← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

وإذا أظل سحابُها لم ينتقع منه صدى لِجَهامه الغرّار غاراتها ما تنقضي وأسيرها لا يفتدى بجلائل الأخطار كم مُزدهي بغرورها حتى بدا متمردا متجاوز المقدار قلبَتْ له ظهر المجن وأولغت فيه المُدى ونَزَت لأخذ الثار فاربأ بعمرك أن يمر مضيَّعا فيها سُدى من غير ما استظهار واقطع علائق حُبّها وطلابها تلق الهدى ورفاهة الأسرار وارقُب إذا ما سالمتْ من كيدها حرب العِدى وتوثب الغدّار واعلم بأن خُطوبها تفجا ولو طال المدى وزنت سرى الأقدار فهذه القصيدة إذا اقتطعت منها الجزء الأخير صارت مثل ما أشرنا في أول الحديث هكذا: يا خاطب الدنيا الدنيـ ـة إنها شرك الورى دار متى ما أضحكت في يوما أبكت غدا وإذا أظل سحابها لم ينتقع منه صدى غاراتها ما تنقضي وأسيرها لا يفتدى وهكذا إلى آخر الأبيات التي مرت بك. وهذه القصيدة يمكن أن تكون شاهدا لما أشرنا إليه من ذم الحريري للدنيا وتقلباتها. والآن لست أدري بم نسمي هذه السرقة، هل هي سرقة شرعية أو أنها سرقة شعرية غير شرعية؟ المهم أنها ليست من السرقات الشعرية الاصطلاحية الملحقة بفن البديع، وإن كانت بديعة؛ أعني طريفة في نفسها؛ لأنهم يشترطون الانتقال من جيب شاعر إلى جيب شاعر آخر، لكن هذا ربما جاز أن يسمى بالبديع الصوري؛ فهو كما رأيت يهتم بالصورة والإتيان بالطرائف فيها، وله قدرة في التشكيل وإخراج أفانين القول وتقليب الأساليب. وبعد:

стр. 10082

فما رأي شيخ البلاغة العربية في هذا وأمثاله، يقول الشيخ بعد مناقشات طويلة: وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا ولا سجعا حسنا، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق [٣٩] نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا ولا تجد عنه حولا، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقه بالحسن وأولاه ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه، أو ما هو لحسن ملاءمته - وإن كان مطلوبا - بهذه المنزلة وفي هذه الصورة، وذلك كما يمثلون به أبدا من قول الشافعي رحمه الله تعالى وقد سئل عن النبيذ: "أجمع أهل الحرمين على تحريمه" [٤٠] . أعتقد أن لكل قارئ الآن الحق أن يحكم بنفسه على ما وقفنا عليه. والله الموفق وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. -------------------------------------------------------------------------------- [١] وكانت ولادته سنة ست وأربعين وأربعمائة، وتوفي خمس أو ست عشرة وخمسمائة. راجع مقدمة الشريشي في شرح المقامات. [٢] هو أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمداني، يقال إنه كان ظريف النثر مليح غرر النظم؛ فقد كانت له عجائب وغرائب، وإنه لم يلف نظيره في عصره في ذكاء القريحة وسرعة الخاطر وصفاء الذهن، وافاه الأجل بعد أربعين سنة من عمره عام ٣٩٣هـ. [٣] راجع الشريشي ج ١ ص ١٤- ١٥. [٤] فراجع في ذلك مقاماته. [٥] الشرة: القلق والانتشار، ومنه أخذ معنى الشر، ومنه شرر النار. اللسن: حدة اللسان. فضول: زوائد. الهذر: إكثار الكلام بغير فائدة. المعرة: العيب والعار. اللكن: احتباس اللسان عند الكلام. الحصر: العي وضيق الصدر. [٦] راجع مسند أبي داود الآداب ٣٥ وأحمد بن حنبل ٣/٢٢٤ [٧] الرزداق: الموضع الخارج عن القرية أو المدينة، ويسمى الرستاق ومخلاف وكورة. والرزداق: فارسي.

стр. 10083

[٨] سورة النمل الآية ٨٨ – جاء ذكر الأحاديث مختلطا بالآيات حسب ما أشرنا في أول كلامنا. [٩] سورة النور الآية ٣٥. [١٠] سورة المرسلات الآية ٢٥، ٢٦. [١١] صحيح مسلم وأبي داود والترمذي (في الجنائز) . [١٢] سورة الصافات آية ٦١. [١٣] سورة التكاثر آية ٤. [١٤] سورة الكهف آية ١٠٤، وراجع الشريشي ج ١ ص ٢٣. [١٥] من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتب الأمثال، وإلى الشريشي ج ٣ ص ٤- ٨. [١٦] يمكن الرجوع إلى الباقي من هذه الأسئلة في المقامات من ص ٣٣٧- ٣٥٣. طبعة صبيح. [١٧] التكمي التغطي، والكمي الشجاع التام السلاح. البيضة: المغفرة. واليلب: دروع من الجلود ثم أطلق الحديد. [١٨] منتدبين مجتمعين في ناد وهو المجلس. ونبل: بضم النون بمعنى أصحاب فضل، وبالفتح بمعنى السهام. [١٩] من أراد الوقوف على باقي الأبيات التي اختيرت هذه من بينها فليرجع إلى المقامات ص ٤٩٩. [٢٠] راجع إن أردت الزيادة للشريشي ج ٣ ص ١٥٠. [٢١] راجع المقامة الثالثة والأربعين. [٢٢] المقام مقام إبراهيم. والمقام الثاني الإقامة في الوطن، جمع: اسم مزدلفة لاجتماع الناس فيها، الحطيم: اسم حجر بمكة المكرمة. راجع الشريشي ج ٤ ص ١٤٢. [٢٣] مصاف: صادق في رده، معين: بفتح الميم ماء كثير قصد به صاحب كرم فهو استعارة، معين: بضم الميم الذي يعين بماله. الثمين: النفيس الغالي الثمن يريد أن الناس قد استووا في الأفعال السيئة. يشير بذلك إلى الحديث الشريف: لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا استووا هلكوا، ومعنى ذلك أن الناس في الغالب إنما يتساوون في الشر ولا تجدهم كلهم فضلاء، لأن الخير قليل، وعلى هذا بنى الشيوعيون نظرياتهم ولذلك يميلون إلى إثارة الأحقاد والفتن وزرع الشر بين الناس لمحو الخير بينهم.

стр. 10084

[٢٤] في القاموس المحيط: السراويل: فارسية معربة (وقد تذكر، الجمع: سراويلات أو جمع سروال وسروالة أو سرويل بكسرهن وليس في الكلام فعويل غيرها والسراوين بالنون لغة والشروال بالشين لغة أيضا. [٢٥] بقد يقد: قد: قوام يقد: ينقطع لرقة خصره، فقد جاء بلفظ (يقد) مكان ينقطع لضرورة الازدواج. تلاه: تبعه. ويلاه: دعا لنفسه بالويل والخسران؛ لأنه رأى نهدا لا يستطيع أن يصبر عنه. الظرف: الرشاقة. والطرف: العين. الناعس: الفاتر النظر. والناعش: الذي ينعش من ينظر إليه ويروى تاعس. كما في هذا البيت بمعنى مهلك. ويقال إن معنى ناعش: بالشين حامل للناظر على النعش، وعلى كل معناه يدور حول القتل ماعدا المعنى الأول الذي ذكره الشريشي. يحد: بضم الحاء: يمنع أي يمنع من رآه من التسلي عنه. زها: تكبر. تاهت: زهت وهو ضرب من الكبر. باهت فاخرت وعظمت. اعتدت: ظلمت. يخد: بضم الخاء يقطع في القلوب. شطت: بعدت. سطت: بطشت. نم: بالنون: أفشى ما به من الحب. وجد: حزن من الحب. جد: اجتهاد. مغضيا: متغافلا. يود: يتمنى. يود: يحب. الأول بالبناء على الفاعل والثاني على المفعول. المعنى: لما أفشى لها وجدي ما أكنه لها من حب وأبصرت ما فعله من هجرانها بي، دنت مني عند ذلك شفقة وحيتني وأنا الغضبان المتغافل المتناسي لما سلف منها من الهجران. [٢٦] ندي: مجلس. ندى: كرم. جدى: عطية. عقار وقرى: العقار: المال الذي لا ينقل كالمباني والنخيل، والقرى: جمع قرية. المقار: الجفان لإطعام الضيف. قطوب: عبوس. الخطوب: الشدائد. الكروب: الهموم، قال النبي ﷺ : "مما أعلم أنه لا يقوله مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس": ﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت..﴾ الآية. انتياب: نزول. النوب: النوازل. صفرت: خلت. قرعت: خلت من المال.

стр. 10085

[٢٧] أرعى: أحفظ. جار: تعدى ومال عن الحق. أبذل: أعطي. صال: صاح مخوفا. الخليط: الصاحب ويقع للواحد والاثنين والجمع بلفظ واحد. الحميم: الأول الصديق والثاني: الماء الحار. أفي للعشير: أعامل الصاحب بالوفاء. يكافئ بالعشير: يجازى بالعشر من فعلي. أميري: الحاكم علي. الأنيس الذي يؤنسك بحديثه. ورئيس القوم أفضلهم وأعزهم. صرم حبالي: قطع أسباب وصالي. أداري: أسوس وأحسن صحبته. يخفر ذمامي: ينقض عهدي. [٢٨] لم: من اللوم - مل: من الملل. [٢٩] كبر: أي عظم الكبير وقدمه على نفسك. [٣٠] يرب: يصلح. بر: أكرم. ينم: يزيد. [٣١] تكس: تكن كيسا وهو العاقل. [٣٢] لذ: الجأ إليه. مؤمل: مرجو لفعل الخير. [٣٣] أس: أعط. الأوس: العطية. أرملا: فقيرا أفنى زاده. عرا: قصد. ارع: احفظ الصحبة. أسا: أتى بسوء. وأصله أساء. نباهة: رفعة. إبن: باعد. دنس: عيب. أي: صاحب من يشرفك بذكره الجميل وباعد من يدنس عرضك وتعاب به. أسل جناب غاشم: أي جانب منزل ظالم لا تقربه. وسلوت يتعدى بعن وبنفسه تقول: سلوت عنه وسلوته وسليته. مشاغب: مسارع للشر. هب: تحرك. مرا: جدال. رسا: ثبت. أسر: بالضم كن سريا: أي [٣٤] الشنعة: ما يقبح فعله. [٣٥] صارم: قاطع. المها: جمع مهاة وهي ولد البقر الوحشية، وأراد به هنا النساء مجازا. الكوم: جمع كوماء وهي الناقة العظيمة السنام. العماد: قائمة الخباء. ادراع: لبس الدرع. المراح: الطرب والنشاط، يعني بذلك كله: ينبغي عليك عدم الاشتغال باللهو، بل عليك أن تشتغل بكسب الشرف. حسو الطلا: شرب الخمر. مراد: بفتح الميم: الطريق والمذهب وأصله المرعى. رود جارية ناعمة شابة. الرداح: العظيمة العجز. و (ما) في قوله (ما سر أهل) بمعنى الذي. واها: عجبا. [٣٦] راجع الشريشي ج ٤ ص ١٨٧ المكتبة الشعبية.

стр. 10086

[٣٧] تجنى: اسم امرأة. بتجن: بدلال وتيه. الغنج: هو تكسير الكلام وتخنيثه. يقتضي: يتضمن. تفيض الجفن: سيلان الدموع. غشيتني: أتتني على غفلة. شفتني: انحلت جسمي. بنفث: بلفظ وكلام. الجيب: القلب. نزت: وثبت. النشيج: صوت البكاء. [٣٨] مفردات الأبيات: اسمح: جد. بث: نشر. تضيف: طلب منك أن تضيفه. فنن: أتى بالفنون من السؤال. ضنين: بخيل. يفضي: يتغافل. نفنف: واسع. فالنفنف متسع الأرض. ثبت: صادق الود. تزيف: تنقص وصار زائفا. وهو هنا الدرهم الريء المعبر به عن الدنيا. [٣٩] يقول المعلق بحواشيه: يظهر أن الأصل: وساقك نحوه. [٤٠] راجع أسرار البلاغة ص ١٥ مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

стр. 10087

رسائل لم يحملها البريد فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية أختي العزيزة (هل) : في الرسالتين السابقتين حدثتك عن الصيغة الأولى من الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة لمضارع رأى وهي: (ألم تر إلى) ، وأنت ترين أنها تتكون من همزة استفهام يليها لم النافية الجازمة لمضارع رأى مسندا إلى ضمير المخاطب متعديا بـ (إلى) الجارة. وفي هذه الرسالة الثالثة أريد أن أحدثك عن الصيغة الثانية من الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة لمضارع رأى، وهي: (ألم تر أن) وقد وردت هذه الصيغة في ثلاث عشرة آية من آيات القرآن الكريم: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الآية ١٩ من سورة النساء. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الآية ٧ من سورة المجادلة. الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ الآية ١٨ من سورة الحج.

стр. 10088

الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ الآية ٤١ من سورة النور. الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ الآية ٦٣ من سورة الحج. الآية السادسة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ الآية ٤٣ من سورة النور. الآية السابعة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ الآية ٢٧ من سورة فاطر. الآية الثامنة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ الآية ٢١ من سورة الزمر. الآية التاسعة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الآية ٦٥ من سورة الحج.

стр. 10089

الآية العاشرة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ الآية ٣١ من سورة لقمان. الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الآية ٢٩ من سورة لقمان. الآية الثانية عشرة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ الآية ٨٣ من سورة مريم. الآية الثالثة عشرة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ الآية ٢٢٥ من سورة الشعراء. هذه هي الآيات الثلاث عشرة التي وردت فيها صيغة الاستفهام: (ألم تر أن) . واستفهام هذه الصيغة في هذه الآيات كلها استفهام تقريري بمعنى الخبر؛ فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ معناه - والله أعلم - قد رأيت أن الله خلق السموات والأرض بالحق، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ معناه - والله أعلم - قد رأيت أنهم في كل واد يهيمون. وقد تسألين وتقولين: إذا كان الكلام مع الاستفهام التقريري بمعنى الخبر، فلم لا يجيء هذا الكلام ابتداء على صورة من صور الخبر دون أن يتقدمه هذا الاستفهام؟ أقول: هذا الاستفهام ينبه المخاطب لما سيأتي بعده، كأنما يقول له: انتبه، أتسمع؟ وشتان ما بين الكلامين يأتي أحدهما بعد تنبيه ويأتي الآخر ابتداء لم يتقدمه ما ينبه السامع لما بعده. أختي العزيزة هل:

стр. 10090

من حقك علي أن أخبرك أن الزمخشري في كشافه [١] قد قال في الاستفهام الوارد في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ قال ما يلي: "والمراد تعجيب رسول الله ﷺ بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة والمردة من الكفار) . وتابعه على هذا الرأي أبو السعود في تفسيره [٢] فقال: " ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ تعجيب لرسول الله صلى عليه وسلم مما نطقت به الآيات الكريمة السالفة". وأقول: يحكم على الاستفهام ويبين معناه بالنظر إلى جملته، وأي عجب في إرسال الله الشياطين على الكافرين تهيجهم إلى المعاصي وتغريهم بها إغراء، إن أحدا لا يستطيع أن يقول حقا إن في هذا عجبا. وادعاء أن التعجيب قد كان بما جاء قبل همزة الاستفهام ادعاء غير سليم؛ لأن همزة الاستفهام لها الصدارة في جملتها، يستفهم بها عما بعدها ولا يستفهم بها عما قبلها. وقد تقدم أن قلت إن الاستفهام في هذه الصيغة استفهام تقريري بمعنى الخبر. أختي العزيزة هل: أريد الآن أن أعود بك الآن إلى هذه الصيغة الاستفهامية: (ألم تر أن) لأحدثك بما جاء فيها من كلمات وما يتصل بتلك الكلمات: (تر) في هذه الصيغة مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل ضمير المخاطب المستتر، والمخاطب في هذه الصيغة رسول الله ﷺ وغيره ممن يصلح للخطاب. و (تر) في هذه الصيغة بمعنى تعلم، فهو يتعدى إلى مفعولين، و (أن) التي تلت (تر) حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، وهي في الوقت نفسه حرف مصدري تؤول مع خبرها بمصدر في محل نصب يسد مسد مفعولي (تر) .

стр. 10091

ومتعلق الرؤية في هذه الآيات - ماعدا الآية الأخيرة - إخبار عن الله تبين فيما تبين أنه - جلت قدرته - خلق السموات والأرض بالحق، يعلم ما فيهن لا يخفى عليه شيء، له يسجد ما فيهن ويسبح، ينزل الماء من السماء فينشأ عن ذلك نعم ومنافع كثيرة مختلفة لا تحصى، ومن نعمه تعالى: تسخيره الفلك تجري في البحر بأمره وإحسانه، وإمساكه السماء أن تقع على الأرض، وأنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، وأنه تعالى يرسل الشياطين على الكافرين تهيجهم على المعاصي تهييجا؛ فلا يرجى منهم خير ولا يتوقع بر. هذا ما تعلقت به الرؤية الواردة في هذه الصيغة قد سقته إليك على وجه الإجمال دون تفصيل. وقد جاءت هذه الأخبار جميعا بـ (أن) اهتماما بما تضمنه ومزيد عناية به. أما الآية الأخيرة آية الشعراء فمتعلق الرؤية فيها هؤلاء الشعراء الذين لم يؤمنوا بربهم ولم يعملوا الصالحات، وقد جاء قبل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ، وقد يشك في صحة هذا بعض الناس، وقد ينكره آخرون، فجاء الاستفهام التقريري مبينا أنه حق وصدق على وجه التوكيد والاستدلال، والمعنى - والله أعلم - هؤلاء الشعراء يتبعهم الغاوون لأنهم يهيمون في كل واد على غير هدى يتبعون الشهوات ويقولون بألسنتهم الكذب. أختي العزيزة هل: دعيني انتقل بك إلى الصيغة الثالثة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على (لم) النافية الجازمة لمضارع (رأى) ، هذه الصيغة هي (ألم تر كيف) وقد جاءت هذه الصيغة في ثلاث آيات من آيات القرآن الكريم:

стр. 10092

الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الآيتان ٢٤، ٢٥ من سورة إبراهيم. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ الآية ٦ من سورة الفجر. الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ الآية ١ من سورة الفيل. همزة الاستفهام في هذه الآيات الثلاث معناها التنبيه بمعنى طلب التأمل والتفكر، وهذا المعنى ظاهر في الآية الأولى؛ لقوله تعالى بعد أن ضرب مثل الكلمة الطيبة: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ، والتذكر هنا معناه التأمل والتفكير والاعتبار. أما في الآية الثانية والثالثة فقد ذكر الزركشي في كتابه البرهان [٣] أن الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ استفهام تنبيه بمعنى طلب التأمل والتفكير والتبصر. وما قاله الزركشي في استفهام سورة الفيل المتقدم يقال في استفهام سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ؛ لأن صيغة الاستفهام في الآيتين واحدة، ولأن متعلق الرؤية في الآيتين واحد، فأصحاب الفيل وعاد وثمود وفرعون أمة واحدة أمة كفر وضلال وتكذيب بالرسل. وقد رأى الجلال المحلي في تفسير الجلالين [٤] أن استفهام سورة الفيل المتقدم استفهام تعجيب، ورأى القرطبي في تفسيره [٥] وأبو السعود في تفسيره [٦] رأيا أنه للتقرير بمعنى قد علمت فعل ربك بهؤلاء الذين قصدوا حرمه.

стр. 10093

ورأيي أن ما ذهب إليه الزركشي أقرب إلى الصواب؛ لأن قصص القرآن الكريم وأخباره عمن أهلكهم الله بذنوبهم تدعو إلى الأمل والتبصر والاعتبار قبل أن تدعو إلى محض التعجيب والإخبار. قد تسألين وتقولين: إذا كان الاستفهام في هذه الآيات داعيا إلى التنبيه قائلا للمخاطب: انظر بفكرك وتبصر؛ ففي أي شيء يكون هذا التأمل والتفكير؟. أما الآية الأولى فتعالي وانظري إلى هذه الصورة الجميلة وتأملي ما اشتملت عليه: الإيمان شجرة لها جذور عميقة في جوف الأرض تمتص الغذاء وتجد أسباب النماء، ثم هي ذاهبة إلى السماء بأغصانها اللدنة وأوراقها الخضر لتمتص دفء الشمس وتعب نقي الهواء؛ فلا عجب أن تثمر ثمرا شهيا في كل حين بفضل من الله وإحسان. وهذا هو شأن المؤمن الذي استقرت في قلبه كلمة الإيمان: لا إله إلا الله، يحيا في قلبه ونفسه حياة آمنة مطمئنة، يفعل الحسنات بفضل الله ما امتد به العمر، ويعمل الصالحات بهدى منه تعالى في كل حين. وأما في الآية الثانية فموضع التأمل والتبصر مصارع الذين ظلموا، مصارع عاد وثمود وفرعون الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وظنوا أن لن يقدر عليهم أحد، فصب عليهم ربك العذاب صبا يتذوقون طعمه تذوق المجلود طعم السياط. أما موضع التأمل في الآية الثالثة فهذه النهاية التي انتهى إليها أصحاب الفيل وقائدهم الذي امتطى الفيل، وكان من هوان هذا المغرور الأحمق وأصحابه على الله أن سلط عليهم خلقا ضعيفا من خلقه لا يساوي شيئا يذكر إذا قيس في نظر العين بحجم الفيل، فأرسلها عليهم جماعات من الطير تحمل في أرجلها حصيات صغيرة من سجيل ترميهم بها فتجعلهم كعصف مأكول، وهل يصير العصف المأكول إلا رمادا تذروه الرياح؟! والآن تعالي - أختي العزيزة - أحدثك بما في هذه الصيغة من كلمات بعد أن حدثتك عن معنى همزة الاستفهام فيها:

стр. 10094

(تر) فعل مضارع مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه حذف الألف، والفاعل ضمير المخاطب المستتر. والخطاب هنا عام شامل للرسول ﷺ ولغيره ممن يصلح للخطاب. و (تر) بمعنى تعلم؛ فهو ينصب مفعولين. و (كيف) اسم استفهام قد علق (تر) عن العمل في مفعوليه، وتعرب (كيف) في الآية الأولى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً..﴾ مبنية على الفتح في محل نصب على الحال من (مثلا) ، أما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ، وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ فقد اختار ابن هشام في المغني [٧] أن تعرب مفعولا مطلقا؛ إذ المعنى أيّ فِعل فَعل ربك، ولا يتجه فيه أن يكون حالا من الفاعل لأنه يقتضي أن الفاعل - وهو الرب متصف - بالكيفيات والأحوال [٨] . و (كيف) وما دخلت عليه - في الآيات الثلاث - في محل نصب سدت مسد مفعولي (تر) . أختي العزيزة هل: لم يبق في هذه الرسالة إلا أن أحدثك عن الصيغة الرابعة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على (لم) النافية الجازمة لمضارع (رأى) ، وهذه الصيغة هي: (ألم يروا إلى) ؛ فاسأل الله تعالى أن يكون فيك بقية من نشاط تعين على قراءة هذه البقية من هذه الرسالة. لقد وردت هذه الصيغة في خمس آيات من آيات القرآن الكريم: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ الآية ٤٨ من سورة النحل. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية ٧٩ من سورة النحل.

стр. 10095

الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآيتان ٧، ٨ من سورة الشعراء. الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ الآية ٩ من سورة سبأ. الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ الآية ١٩ من سورة الملك. هذه هي الآيات الخمس التي وردت فيها هذه الصيغة الاستفهامية (ألم يروا إلى) . ومتعلق الرؤية في الآية الأولى ما خلقه الله من شيء تنتقل ظلاله شيئا فشيئا من جانب إلى جانب صباح مساء، ويسجد لله في ذلة وخضوع لا يستكبر. ومتعلق الرؤية في الآية الثانية والخامسة هذه الطير المسخرات في جو السماء باسطات أجنحتهن حينا قابضاتهن حينا؛ لا يمسكهن عن السقوط على الأرض إلا الله . ومتعلق الرؤية في الآية الثالثة هذه الأرض وما أنبت الله فيها من أشجار كثيرة لا تعد، وثمار طيبة شتى لا تحصى، ومن حدائق ذات بهجة مبثوثة في كل مكان. ومتعلق الرؤية في الآية الرابعة هذه السماء والأرض تحيطان بالناس من كل جهة، إن يشأ الله يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم قطعا من السماء.

стр. 10096

وهمزة الاستفهام التي جاءت في هذه الصيغة أول كل آية من هذه الآيات الخمس معناها الإنكار والتوبيخ، ينكر الله تعالى على هؤلاء الناس غير المؤمنين المدلول عليهم بواو الجماعة في قوله تعالى: (يروا) ؛ ينكر عليهم ويوبخهم ألا يروا هذه الآيات رؤية تأمل وتفكر واعتبار، رؤية تقودهم إلى أن الله الذي خلق هذه الأشياء العظيمة الدالة على كمال قدرته وبديع صنعه إله واحد لا شريك له، وأنه وحده المستحق للعبادة. والإنكار هنا معناه لا ينبغي، وقد يجيء بمعنى النفي المحض، وسوف أنبهك على ذلك في موضعه. أعود بك الآن إلى هذه الصيغة لأحدثك بما جاء فيها من مفردات: (يروا) فعل مضارع مجزوم بـ (لم) ، وعلامة جزمه حذف النون، وواو الجماعة فاعل مبني على السكون في محل رفع، والمراد به غير المؤمنين. والرؤية هنا بصرية؛ ولذلك عديت بـ (إلى) ، ولكنها ليست البصرية المحضة بل البصرية التي يقع بها الاعتبار ويصحبها التأمل والتفكر في أحوال الشيء المرئي. لعلك قد رأيت هذه الواو التي جاءت بين همزة الاستفهام ولم في (أولم يروا) في الآية الأولى والآية الثالثة والآية الخامسة. ولعلك قد رأيت أيضا هذه الفاء التي جاءت بين همزة الاستفهام ولم في (أفلم يروا إلى) في الآية الرابعة. كثيرا ما تأتي هذه الواو وهذه الفاء العاطفتان بعد همزة الاستفهام، وتشاركهما (ثم) على قلة. ويرى سيبويه وجمهور النحاة [٩] أن الهمزة إذا كانت في جملة معطوفة بالواو أو الفاء أو بثم قدمت على العاطف تنبيها على أصالتها في التصدير وبقي العطف على ما قبل الهمزة، والأصل في (أولم يروا) : وألم يروا والأصل في (أفلم يروا) فألم يروا، بتقديم الواو والفاء على همزة الاستفهام، ثم قدمت همزة الاستفهام لما لها من الصدارة وأخر العاطف؛ فصارت الصيغة (أولم يروا) ، (أفلم يروا) ، وبقي العطف بعد تقديم الهمزة وتأخير العاطف بقي العطف على ما قبل الهمزة.

стр. 10097

هذا مذهب سيبويه والجمهور، وخالفهم جماعة أولهم الزمخشري، فزعم أن همزة الاستفهام مع هذا العاطف في موضعها ولم تقدم عن تأخير، وأن العطف على جملة مقدرة بين الهمزة والعاطف، ويقدر المعطوف عليه هنا: أعموا ولم يروا، أعموا فلم يروا. وقد ضعف ابن هشام الأنصاري في كتابه المغني [١٠] رأي الزمخشري هذا بأن فيه تكلفا لا داعي إليه، وبأنه غير مطرد، لأن الزمخشري نفسه جزم في مواضع في القرآن الكريم بما يقوله سيبويه وجمهور النحاة، وسيأتي ذكر بعض هذه المواضع في موضعها. أما بعد فقد آن لهذه الرسالة الثالثة أن تنتهي، وآن لك يا أخت أن تستريحي. أسأل الله تعالى أن نلتقي عما قريب في الرسالة الرابعة. وسلام الله عليك ورحمته وبركاته أختك همزة الاستفهام مراجع ذكرت معنى همزة الاستفهام في بعض الآيات الوارد ذكرها في هذه الرسالة الثالثة: ١- الآية ١٩ من سورة إبراهيم: تفسير الجلالين بهامش الفتوحات الإلهية ج ١ ص ٥٢٠ طبعة الحلبي بمصر. ٢- الآية ٨٣ من سورة مريم: أ- تفسير أبي السعود ج ٥ ص ٢٨١ الناشر مطبعة ومكتبة عبد الرحمن محمد بالقاهرة. ب- تفسير الكشاف للزمخشري ج ٢ ص ٥٢٤ طبعة الحلبي بمصر. ٣- الآية ٦٣ من سورة الحج: أ - الفتوحات الإلهية ج ٣ ص ١٧٨ طبعة الحلبي بمصر. ب- تفسير أبي السعود ج ٣ ص ٢٣٣ الطبعة السالفة الذكر. ج- تفسير القرطبي ج ١٢ ص ٩١ الطبعة الثانية المصورة عن طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة. د - تفسير البحر المحيط أبي حيان الأندلسي ج ٦ ص ٣٨٦ الطبعة المصورة عن طبعة السلطان عبد الحفيظ سلطان المغرب. الناشر دار الفكر. ٤- الآية ٤١ من سورة النور: أ - الفتوحات الإلهية ج ٣ ص ٢٣٠ الطبعة السالفة الذكر. ب - تفسير أبي السعود ج ٦ ص ١٨٢ الطبعة السالفة الذكر. ٥- الآية ٢٧ من سورة فاطر:

стр. 10098

أ - تفسير أبي السعود ج ٧ ص ١٥٠/ ١٥١ الطبعة السالفة الذكر. ب - تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج ٧ ص ٣١١ الطبعة السالفة الذكر. ٦- الآية ١٢ من سورة الفيل: أ- البرهان للزركشي ج ٢ ص ٣٤٠ طبعة الحلبي بمصر (طبعة ثانية) . ب- تفسير أبي السعود ج ٩ ص ٢٠٠ الطبعة السالفة الذكر. ج- تفسير القرطبي ج ٢٠ ص ١٨٧ الطبعة السالفة الذكر. ٧- الآية ٤٨ من سورة النحل: أ- الفتوحات الإلهية ج ٢ ص ٥٧٣ الطبعة السالفة الذكر. ب- تفسير أبي السعود ج ٥ ص ١١٨ الطبعة السالفة الذكر. ج- تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج ٥ ص ٤٩٥ الطبعة السالفة الذكر. ٨- الآية ٧ من سورة الشعراء: تفسير أبي السعود ج ٦ ص ٢٣٤/ ٢٣٥ الطبعة السالفة الذكر. -------------------------------------------------------------------------------- [١] تفسير الكشاف للزمخشري ج ٢ ص ٥٢٤ طبعة الحلبي بمصر. [٢] تفسير أبي السعود ج ٥ ص ٢٨١ الناشر مطبعة ومكتبة عبد الرحمن محمد بالقاهرة. [٣] البرهان للزركشي ج ٢ ص ٣٤٠ طبعة ثانية للحلبي بمصر. [٤] تفسير الجلالين هامش الفتوحات الإلهية ج ٤ ص ٥٨٦ طبعة الحلبي بمصر. [٥] تفسير القرطبي ج ٢٠ ص ١٨٧ الطبعة المصورة عن طبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة. [٦] تفسير أبي السعود ج ٩ ص ٢٠٠ الطبعة السالفة الذكر. [٧] حاشية الدسوقي على مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري ج ١ ص ٢١٧ الناشر مطبعة ومكتبة المشهد الحسيني بالقاهرة. [٨] حاشية الدسوقي على مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري ج ١ ص ٢١٧ الناشر مطبعة ومكتبة المشهد الحسيني بالقاهرة.

стр. 10099

[٩] مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري ج ١ ص ٨/٩ تحقيق الدكتور مازن المبارك وزميله، الناشر دار الفكر. [١٠] مغني اللبيب لابن هشام الأنصاري ج ١ ص ٩/١٠ تحقيق الدكتور مازن المبارك وزميله. الناشر: دار الفكر

стр. 10100

المرأة المسلمة فضيلة الشيخ يوسف الهَمَذاني مدرس بالمعهد الثانوي ذرة في صدف مكنونة حرة تعلو على كل الدرر قد تناهت في سناء وسنى وزها رونقها حين استتر نورها الوضاء صاف مشرق شف عن قلب مضيء كالقمر كسفت كل بريق زائف لامع السطح تسدى بالكدر كاد أن يظهرها لألاؤها باهرا لولا ستور وخفر فمضت كالنجم لم يسم لها كل ممدود الذراع والبصر صانها الله لموعود بها أمل الخير وأبلى وصبر شكر الله على آلائه وحبا الله بفضل من شكر فهداه لَحَصان بَرّة وإلى الخيرات يهدي كل بر قدم الله بها بشرى له بنعيم في الجنان مدخر زاده نعمى وإيناسا بها فهي عيش وسلام وظفر ورعى الله الذي بينهما من صحيح الود دنيا وأخر

стр. 10101

ما أضاع الحق إلا من بكاه للدكتور إبراهيم حسن إبراهيم الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين لهفي عليك أخي الشهيـ ـد. .شهيد معركة الطغاة صبوا عليك قنابل الـ أحقاد أعداء الحياة قد مزقوا جسد النحيـ ل فطار في كل اتجاه في كل شبر منك جز ء عاش يشكو للإله فبعينه وبسمعه كل الذي فعل الجناة لكنه يملي لهم أمرا بحكمته قضاه فإذا تمكن عرشهم وتربعوا فوق الجباه وتردت الدنيا لهم ثوب الصفاء حلا سناه وعلا علوهمو وقد خالوا الزمان دنا جناه حُمّ القضاء فجردوا من كل سلطان وجاه ورمتهم الدنيا عرا ة مثلما ترمي النواه وتبرمت بهمو رمو س طالما وسعت أباه والترب يصرخ.. يستقي ء تقززا مما يراه والدود من نتن الروا ئح يشتكي عما براه وجهنم تعوي تصيـ ح: لبئس ما جوفي حواه ماذا جنت أرضي؟ وأي الذنب شعبي قد جناه عشنا دهورا في سلا م. . كلنا يرعى أخاه في ظل شرعة ربنا سمت الرعية والرعاة حكامنا للدين كا نوا قوة تحمي حماه والفتح يتلو الفتح والـ إسلام مسرعة خطاه والخير في كل البقا ع يضوع من عظم شذاه سعد الجميع بعدل ديـ ـن الله..ما عدل سواه والكفر باء بحسرة يطوي على كمد أساه لكن إبليس اللعيـ ن يصيح: صبرا يا أباه لا يوئسنك أن تر ال أقوام في خير سعاه فلربما خلف يجي ء.. يهدّ ما رفع البناه تمضي القرون على الخبيـ ث وما تلين له قناه بل كلما فترت جذا ء الكفر.. سعرها لظاه [١] مترقبا كل المرا صد. . بالعشي وبالغداه ويظل يغوي بالضلا ل قلوب جهال عماه [٢] وإذا رأى خور العقيـ دة عند ذي ضعف سباه وبذا تبدل حالنا ويلاه! ما فعل السفاه؟!

стр. 10102

قد هدموا صرح القدا سة.. مزقوا طهر الصلاه هم فرقوا منا الليو ث، وأكثروا فينا الشياه هم أهدروا منا الدما ء.. وويل من هدرت دماه هم أسلمونا للطغا ة.. وإنهم شر الطغاه جفِّف دموعك يا شقيـ ق: فلن نفيد من البكاه سيظلّ صوت شهيدنا يعلو كما يعلو صداه قم يا شقيقي لا تنم عن أخذ ثأري في صباه ما بالدموع يكون ثأ ر..لا.. ولا تسمو الجباه ما بالدموع نعيد حقـ ـا ضائعا سلب الغزاه ما بالدموع نزيح عن قدس الطهارة ما شجاه ما بالدموع يعود بشـ ر للقلوب.. أو الشفاه كفكف دموعك: ما أضا ع الحق إلا من بكاه ما للضعيف كرامة إن الكرامة للكماه حول دموعك يا أخي مدافعا تردي البغاه واجعل أساك لظى يحر ق كل أعداء الحياة واصبب عليهم من لهيـ ـب الحق ما يعي الرماه واسحق عدو الله ... ذا ك جزاء ما اقترفت يداه وتذكرن أخاك قد لبى الندا لما دعاه فعلى دروب الحق سر قدما كما سار الهداه ذكريات من المدينة شعر الشيخ عبد الحميد عباس ألا كم نعمنا بظل النخيل فسقيا لأيامنا الخاليه! وكم قد شربنا المعين الزلال بكأس على حبنا صافيه! ويا ليت شعري أين الجرين وأين المحارث والسانية! ومن لي بنفح النسيم العلي مع الصحب في (برزة) العاليه! فهل لي إلى ما مضى رجعة إلى الأهل في أرضنا الغاليه! تمر الليلي وأيامها علينا كأحدوثة باليه -------------------------------------------------------------------------------- [١] جذاء: جمع جذوة [٢] عماه: عُمي.

стр. 10103

حوار مع الدكتور مصطفى محمود بقلم الشيخ محمد المجذوب في ترجمتي التحليلية لأفكار الدكتور مصطفى محمود قلت - ص ٣٩٤ -: (ومع أن الأخ الدكتور قد شارف مطالع الطريق إلى الحقيقة، وتكشف له الكثير من الحجب التي كانت تحول دونها؛ فاستعاد إيمانه بالكتاب والنبيين، وأدرك مسافة الخلف ما بين المخرفين والمؤمنين، فهو لا يزال في مسيس الحاجة إلى الاستزادة من قراءة الحديث الصحيح، والاتصال بمؤلفات الصفوة من خدمة هذا العلم النبوي؛ ليزداد قلبه إشراقا بنور الوحي، الذي لا يغني فيه القرآن عن الحديث، ولا الحديث عن القرآن) . وهاهي ذي ثلاث سنوات تعبر على تلك الكلمة، وكأنما كتبت اليوم، فهو لا يزال ضاربا في ملاحقة الأشعة التي تبرق لعينيه من أفق الحقيقة، فإذا أضاءت له مشى على هدى، وإذا زاغ عنها بصره جمد في موقعه لا يدري كيف يتجه.. ومن هنا جاء ذلك الاضطراب في مسيرته، فبينما هو محلق في جواء النور يترنم بألحان السعادة فيشوق ويطرب، إذا هو من الجانب الآخر ناشز الصوت، مشوش النغم، يخبط في ظلمات لا ضوء فيها ولا دليل. لقد أعانه حبه الحق على التحرر من أخطائه السابقة، ولكن بقية من أشراك الفلسفة والتصوف ومؤثرات الاعتزال، إلى قصوره المعهود في مجال الحديث تحقيقا وفقها، قد قعدت به عن الانطلاق المنشود، فهي تشده بين الحين والآخر إلى القول بما لا يطمئن إليه عقله ولا قلبه، فيبعث من لا يعرف خلفياته النفسية والفكرية على سوء الظن بمراجعه وبواعثه، وسأقف من هذه المفارقات على بعض ما لمست في كتابه الذي جعل عنوانه (الله) . - إن هذا الكتاب معرض غير منظم لمفهوماته في أخطر البحوث المتصلة بموضوع التوحيد.. فهو يتحدث عن ذات الله وصفاته وعمله سبحانه في الكون.. وما إلى ذلك مما لا سبيل معه إلى العصمة من الشطط، إلا أن يلتزم الكاتب فيه طريق الوحي من كتاب الله والصحيح في السنة.

стр. 10104

ولقد قصرت طاقة الدكتور مصطفى في نطاق الوحيين؛ فجاء عمله في هذا الكتاب كما قيل في شعر أبي تمام (كساحة الملوك فيه الذهب وفيه الخزف) . فبينا هو يواجه القارئ بمثل هذا التقرير الجريء عن الله تبارك اسمه (لا يمكن أن يقال إنه فوق أو تحت أو عن يمين أو عن شمال، أو داخل أو خارج) . - ص ٨ - وأنه جلت صفاته (يتخلل كل شيء في حضور كامل.. - ص ٩ -) إذا هو - في ص ٣٥ - يقول: (وكما لا يصح أن نتصور علاقة الله بنا اتحادا فإنه لا يصح أن نتصورها حلولا..) إلى أن يقول في الصفحة نفسها: (ويبقى الله دائما في علاء مطلق وفي تنزيه وتجريد، فهو العلي المتعال، له الفردانية الكاملة المبرأة عن الحلول والاحتواء في الزمان والمكان..) . وغير خاف أنه في الفقرتين الأوليين إنما يستمد من رواسبه الصوفية التي تنفي عن الخالق جهة العلو وتقول بأنه الموجود في كل الوجود، على حين يتنصل في الفقرتين الأخريين من ذلك المفهوم فيرفض كل مقررات الصوفيين، ويقر لربه بالعلو المطلق اللائق بجلاله سبحانه. وإنه لتناقض لا مفهوم له سوى أن الرجل في صراع مستمر بين مواريث التصوف وموحيات الشرع والعقل. - واستمع إليه ينظر إلى صفات خالقه من زاوية التمحل الإغريقي، فيفسر معنى (الصمد) بأنه (ساكن سكونا مطلقا – ص ٩ و١١ -) و (لا يتحرك ولا يتنقل ص٩) . وإنما يقرر ذلك لما رسب في ذاكرته من تعريفات فلسفية تنفي عن الحق سبحانه كل ما يضاد السكون، لأنه بنظرهم خاص بالمحدثات التي يحتويها المكان، فانتقالها دليل حدوثها.

стр. 10105

ولا ندري كيف يوفق بين هذه الظنون وبين الحقائق التي يحملها القرآن الخالد إلى قلوب المؤمنين، حيث يصف مُنْزِله نفسه عز اسمه بالمجيء ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٨٩/ ٢٢، وبالإتيان ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ٢/ ٢١٠، والتي يفصلها الحديث الصحيح في قوله ﷺ : "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر.." [١] . ومن هذا المنطلق يأتي نفي الدكتور صفة الكلام عن ربه ﵎ فيقول: (وهو المتكلم بدون حروف وبدون كلمات..- ص ١٢ -) ، يحدوه إلى ذلك الحكم الخاطئ ما ألفه في العادة من أن التكلم لا يكون إلا بلسان وشفتين، ناسيا أن سبحانه ليس كمثله شيء، وأنه في زمان أصبح يسمع فيه الكلام من شريط لا شفة له ولا لسان.. ولو هو قد عاد إلى قلبه لأنكر إنكاره؛ إذ يعلم أن في نفي الحرف والكلمة عن كلام الله نفيا للقرآن نفسه، الذي يتألف من الحروف والكلمات، والذي يقرأ فيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ – ٩/ ٧، و ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ – ١٨/ ١٠٩. ولقد تأخذه الشطحات حتى يدخل في متاهات أصحاب وحدة الوجود الذين ينكرون عمل الإنسان وأعيان الموجودات، (فليس في الدنيا سوى الله، الوجود هو الله وأفعاله ولا غير - ص ٤٢-) و (الزاهد الموحد) – بنظره - هو الذي تتلاشى من مداركه صور الأشياء حتى (لا يرى في أي شيء سوى الله وفعل الله – ٥٦/ ٥٧) .

стр. 10106

وهكذا يمضي الدكتور في معميات الطرقيين يردد مزاعمهم حتى ليسوقه ذلك إلى الوقوع في أوهام صوفية النصارى الذين يصفون ربهم بأنه (محبة) ؛ فيصفه تعالى بأنه قوة - ص ٦٤ - وقد غفل عن كون القوة كالمحبة اسم معنى لا وجود له إلا في الذات الموصوفة به، كعطف الأم على ولدها نسميه حبا، وهو أثر من المحب لا قيام له إلا به.. وغير بعيد عن ذلك اعتباره نحل النصرانية على اختلافها (متفقة على توحيد الله، رغم قولهم بثالوث الأب والابن وروح القدس - ٧٩ -) . فلقد تلاشت في منظور الدكتور حدود الأشياء حتى لا يفرق بين التوحيد والشرك، وما أحسبه إلا قرأ قصة فولتير يوم أن تلقى أول درس في عقيدة التثليث على يد القس الجزويتي، الذي حاول إقناع تلاميذه الصغار أن الثلاثة واحد، فلما ترك الفصل لمدرس الحساب، جعل هذا يدربهم على جمع الأعداد، ثم جعل يختبر فهمهم للدرس فسأل فولتير: واحد زائد واحد؟. فأجاب فولتير: إنهما اثنان، فقال الأستاذ فإذا أضفنا إليهما ثالثا، أجاب الصغير: يصبح الثلاثة واحدا.. ويكرر الأستاذ السؤال مستعينا بوسائل الإيضاح، فلا يغير فولتير من جوابه.. وحينئذ لم يجد المدرس بدا من توبيخه؛ فصرخ: يا حمار!، ولكن الصغير رد بقوة: الحمار يا أستاذ هو القس الذي أرادنا على الإيمان بأن الثلاثة واحد.. أما أنا فألمح في مسلك الدكتور آثار الرواسب الصوفية التي تصرفها الشطحات عن تبين الحدود، فلا ترى أي فرق بين الكلام كما أنزله الله، والديانات التي شوهها المحرفون، فإذا العقائد جميعها في مفهوم القوم، كما ينادي بذلك كبيرهم ابن عربي في قوله: لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني فأصبح قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن

стр. 10107

ومن الرواسب الأخرى التي يعاني الدكتور مصطفى من عقابيلها ما استقر في تفكيره من نظريات النشوء والارتقاء.. فقد بدا لي أنه مأخوذ بكل ما تنطوي عليه من حق وباطل، فهي بالنسبة إليه (قالب تفكير) لا يسعه مفارقته قيد أنملة.. وبدافع من ذلك نراه يجهد عقله لتحويل مدلولات الآيات القرآنية المتصلة بقضية الخلق، إلى توكيد كل ما يتعلق بمقولات الداروينيين في هذا الصدد، ولو اضطر من أجل ذلك إلى رفض كل مفهومات السلف من مفسري الكتاب الحكيم، وإلى تجاهل كل البحوث التي ألفها أساطين العلماء شرقيين وغربيين، في نقض تلك النظرية.. ولعلي لا أجانب الواقع إذا قلت إن وقوفه عند ترديد هذه الأقاويل، التي استنفدت أغراضها في الأوساط العلمية يمت بصلة وثيقة إلى المؤثرات الماركسية السابقة، فهو على الرغم من كفره بتلك الصلة، والحرب الشعواء التي يشنها على دعاتها، لم يستطع التخلص من سلطانها على أفكاره، وبخاصة في معارضته للدعوة التي تملأ مصر هذه الأيام إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، ثم في مفهوم التطور الذي تقوله الماركسية بشموله المطلق لكل شيء دون استثناء.. وقد سبق أن ناقشنا الدكتور مصطفى في الجانب الأول أثناء تلاقينا في مدينة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وفي ترجمتنا له ونقدنا لأفكاره في كتاب (علماء ومفكرون عرفتهم) ، وعلى الرغم مما ألفنا لديه من حسن تفهم لخصائص الحكم الإسلامي، لا يبرح جاثما على موقفه المتنكر أو المتردد.. وهو موقف ناشئ عن ارتباطه المنهجي بتلك المؤثرات الخلفية، التي تفرض عليه الظن بأن التطور الشامل لكل تحرك حضاري منظور، لا يمكن أن يفقد سلطانه بإزاء الوحي الذي تعهد الله سبحانه بحفظه كما أنزل وإلى الأبد. وقد أدى ارتباط الدكتور مصطفى بهذا المنهج إلى ألوان من الشطط برزت في الكثير مما يكتب ويحاضر.

стр. 10108

ففي الجانب السياسي لا يستطيع أن يصدق أن نظام الإسلام يمكن أن يحقق مهمته في إصلاح الأوضاع البشرية، بعد ذلك الانحراف الكبير الذي أحدثه التطور المستمر في هذه الأوضاع.. وقد فاته - وهو الطبيب - أن العمل الواجب نحو المريض هو تداركه بالعلاج الصحيح بالغا ما بلغ ثمنه وزمنه.. وأن حرمانه من هذا العلاج توقعا لشفائه عن طريق التطور، لن يزيده إلا إمعانا في البلاء واقترابا من النهاية.. فخير لمصر إذن أن تبدأ بالعلاج الصحيح فورا دون تأخير، رحمة بنفسها وبالعالم الإسلامي، ومن ثم بالمجموعات البشرية التي فقدت صمام الأمان في كل مكان. وإيمانه بعدم محدودية التطور على مذهب الماديين هو الذي ساقه إلى تبني نظرياتهم المتهافتة في موضوع نشوء الشعور الديني، فراح يؤكد مزاعمهم بمثل قوله: (.. أدرك الإنسان البدائي بوجدانه أن روحه في حاجة إلى عقيدة يأوي إليها..) لكنه (لم يستطع أن يعرف حقيقة الإله المعبود من أول وهلة..) (فظن أباه الميت هو الله فعبده وذبح له..) ، ثم تطورت عبادة الأسلاف لتصبح عبادة لله - ٦١ و ٦٢-) ، وينتهي من ذلك إلى القطع بأن (أول خطوة نحو توحيد حقيقي.. هي التي حققها إخناتون نبي الفراعنة بحق - ٦٣-) ، ويبقى عليه أن يحدثنا عن موقف الإسلام من ذلك فيقول: من هنا تأتي فكرة الإسلام عن الله الواحد الأحد المتعال الذي ليس كمثله شيء؛ لتكون الذروة والخاتمة لذلك التجريد الخالص - ٨١ -) . فهو إذن يقرر جازما أن الدين حاجة وجدانية خضعت لسلسة من التجارب والتطورات صارت بها إلى دائرة التوحيد في مرحلة متأخرة، وكان أول المحققين لها إخناتون – ملك مصر العليا والسفلى - تماما على النحو الذي يسلكه من يسمونهم علماء الاجتماع في الغرب، والدائرين في فلكهم من أبناء المسلمين..

стр. 10109

ولا تفسير لذلك سوى الغرور الذي صرف هؤلاء وأولئك عن نور الوحي إلى زخرف القول، فأعرضوا عن نبأ السماء الذي لا يأتيه الباطل، إلى محض الظن وما تهوى الأنفس.. وإلا كيف يسمح مسلم لنفسه بالجري وراء هذه الأوهام وهو يقرأ في كتاب ربه أن أول إنسان هو أول نبي، وأن معرفة الله وتوحيده هما الأمانة التي حملها كل نبي إلى قومه تحقيقا للوعد الإلهي الذي تلقاه آدم في قول الحكيم العليم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ ٢٠/ ١٢٣، ١٢٤، وإنه لوعد صريح الدلالة بأنه تعالى مزود ذرية آدم على الدهر بالرسالات التي لا يضل المستضيء بها طريق الحق أبدا، وإنما يتسرب الزيغ إلى الإنسان من مفارقته حقائق الوحي إلى مغريات الشيطان الذي أقسم من يومه الأول ألا يدخر وسعا لإفساد عقيدة الإنسان الذي كرمه الله عليه. ولا جرم أن مجرد التسليم لأوهام القائلين بسبق الوثنيات لأصول التوحيد إنما هو إنكار لمحكمات القرآن الذي يقرر - كما أسلفنا - أن أول إنسان هو أول داع لحقائق الإسلام. وإنا لنربأ بالدكتور مصطفى محمود - وقد أخرجه الله من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان - أن يستمر على الثقة بأولئك الخراصين الذين يقول ربنا في أمثالهم ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ – ١٨/ ٥١.

стр. 10110

ومرة أخرى نذكر بعلاقة هذه الأوهام بمزاعم داروين وماركس؛ إذ ان مجرد الإيمان بتنقل الحي خلال مراحل التطور من محض المادة إلى الخلية الحية، إلى التركيب الأعلى الذي صار إليه الإنسان، كاف لقبول كل طرح فكري ينطلق من منافذ الظن، الذي هو أكذب الحديث.. وفي هذه الحال لا يبقى مجال للقول بأب واحد للبشر كما يعلن البلاغ الإلهي، بل لابد من القول بأصول متعددة لأجناس بشرية متعددة، فلا آدم، ولا حواء، وبالتالي لا أخوة إنسانية ولا رسالة إلهية، فلا وحي ولا دين، وإنما الدين - كزعم فرويد - (نوع من التسامي بغريزة جنسية، كانت كراهية للأب فاستحالت مع التطور شكلا ظاهريا من التكفير عن الذنب بحب لا يلبث أن يتحول إلى عبادة - ص ١٠٩ -) . وطبيعي أن تصورا كهذا لا يتسع للإيمان بوجود الخالق الحكيم، ولا يسوغ القول بالميراث السماوي الذي يحدد المسيرة العليا للنوع البشري عن طريق النبوة، وأنا لا أسمح لقلمي باتهام الدكتور مصطفى بالانصياع لهذا الاتجاه المظلم عن سابق تصميم، معاذ الله! فأنا لا أزال على حسن الظن به على الرغم من إصراره على السير وراء أولئك الأفاقين، إلا أنني أصور المسلك الذي تورط فيه كما هو الواقع، ومن قبل صور لنا الله - تقدست كلماته - واقع أناس قالوا كلمة الكفر، فلم يشفع بهم مجرد انتسابهم إلى مجتمع الإسلام. على أن ثمة زلة لا تقل وزنا عن هذه الطامات في كتاب الدكتور.. وذلك في زعمه نبوة إخناتون.. وهو قول عجيب يذكرنا بمفهوم النبوة في (العهد القديم) ، حيث نراها ضربا من السمو الفكري المكتسب، فلا وحي ولا عصمة، بل إن النبي في ذلك (العهد) لا يترفع عن اقتراف أدنى الدنايا.. وأعجب من ذلك وصفه إياه بأنه (نبي الفراعنة بحق - ٦٣ -) على حين لا يلبث أن ينسب إليه الضلال في أخص خصائص العقيدة فيقول: (إخناتون يخطئ في تصوره لله) ؛ إذ يزعم أنه (ابن الله الذي ولد من صلبه – ٨٣ -) .. تعالى الله عما يقول الظالمون..

стр. 10111

وبعد فهذه تفصيلات لمآخذ كنت قد كتبت خطوطها الأولى في أعقاب قراءتي لكتاب الدكتور عن (الله) ﷻ .. ولما أعدت النظر فيها وجدتها لا تزال صالحة للبسط؛ لأنه لا يزال مصرا عليها في أحاديثه المقروءة والمسموعة.. وسأكون جد مغتبط إذا أدت المرجو منها في تعديل أفكار ذلك الرجل الذي أحببت فيه الوداعة، ولمست من خلال أحاديثه الخاصة صفاء الروح وحب الحق.. وأعجبت بالكثير من تأملاته المتوجهة.. - وأخيرا أرى من الإنصاف لذلك الكتاب أن لا أغفل الإشارة إلى بعض حسناته التي تستحق كل تقدير، وقد نثرت كالأزاهر الرائعة في أثنائه، وحسبي أن أوجه نظر قارئه إلى رده على المتصوفة المضللين- ٣٥ و ٥٥ - ومقارنته بين حلي الكافر والمؤمن - ٤٤و ٤٥ - ونقوله البارعة عن عقلاء عرفوا طريقهم إلى الحقيقة في ضوء المخابر والتفكير الحر – ٩٦و ٩٧ -.

стр. 10112

وما أكثر تعابيره المضيئة هنا وهناك، وبينها مثل قوله في العقل والبصيرة: (وإنما شأن العقل كمصباح يلقي بنوره إلى مدى معين ثم تبدأ منطقة من الظلام، لا دليل فيها إلا نور البصيرة، وهدى القلب – ٥٤ -) ، وقوله الآخر في تعريف الزهد الحق بأنه (هو الضن بالحياة أن تضاع في اجتلاب الترف الفارغ - ٥٥ -) ، وما أحكم رده على القائلين بقدم المادة وتطورها طبقا لما يسمونه بالقوانين الجدلية حيث يقول: (من الذي وضع تلك القوانين في المادة؟ وكيف يوجد نظام بلا منظم؟.. ونسوا أن إسقاطهم لقانون السببية وتصورهم لخلق بلا خالق هو إسقاط للعلم كله، وخروج على الفكر العلمي في بداهته الأولى - ١٠٧ -) ، ومن هذا القبيل تسفيهه مدعيات القائلين (إن الدين هو حسن السير والسلوك ومكارم الأخلاق.. وهي مما يهتدي إليه الإنسان بعقله وبالوازع الاجتماعي بدون حاجة إلى دين..) ؛ فلهؤلاء الخراصين يقول: (الدين ليس هو الأخلاق، وإنما هو مرتبة أعلى من الأخلاق.. فإذا كانت الأخلاق وظيفتها تحقيق الانتماء إلى الجماعة الإنسانية على أحسن صورة.. فالدين وظيفته أشمل، وهي تحقيق الانتماء إلى الكون والوجود والله على أفضل وجه - ١٠٨ -) . ومن البديهيات التي لا تعزب عن مثل الدكتور مصطفى محمود أن لا سبيل إلى توافر هذا الانتماء على وجهه الصحيح إلا بالالتزام التام لمقررات الكتاب المحفوظ وسنة مبلغه المعصوم، وهو مطلب مستحيل التحقيق إذا لم نضرب بكل رأي أو ظن يخالفهما عرض الحائط.. ولو اقتضانا ذلك أن نخسر تطبيل الدجالين وتزمير المهرجين. والله نسأل لنا وله العصمة من الزلل الوبيل، والهداية إلى أقوم سبيل. -------------------------------------------------------------------------------- [١] من حديث متفق عليه.

стр. 10113

من عقائد السلف الرد على الجهمية للإمام الحافظ ابن منده - ٣١٠- ٣٩٥هـ (الحلقة الأولى) تحقيق وتعليق الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي الأستاذ المساعد بكلية الدعوة وأصول الدين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد: فإن لعلماء السلف دورا كبيرا في الرد على النزعات الفلسفية التي دخلت على الفكر الإسلامي من أعدائه، ذلك أن الجهم بن صفوان المتوفى سنة ١٢٨ مائة وثمان وعشرين مقتولا، أخذ مقالته في نفي صفات الله تعالى عن الجعد بن درهم، والجعد أخذ التعطيل عن أبان بن سمعان، وأخذ أبان عن طالوت، وأخذ طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر رسول الله ﷺ ، هذه سلسلة سند المعطلة الذين أنكروا صفات الباري ﵎. لذلك فقد نشط علماء السلف في الرد على أهل التعطيل؛ إذ ليس إنكار الصفات إلا رأيا فلسفيا تسرب إلى صفوف المسلمين من أعدائه، وردود السلف في القرون الأولى يعتبر أول رد على هذه النزعات في تأريخ الإسلام الذي توسع فيه من جاء بعدهم إلى عصر شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 10114

وقد صنف السلف في ذلك مؤلفات كثيرة تبين فساد آراء ومعتقدات هؤلاء المعطلة الذين أعمتهم أنوار النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، فأرادوا ردها، وحتى يقبل منهم ذلك تستروا في جُنّة ظلام التأويل، وهو في الحقيقة تحريف لتلك النصوص الصريحة عن مواضعها، غير أن الذي نشر من هذه المؤلفات في العقائد السلفية التي تعتمد على صريح القرآن وصحيح السنة قليل بالنسبة لما لم ينشر، وعقائد الإسلام لا يمكن أن تكون قائمة على سوقها مؤتية لثمارها إن لم تتناول ما كتبه علماء السلف من القرن الثالث والرابع ومن نهج نهجهم من بعدهم إلى عصرنا هذا. وكتاب ابن مندة هذا (الرد على الجهمية) الذي نقدمه للقراء واحد من تلك السلسلة التي انتظمها كتاب الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية والزنادقة، ومن سلك مسلكه كالبخاري والدارمي وغيرهما من علماء السلف. نرجو الله تعالى أن ينفع به، وأن يوفق المسؤولين في جامعات المملكة نشر تراث سلفنا الصالح، وإخراج ما خلفه علماؤنا لخدمة العقيدة الإسلامية المعتمدة على صريح القرآن وصحيح السنة، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الإمام ابن مندة: (٣١٠هـ- ٣٩٥هـ) . هو الإمام الحافظ الجوال محدث الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة [١] ، واسم مندة إبراهيم بن الوليد بن مندة بن بطة بن استندار بن جهار بخت، وقيل اسم استندار هذا فيرزان، وهو الذي أسلم حين فتح أصحاب رسول الله ﷺ أصبهان. مولده: ولد سنة عشر وثلاثمائة، أو إحدى عشرة وثلاثمائة. وقد لقي ابن مندة منذ صغره عناية وتوجيها من أبيه؛ فقد بث في روحه التقى وحب السنة المطهرة؛ ولذا نجد في ترجمته أن أول سماعه كان في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة، وعمره حينذاك بين السابعة والثامنة، وتوفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. أسرته:

стр. 10115

وبيت بني مندة بيت علم ورواية وتمسك بالسنة وذب عنها، يقول الذهبي في ترجمة ابن مندة: وقد أفردت تأليفا بابن مندة وأقاربه، وما علمت بيتا في الرواة مثل بيت بني مندة؛ بقيت الرواية فيهم من خلافة المعتصم وإلى بعد الثلاثين وستمائة [٢] . حياته العلمية: والباحث في حياة الإمام الحافظ ابن مندة يجد فيها مثال العالم العامل الدؤوب الجاد في تحصيل العلم، والحريص على جمعه وتطبيقه في المسائل الدينية لا سيما ما يتعلق منها بالأمور الاعتقادية، فهو الحافظ المحدث الذي لم يبلغ أحد مبلغه في كثرة الشيوخ الذين سمع منهم وأخذ عنهم، وهو بعد ذلك المصنف في الحديث وعلومه، وفي التفسير والتاريخ، وفروع العقيدة؛ وذلك لعلمه أن مصدر العقيدة الإسلامية الصحيحة بعد كتاب الله تعالى السنة المطهرة، ولذلك نجد من مؤلفاته في العقيدة الكتب التالية: كتاب الصفات، كتاب الرد على اللفظية، كتاب في النفس والروح. وقد ذكر هذه الكتب الثلاثة الذهبي [٣] ضمن مصنفات ابن مندة، وهي في حكم المفقود. وكتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد [٤] ، وكتاب الإيمان على رسم الاتفاق والتفرد [٥] . وكتاب الرد على الجهمية، وهو هذا الذي نحن بصدد تحقيقه ونشره.

стр. 10116

وقد ضمن هذا الكتاب الرد على فرقة الجهمية، وعلى رأسها زعيمها الأول ومؤسس بدعتها جهم بن صفوان المتوفى سنة ١٢٨ مقتولا [٦] ، ذلك الذي تأثر بعناصر فلسفية في نفي الصفات، وبعناصر يهودية، وصابئة، وبوذية في ترمذ والكوفة وحران [٧] ، فطلع على الناس ببدعته في نفي الصفات، والقول بخلق القرآن والقول بالجبر؛ لأن الله عنده لا يمكن أن يتصف بصفة تكون مشتركة بينه وبين خلقه، فذلك في تصوره يقتضي التشبيه، إلا أنه أثبت أن الله قادر وفاعل؛ لأن العبد لا يوصف عنده بقدرة ولا فعل [٨] ؛ لأنه يقول بالجبر، ولما كان مذهبه هذا يؤدي إلى تعطيل الصفات، وإلى تعطيل التكليف، والشرع، وإبطال النبوات والرسالات - لأن الإنسان عنده، لا كسب له ولا اختيار وإنما هو ريشة في مهب الرياح - اشتد إنكار السلف عليه وبينوا بطلان مذهبه، ومن هؤلاء ابن مندة؛ فقد استعرض في هذا الكتاب عددا من الصفات التي أنكرها الجهمية، ورد على هؤلاء المنكرين لحقائق هذه الصفات، بما ورد في القرآن الكريم، وما ثبت في صحيح السنة، مما رواه الشيخان وغيرهما، ثم أتبعهما بأحاديث وآثار منها الحسن ومنها الضعيف، أوردها بأسانيدها وأشار إلى ضعف بعضها أو عدم ثبوته، والضعيف منها لا يعدو أن يكون إيراده متابعة أو استشهادا، إذ الاعتماد على ما جاء في كتاب الله الكريم والثابت من السنة الوارد في الصحيحين وغيرهما فقد صدر المصنف الأبواب التي ذكرها بالآيات القرآنية والأحاديث الثابتة.

стр. 10117

ثم أورد بعد ذلك آثارا من أقوال الصحابة والتابعين ليبين بها أن مذهب سلف هذه الأمة في آيات الصفات وأحاديثها إثبات معانيها لله عز جل من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، بل على أساس قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى لمن سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال له: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، ثم قال: ولا أراك إلا مبتدعا وأمر بإخراجه. وحين ظهرت بدعة الجهم واعتنقها كثير من الناس؛ لجهلهم بالكتاب والسنة هب علماء السنة للرد على هذه البدعة، ولبيان مذهب الحق في ذلك؛ أداء للأمانة ووفاء للعهد الذي أخذه الله على العلماء في بيان الحق وعدم كتمانه.

стр. 10118

وقد ذكر الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار) عددا من الأئمة الذين أنكروا على الجهمية آراءهم المنحرفة، وما الجهمية إلا آراء واعتقادات يعتنقها كثير من الناس حتى الآن، وهم لا يعرفون، والبعض منهم يتجاهلون تجاهل العارف أنها آراء الجهمية التي حذر منها العلماء، فالمعتقد لما جاء به الجهم جهمي وإن تسمى باسم آخر؛ إذ الأسماء لا تغير الحقائق، ولذا فإن نشر كتب السلف هذه من واجب الأمة ليستضيء بها الشباب المسلم، فهي من أمور الساعة، فحصوننا مهددة من داخلها- كما قال محمد محمد حسين - في السلوك والاعتقاد، ذلك أن بعض الدعاة المعاصرين يقولون: إن الجهمية وفرقا أخرى كالمعتزلة وغيرها قد انقرضت فلا حاجة إلى البحث فيها، فنشر مثل هذه الكتب لا حاجة إليه؛ لأنها تبحث في أمور لا يوجد من يعتنقها ويؤمن بها، وحتى نثبت ما أشرنا إليه من أن آراء الجهمية منتشرة بين أبناء الأمة الإسلامية، وأن الشباب في حاجة إلى بيان ذلك، ليعرف قيمة كتب السلف التي تبنى عليها العقيدة الصحيحة، فسنذكر بعضا مما أنكره الجهمية من صفات الله تعالى، فنقول: من الصفات التي أنكرها الجهمية: ١- كون الله في السماء، وأنه مستو على عرشه كما قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (الملك آية ١٦) وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه آية ٥) . ١- تأويل صفة النزول. ٢- القول بأن القرآن مخلوق. ٣- إنكار رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة. وغير ذلك من الصفات الثابتة في الكتاب، وفي السنة الصحيحة، كصفة الرحمة، والرضى، والغضب، والقدم، والضحك وغيرها، يقول الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار في صحيح الأخبار وسقيمها) بعد أن أورد الآيات، ثم الأحاديث وبين الصحيح من الضعيف منها، قال: "ذكر ما قاله الأئمة عند ظهور الجهم ومقالته" [٩] .

стр. 10119

فذكر ما نقل عن أبي حنيفة، وابن جريج، والأوزاعي، ومقاتل بن حيان عالم خراسان، وسفيان الثوري، ومالك إمام دار الهجرة حيث قال عنه: قال إسحاق بن عيسى الطباع قال مالك: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله، قال: وساق البيهقي بإسناد صحيح عن أبي الربيع الرشديني عن ابن وهب: كنت عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه آية ٥) ، كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة؛ أخرجوه. قال الذهبي: "هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل الستة قاطبة إن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراراه وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا" [١٠] . ثم أورد بعد ذلك قول الليث بن سعد عالم مصر، وسلام بن أبي مطيع، وحماد بن سلمة، وعبد العزيز بن الماجشون مفتي المدينة وعالمها.

стр. 10120

وقد ذكر عنه ما يأتي: قال: أنكر الجهمية قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، وقد قال المسلمون لنبيهم ﷺ : هل نرى ربنا يا رسول الله؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس.." الحديث، إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تملأ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط ويزوي بعضها إلى بعض"، وقال لثابت بن قيس: "لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة"، قال: وذكر فصلا طويلا في المعنى [١١] . ثم تابع ذكر أقوال العلماء في هذا الباب فذكر قول حماد بن زيد البصري الحافظ أحد الأعلام، وابن أبي ليلى، وسلام مقرئ البصرة، وشريك القاضي، ومحمد بن إسحاق ومسعر بن كدام أحد الأئمة [١٢] . ثم قال: طبقة أخرى تالية لمن مضى. فذكر جرير الضبي محدث الري، وعبد الله بن المبارك شيخ الإسلام، ونقل عنه فقال: صح عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: قلت لعبد الله بن المبارك كيف نعرف ربنا ؟ قال: في السماء السابعة على عرشه ولا نقول كما تقول الجهمية إنه هاهنا في الأرض [١٣] . ثم ذكر أقوال عدد من العلماء إلى أن قال: طبقة الشافعي وأحمد ﵄: روى شيخ الإسلام أبو الحسن الهكاري، والحافظ أبو محمد المقدسي بإسنادهما إلى أبي ثور وأبي شعيب كلاهما عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي ناصر الحديث رحمه الله تعالى قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما، إقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء كيف شاء، وذكر سائر الاعتقاد [١٤] .
следующие страницы →