من كلام النبوة الأولى: التي قبل نبينا محمد ﷺ . والمراد أنه مما اتفقت عليه الشرائع، لأنه جاء في أولاها، ثم تتابعت بقيتها عليه. إذا لم تستح: من الحياء، وهو خلق يحث على فعل الجميل، وترك القبيح، ويمنع من التفريط في الحق، أما ما ينشأ عنه الإخلال بالحق فليس هو حياء شرعيا، بل هو خور وضعف. فاصنع ما شئت: في هذا الأمر ثلاثة أقوال: أحدها _ أنها بمعنى الخبر كأنه يقول: إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت، أي ما تدعوك إليه نفسك من القبيح.

стр. 44

الثاني _ أنه للوعيد، كقوله تعالى: ((اعملوا ما شئتم)) والثالث أنه للإباحة، أي انظر على الفعل الذي تريد أن تفعله، فإن كان مما لا يستحى منه فافعله، وإلا فلا. يستفاد منه: ١ - شرف الحياء، فإنه ما من نبي إلا وقد حث عليه، ولم نسخ فيما نسخ من شرائع الأنبياء، ولم يبدل فيما بدل منها، وذلك لأنه أمر قد على صوابه وبان فضله، واتفقت العقول على حسنه _ وما كان كذلك لا ينسخ. ٢ - أن الحياء هو الذي يكف الإنسان ويردعه عن مواقعة السوء، فإذا رفضه وخلع ربقته كان كالمأمور بارتكاب كل ضلالة، تعاطي كل سيئة.

стр. 45

الحديث الحادي والعشرون عن أبي عمرو _ وقيل أبي عمرة _ سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: ((قل آمنت بالله، ثم استقم)) رواه مسلم. المفردات: قل لي في الإسلام: في دينه وشريعته. قولا: جامعا لمعاني الدين، واضحا في نفسه، اكتفى به واعمل عليه. استقم: الزم عمل الطاعات، وانته عن جميع المخالفات. يستفاد منه: ١ - الأمر بالاستقامة، وهي الإصابة في جميع الأقوال والأفعال والمقاصد. وأصلها استقامة القلب على التوحيد التي فسر بها أبو بكر الصديق قوله تعالى: ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)) فمتى استقام القلب على معرفة الله وخشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب ملك الأعضاء وهي جنوده، فإذا استقام الملك استقامت جنوده.

стр. 46

الحديث الثاني والعشرون عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة؟ قال (نعم). رواه مسلم. ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته. ومعنى أحللت الحلال فعلته معتقدا حله. المفردات: أن رجلا: هو النعمان بن قوفل. أرأيت: أخبرني. المكتوبات: المفروضات الخمس. وصمت رمضان: أمسكت نهاره عن المفطرات بنية. وأحللت الحلال: فعلته معتقدا حله. وحرمت الحرام: اجتنبته. ولم أزد على ذلك شيئا: من التطوع. أأدخل الجنة: ابتداء من غير عقاب، لأنه مطلق الدخول يتوقف على التوحيد. نعم: تدخل الجنة.

стр. 47

يستفاد منه: ١ - أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات دخل الجنة. وقد تواترت النصوص بهذا المعنى. ٢ - جواز ترك التطوعات على الجملة إذا لم يكن من قبيل التهاون، ولا ينافي ذلك أن تاركها فوت نفسه ربحا عظيما. وقد كان الصحابة ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرقون بينها في اغتنام الثواب، إنما احتاج الفقهاء ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها وخوف العقاب على الترك. ونفيه إن حصل ترك بوجه ما. وقد قيل: إنما ترك النبي ﷺ تنبيه هذا السائل على السنن والفضائل تسهيلا وتيسيرا لقرب عهده بالإسلام، لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيرا له، وعلم أنه إذا تمكن في الإسلام، وشرح الله صدره، رغب فيما رغب فيه غيره أو لئلا يعتقد أن السنن والتطوعات واجبة.

стр. 48

الحديث الثالث والعشرون عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن _ أو تملأ _ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها)). رواه مسلم. المفردات: الطهور: بضم الطاء _ التطهير بالماء من الأحداث. شطر الإيمان: نصف الإيمان، لأن خصال الإيمان على قسين: أحدهما: يطهر القلب ويزكيه، والأخر: يطهر الظاهر فهما تصفان بهذا الاعتبار، وفي توجيه كون الطهور شطر الإيمان أقوال أخر، والله أعلم بمراد رسوله. تملأ الميزان: لعظم أجرها، وسبب ذلك أن التحميد إثبات المحامد كلها لله. تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض: لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السماء والأرض، لتضمنهما التنزيه والثناء على الله و (أو) للشك من الراوي. والصلاة: الجامعة لشروطها ومكملاتها.

стр. 49

نور: يستنير بها قلب المؤمن في الدنيا، وربما يظهر على وجهه البهاء، وتكون له نورا في ظلمات يوم القيامة. والصدقة برهان: حجة على إيمان فاعلها بمجازاة يوم القيامة، لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقد الثواب فيها. والصبر: المحمود، وهو الصبر على طاعة الله ، والصبر عن المعاصي، والصبر على الأقدار المؤلمة. والقرآن حجة لك: يدلك على النجاة إن عملت به. أو عليك: إن أعرضت عنه، فيدل على سوء عاقبتك. يغدو: يسعى بنفسه. فبائع نفسه: لله بطاعته. فمعتقها: من العذاب. أو موبقها: مهلكها ببيعها للشيطان والهوى باتباعهما. يستفاد منه: ١ - فضل الطهور. ٢ - فضل التسبيح والتحميد. ٣ - إثبات الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة. ٤ - عظم ثواب الصلاة والصدقة والصبر. ٥ - أن من تبع القرآن قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره وأعرض عنه قذف في النار. ٦ - إن كل إنسان إما ساع في إهلاك نفسه، أو في فكاكها، فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله. وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه.

стр. 50

الحديث الرابع والعشرون عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخر كم ,وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا.

стр. 51

يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خير فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) رواه مسلم. المفردات: حرمت: منعت. الظلم: وهو لغة وضع الشيء في غير موضعه. على نفسي: فضلا مني، وجود وإحسانا إلى عبادي، فلا أعاقب البريء على ما لم يفعل من السيئات، ولا أعاقب أحدا بذنب غيره، ولا أنقص المحسن شيئا من جزاء حسناته، ولا أحكم بين الناس إلا بالعدل والقسط. وجعلته بينكم محرما: حكمت بتحريمه عليكم. فلا تظالموا: بتشديد الظاء وبتخفيفها أصله تتظالموا، لا يظلم بعضكم بعضا. كلكم ضال: عن الحق لو ترك، وما يدعوا الطبع من الراحة وإهمال الشرع. إلا من هديته: وفقته لا متثال الأمر واحتناب النهي. فاستهدوني: اطلبوا مني الدلالة على طريق الحق والإيصال إليها. أهدكم: أنصب لكم أدلة ذلك الواضحة، وأوفقكم لها.

стр. 52

فاستطعموني: اطلبوا مني الطعام. تخطئون: بضم التاء على الرواية المشهورة، وروي بفتحها وفتح الطاء: تأثمون. وأنا أغفر الذنوب جميعا: غير الشرك وما لا يشاء مغفرته. فاستغفروني: سلوني المغفرة، وهي ستر الذنب ومحو أثره. وأمن عاقبته. قاموا في صعيد واحد: في أرض واحدة ومقام واحد. المخيط: بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الياء _ الإبرة. أحصيها: أضبطها وأحفظها بعلمي وملائكتي. أوفيكم إياها: أعطيكم جزاءها وافيا تاما. فمن وجد خيرا: ثوابا ونعيما بأن وفق لأسبابهما. أو حياة طيبة هنيئة. فليحمد الله: على توفيقه للطاعات التي ترتب عليها ذلك الخير والثواب، فضلا منه ورحمة. غير ذلك: شرا. فلا يلومن إلا نفسه: فإنها آثرت شهواتها على رضا رازقها، فكفرت بأنعمه، ولم تذعن لأحكامه. يستفاد منه: ١ - تحريم الظلم، وذلك متفق عليه في كل ملة، لاتفاق سائر الملل على مراعاة حفظ النفس والأنساب والأعراض والعقول والأموال، والظلم يقع في هذه أو بعضها، وأعظم الظلم الشرك، قال تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم. ٢ - وجوب الإقبال على المولى في جميع ما ينزل بالإنسان لافتقار سائر الخلق إليه وعجزهم عن جلب منافعهم ودفع مضارهم إلا بتيسيره. فيجب إفراده بأنواع العبادة: من السؤال والتضرع والاستعانة وغيرها، فإنه المتفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه، وإحيائه وإماتته، ومغفرة ذنوبه.

стр. 53

٣ - كمال فعله تعالى لتنزيهه عن الظلم وكمال ملكه فلا يزاد بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي. وكما غناه فإن خزائنه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء. وكمال إحسانه إلى عباده فإنه يجب أن يسألوه جميع مصالحهم الدينية والدنيوية كما يسألونه الهداية والمغفرة، فله تعالى الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله. ٤ - أن الأصل في التقوى والفجور هو القلوب، فإذا بر القلب وأتقى برت الجوارح، وإذا فجر القلب فجرت الجوارح. ٥ - أن الخير كله من فضل الله تعالى على عباده من غير استحقاق. والشر كله من عند ابن آدم من إتباع هوى نفسه.

стр. 54

الحديث الخامس والعشرون عن أبي ذر ﵁ أيضا: أن ناسا من أصحاب رسول الله ﵌ قال للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تهليله صدقة، وكل تحميدة صدقه، وكل تهليلة صدقه. وأمر بمعروف صدقه، ونهي عن منكر صدقه، وفي بضع أحدكم صدقه)) قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له به أجر)). رواه مسلم. المفردات: ناسا: هم فقراء المهاجرين، كما في الرواية الأخرى. من أصحاب رسول الله ﷺ : جمع صاحب بمعنى الصحابي: وهو

стр. 55

من اجتمع بمحمد ﷺ بعد النبوة وقبل وفاته مؤمنا به ومات على ذلك، وإن لم يره كابن أم مكتوم. الدثور: بضم الدال وبالمثلثه، جمع دثر بفتح فسكون، وهو المال الكثير، بفضول أموالهم: بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم. تصدقون: الرواية في هذه اللفظة بتشديد الصاد والدال جميعا، ويجوز في اللغة تخفيف الصاد. وبكل تكبيرة صدقة: روى برفع صدقة ونصبه، فالرفع على الاستئناف. والنصب عطف على ((إن بكل تسبيحة صدقة)) وكذلك ما بعده. بضع: بضم فسكون، يطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه، وكلاهما تصلح إرادته هنا. وزر: إثم. يستفاد منه: ١ - حرص الصحابة على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير بحيث كان أحدهم يحزن على ما يتعذر عليه من الخير مما يقدر عليه غيره. لكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالمال التي يقدر عليها الأغنياء. ٢ - أن الصدقة لا تختص بالمال بل ربما كانت الصدقة بغيره أفضل، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دعاء إلى طاعة الله وكف عن معاصيه، وذلك خير من النفع بالمال، وكذلك تعليم العلم النافع، وإقراء القرآن، وإزالة الأذى عن الطريق، والسعي في جلب النفع للناس ودفع الأذى عنهم، والدعاء للمسلمين، والاستغفار لهم. ٣ - فضيلة التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 56

٤ - سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى من الدليل، إذا علم من حال المسئول أنه لا يكره ذلك، ولم يكن فيه سوء أدب. ٥ - ذكر العالم دليلا لبعض المسائل التي تخفى، وتنبيه المفتي على مختصر الأدلة. ٦ - إحضار النية في المباحات، وأنها تصير طاعات بالنية الصادقة،:كأن ينوي بالجماع قضاء حق الزوجة، ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله به، أو طلب ولد صالح، إو إعفاف نفسه، أو إعفاف زوجته، وغير ذلك من المقاصد الصالحة. ٧ - جواز القياس. وما نقل عن السلف من ذم القياس: المراد به القياس المصادم للنص.

стр. 57

الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: ((كل سلامى من الناس عليه صدقه، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)). المفردات: سلامى: بضم السين المهملة وتخفيف اللام مع القصر، وهي المفاصل. وقد ثبت في صحيح مسلم أنها ثلاثمائة وستون. عليه: تذكير الضمير مع عوده إلى المؤنث باعتبار المعنى وهو المفصل. صدقة: في مقابلة ما أنعم الله به عليه في تلك السلاميات، إذ لو شاء لسلبها القدرة وهو في ذلك عادل. فإبقاؤها يوجب دوام الشكر بالتصدق، إذ لو فقد له عظم واحد، أو يبس، أو لم ينبسط أو ينقبض لاختلت حياته، وعظم بلاؤه، والصدقة تدفع البلاء.

стр. 58

تطلع فيه الشمس: إتى بهذا القيد لئلا يتوهم أن المراد باليوم هنا المدة الطويلة، كما يقال: يوم صفين. وهو أيام كثيرة. أو مطلق الوقت كما في آية: ((يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم)). تعدل بين اثنين: متحاكمين، أومتخاصمين، أو متهاجرين. صدقة: عليهما لوقايتهما مما يتسبب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال. فتحمله عليها: كما هو أو تعينه على الركوب. والكلمة الطيبة: وهي الذكر والدعاء للنفس والغير، ومخاطبة الناس بما فيه السرور، واجتماع في القلوب وتألفها. خطوة: بفتح الخاء: المرة الواحدة، وبضمها: ما بين القدمين. تميط: بضم أوله _ تنحى. الأذى: ما يؤذي المارة: من قذر ونجس وحجر وشوك، ونحو ذلك. يستفاد منه: ١ - أن تركيب عظام الآدمي وسلامتها من أعظم نعم الله تعالى عليه، فيحتاج كل عظم منها إلى تصدق عنه بخصوصه ليتم شكر تلك النعمة. ٢ - المداومة على النوافل كل يوم، وأن العبادة إذا وقعت في يوم لا يعني عن يوم آخر، فلا يقول القائل مثلا: قد فعلت أمس فأجزأ عني اليوم، لقوله ﷺ : ((كل يوم تطلع فيه الشمس)). ٣ - أن الصدقة لا تنحصر في المال. ٤ - فضل الإصلاح بين الناس.

стр. 59

٥ - الحث على حضور الجماعات والمشي إليها، وعمارة المساجد بذلك، إذ لو لى في بيته فإنه الأجر المذكور في الحديث. ٦ - الترغيب في إماطة الأذى، وفي معنا هـ: توسيع الطرق التي تضيق على المارة، وإقامة من يبيع ويشتري في وسط الطرق العامة. ٧ - أن قليل الخير يحصل به كثير الأجر بفضل الله تعالى.

стр. 60

الحديث السابع والعشرون عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه عن النبي ﵌ قال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)). رواه مسلم. وعن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﵌ فقال: ((جئت تسأل عن البر؟ قلت نعم قال _ استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حديث حسن، رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل، والدارمي بإسناد صحيح. المفردات: البر: معظمه، وهو عبارة عما اقتضاه الشرع وجوبا أو ندبا. حسن الخلق: وهو الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام،

стр. 61

والبذل والإحسان في اليسر، والإيثار في العسر، وغير ذلك، من الصفات الحميدة. والإثم: الذنب. حالك في صدرك: اختلج في النفس وتردد في القلب، ولم يطمئن إليه. وكرهت: كراهة دينية. أن يطلع عليه الناس: وجوههم وأماثلهم الذين يستحى منهم. اطمأنت إليه النفس: سكنت إليه النفس الطيبة. أفتاك الناس: علماؤهم، كما في الرواية، (وإن أفتاك المفتون). وأفتوك: بخلافه، لأنهم إنما يقولون على ظواهر الأمور دون بواطنها. يستفاد منه: ١ - ضابط البر والإثم. ٢ - الترغيب في حسن الخلق. ٣ - أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير، بل يعرف الحق بالنور الذي في قلبه، وينفر عن الباطل فينكره. ٤ - معجزة عظيمة للنبي ﷺ ، حيث أخبر وابصة بما في نفسه قبل أن يتكلم به، وأبرزه في حيز الاستفهام التقريري مبالغة في إيضاح إطلاعه عليه واحاطته به. ٥ - أن الفتوى لا تزيل الشبهة إذا كان المستفتي ممن شرح الله صدره. وكان المفتي إنما أفتى بمجرد ظن، أو ميل إلى الهوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان له مع المفتي به دليل شرعي فيجب على المستفتي قبوله وإن لم ينشرح صدره، كالمطر في السفر والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال.

стр. 62

الحديث الثامن والعشرون عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: ((أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليك بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. المفردات: وعظنا: نصحنا وذكرنا. موعظة: تنويها للتعظيم، أي موعظة جليلة. وجلت: خافت. منها: من أجلها. ذرفت: سالت بالدموع. كأنها موعظة مودع: فهموا ذلك من مبالغته ﷺ في تخويفهم

стр. 63

وتحذيرهم، فظنوا أن ذلك لقرب مفارقته لهم، فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غير في القول والفعل. فأوصنا: وصية جامعة كافية. بتقوى الله: امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. والسمع والطاعة: لولاة الأمور، فيجب الإصغاء إلى كلام ولي الأمر، ليفهم ويعرف، وتجب طاعته. فسيرى اختلافا: في الأقوال والأعمال والاعتقادات. فعليكم بسنتي: الزموا التمسك بها، وهي طريقته ﷺ ، مما أصله من الأحكام الإعتقادية والعملية الواجبة والمندوبة وغيرها. الراشدين: الذين عرفوا الحق واتبعوه، والمراد بالخلفاء الراشدين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. عضوا: بفتح العين وضمها غلط. بالنواجذ: أواخر الأضراس. بدعة: وهي ما أحدث على خلاف أمر الشارع، ودليله الخاص أو العام. يستفاد منه: ١ - المبالغة في الموعظة، لما في ذلك من ترقيق القلوب، فتكون أسرع إلى الإجابة. ٢ - الاعتماد على القرائن في بعض الأحوال، لأنهم إنما فهموا توديعه إياهم بإبلاغه في الموعظة أكثر من العادة. ٣ - أنه ينبغي سؤال الواعظ الزيادة في الوعظ والتخويف والنصح. ٤ - علم من أعلام النبوة، فإنه ﷺ أخبر بما يقع بعده في أمته من كثرة الاختلاف _ ووقع الأمر كذلك.

стр. 64

٥ - الأمر بتقوى الله والسمع والطاعة، وفي هذه الوصية سعادة الدنيا والآخرة، أما التقوى فهي وصية الله للأولين والآخرين، وأما السمع والطاعة فبهما تنتظم مصالح العباد في معاشهم، ويستطيعون إظهار دينهم وطاعاتهم. ٦ - التمسك بالسنة والصبر على ما يصيب المتمسك من المضض في ذلك، وقد قيل: إن هذا هو المراد بعض النواجذ عليها. ٧ - أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره كان المصير إلى قول الخليفة أولى. ٨ - التحذير من ابتداع الأمور التي ليس لها أصل في الشرع، أما ما كان مبنيا على قواعد الأصول ومردودا إليها. فليس ببدعة ولا ضلالة.

стр. 65

الحديث التاسع والعشرون عن معاذ بن جبل ﵁ قال قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، قال: ((لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعلى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال _ ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ((تتجافى جنوبهم عن المضاجع _ حتى بلغ _ يعملون)) ثم قال: ((ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ _ الجهاد _ ثم قال _ ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم _ أو قال

стр. 66

على مناخرهم _ إلا حصائد ألسنتهم)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. المفردات: لقد سألت عن عظيم: عن عمل عظيم، لأن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم جدا، لأجله أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل. من يسره الله عليه: بتوفيقه إلى القيام بالطاعات على ما ينبغي. تعبد الله: توحده. على أبواب الخير: من النوافل، لأنه قد دله على واجبات الإسلام قبل. الصوم: الإكثار من نفله، لأن فرضه مر ذكره قريبا. جنة: بضم الجيم _ وقاية لصاحبه من المعاصي في الدنيا، ومن النار في الآخرة. الصدقة: نفلها، لأن فرضها مر. وصلاة الرجل في جوف الليل: يعني أنها تطفيء الخطيئة، والمرأة مثل الرجل في ذلك، وإنما خص الرجل بالذكر لغلبة الخير في الرجال، أو لأن السائل رجل. تلا: النبي ﷺ ، ليبين فضل صلاة الليل. تتجافى: تتنحى. المضاجع: مواضع الاضطجاع للنوم. ثم قال: النبي ﷺ . برأس الأمر: الذي سألت عنه. ذروة: بضم الذال وكسرها _ الطرف الأعلى. بملاك ذلك كله: بمقصوده وجماعه، وما يعتمد عليك. والملاك بكسر الميم وفتحها. فأخذ بلسانه: أمسك النبي ﷺ لسان نفسه.

стр. 67

كف عليك: عنك. أو ضمن ((كف)) معنى أحبس. ثكلتك: فقدتك. ولم يقصد رسول الله حقيقة الدعاء. بل جرى ذلك على عادة العرب في المخاطبات. وهل: استفهام إنكار، بمعنى النفي. يكب: بضم الكاف _ يصرع. الناس: أكثرهم. حصائد ألسنتهم: ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه. يستفاد منه: ١ - شدة اهتمام معاذ ﵁ بالأعمال الصالحة. ٢ - أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، كما قال تعالى: ((وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون)) وأما قوله ﷺ : ((لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله، فالمراد أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة، لولا أن الله جعله بفضله ورحمته سببا لذلك، والعمل نفسه من فضل الله ورحمته على عبده، فالجنة وأسبابها كل من فضل الله ورحمته. ٣ - أن التوفيق بيد الله ، فمن يسر عليه الهداية اهتدى. ومن لم ييسر عليه، لم ييسر له ذلك. ٤ - ترتب دخوله الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج. ٥ - فضل التقرب بالنوافل بعد أداء الفرائض. ٦ - أن الصدقة تكفر بها السيئات. ٧ - فضل الصلاة في جوف الليل.

стр. 68

٨ - أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة، يذهب الإسلام بذهابها، كما تسقط الخيمة بسقوط عمودها. ٩ - فضل الجهاد. ١٠ - أن كف اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، فإن معصية النطق يدخل فيها الشرك الذي هو أعظم الذنوب عند الله ، والقول على الله بغير علم، وهو قرين الشرك وشهادة الزور والسحر والقذف والغيبة والنميمة، وسائر المعاصي القولية. بل المعاصي الفعلية لا تخلو غالبا من قول يقترن بها يكون معينا عليها.

стр. 69

الحديث الثلاثون عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله ﵌ قال: ((إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)). حديث حسن. رواه الدارقطني وغيره. المفردات: فرض: أوجب وألزم. فرائض: وهي ما فرض الله على عباده، وألزمهم القيام به. فلا تضيعوها: بالترك أو التهاون فيها حتى يخرج وقتها، بل قوموا بها كما فرض عليكم. وحد حدودا: وهي جملة ما أذن الله في فعله، سواء كان على طريق الوجوب أو الندب أو الإباحة. فلا تعتدوها: فلا تجاوزوا ما حد لكم بمخالفة المأمور وارتكاب المحظور. فلا تنتهكوها: لا تتناولوها ولا تقربوها. وسكت عن أشياء: فلم يحكم فيها بوجوب ولا حل ولا حرمة.

стр. 70

رحمة لكم: بعدم تحريمها حتى يعاقب على فعلها، وعدم إيجابها حتى يعاقب على تركها. غير نسيان: لأحكامها _ لا يضل ربي ولا ينسى. فلا تبحثوا عنها: لا تفتشوا عنها، لأن ذلك ربما يفضي إلى التكليف الشاق. يستفاد منه: تقسيم أحكام الدين إلى أربعة أقسام: فرائض حقها ألا تضيع، ومحارم حقها أن لا تقرب، وحدود حقها عدم مجاوزتها، ومسكوت عنه حقه ألا يبحث عنه، وهذا يجمع أحكام الدين كلها، ومن عمل به حاز الثواب وأمن العقاب، ولهذا قال بعض العلماء: ليس في الأحاديث حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه من هذا الحديث.

стр. 71

الحديث الحادي والثلاثون عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)). حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة. المفردات: دلني: أرشدني. ازهد في الدنيا: اقتصر على قدر الضرورة منها. يحبك الله: لإعراضك عما أمر بالإعراض عنه. وازهد فيما عند الناس: من الدنيا. يحبك الناس: لأن قلوبهم مجبولة على حب الدنيا، ومن نازع إنسانا في محبوبه كرهه وقلاه، ومن لم يعارضه فيه أحبه. يستفاد منه: ١ - أن الزهد في الدنيا من أسباب محبة الله تعالى لعبده، ومحبة الناس له. ٢ - أنه لا بأس بالسعي فيما تكتسب به محبة العباد مما ليس بمحرم، بل هو مندوب إليه، كما يدل عليه الأمر بإفشاء السلام، وغير ذلك من جوالب المحبة التي أمر بها الشارع.

стр. 72

الحديث الثاني والثلاثون عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) حديث حسن. رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ _ فأسقط أبا سعيد، وله طرق بقوي بعضها بعضا. المفردات: لا ضرر: لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه. ولا ضرار: لا يجازي من ضره بأكثر من المقابلة بالمثل، والانتصار بالحق. وفي تفسير (لا ضرر ولا ضرار) أقوال غير هذا لا نطيل بذكرها. يستفاد منه: ١ - أن الضرر يزال، وينبني على ذلك كثير من أبواب الفقه، كالرد بالعيب، وغيره مما يدخل تحت هذه القاعدة المأخوذة من الحديث. ٢ - منع التصرف في ملك الإنسان بما يتعدى ضرره إلى الغير على غير

стр. 73

الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف فيحترق ما يليه، فإنه متعد بذلك وعليك الضمان. ٣ - النهي عن المجازاة بأكثر من المثل. ٤ - أن ما أمر الله به عباده هو عين صلاح دينهم، ودنياهم. وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم، ودنياهم، ولم يأمرهم بشيء يضرهم، ولذلك أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وأسقط المطالبة بالدين عند إعسار المدين إلى الميسرة، إلى غير ذلك مما يدل على أن شريعتنا سمحة.

стр. 74

الحديث الثالث والثلاثون عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين. المفردات: بدعواهم: بمجرد إخبارهم عن لزوم حق لهم على آخرين عند حاكم، لا ادعى رجال خصوا بالذكر لأن ذلك من شأنهم غالبا. دماء رجال وأموالهم: فلا يتمكن المدعى عليه من صون دمه وماله. المدعى: هو من يذكر أمرا خفيا يخالف الظاهر. واليمين على من أنكر: لأن الأصل براءة ذمته، مما طلب منه وهو متمسك به. يستفاد منه: ١ - أنه لا يحكم لأحد بمجرد دعواه. ٢ - أنه لا يجوز الحكم إلا بما رتبه الشرع، وإن غلب على الظن صدق المدعى. ٣ - أن اليمين على المدعى عليه مطلقا.

стр. 75

الحديث الرابع والثلاثون عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).رواه مسلم. المفردات: رأى: علم. منكم: معشر المسلمين المكلفين. منكرا: شيئا قبحه الشرع فعلا وقولا، ولو صغيرا. فليغيره: فليزله. بيده: حيث كان مما يزال بها، ككسر آلة لهو، وآنية خمر. فإن لم يستطع: الإنكار بيده، لكون فاعله أقوى منه، ويلحقه الضرر بالتغيير باليد. فبلسانه: بالقول: كالتذكير، أو بالتوبيخ. فإن لم يستطع: ذلك بلسانه لوجود ما نع، كخوف فتنة، أو خوف على نفس، أو نحو ذلك.
следующие страницы →