← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

ويؤكد الحافظ ابن عساكر أن حبيبا صحب النبي ﷺ وروى عنه، وأخرج الإمام أحمد عن حبيب أنه قال: (شهدت رسول الله نفل الربع والثلث في الرجعة) ، ورواه الحافظ بأسانيد متعددة عن حبيب أنه قال: (إن النبي ﷺ نفل الثلث) ، وقال الفضل: قال أبي: أنكر بعض العلماء أن يكون حبيبا غزا مع رسول الله عليه وسلم، وبعضهم يقول: إنه كان معه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى اله عليه وسلم، وهو ابن إحدى عشرة سنة. شهوده معركة اليرموك: يروي ابن عساكر أن حبيب بن مسلمة خرج إلى الشام مجاهدا في حياة أبي بكر، وشهد اليرموك أميرا على بعض كراديسه [٥] . ويذكر البلاذري أن أبا عبيدة عقد لحبيب بن مسلمة على خيل الطلب - جعله قائدا لفصيلة راكبي الخيل المطاردة - فكان يقتل من أدرك من جنود الروم الفارين [٦] . ويبدو أن حبيبا ظل في جيش أبي عبيدة، وشارك في مواقعه في بلاد الشام، يقول البلاذري: (وسار أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية، وقد تحصن بها خلق من جند قنسرين، فلما صار بمهروبة - وهي على قريب من فرسخين من مدينة أنطاكية - لقيه جمع للعدو ففضهم وألجأهم إلى المدينة، وحاصر أهلها من جميع أبوابها، وكان معظم الجيش على باب فارس والباب الذي يدعى باب البحر، ثم إنهم صالحوه على الجزية والجلاء؛ فجلا بعضهم وأقام بعضهم، فأمنهم ووضع على كل حالم منهم دينارا وجريبا، ثم نقضوا العهد فوجه إليهم أبو عبيدة عياض بن غنم، وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الأول) [٧] . ولاية أنطاكية:

стр. 10012

وبعد توطيد الفتح ولى أبو عبيدة حبيبا أنطاكية ونواحيها، فغزا الجرجومة فلم يقاتله أهلها، ولكنهم بدروا بطلب الأمان والصلح، على أن يكونوا أعوانا للمسلمين، وعيونا ومسالح في جبل اللكام، وأن لا يؤخذوا بالجزية، وأن ينفلوا أسلاب من يقتلون من عدو المسلمين إذا حضروا حربا في مغازيهم، ودخل من كان في مدينتهم من تاجر وأجير وتابع من الأنباط وغيرهم وأهل القرى في هذا الصلح؛ فسموا الرواديف، لأنهم تلوهم وليسوا منهم [٨] . فتوحه: وكان الجراجمة يستقيمون للولاة مرة ويعوجون أخرى؛ فيكاتبون الروم ويمالئونهم [٩] . ويذكر البلاذري أن حبيبا فتح قرقيسيا صلحا، وأنه لما ولي معاوية بن أبي سفيان الشام والجزيرة وجّه حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة، ورتب رابطة من المسلمين مع عاملها، وشحنها بجماعة من أهل الشام والجزيرة وغيرها، فكانت طريق الصوائف [١٠] . وكان حصن الحدث فتحه حبيب بن مسلمة أيام عمر بن الخطاب [١١] ، وفتح حصن زبطرة، وهما حصنان قديمان للروم [١٢] ، وإلى حبيب ينسب موضع (بطنان حبيب) ؛ لأن أبا عبيدة أو عياض بن غنم وجهه من حلب ففتح الحصن فنسب إليه [١٣] . وفوده على عمر بن الخطاب في خلافته: روى ابن عساكر من طرق أن حبيب بن مسلمة كان يلي الطائف على عهد عمر، ويبلغ عنه عمر ما يحب، ولم يثبته (أي الجيش) حتى قدم عليه في حجة، وكان تام القامة، فسلم على عمر، فقال له: إنك لفي قناة رجل، قال: إني والله وفي سنانها، وفي رواية أنه قال: إنك لجيد القناة، قال: وجيد سنانها، قال عمر: افتحوا له الخزائن فليأخذ ما شاء، ففتحوها له، فعدا عن الأموال وأخذ السلاح. وفي رواية أخرى لابن عساكر أن عمر لما عزل عياض بن غنم عن الجزيرة ولى حبيب بن مسلمة وضم إليه أرمينية وأذربيجان، ثم عزله وولى عمير بن سعد الأنصاري وسعيد بن عامر بن خديم [١٤] .

стр. 10013

وكان حبيب الروم كثير الغزو للروم شديد النكاية فيهم، دخل مرة أرض الروم على جيش؛ فاهتم عمر بأمرهم، فلما بلغه خروج حبيب ومن معه خر ساجدا لله، وكان لكثرة خوضه الحروب محبوبا من الناس، ومشهورا بالشجاعة، منوها باسمه على ألسن الشعراء، مدحه حسان بن ثابت بقوله: يا أيها الناس أبدوا ذات أنفسكم لا يستوي الصدق عند الله والكذب قوموا بحق مليك الناس تعترفوا بغارة عصب من فوقها عصب فيهم حبيب الموت يقدمهم مستلئما قد بدا في وجهه الغضب ولايته أرمينية: ولما استخلف عثمان بن عفان كتب إلى معاوية - وهو عامله على الشام والجزيرة وثغورها - يأمره أن يوجه حبيب بن مسلمة إلى أرمينية، تقديرا منه لبلائه وأثره الجميل في فتوح الشام وغزو الروم. ويذكر ابن كثير في حوادث سنة ٢٨ - نقلا عن الواقدي - أن حبيب بن مسلمة غزا أرض الروم، ولما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص أخاه سلمان بن ربيعة، وأمدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة. شهوده حروب صفين وغيرها مع معاوية: ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، فقال: نزل حبيب بالشام، ولم يزل مع معاوية في حروبه في صفين وغيرها، ووجهه إلى أرمينية واليا عليها، فمات بها سنة ٤٢ ولم يبلغ خمسين سنة.

стр. 10014

بعثه معاوية مع شرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس في سفارة إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فدخلوا عليه، فبدأ حبيب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا عمل بكتاب الله وثبت لأمر الله، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلته إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس ليكون أمرهم شورى بينهم؛ فيولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم، فقال له علي: وما أنت لا أم لك، وهذا الأمر وهذا العزل؛ فاسكت فإنك لست هناك، ولا بأهل لذاك، فقال له حبيب: أما والله لتريني حيث تكره، فقال له علي: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك؛ لا أبقى الله عليك إن أبقيت! اذهب!؛ فصعّد وصوّب ما بدا لك، وكان فيما قال لهم علي: لا أقول إن عثمان قتل مظلوما ولا ظالما، فقالوا: نحن نبرأ ممن لم يقل إن عثمان قتل مظلوما، وخرجوا من عنده؛ فتلا قوله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾ ، ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم. ويعقب الحافظ ابن كثير على ذلك بقوله: وهذا عندي لا يصح عن علي ﵁ [١٥] . وكان حبيب على ميسرة جيش معاوية يوم صفين، وفي رواية أخرى أنه كان على الميمنة [١٦] ، وقد بارز حبيب الأشتر فاقتتلا قتالا شديدا ولم يغلب أحد أحدا [١٧] ، وشهد حبيب التحكيم ثاني عشرة من أهل الشام [١٨] ، قال أبو عمر بن عبد البر: كان أهل الشام يثنون على حبيب بن مسلمة، قال سعيد بن عبد العزيز: كان حبيب بن مسلمة فاضلا، مجاب الدعوة، ويقال إن معاوية كان قد وجه حبيبا بجيش إلى نصر عثمان بن عفان، فلما بلغ وادي القرى، بلغه أن عثمان قد قتل، فرجع ولم يزل مع معاوية في حروبه [١٩] .

стр. 10015

وكان حبيب يلح على معاوية بالعمل بسيرة أبي بكر وعمر، روى ابن عساكر عن ابن عجلان قال: لما أتى معاوية موت حبيب بن مسلمة سجد، ولما أتاه موت عمرو بن العاص سجد، فقال له قائل: يا أمير المؤمنين سجدت لوفدين وهما مختلفان، فقال: أما حبيب فكان يأخذني بسنة أبي بكر وعمر، وأما عمرو فيأخذني بالإمرة الإمرة؛ فلا أدري ما أصنع [٢٠] . كان مجاب الدعوة: أخرج البيهقي والطبراني عن أبي هريرة أن حبيبا كان مستجاب الدعوة، وكان قد أمر على جيش، فدرب الدروب، فلما لقي العدو قال للناس: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم - أو قال: سائرهم - إلا أجابهم الله"، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: اللهم احقن دماءنا، واجعل أجورنا أجور الشهداء [٢١] . وفاته: اختلف في محل وفاته: فقال البلاذري: إنه لما أمره عثمان بالانصراف إلى الشام نزل حمص فنقله معاوية إلى دمشق، فتوفي فيها سنة ٤٢، وقال ابن عبد البر: إن معاوية وجهه إلى أرمينيا واليا عليها، فتوفي فيها سنة ٤٢، وذكر ذلك ابن سعد وابن عساكر، وأنه مات ولم يبلغ الخمسين كما تقدم [٢٢] ، وفي رواية ابن عساكر أن حبيبا دخل الحمام فأطال المكث فيه فمرض مرضه الذي مات فيه. وقال أبو زرعة الدمشقي: إن لحبيب ولدا كثيرا عندنا بحوران، ومنزلة بطرف من أطراف حوران، وكان بعضهم يصهر إلي، ورثاه شريح بن الحارث بقوله: ألا كل من يدعى حبيبا وإن بدت مروءته يفدي حبيب بني فهر همام يقود الخيل حتى كأنما يطأن برضراض الحصا جاحم الجمر ﵁ وأرضاه وعفا عنه في المجاهدين والقادة الفاتحين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] أشهر مشاهير الإسلام لرفيق العظم ص٨٢٨ وتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر٤/٣٥.

стр. 10016

[٢] تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر٤/٣٥، وأسد الغابة١/٤٤٩، والإصابة٢/٢٥. [٣] تهذيب تاريخ دمشق٤/٣٥. [٤] تهذيب تاريخ دمشق٤/٣٥، والاستيعاب لابن عبد البر١/٣٢١. [٥] تهذيب تاريخ دمشق٤/٣٥. [٦] فتوح البلدان للبلاذري١٤١. [٧] فتوح البلدان١٥٢. [٨] فتوح البلدان١٦٤. [٩] فتوح البلدان١٨٠. [١٠] فتوح البلدان١٨٩.. [١١] فتوح البلدان١٩٣. [١٢] فتوح البلدان ١٩٥. [١٣] فتوح البلدان١٥٤. [١٤] الاستيعاب١/٣٢٦ وأشهر مشاهير الإسلام٨٢٨. [١٥] البداية والنهاية٧/٢٥٩. [١٦] البداية والنهاية٧/٢٦١ وتهذيب تاريخ دمشق٧/٣٥. [١٧] البداية والنهاية٧/٢٦٢. [١٨] البداية والنهاية٧/٢٧٨ والاستيعاب١/٣٢١. [١٩] الاستيعاب لابن عبد البر٣٢٦. [٢٠] تهذيب تاريخ ابن عساكر٧/٣٦. [٢١] الاستيعاب١/٣٢١ والإصابة٢/٢٥. [٢٢] فتوح البلدان١٩٥ والطبقات الكبرى٧/٤١٠ وتهذيب تاريخ دمشق٧/٣٦.

стр. 10017

من أعلام الدعوة الإسلامية في الهند صديق حسن خان ١٢٤٨- ١٣٠٧هـ- القرن التاسع عشر الميلادي بقلم الدكتور محي الدين الألوائي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كانت الهند من أسبق البلاد في مناصرة الدعوة الإسلامية إلى التوحيد والاعتصام بالسنة النبوية؛ بدليل مسارعة علمائها في تأليف ونشر كتب عديدة بمختلف اللغات في هاتين الدعامتين اللتين يقوم عليهما صرح الإسلام، وفي مقدمة هؤلاء العلماء العلامة المحقق المجتهد صديق حسن خان، وكان عالما جليلا، وداعية مجتهدا وقد بلغ عدد مؤلفاته في العلوم الإسلامية حوالي ٢٢٢ كتابا، ومنها ٥٦ في اللغة العربية. وقبل أن أقوم بتطواف سريع حول بعض هذه المؤلفات التي ساهمت مساهمة فعالة في نشر الدعوة الإسلامية الخالصة في أرجاء شبه القارة الهندية؛ أرى من المناسب أن ألقي ضوءا على تاريخ حياته بصفة عامة. أسرته ومولده: ولد صديق حسن خان في مدينة (بريلي) في شمالي الهند، وكانت ولادته يوم الأحد وقت الضحى في التاسع عشر من جمادى الأولى سنة ١٢٤٨هـ، واشتهرت مدينة (بريلي) التي هي موطن جده من جهة الأم، بدور العلم والعلماء منذ قرون، وقد توفي والده (حسن خان) وهو في السادسة من عمره، وبقي الطفل يتيما في كنف أمه، ثم جاءت به من (بريلي) إلى مدينة (قنوج) التي كانت موطن آبائه. نشأته العلمية: وأكمل تعليمه الابتدائي على النظام القديم المتبع في ذلك الزمان في ربوع الهند، فقرأ من الفارسية بعض الكتب الابتدائية، ثم المبادئ من الصرف والنحو في اللغة العربية ونبذة من المسائل الفقهية.

стр. 10018

وبعد ذلك ذهب صديق حسن خان إلى مدينة (كانبور) في الهند الوسطى، وتعلم هناك بعض الكتب في البلاغة العربية مثل (مختصر المعاني) و (الفوائد الضيائية) ، ثم ارتحل إلى (دلهي) لتحصيل العلوم لدى عالمها ومفتيها الشيخ (محمد صدر الدين خان) ، وأثناء إقامته في دلهي أكمل دراسته في مختلف العلوم والفنون، وأتم مقاصده منها بذهنه الثاقب ورغبته الملحة في تحصيل الكفاءة العلمية والمقدرة الأدبية في لغات ثلاث: العربية والفارسية والأوردية. رحلته في الخارج: وقد سافر صديق حسن خان إلى الحجاز وبعض البلدان العربية الأخرى، ومن أساتذته المعروفين الشيخ محمد يعقوب الدهلوي المهاجر المتوفى بمكة المكرمة في سنة ١٢٨١هـ، واستحصل منه الشيخ سند القرآن الكريم، كما درس علم الحديث على القاضي زين العابدين محمد الأنصاري اليماني، وأخذ الإجازة في الحديث النبوي من الشيخ عبد الحق الهندي تلميذ الإمام الرباني القاضي محمد ابن علي اليماني الشوكاني. تزوجه بأميرة بهوبال: وبعد عودته من الحجاز إلى الهند انتقل العلامة صديق حسن خان من (قنوج) إلى مدينة (بهوبال) في ولاية (مادهيا براديش) في وسط الهند، وقد ذاع صيته في تلك الأيام كإمام في العلوم الإسلامية، ومؤلف بارع في العلوم العقلية والنقلية، وكاتب قدير في اللغات العربية والفارسية والأوردية، ومجتهد متواصل في الدرس والتأليف والتدوين، ولم يلبث أن تزوج بأميرة بهوبال (شاهجان بيجوم) التي كانت تحكمها حينذاك. نقطة تحول في حياته العلمية:

стр. 10019

وكان تزوج العلامة صديق حسن خان بالأميرة (شاهجان بيجوم) ، وتلقبه بأمير بهوبال نقطة تحول لا في حياته العلمية فقط بل في النشاط العلمي والعهد التأليفي في الهند كلها؛ فكان له موهبة إلهية في الكتابة وفي التأليف؛ حتى قيل إنه كان يكتب عشرات الصفحات في يوم واحد، ويكمل كتابا ضخما في أيام قليلة، ومنها كتب نادرة على منهج جديد، وعندما ساعدته الظروف المنصبية والاقتصادية على بذل المال الكثير في طبعها وتوزيعها، قد تكللت مساعيه العلمية بنجاح منقطع النظير. من مؤلفاته العربية: وقلنا إن مؤلفاته في اللغة العربية وحدها يبلغ ستة وخمسين كتابا، وهي تشمل علوم التفسير والحديث والفقه الإسلامي والصرف والنحو والبلاغة والشعر والمنطق وعلوم الحكمة والطب والفلسفة. وأما تفسيره المشهور (فتح البيان في مقاصد القرآن) فيقع في عشرة مجلدات ضخمة بالحجم الكبير، وقد طبع من جديد سنة ١٩٦٥م بالقاهرة، وهو أول تفسير من نوعه؛ إذ يخلو من الإسرائيليات والجدليات المذهبية والمناقشة الكلامية، وأن تفسير القرآن ينقسم إلى قسمين: تفسير بالرواية، وتفسير بالدراية، وقد جمع صديق حسن خان في مؤلفه المذكور هذين النوعين من التفسير حتى خرج نادرا ونافعا في العالم العلمي.

стр. 10020

ويقول المؤلف مبينا الغرض الأساسي من التفسير وفائدته: "إن أعظم العلوم مقدارا وأرفعها شرفا ومنارا، وأعلاها على الإطلاق، وأولاها تفضيلا بالاستحقاق، وأساس قواعد الشرائع والعلوم، ومقياس ضوابط المنطوق والمفهوم، ورأس الملة الإسلامية وأساسها، وأصل المذاهب الفقهية ومنبعها الأول، وأعز ما يرغب فيه ويعرج عليه وأهم ما تناخ مطايا الطلب لديه؛ هو علم التفسير لكلام العزيز القدير، لكونه أوثق العلوم بنيانا، وأصدقها قيلا وأحسنها تبيانا، وأكرمها نتاجا وأنورها سراجا، وأصحها حجة ودليلا، وأوضحها محجة وسبيلا، وقد حاموا جميعا حول طلابه، وراموا طريقا إلى جنابه، والتمسوا مصباحا على قيامه ومفتاحا إلى فتح بابه". وهاهو ذا تعريف المؤلف لعلم التفسير فيقول: "هو علم باحث عن نظم نصوص القرآن، وآيات سور الفرقان، بحسب الطاقة البشرية، ووفق ما تقتضيه القواعد العربية، قال: الفناري: الأولى أن يقال: علم التفسير معرفة أحوال كلام الله من حيث القرآنية، ومن حيث دلالته على ما يعلم أو يظن أنه مراد الله تعالى بقدر الطاقة الإنسانية، وهذا يتناول أقسام البيان بأسرها، ولا يرد عليه ما يرد على سائر الحدود، ومبادئ العلوم اللغوية وأصول التوحيد وأصول الفقه وغير ذلك من العلوم الجمة". وأضاف: "والغرض منه معرفة معاني النظم ومعرفة الأحكام الشرعية العملية، وفائدته حصول القدرة على استنباط الأحكام الشرعية على وجه الصحة، وموضوعه كلام الله الذي هو منبع كل حكمة ومعدن كل فضيلة، وغايته التوصل إلى فهم معاني القرآن واستنباط حكمه ليفوز بالسعادة الدنيوية والأخروية وشرف العلم وجلاله باعتبار شرف موضوعه وغايته فهو أشرف العلوم وأعظمها". الدين الخالص:

стр. 10021

ومن أجلّ مؤلفاته بالعربية كتاب سماه (الدين الخالص) ، وقد جعل المؤلف الكتاب قسمين: وعبر عنهما (بالنصيب الأول) و (النصيب الثاني) ، وطبع بالقاهرة في أربعة أجزاء. وخصص النصيب الأول بمباحث التوحيد، والنصيب الثاني بمباحث الاعتصام بالسنة والاجتناب عن البدع، وجاء الكتاب حافلا بمباحث التوحيد والسنة، وسماه المؤلف (الدين الخالص) مقتبسا اسمه من قوله : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ ، ولم يدع المؤلف آية من آيات التوحيد الواردة في القرآن إلا أتى عليها بالبيان الوافي لإثبات التوحيد الخالص، ونفي الشرك بجميع أنواعه وأصنافه، وكان غاية في الترغيب في اتباع السنة ورد البدعة بأقسامها وأطرافها، مع الرد على تحريف الغلاة وتأويل الجاهلين وإفراط المعصبين وتفريط المبطلين، فيقول في مقدمة الكتاب: ".. هذا كتاب ناطق ببيان ما دلت عليه كلمة الإخلاص والتوحيد وأفهمته من رد أنواع الضلال من الشرك والبدعة والتقليد، وهي التي جعلها إبراهيم ﵇ كلمة باقية في عقبه موصلة أصحابها إلى دار السلام، طالما كان يخطر لي بالبال أن أحرر في تلك الدلائل صحيفة كاملة وأحبر لهذه المسائل رقيمة حافلة، ولكن يعوقني الزمان الحاضر الحائز للفتن عن البلوغ إلى هذا المرام، ولا يساعدني في الدهر الماشي على خلاف المراد على سلوك هذه السبل، سبل السلام".

стр. 10022

"وكنت دائما بالمرصاد لانتهاز الفرص تحصيلا لهذه البغية على ما يراد، إلى أن وجت - بحمد الله وحسن توفيقه - فرصة نزرة اختطفتها من أيدي آناء الليل وأطراف النهار، وزمانا يسيرا سرقته من حركات الفلك المحدد الدوار مع هجوم الأشغال وتشتت البال من كثرة الإسقام والاعتلال واختلاف الرجال، فجعلتها لزبر هذا المرقوم على سبيل الارتجال وجناح الاستعجال بالتفصيل والإجمال، فجمعت - حسبما تمكنت وقدر ما حصلت - آيات بينات وأحاديث شريفة وردت في إثبات التوحيد ونفي الإشراك، واتباع السنة ورد البدع، مع تفسيرها الذي حرره العلماء الفحول وشرحها الذي أذعن له السلف الصالح للأمة وأئمتها بالتلقي والقبول، ضاماً إليها من مقالات أهل العلم المتقدمين منهم والمتأخرين، ما وقفت عليها جامعا لأشتات هذه الأبواب المتفرقة في الدواوين المؤلفة إليها، فجاء بحمد الله أجمع ما يجمع في هذا العلم..". ويجد القارئ ما اشتمل عليه هذا الكتاب من المباحث الهامة من عناوين أبوابها العامة المقسمة إلى موضوعات يحتوي عليها كل باب، فدونك نماذج من ذلك: ١- باب في الآيات القرآنية الدالة على توحيد الله تعالى: أ - أعظم آية في القرآن وأفضلها حيث قال: عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ سأله: "أي آية من كتاب الله أعظم"؟ قال: آية الكرسي، قال: "ليهنك العلم أبا المنذر". أخرجه أحمد ومسلم، وقد ورد في فضلها غير هذا، لاشتمالها على أصول التوحيد.. الخ. ب - دليل وجود الصانع: سئل بعض الأعراب: ما الدليل على وجود الصانع الواحد؟ قال: إن البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة؛ أما يدلان على وجود الصانع الخبير؟

стр. 10023

وفي القرآن من دلائل التوحيد كثير، وتكرير قوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ للتأكيد، وفائدة تكريرها الإعلام بأن هذه الكلمة أعظم الكلام وأشرفه، وفيه حث العباد على تكريرها والاشتغال بها، فإنه من اشتغل بها اشتغل بأفضل العبادات، وبالاشتغال بها ترسخ قدم التوحيد في قلوب العباد.. الخ. ج- رد التثليث والتقليد: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ فيه رد على من قال بالتثليث من النصارى، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ ، وذلك أن النصارى عبدوا غير الله - هو المسيح - وأشركوا به، وهو قولهم: أب وابن وروح القدس؛ فجعلوا الواحد ثلاثة، ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وتبكيت لمن اعتقد بربوبية المسيح وعزير، وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر وبعض منهم، وإزراء على من قلد الرجال في دين الله فحلل ما حللوه وحرم ما حرموه عليه، فإن من فعل ذلك فقد اتخذ من قلده ربا، ومنه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ..الخ. د- أرجى آية لأهل التوحيد: وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، وهي أرجى آية لأهل التوحيد، فإنه سبحانه لم يوئسهم عن المغفرة، عن علي قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ، وعن جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار". أخرجه مسلم..الخ. درس من حياته:

стр. 10024

وجدير بالذكر والاعتبار أن زواجه بأميرة بهوبال الغنية، واشتغاله بالشؤون السياسية والإدارية لم يثنه عن نشاطه العلمي، ولم تصرفه بحبوحة العيش وفخفخة الدولة عن خدمة العلم والدين، بل استفاد - بثاقب فكره - من هذه النعم لتحقيق هدفه الأسمى وغايته الرفيعة.

стр. 10025

في المشارق والمغارب فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري عميد كلية اللغة العربية من لوس أنجلوس إلى طوكيو: وفي يوم الأحد الموافق ١٨/ ٨/ ١٣٩٨هـ، جاء إلينا الأخ تاج الدين شعيب مبكرا، وبعد أن أدينا لمدير الفندق ما بقي له عندنا من الحساب توجهنا إلى مطار لوس أنجلوس الدولي، أخذ الموظف المختص حقائبنا الكبيرة كالعادة في باب مبنى المطار وسلمنا البطاقات ذات الأرقام، ودخلنا إلى الموظف المختص لأخذ بطاقات دخول الطائرة، وكنت أظن أن هناك موظفين آخرين مختصين بالجوازات للتأشيرة الخاصة بالخروج، ولكن الموظف الذي أجرى معاملة التذاكر هو الذي أنهى معاملة الجوازات. كان الموظف المختص في الطائرة التي حملتنا من لندن إلى نيويورك قد كتب المعلومات اللازمة في بطاقات، وألصق بجواز كل منا البطاقة الخاصة به، وأخذ صورة لكل منها. وفي مطار لوس أنجلوس لم يزد الموظف على المقارنة بين البطاقة الملصقة بالجواز والبطاقة الموجودة عنده وهي صورة لها، ثم أخذ البطاقة الملصقة بالجواز ولم يختم على الجوازات. وكنا ننزل في الفنادق في جميع المدن الخمس الأمريكية، دون أن يطلبوا منا الجوازات أو مجرد ذكر الهوية؛ اكتفاء بالمعلومات التي أخذت منا عندما دخلنا البلاد، ثم إن كل فندق يعطي الجهات المختصة الاسم، وهي تسجله، وكل ذلك يتم عن طريق الكمبيوتر. إنهم على علم بتنقل المسافر ومعرفة مكان نزوله في المدينة، ولكن بدون أن يكثروا عليه بالأسئلة وملء البطاقات بالمعلومات والتوقيعات. ودعنا الأخ تاج الدين شعيب ودخلنا في الطائرة وأخذنا مقادعنا المخصصة لنا، وفي الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة والأربعين أقلعت بنا الطائرة. الكون يحرك الشاعر:

стр. 10026

وكنت بجوار النافذة، وبدأت أطل منها لأرى المحيط الهادي من الجو بعد أن وقفت على جانبه الشرقي في غرب لوس أنجلوس في الأرض، ولكن السحب الكثيرة المتراكمة كانت تغطيه تماما، وهنا تحركت المشاعر فكتبت ما يلي: حوار مع المحيط الهادي في يوم الأحد الموافق ١٨ شعبان من عام ١٣٩٨هـ أقلعت بنا الطائرة الأمريكية الضخمة ذات الطابقين التي تحمل أكثر من ثلاثمائة راكب من مطار لوس أنجلوس إلى طوكيو، في الساعة العاشرة إلا ربعا صباحا، ومعروف أن المسافة التي تقطعها الطائرة بين لوس أنجلوس واليابان كلها فوق المحيط الهادي، وكنت في اشتياق للتأمل في هذا المحيط الضخم الذي رأيته في الخريطة يأخذ مسافة واسعة من الكرة الأرضية؛ لذلك صممنا أن يكون سفرنا بالنهار، واشترطنا على شركة الخطوط أن نكون بجانب إحدى النوافذ؛ إنها فرصة لزيادة الإيمان بخالق الكون، كانت الطائرة تنهب الجو نهبا فتسابق الزمن؛ لأننا نسير إلى الغرب والشمس لا زالت في أول نهارها، وكلما تقدمنا إلى الغرب كلما كنا مبكرين، وأخذت أنظر إلى المحيط لأرى أمواجه الهادرة وهي تتقلب كصفحات كتاب، وإذا السحاب يغطيه كله؛ فلم أر شيئا منه؛ فقلت في نفسي: نحن قمنا من نومنا في لوس أنجلوس مبكرين، لأننا مسافرون والوقت هاهنا لا زال مبكرا؛ فلعل المحيط لا يزال يغط في نومه، ولذلك بقي مغطى بهذا السحاب المتراكم. أنا زائر وزيارتي نادرة، ولو علم بزيارتي ومن أين جئت لما تردد في طرد النوم عنه وإبعاد الغطاء عن وجهه، ولعل في الشعر ما يوقظه بطرب وليس بإزعاج فأخذت في مخاطبة السحاب حتى انقشع وكان لي ما أردت: وغدا السحاب مسجيا لمحيطه وكأنه في نومه يتقلب طاب المنام له لطيب إقامة والقادري مسافر متأهب لكنه متمتع بجمال ما يرنو إليه لربه متأوب يزداد في الكون الفسيح تأملا ليزيد إيمانا فأنى يتعب؟ يا سحب ما لك تحجبين مزمجرا

стр. 10027

وهو الشجاع أمثله يتحجب؟ وغناه يمنع بخله، بل إنه يعطي النفيس لكل من يتطلب؟ وأنا الغني بخالقي لا أبتغي من غيره شيئا يباع ويوهب بل زائر ملكوته متزود منه اليقين إذا أؤوب وأذهب والله رب العالمين إلهنا فأمط لثامك، أين منه المهرب؟ قام المحيط مهللا ومكبرا ويقول من هذا الذي يترقب؟ فأجبته أني لصنو قادم من طيبة حيث الحبيب الأطيب أصغى وأطرق ساكنا وكأنما دخل الصلاة مكبرا يتعجب أو من مدينة خير من وطئ الثرى حقا أتيت إلى مرابع تندب [١] فأجبته بهدى النبي أتيتكم وإلى إله محمد أتقرب أو ما سمعت ابن المبارك قائلا لمجاور البيت الفضيل يؤنب: (يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب) ولسوف تشرق شمسنا بسمائكم يوما، وليت بعد ذلك تغرب حتى تسجر [٢] مثل غيرك فانتظر سفن الجهاد تدك من يتحزّب فتعانقت أمواجه لقدومنا وغدت تسبح ربها وترحب وبعد الانتهاء من كتابة هذه الأبيات التفت إلي زميلي الدكتور فأسمعته إياها؛ فدعا الله أن يستجيب لتلك الآمال.

стр. 10028

ولقد كنت حقا أفكر في وجود في أعلام الفكر مدججة بالسلاح في هذا البحر العظيم، وفقد علم الإسلام العالمي الذي يجب أن يرتفع على كل صقع من أصقاع الدنيا، وإني لأرجو الله العلي القدير أن يأتي اليوم الذي يكون فيه جميع المحيطات والبحار، وكل أرض الله خاضعة لراية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإنه لآت بإذن الله، وإذا لم يكن على أيدي جيلنا هذا الذي ألف التبعية والتأخر عن حمل الراية؛ فلا بد أن يأتي الجيل الذي يتحقق ذلك على يديه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ . في هنولولو [٣] : وبعد خمس ساعات هبطت بنا الطائرة في مطار هنولولو؛ إذ كان ذلك في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والأربعين، بتوقيت لوس أنجلوس. وفي قاعة مبنى هنولولو قعد بجوارنا رجل عمره بين خمسين وخمس أربعين سنة؛ فجرى حديث بينه وبين الدكتور محمد بيلو؛ فقلت لزميلي سله عن دينه فسأله فقال: إنه لا يدين بدين، قلت له: قل هل تحب أن تعرف شيئا عن دين الإسلامي؟ فسأله فقال: لا أريد أن أدخل في حديث الأديان وكل همي هو جمع المال.

стр. 10029

قلت: قل له إن كان عنده شك في وجود الله فنحب أن نناقشه ونزيل عنه الشك بالأدلة، فقال له ذلك فقال: هو لا يشك في وجود خالق للكون، ولا يحب البحث في هذا الموضوع، قلت: سله إذا يحتمل أن يكون الدين حقا واحدا في المائة، وأن هناك احتمال حياة أخرى فيها جنة ونار ويجزى فيها المطيع بالجنة والعاصي بالنار ولو واحدا في المائة أيضا؛ ألا يحفزك هذا أن تبحث عن الحقيقة حتى ينتفي عنك احتمال الواحد في المائة؛ فترتاح إلى ما تفعله نفسك حرا لا يقيدك شيء، أو يزيد هذا الاحتمال حتى يصبح مائة في المائة؛ فترتاح نفسك إلى التدين والتعبد وتسير في طريق الحياة وأنت على علم به؟ فأجاب: أنا قد سمعت أن بعد الحياة الدنيا حياة أخرى، ولكن لا أعترف بذلك ولا أريد البحث في هذه الأمور مطلقا، وأنا رجل تاجر يهمني أن أربح في تجارتي فقط، وقد أدخلت أولادي مدرسة مسيحية وهم يدرسون الدين المسيحي، وسبب إدخالي إياهم فيها ليس من أجل الدين وإنما من أجل أن الدراسة فيها ناجحة أكثر من المدارس الأخرى، وعندما وصل إلى هذا الحد كان موعد إقلاع الطائرة من مطار هنولولو قد اقترب؛ فتركناه وشأنه. والملحوظ أن هذا الصنف من الناس يصعب التفاهم معه؛ لأنه يأبى النقاش مطلقا. وبعد ساعتين تقريبا أقلعت الطائرة مواصلة رحلتها إلى طوكيو عاصمة اليابان، والفرق الزمني بين هنولولو والمملكة إحدى عشرة ساعة، فالساعة الواحدة بعد الظهر يوم الأحد في هنولولو والساعة الثانية بعد منتصف الليل في المملكة العربية السعودية من صباح الاثنين. سبقنا الليل في أمريكا وسبقنا في اليابان:

стр. 10030

وفي هذه المرحلة الطويلة لم تدركنا ليلة الاثنين في لوس أنجلوس؛ لأننا سافرنا منها في الساعة التاسعة والدقيقة الخامسة والأربعين صباح الأحد، ولم ندرك الليلة نفسها في اليابان؛ إذ كان شمس الاثنين قد طلعت في اليابان ونحن لا نزال في الطريق بعيدين عنها، وكان وصولنا مطار طوكيو في الساعة الرابعة والدقيقة الثلاثين بتوقيت اليابان من مساء يوم الاثنين. فاتتنا خمس صلوات دون أن نشعر: لذلك فقد فاتت علينا خمس صلوات ونحن لا نشعر بها، وهي مغرب ليلة الاثنين وعشاؤها وفجر يوم الاثنين وظهر يوم الأحد وعصره؛ لأننا صلينا فجر يوم الأحد في مدينة لوس أنجلوس وعندما وصلنا طوكيو صلينا الظهر والعصر جمعا، واتضح أن ذلك كان ظهر وعصر الاثنين. من المضايقة إلى النوم: وفي أثناء الرحلة كنت - كما ذكرت من قبل - أطل باستمرار لأرى عجائب مخلوقات الله، ولكن المضيفة بدأت تغلق النوافذ لأجل عرض فيلم للركاب كعادتهم، وأغلقت أنا نصف النافذة الأعلى وأبقيت نصفها الأسفل لأنظر منه، ولكن المضيفة طلبت إغلاقها كاملة؛ لأن الضوء يؤثر على رؤية الناس الفيلم فطلبت من زميلي أن يقنعها أن راحتي أنا في النظر إلى البحر وسحبه، ولا حاجة لي في النظر إلى الفيلم؛ فحاول أن يدافع عني ولكن المضيفة استنجدت بزميل لها فجاء يرجو غلق النافذة؛ لأن المشاهدين يتضايقون من الضوء فاستسلمت بغلق النافذة، ولجأت إلى النوم العميق لمدة ساعة وثلاثين دقيقة، وذلك بعد تناول طعام الغداء في مطعم ركاب الدرجة الأولى في الطابق الأعلى من الطائرة، وهو يقع في مقدمة الطائرة، أيقظني زميلي بعد مضي المدة المذكورة وقال: إن شئت أن تحظى ببغيتك فإن مقاعد الطابق الأعلى فارغة ويمكننا أن نصعد لنشاهد البحر من هناك، وقد أذن لنا المضيفون بذلك. في الطابق العلوي من الطائرة:

стр. 10031

صعدنا وقعدنا ننظر إلى ذلك الكون العجيب؛ فكنا نرى خضرة البحر المختلطة بزرقة السماء تتناثر بينهما قوافل منقطعة من السحاب؛ فكانت مناظر تأخذ بالألباب إلى خالقها سبحانه، لذلك لم نشعر بطول المدة ولم نمل على الرغم من طولها فعلا، وبقينا في الطابق الأعلى إلى أن أضاءت الإشارة بطلب عودة كل راكب إلى مقعده فعدنا وقد رفع ذلك الفيلم الثقيل على النفس الذي حرمنا من لذة التمتع بآيات الله الكونية، ولكن رب ضارة نافعة؛ فقد استفدت من تلك الوجبة الطبية من النوم. طلب غريب وتلبية أغرب: مرّ بنا مساعد قائد الطائرة فحيانا، واغتنم زميلي الفرصة فأبدى له رغبته في رؤية غرفة القيادة وآلات القيادة، فأجابه بكل هدوء: ستراها، وذهب، والظاهر أنه استراب من هذا الطلب الغريب، ولكنه قد وعد بتلبيته، وعندما بدأت الطائرة تهبط شيئا فشيئا جاء الرجل إلى الزميل وقال له: إذا هبطت الطائرة فانتظر قليلا وهبطت الطائرة وخرج الركاب، وانتظرنا وجاء الرجل واصطحبنا إلى غرفة القيادة وبها القائد وبعض مساعديه، والغرفة ضيقة، فأشار القائد للزميل إلى الآلات التي توجه بها الطائرة يمنة ويسرة وعلوا وسفلا واستواء؛ فشكرهم على ذلك، وأخذنا حقائبنا اليدوية ونزلنا إلى المطار. علقت على ذلك في نفسي، فقلت: هل يجرأ الزميل أو غيره أن يطلب من طيارينا في الشرق هذا الطلب في الجو؟ وإذا طلب ذلك هل تثبت أعصاب القائد وطاقم الطائرة كلهم؟ وإذا ثبتت فهل يسكتون عن هذا الطلب أو سينزل من الطائرة فيجد البوليس في انتظاره للتحقيق معه؟ دارت بذهني هذه المعاني كلها وتمنيت من قلبي أن توجد هذه المعاملة الحسنة لدى موظفينا، ومنهم من هو في قمة الأخلاق الحسنة الذين نتمنى من بعضهم الكلمة الطيبة وقت معاملته التي هي فرض عليه؛ لأنه يستلم أجرا عليها.

стр. 10032

وليعذرني القارئ في هذه التعليقات فليست هي من آثار العاطفة المجردة، بل إنها واقعة بعد تفكير، وقد عزمت وأنا أكتب هذه المذكرات أن أكون منصفا، فأذكر لأهل الغرب ما لهم وما عليهم، وأقارن بين سلوكهم سلبا كان أو إيجابا وبين سلوكنا، ونحن أمة مسلمة، يجب أن نكون قدوة لغيرنا من الناس؛ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . دخلنا في قاعة مطار طوكيو الكبير الجديد الذي هو محاط بحراسة أمنية شديدة؛ لحمايته من هجمات الجيش الأحمر الذي سبق أن قام بحملة عنيفة عليه؛ فحطم برج المراقبة فيه وقطع خطوط المواصلات السلكية، ولا زال يهدده، ولذلك كثر فيه رجال الأمن المسلحون وكان التفتيش دقيقا، على خلاف ما جرى في دول الغرب، ولكن المفتشين عاملونا معاملة لم يعاملوها أحدا غيرنا ممن رأينا؛ فسألونا: أسعوديون؟ فأجاب الزميل: نعم هذا سعودي، وأنا سوداني، فأشروا على حقائبنا ولم يفتشوها. لا تفزع فنحن من ذوي الملايين!: وذهب الزميل يسأل عن المواصلات ويصرف بعض الشيكات السياحية إلى الين الياباني، فقيل له: المسافة بين المطار وطوكيو تزيد عن سبعين ميلا، والأجرة عشرون ألف ين ياباني؛ فرجع إلي فزعا من هذا الرقم الهائل الذي لا قدرة لنا في تحمله، فقلت له: إن الدرهم المغربي قيمته ضئيلة جدا وأرقامه مخيفة، فلعل الين مثله؛ فسل عن القيمة، فرجع ووجد أن الأمر سهل فالدولار الأمريكي على الرغم من هبوطه الشديد يقابله مائة وثمانية وتسعون ينا يابانيا؛ فقلت له: لقد أصبحنا يا أستاذ من ذوي الملايين، والحمد لله.

стр. 10033

وكنا نتوقع أن يستقبلنا بعض أعضاء المركز الإسلامي في طوكيو حيث سبق أن اتصلنا بهم من لوس أنجلوس قبل سفرنا بيوم أو يومين هاتفيا، ولكنهم لم يتمكنوا؛ لأن هذا المطار لا يسمح لأحد أن يأتي إليه إلا إذا كان مسافرا، وللاستقبال محطة أخرى يذهب المسافر إليها تنقله الحافلات المخصصة وهناك يجد من يستقبله، والمحطة المذكورة تقع بين المطار والمدينة، وكان أعضاء المركز قد أوفدوا شخصا لاستقبالنا فيها، ولكن لعدم علمنا بهذه الترتيبات لم نذهب إلى المحطة المذكورة. في الفندق القريب: وكنا مرهقين إرهاقا شديدا لطول السفر، ولم نشعر بالإرهاق إلا بعد نزولنا في المطار؛ ففضلنا أن ننزل في فندق قريب من المطار لننام فيه إلى الصباح، ثم نذهب إلى طوكيو، وهذا ما فعلناه. مرافسة بالأرجل بدل الملاكمة بالأيدي: ذهبنا إلى الفندق المذكور، وهو يقع على تل من التلال الصغيرة، وتحيط به الغابات من كل جهة، واستأجرنا غرفة، وصلينا المغرب والعشاء، ثم أخذنا مضاجعنا لنرتاح بعد ذلك السفر الطويل، ولكن الزميل حرك مفتاح التلفزيون، فإذا شابان يابانيان يترافسان بأرجلهما في حلبة مغالبة عنيفة في جمع حاشد من الناس، وهذه أول مرة نرى فيها الملاكمة أو بالأحرى المرافسة بالأرجل؛ فأخر ذلك علينا النوم قليلا، ولكنا بعد ذلك نمنا نوما عميقا إلى الصباح، وبعد أن صلينا الفجر قرأنا حزبنا المعتاد في سفرنا؛ حيث كنا نتدارس كل يوم لا سفر فيه جزءا من القرآن الكريم. حاولنا بعد ذلك الاتصال بالمركز الإسلامي هاتفيا، ولكن حصل خطأ لم نتمكن بسببه من الاتصال؛ إذ كنا نتصل برقم المكتب وهو رقم منزل أحد أعضاء المكتب، ولا يوجد في المنزل أحد كان هذا يوم الثلاثاء ٢٠/ ٨/ ١٣٩٨هـ. من الفندق إلى طوكيو:

стр. 10034

اضطررنا أن نستأجر سيارة خاصة، وأعطينا السائق عنوان المركز؛ فأخذ يقرأه فلم يعرفه؛ فرجع إلى الفندق يسأل عنه؛ فدله عليه بعض الموظفين، وسار بنا بعد ذلك في طريق تتلوى في بعض الأماكن مثل الثعبان، وفي بعضها تكون مستقيمة، إلا أن الشوارع هناك ضيقة في الغالب، نظرا لكثافة السكان وضيق الأرض بالنسبة لحاجتهم إليها للسكنى والزراعة، وكانت تحيط بنا الأشجار الكثيرة من الجانبين، وكذلك المنازل السكنية الصغيرة التي كنت أقول في نفسي إن مساحة الحجرة في هذه المنازل ربما لا تتسع إلا للياباني الواحد، أو لقصار الناس من غيرهم، وكانت العمارات متصلة في الغالب حتى كأنها جزء من مدينة طوكيو، بعد ذلك كانت تحيط بنا المصانع من الجانبين، وكانت الشوارع مزدحمة بالسيارات لكثرتها، ولكن على الرغم من الزحمة الشديدة لم نسمع صوتا لبوق سيارة من تلك السيارات، حيث كل سائق آخذ مكانه لا يحاول الاعتداء على مكان أحد، ويشعر بأن وقوف من أمامه وقوف عادي لوجود الزحمة فليس في حاجة أن يزعج الناس ببوق سيارته بدون مناسبة أو فائدة، كما نفعل نحن في بلدان ما يسمى بالشرق الأوسط؛ إذ تجد بعض السائقين يسير وحده في الشارع وهو مستمر في الضغط على بوق سيارته، كما تجد الأصوات ترتفع عندما تتغير الإشارة الكهربائية من اللون الأحمر إلى اللون الأخضر، مع أن كل سائق لا يرغب أن يقف فور انفتاح الطريق أمامه؛ فلا يحتاج على من يحثه على السير، ولكنها طبيعة غالبة سيئة ألفها الناس فاستمرأوها. أما في بلاد الغرب - ومثلها اليابان - فإن صوت بوق السيارة يعتبر ضرورة؛ فلا يسمع إلا ظن أن أمرا ما كاد يحدث أو قد حدث. وبعد مسافة اختار سائقنا طريقا سريعا يمر تحت الأرض حيث دفع مبلغا من المال في أحد مراكز المرور، وذهب مسرعا السرعة المحدودة ولا يوجد في هذا الشارع إلا القليل من السيارات وفي اتجاه واحد، ولكن المبلغ الذي دفعه السائق حسبه علينا ضمن الأجرة.

стр. 10035

هذا مشرق وذاك مغرب وأنا في الوسط: وكان السائق يدخن ولكن تدخين الياباني المقتصد، وكان زميلي يحاول أن يسلي السائق ببعض الكلمات الإنجليزية؛ لأننا نحن نتكلم بلغتنا وهو لا يدري ما نقول، ولكن السائق لا يتكلم الإنجليزية، وربما كان عنده كلمات قليلة في حدود اختصاصه، ولذلك يرد على الزميل بلغته اليابانية، أما أنا فكنت لا أدري ماذا يقول هذا ولا هذا، إلا أنني كنت أعرف أن أحدهما يسير مشرقا والآخر يسير مغربا؛ فالزميل قد يأتي بالمبتدأ باللغة الإنجليزية بمعنى، والسائق يأتي بخبر المبتدأ بمعنى في واد آخر باللغة اليابانية، وأنا علي أن أتمتع بتلك الأصوات، وأسكت ولو كانت عندي لغة ثالثة لا يفهمها زميلي ولا السائق لكانت تشكيلة جيدة تحقق بيت الشعر الذي افتتحنا به سفرنا: أقول له زيدا فيسمع خالدا ويكتب عمرا ويقرأه بكرا تهنا ولكنها أسعفتنا: وعندما ظن سائقنا أنه في المنطقة التي فيها المركز أخذ يحاول العثور على المكان، يلتفت للأرقام المكتوبة على الجدران؛ فنزل للتأكد فوجد أنه غيره، وأخذ يمر بالشوارع الفرعية الأشد ضيقا ثم يعود إلى الشارع الرئيسي، وهكذا كاد ييئس، وفي آخر الأمر مرّ بشارع ضيق فالتقى بصاحب دراجة نارية يبدو من أنه من أهل الحارة فسأله فلم يهتد إلى ذلك، وبينما نحن واقفون تحت أحد المنازل والسائق يسأل وصاحبنا الزميل محمد بيلو يحاول مساعدته في السؤال باللغة الإنجليزية؛ إذ سمعت الحوار امرأة من الدور الثاني فعرفت أن هاهنا غرباء في حاجة إلى المساعدة فنزلت تسأل: ما بكم؟ باللغة الإنجليزية ففرح الزميل الذي تساوى رأسي معه قبل ذلك على الرغم من محاولته التفاهم مع السائق وغيره باللغة الإنجليزية دون جدوى؛ فكلمها وأعطاها العنوان، فأشارت للسائق على مكان قريب جدا فيه المركز فأنقذتنا مما نحن فيه. في المركز الإسلامي:

стр. 10036

وكان في المركز الأخ الدكتور عبد الباسط السباعي المصري؛ فخرج وأخذ الحقائب من السيارة وطلب منا الدخول إلى المركز ريثما يتم تأمين الحجز في الفندق، فدخلنا وأخذ الأخ عبد الباسط يعتذر لعدم استقبالنا في المطار، وذكر السبب في ذلك وهو أنه لا يسمح لغير المسافر أن يذهب إلى المطار الجديد، كما ذكر أنه كان غائبا مع بعض الزائرين المسلمين في بعض المناطق خارج مدينة طوكيو، وأنهم بعثوا من يستقبلنا في المحطة التي سبق الكلام عليها، ولكنه لم يحدنا لعدم مجيئنا إليه، ورحب بنا ترحيبا حارا. اتصل بعد ذلك بفندق يسمى (كيوبلازا) في مدخل البلدة، وهو لا يبعد كثيرا عن المركز؛ فحجز لنا غرفة واستأجرنا سيارة وذهب هو معنا إلى أن تم النزول والاستقرار في الفندق، ثم تركنا لنأخذ راحتنا على أن يعود إلينا في المساء لوضع الترتيبات اللازمة لزيارة الجمعيات الإسلامية في طوكيو وخارجها حيث أمكن ذلك. وقبل أن يتركنا نزل معنا إلى أحد مطاعم الفندق الذي هو مختص بالوجبات السمكية؛ لنجمع أنا وزميلي بين طعام الإفطار وطعام الغداء جمع تأخير، لأن الساعة كانت حينئذ الثانية ظهرا، ويشاركنا الأخ عبد الباسط. الشوكة والملعقة: وعندما قدم لنا الطعام أخذت ألتمس الشوكة والملعقة فلم أر شيئا، وإذا الأخ عبد الباسط يخرج من القرطاس خشبتين صغيرتين ملتصقتين من جهة مفترقتين من الجهة الأخرى؛ فيفصلهما هو ويرينا كيف يأكل بهما بدلا عن الملعقة والشوكة، وقال: إن هذه هي التي يأكل بها اليابانيون، وهما عودان مملسان أطول من المرسام (قلم الرصاص) قليلا، أصلهما واحد ولهما فرعان، ولا يفصلهما إلا الآكل عندما يخرجهما من القرطاس دليلا على أنهما جديدان لم يأكل بهما أحد.

стр. 10037

وأخذ الأخ عبد الباسط يأكل بهما بسهولة وهو يمسكهما بصفة خاصة، أما أنا فلم يكن عندي استعداد لأتمرن في ذلك الوقت؛ فطلبت شوكة وملعقة وأكلت كعادتي، وأما زميلي الدكتور فحاول أن يحوز قصب السبق فيصبح يابانيا في تلك اللحظة، ولكنه سرعان ما انهزم ولحق بي فطلب الشوكة والملعقة. لطف المعاملة: وفي هذا المطعم سمعنا تلك الكلمة العاطفية التي يعبر بها اليابانيون لمن يخاطبهم أو يطلب منهم شيئا، ويهزون معها رؤوسهم تعبيرا عن استعدادهم لخدمتك أو سماع كلامك أو غير ذلك، والكلمة هكذا: (هَيْ) بفتح الهاء وسكون الياء، وأنها تعني طيب، أو مرحبا، أو أبشر عندنا، فكنا إذا طلبنا شيئا قال القريب منا: هَيْ، وطلب من زميله القيام به فأجابه: هَيْ، وهكذا فإنك تسمع هذه الكلمة باستمرار: هَي، هَيْ، هَي، في كل مكان. وبعد الغداء ودعنا الأخ عبد الباسط وصعدنا إلى الغرفة لنرتاح. نحن أولى بالدعوة إلى الله: كنا في فنادق الغرب نجد كتاب الإنجيل في كل فندق أما في فنادق اليابان فيوجد كتاب الإنجيل ومعه كتاب بوذا المقدس عندهم. وقد علقت على ذلك فقلت: لم ننزل في فندق في البلدان التي زرناها إلا وجدنا فيه الإنجيل، وفي اليابان والبلاد المجاورة في شرق آسيا أضيف إليه كتاب بوذا، ونحن عندنا لا يوجد المصحف في الفنادق في بلاد المسلمين، وقد يقال: إن وجود المصحف في الفنادق قد يعرضه للمس الكفار له وإهانته، ولكن هذا لا يرد في فنادق مكة والمدينة التي لا يدخلها إلا المسلمون، واعترافا بالفضل فإني وجدت في فترة من الفترات المصاحف في فندق شبرا بمكة؛ لأن به موظفين صالحين، ولا أدري إن كان ذلك مستمرا أم لا؟

стр. 10038

وفي الفنادق الأخرى التي في غير مكة والمدينة يمكن أن يعطى المسلم مصحفا ويترك غير المسلم، بل يمكن أن يوضع فيها ترجمة معاني القرآن الكريم ليقرأها غير المسلم؛ فتكون حجة عليه ودعوة إلى الإسلام، بل يمكن أن توضع بعض الكتب الإسلامية المفيدة. ولكن مع الأسف الشديد نرى الأمم الأخرى التي دينها باطل وهي لا تقيم له وزنا، ولكنها تحول إظهار الاعتزاز به. والأمة الإسلامية التي دينها وحده هو الحق تتهرب من الدعوة إليه وإظهاره بمظهر المنقذ للبشرية، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، فكثير من الذين يتولون شؤون الفنادق بعيدون عن هذه المعاني وإن كان يوجد من فيه خير كثير، ولعله كان غافلا فيوقظه هذا التنبيه. بل إنني أقترح على الخطوط الجوية العربية كلها - وأخص منها (السعودية) - أن يكون في طائراتها بعض الكتب الإسلامية المفيدة، مثل ترجمة معاني القرآن الكريم والمصحف نفسه، ويعطى للمسلم، وغيرها؛ لتكون دعوة لغير المسلم وتذكيرا للمسلم. ولقد سرني وجود تسجيلات في بعض الطائرات السعودية للقرآن الكريم [٤] ، وأرى أنه ينبغي تسجيل ترجمة معاني القرآن وبعض الكتب المترجمة إلى اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الأردية؛ ليستفيد منها غير العرب، ولعل هذه الاقتراحات تجد أذنا صاغية، وأجهزة منفذة؛ لأنها من وسائل الدعوة إلى هذا الدين. وفي المساء جاء الأخ عبد الباسط السباعي في غرفتنا وشرح لنا نشاط الجمعيات الإسلامية في اليابان، وخيرنا في برنامج الزيارة أنقتصر على زيارة الجماعات الموجودة في طوكيو أم نزور بعض الجمعيات في خارجها، وكنا نرغب أن نزور بعض الجمعيات خارج العاصمة مع الجمعيات الموجودة فيها، ولكن بعد تشاور بيني وبين زميلي فضلنا الاقتصار على الجمعيات الموجودة في طوكيو فقط؛ لضيق الوقت. ليس هذا هو المنهج في الدعوة:

стр. 10039

وفي يوم الأربعاء الموافق ٢١/٨/١٣٩٨هبعث لنا الدكتور السباعي أحد العاملين في المركز اصطحبنا إلى المركز حيث تم الاجتماع ببعض أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية التي يرأسها محمد سوادة الياباني، وكان موجودا في الاجتماع، وبعد أن تم التعارف بيننا بدأ رئيس الجمعية يشرح لنا ما تريد أن تقوم به في المستقبل من النشاط الإسلامي، كبناء جامع كبير وإنشاء كلية إسلامية وغير ذلك، ولكن طلبت أن يجيب على بعض الأسئلة والاستفسارات فوافق. فسألته: كم عدد أعضاء جمعيتكم؟ فقال: عشرة آلاف شخص. قلت: في مدة كم تم إسلام هؤلاء؟ قال: في مدة ثلاث سنوات. قلت: متى أسلمت أنت؟ قال: منذ أربع سنوات. قلت: إن دخول الناس أفواجا في دين الإسلام أمر عادي، ولكن هذه الأعداد الضخمة في خلال ثلاث سنوات وأنت لم يمض على إسلامك إلا سنة واحدة من وقت دعوتك لهؤلاء فهل فهمت أنت الإسلام فهما صحيحا وأفهمت هؤلاء كذلك؟ فقال: أما أنا فقد قرأت عن الإسلام قبل أن أدخل فيه، واتصلت ببعض أعضاء جمعية مسلمي اليابان، وقابلت عمر ميتا مترجم معاني القرآن الكريم، كما تعرفت على الأستاذ صالح السامرائي، وأعطاني شريطا مسجلا عن الصلاة وأبديت بعد ذلك رغبتي في الإسلام؛ فشجعني الأخ صالح على الدخول فيه، وأما جماعتي فكنت أدعوهم إلى الإسلام وأطلب منهم أن ينطقوا بالشهادتين فقط، ولا ألزمهم بشيء غيرها. قلت له: وهل لازلت تتابعهم جميعا إلى الآن، ولازالوا جميعا مسلمين؟ قال: لم أستطع أن أتابعهم وكثير منهم ترك الإسلام.

стр. 10040

ثم علقت على الموضوع، فقلت: الواجب في الدعوة إلى الإسلام اتباع منهج الرسول ﷺ ، وهو أن يكون الداعي نفسه عالما بالإسلام مطبقا لما علم، وأن يدعو الناس إلى الشهادتين ويفهمهم معناهما، ثم يشرح لهم مبادئ الإسلام ويطلب منهم الالتزام بها، ووجود قليل من الناس يفهمون الإسلام فهما جيدا ويطبقونه خير من العداد الكبيرة بدون ذلك، كما يجب أن يكون الهدف رضا الله تعالى، لا رئاسة ولا مغنما دنيويا، والمشروعات الإسلامية بعد ذلك سهلة إذا وجد الرجال، فإنهم سيقومون بها هم. فاعترف الرجل أن أسلوبه في إسلام هؤلاء الناس كان خطأ ولذلك لم يبقوا على الإسلام كلهم، كما وعد بأنه سيسلك السبيل الذي أشرت إليه. رافقنا بعد ذلك الأخ علي الزعبي السوري، أحد العاملين في المركز؛ فركبنا في المطار ونزلنا في المحطة الرئيسية لشركة ذلك القطار، وهي على قرب من الفندق الذي نزلنا به، وهذه المحطة تتكون من خمسة طوابق تحت الأرض، وذكر الأخ علي أن ثلاثة ملايين نسمة تنطلق من هذه المحطة يوميا إلى أعمالها، بخلاف المحطات الأخرى، ولا غرابة في ذلك فسكان مدينة طوكيو يبلغ عددهم ثلاثة عشر مليون نسمة. أمم تحت الأرض:

стр. 10041

وهنا رأينا الناس مثل النمل كثرة ونظاما، على الرغم من أنهم يمشون في كل اتجاه، وهم يتعاملون في التعرف على اتجاهاتهم مع اللافتات الإرشادية التي كتبت على الجدران، فترى الفرد أم الجماعة يقفون لحظة لينظروا إلى الكتابة ثم ينطلقون بسرعة إلى الجهة التي يريدون دون أن يسأل أحد أحدا، ودون أن تسمع منهم أصواتا وضجيجا، بل إذا كلم أحد صاحبه كلمه بصوت خافت لا يسمعه إلا صاحبه، ويتعاملون في الإجراءات اللازمة لركوب القطار مع الآلات المركبة في الجدران، فالذي عنده قروش معدنية يقف أمام الماكينة ويدخل المبلغ اللازم في الماكينة ويضغط على الزر؛ فتناوله الماكينة البطاقة ذات القيمة، وإذا كان المبلغ النقدي أكثر من قيمة البطاقة دفعت له الباقي. الآلة تبيعك ما تحتاج إليه: وإذا كانت أوراق نقدية ذهب إلى آلة أخرى ليدخل المبلغ الورقي؛ فتصرف له الآلة ذلك وتدفع له قيمته نقدا معدنيا يدا بيد! وهكذا أصبحت الآلة تتعامل مع الناس بسرعة ودقة متناهية يسرت الأمور، وحالت بينهم وبين التعقيدات الناتجة عن معاملة بعضهم مع بعض، وإن كانت عطلت أيدي البشر عن العمل؛ فكانت بذلك الشكوى العالمية من البطالة. ونزلنا إلى الأسواق الأرضية فوجدنا اليابانيين فيها، كأنهم قطع من يأجوج ومأجوج، وهكذا كلما نزلت إلى طابق من الطوابق الأرضية وجدته أكثر من الطوابق الأعلى منه، وهكذا تمتد الأسواق في مدينة طوكيو في طوابق متعددة في الأرض إلى مسافات لو أراد الإنسان أن يمشي حتى يقطعها لاحتاج إلى الزاد والراحلة، لولا الآلات التي يمكنه أن يناولها نقوده فتناوله طعامه وشرابه في أي مكان، وإنك لتظن في كل طابق أنه يضم كل سكان طوكيو.

стр. 10042

وتجولنا في فروع بعض الشركات الذي يتكون من سبعة طوابق فوق الأرض وعدد من الطوابق الأرضية، وفيه من البضائع ما يحتاجه الإنسان الكبير والصغير، الرجل والمرأة؛ من لباس وأثاث وآلات مختلفة، في كل طابق تجد صنفا من الأصناف، وفي كل صنف أنواع وأشكال. وفي صباح يوم الخميس الموافق ٢٢/٨/١٣٩٨هتجولنا أيضا في بعض الأسواق يرافقنا الأخ علي الزعبي، والأخ عباس نبيل السوري الذي تخرج في الجامعة الإسلامية، وهو مبعوث دار الإفتاء هناك، يقوم بالدعوة والتدريس في بعض الجمعيات الإسلامية والمركز الإسلامي. مع بعض أعضاء المؤتمر الإسلامي: وبعد الساعة السادسة مساء كنا على موعد مع بعض أعضاء المؤتمر الإسلامي التي يرأسها الدكتور شوقي فتاكي، وهو طبيب له عيادات متخصصة والعاملون معه أغلبهم أطباء، وكانوا مجتمعين في قاعة كبيرة يتلقون درسا من أحد خريجي الأزهر في اللغة العربية، وعندما وصلنا طلب منا إلقاء كلمة في الحاضرين، وكانوا رجالا ونساء.

стр. 10043

فألقيت كلمة تضمنت بيان القاعدة الأساسية للإسلام، وهي شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ ، وخلاصة لما تضمنتاه من عبودية مطلقة لله تعالى واتباع كامل لرسوله ﷺ ، وكان من ضمن الحاضرين السكرتير الخاص لرئيس الجمعية، وكان الحاضرون كلهم يظهر عليهم التفاعل مع الكلمة، على الرغم من أنها تترجم مرتين؛ مرة باللغة الإنجليزية وأخرى باليابانية، إلا أن السكرتير المذكور لم يكن كغيره منسجما مع الدرس، ولذلك ناول الأخ عباس نبيل ورقة صغيرة يشعره فيها بقرب انتهاء الوقت، وكان الأخ عباس هو المترجم باللغة الإنجليزية، وعندما شعرت بذلك اختصرت الكلام وختمته بنصيحة وجهتها للنساء اللاتي كن مسلمات عدا واحدة فهي بوذية، وكن غير محتشمات في لباسهن؛ فطلبت منهن أن يقتدين بنساء الرسول ﷺ ونساء أصحابه، ولا يقلدن نساء الغرب اللاتي خرجن عن الفطرة فذقن عذاب الدنيا قبل الآخرة. وهناك شكوك في بعض الجمعيات الإسلامية الحديثة في اليابان بسبب ظهورها بعد أزمة البترول، ومحاولة تلك الجمعيات الحصول على مساعدات مادية، وعدم الاهتمام الحقيقي بتطبيق الأوامر الإسلامية. وقد سبق الحديث عن الجمعية الخيرية التي ذكر رئيسها أن عشرة آلاف شخص دخلوا خلال ثلاث سنوات، وأنهم لا يحصل منهم إلا مجرد النطق بالشهادتين، وكنت أود أن أحصل على وقت ألتقي فيه بالدكتور شوقي لأسأله مباشرة عن بعض الأمور المتعلقة بجمعيته، ولكن لما لم يرتب لقاء معه لم أطلب أنا ذلك، ونسأل الله أن يكونوا مسلمين حقا، ولكن المبالغات كثيرة في أعداد المسلمين وفي النشاط الإسلامي ينبغي التريث في تصديق ما يقال.

стр. 10044

هذا مع العلم أن فطرة اليابانيين وأخلاقهم أقل انحرافا من أهل أوربا وأمريكا فيما يبدو، وذكر لي الأخوة الذين التقيت بهم في المركز الإسلامي أن تعاليم كتاب بوذا الذي يدين به أغلب اليابانيين فيه من الدعوة من المبادئ الخلقية ما يجعل الياباني أقرب من المسيحي والوثني - الذي لا توجد تلك المبادئ في تعاليمه - إلى الإسلام، بل قال الأخ علي الزعبي: إن الياباني لا تنقصه إلا شهادة إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وكنت قلت له حينئذ: هذه مبالغة، ولكن مع ذلك فأنا مقتنع بأن لو وجد الدعاة المخلصون والمدارس الإسلامية لأبناء المسلمين، وإمدادهم بالمدرسين الصالحين والكتاب الإسلامي المترجم بلغة اليابان لكانوا أقرب الناس إلى لدخول في الإسلام. وللمركز جهود طيبة في ترجمة بعض الكتب الإسلامية وطبعها ونشرها، ولكن الإمكانات تحد من نشاط المسؤولين عنه، وقد طلبوا مني أن أبلغ المؤسسات الإسلامية في المملكة العربية عن حاجتهم لطبع بعض الكتب الإسلامية التي ترجمت إلى لغة اليابان ونشرها لتعم الفائدة، كما زودوني ببعض تلك الكتب الصغيرة التي تم تسليمها للجامعة الإسلامية؛ لينظر المسؤولون في إمكان طبعها. وطبيعة اليابانيين الهادئة، ومعاملتهم الحسنة وتواضعهم وإنصاتهم للحديث، وكونهم أقل من الغربيين انحلالا؛ كل ذلك من عوامل قبولهم للإسلام، بالإضافة إلى أصالة تدينهم العاطفي في الجملة. ولعلي أعود لهذا الموضوع مرة أخرى في مناسبة تالية بإذن الله. فروسية الإنسان وغرائب الحيوان: وفي مساء هذا اليوم شاهدنا على شاشة التلفزيون الياباني عجائب من التدريبات، فروسية ركوب الخيل التي كانت حركات الركاب - رجالا ونساء - عجيبة جدا، وحيث كان الراكب يقف على جواده ويتجه إلى الأمام والخلف بسرعة فائقة، وينزل فيلتصق ببطن الجواد، أو يقف في الأرض ثم يقفز على ظهره بسرعة كذلك.

стр. 10045

كما رأينا حيوانا يشبه الدب، وهو يسوق الدراجة مرة، والسيارة مرة أخرى، ويصعد على السلالم ماشيا على رجليه فقط رافعا يديه، وينزل كذلك، ويرفع يده تحية للحاضرين، ويباري سائسه فيقفز كل منهما على ظهر الآخر بسرعة وبحركات عجيبة. في مسجد طوكيو: ودّعنا أعضاء جمعية المؤتمر الإسلامي وذهبنا إلى مسجد طوكيو؛ إذ كنا على موعد مع الأخ عبد الباسط السباعي؛ لنصلي في المسجد صلاة العشاء ثم نعود إلى الفندق، وعندما وصلنا إلى المسجد قال الأخ عبد الباسط للأخ عباس نبيل الذي رافقنا إلى مقر جمعية المؤتمر الإسلامي: أما كنا على موعد مع جمعية مسلمي اليابان في الساعة السادسة مساء؟ قال الأخ عباس: الذي أعلم أن هذا الوقت كنا فيه على موعد مع جمعية المؤتمر الإسلامي، وكنا عندهم فعلا، والظاهر أن سوء فهم حصل في الموعدين بين الأخ السباعي والأخ عباس، ونحن لا نعلم عن ذلك شيئا، فقال الأخ السباعي: إنهم لازالوا في انتظاركم. مع جمعية مسلمي اليابان: صلينا العشاء جماعة في المسجد المذكور وذهبنا إلى مقر جمعية مسلمي اليابان، وجدناهم ينتظروننا في غرفة مستطيلة في منزل أحد الأعضاء فيما يبدو فيها وثائق الجمعية، وبها تتم بها اجتماعاتهم. وبعد التعارف وتقديم بعض الفواكه وشرب الشاي بدأ النقاش فيما يتعلق بجمعيتهم وأهدافها ووسائلها المتاحة؛ فعرفنا بأنها من أقدم الجمعيات الإسلامية في اليابان؛ إذ أسست منذ ست وعشرين سنة، ومن أهم أهدافها: الحفاظ على بقاء الأعضاء أقوياء في إيمانهم، وتعليم أبنائهم مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية. وتمتاز الجمعية بالتريث في الأمور وعدم الطمع في كثرة عدد المسلمين بدون فقه في الدين والتزام مبادئه، فلا يدخل في الإسلام إلا من اقتنع بأنه حق، ورغب رغبة قوية في الدخول فيه.

стр. 10046

كما أن لدى أعضائها كفاءات إسلامية لا توجد عند غيرهم من الجمعيات التي عرفناها؛ فعدد من الأعضاء تخرجوا في جامعات عربية ومعلوماتهم قوية، فمنهم من تخرج من الأزهر، ومنهم من تخرج من جامعة القاهرة، وبعضهم تخرج من جامعة دمشق، وبعضهم درس مدة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ولم يواصل دراسته ولكنه يعتبر نافعا نسبيا. وهم ذوو أعمال في الشركات، ولكنهم يخصصون بعض الأوقات لتدريس أعضاء الجمعية وأبنائهم، ويساعدهم الآن في تدريس اللغة العربية الأخ عباس نبيل، ولرغبتهم في المزيد من المتعلمين في المعاهد الإسلامية فقد تقدموا بطلب منح من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وذكروا أن الجامعة وافقت على منحتين وهم يطلبون المزيد، وكان المرشحون للمنح المذكورة حاضرين في الاجتماع، وكلهم ذوو تخصصات مهمة في العلوم، ومنهم من هو في جامعة علمية، ولكنهم لشدة رغبتهم في دراسة الإسلام يفضلون ترك أعمالهم والسفر إلى المدينة المنورة، مع علمهم أنهم سيقضون مدة ليست بالقصيرة في تعلم اللغة العربية. ولدى الجمعية استعداد لتوسيع نشاطها لو توافرت لها الإمكانات اللازمة، فهم في حاجة إلى بناء مقر لهم يحتوي على بعض المكاتب الإدارية وقاعة اجتماعات، وفصول دراسية ومسجد، كما أنهم في حاجة إلى وسائل نقل للدعاة، ومكتبة للمطالعة، وهذا تقريرهم الذي قدموه للسفير السعودي في اليابان الذي كنا نود زيارته لنؤكد رغبتهم، ونطلب محاولة تحقيقها لما لمسناه فيهم من الصدق والإخلاص، ولكن السفير كان غائبا. ولذلك فإني أناشد الجامعات السعودية وفي طليعتها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، وكذلك المؤسسات المسؤولة عن الدعوة والمساعدات الإسلامية؛ أن تمد يد العون لهذه الجمعية وأمثالها. ومن أهم ما يجب أن تعان به العالم الذي يساعدهم في الدعوة والتدريس [٥] .

стр. 10047

ويجدر بي أن أنقل للقارئ نبذة عن الإسلام والمسلمين في اليابان من كتيب أصدره المركز الإسلامي في طوكيو، وفيها تعريف بالمركز نفسه. الإسلام والمسلمون في اليابان: نبذة تاريخية: ما نعمت اليابان بنور الإسلام إلا بعد ثلاثة عشر قرن من بدء البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، في الوقت الذي وصل فيه الإسلام إلى الصين بعد عشرات السنين من الهجرة؛ ففي أواخر القرن الماضي أسلم أول ياباني وهو المرحوم أحمد أريجا، وكان مسيحيا كما أدى أول ياباني فريضة الحج عام ١٩٠٩م، وهو الحاج عمر ياماوكا. ومنذ أوائل هذا القرن جرت محاولات عديدة لإدخال الإسلام إلى اليابان، (الداعية المصري علي أحمد الجرجاوي وآخرون عام ١٩٠٧م، عبد الرشيد إبراهيم مفتي مسلمي روسيا ١٩٠٩ م، وجماعة التبليغ منذ عام ١٩٥٦م) ، إلا أن المحاولات الحقيقية بدأت منذ عام ١٩٦٠م. ففي عام ١٩٥٢م أسس عدد من المسلمين اليابانيين الذين اهتدوا إلى الإسلام قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية - أثناء وجودهم في الصين وملايو وأندونيسيا - أول جمعية لهم وأسموها: جمعية مسلمي اليابان.

стр. 10048

وفي عام ١٩٦١م تشكلت أول جمعية للطلبة المسلمين، وضمت الطلاب القادمين من مختلف البلدان الإسلامية للدراسة في اليابان، وقد كونت جمعية الطلبة المسلمين وجمعية مسلمي اليابان أول مجلس مشترك للدعوة في اليابان: هو المجلس الإسلامي المشترك الذي ضمّ ممثلين من جمعية مسلمي اليابان وجمعية الطلبة المسلمين، وظل جهاز الدعوة يخطط لنشر الإسلام في اليابان حتى عام ١٩٦٦م؛ فنشر رسائل عديدة عن الإسلام، وأصدر جريدة إسلامية وقام بالدعوة، ونظم دروسا تربوية عملية للشباب المسلم الياباني وغير الياباني، وابتعث العديد من الشباب الياباني للدراسة في البلاد الإسلامية، وفي أوائل ١٩٦٦م طور المجلس نفسه وضم ممثلين عن الجمعيات الإسلامية الأخرى، مثل الجمعية التركية وجمعية الطلبة الأندونيسيين، وأطلق على نفسه المركز الإسلامي الدولي، ونشط هذا المركز لمدة قصيرة اعتراه الضعف بعدها؛ نظرا لعودة أكثر الطلبة النشطين إلى بلادهم بعد انتهاء الدراسة؛ فأصاب العمل الإسلامي في اليابان انحسار شديد. وفي أوائل السبعينات جرت محاولات لإحياء المركز الإسلامي مرة أخرى؛ فتعاون الداعية الباكستاني سيد محمد جميل مع جمعية الطلبة المسلمين وأسس مركزا للدعوة سرعان ما تقلص؛ نظرا للظروف السياسية التي سادت باكستان في ذلك الوقت، ولنقص الدعم المادي. وفي أواخر عام ١٩٧٣م عاد بعض الخريجين ممن كان يعمل في جمعية الطلبة المسلمين مرة ثانية لليابان؛ بناء على الطلب الذي تقدمت به الجمعية لجلالة المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز إبان زيارته لليابان للعمل على تنشيط الدعوة الإسلامية في اليابان؛ فقام هؤلاء بالتعاون مع المهتمين بالدعوة من المسلمين اليابانيين وغير اليابانيين بإنشاء المركز الإسلامي في اليابان كصيغة جديدة للمركز الإسلامي الدولي.

стр. 10049

وفي أوائل عام ١٩٧٥م بدأ النشاط الفعلي للمركز الإسلامي بافتتاح أول مقر صغير له بالقرب من مسجد طوكيو؛ لينطلق من هناك بفضل الله تعالى العمل للدعوة الإسلامية مرة أخرى بقوة متجددة. تعريف بالمركز الإسلامي في اليابان: المركز الإسلامي عبارة عن هيئة مستقلة للدعوة الإسلامية تهدف إلى نشر دعوة الإسلام في اليابان عن طريق نشر الكتاب الإسلامي باللغة اليابانية في مختلف الموضوعات؛ لتعميم كلمة الإسلام المقروءة في كافة أنحاء اليابان، وإرساء قواعد الدعوة عن طريق اللقاء المباشر مع اليابانيين إما بإدارة مناقشات، أو إقامة محاضرات ومؤتمرات، وتعليم اللغة العربية، وتدريب المسلمين الجدد، وجمع كلمة المسلمين. أهداف المركز: يهدف المركز إلى نشر الدعوة الإسلامية في مختلف أنحاء اليابان، وتعريف اليابانيين بالإسلام من مصادره الأصلية، وخاصة أن ما كتب عن الإسلام حتى الآن في اليابان من مصادر غربية مشوهة، ولندرة المعلمين باللغة العربية من اليابانيين، ولذلك وضع المركز نصب عينيه هدفين رئيسيين: هما الدعوة المباشرة باللقاء والكلمة والمناقشة والحكمة والموعظة الحسنة، وبنشر الكتاب الإسلامي المترجم من المصادر الإسلامية الأصلية باللغة اليابانية؛ ليكون في متناول الجميع وتوزيعه بالمجان. تمويل المركز: يتم تمويل المركز عن طريق التبرعات والهبات من الحكومات الإسلامية والهيئات والمؤسسات والأفراد من مختلف البلاد الإسلامية.

стр. 10050

وتجدر الإشارة هنا بأن رابطة العلم الإسلامي تقوم بدعم المركز بخمسين ألف دولار سنويا، كما تلقى المركز تبرعات وهبات دفعة واحدة من حكومة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقد استطاع المركز بعد أن تلقى هذه المساعدات أن يشتري مقرا صغيرا له في مدينة طوكيو حتى يتسنى له تسجيل المركز كإحدى الهيئات الدينية في اليابان، والعمل جار في هذا الصدد منذ عامين، وهو على وشك الانتهاء بإذن الله. مشروعات المركز: ١- إنشاء مقار ثابتة ومساجد صغيرة في مختلف المناطق خارج طوكيو حيث توجد تجمعات إسلامية؛ بحيث تكون أماكن تجمع المسلمين، ومراكز العمل والدعوة، وهناك الآن إحدى عشرة منطقة وضعت في الاعتبار، ولقد بدأ العمل بإنشاء ثلاثة مراكز في مدينة سنداي في شمال اليابان، ومدينة توكشيما في جزيرة شيكوكو، وأخرى في مدينة كيوتو عاصمة اليابان القديمة. ٢- إنشاء معهد للدراسات الإسلامية يشتمل على مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية ومعهد عال للدراسات الإسلامية وإعداد الدعاة. ٣- زيادة عدد الدعاة والمتفرغين للعمل الإسلامي من اليابانيين والأجانب في مختلف أنحاء العالم. ٤- توسيع دائرة توزيع الكتاب الإسلامي في اليابان. ٥- تنفيذ مخطط سنوي لنشر الكتاب الإسلامي بمختلف تخصصاته. ٦- إنشاء مسجد ومركز طوكيو الإسلامي الجديد؛ ليفي بحاجة المسلمين والنشاط الإسلامي المتزايد في اليابان. ٧- إنشاء دار نشر الكتاب الإسلامي بما فيها مطبعتها؛ نظرا للحاجة الملحة لوجود دار نشر متخصصة في هذا المجال.
следующие страницы →