← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

كما أن لدى أعضائها كفاءات إسلامية لا توجد عند غيرهم من الجمعيات التي عرفناها؛ فعدد من الأعضاء تخرجوا في جامعات عربية ومعلوماتهم قوية، فمنهم من تخرج من الأزهر، ومنهم من تخرج من جامعة القاهرة، وبعضهم تخرج من جامعة دمشق، وبعضهم درس مدة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ولم يواصل دراسته ولكنه يعتبر نافعا نسبيا. وهم ذوو أعمال في الشركات، ولكنهم يخصصون بعض الأوقات لتدريس أعضاء الجمعية وأبنائهم، ويساعدهم الآن في تدريس اللغة العربية الأخ عباس نبيل، ولرغبتهم في المزيد من المتعلمين في المعاهد الإسلامية فقد تقدموا بطلب منح من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وذكروا أن الجامعة وافقت على منحتين وهم يطلبون المزيد، وكان المرشحون للمنح المذكورة حاضرين في الاجتماع، وكلهم ذوو تخصصات مهمة في العلوم، ومنهم من هو في جامعة علمية، ولكنهم لشدة رغبتهم في دراسة الإسلام يفضلون ترك أعمالهم والسفر إلى المدينة المنورة، مع علمهم أنهم سيقضون مدة ليست بالقصيرة في تعلم اللغة العربية. ولدى الجمعية استعداد لتوسيع نشاطها لو توافرت لها الإمكانات اللازمة، فهم في حاجة إلى بناء مقر لهم يحتوي على بعض المكاتب الإدارية وقاعة اجتماعات، وفصول دراسية ومسجد، كما أنهم في حاجة إلى وسائل نقل للدعاة، ومكتبة للمطالعة، وهذا تقريرهم الذي قدموه للسفير السعودي في اليابان الذي كنا نود زيارته لنؤكد رغبتهم، ونطلب محاولة تحقيقها لما لمسناه فيهم من الصدق والإخلاص، ولكن السفير كان غائبا. ولذلك فإني أناشد الجامعات السعودية وفي طليعتها الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، وكذلك المؤسسات المسؤولة عن الدعوة والمساعدات الإسلامية؛ أن تمد يد العون لهذه الجمعية وأمثالها. ومن أهم ما يجب أن تعان به العالم الذي يساعدهم في الدعوة والتدريس [٥] .

стр. 10047

ويجدر بي أن أنقل للقارئ نبذة عن الإسلام والمسلمين في اليابان من كتيب أصدره المركز الإسلامي في طوكيو، وفيها تعريف بالمركز نفسه. الإسلام والمسلمون في اليابان: نبذة تاريخية: ما نعمت اليابان بنور الإسلام إلا بعد ثلاثة عشر قرن من بدء البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، في الوقت الذي وصل فيه الإسلام إلى الصين بعد عشرات السنين من الهجرة؛ ففي أواخر القرن الماضي أسلم أول ياباني وهو المرحوم أحمد أريجا، وكان مسيحيا كما أدى أول ياباني فريضة الحج عام ١٩٠٩م، وهو الحاج عمر ياماوكا. ومنذ أوائل هذا القرن جرت محاولات عديدة لإدخال الإسلام إلى اليابان، (الداعية المصري علي أحمد الجرجاوي وآخرون عام ١٩٠٧م، عبد الرشيد إبراهيم مفتي مسلمي روسيا ١٩٠٩ م، وجماعة التبليغ منذ عام ١٩٥٦م) ، إلا أن المحاولات الحقيقية بدأت منذ عام ١٩٦٠م. ففي عام ١٩٥٢م أسس عدد من المسلمين اليابانيين الذين اهتدوا إلى الإسلام قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية - أثناء وجودهم في الصين وملايو وأندونيسيا - أول جمعية لهم وأسموها: جمعية مسلمي اليابان.

стр. 10048

وفي عام ١٩٦١م تشكلت أول جمعية للطلبة المسلمين، وضمت الطلاب القادمين من مختلف البلدان الإسلامية للدراسة في اليابان، وقد كونت جمعية الطلبة المسلمين وجمعية مسلمي اليابان أول مجلس مشترك للدعوة في اليابان: هو المجلس الإسلامي المشترك الذي ضمّ ممثلين من جمعية مسلمي اليابان وجمعية الطلبة المسلمين، وظل جهاز الدعوة يخطط لنشر الإسلام في اليابان حتى عام ١٩٦٦م؛ فنشر رسائل عديدة عن الإسلام، وأصدر جريدة إسلامية وقام بالدعوة، ونظم دروسا تربوية عملية للشباب المسلم الياباني وغير الياباني، وابتعث العديد من الشباب الياباني للدراسة في البلاد الإسلامية، وفي أوائل ١٩٦٦م طور المجلس نفسه وضم ممثلين عن الجمعيات الإسلامية الأخرى، مثل الجمعية التركية وجمعية الطلبة الأندونيسيين، وأطلق على نفسه المركز الإسلامي الدولي، ونشط هذا المركز لمدة قصيرة اعتراه الضعف بعدها؛ نظرا لعودة أكثر الطلبة النشطين إلى بلادهم بعد انتهاء الدراسة؛ فأصاب العمل الإسلامي في اليابان انحسار شديد. وفي أوائل السبعينات جرت محاولات لإحياء المركز الإسلامي مرة أخرى؛ فتعاون الداعية الباكستاني سيد محمد جميل مع جمعية الطلبة المسلمين وأسس مركزا للدعوة سرعان ما تقلص؛ نظرا للظروف السياسية التي سادت باكستان في ذلك الوقت، ولنقص الدعم المادي. وفي أواخر عام ١٩٧٣م عاد بعض الخريجين ممن كان يعمل في جمعية الطلبة المسلمين مرة ثانية لليابان؛ بناء على الطلب الذي تقدمت به الجمعية لجلالة المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز إبان زيارته لليابان للعمل على تنشيط الدعوة الإسلامية في اليابان؛ فقام هؤلاء بالتعاون مع المهتمين بالدعوة من المسلمين اليابانيين وغير اليابانيين بإنشاء المركز الإسلامي في اليابان كصيغة جديدة للمركز الإسلامي الدولي.

стр. 10049

وفي أوائل عام ١٩٧٥م بدأ النشاط الفعلي للمركز الإسلامي بافتتاح أول مقر صغير له بالقرب من مسجد طوكيو؛ لينطلق من هناك بفضل الله تعالى العمل للدعوة الإسلامية مرة أخرى بقوة متجددة. تعريف بالمركز الإسلامي في اليابان: المركز الإسلامي عبارة عن هيئة مستقلة للدعوة الإسلامية تهدف إلى نشر دعوة الإسلام في اليابان عن طريق نشر الكتاب الإسلامي باللغة اليابانية في مختلف الموضوعات؛ لتعميم كلمة الإسلام المقروءة في كافة أنحاء اليابان، وإرساء قواعد الدعوة عن طريق اللقاء المباشر مع اليابانيين إما بإدارة مناقشات، أو إقامة محاضرات ومؤتمرات، وتعليم اللغة العربية، وتدريب المسلمين الجدد، وجمع كلمة المسلمين. أهداف المركز: يهدف المركز إلى نشر الدعوة الإسلامية في مختلف أنحاء اليابان، وتعريف اليابانيين بالإسلام من مصادره الأصلية، وخاصة أن ما كتب عن الإسلام حتى الآن في اليابان من مصادر غربية مشوهة، ولندرة المعلمين باللغة العربية من اليابانيين، ولذلك وضع المركز نصب عينيه هدفين رئيسيين: هما الدعوة المباشرة باللقاء والكلمة والمناقشة والحكمة والموعظة الحسنة، وبنشر الكتاب الإسلامي المترجم من المصادر الإسلامية الأصلية باللغة اليابانية؛ ليكون في متناول الجميع وتوزيعه بالمجان. تمويل المركز: يتم تمويل المركز عن طريق التبرعات والهبات من الحكومات الإسلامية والهيئات والمؤسسات والأفراد من مختلف البلاد الإسلامية.

стр. 10050

وتجدر الإشارة هنا بأن رابطة العلم الإسلامي تقوم بدعم المركز بخمسين ألف دولار سنويا، كما تلقى المركز تبرعات وهبات دفعة واحدة من حكومة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقد استطاع المركز بعد أن تلقى هذه المساعدات أن يشتري مقرا صغيرا له في مدينة طوكيو حتى يتسنى له تسجيل المركز كإحدى الهيئات الدينية في اليابان، والعمل جار في هذا الصدد منذ عامين، وهو على وشك الانتهاء بإذن الله. مشروعات المركز: ١- إنشاء مقار ثابتة ومساجد صغيرة في مختلف المناطق خارج طوكيو حيث توجد تجمعات إسلامية؛ بحيث تكون أماكن تجمع المسلمين، ومراكز العمل والدعوة، وهناك الآن إحدى عشرة منطقة وضعت في الاعتبار، ولقد بدأ العمل بإنشاء ثلاثة مراكز في مدينة سنداي في شمال اليابان، ومدينة توكشيما في جزيرة شيكوكو، وأخرى في مدينة كيوتو عاصمة اليابان القديمة. ٢- إنشاء معهد للدراسات الإسلامية يشتمل على مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية ومعهد عال للدراسات الإسلامية وإعداد الدعاة. ٣- زيادة عدد الدعاة والمتفرغين للعمل الإسلامي من اليابانيين والأجانب في مختلف أنحاء العالم. ٤- توسيع دائرة توزيع الكتاب الإسلامي في اليابان. ٥- تنفيذ مخطط سنوي لنشر الكتاب الإسلامي بمختلف تخصصاته. ٦- إنشاء مسجد ومركز طوكيو الإسلامي الجديد؛ ليفي بحاجة المسلمين والنشاط الإسلامي المتزايد في اليابان. ٧- إنشاء دار نشر الكتاب الإسلامي بما فيها مطبعتها؛ نظرا للحاجة الملحة لوجود دار نشر متخصصة في هذا المجال.

стр. 10051

هذا المركز، وأشباهه من المراكز الإسلامية النشطة المهتمة بالدعوة إلى الله بسبل ناجحة واضحة، كنشر الكتاب المترجم بلغة القوم المدعوين والمدرسة، والمسجد، والدعاة المتفرغين، يجب أن يدعم من قبل المؤسسات الإسلامية من جامعات وإدارات دعوة، وكذلك الحكومات الإسلامية، وهذا العمل من أفضل الأعمال التي يريد المسلم أن يقدمها لربه، وعلى من لم يغز أن يجهز الغزاة؛ ليدلل على إسلامه وقصده رفع كلمة الله تعالى وراية الإسلام. والإخوة العاملون في هذا المركز جادون في عملهم حسب استطاعتهم، والأخ عبد الباسط السباعي يجيد اللغة اليابانيين كاليابانيين؛ لأنه مكث في اليابان مدة طويلة، وحصل على المؤهلات العلمية من هناك وثقافته الإسلامية جيدة، وكذلك زملاؤه الآخرون، كالأخ علي الزعبي، وينبغي أن يستفاد منهم بترجمة الكتب النافعة المفيدة لتطبع وتنشر في اليابان، وإنما نقلت ما سبق وعلقت عليه هذه التعليقات اليسيرة لإقامة الحجة على من يريد أن يسهم في الدعوة إلى الله في اليابان. معقل مفتوح: وهناك مجال آخر لنشر الإسلام والدعوة إلى الله، وفرصة يعتبر تفويتها من الخسائر التي يتحمل المسلمون إثمها؛ فقد تمت الموافقة على إنشاء كرسي للدراسات الإسلامية في جامعة تشو أو معهد القانون المقارن، والمسؤولون في المعهد المذكور يطلبون مندوبين من الأساتذة المسلمين المتخصصين؛ ليقوموا في السنة الأولى بتدريس أساتذة الجامعة، وفي السنة الثانية يدرس الأساتذة المسلمون والأساتذة اليابانيون الذين تلقوا الدراسة في السنة الأولى الطلبة، وفي السنة الثالثة يفتح قسم لتدريس الشريعة الإسلامية في الجامعة. وإني لعلى ثقة - والله أعلم بالغيب - أنه إذا وجد الأساتذة المختصون الدعاة إلى الله الذين سلوكهم يدعو الناس قبل كلامهم أنّ كثيرا من أساتذة هذه الكلية سيصبحون مسلمين، وسيكون من الطلبة كذلك مسلمون.

стр. 10052

وهل ترى معقلا يجب الاهتمام به كهذا المعقل؟ وأرى من الواجب أن تسبق المؤسسات المستقيمة إلى هذا المجال قبل أن يندب من مؤسسات أخرى من يسيء إلى الإسلام والمسلمين، وينفر اليابانيين من الإسلام إما بسلوكه وإما بفكره، اللهم فاشهد!. ولا يفوتني أن أنبه هنا - مرة أخرى - على أن رواتب المنتدبين للدعوة من المملكة إلى الدول الغربية واليابان لا تكفيهم لغلاء المعيشة هناك، وخاصة في اليابان، فقد شكا الأخ عباس نبيل كما شكا زملاؤه في أمريكا، ولعل هذا التنبيه يجد من ينتبه ويعيد النظر في الموضوع؛ فإنه جدير بذلك. عمل بدون جعجعة: هذا ويمتاز اليابانيون بحسن المعاملة واللطف وإتقان العمل الجاد الصامت الهادئ، وقد أخبرني الأخ علي الزعبي أن كثيرا من العاملين في الشركات يؤدون للشركات أوقات أطول من الوقت المطلوب منهم، فقد يبقى العامل اثني عشرة ساعة في عمله، والمطلوب منه ثماني ساعات فقط وبدون مقابل، من أجل إتقان عمله أو محاولة تطوير آلة واكتشاف جديد. ولقد دهشت عندما سمعت هذا الكلام، وتذكرت حالنا نحن المسلمين الذين يعتبر العمل عندنا عبادة إذا قصد به وجه الله ولو كان مباحا. إنك لتجد الموظف منا يفوت في أول النهار زمنا قد يطول وقد يقصر، كما يفوت فرصا في العمل وهو قاعد على مكتبه أو في مصنعه - لا سيما إذا لم يكن عليه رقيب من البشر؛ لعدم خوفه من رقابة الله - يشرب الشاي أو البارد، ويمزح مع زملائه أو غيرهم، كما يفوت وقتا كذلك في آخر الدوام باختلاق الأعذار أو الاندساس والاختفاء عن عين المسؤول البشري. وإذا ما أحكمت الرقابة رأيت الكثير منا يتذمر من هذا التشديد، ويشكو ويحاول أن يترك مؤسسة العمل المتشددة إلى مؤسسة أخرى متراخية دون حياء من الله ولا أداء لواجب الأجر المادي؛ فهل تستحق أمة يعمل كثير من أفرادها هذا العمل أن تتقدم في دنياها أو تفوز في أخراها؟

стр. 10053

ولعل هذه الصفة التي ذكرها الأخ علي خاصة باليابانيين، أما في الغرب فالذي سمعته هو الحرص الشديد من الجانبين العامل وصاحب العمل ألا يحصل أحدهما على شيء من الآخر دون مقابل. ومن الأمور التي تلفت النظر أن ابتذال المرأة في اليابان أقل منه في الغرب؛ فلباس المرأة اليابانية أحسن من لباس المرأة الغربية، كما أن قلة الحياء في الغرب أكثر من ذلك في اليابان، وإن كان الشر موجودا فيهما جميعا. ومن العادات الطيبة التي ذكر أنها موجودة هو أن المرأة اليابانية تخرج للعمل تقليدا للمرأة الغربية، ولكنها إذا تزوجت لزمت بيتها وقامت بواجب زوجها وأسرتها، وليتها تبقى على هذه العادة ولا تستمر في سلوك سبيل المرأة الغربية المعذبة. وتمتاز شوارع طوكيو بكثرتها في اتجاه واحد؛ إذ تجد الشارع العادي على الأرض وتجد تحته شوارع في باطن الأرض، وهكذا تجد فوقه عدة شوارع من الجسور التي تكاد تقترب من سطوح بعض العمارات لكثرتها. كما أن شوارعهم تمتاز بالجمال في تخطيطها الهندسي والمروري، وسبب كثرة الشوارع في داخل الأرض وفي أعلاها ضيق الأرض وكثرة السكان والسيارات، وشوارع اليابان فوق ذلك تظهر أكثر نظافة من شوارع بعض المدن الأمريكية. والحقيقة أن التناسق والجمال يبدوان على أعمال اليابانيين، ولو كان في الوقت سعة للبقاء هناك لرأينا كثيرا مما يمكن أن يذكر على سبيل المثال، ولكن هذا الانطباع هو الذي خرجت به. وبعد أن انتهينا من الاجتماع الذي تم مع جمعية مسلمي اليابان عدنا إلى الفندق، وكان الوقت متأخرا ونحن على أهبة السفر صباحا، وكان معنا الأخ عباس نبيل الذي وعدنا بأن يحضر بعد صلاة الفجر؛ ليصحبنا إلى المحطة التي يسمح للمودعين بالوصول إليها، ولكن الرجل نام فلم نره إلى الآن. إلى مطار طوكيو:

стр. 10054

استأجرنا سيارة لإيصالنا إلى المحطة المذكورة، وكان خروجنا من الفندق الساعة الخامسة صباحا يوم الجمعة الموافق ٢٣/٨/١٣٩٨هـ، وكنا في سيرنا نرى الشمس أمامنا تارة ووراءنا تارة أخرى، وعن اليمين مرة وعن اليسار مرة أخرى لكثرة التواء الشوارع. وفي طريقنا حصل خطأ من بعض السائقين كاد سائق السيارة التي أمامنا أن يصطدم بسيارة المخطئ الذي كان أمامه، وكاد سائقنا أيضا أن يصطدم بالسيارة التي أمامه، ولشدة الضغط على المكابح (الفرملة) حصلت أصوات مزعجة من السيارة التي أمامنا ومن سيارتنا، ولكن أيا من السائقين لم يغط البوق، بل كأنه لم يحصل شيء، ولم يزد سائقنا أن التفت لنا وقال: عفوا عن الإزعاج الذي حصل. ولو حصل مثل هذا عندنا لنزل السائقون الثلاثة بعد أن أزعجوا الناس بالأبواق وعطلوا سير الناس بترك سياراتهم في الطريق وقضاء مدة طويلة في الخصام، وربما في الخناق حتى يأتي جنود المرور لفك الارتباط بالوسيلة المناسبة. وحصل أمر آخر يدل على ثبات جأش اليابانيين وعدم تأثرهم السريع، فقد كان سائقنا يقود سيارته، وكابحها اليدوي مربوط وهو لا يشعر، وعندما وصلنا إلى المحطة كان الدخان مرتفعا تكاد السيارة تحترق، وكنا نظن ذلك بسبب ربط كابح الرجل عندما حصل الخطأ في الطريق، ولم يزد السائق على أن قال لنا عندما رآنا نشفق على سيارته: لا تهتموا فالأمر سهل، وأخبرنا بسببه، ولو كان هذا السائق في بلادنا الشرقية لأخذ يصيح ويسب، وربما طلب زيادة في الأجرة لأننا السبب فيما حصل. وبهذه المناسبة قص لي الزميل ما جرى بينه وبين سائق مصري أوصله إلى بيته في مصر يدل على مضمون هذا التعليق. دخلنا إلى قاعة المحطة فلم نجد أحدا من الموظفين لأن وقتهم لم يحن بعد؛ فانتظرنا، وقبل أن يحين الوقت بخمس دقائق أخذ كل موظف مكانه.

стр. 10055

وكان أهم ما في الأمر هو التفتيش الدقيق على الأثاث كله، سواء ما يؤخذ باليد أو ما ينقل إلى الطائرة؛ لشدة خوف الأجهزة المسؤولة من أعمال التخريب التي أحدثها اليابانيون الساخطون على جعل المطار في تلك المنطقة، والذين يغذي فيهم روح التخريب الجيش الأحمر. وبين فترة وأخرى تأتي الحافلات التي تنقل المسافرين مع أثاثهم بعد تفتيشه ونقله إليها؛ تنقلهم إلى المطار، انتظرنا إلى أن جاءت الحافلة التي عينت لنقلنا فذهبنا إلى المطار. وبعد إنهاء الإجراءات اللازمة انتظرنا في القاعة إلى أن حان موعد إقلاع الطائرة، وهي يابانية، فدخلنا وكان إقلاعها في الساعة العاشرة صباحا إلى هنغ كنغ، وكان السحاب كعادته معي يغطي المحيط الهادي في طرفه الغربي، ولكنه كان يعطينا بين وقت وآخر فرصة لنتمتع فيها بغيره. -------------------------------------------------------------------------------- [١] أي أن هذه البلاد التي أتيتها تندب حظها التعس؛ لفقدها رفع راية الإسلام على أرجائها، بخلاف مدينة رسول الله ﷺ فهو تعجب من المجيء في هذه البلاد. [٢] هذا في إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ . [٣] وتعرف الآن بـ (هاوي) . [٤] ولكنه عمل صالح خلط بعمل سيئ، وهو الأغاني المسجلة والموسيقى التي تجد إقبالا من الركاب أكثر من إقبالهم على القرآن الكريم. [٥] انظر الملحق الثالث.

стр. 10056

البديع عند الحريري فضيلة الدكتور بيلو أحمد أبو بكر قسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وبعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه وزوجاته أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الحريري: هو أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحريري البصري، ولد [١] ونشأ ببلد قريب من البصرة، وتتلمذ على كثير من علماء البصرة، وعرف بالذكاء والفطنة والفصاحة وحسن العبارة، ورزق الشهرة وذيوع السيرة في التأليف، وله مؤلفات كثيرة منها كتاب المقامات الذي سنتناول الحديث عن البديع من خلاله إن شاء الله. ويحكى أنه كان دميما قبيح المنظر، فجاء شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا، فلما رآه استزرى شكله؛ ففهم ذلك الحريري ذلك منه، فأسره في نفسه، فلما التمس الرجل أن يملي عليه قال له الحريري: ما أنت أول سار غره قمر ورائد أعجبته خضرة الدمن فاختر لنفسك غيري إنني رجل مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني فخجل الرجل منه وانصرف. والحريري نسبة إلى صنعه وبيعه الحرير. وجولتنا في (البديع) عند الحريري تدور حول مقاماته المشهورة، ومن هنا نجد أمامنا سؤالا هو: ما المقامة في اللغة العربية؟، ثم ماذا يعنيه الحريري بالمقامة؟ إذا استشرنا كتب اللغة العربية فستقول لنا: المقامات هي المجالس، وواحدتها مقامة، والحديث يجتمع له ويجلس لاستماعه يسمى مقامة ومجلسا؛ لأن المستمعين للمتحدث ما بين قائم وجالس، ولأن المتحدث يقوم ببعضه تارة ويجلس تارة أخرى، كما أن المقامة هي المجلس يقوم فيه الخطيب يحض على فعل الخير.

стр. 10057

وهذه المقامات الحريرية عبارة عن قصص خيالية من بنات أفكاره ابتدعها وملأها بالحكايات التي نوعها وفرعها ووشاها بالملح، وزينها بدرر الفقر الجميلة، وأتى فيها بالمعنى الدقيق للفظ الرقيق، حتى أصبحت هامة على تاج الفن الأدبي في اللغة العربية في عصره، وظهرت روضة غناء تحوم في سماءها نفوس عشاق ذلك الأدب، إلا أن أيدي المطامع لا تصل إلى حماها، وكانت في البراعة في قمة الشهرة في ذلك العصر، وسارت مسير النيرين في الآفاق الأدبية، مما جعل علماء عصره يهتمون بروايتها عن الشيوخ الثقاة، ويقيدون فرائد ألفاظها عن تحقيق وتدقيق، ودارت كتابات حولها لبيان غوامضها وشرح أغراضها، أو للتحدث عنها بالإنصاف بين انفصالها واعتراضها، من ذلك تلك الرسالة التي كتبها الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد الخشاب في الاعتراض على الحريري، ثم قام ابن بري بالانتصار له. كما اهتم العلماء إلى جانب ذلك بشرح الأمثال الواردة فيها ونسبتها إلى القائلين وغير ذلك؛ لأنها اشتملت على كثير من بلاغات العرب ولغاتها وأمثالها وأسرار كلامها، ومن عرفها معرفة تامة، وقف على فضل الرجل في اللغة العربية وسعة اطلاعه، وغزارة مادته. هذا ولم يكن الحريري أول من طرق هذا الباب؛ فقد سبقه إليه بديع الزمان الهمداني [٢] ، الذي ألف أربعمائة مقامة، وكانت لطيفة الأغراض والمقاصد، إلا أن بين هذه المقامات ما لا تبلغ عشرة أسطر [٣] .

стр. 10058

فجاءت مقامات الحريري أحفل وأغزر، فلتقدمه فضله الحريري على نفسه [٤] ، وأشاد في عمله في أدب جم وتواضع بالغ، مع علمه بفضل مقاماته على مقامات البديع، لكنه تقدير اللاحق للسابق، ومما يدل على فضل مقامات الحريري أنها مذ ظهرت لم تستعمل مقامات البديع، لهذا إذا دققت النظر تجد أن الحريري لم يتجاهل فضل الله عليه، فقد حصر فضل مقامات البديع على التقدم في الزمن حتى لا يبعد عن الحقيقة، وهذا مذهب مستحسن حيث لم ير لنفسه فضلا على غيره، بل جعل عمله مثل جري الفرس الأعرج الذي لا يستطيع إذا اجتهد أن يلحق مشي الصحيح. والجانب الذي سندرسه للحريري هو الجانب البديعي بالمعنى الاصطلاحي المتأخر تقريبا، لا بالمعنى الواسع المتعارف لدى المتقدمين الأوائل، لهذا يبدو أنه من المناسب أن نتناول معنى كلمة البديع وإن كان معناها معلوما عند أكثر قراء العربية. البديع: إذا رجعنا إلى الجانب اللغوي لهذه الكلمة فإننا سنجد أنها تدور حول الجديد والمخترع الحديث، فبدع الشيء يبدعه بدعا: أنشأه وبدأه، وبدع الرَّكية: استنبطها وأحدثها، والبديع: المحدث العجيب، وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال سابق، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي خالقهما ومبدعهما، فهو الخالق المبدع لا على مثال سابق. أما معناه في مصطلح علماء البديع أو البلاغة، فقد عرفه الخطيب القزويني بقوله: "هو علم يعرف به تحسين وجوه الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال ووضوح الدلالة". ومن هنا نتبين أن المناسبة ظاهرة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ لأن من شأن الجديد والمخترع الحديث أن يكون فيه حسن وطرافة وروعة وإمتاع، وهذا مما سوغ التسمية وقرب الصلة بين المعنيين، إلا أنه قد تفرع من القول بأن هذه الألوان محسنات، تفرع من ذلك القول أنها ليست من مقومات البلاغة ولا الفصاحة، فالحسن الذي تحدثه في الكلام عرضي لا ذاتي.

стр. 10059

هذا هو قول المتأخرين الذين فصلوا البديع عن علمي البلاغة: المعاني والبيان، إلا أن من رجال العصر الحاضر من له رأي غير هذا حول هذه الأصباغ البديعية، إذا جاءت فطرية كما وجدت في الأدب العربي القديم، واتفقت اتفاقا واطردت كما هي في كلامهم حيث تأتي عفو الخاطر وفيض الفطرة السليقة، من غير تكلف وإعمال فكر، فإن كانت بهذه الصورة فهو لا يرى أنها عرضية تابعة للبلاغة، أو أنها لا تأثير لها في فن القول: لأن الذين أخرجوا البديع من البلاغة اعتمدوا على التقسيمات البحتة، ونظروا إلى ما جاء منها مخالفا للفطرة والسليقة، بل جاء بعد تفكر وتدبر وإعمال فكر وروية، فهو يرجع بفن القول إلى أصله وميدانه، وينظر إليه من زاوية التذوق والتأثير النفسي في المخاطب وبناء المعنى وعمقه، فهي من هذا الجانب من مقومات البلاغة. فمن أراد الوقوف على هذا يمكنه أن يرجع إلى كتاب الصبغ الأدبي في اللغة العربية للدكتور أحمد إبراهيم موسى؛ حيث قدم فيه دراسة متكاملة للبديع، وخاصة في القسم الأخير من هذا الكتاب. هذا وتناولنا لهذه الألوان البديعية لا يعني أننا سنأخذ بتلك الصورة التقليدية المنهجية أو المدرسية، فنعود بها إلى الترتيب المنطقي، بل سنتناول حسب ما نجدها واردة في الكتاب الذي نتناوله بالدراسة بعيدا عن تعقيد الأمور أو التكلف: المقابلة: إذا أخذنا في تصفح الكتاب (المقامات) نجد الحريري يورد هذا اللون البديعي في مقدمة خطبة المقامات مثل قوله: "ونعوذ بك من شرة اللَّسَن، وفضول الهذَر، كما نعوذ بك من معرة اللَّكَن وفضوح الحصر" [٥] ، فقد استعاذ منهما لأن الاقتدار على الكلام قد يؤدي إلى المطاولة في الجدل، وتصوير الحق بصورة الباطل، أو العكس، وفي ذلك إثم على فاعله؛ لهذا استعاذ منهما.

стр. 10060

ثم قابل الاستعاذة الأولى بضدها، وهي معرة اللكن وفضوح الحصر؛ لأن صاحبها لا يحسن التعبير؛ فيشين بذلك نفسه ويقصر عن المراد من أداء البيان، وأورد الحصر إذ إن من تعتريه سيتوالى عليه الوهن والخجل فيفتضح ويشتهر عيبه بين الناس. فالمقابلة ظاهرة بين شرة اللسن وفضول الهدر، وبين معرة اللكن وفضوح الحصر. ويحسن هنا أن نلاحظ صنيعه في كون الكلمتين الأوليين انتهت كل واحدة منهما بالتاء، في الوقت الذي انتهت التاليتين بالنون والأخيرتان بالراء، كما دمج مع المقابلة الجناس الناقص بين اللسن واللكن وبين الفضول والفضوح. وبنفس هذه البراعة البديعية نجد الحريري يستمر ليقدم لنا في وقت واحد وخلال نسج مسجوع متوازن لونين أو أكثر، انظر إلى قوله في نفس المقدمة: "ونستكفي بك الافتتان بإطراء المادح وإغضاء المسامح، كما نستكفي بك الانتصاب لإزراء القادح وهتك الفاضح، ونستغفرك من سَوق الشهوات إلى سُوق الشبهات"، ففي هذه الجمل أتى بالمحسنات في أرقى العبارات: منها السجع حيث نلاحظ انتهاء الكلمات التي قبل الفاصلة بالهمزة وهي: إطراء وإغضاء، وإزراء، ثم أتى بالفواصل الأخيرة بالحاء في توازن بديع رائع. وفي نفس الوقت قدم المقابلة بين إطراء المادح وإغضاء المسامح، وإزراء القادح وهتك الفاضح. وأدرج خلال ذلك لونا ثالثا، وهو الطباق مما لا يحتاج إلى تنبيه أو إشارة. بل أردف ذلك بلون رابع، وهو الاقتباس؛ لأن في قوله: الافتتان بإطراء المادح إشارة إلى الحديث الشريف عن النبي ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله..".

стр. 10061

وفي الجملة الأخيرة ألبس كلامه ثوب الكناية، وذلك في قوله: "من سوق الشهوات إلى سوق الشبهات"؛ لأنه جعل ما ساقه من هذه المقامات كأنه شهوة اشتهى عملها ثم اشتبه عليه الأمر هل في ذلك رضى الله أم فيه سخطه؛ فكأنه ساق شهوة إلى سوق يجهل التبايع فيها، فلا يدري ما سيكون، فلعله خاسر الصفقة فيها، وهذا لا يخفى عليك ذلك التشبيه الضمني الذي يفهم من تمثيل سوق المقامات إلى سوق الشبهات. فهكذا تمر هذه الألوان في مقدمة هذا الكتاب؛ فتجد اقتباسا آخر عند قوله: "حتى نأمن حصائد الألسنة ونكفى غوائل الزخرفة.. وأنلنا هذه البغية ولا تضحنا عن ظلك السابغ، ولا تجعلنا مضغة للماضغ.."، فهو يشير بقوله: "حصائد الألسنة"إلى حديث معاذ بن جبل ﵁.. قال: قلت: يا رسول الله: إنا لنؤاخذ بما نتكلم؟ فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ، هل يكب الناس في النار على رؤوسهم إلا حصائد ألسنتهم؟ ". كما أشار بقوله: "ولا تجعلنا مضغة للماضغ"إلى قوله ﷺ : " لما عرج بي مررت بأقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" [٦] . ومنها وصفه لسفينة: "فاتفق أن ندبوا في بعض الأوقات لاستقراء مزارع الرزداقات؛ فاختاروا من الجواري المنشآت جارية حالكة الشيات تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب" [٧] ، يشير هنا إلى الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب﴾ [٨] . هذا وقد يأتي بالاقتباس خفيا وبصورة لطيفة، مثل قوله في غلامه في المقامة السادسة والأربعين: "بورك فيك يا طلا، كما بورك في لا ولا"؛ كناية عن شجرة الزيتون المذكورة في قوله تعالى: ﴿..وقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [٩] .

стр. 10062

ومن هذه الإشارات الخفية ما تلمحه في قوله: "آنست من قلبي القساوة حين حللت ساوة، فأخذت بالخبر المأثور في مداواتها بزيارة القبور، فلما صرت إلى محلة الأموات وكفات الرفات، رأيت جمعا على قبر يحفر ومجنوز يقبر"، يشير بقوله: "وكفات الرفات"إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ [١٠] . أما ذكره لقساوة القلب وزيارة القبور فهو إشارة إلى الحديث الشريف: "عودوا المرضى واحضروا المقابر؛ فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة"، وإلى حديث أنس ﵁: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي؛ فزوروها؛ فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة" [١١] . وكما نجده يشير إلى الآية أو يأتي منها بجزء منها نجده أحيانا يأتي خلال حديثه بآيات كاملة مثل قوله في خطبة ألقاها في نفس المقامة الحادية عشرة، قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [١٢] ، فاذكروا أيها الغافلون، وشمروا أيها المقصرون ... وقال في آخر هذه الخطبة: "كلا ساء ما تتوهمون، ﴿ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .." [١٣] . ومثل قوله: "كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه، فألحق بالأخسرين أعمالا، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .." [١٤] ، حيث أورد آية كاملة وجزءا من الآية التي قبلها. أما قوله: "كالباحث عن حتفه بظلفه"، فهو إشارة إلى المثل العربي المعروف: وذلك أن ماعز كانت لقوم فأرادوا ذبحها فلم يجدوا شفرة فنبشت بظلفها في الأرض؛ فاستخرجت منها شفرة فذبحوها بها. وكذلك قوله: "والجادع مارن أنفه بكفه"إشارة إلى قصير ابن سعيد بن عمرو مولى جذيمة الأبرش، والمثل: "لو يطاع لقصير رأي"، معروف كما أن قصته مشهورة [١٥] .

стр. 10063

هذا لو تتبعنا هذا اللون في كلام الحريري لطال بنا الحديث، فقد جمع الكثير من ذلك في هذا الكتاب؛ لهذا نكتفي بما أشرنا إليه لننتقل إلى لون آخر. التورية: يبدو أنه من الأفضل أن ننتقل بسرعة إلى لون آخر من هذه الألوان البديعية التي لها لمعان واسع، أو التي كان لونها متميزا بصفة معينة. فعلى سبيل المثال التورية التي عرفها البلاغيون بأنها: إطلاق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد البعيد منهما عند الإطلاق، مع مصاحبة ذلك بقرينة خفية تدل على المعنى؛ فإننا نجد الحريري يتناول هذا اللون بصورة طريفة جديدة على خلاف ما تعارف عليه البلاغيون؛ إذ جاء بها بصورة أسئلة دينية، إلا أنه استطاع أن يلتزم إخفاء المعنى البعيد ستارة سميكة لدرجة أنه يصعب أحيانا الوصول إليها إلا لطبقة خاصة من أهل العبارة مما دعاه إلى شرح المقصود منها. فإلى المقامة الثانية والثلاثين الطيبية أو الحربية، حيث ذكر مائة مسالة فقهية بصورة معينة، نختار بعضها للتمثيل: "وينبغي أن يلاحظ أن الحريري شافعي المذهب.."؛ فما أورده من الأسئلة والأجوبة جار على مذهبه، والدليل على ذلك قوله فيما بعد: "اشكر لمن نقلك عن مذهب إبليس إلى مذهب ابن إدريس". هذه المسائل الواردة جارية على السؤال والجواب بين أبي زيد السروجي وفتى آخر: ١- سأل الفتى: أيجوز الوضوء مما يقذفه الثعبان؟ فأجاب: نعم! وهل أنظف منه للعربان؟ فالمعنى القريب للثعبان هو الحية، والبعيد الذي أراده الحريري هو الثعبان من الثعب وهو مسيل الوادي، (والعربان واحده العرب بضم العين ويجمع على العربان كالسود والسودان) . ٢- قال: أيستباح ماء الضرير؟ قال: نعم! ويجتنب ماء البصير. فالتورية هنا في الضرير والبصير، فالمعنى القريب المتبادر إلى الذهن هو الأعمى، والبعيد هو: حرف الوادي، والمعنى القريب للبصير هو ضد الأعمى، والبعيد المقصود هو: الكلب.

стр. 10064

٣- قال: فهل يجب على الجنب غسل فروته؟ قال: أجل! وغسل إبرته. وهنا أيضا التورية جاءت في كلمتين الفروة والإبرة، فالمعنى القريب المتبادر للفروة هو واحد الفراء وهو مما يستعمل من جلود الضأن وغيره للجلوس والفرش وغير ذلك، والبعيد المراد هو جلدة الرأس، وكذلك الإبرة؛ فإن المتبادر هو إبرة الخياطة المعلومة وبالطبع لا معنى لغسلها، أما البعيد فهو عظم المرفق. ٤- قال: أيجوز الغسل في الجِراب؟ قال هو كالغسل في الجِباب. فالجراب المتبادر هو الوعاء المصنوع من الجلد، ولا معنى لجواز الغسل فيه حتى يستفتى عنه، والمعنى المقصود هو: جوف البئر، أما الجباب فهو جمع لجب ومنه: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُب﴾ .. ٥- قال: فهل يجوز السجود على الكراع؟ قال: نعم! دون الذراع. والكراع هو ما في البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس والبعير، وهو مستدق الساق وهو المورى به، أما الكراع المقصود فهو ما استطال من الحرة، وهي أرض ذات حجارة سود. ٦- قال: أيجوز للدارس حمل المصاحف؟ قال: لا! ولا حملها في الملاحف. فالدارس المتبادر في الذهن هو الذي يدرس العلم، والمعنى البعيد منه هو الحائض. ٧- قال: أتصح صلاة حامل القَرْوة؟ قال: لا! ولو صلى فوق المروة.. والقروة هي جلدة الخصيتين إذا عظمت وهي الإدرة، وحملها لمن هي به لا يضر بالصلاة، لكن معناها البعيد هي ميلغة الكلب، وميلغة الكلب هي ما يشرب فيه الكلب الماء، فهو من ولغ. ٨- قال: فإن أمهم - أي المصلين - مَن فخذه بادية؟ قال: صلاته وصلاتهم ماضية. فالمتبادر من الفخذ هو العضو المعروف، والبعيد: العشيرة، و (بادية) أي يسكنون البدو. ٩- قال: ما تقول فيمن أفقر أخاه؟ قال: حبذا ما توخاه. فالمعنى القريب أنه فعل به ما يصيره فقيرا، والبعيد: أفقره بمعنى أعاره ناقته يركب فقارها.

стр. 10065

١٠- قال: أينعقد نكاح لم يشهده القواري؟ قال: لا، والخالق الباري. لمعنى القريب للقاري هو نوع من الطير مفرده قارية، يتيمن به الأعراب، والبعيد هو: الشهود؛ لأنهم يقرون الأشياء أي يتتبعونها [١٦] . يبدو أن الأمثلة قد كثرت فأرجو أن لا تكون قد وصلت إلى درجة الإملال. ذا ويلاحظ أن الحريري في الغالب يجعل القرينة: الحال أو السياق، أو يضمن الجواب تلك القرينة؛ فالأمر واضح فيما أظن، بهذا لا يحتاج إلى شرح أو بيان. والحريري لم يكتف بهذه الأسئلة والأجوبة المائة في التورية، ولكن رجع إلى هذه الألوان مرة أخرى في ميدان آخر وهو ميدان الشعر، فأدعوك يا أخي لتقف معي على شيء من ذلك، وهذه الأبيات لا تقل عن الأسئلة التي مرت بنا في الخفاء. فإلى المقامة الرابعة والأربعين حيث نجده يقول: ١- عندي أعاجيب أرويها بلا كذب عن العيان فكنوني أبا العجب رأيت يا قوم أقواما غذاؤهم بول العجوز وما أعني ابنة العنب فالمعنى القريب لبول العجوز غير مراد؛ لذلك بادر بنفي معنى آخر قريب منه وهو الخمر؛ فهو أيضا يسمى بول العجوز - وما أجدر به أن يسمى بذلك الاسم -؛ لذلك قال: وما أعني ابنة العنب. فالمعنى البعيد هو ابن البقرة. ٢- وقادرين متى ما ساء صنعهم أو قصروا فيه قالوا الذنب للخطب فالمعنى المتبادر للقادر هو ضد العاجز، ولكنه غير مقصود هنا؛ فالمقصود هو: القادر بمعنى الطابخ في القدر، والقدير المطبوخ فيها. ٣- والتابعين عقابا في مسيرهم على تكميهم في البيض واليلب [١٧] فالمعنى القريب للعقاب - بضم العين - نوع من الطير، إلا أن البعيد المراد هنا هو: العقاب بمعنى: الراية، وكانت راية النبي ﷺ تسمى العقاب. ٤- ومُنْدَين ذوي نُبْلٍ بدت لهم نبيلة فانثَنوا منها إلى الهرب [١٨]

стр. 10066

المعنى القريب للنبيلة هو امرأة ذات فضيلة، والبعيد المراد هو الجيفة، ومنه تنبل البعير إذا مات وأروح، يعني نتن. ٥- ونسوة بعدما أدلجن من حلب صبحن كاظمة من غير ما تعب المعنى القريب لكاظمة: هو موضع على مرحلتين من البصرة على ما هو المتبادر، والمعنى البعيد لكاظمة: هو كظم الغيظ، وأدلجن: سَرَيْنَ في جوف الليل. ٦- وشائبا غير مخف للشيب بدا في البدو وهو فتي السن لم يشب الشائب المتبادر هو الرجل الذي شاب شعره، والبعيد المراد هنا هو مازح اللبن، والمشيب اللبن الممزوج، ويقال فيه: مشيب ومشوب. ٧- وحائكا أجذم الكفين ذا خرس فإن عجبتم فكم في الخلق من عجب فالحائك هو الناسج، من حاك الثوب نسجه، إلا أنه لم يرد هذا المعنى إنما أراد الحائك الذي إذا مشى حرك منكبيه وفجج بين ركبتيه. ٨- وساعيا في مسرات الأنام يرى إفراحهم مأثما كالظلم والكذب والإفراح من الأضداد وهو بكسر الهمزة من أفرحته إذا سررته، وأفرحته إذا غممته، فالأول: هو المتبادر ولكن لم يرد الحريري واحدا منهما، وإن كان الثاني ملازما للأول، فهو يقصد: إفراحهم بمعنى إثقالهم بالدين، ومنه حديثه ﷺ : "لا يترك في الإسلام مفرح" أي مثقل من الدين. ٩- ومغرما بمناجاة الرجال وله وماله في حديث الخلق من أرب فالمعنى القريب للخلق هو المخلوقات، والمقصود: الكذب. ١٠- وطالما مر بي كلب وفي فمه ثور ولكنه ثور بلا ذنب والمعنى القريب للثور هو ذكر البقر، والثور المقصود هنا هو قطعة من الأقط (نوع من الجبن) . ١١- وكم رأيت بأقطار الفلا طبقا يطير في الجو مُنصَبا إلى صَبَبِ والطبق معروف وهو إتاء مفرطح، إلا أن المقصود هنا القطعة من الجراد [١٩] .

стр. 10067

يبدو أنني قد أطلت في ذكر ألوان التورية النثرية والشعرية، وحان أن ننتقل إلى لون آخر، إلا أنه ينبغي أن نشير إلى القول بأن هذه التورية هي أقرب منها إلى ألغاز منها إلى التورية الاصطلاحية؛ فقد علق عليها أبو العباس الشريشي بقوله: "لقد أحسن أبو محمد في هذه الفتاوى، وأجاد وبلغ مبلغا من الاقتدار والاتساع فوق المراد، وإن كان لا يوصف فيها بالابتداع فلقد أحسن في الاتباع، فالسابق إليها هو أبو بكر بن دريد في كتاب سماه بالملاحن، وهو أن توري بلفظ عن لفظ، ثم تمم تلك الأغراض وحسنها أحمد بن عبيد الله في كتاب سماه بالمنقذ، وفائدتها التخلص من الظلم أو تسلط غاشم، لا أن يقتطع بها حق مسلم" [٢٠] . هذا ولنقرب هذا اللون إلى الأحجية أشير هنا إلى أن الحريري لم يبخل بها؛ فقد أوردها منظومة في المقامة السادسة والثلاثين؛ فلتراجع هناك، أما نحن فسنمضي إلى لون آخر. الجناس: يبدو أن الحريري يعتبر من أقدر الكتاب في إيراد الجناس والسجع في الكلام، أما السجع فهو من الأمور التي لا تفارق كلامه؛ لهذا لا نتحدث عنه حديثا مستقلا بل ندعوك لملاحظته في كلامه كله وخاصة في النثر، فانظر مثلا إلى هذه القطعة الآتية التي نأتي بها مثالا لمقدرته في الجناس وتفننه فيه، كما شرطنا سنشير إلى كل حكم بصور عامة لا نفصل القول، ولا نتناول الأجزاء والتقسيمات الفرعية.

стр. 10068

يقول الحريري على لسان أبي زيد الذي كان سأل غلامه والغلام يجيب: ".. وعم تسأل وفقك الله؟ قال: أيباع هاهنا الرطب بالخطب، قال: لا والله، قال ولا البلح بالملح؟ قال: كلا والله، قال: ولا الثمر بالسمر؟ قال: هيهات والله، قال: ولا العصائد بالقصائد؟ قال: اسكت عافاك الله، قال: ولا الثرائد بالفرائد؟ قال: أين أذهب بك أرشدك الله! قال: ولا الدقيق بالمعنى الدقيق؟.. إلى أن قال الغلام: أما بهذا المكان فلا يَشتري الشعر الشعيرة، والنثر بنثارة، ولا القصص بقصاصة، ولا الرسالة بغسالة، ولا حكمة لقمان بلقمة.. أما هذا الزمان فما منهم من يميح إذا صيغ له المديح، ولا من يجيز إذا أنشد له الأراجيز، ولا من يغيث إذا أطربه الحديث، وعندهم أن مثل الأديب كالربع الجديب إن لم تجد الربع ديمة لم تكن له قيمة ولا دانته بهيمة، وكذا الأدب إن لم يعضده نشب فدرسه نصب" [٢١] . أعتقد أن كلامه هذا لا يحتاج إلى تعليق، إلا أن القارئ قد يتساءل هل هو في النثر فقط أم له منه في الشعر أيضا، فأقول تعال لنطالع بعض أبياته له في الشعر حيث لا حاجة لنا في زيادة الشواهد في النثر، فلنبدأ بالبيتين الآتين: وقلت للائمي أقصر فإني سأختار المَقام على المُقام وأنفق ما جمعت بأرض جمع وأسلو بالحَطيم عن الحُطام [٢٢] فقد رأيت جمعه بين المَقام والمُقام والحَطيم والحُطام، فإليك بيتين آخرين يقول الحريري: لم يبق صاف ولا مصاف ولا مَعين ولا مُعين وفي المساوي بدا التساوي فلا أمين ولا ثمين [٢٣] ففي هذين البيتين جاء بأربع كلمات في كل بيت، وكان كلامه سلسا سهلا أكثر منه في النثر وأرى من المناسب أن نقرأ له هذه الأبيات الواردة في المقامة السابعة التي زينها بالجناس، ويشرح فيها أبو زيد حاله فيقول: لقد أصبحت موقوذا بأوجاع وأوجال وممنوا بمختال ومحتال ومغتال وخوان من الإخوا ن قال لي لإقلال

стр. 10069

وإعمال من العما ل في تضليع أعمالي فكم أصلى بأذحال وأمحال وترحال وكم أخطر في بال ولا أخطر في بال فليت الدهر لما جا ر أطفا لي أطفالي فلولا أن أشبالي أغلالي وأعلالي لما جهزت أمالي إلى آل ولا والي ولا جررت أذيالي على مسحب إذ لالي فمحرابي أحرى بي وأسمالي أسمى لي فهل حرٌّ يرى تخفيـ ف أثقالي بمثقال ويطفي حر بلبالي بسربال وسروال [٢٤] فكلامه لا يحتاج إلى بيان؛ فأنت ترى كيف جمع الكلمات المتجانسة فجاء لك بـ (أوجاع بجوار أوجال) ، وفي البيت الثاني: بمختال ومحتال ومغتال، وفي الثالث: خوان وإخوان، وفي الرابع: إعمال وأعمال، وبينهما كلمة عمال، والخامس: أذخال وأمحال وترحال، ثم أخطِر مع أخطُر، وبال مع بال: أخطر الأول بكسر الطاء بمعنى أمشي، وبال الأول بمعنى خلق قديم، وأخطر الثاني بضم الطاء أجول، والبال بمعنى الفكر، وأطفا لي أطفالي: الأول بمعنى إطفاء النار من أطفأ، والثاني جمع طفل، وجمع بين أغلالي بالغين: وهو الغل الذي يوضع في العنق، وأعلال: جمع علة، ثم جمع بين أذيالي وإذلالي، وبين محرابي وأحرابي، وبين أسمالي وهو الثوب الخلق وبين أسمى لي: بمعنى أرفع لي، ثم أثقالي مع مثقال، وأخيرا سربال أي القميص مع سروال. الجناس المزدوج: له أيضا في باب الجناس كثير من الجناس المزدوج، نورد الأبيات الآتية على سبيل المثال وقد سمى هذه الأبيات بالمتائيم وهي: جندها جيدها وظرف وطرف ناعس تاعس بحد يَحُدّ زُيّنت زينب بِقدّ يُقد وتلاه ويلاه نهد يَهُدّ قدرها قد زها وتاهت وباهت واعتدت واغتدت بخد يخد فارقتَني فأرّقتني وشطّت وسطت ثم نَمّ وجد وُجِد فدنت فُدّيت وحنّت وحيّت مغضبا مغضِيا يَود يُود يبدون أن كلمات هذه الأبيات في حاجة إلى الشرح؛ فانظر الهامش [٢٥] .

стр. 10070

هذا والظاهر أن الرجل قد تكلف وألزم نفسه ما ليس بلازم؛ لكي يأتي بهذا اللون المزدوج. وعلى كل حال فقد أظهر القدرة الفنية وإن كانت بصورة معقدة التي تغضب شيخ البلاغة عبد القاهر الجرجاني، ولعل مثل هذا التكلف هو الذي دعاه إلى القول بأن المعاني ينبغي أن تترك على سجيتها، لأنها إذا تركت ستكتسي بالألفاظ الملائمة لها وعند ذلك تحسن. وللحريري مثل هذا الازدواج في النثر أيضا، ونورد هنا مثالا يسيرا منه. قال في المقامة الثالثة الدينارية: "يا أخائر الذخائر، وبشائر العشائر، عموا صباحا وانعموا اصطباحا، وانظروا إلى من كان ذا ندي وندى، وجِدة وجدا، وعَقار وقُرى، ومقار وقِرى؛ فما زال به قطوب الخطوب، وحروب الكروب، وشرر شر الحسود، وانتياب النوب السود، حتى صفرت الراحة وقرعت الساحة ... " [٢٦] ومثل هذا كثير في كلام صاحبنا. وللحريري لون آخر من التجنيس، وهو أن يفصل بين الكلمة وأختها بكلمة واحدة. يقول في ذلك: "أرعى الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، وأحتمل الخليط ولو أبدى التخليط، وأود الحميم ولو جرعني الحميم، وأفضل الشفيق على الشقيق، وأفي للعشير وإن لم يكافئ بالعشير، وأستقل الجزيل للنَّزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأنزِّل سميري منزلة أميري، وأحلّ أنيسي محل رئيسي.."وهكذا، إلى أن قال: "ولا أبالي بمن صرم حبالي، ولا أداري من جهل مقداري، ولا أعطي زمامي من يخفر ذمامي.." [٢٧] وهذا الأسلوب كثير ومتنوع في نثره يطول الكلام في تتبعه والجري وراءه. ينبغي هنا أن نشير إلى ذلك الجناس المركب الذي جاء به الحريري في البيتين المطرفين المشتبهي الطرفين الذين وصفهما بأنهما أُمِنا أن يعززا بثالث، فأورد الجناس في أول كل بيت مع آخره، وهما في المقامة السادسة والأربعين قال: سم سمة تحسن آثارها واشكر لمن أعطى ولو سمسمة والمكر مهما استطعتَ لا تأته لتقتني السؤدد والمكرمة

стр. 10071

فجانس بين: سم سمة وسمسمة، وبين المكر والمكرمة. أما من حيث الادعاء بأن البيتين لا يعززان ببيت ثالث فلم يكن الحريري الوحيد الذي قال بذلك فقد سبقه في ذلك أبو دلف في بيتيه: أنا أبو دلف المهدي بقافية جوابها يهلك الزاهي من الغيظ من زاد فيها له رحلي وراحلتي وخاتمي والمدى فيها إلى القيظ إلا أننا إذا قرنا قول الحريري بقول أبي دلف، ظهرت لنا سلاسة النظم وسهولته عند الحريري، حتى أن التكلف يكاد يختفي وراء هذه البراعة، والمعنى عنده سهل واضح سام على خلاف ما يبدو في لي البيتين الأخيرين. القلب: الحديث حول الجناس قد يجرنا إلى الحديث عن القلب؛ وذلك للصلة التي نلمسها بين الجناس وجناس القلب، الذي هو إيراد كلمتين في جملة أو بيت واحد أحدهما معكوس الآخر، مثل قوله: "حسامه فتح لأوليائه، حتف لأعدائه"؛ فالجناس بين: فتح وحتف، لأنك إذا قلبت حروف أحد الكلمتين جاءتك الكلمة الأخرى. فهذه الصلة نراها كافية من أن تنقلنا من الجناس إلى القلب: الذي هو أن الكلام لو عكس كان الحاصل من عكسه هو عين ذلك الكلام السابق، هو كما يكون في قلب الحروف يكون في قلب الكلمات، ولا يضر عندهم: مد المقصور ولا قصر الممدود، أو تخفيف المشدد أو تشديد المخفف، كذلك جعل الهمزة ألفا أو العكس، أو تبديل بعض الحركات والسكنات. وللحريري في هذا الميدان براعة لا يشق له غبار، فقد دخل الرجل في الميدان بالتدريج من المفردات إلى الجمل والأبيات الشعرية حتى المقالة أو الرسالة الكاملة، وتكلف في ذلك تكلفا بالغا، ولم يترك لونا من ألوان الكلام إلا قلبه.

стр. 10072

دخل الحريري باب القلب وسماه: ما لا يستحيل بالانعكاس، وأخذ بالترتيب التصاعدي؛ فبدأ بما يتركب من كلمتين مثل (ساكب كاس) ، و (لم أخا مَلّ) [٢٨] ، و (كبّر رجاء أجر ربّك) [٢٩] ، و (من يربّ إذا برّ ينم) [٣٠] ، و (سكّت كل من نمّ لك تكِس) [٣١] ، أخيرا جاء بجملة من سبع كلمات فقال: "لُذْ بكل مؤمّل إذا لَمّ وملك بذل" [٣٢] . وبعد هذه الجمل جاء الحريري بأبيات شعرية يمكن أن يقلب كل بيت منها ويقرأ من الشمال إلى اليمين والمعنى لا يتغير، وكذلك الوزن والقافية. اقرأ معي هذه الأبيات الواردة في المقامة السادسة عشر المغربية: أس أرملا إذا عر وارع إذا المرء أسا أسند أخا نباهه أبِن إخاء دنسا أسل جناب غاشم مشاغب إن جلسا أسر إذا هبّ مِرا وارم به إذا رسا اسكن تقو فعسى يسعف وقت نكسا [٣٣] فهذه الأبيات تقرأ من اليمين إلى الشمال وبالعكس، أي أنك تقلب الحروف من آخر البيت إلى أوله، وهذا غير عكس الألفاظ الذي سنراه فيما بعد. عكس الكلمات:

стр. 10073

مر بنا عكس الحروف لدى الحريري، ونلتقي معه الآن لنلقي نظرة سريعة على عمله في قلب الألفاظ، فقد قام بذلك في رسالة طويلة سماها: الرسالة القهقرية، ويرى أبو العباس الشريشي أنه بلغ الغاية في كلا النوعين، ويبدو أن أبا العباس يقول ذلك بقطع النظر عن التكلف وإعمال الفكر والتأمل الصادر من جانب الحريري، وهذا حق لا شك فيه، فإليك بها من خلال المقامة السابعة عشرة: "الإنسان صنيعة الإحسان، ورب الجميل فعل الندب، وشيمة الحر ذخيرة الحمد، وكسب الشكر استثمار السعادة، وعنوان الكرم تباشير البشر، واستعمال المداراة يوجب المصافاة، وعقد المحبة يقتضي النصح، وصدق الحديث حلية اللسان، وفصاحة المنطق سحر الألباب، وشرك الهوى آفة النفوس.. إلى أن قال:..وامتحان العقلاء بمقارنة الجهلاء، وتبصر العواقب يؤمن المعاطب، واتقاء الشنعة [٣٤] ينشر السمعة، وقبح الجفاء ينافي الوفاء، وجوهر الأحرار عند الأسرار". والرسالة طويلة كما أشرنا فهي من مائتي لفظة، وهي كما رأيت تشتمل على أمثال وحكم ومواعظ وعبارات أدبية جمة، وما فيها من السجع والطباق والجناس والكناية والمجاز يطول الحديث حوله. وقد وصفها صاحبها بقوله: إن أعلاها أسفلها، وأولها آخرها، وقال: "أرضها سماؤها وصبحها مساؤها، نسجت على منوالين وتجلت في لونين"؛ لأنك مختار أن تقرأها إن شئت من أولها وإن شئت من آخرها، إن سقتها على ترتيبها جاءت منقادة، وإن أردت أن تردها على أعقابها وتعكسها قلت: الأسرار عند الأحرار، وجوهر الوفاء ينافي الجفاء، وقبح السمعة ينشر الشنعة، واتقاء المعاطب يؤمن العواقب.. وهكذا إلى أولها، ويكون آخرها: ورب الإحسان صنيعة الإنسان. والرسالة كلها مكونة من مبتدأ وخبر، ولا شك أن هذا العمل قد كلفه جهدا عظيما بالغا، إلا أنه يكشف عن قدرة فنية عجيبة بقطع النظر عما يقوله العاجزون بعده.

стр. 10074

يبدو من المناسب هنا أن نذكر شيئا من بديعيات صفي الدين الحلي؛ فنورد هنا أربعة أبيات فقط، وهي من لون آخر عمودي أي أنها تقرأ من اليمين إلى الشمال ومن أعلاها إلى أسفلها، فإليك بها: ليت شعري لك علم من سقامي يا شفائي لك علم من زفيري ونحولي وضنائي من سقامي ونحولي داوني إذ أنت دائي يا شفائي وضنائي أنت دائي ودوائي فهذه الأبيات الأربعة تكون تشكيلا هندسيا رائعا، فهي من أربعة أجزاء أي كل بيت له أربعة أجزاء، فإذا أخذت الجزء الأول من كل بيت لديك البيت الأول وإذا قرأت من كل بيت (عموديا طبعا) الجزء الثاني تكون عندك البيت الثاني.. إلى آخر هذه الأبيات الأربعة. وهذا يكاد يكون يشبه تلك الأشكال الرياضية التي يستعمل فيها العقل المجرد بعيدا عن العاطفة وإثارة الإحساس، من خلال تجارب الحياة للشاعر، مثلا الرياضيون يأتون بهذا الشكل الذي تراه أمامك لمجرد الرياضة الذهنية، فأنت إذا جمعت الأعداد من اليمين إلى الشمال أو الشمال إلى اليمين كان الحاصل ١٥، وكذلك لو جمعتها من أعلى إلى أسفل أو العكس؛ فالحاصل واحد.

стр. 10075

يبدو أن هذا هو الداعي إلى القول بأن مثل هذا العمل مهما كلف من جهد، واستنفذ من وقت، مجانب لرواء الأدب وجماله، ويرى النقاد أنه لا يبعث عليه إلا الغرام بالصنعة والغلو في التكلف والولوع بحب الإغراب والشغف بالإتيان بما يستدعي الإعجاب، ولكن لا يبعد أن يكون الاستنكار على هذه الأنواع كلها جملة واحدة هو من باب محاولة توسيع دائرة الأدب والفن ليدخل فيه كل من أراد وبأي شيء جمعه، إلا أن التوسط في كل شيء محمود، فالعمل الذي جاء طريفا وممتعا ينبغي أن يقدر حق قدره، فلا ينبغي أن يرفض، لأن صاحبه قد بذل جهدا كبيرا فاق ما نستطيع نحن بذله، فعلينا أن نعترف بحلاوة العسل مهما تعب الذي اشتاره، لا نقول إنه مرّ لأن الذي وصل إليه اقتحم ما لا يستطيع أمثالنا اقتحامه!. والآن نعود إلى الحديث عن البديع عند الحريري، يبدو أن الحريري إذا تناول أي لون من الألوان يفرع منه لونا آخر جديدا؛ فقد فرع فيما يظهر من الجناس الخطي هذا العمل الذي نشير إليه الآن، وهو التزام حروف معينة ذات صفة متفقة واحدة في الكلام، وأبرز ذلك: إخراجه الكلام بحروف منقوطة فقط أو بغير نقط، أو مختلطة، فنقدم لك الآن من تلك الفنون البديعية التي اهتم بها وأبرز شانها اللون الذي أورده في أبيات سماها بالعواطل أي الخالية من النقط، اقرأ معي هذه الأبيات: اعدد لحسادك حد السلاح وأورد الآمل ورد السماح وصارم اللهو ووصل المها وأعمل الكوم وسمر الرماح واسع لإدراك محل سما عماده لا لادراع المراح والله ما السؤدد حسو الطلا ولا مراد الحمد رود رداح واها لحر واسع صدره وهمه ما سر أهل الصلاح معني المفردات تحت الخط [٣٥] .

стр. 10076

علق الحريري على هذه الأبيات التي أوردها على لسان صبي من صبيانه، بقوله: أحسنت يا بُدَير يا رأس الدير؛ وصفه بالإحسان وجعله بدرا بل صغر اسمه هذا للتلميح، وزاد على ذلك بوصفه بأنه رأس الدير (ويعني بالدير مجلسه) ، ولكن هل يوافق الأدباء والنقاد على ذلك، فلننظر إلى تعليق أبي العباس الشريشي على ذلك. أورد أبو العباس بعضا من أبيات قصيدة لأحمد بن الورد، وهي من هذا اللون، وأشار إلى أن تلك القصيدة تصل إلى ثمانين بيتا، ثم علق بقوله: "وما زال المحدثون يظهرون اقتدارهم في هذا اللون إلا أنه قلما يقع في ذلك بيت مستحسن، فلذلك تركنا أن نمشي مع أشعار هذه المقامة فيما يماثلها، وقد أكثر الناس القول في ذلك، وفائدته أن يقال: قدر على لزوم ما لا يلزم، لا أن يقال قد أحسن فيما قال" [٣٦] . هذا مع أن العباس أشار إلى عدم الجري وراء مثل هذا اللون، إلا أنه أنشد ما يماثله عندما أورد لأبي القاسم أبياتا لا تنطبق عليها الشفاه منها: أتيناك يا جزل العطية إننا رأيناك أهلا للعطايا الجزائل عقيل الندى يا حار عدناعقيلة نعدك انتجاعا للحسان العقائل فإنك تقرأ البيتين وشفتاك لا تنطبقان، ويبدو أن هذا اللون البديعي مع ما فيه من التكلف الواضح، إلا أنه لا يخلو من الطرافة والإمتاع والتسلية بالإغراب.

стр. 10077

ولا شك أن هذا اللون يصل إلى درجة كبيرة من التكلف المؤدي إلى الثقل، وصعوبة المأخذ، ويظهر ذلك واضحا جليا في الأبيات التي وصفها الحريري نفسه بقوله لصبيه الذي قالها على لسانه قال إنها: "الأبيات العرائس وإن لم تكن نفائس"، فسماها بالعرائس لتزيينها بالنقط تشبيها لها بالزينة العربية التي كانت تتم بالنقط على خدي العروس نقطا صغارا بالزعفران، ويلاحظ أن الحريري يلتزم المقابلة حتى في التسمية، لأن التي أوردها قبلها سماها العواطل لعدم تزينها بالنقط، المهم أنه استدرك على تسميتها بالعرائس بوصفها بأنها لم تكن نفائس، فهي لا تتمتع بالقدر الرفيع في هذا الفن لما فيها من الضعف، كما أن فيها التزام ما لا يلزم؛ لأنها جاءت لغرض بيان الاقتدار على هذا العمل الذي قام به، ومع ما سبق من كلام أبي العباس إلا أنه قال في هذه الأبيات: "مع أنها غير نفائس إلا أنها أحسن مما قيل في بابها"، وهذه شهادة للحريري بالمقدرة الفنية في الأصباغ البديعية. أراك أيها القارئ تتطلع إلى هذه الأبيات فإليك بها: فتنتني فجنَّنتْني تجني بتجن يَفْتَنّ غِبّ تجني شغفتني بجفن ظبي غضيض غنج يقتضي تفيض جفني غَشيتني بِزِينَتَيْن فشَقَّتـ ني بري يَشِف بين تثنّي فتظنَّيتُ تَجتَبِيني فتجزيـ ـني بنفثٍ يشفي فَخُيّب ظني ثبَّتَتْ في غِمش جيب بتزييـ ـن خبيث يبغي تشفي ضِغن فنَزَتْ في تجنبي فثنَّتْنِي بنشيج يُشجي بِفَن فَفَن المفردات تحت الخط [٣٧] . غالب ظني أن الحريري يشير بمحبوبته التي سماها (تجني) إلى تلك المرأة الجميلة الخبيثة الخداعة، التي تهرب منها فتتبعك، وتجري خلفها وتطير منك، ألا وهي الدنيا؛ لأنه كثيرا ما ذم الدنيا وتقلباتها لولا ضيق المقام لأوردنا كثيرا مما قاله في ذلك.

стр. 10078

فلنعد الآن إلى فن الحريري؛ لنرى ما جاء به متوسطا بين الجانبي؛ ن لنتحقق مصداق (خير الأمور أوساطها) ؛ فهو أفضل حتى في باب التكلف؛ فانظر إلى ما قاله عندما خلط بين ما صنعه في الأبيات الأولى والتالية لها، أي بين ترك النقط كلية والتزام التنقيط، فقد أتى هنا بعد كل كلمة غير منقوطة بأخرى منقوطة فسماها الأبيات الأخياف، أي المختلفة، فقال: اسمح فبَثُّ السماح زين ولا تُخِبْ آملا تضيَّف ولا تُجِزْ ردّ ذي سؤال فَنَّن أم في السؤال خَفَّف ولا تظن الدهور تُبقي مال ضَنين ولو تَقشَّف واحلم فجَفْنُ الكرام يُغضي وصدرهم في العطاء نَفنَف ولا تَخُن عهد ذي وِداد ثبتٍ ولا تبغ ما تزيّف [٣٨] فأنت ترى كيف جاء هذا الشعر المتكلف سلسا سهلا واضح المعنى قريبا إلى طرق أبواب القلوب بالنسبة لما سبقه، إذن التوسط خير في كل شيء. ويلاحظ هنا أيضا أن الحريري مال إلى ذم الدنيا والتنفير منها بقوله: "ولا تبغ ما تزيف"، حيث عبر عنها بما يلازمها وهو الدرهم. وفي النثر أيضا: مرت بنا هذه الألوان في الشعر؛ إذن لماذا لا يصنع مثل ذلك في النثر أيضا؟ وهذا هو الذي حدث؛ فلم تفته الفرصة لبيان أو إثبات هذه المقدرة في النثر، وربما زاد عليها كما سنرى من الأمثلة الرمزية التي نسوقها الآن، إذ له رسالتان غير منقوطتين في المقامة الثامنة والعشرين والمقامة التاسعة والعشرين، وأرجو أن تلاحظ معي التزامه السجع والجناس وأحيانا الطباق في الأمثلة التي نوردها لك؛ فإليك بجزء مما ورد في المقامة الأخيرة: (من المنثور غير المنقوط) .

стр. 10079

الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الآلاء، الواسع العطاء، المدعو لحسم الأدواء، مالك الأمم، ومصور الرمم، وأهل السماح والكرم، ومهلك عاد وإرم، أدرك كل سر علمه، ووسع كل مصر حلمه، وعم كل عالم طوله، وهدَّ كل مارد حوله، أحمده حمد موحد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمل مسلم، وهو الله لا إله إلا هو الواحد الأحد العادل الصمد،.. إلى أن قال: "وادكروا الحمام وسكرة مصرعه، والرمس وهول مطلعه، واللحد ووحدة مودَعه، والملك وروعة سؤاله، ومطلعه..". والخطبة طويلة يكفي ما وقفنا عليه الآن، وقد رأيت خلالها تلك الألوان البديعية التي أشرنا إليها، فهي بكاملها لون آخر من الألوان الصورية أو الخطية. فإلى صورة آخرى للحريري، وهي رسالة أخرى جاء بها بصورة تبادلية: كلمة منقوطة وأخرى خالية من النقط، وهكذا إلى آخرها، وردت في المقامة السادسة. قال: "الكرم ثبت الله جيش سعودك يزين، واللؤم غض الدهر جفن حسودك يشين، والأروع يثيب، والمعور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف، والسمح يغذى، والمحك يقذى، والعطاء ينجي، والمطل يثجي، والدعاء يقي، والمدح ينقي، والحر يجزي، والإلطاط يخزي، وانطراح ذي الحرمة غي، ومحرمة بني الآمال بغي ... " هكذا إلى أن فرغ منها بهذه الصورة المعقدة المتكلفة، فهي كما ترى أشد تعقيدا من القصيدة المماثلة لها في اللون، يبدو أن المهم هو إبداء المقدرة على التشكيل ... والله أعلم. الرسالة الرقطاء: أما الآن فإلى لون آخر ورد في رسالة له سماها الرقطاء، التزم فيها بصورة أخرى من هذه الصور الخارجية التي لا صلة لها بالمعنى ولا بالتحسين اللفظي، ومع ذلك عاد أبو العباس ومدح هذا العمل وقال: "إنه أبدع فيها بما أراد وأغرب بها وأجاد"، ودعاه هذا الاستحسان إلى إيراد كثير من القطع الشعرية الواردة في مدح الرسائل، حتى قال: "إن منها ما يجري لها كالوصف".

стр. 10080

أما تسميتها بالرقطاء فقد جاءت تشبيها لها بالدجاجة المرقشة المنقطة بسواد وبياض، لأنها جاءت بحرف منقوط وآخر غير منقوط من أولها إلى آخرها. ونظرا لكونه لم ينظم أبياتا مستقلة بهذه الصورة فقد قام بإدماج بعض الأبيات بهذه الصفة داخل هذه الرسالة، فإلى شيء منها من خلال المقامة السادسة والعشرين: (أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب، وقربه تحف، ونأيه تلف، وخلته نسب، وقطيعنه نصب، وغربه ذلق، وشهبه تأتلق، وقويم نهجه بان، وذهنه قلب وجرب، ونعته شرق وغرب: سيد قُلَّب سبوق مُبِر فطن مغرب عزوف عَيوف مُخلِف مُتلف أغرّ فريد نابِهٌ فاضل ذكي أَنوف مُغلِق إن أبان طَبّ إذا نا ب هياج وجل خطب مخوف واستمر هكذا نثر، ثم شعر، ثم نثر، ثم شعر إلى آخر الرسالة التي يصعب تمييزها عن السابقة لها في الثقل والتعقيد. الملحق بالبديع: قبل أن نخرج من الحديث عن البديع عند الحريري نتساءل هل ترك ذلك الملحق الذي اعتاد البلاغيون أن يذكروه عقب الحديث عن المحسنات ويجعلوه ملحقا به؟ لم يبخل الحريري ولم يترك ذلك اللون المسمى بالسرقات الشعرية، إلا أنه اخترع لنا لونا جديدا من نظم الشعر وقال إن فيه سرقة لا كالسرقات المألوفة، لأنها تمت بأن وضع هو نفسه يده اليسرى في (جيبه) الأيمن، لهذا يبدو لي أنه لا يستحق أن تقطع يده بسبب هذه السرقة، وهذا اللون البديعي للحريري، صنعه بطريقة خاصة معينة، وهي أن يأتي بأبيات من الشعر على قافية الراء مثلا؛ فإذا حذفت الجزء الأخير من البيت تغير بحر القصيدة وتلون بلون آخر، وخرجت القصيدة في ثوب آخر جديد، وانتهت بقافية أخرى جديدة؛ فالمثال أحسن موضح لجواب السؤال، وإليك بما نقول من المقامة الثالثة والعشرين: يا خاطِب الدنيا الدَّنيّة إنها شرك الردى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا بعدا لها من دار

стр. 10081

وإذا أظل سحابُها لم ينتقع منه صدى لِجَهامه الغرّار غاراتها ما تنقضي وأسيرها لا يفتدى بجلائل الأخطار كم مُزدهي بغرورها حتى بدا متمردا متجاوز المقدار قلبَتْ له ظهر المجن وأولغت فيه المُدى ونَزَت لأخذ الثار فاربأ بعمرك أن يمر مضيَّعا فيها سُدى من غير ما استظهار واقطع علائق حُبّها وطلابها تلق الهدى ورفاهة الأسرار وارقُب إذا ما سالمتْ من كيدها حرب العِدى وتوثب الغدّار واعلم بأن خُطوبها تفجا ولو طال المدى وزنت سرى الأقدار فهذه القصيدة إذا اقتطعت منها الجزء الأخير صارت مثل ما أشرنا في أول الحديث هكذا: يا خاطب الدنيا الدنيـ ـة إنها شرك الورى دار متى ما أضحكت في يوما أبكت غدا وإذا أظل سحابها لم ينتقع منه صدى غاراتها ما تنقضي وأسيرها لا يفتدى وهكذا إلى آخر الأبيات التي مرت بك. وهذه القصيدة يمكن أن تكون شاهدا لما أشرنا إليه من ذم الحريري للدنيا وتقلباتها. والآن لست أدري بم نسمي هذه السرقة، هل هي سرقة شرعية أو أنها سرقة شعرية غير شرعية؟ المهم أنها ليست من السرقات الشعرية الاصطلاحية الملحقة بفن البديع، وإن كانت بديعة؛ أعني طريفة في نفسها؛ لأنهم يشترطون الانتقال من جيب شاعر إلى جيب شاعر آخر، لكن هذا ربما جاز أن يسمى بالبديع الصوري؛ فهو كما رأيت يهتم بالصورة والإتيان بالطرائف فيها، وله قدرة في التشكيل وإخراج أفانين القول وتقليب الأساليب. وبعد:

стр. 10082

فما رأي شيخ البلاغة العربية في هذا وأمثاله، يقول الشيخ بعد مناقشات طويلة: وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق [٣٩] نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا ولا تجد عنه حولا، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقه بالحسن وأولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه، أو ما هو لحسن ملاءمته - وإن كان مطلوبا - بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثلون به أبدا من قول الشافعي رحمه الله تعالى وقد سئل عن النبيذ: "أجمع أهل الحرمين على تحريمه" [٤٠] . أعتقد أن لكل قارئ الآن الحق أن يحكم بنفسه على ما وقفنا عليه. والله الموفق وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. -------------------------------------------------------------------------------- [١] وكانت ولادته سنة ست وأربعين وأربعمائة، وتوفي خمس أو ست عشرة وخمسمائة. راجع مقدمة الشريشي في شرح المقامات. [٢] هو أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني، يقال إنه كان ظريف النثر مليح غرر النظم؛ فقد كانت له عجائب وغرائب، وإنه لم يلف نظيره في عصره في ذكاء القريحة وسرعة الخاطر وصفاء الذهن، وافاه الأجل بعد أربعين سنة من عمره عام ٣٩٣هـ. [٣] راجع الشريشي ج ١ ص ١٤- ١٥. [٤] فراجع في ذلك مقاماته. [٥] الشرة: القلق والانتشار، ومنه أخذ معنى الشر، ومنه شرر النار. اللسن: حدة اللسان. فضول: زوائد. الهذر: إكثار الكلام بغير فائدة. المعرة: العيب والعار. اللكن: احتباس اللسان عند الكلام. الحصر: العي وضيق الصدر. [٦] راجع مسند أبي داود الآداب ٣٥ وأحمد بن حنبل ٣/٢٢٤ [٧] الرزداق: الموضع الخارج عن القرية أو المدينة، ويسمى الرستاق ومخلاف وكورة. والرزداق: فارسي.

стр. 10083

[٨] سورة النمل الآية ٨٨ – جاء ذكر الأحاديث مختلطا بالآيات حسب ما أشرنا في أول كلامنا. [٩] سورة النور الآية ٣٥. [١٠] سورة المرسلات الآية ٢٥، ٢٦. [١١] صحيح مسلم وأبي داود والترمذي (في الجنائز) . [١٢] سورة الصافات آية ٦١. [١٣] سورة التكاثر آية ٤. [١٤] سورة الكهف آية ١٠٤، وراجع الشريشي ج ١ ص ٢٣. [١٥] من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتب الأمثال، وإلى الشريشي ج ٣ ص ٤- ٨. [١٦] يمكن الرجوع إلى الباقي من هذه الأسئلة في المقامات من ص ٣٣٧- ٣٥٣. طبعة صبيح. [١٧] التكمي التغطي، والكمي الشجاع التام السلاح. البيضة: المغفرة. واليلب: دروع من الجلود ثم أطلق الحديد. [١٨] منتدبين مجتمعين في ناد وهو المجلس. ونبل: بضم النون بمعنى أصحاب فضل، وبالفتح بمعنى السهام. [١٩] من أراد الوقوف على باقي الأبيات التي اختيرت هذه من بينها فليرجع إلى المقامات ص ٤٩٩. [٢٠] راجع إن أردت الزيادة للشريشي ج ٣ ص ١٥٠. [٢١] راجع المقامة الثالثة والأربعين. [٢٢] المقام مقام إبراهيم. والمقام الثاني الإقامة في الوطن، جمع: اسم مزدلفة لاجتماع الناس فيها، الحطيم: اسم حجر بمكة المكرمة. راجع الشريشي ج ٤ ص ١٤٢. [٢٣] مصاف: صادق في رده، معين: بفتح الميم ماء كثير قصد به صاحب كرم فهو استعارة، معين: بضم الميم الذي يعين بماله. الثمين: النفيس الغالي الثمن يريد أن الناس قد استووا في الأفعال السيئة. يشير بذلك إلى الحديث الشريف: لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا استووا هلكوا، ومعنى ذلك أن الناس في الغالب إنما يتساوون في الشر ولا تجدهم كلهم فضلاء، لأن الخير قليل، وعلى هذا بنى الشيوعيون نظرياتهم ولذلك يميلون إلى إثارة الأحقاد والفتن وزرع الشر بين الناس لمحو الخير بينهم.

стр. 10084

[٢٤] في القاموس المحيط: السراويل: فارسية معربة (وقد تذكر، الجمع: سراويلات أو جمع سروال وسروالة أو سرويل بكسرهن وليس في الكلام فعويل غيرها والسراوين بالنون لغة والشروال بالشين لغة أيضا. [٢٥] بقد يقد: قد: قوام يقد: ينقطع لرقة خصره، فقد جاء بلفظ (يقد) مكان ينقطع لضرورة الازدواج. تلاه: تبعه. ويلاه: دعا لنفسه بالويل والخسران؛ لأنه رأى نهدا لا يستطيع أن يصبر عنه. الظرف: الرشاقة. والطرف: العين. الناعس: الفاتر النظر. والناعش: الذي ينعش من ينظر إليه ويروى تاعس. كما في هذا البيت بمعنى مهلك. ويقال إن معنى ناعش: بالشين حامل للناظر على النعش، وعلى كل معناه يدور حول القتل ماعدا المعنى الأول الذي ذكره الشريشي. يحد: بضم الحاء: يمنع أي يمنع من رآه من التسلي عنه. زها: تكبر. تاهت: زهت وهو ضرب من الكبر. باهت فاخرت وعظمت. اعتدت: ظلمت. يخد: بضم الخاء يقطع في القلوب. شطت: بعدت. سطت: بطشت. نم: بالنون: أفشى ما به من الحب. وجد: حزن من الحب. جد: اجتهاد. مغضيا: متغافلا. يود: يتمنى. يود: يحب. الأول بالبناء على الفاعل والثاني على المفعول. المعنى: لما أفشى لها وجدي ما أكنه لها من حب وأبصرت ما فعله من هجرانها بي، دنت مني عند ذلك شفقة وحيتني وأنا الغضبان المتغافل المتناسي لما سلف منها من الهجران. [٢٦] ندي: مجلس. ندى: كرم. جدى: عطية. عقار وقرى: العقار: المال الذي لا ينقل كالمباني والنخيل، والقرى: جمع قرية. المقار: الجفان لإطعام الضيف. قطوب: عبوس. الخطوب: الشدائد. الكروب: الهموم، قال النبي ﷺ : "مما أعلم أنه لا يقوله مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس": ﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت..﴾ الآية. انتياب: نزول. النوب: النوازل. صفرت: خلت. قرعت: خلت من المال.

стр. 10085

[٢٧] أرعى: أحفظ. جار: تعدى ومال عن الحق. أبذل: أعطي. صال: صاح مخوفا. الخليط: الصاحب ويقع للواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد. الحميم: الأول الصديق والثاني: الماء الحار. أفي للعشير: أعامل الصاحب بالوفاء. يكافئ بالعشير: يجازى بالعشر من فعلي. أميري: الحاكم علي. الأنيس الذي يؤنسك بحديثه. ورئيس القوم أفضلهم وأعزهم. صرم حبالي: قطع أسباب وصالي. أداري: أسوس وأحسن صحبته. يخفر ذمامي: ينقض عهدي. [٢٨] لم: من اللوم - مل: من الملل. [٢٩] كبر: أي عظم الكبير وقدمه على نفسك. [٣٠] يرب: يصلح. بر: أكرم. ينم: يزيد. [٣١] تكس: تكن كيسا وهو العاقل. [٣٢] لذ: الجأ إليه. مؤمل: مرجو لفعل الخير. [٣٣] أس: أعط. الأوس: العطية. أرملا: فقيرا أفنى زاده. عرا: قصد. ارع: احفظ الصحبة. أسا: أتى بسوء. وأصله أساء. نباهة: رفعة. إبن: باعد. دنس: عيب. أي: صاحب من يشرفك بذكره الجميل وباعد من يدنس عرضك وتعاب به. أسل جناب غاشم: أي جانب منزل ظالم لا تقربه. وسلوت يتعدى بعن وبنفسه تقول: سلوت عنه وسلوته وسليته. مشاغب: مسارع للشر. هب: تحرك. مرا: جدال. رسا: ثبت. أسر: بالضم كن سريا: أي [٣٤] الشنعة: ما يقبح فعله. [٣٥] صارم: قاطع. المها: جمع مهاة وهي ولد البقر الوحشية، وأراد به هنا النساء مجازا. الكوم: جمع كوماء وهي الناقة العظيمة السنام. العماد: قائمة الخباء. ادراع: لبس الدرع. المراح: الطرب والنشاط، يعني بذلك كله: ينبغي عليك عدم الاشتغال باللهو، بل عليك أن تشتغل بكسب الشرف. حسو الطلا: شرب الخمر. مراد: بفتح الميم: الطريق والمذهب وأصله المرعى. رود جارية ناعمة شابة. الرداح: العظيمة العجز. و (ما) في قوله (ما سر أهل) بمعنى الذي. واها: عجبا. [٣٦] راجع الشريشي ج ٤ ص ١٨٧ المكتبة الشعبية.
следующие страницы →