← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.

стр. 10151

[٣٩] مغيرة بن مقسم، بكسر الميم الضبي مولاهم أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم، من السادسة مات سنة ست وثلاثين. ع /. تقريب التهذيب ٢/ ٢٧٠. قلت: وهنا روى عن إبراهيم، وهو النخعي، ولم يصرح بالسماع، وإنما عنعن. [٤٠] هو سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري. ثقة. تهذيب التهذيب ٤/ ٢٠٢. [٤١] أخرجه ابن جرير في التفسير ج ٢٩/ ٣٨، من طريق ابن حميد ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم به. [٤٢] أخرجه ابن جرير في التفسير ج ٢٩/ ٣٩، وذكر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ أن ابن مندة أخرجه. [٤٣] سورة القلم آية ٤٢. [٤٤] ابن جرير الطبري، التفسير ج ٢٩/ ٣٩. [٤٥] ابن جرير الطبري، التفسير ج ٢٩/ ٣٩. [٤٦] ابن جرير الطبري، التفسير ج ٢٩/ ٤٢، من طريق عكرمة ثم قال: وذكر ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ بمعنى تكشف القيامة عن شدة شديدة، والعرب تقول: كشف هذا الأمر عن ساق، إذا صار إلى شدة ومنه قول الشاعر: كشفت لهم عن ساقها ويدا من الشر الصراح وذكر السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٥ أن الحديث أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مندة من طريق عمرو بن دينار. [٤٧] في الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ قال ابن مندة: لعله في قراءة ابن مسعود: يكشف بفتح الياء وكسر الشين. [٤٨] القلم آية ٤٢. [٤٩] ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٥٤ قال: أخرجه ابن مندة في الرد على الجهمية عن أبي هريرة، وأصل الحديث في الصحيحين كما تقدم ح رقم ٢. وإنما الغرض من ذكره عن السيوطي هو إثبات نسبة الكتاب لابن مندة؛ لأن السيوطي اطلع على هذا الكتاب ونقل منه نصوصا سنشير إليها في مواضعها لهذا الغرض. [٥٠] سورة ق آية ٢٠.

стр. 10152

التعليق: مذهب سلف هذه الأمة في آيات الصفات وأحاديثها إثبات معانيها لله على مراد الله؛ لأنه أعلم بنفسه من خلقه، وكذلك ما ثبت عن رسول الله ﷺ مما وصف به ربه ؛ فهو أعلم الخلق بما يليق بجلال الله، كل ذلك على ما يليق بجلاله وكماله من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل وبلا تعطيل، بل على أساس قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وهذا هو منهج السلف في إثبات آيات الصفات وأحاديثها، وقد أتبع ابن مندة الآيات والأحاديث التي أوردها تحت أبواب هذا الكتاب بأقوال الصحابة والتابعين؛ ليبين أن ذلك هو منهجهم في إثبات صفات الله تعالى، وأن الخير كل الخير في اتباع سلف هذه الأمة لا سيما أهل القرون المفضلة، والله الهادي إلى سواء السبيل. [٥١] خ / التفسير / باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فتح الباري ٨/ ٥٩٥ ح ٤٨٥٠ من طريق عبد الله بن محمد ثنا عبد الرزاق به. وم / الجنة / باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٤/ ٢١٨٦ ح ٣٦ من طريق محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق به. وحم /٢/ ٢١٤ من طريق عبد الرزاق به. [٥٢] ما بين القوسين من البخاري ومسلم. [٥٣] خ / الأنبياء / باب خلق آدم وذريته / فتح الباري ٦/ ٣٦٢ ح ٣٣٢٦ من طريق عبد الله بن محمد ثنا عبد الرزاق به، وفي الاستئذان / باب بدء السلام، فتح الباري ١١/ ٣ ح ٦٢٢٧ من طريق يحيى بن جعفر ثنا عبد الرزاق به. م/ في الجنة / باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ٤/ ٢١٨٣ ح ٢٨ من طريق محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق به. [٥٤] خ / التفسير / باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ فتح الباري ٨/ ٥٩٤ ح ٤٨٤٨ من طريق عبد الله بن أبي الأسود ثنا حرمي بن عمارة به. وفي الأيمان والنذور/ باب الحلف بعزة الله فتح الباري ١١/ ٥٤٥ ح ٦٦٦١ من طريق آدم ثنا شيبان ثنا قتادة به.

стр. 10153

م / الجنة / باب النار يدخلها الجبارون ٤/ ٢١٨٧ ح ٣٧ من طريق عبد بن حميد ثنا يونس بن محمد ثنا شيبان عن قتادة به. [٥٥] أخرجه حم / ١/ ٢٥٦ من طريق عبد الله بن محمد قال ثنا عبدة بن سليمان به، وهو الحديث التالي. [٥٦] يوسف بن بهلول التميمي الأنباري بفتح الهمزة وسكون النون بعدها موحدة، نزيل الكوفة، ثقة من العاشرة، مات سنة ثماني عشرة، خ تقريب ٢/ ٢٧٩- ٢٨٠. [٥٧] لم أعثر على من خرجه، وتقدم الحديث رقم ١٠ المتفق عليه يغني عنه. [٥٨] مشكل الآثار لابن فورك ص ٩٧، وراشد بن سعد هو المقرائي، لم يدرك النبي ﷺ . انظر تهذيب التهذيب ٣/ ٢٢٦. [٥٩] الدارقطني / في الصفات ورقة ٣/ ب. خ. [٦٠] ابن جرير الطبري التفسير ٣/ ١٠. [٦١] ابن جرير الطبري التفسير ٣/ ١١. [٦٢] تقدم قول المصنف إن جعفر بن أبي المغيرة ليس بالقوي في سعيد بن جبير ولم يتابع. [٦٣] ابن جرير الطبري التفسير ٣/١٠ من طريق علي بن مسلم بن سعيد الطوسي، وإسناده حسن. [٦٤] ابن جرير الطبري. التفسير ٣/١٠. [٦٥] طه آية / ١١٥ [٦٦] ابن جرير. التفسير ١٦/ ٢٢١ [٦٧] أبو الضحى: هو مسلم بن صبيح بالتصغير الهمذاني الكوفي العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة مائة. ع تقريب ٢/ ٢٤٥. [٦٨] ابن جرير، التفسير ١٦/ ٢٢١، وفيه: لم نجد له عزما. [٦٩] طه آية / ١١٥. [٧٠] ابن جرير. التفسير ١٦/ ٢٢١. [٧١] طه آية / ١١٥. [٧٢] ابن جرير، التفسير ١٦/ ٢٢١. [٧٣] ابن جرير، التفسير ١٦/ ٢٢١- ٢٢٢. [٧٤] أخرجه ت / في تفسير سورة الأعراف تحفة الأحوذي ٨/ ٤٥٧ ح ٥٠٧٢ وقال: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 10154

المستدرك في التفسير ج ٢/ ٣٢٥ من طريق علي بن حمشاذ العدل، ثنا بشر بن موسى الأسدي، وعلي بن عبد العزيز قالا: ثنا أبو نعيم ثنا هشام بن سعد به وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ورمز له الذهبي بـ (م) ، ولم أجد هذا اللفظ في مسلم في كتاب القدر حم / ١/ ٢٥١، ٢٩٩، ٣٧١ من حديث ابن عباس. [٧٥] الأعراف آية / ١٧٢. [٧٦] فيه متابعة عطاء بن يسار لأبي صالح عن أبي هريرة.. [٧٧] عثمان بن أبي العاتكة سليمان الأزدي أبو حفص ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني. تقريب ٢/ ١٠. [٧٨] الأعراف آية / ١٧٢. [٧٩] يأتي تخريجه ح رقم ٢٧. [٨٠] يأتي في تخريج الحديث رقم ٢٧ ما أشار إليه المصنف، ومسلم بن يسار الجهني قال ابن حجر فيه مقبول. من الثالثة. تقريب ٢/ ٢٤٨. [٨١] نعيم بن ربيعة الأزدي، مقبول. من الثالثة. تقريب ٢/ ٣٠٥. [٨٢] في كتاب القدر، ويأتي ح رقم ٢٧. [٨٣] سورة الأعراف آية / ١٧٢. [٨٤] سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمد الكوفي، صدوق يخطئ. ع تقريب ١/ ٣٢٣. [٨٥] ابن أبي ذباب بضم المعجمة وبموحدتين، هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدوسي، صدوق يهم، من الخامسة، مات سنة ست وأربعين. عخ م مد س ق. تقريب ١/ ١٤٢، تهذيب ٢/ ١٤٧- ١٤٨. [٨٦] تقدم في الحديث رقم ٢٤: أن عمره ستون سنة، وكذلك في رواية المستدرك والترمذي ٢/ ٣٢٥. [٨٧] توحيد ابن خزيمة ص ٦٧- ٦٨. [٨٨] في الأصل: ورقة ٤/ ب فأخرجتك. [٨٩] آخر الحديث وهو محاجة آدم وموسى أخرجه م / في القدر / باب محاجة آدم وموسى ﵉ ٤/ ٢٠٤٢- ٣٠٢٤ من حديث أبي هريرة. وتقدم ح رقم ٢٣ نحوه. [٩٠] يقول ابن تيمية معلقا على الحديث في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١١٥ - في معرض رده على المحتجين بالقدر -: وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان:

стр. 10155

طائفة كذبت به لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر. وطائفة شر من هؤلاء جعلوه حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه أو الذين لا يرون أن لهم فعلا. ومن الناس من قال: إنما حج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى، أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى، وكل هذا باطل. ثم قال: ولكن وجه الحديث أن موسى ﵇ لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة؛ فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبا وتاب منه، فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام وهو قد تاب منه أيضا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب، قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من المعايب. اه وذكر في ص ١١٤ أنه لا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعا لهواه بغير هدى من الله، ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذنب والعقاب فعليه أن لا يذم أحدا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه، بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم؛ فلا يفرق بين من يفعل معه خيرا وبين من يفعل معه شرا، وهذا ممتنع طبعا وعقلا وشرعا. اه

стр. 10156

كما ذكر ابن القيم في كتابه شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - الباب الثالث في ذكر احتجاج آدم وموسى.. ص ١٣- ١٩ - هذا الحديث وقال: إنه قد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك، وقال: لو صح لبطلت نبوات الأنبياء؛ فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، ثم أورد الأقوال في ذلك، ورجح ما ذكره ابن تيمية في شرح الحديث، كما اعتذر لشيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري فقد جاء في كلامه ما يوهم أنه يقول بقول من يدعي الحقيقة والمعرفة؛ إذ قالوا: العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم. وهذا قول الصوفية الذين يدعون كشف الحجاب عما في اللوح المحفوظ، حيث قال: وقد أعاذه الله منه، ثم ذكر كلامه الذي يوهم ذلك، وبين وجه اعتذاره له من ص ١٥- ١٩. [٩١] أبو خالد الأحمد هو سليمان بن حيان الأزدي تقدمت ترجمته. [٩٢] الأعراف آية / ١٧٢. [٩٣] الموطأ / كتاب القدر/ باب النهي عن القول بالقدر ص ٥٦٠ ح ٢. طبعة الشعب د/ السنة/ / بال القدر ٥ / ٧٩ ح ٤٧٠٣. حم / ١/ ٤٤. ابن جرير في التفسير ٩/ ١١٣. ت / في التفسير ٨ / ٤٥٢ ح ٥٠٧١ وقال هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر. وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلا. الحاكم في المستدرك / التفسير ٢ / ٣٢٤- ٣٢٥، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. البيهقي في الأسماء والصفات ص ٣٢٥. [٩٤] حم / ١/ ٢٧٢ من طريق حسين بن محمد به. ابن جرير الطبري. التفسير ٩ / ١١٠. البيهقي في الأسماء والصفات ص ٣٢٧. [٩٥] ابن جرير الطبري. التفسير ٩ / ١١١. [٩٦] عطاء بن السائب ن أبو محمد. صدوق، اختلط. تقريب ٢/ ٢٢. التقييد والإيضاح ص ٤٤٢.

стр. 10157

[٩٧] كذا في الأصل (بدخنا) ورقة ٤/ ب، بالخاء المعجمة والنون، وفي تفسير ابن جرير ج ٩/ ١١١ (بدجني) بالجيم والنون. قال المعلق: لعل المقصود بهذه الكلمة، هضبة الدكن من بلاد الهند. [٩٨] ابن جرير. التفسير ٩ / ١١١. [٩٩] (أبي) ساقط في الأصل. [١٠٠] الأعراف آية / ٢٧٢. [١٠١] ما بين القوسين من ابن جرير. [١٠٢] ابن جرير الطبري، التفسير ٩/ ١١٥. والحاكم في المستدرك، التفسير ٢/ ٣٢٣- ٣٢٤. قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. [١٠٣] قاله محمد بن كعب القرظي. انظر تفسير ابن جرير الطبري ٩ / ١١٧. كما ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١. [١٠٤] ابن جرير الطبري. التفسير ٩/ ١١٢. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١ وقال: وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مندة في كتاب الرد على الجهمية وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية.. الحديث. قوله: آذيّ الماء: الآذي: بالمد والتشديد: الموج الشديد ويجمع على أواذي.. النهاية ١/ ٣٤. [١٠٥] يحيى بن يمان العجلي الكوفي. صدوق عابد، يخطئ كثيرا، وقد تغير. تقريب ٢/ ٣٦١. [١٠٦] ذكره ابن كثير في التفسير ٣/ ٤٦٩ من طريق أبي جعفر الرازي ... عن أبي بن كعب به. [١٠٧] النضر بن عربي الباهلي مولاهم، أبو روح ويقال: أبو عمر الحراني لا بأس به. من السادسة مات سنة ثمان وستين./ د ت. تقريب ٢/ ٢، ٣، وقد أشار المصنف أن هذا الأثر لا يثبت. [١٠٨] ساقط في الأصل والسياق يدل عليه. [١٠٩] الأعراف آية / ١٧٢. [١١٠] مريم آية / من ١٧- ٢١. [١١١] الحاكم في المستدرك، التفسير ٢/ ٣٢٤، وفي مجمع الزوائد ٧/ ٢٥ قال: رواه عبد الله بن أحمد عن شيخه محمد بن يعقوب الربالي وهو مستور وبقية رجاله رجال الصحيح.

стр. 10158

[١١٢] ابن جرير في التفسير ٩/ ١١١ من طريق أبي كريب ثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش دون قوله فسماهم.. الخ. وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣/ ١٤١. [١١٣] ابن جرير الطبري في التفسير ٩/ ١١٣ من طريق ابن بشار ... عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو به. وذكر السيوطي أن ابن مندة أخرجه في كتاب الرد على الجهمية.. انظر الدر المنثور ٣/ ١٤٢. [١١٤] حجاج بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد الترمذي الأصل، ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة ست ومائتين. ع / تقريب ١/ ١٥٤. [١١٥] الزبير بن موسى بن مينا المكي، روى عن سعيد بن جبير، وعنه ابن جريج، قال ابن نمير: روى عنه الكبار القدماء. وذكره ابن حبان في الثقات، تهذيب ٣/ ٣٢٠. [١١٦] ما بين القوسين من تفسير ابن جرير. [١١٧] في تفسير ابن جرير قال: ابن جريج عن مجاهد. [١١٨] ابن جرير الطبري. التفسير ٩/ ١١٤- ١١٥. [١١٩] لحكم هو ابن عتبة الكندي مولاهم أبو محمد ويقال: أبو عبد الله، روى عن سعيد بن جبير وغيره، ثقة ثبت، ربما رمي بالتدليس، مات سنة ثلاث عشرة أو بعدها، من الخامسة، /ع تهذيب ٢/ ٤٣٢-٤٣٤. تقريب ١/ ١٩٢. [١٢٠] في هذه الرواية متابعة الحكم للزبير بن موسى عن سعيد بن جبير. [١٢١] ابن جرير الطبري. التفسير ٩/ ١١٥. [١٢٢] قاله ابن عباس. تفسير ابن جرير ٩/ ١١٥. [١٢٣] الأعراف آية / ١٧٢. [١٢٤] قول السدي: أخرجه ابن جرير في التفسير ٩/ ١١٧.

стр. 10159

من وحي رمضان أكبر مسابقة وأعظم جائزة لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري يسر أسرة مجلة الجامعة الإسلامية، بالمدينة النبوية أن تنقل إلى العالم الإسلامي نبأ وإعلان أكبر مسابقة، وأعظم جائزة؛ تلك التي تقام بين المسلمين في كل رمضان وتوزع جوائزها على الفائزين يوم العيد أول يوم من شوال. صورة الإعلان: وهذه صورة الإعلان عن المسابقة كما ورد إلى المجلة: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: أيها المسلم العزيز! يا أخي عبد الله ووليه! هل لي أن أتشرف بإبلاغك؟ هل لي أن أسعد بإعلانك؟ هل يا ابن الإسلام والحسام؟ هل تدري يا حائز المجد ووارث الشرف؟ هل تدري يا وصي الله على البشرية ماذا أبلغك وبم أعلمك؟؟ إنها البشرى السارة، إنها الفرحة الكبرى العميمة، إنها تلك المسابقة الإسلامية التي تبتدئ بأول ليلة من رمضان، ولا تنتهي إلا بآخر ليلة منه. فاستعد يا سليل المهاجرين والأنصار، وتهيأ يا حفيد الفاتحين، استعد - يا أخي - لأكبر فرصة في عامك، وأبرك موسم في سنتك. إنها المسابقة العظمى التي أعلن عنها الملك العظيم في كتابه الكريم بقوله الحق المبين: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ . إن جائزة هذه المسابقة لأكبر جائزة والله، إنها الجنة، الجنة التي عرضها السموات والأرض، والتي فيها منة النعيم المقيم ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها من المتع الروحية واللذائذ الجسدية ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر. وهل بعد الجنة أيها العاقل اللبيب من مطلب لأصحاب السمو الروحي والكمال النفسي؛ من مطلب سوى رضوان الله، والنظر إلى وجهه الكريم؟

стр. 10160

واسمح لي الآن أصف لك ميدان المسابقة، وأفصل لك شروط المسابقة حتى يمكنك اللحاق بحلبتها والمشاركة على بصيرة فيها. ميدان المسابقة: إن ميدان المسابقة أيها المسلم الكريم هو شهر رمضان المبارك؛ شهر أمة الإسلام الذي تفتح فيه أبواب الجنات، وتغلق فيه أبواب النيران، ويصفّد فيه مردة الجان والشيطان. شروط المسابقة: إن من يمن هذه المسابقة وبركتها قلة شروطها، إنها تقام على شرطين اثنين فقط، وهما: ١- أن يتخلى المتسابق عن كل محرم أو مكروه كان يأتيه في حياته قبل دخوله هذه المسابقة، وذلك بأن يرد الحقوق إلى أصحابها، وأن يتجنب الباطل والشر والفساد في أي شكل كان أو صورة، وأن يترك سماع الأغاني والمزامير ودقات الطبول وأن يترك لعب الورق وكل آلات الميسر والقمار، ويبتعد عن مجالسه، كما يبتعد عن سماع الغيبة والكذب والنميمة وقول الزور وشهادته، وأن يطهر لسانه من قول الفحش والبذاء وسماعه مطلقا، وأن يطيب فمه ومجلسه بترك المكيفات من تبغ وشيشة ونحوهما. ٢- أن يقبل بعزم وتصميم صادقين على ما يلي: أ – أن يعلن عن توبته لله تعالى كأن يقول: اللهم إني أستغفرك من كل ذنوبي، وأتوب إليك من كل معتقد وقول وعمل تكرهه ولا يرضيك؛ فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور. ب- أن يعمل الصالحات الآتية: ١) أداء الصلوات الخمس في بيوت الله مع جماعة المسلمين بحيث لا تفوته صلاة منها. ٢) قراءة القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، طوال شهر رمضان. ٣) الإكثار من نوافل الصلاة في الليل والنهار شهر رمضان كله. ٤) الإكثار من الصدقات بالمال أو الطعام أو الشراب أو اللباس بحسب فقره وغناه. ٥) الإكثار من الدعاء والاستغفار وقت السحر من كل ليلة من رمضان. وبعد، فهذه هي المسابقة بشروطها قد بينت لك مفصلة؛ فهل لك يا ابن الأبطال في السبق؟ هل لك في الفوز بالحور العين؟

стр. 10161

هل لك أن تضيف إلى عمرك عمرا جديدا؟ وإلى رأس مالك نصيبا موفورا؟ هل لك أن تعلم أنك بدخولك هذه المسابقة الإسلامية الكبرى تعمل على إضافة أعمال ثلاثة وثمانين عاما وأربعة أشهر صياما وقياما؟ إذا فارْمِ أيها المسلم البطل بجواد عزمك في حلبة هذه المسابقة، وسابق واستعن بالله تعالى ثم بما يلي: احفظ سمعك من الغناء والزمر والتطبيل، ومن الغيبة والفحش في القول، وصن يديك من أن تتناول بهما محرما، وقيد رجليك أن تمشي بهما إلى لهو أو باطل، وكف لسانك من أن تقول به غيبة أو نميمة أو كذبا أو زورا، واصرف قلبك عما لا يعني، وأخله من التفكير فيما ليس لك فيه ضرورة أو حاجة. الله أكبر! الله أكبر! أقدم أيها البطل المتسابق، وابسط يديك بالعطاء، وتصدق فهذا أوان الصدقة، اعتكف في بيت ربك راغبا فيه، راهبا منه، لازم بيت مولاك لا تخرج منه إلا لحاجة حتى يغفر لك ويتوب عليك. مكانك يا أخا الإسلام، وبطل السباق، مكانك في الصفوف الأولى، لا تفوتك تكبيرة الإحرام من كل صلاة أبدا، كتاب الله رتل آيه وتدبر معانيه، إياك أن يمضي رمضان وتنتهي المسابقة ولم تختم قراءته ثلاث مرات، ولتكن قراءتك له محفوفة بالتدبر والدعاء والخشوع والدموع. وسلام عليك في المتسابقين، وبارك الله فيك وعليك في الفائزين. وإلى أعظم الجوائز إنه بسم الله ولي المؤمنين، ومتولي الصالحين، وبسم الله رب العاملين والعالمين، وبسم الله المنعم بأوسمة القبول على السابقين الأولين والآخرين، يعلن لجماهير المتسابقين من المؤمنين والمسلمين، أن غدا توزع فيه جوائز السابقين لقريب جد قريب. إنه يوم العيد السعيد الذي لم يبق عليه إلا أن تحترق فحمة آخر ليلة من ليال السباق؛ ليالي رمضان المشرقة العذاب، ليالي الأنس والشوق إلى الحبيب القريب، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،.

стр. 10162

أيتها الجماهير المتسابقة، أيتها الفئات المؤمنة الآملة، أيتها المواكب الراكبة إلى الله الراكضة إلى المشهد، إلى مصلى العيد، هلموا هلموا ... خذوا بطاقات الحضور من بيوت إماء الله تعالى وعبيده الفقراء والمساكين بدفع صدقات فطركم إليهم، ثم يمموا المشهد آملين راجين، وبذكر ملككم العظيم لاهجين، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد. لا تزالوا أيها الفائزون مكبرين مهللين كذلكم حتى ساحة المشهد الفيحاء، خذوا أماكنكم من الساحة الطاهرة مترنمين بتسبيح مليككم، السبوح القدوس، رب الملائكة والروح، قائلين: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. واسمعوا هذه القائمة تتلى بأسماء الفائزين في هذه المسابقة العظيمة. أيها الحفل الكريم في المشهد العظيم إليكم هذه الطائفة بأسماء الفائزين في هذه المسابقة العظيمة: ١) عبد الله الذي كان لا يشهد صلاة الجماعة صبحا ولا ظهرا ولا عصرا، ولا مغربا ولا عشاء؛ فأصبح يشهدها كلها لا تفوته ركعة منها، بل ولا تكبيرة الإحرام مع الإمام. ٢) عبد الحق الذي كان بينه وبين أحد أقربائه عداوة وشحناء؛ فأزالها وصافى قريبه وبره وأحبه لله في الله. ٣) عبد الرحمن الذي كان يؤذي جيرانه؛ فترك أذاهم وأحسن إليهم تقربا إلى الله تعالى. ٤) ولي الله تعالى الذي كان يستهويه الطرب فيسمع الأغاني، ويقضي جزءا كبيرا من يومه وليله حول المذياع، أو شاشة التلفاز يسمع أصوات الشياطين ومزاميرهم؛ فتاب من ذلك وأصبح إذا سمع صوت طرب أدخل أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع خوفا من الله وتزلفا إليه. ٥) عبد الخالق الذي كان يأتي المساجد بيوت الله ورائحة فمه متغيرة بنتن التبغ والشيشة؛ فاستحى من الله ﵎، وترك ذلك تطهيرا لبيت ربه وتطيبا لفمه الذي يذكر به اسم ربه.

стр. 10163

٦) عبد العليم الذي كان بعض أصدقائه يدعونه إلى السمر على لعب (الكريم) والورق، فكان يأتيهم ويلهو ويلعب معهم؛ فترك ذلك نهائيا خوفا من الله وطلبا لمرضاته. نكتفي بذكر هذا الذي ذكرنا من أسماء الفائزين، وذكر الله تعالى قائلين: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولنستمع إلى هذه الهتافات الرفيعة: . هنيئا لمن سابق فسبق. . هنيئا لمن تاب وأناب فتيب عليه وقبل. . هنيئا لمن أحب الله فأحبه، وأحب فيه محبيه إلى أوليائه! تعزية وتسلية وأنتم أيها المتخلفون عن ركب الفائزين لا تيأسوا من روح الله، ولا تقنطوا من رحمته؛ إن مليككم ﷻ وعظم سلطانه يناديكم ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ . إنه تعالى قد هيأ لكم فرصة أخرى للمسابقة والفوز فاقبلوها ولا تضيعوها، إنها تبتدئ بيومكم هذا ولا تنتهي إلا بسبقكم وفوزكم، فارموا بخيول العزم في ميدان السبق، واستعينوا بالصبر والصلاة، استعينوا على ترك الآثام بخوف المقام، وتقووا على الطاعة بذكر الساعة، وتغلبوا على الرذائل بكرهها وحب الفضائل. ثم احذروا أيها المتسابقون الأبطال من العائق الأكبر، احذروه أن يعيقكم كما أعاق من قبلكم، احذروه؛ إنه حب الدنيا وكراهية الموت، فأحبوا الآخرة بالإكثار من الزكاة والصلاة، واكرهوا الدنيا بتقليل الرغبة فيها، وبالتجافي عن شهواتها وملاذها، إلا ما أذن لكم فيه ولزم. هذا وإلى اللقاء معكم ساعة توزع الجوائز وتوضع الموائد بعد سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 10164

التعريف بكتاب محنة الإمام أحمد بن حنبل للدكتور محمد نغش أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالجامعة إن في ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل لعبرة للذين يتصدون للبدع والمبتدعين، تظهر مكانة الإمام أحمد بن حنبل في إعلاء كلمة الدين، وكيف حقق الله له ولأتباعه المخلصين النصر المبين، فحفظ بمنه وكرمه للسنة مكانتها وأعلى رايتها. وكتاب محنة الإمام أحمد بن حنبل الذي وفقني الله إلى تحقيقه وضح فضل الإمام أحمد، وجهوده في الدفاع عن دين الله، وصبره على ما قاسى في محنته، ﵀ وجزته عن الإسلام خيرا، وإليك تلخيص وتعريف بهذا الكتاب، فيما يلي: نبذة عن حياة الإمام أحمد بن حنبل: كان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ خيار الناس، وأكرمهم نفسا، وأحسنهم عشرة وأدبا، كثير الإطراق والغض، معرضا عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة للحديث وذكر الصالحين والزهاد، في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بش به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعا شديدا، وكانوا يكرمونه ويعظمونه، وكان قدوة عالية لأهل زمانه بعلمه وخلقه وورعه، وصبره وقوة احتماله، واستهانته بالأذى في سبيل الله. وكانت روح الجدة والسكينة هي التي تظل مجلسه؛ لأن ذلك هو الذي يتفق مع رواية السنة النبوية الشريفة، وآثار الرسول الكريم، وفتاوى السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ومن شأن السكينة أن تجعل للقول مكانه من القلب ومنزلته، وإنه وإن كانت الدعابة تذهب بالملال، فإن كثرتها تذهب بالروعة ورواء العلم، وقد تجنب الإمام أحمد المزاح جملة؛ إذ إن رواية السنة عبادة عنده، ولا مزح في وقت العبادة، بل المزاح ينافيها.

стр. 10165

إن لنشأة الإمام أحمد أثرا بالغا في سلوكه، فهو من أصل كريم من ناحية أبيه وأمه، وقد كان لليتم فضل في صبره على أذى أعدائه؛ إذ قد حرم حنان الأب وعطفه، ونشأ يحمل المسؤولية من صغره، وورث الذكاء عن والده، الذي كان في مكانة مرموقة، وعن أمه الفاضلة. وتكفي شهادات الناس له في مراحل حياته كافة بالفضل وإجماعهم على علو مكانته، ويجدر بنا أن نذكر بعضها؛ لأن المقام لا يتسع لحصرها. والحلم من السمات التي تحلى بها نبينا ﷺ ، وشاركه في هذه الصفة الحميدة الأنبياء والمرسلون ﵈، والحلم صفة لازمة للعلماء، الذين يقصدون وجه ربهم الكريم، وهذا أحمد بن حنبل يقول: "أحللت المعتصم من دمي" [١] ، وكم من صنوف العذاب صب المعتصم على الإمام أحمد ﵁ وأرضاه، وقد أحبّ الناس الإمام أحمد وأرادوا أن يغدقوا عليه من أموالهم؛ لأنهم يعلمون فقره وحاجته، ويريدون أن يمدوا يد المعونة له ولأولاده، ولكنه يتعفف في أدب جم، فيرهن متاعه، ويأكل من عرق جبينه، ومن كسب يديه. ونسوق على ذلك مثالا واحدا من أمثلة عديدة: "عرض عليه بعض التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة، جعلها باسم -الإمام أحمد-؛ فأبى أن يقبلها وقال: نحن في كفاية وجزاك الله عن قصدك خيرا" [٢] . وقد كان الإمام أحمد إماما في الزهد، ومن أقواله فيه: "أسر أيامي إلي يوم أصبح وليس عندي شيء) [٣] ، وقوله: (إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل" [٤] . وهكذا من يزهد في الدنيا، يجود بما ملكت يداه، فما بالك بهذا الإمام الذي باع نفسه ابتغاء مرضاة مولاه. وقد ذكر المؤرخون عن جوده وكرمه الكثير، ونضرب لذلك مثلا، قال هارون المستملي: "لقيت أحمد فقلت: ما عندنا شيء!، فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها" [٥] .

стр. 10166

وقيل إن الشافعي قال له: ألا تقبل قضاء اليمن؟ فامتنع من ذلك امتناعا شديدا وقال للشافعي: "إني إنما أختلف إليك لأجل العلم والزهد في الدنيا، فتأمرني أن ألي القضاء، ولولا العلم لما أكلمك بعد اليوم، فاستحى الشافعي منه" [٦] . والأمثلة على ورعه كثيرة، نحو قول أبي عبد الله السمسار: "كانت لأم عبد الله بن أحمد دار معنا في الدرب، يأخذ منها أحمد درهما بحق ميراثه، فاحتاجت إلى نفقة لتصلحها فأصلحها ابنه عبد الله؛ فترك أبو عبد الله الدرهم الذي كان يأخذه، وقال: قد أفسده علي، قلت: إنما تورع من أخذ حقه من الأجرة؛ خشية أن يكون ابنه أنفق على الدار مما يصل إليه من مال الخليفة [٧] . إن الإمام أحمد لم يذق طعاما من حاكم تنَزّها عنه، وكان يتصدق بخلع المتوكل ولا يقبل أن يلبسها على جسده، وأبى أن يسكن في قصر يبنيه له، وأوصى أن يكفن في ملابسه؛ خشية أن يقبل أولاده من أحد كفنا له. ولم يكن ورعه قاصرا على مأكله وملبسه ومسكنه، بل شمل علمه الذي كان يتقنه، وهو درايته بالحديث وإجادة حفظه، فهذا علي بن المديني يقول: (ليس في أصحابنا أحفظ من أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة" [٨] . وهذا ابن الحربي يقول: "لزمت أحمد بن حنبل سنتين، فكان إذا خرج يحدثنا يخرج معه محبرة مجلدة بجلد أحمر وقلما، فإذا مر به سقط أو خطأ في كتابه أصلحه بقلمه من محبرته، يتورع أن يأخذ من محبرة أحدنا شيئا، وكنا نقول لأحمد في الشيء يحفظه، فيقول: لا، إلا من كتاب" [٩] . وشهد له الناس بالتواضع، فهو لا يتقدم الناس في الخروج من المسجد، بل يجعلهم يتقدمونه، وهو لا يفتخر بحسبه ولا نسبه ولا بعلمه وفضله، وكان يسأل الله دائما أن يجعله خيرا مما يظنون ويغفر له ما لا يعلمون. يقول فيه يحيى بن معين: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا مما كان فيه من الصلاح والخير" [١٠] .

стр. 10167

وكان يؤثر العزلة والوحدة، هروبا من الشهرة، وتحصيلا للمعرفة، وتجنبا للقيل والقال، فهو يرى الخلوة أروح لقلبه؛ تذكره بربه، ولكنه كان لا يتخلى عن واجب اجتماعي أو حضوره صلاة جماعة، وقد رآه الناس حين تحدى الحاكمين، وصبر على إيذائهم ليعلي كلمة الحق والدين. وانعقد إجماع أهل الأقطار الإسلامية المتنائية على أنه رجل صالح، وتسايرت الركبان بذكر صلاحه، وتقواه وورعه وقوة إيمانه وزهده، وإذا كان الإجماع حجة فقد قامت الحجة على صلاح الإمام أحمد بن حنبل [١١] . ومما قيل فيه من شعر قول الإمام الشافعي ﵁: أضحى ابن حنبل حجة وبحب أحمد يُعرف المُتَنسك [١٢] ومن ذلك ما قال أبو محمد جعفر بن الحسن السراج البغدادي فيه: دعَوْه إلى خَلق القرآن كما دَعوا سواه فلم يسمع ولم يتأول ولا ردّه ضربُ السياط وسجنُه عن السنة الغراء والمذهب الجلي لقد عاش في الدنيا حميدا موفقا وصار إلى الأخرى إلى خير منزل وإني لأرجو أن يكون شفيع مَن تولاه من شيخ ومن متكهل ومن حَدث قد نوّر الله قلبَه إذا سألوا عن أصله قال: حنبلي [١٣] هذه هي السيرة العطرة للإمام أحمد بن حنبل أحد الأئمة الأربعة، رضوان الله عليهم وسلامه عليهم أجمعين، إنه قد وضع روحه على كفه ليقدمها في سبيل ربه، لم يساوره الخوف لحظة من مخلوق مهما كانت لديه من قوة، إنه يدافع من أجل أن ينتصر الحق ويزهق الباطل. فقد قدم الإمام أحمد كل ما يملك ليرد البدع والخرافات عن الدين الإسلامي الحنيف، صبر وصابر حتى لقي ربه. أعز الله به دينه، فما نراه اليوم من تمسك بالكتاب والسنة أثر من آثاره الخالدة، فهنيئا له برضوان الواحد الديان وبرفقته لنبيه الكريم خير الأنام محمد بن عبد الله ﵊. مؤلفاته:

стр. 10168

صنف (المسند) وهو ثلاثون ألف حديث، وكان ابتداؤه فيه سنة ثمانين ومائة، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند؛ فإنه سيكون للناس إماما [١٤] ، وقد اشتهر من مؤلفات أحمد بن حنبل بنوع خاص كتابه المسند: وهو كتاب جامع في الأحاديث. ونشر له غير المسند: (كتاب الصلاة وما يلزم فيها) . ويذكرون له (كتاب طاعة الرسول) ، الذي بين فيه ما ينبغي اتباعه عندما يبدو الحديث متعارضا مع بعض آيات القرآن، ولقد قرر ابن حنبل عقائده في مصنفه (كتاب السنة) . وله كتب تبين وجهة نظره الفقهية نذكر منها على سبيل المثال (مسائل صالح) ، وهي المسائل التي وجهها إليه ابنه صالح، وكذلك أجوبته على مسائل تلميذه حرب [١٥] ، وقد بلغت فتاواه التي استطاع ابن القيم أن يرجع إليها نحو عشرين مجلدا [١٦] . تلاميذه: روى عنه أقرانه علي بن المديني ويحيى بن معين ودحيم الشامي وغيرهم [١٧] ، وروى عنه عبد الرزاق بن همام ويحيى بن آدم وأبو الوليد هاشم بن عبد الملك الطيالسي، وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشاقعي، والأسود بن عامر شاذان، والبخاري ومسلم، وأبو داود، وأكثر عنه في السنن، وروى الترمذي عن أحمد بن الحسن الترمذي عنه، وروى النسائي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل وعن ابن عبد الله، وروى ابن ماجه عن محمد بن يحيى الذهلي عنه، وإبراهيم الحربي الأثرم، وأبو بكر أحمد الدارمي، وعمر بن سعيد الدارمي، ومحمد بن يحي الذهلي النيسابوري وخلق لا يحصون [١٨] . وفاته: توفي الإمام أحمد بن حنبل - رحمة الله عليه - ضحوة نهار الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول [١٩] ، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقيت من الشهر المذكور، وقيل: من ربيع الآخر [٢٠] ، سنة إحدى وأربعين ومائتين للهجرة [٢١] ، ٣١ تموز ٨٥٥ للميلاد [٢٢] ، فكانت سنه سبعا وسبعين سنة عند وفاته، ودفن في مقابر الشهداء في حي الحربية ببغداد [٢٣] .

стр. 10169

وقيل: أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرة آلاف من اليهود والنصارى والمجوس. قال الوركاني: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس: المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس [٢٤] . أولاده: كان له ولدان عالمان هما: صالح، وعبد الله. فأما صالح فتوفي في شهر رمضان سنة ست وستين ومائتين، وكان قاضي أصفهان فمات بها. وأما عبد الله فإنه بقي إلى سنة تسعين ومائتين، وتوفي يوم الأحد لثمان بقين من جمادى الأولى، وقيل: الآخرة، وله سبع وسبعون سنة، وكنيته أبو عبد الرحمن، وبه يكنى الإمام أحمد، ﵏ أجمعين [٢٥] . محنة الإمام أحمد بن حنبل: بداية المحنة في عهد المأمون: استطاع الإمام أحمد بن حنبل، بإيمانه الصادق وصلابته في لحق، أن يهزم المعتزلة الذين ادعوا فيما ادعوا خلق القرآن، واتخذوا الخليفة المأمون أبا جعفر عبد الله بن هارون الرشيد أداة لنشر بدعتهم وترويج ضلالهم؛ فقد زينوا له طريق الباطل، وحسنوا له قبيح القول بخلق القرآن، فصار إلى مقالتهم، وكانت ولاية المأمون في المحرم، وقيل في رجب سنة ١٩٨ للهجرة. وقدر أنه في آخر عمره خرج من بغداد لغزو بلاد الروم فعَنّ له أن يكتب إلى إسحاق بن مصعب صاحب الشرطة أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، فاستدعى جماعة من العلماء والقضاة وأئمة الحديث، ودعاهم إلى ذلك، ولكنهم امتنعوا، فاشتد غضبه [٢٦] . الإمام أحمد مكبلا في الأغلال:

стр. 10170

ولما استعصى على المأمون وأذنابه التأثير على الإمام أحمد بن حنبل في ميدان الحجة والإقناع، أمر بإشخاصه مكبلا في الأغلال، هو ورفيقه في المحنة محمد بن نوح ﵄ وتوفي محمد بن نوح وهو في طريقه إلى المأمون، وصلى عليه الإمام أحمد بن حنبل الذي بقي وحده، والخليفة يتوعده بالتعذيب والقتل إن لم يجبه إلى القول بخلق القرآن، فتوجه الإمام أحمد بالدعاء إلى الله تعالى أن لا يجمع بينه وبينه؛ فبينما هو في الطريق قبل وصوله إليه إذ جاءهم الصريخ بموت المأمون، وكان موته في شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، فرد الإمام أحمد إلى بغداد وحبس هناك. الترغيب والترهيب والتعذيب في عهد المعتصم: ثم ولي الخلافة المعتصم، وهو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، الذي قدم من بلاد الروم، فدخل بغداد في مستهل شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، فامتحن الإمام أحمد وضرب بين يديه [٢٧] ، ويقف الإمام أحمد بين يدي الخليفة المعتصم ثابت الجنان قوي الإيمان، وقد ازدحم الناس ليشاهدوا مشهدا رهيبا؛ فهذا الخليفة وحوله جنوده، وهذا أحمد في قيوده، الأول سلاحه البطش والجبروت، والثاني سلاحه القرآن والسنة يستعذب العذاب في سبيل الله، ويسأله وحده العفو والمغفرة، ويرجوه رضاه ورضوانه يجلس الخليفة على كرسيه، ويقف الإمام أحمد بين يديه والسيوف قد جردت، والرماح قد ركزت، والأتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت، يريدون إرهابه وهو قد باع نفسه ربه، وبكل ما يصنعون وأكثر لا يأبه. يرد على الخليفة بالبرهان الساطع والدليل القاطع، ويعجز الخليفة في ترغيبه أو ترهيبه ليقول بكلام المعتزلة (القرآن مخلوق) ، ويحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فيناظرونه بحضرته ثلاثة أيام، وهو يناظرهم ويقهرهم، فيقول ابن أبي دؤاد وبشر المريسي للخليفة: اقتله حتى نستريح منه.

стр. 10171

ولكن المعتصم يقيم مباراة بين الجلادين لقتله بالسياط الموجعة، ويحدثونه في الرجوع عن إصراره، ولكنه يقول لهم في صلابة: أعطوني شيئا من كتاب الله وسنة رسوله أقول به. ويستمر الضرب وتزداد شدته، حتى يقع الإمام أحمد ﵀ على الأرض في غيبوبة، لا يدري ما يفعلون به. وعندما عادت لأحمد ذاكرته، تقدم إليه ابن أبي دؤاد، وقال له: يا أحمد قل في أذني القرآن مخلوق حتى أخلصك من يد الخليفة؛ فقال له الإمام أحمد: يا بن أبي دؤاد قل في أذني القرآن كلام الله وليس بمخلوق حتى أخلصك من عذاب الله ، فقال المعتصم: أدخلوه إلى الحبس، فحمل إلى الحبس وانصرف الناس [٢٨] . وهكذا واجه الإمام أحمد بن حنبل المحنة في صبر جميل وشجاعة نادرة، يقول أحد جلاديه: "ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربته فيلا لهدمته" [٢٩] . والراجح أن المحنة كانت في سنة تسع عشرة ومائتين؛ من واقع ما جاء في هذا الكتاب الذي يرويه ابن عمه، وفي كتاب النجوم الزاهرة [٣٠] . وذهب العليمي إلى احتمال أن تكون المحنة في سنة تسع عشرة [٣١] ، بخلاف مما ذكره ابن خلكان من أن ضربه في العشر الأخير من رمضان سنة عشرين ومائتين [٣٢] . وكانت مدة حبس الإمام ثلاثين شهرا، منذ بداية المحنة في عهد المأمون إلى أن خرج من السجن في شهر رمضان سنة عشرين ومائتين. وقد رأى الإمام أحمد ﵀ أن الأخذ بالتقية في دار الإسلام لا يصح؛ لأن المنكر في دار الإسلام يجب استنكاره وإلا تحولت صفتها ولم يعد لها اسم، وأن الاستنكار له مراتب، والتقية تكون حيث لا يكون للإسلام قوة وسلطانا كبلاد يضطهد الإسلام فيها، ولا سبيل للمسلم في الخروج منها فيستخفي بدينه، وتلك رخصة رخصت له تيسيرا وتسهيلا، وكل نفس وما تطيق.

стр. 10172

ولأن التقية لا تجوز من الأئمة الذين يقتدى بهم ويهتدى بهديهم، حتى لا يضل الناس؛ لأنهم إن نطقوا بغير ما يعتقدون وليس للناس علم ما في الصدر، اتبعوهم في مظهرهم، وظنوا أنه الحق الذي ارتضوه دينا، وبذلك يكون الفساد عاما ولا يخص، وحق على الإمام أن يكون الممتحن المبتلى، فتنشر الفكرة السليمة ويكون الابتلاء سبيل نشرها وذيوعها [٣٣] ، وينتصر الدين بصاحب العقيدة القوية، ويتحمله في سبيل نصرة دين الله على كل بلية، وترفع راية الإسلام عالية ويندحر أصحاب البدعة والضلالة. ويصفح الإمام أحمد رضوان الله عليه عن المعتصم، راجيا غفران ربه، وحسن ثوابه، مستجيبا لأوامره؛ ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [٣٤] ، ولقوله : ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [٣٥] . تحديد إقامة الإمام أحمد في عهد الواثق: وتولى الواثق الحكم بعد المعتصم في ربيع الأول سبع وعشرين ومائتين ولم يتعرض للإمام، وقد رأى أن التعذيب لا يفيد فيمن كانت إرادته كالحديد، وعرف فيه أنه عن الحق لا ولن يحيد، ورأى أتباعه في مزيد، ولكنه كتب إلى محمد بن أبي الليث بامتحان الناس أجمعين، فلم يبق أحد فقيه ومحدث ولا مؤذن ولا معلم حتى أخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس وملئت السجون بمن أنكر المحنة، وأمر ابن أبي الليث أن يكتب على المساجد "لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق"، فكتب ذلك على المساجد بفسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد [٣٦] . وبعث إلى الإمام أحمد يحدد إقامته: "لا تساكني بأرض"، وقيل: أمره أن يخرج من بيته، ويظل الإمام أحمد متخفيا حتى مات الواثق، ووقاه الله شره، وأراه سبحانه ثمرة جهاده وصبره، فكرمه وأعلى ذكره، وخسف بأعدائه، وأذلهم وكان في ذلك عبرة. انتصار أهل السنة واندحار أهل البدعة:

стр. 10173

ففي عهد المتوكل بعد الواثق - وهو أبو الفضل جعفر بن المعتصم، وكانت ولايته في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين - خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد، وطعن عليهم فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن، ونهى عن الجدال والمناظرة في الآراء وعاقب عليهما، وأمر بإظهار الرواية للحديث فأظهر الله به السنة، وأمات به البدعة، وكشف عن الخلق تلك الغمة، وأنار به تلك الظلمة، وأطلق من كان قد اعتقل بسبب القول بخلق القرآن، ورفع المحنة عن الناس فاستبشر الناس بولايته، وأمر بالقبض على محمد بن عبد الملك الزيات الوزير، ووضعه في تنور إلى أن مات، وذلك في سنة ثلاث ومائتين، وابتلى الله أحمد بن أبي دؤاد بالفالج بعد موت الوزير بسبعة وأربعين يوما، فولي القضاء مكانه ولده أبو الوليد محمد، فلم تكن طريقته مرضية، وكثر ذاموه، وقل شاكروه، ثم سخط المتوكل على أحمد بن دؤاد ووله محمد في سنة تسع وثلاثين ومائتين، وأخذ جميع ضياع الأب وأمواله من الولد؛ مائة وعشرين ألف دينار وجوهرا بأربعين ألف دينار، وسيره من بغداد من (سر من رأى) ، وولى القضاء يحيى بن أكثم قاضي القضاة، فإنه كان من أئمة الدين وعلماء السنة، ثم مات أحمد بن أبي دؤاد بمرض الفالج في المحرم سنة أربعين ومائتين، ومات ولده محمد قبله بعشرين يوما، وكان بشر المريسي قد أهلكه الله ومات في ذي الحجة سنة ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة ومائتين. وعن عمران بن موسى قال: دخلت على أبي العروق الجلاد الذي ضرب أحمد لأنظر إليه؛ فمكث خمسة وأربعين يوما ينبح كما ينبح الكلب [٣٧] .

стр. 10174

وقد أقبلت الدنيا على الإمام أحمد وهو زاهد فيها، لا يريد منصبا ولا جاها، ولا يريد طعاما فاخرا، أو خلعة سنية، أو مسكنا شاهقا في الدنيا الدنية، وهو يريد أخرى فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لا يريد بعد صبره الطويل في محتنه أن يبيع الآجلة بالعاجلة؛ إنه يرفض عطايا السلطان حتى لا يوجده عليه، ولكنه يتصدق بها، ويأتيه طعام الخليفة المتوكل الخاص فلا يأكل منه لقمة، رغم فقره المدقع، ولكن الغني غنى النفس؛ فيا لها من نفس أبية غنية!. وعظمت مكانة الإمام أحمد لدى الخليفة المتوكل؛ فكان لا يولي أحدا إلا بمشورته، "ومكث الإمام إلى حين وفاته قل أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها ويستشيره، رحمهما الله ورضي عنهما" [٣٨] . وهكذا خرج من الاختبار رجلا صالحا، وقد تنوعت طرائق الاختبار، اختبره المأمون بالقيد، فساقه إليه مقيدا مغلولا يثقله الحديد مع بعد الشقة وعظم المشقة، واختبره المعتصم بالحبس والضرب، واختبره الواثق بالمنع والتضييق، فما نهنهوا من نفسه وما يعتقد، وبعد تلك البلايا ابتلي بالبلاء الأكبر، فساق إليه المتوكل بالنعم، فردها وهو عيوف النفس، وكان يشد على بطنه من الجوع، ولا يتناول مما يشك في حله أو يتورع منه، ثم ابتلي أحمد بعد كل هذا بأعظم بلاء ينزل بالنفس البشرية، وهو إعجاب الناس؛ فقد ابتلي بعد أن انتصر على كل الرزايا بإعجاب الناس، فما أورثه ذلك عجبا ولا ولاه بغرور، بل كان المؤمن المحتسب المتواضع لعزة الله وجلاله الذي لم يأخذه الثناء، وبذلك نجح في أعظم البلاء [٣٩] . وتعالت سلطة المحدثين وعلى رأسهم الحنابلة، وقوي نفوذهم حتى كانوا حكومة داخل الحكومة [٤٠] ، حتى أنه في سنة ٣٢٣هـ "عظم أمر الحنابلة ببغداد وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون دور القواد والعوام، وإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء فأرهبوا بغداد" [٤١] .

стр. 10175

مشهدان من محنة الإمام أحمد بن حنبل: الأول: مشهد من دفاعه عن الكتاب والسنة: قال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فقال لي أبو إسحاق فقلت له: ما تقول في العلم؟ فسكت، فقلت لعبد الرحمن القزاز: (القرآن) من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله، قال: فسكت عبد الرحمن، فلم يردّ عليّ شيئا، فقالوا بينهم: يا أمير المؤمنين، أكفرنا وأكفرك، فلم يلتفت إليهم. قال أبو عبد الله: فقال لي عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، قلت له: فكان الله ولا علم؟ فأمسك، ولو زعم أن الله كان ولا علم لكفر بالله، ثم قال أبو عبد الله: لم يزل الله علما متكلما، نعبد الله لصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه, ونرد القرآن إلى عالمه ﵎، إلى الله فهو أعلم به، منه بدأ وإليه يعود.

стр. 10176

قال أبو عبد الله: وجعلوا يتكلمون من هاهنا ومن هاهنا، فأقول: يا أمير المؤمنين، ما أعطوني شيئا من كتاب الله، ولا سنة رسول الله ﷺ ، فأقول به، قال: فقال ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسوله؟ فقلت: وهل يقوم الإسلام إلا بالكتاب والسنة؟ ثم قلت له: تأولت تأويلا تدعوا الناس إليه، فأنت أعلم وما تأولت، وتحبس عليه وتقتل عليه، فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم، فقال لهم: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل مبتدع، فلم يزالوا يكلموني، وجعل صوتي يعلو على أصواتهم إلى أن قال لي عبد الرحمن بن إسحاق: قال الله ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [٤٢] أفيكون محدثا إلا مخلوقا؟ فقلت له: قال الله ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [٤٣] فالذكر هو القرآن، وتلك ليس [٤٤] فيها ألف ولام؟ قال: وكان ابن سماعة [٤٥] لا يفهم ما أقول، فقال: ما يقول: قالوا: إنه يقول: كذا وكذا، وقال لي إنسان منهم: حديث خبّاب: يا هناه تقرب إلى الله بما استطعت فإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه [٤٦] ، قلت: نعم، هو هكذا [٤٧] . الثاني: مشهد جلده وتعذيبه: قال الخليفة المعتصم: حدّوه اخلعوه، واسحبوه، قال: فأخذت ثم خلعت، ثم قال: العقابين [٤٨] والأسياط، فجيء بعقابين وأسياط.

стр. 10177

قال أبو عبد الله: وأنا أنظر، وكان معي شعر النبي [ ﷺ ] [٤٩] أعطانيه ابن الفضل بن الربيع، وكان في صرة من قميص، فقال: انزعوا عنه قميصه ولا تخرقوه، ثم قال: ما هذا في ثوبه؟ فقالوا لي: ما هذا في ثوبك؟ قلت: هذا شعر من شعر النبي صلى الله عليه وسم، قال: صُيرت بين العقابين، فقلت: يا أمير المؤمنين، الله الله! إن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث" وتلوت الحديث [٥٠] ، وقال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم" [٥١] ؛ فبم تستحل دمي ولم آت شيئا من هذا يا أمير المؤمنين؟ الله الله! لا يكفي الله وبيني وبينك مطالبة، يا أمير المؤمنين! اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين! راقب الله، فكأنه أمسك ولم يترك [٥٢] ، فقال ابن أبي دؤاد - وخاف أن يكون منه عطف أو رحمة -: يا أمير المؤمنين! إنه ضال مضل كافر بالله، قلت: يا أمير المؤمنين! اتق الله في دمي ونفسي، فقال: هذا كافر، وقال: هذا كافر، فأمرني حينئذ فأقمت بين العقابين، وجيء بكرسي فوضع له، فجلس عليه وابن أبي دؤاد وأصحابه قيام على رأسه، فقال لي إنسان: خذ الخشبتين بيدك وشد عليهما، فلم أفهم منه ذاك فتخلعت يداي، ثم قال أبو إسحاق للجلادين: أروني سياطكم، فنظر فقال: ائتوني بغيرها [٥٣] ، فأتوه بغيرها، ثم قال لهم: تقدموا، وقال لهم: ادنوا واحدا واحدا، ثم قال: أوجع؛ قطع الله يدك! فتقدم فضربني سوطين ثم تأخر، ثم قال لآخر: ادن، شد؛ قطع الله يدك! فضربني سوطين، ثم جاء آخر، فلم يزل كذلك فأغمي علي لما ضربني أسواطا، فلم أعقل حتى أرخى عني، فجاء فوقف وهم محدقون به، فقال: يا أحمد: ويلك تقتل نفسك، ويحك أجبني، أطلق عنك، وقال لي بعضهم: ويلك أمير المؤمنين قائم، ويلك إمامك على رأسك قائم،

стр. 10178

ويعجني عجيف بقائمة سيفه، فقال لي: يريد يغلب هؤلاء كلهم. وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول لي: ويلك الخليفة على رأسك قائم، وهذا يقول: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، ثم يرجع فيجلس على الكرسي، ثم يقول للجلاد: ادنه، أوجع؛ قطع الله يدك! ولم (يزل يدعو) [٥٤] واحدا واحدا حتى يضربني سوطين سوطين، ويتنحى وهو يقول: (شدّ؛ قطع الله يدك!) [٥٥] أوجع! قال: ثم قام إليّ الثالثة، وما أعقل، فجعل يقول: يا أحمد أجبني، قال: وجعل عبد الرحمن يقول لي: أصحابك يحيى وفلان وفلان، أليس قد أجابوا؟ قال للجلاد: أوجع! وذهب عقلي، واسترخيت، فلما أحس أني ميت، كأنه أرعبه ذلك، فأمر بتخليتي حينئذ، وأنا على ذلك لا أعقل، فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق الأقياد" [٥٦] . وهكذا صور هذا الكتاب تلك البطولة الفذة في مواجهة الجيوش الخاسرة أبدع تصوير وأصدقه، صور الزبد والحق؛ ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [٥٧] ، صور الجبروت والإيمان، صور سيف الحق، صور سجن الدار وحرية النفس، صور قيد الحديد وانطلاق القلب واللسان، صور أن دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، صور واجب العلماء في مواجهة المنكر. فكان هذا الكتاب دليل الحيران في هذا الزمان، ومصباح الرشاد في بحر الظلمات، وكان نشره اليوم إسهاما في الدعوة إلى الله، ورسما للسلوك القويم، وما ينبغي أن يكون عليه الداعية من ثبات في العقيدة وقوة في الإيمان وصلابة في الحق" [٥٨] . -------------------------------------------------------------------------------- [١] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٢٢١. [٢] البداية والنهاية لابن كثير ج ١٠ ص ٣٢٠. [٣] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٢٤٨. [٤] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص.٢٤٨.

стр. 10179

[٥] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص٤٠. [٦] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص١٠٧. [٧] طبقات الحنابلة للقاضي ابن أبي يعلى ج ١ ص ١٠.. [٨] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص٢٦٠. [٩] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص٢٢٦. [١٠] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص٢٧٤. [١١] أحمد بن حنبل لأبي زهرة ص ٥. [١٢] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ٥٣. [١٣] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ٥٠، ٥١. [١٤] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ١٩. [١٥] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية ص ٢٥١، ٢٩٣ وما بعدها. [١٦] هداية الحيارى ص ١٢١. [١٧] طبقات الشافعية الكبرى ج ١ ص ١٩٩. [١٨] شذرات الذهب لأبي الفلاح ج ٢ ص ٩٧. [١٩] وفيات الأعيان ج ١ ص ٤٨، وطبقات الشافعية الكبرى ج ١ ص ٢٠٣، وتهذيب الأسماء واللغات ج ١ ص ١١٢، والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٣٢٦ ومصادر أخرى. [٢٠] وفيات الأعيان ج ١ ص ٤٨، وتاريخ بغداد ج ٤ ص ٤٢٢. [٢١] لم تختلف المصادر في سنة الوفاة. [٢٢] دائرة المعارف الإسلامية ج ١ ص ٤٩٢. [٢٣] دائرة المعارف الإسلامية ج ١ ص ٤٩٢. [٢٤] حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني ج ٩ ص ١٨٠. [٢٥] وفيات الأعيان لابن خلكان ج ١ ص ٤٩. [٢٦] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ٣١. [٢٧] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ٣٢. [٢٨] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ٣٥. [٢٩] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ٣٦. [٣٠] ابن تغري بردي ج ٢ ص ٢٣٠. [٣١] المنهج الأحمد ج ١ ص ٣٧. [٣٢] وفيات الأعيان ج ١ ص ٤٨. [٣٣] أحمد بن حنبل لبي زهرة ص ٦٧. [٣٤] سورة النور الآية ٢٢. [٣٥] سورة الشورى الآية ٤٠. [٣٦] ضحى الإسلام لأحمد أمين ج ٣ ص ١٨٤.

стр. 10180

[٣٧] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ٣٩، ٤٠. [٣٨] المنهج الأحمد لأبي اليمن العليمي ج ١ ص ٤١ [٣٩] أحمد بن حنبل لأبي زهرة ص ٥، ٦. [٤٠] ضحى الإسلام لأحمد أمين ج ٣ ص ٢٠٠.. [٤١] كتاب أخبار سيبويه المصري ص ١٨. [٤٢] سورة الأنبياء الآية ٢. [٤٣] سورة ص الآية ١. [٤٤] في الأصل: أليس. [٤٥] ابن سماعة: محمد بن سماعة بن عبيد الله هلال بن وكيع، كان إماما عالما صالحا بارعا، صاحب اختيارات وأقوال في المذاهب، وله المصنفات الحسان، ولي القضاء وتوفي سنة ٣٢٢هـ. (النجوم الزاهرة ج ٢ ص ٧١) والبداية والنهاية ج ١٠ ص ٣١٢) . [٤٦] مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٣٢٢ن وبدلا من هناه هنتاه. [٤٧] ذكر محنة الإمام أحمد ص ٤٨، ٥٠. [٤٨] العقابين: خشبتان يُشبَح الرجل بينهما للجلد (لسان العرب) . [٤٩] ناقصة في الأصل: ﷺ . [٥٠] رواه الشيخان. [٥١] رواه الشيخان وأبو داود. [٥٢] لعل الصواب ما أثبتناه. [٥٣] في الأصل: فأتوه بغيرها. [٥٤] غير واضحة في الأصل. [٥٥] العبارة من كتاب طبقات الشافعية الكبرى للسبكي. [٥٦] ذكر محنة الإمام أحمد ص ٦١، ٦٣. [٥٧] سورة الرعد الآية ١٧. [٥٨] تصدير: د. موسى شاهين لاشين لكتاب ذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل.

стр. 10181

الاعتماد على الحساب الفلكي في إثبات دخول شهر رمضان وخروجه وتحديد الأعياد لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد كثر الكلام حول العمل بالحساب الفلكي في دخول شهر رمضان وخروجه، وتحديد الأعياد؛ فرأيت إيضاح الحكم وبيانه لعامة الناس في هذه البلاد وغيرها ليكونوا على بصيرة في عبادتهم لربهم، فأقول وبالله التوفيق: إن الله علق بالهلال أحكاما كثيرة، كالصوم والحج والأعياد والعدد والإيلاء وغيرها؛ لأن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار، ومن أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار، وإن رسول الله ﷺ جعل الحكم بالهلال معلقا على الرؤية وحدها؛ لأنها الأمر الطبيعي الظاهر الذي يستطيعه عامة الناس؛ فلا يحصل لبس على أحد في أمر دينه كما قال ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب؛ الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين"، وقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". ومن هذا يتبين أن المعول عليه في إثبات الصوم والفطر وسائر الشهور هو الرؤية أو إكمال العدة، ولا عبرة شرعا بمجرد ولادة القمر في إثبات الشهر القمري بدءا وانتهاءً - بإجماع أهل العلم المعتد بهم - ما لم تثبت رؤيته شرعا، وهذا بالنسبة لتوقيت العبادات، ومن خالف في ذلك من المعاصرين فمسبوق بإجماع من قبله وقوله مردود؛ لأنه لا كلام لأحد مع سنة رسول الله ﷺ . أما حساب الشمس والقمر فلا يعتبر في هذا المقام لما يأتي:

стр. 10182

أ - إن النبي ﷺ أمر بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لها في قوله: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، وحصر ذلك فيها بقوله: "لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه"، وأمر المسلمين إذا غم ليلة الثلاثين أن يكملوا العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى علماء النجوم، ولو كان قولهم هو الأصل وحده أو أصلا آخر مع الرؤية في إثبات الشهر لبين ذلك، فلما لم ينقل ذلك بل نقل ما يخالفه دل ذلك على أنه لا اعتبار شرعا لما سوى الرؤية أو إكمال العدة ثلاثين في إثبات الشهر، وأن هذا شرع مستمر إلى يوم القيامة، وما كان ربك نسيا، ودعوى أن الرؤية في الحديث يراد بها العلم أو غلبة الظن بوجود الهلال أو إمكان رؤيته لا التعبد بنفس الرؤية مردودة؛ لأن الرؤية في الحديث متعدية إلى مفعول واحد فكانت بصرية لا علمية، ولأن الصحابة فهموا أنها رؤية بالعين، وهم أعلم باللغة ومقاصد الشريعة من غيرهم، وجرى العمل في عهد النبي ﷺ وعهدهم على ذلك، ولم يرجعوا إلى علماء النجوم في التوقيت. ولا يصح أيضا أن يقال: إن النبي ﷺ حين قال: "فإن غم عليكم فاقدروا له" أراد أمرنا بتقدير منازل القمر لنعلم بالحساب بدء الشهر ونهايته؛ لأن هذه الرواية فسرتها رواية "فاقدروا له ثلاثين" وما في معناها، ومع ذلك فالذين يدعون إلى توحيد أوائل الشهور يقولون بالاعتماد على حساب المنازل في الصحو والغيم، والحديث قيّد القدر له بحالة الغيم.

стр. 10183

ب- إن تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة؛ لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس من العامة والخاصة في الصحاري والبنيان، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة؛ لأن أغلب الأمة لا يعرف الحساب، ودعوى زوال وصف الأمية بعلم النجوم عن الأمة غير مسلّمة، ولو سلمت فذلك لا يغير حكم الله؛ لأن التشريع عام للأمة في جميع الأزمنة. ج – إن علماء الأمة في صدر الإسلام قد أجمعوا على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور القمرية دون الحساب، فلم يعرف أن أحدا منهم رجع إليه في ذلك عند الغيم ونحوه، أما عند الصحو فمن باب أولى. د- تقدير المدة التي يمكن معها رؤية الهلال بعد غروب الشمس لولا المانع من الأمور الاعتبارية الاجتهادية التي تختلف فيها أنظار أهل الحساب، وكذا تقدير المانع؛ فالاعتماد على ذلك في توقيت العبادات لا يحقق الوحدة المنشودة، ولهذا جاء الشرع باعتبار الرؤية فقط دون الحساب رحمة للأمة، وحسما لمادة الاختلاف، وردا لهم إلى أمر يعرفونه جميعا أينما كانوا.

стр. 10184

هذا وينبغي الانتباه إلى أن اختلاف المطالع من المسائل التي حصل فيها الاختلاف بين أهل العلم، وقد درستها هيئة كبار العلماء في إحدى دوراتها السابقة واتخذت قرارا بالأكثرية مضمونه: أن الأرجح قول من قال إن لكل أهل بلد رؤيته، وعليهم أن يرجعوا إلى علمائهم في ذلك؛ عملا بما رواه مسلم في صحيحه من حديث كريب عن ابن عباس ونصه: "عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية في الشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه؛ فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، وشك يحيى بن يحيى في نكتفي أو تكتفي". اه. فأما قول من قال إنه ينبغي أن يكون المعتبر رؤية هلال مكة خاصة؛ فلا أصل له ولا دليل عليه، ويلزم أن لا يجب الصوم على من ثبتت رؤية الهلال عندهم من سكان جهات أخرى إذا لم ير الهلال بمكة. وختاما أسأل الله أن يمن على المسلمين بالفقه في دينه، والعمل بكتابه وسنة نبيه، وأن يعيذهم من مضلات الفتن، وأن يولي عليهم خيارهم إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 10185

طب الأسنان في الإسلام للدكتور أحمد كرات طبيب الأسنان بمستوصف الجامعة الحمد لله صاحب الفضل والنعم، بيده الأمر كله ومنه القوة والعون، أعطانا نعمة الصحة لنستعين بها على دنيانا وعبادته، وسوف يسألنا عن مدى اهتمامنا بها، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد الذي اهتم بمعالجة القلوب والأبدان، وعلى آله وصحبه رضوان الله عليهم، وعن السلف الصالح، وعن كل من سلك سبيلهم إلى يوم الدين، وبعد: كتبت بصفة عامة عن الفم والأسنان، وفي هذا المقام أريد أن أو أوضح بعض الموضوعات التي تهمنا معشر المسلمين المؤمنين، فقد روي عن أسامة بن شريك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تداووا عباد الله؛ فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد؛ الهرم" [١] . يحثنا ديننا على البحث عن العلاج لنأخذ بالأسباب، والشفاء من الله . إن الكثيرين منا لا يعنون بصحة الفم والأسنان؛ علما بأن صحة الفم والأسنان هي صحة للجسم، وكما ذكرنا في مقالنا السابق أن الفم هو مدخل الجهاز الهضمي، ففيه يمضغ الطعام مضغا جيدا بواسطة الأسنان والقواطع والأضراس ليختلط باللعاب، وتتم بعض عمليات الهضم به، فيسهل بلعه، ويكون مهيأ لباقي عمليات الهضم في المعدة والأمعاء بطريق سليمة وصحيحة. ما أحوجنا أن نتبع تعاليم الدين الإسلامي؛ لنحافظ على صحة أفواهنا وأسناننا، والرسول ﵊ يقول: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" [٢] ؛ فالسواك نظافة للفم والأسنان.

стр. 10186

ولقد كثرت في هذا المجال الأبحاث والتجارب والمقالات، وظهرت أخيرا أنواع من المعجونات الطبية وفرش الأسنان، وفي كل يوم نطالع في الصحف اختراع نوع جديد من المعاجين؛ هذا يحتوي على الفيتامين، والآخر يحتوي على الفلورين، وفرش للأسنان من النايلون والألياف الصناعية، منها يدار بالكهرباء، ومنها كالمعتاد يستعمل باليد. ولاشك في أن المواد الخام الطبيعية أثبتت فاعليتها وصلاحيتها أكثر من الصناعية، وأثبت العلم أن السواك وما فيه من خصائص ومواد هو الأفضل؛ فإذا أردنا أن تصح أبداننا فلنتبع تعاليم ديننا القويم؛ فمعظم الأمراض التي انتشرت وأصابت الإنسان هي من نتائج هذه المدنية الزائفة التي اخترعها الغرب وقلدها بعضنا.. فمثلا نرى في الغرب مما يدعونه من مدنية واختراعات، انتثرت أمرض الفم والأسنان، ونسمع أن الكثيرين من الغربيين يضطرون إلى خلع أسنانهم، وعمل الاستعاضات الصناعية في سن مبكرة، فما هي الأسباب؟ الأسباب كثيرة ومتعددة، فلقد أهملت المرأة الغربية بيتها وتركت رضيعها، فانتشرت الرضاعة الصناعية، وتركت الأم أبناءها لتغذيتهم بالألبان ولأغذية الصناعية، ونسيت أن الرضاعة الطبيعية من صدرها فيها منافع كثيرة وعظيمة لها ولطفلها، ففضلا على أن لبن الأم يحتوي على مجموعة من العناصر الغذائية والفيتامينات التي لا يمكن بحال من الأحوال مضاهاتها صناعيا، فإنه يحتوي على عناصر تعطي مناعة ضد كثير من الأمراض. كذلك التصاق الطفل بصدر أمه ورضاعته الطبيعية، وعملية الشفط والسحب من الصدر لها تأثير كبير على نمو الفكين، وارتفاع سقف الحلق، وتقوية عضلات الفم، والتنفس من الأنف طبيعيا.

стр. 10187

لقد أثبتت التجارب أن كثيرا من التشوهات الحلقية في الفم والفكين سببها الرضاعة الصناعية، وتكون النتيجة عدم الانتظام في مواضع الأسنان، وبروز بعضها والتصاق بعضها ببعض بطريق غير طبيعية ولا منتظمة، وهذا يؤثر مستقبلا على سلامة الأسنان، وتكون عرضة للتسوس أكثر من غيرها، كذلك فأحيانا لا تنبت الأسنان في أماكنها الطبيعية، وربما لا تظهر وتظل مدفونة في عظام الفك، ويكون سببا في صداع دائم أو التهاب يؤدي إلى كيس حول السن المدفون، وربما إلى مرض خبيث. وبالنسبة للأم فرضاعتها لطفلها سلامة ووقاية لها من أورام خبيثة تتعرض لها، أو اضطرابات في هرمونات الجسم. أشياء كثيرة لا أستطيع حصرها في هذا المقال نتيجة للرضاعة الصناعية، ولست مبالغا إذا قلت إنها تؤثر على ذكاء الطفل ونشاطه، فلنتدبر أمور ديننا؛ يقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ، والحولان زمن يكفي للأمور التي ذكرتها واكتشفها العلم الحديث، وفي عامين من عمر الوليد يكتمل ظهور أسنانه وأضراسه اللبنية، ويصبح قادرا على أن يأكل المواد الطبيعية، فلنعود أولادنا ولنعلمهم من القرآن والسنة، إننا في كل يوم نتجه إلى الله في صلاتنا خمس مرات، نتوضأ فيها ونغسل أفواهنا، إنها نظافة وتطهير للفم، ولنتعود أن تكون لنا مواعيد منتظمة في تناول وجباتنا، والمعدة بيت الداء، وليكون لنا في رسول الله أسوة حسنة، فحديث الرسول ﵊: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه.." الحديث، ولنكن معتدلين في تناول أطعمتنا وشرابنا، وفي قول الرسول ﵊: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع"، وعلى هذا فلسنا في حاجة إلى الطبيب؛ عندما أهدى المقوقس للرسول ﵊ طبيبا وجارية ودابة، فقبل اثنين ورد الطبيب وقال حديثه السابق.

стр. 10188

لقد استوردنا عادات وتقاليد لا بد لنا أن نمجها؛ لأنها مفسدة، فمثلا التدخين وما له من مضار أولا على الصحة العامة، وأثبتت التجارب والأبحاث أن معظم حالات سرطان الرئة سببه التدخين. كذلك التهابات الفم والأسنان والبقع البيضاء التي تظهر بالأغشية المخاطية للفم هي بداية لسرطان الفم أخطر الأنواع وأخبثها. إن لبدنك عليك حقا، إنه أمانة سوف تحاسب عليها، فنعم الله كثيرة وعظيمة؛ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ؛ فلنحافظ على هذه النعم والمواهب العظيمة التي أنعم الله بها علينا في نفوسنا وأجسامنا. الإسلام دين النظافة والتزين بلا إسراف ولا خيلاء، والتواضع في عز وبدون ذل، والأسنان السليمة النظيفة مظهر جميل وكريم للأسنان، كذلك مخارج الألفاظ تتحكم فيها حركة اللسان مع الأسنان، فيكون النطق السليم، اعتن بنظافة فمك وأسنانك حتى لا تؤذي من كان على مقربة منك، والإسلام دين الألفة والمحبة ويبغض الفرقة والبغضاء، الإسلام دين النظافة والتزين؛ فنهى عن أكل الثوم والبصل إذا ذهب المسلم لصلاة الجماعة حتى لا يشم المسلم من أخيه ريحا غير طيبة فيؤذيه، فالإسلام دين الأدب والذوق ودين النظافة والإيمان. فعلينا أن نبادر بالعلاج؛ إذ أن آلام الأسنان صعبة وشديدة، فكلما كانت منطقة الألم قريبة من منطقة المخ ومركز الألم كان الألم أشد وأقوى، والعلاج في البداية سهل ومفيد، والإهمال في العلاج ربما لا يأتي بالنتيجة المرجوة، وتكون النهاية فقد جزء من أجزاء الجسم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال مهما كانت مهارة الصانع والطبيب وقوة تقليد الأسنان أن تعوض الإنسان ما فقده، فسبحان الذي خلق فأبدع.

стр. 10189

نصيحتي إليكم - والدين النصيحة - أن نهتم بصحة أبداننا باتباع سنة نبينا ﵊، ونبادر باستشارة الطبيب المختص أولا بأول، حتى لا يستفحل المرض ويصعب العلاج، وعلينا زيارة طبيب الأسنان مرة كل ستة شهور، حتى ولو لم يكن لدينا أي شكوى أو مرض، ولنعد إلى أطعمتنا التي اعتادها أجدادنا من مأكولات طازجة لم تفقد الكثير من عناصرها، نتيجة للحفظ والتبريد والتجميد، والخبز الجاف أكثر فائدة من غيره، فهو يحتاج لقوة في المضغ فيقوي الفك والعضلات، والخبز كامل العناصر، خير من الخبز الأبيض الصافي، والآن وقد تعودنا أكل الفطائر والحلوى وأنواع البسكوت وكلها أشياء سهلة لينة لا تحتاج للمضغ؛ فتضعف الفك والأسنان فضلا عما يتخلف من بقايا المواد اللينة التي تعلق بالأسنان، وتكون بؤرة ومرتعا للجراثيم والتسويس، فإذا تناولت غذاء لينا مثل البسكوت فضع أصبعك بين شدقيك والأسنان؛ فستجد أن بقايا كثيرة من العجين قد التصقت بالأسنان.

стр. 10190

إن المأكولات الطازجة والخبز الجاف، والخضروات تحتاج لقوة المضغ، وتحريك الفكين ونشاط الخلايا وسلامة الأسنان، فلو أننا نظرنا إلى أجدادنا لوجدنا أنهم كانوا أكثر صحة ونشاطا منا، فقد عاشوا على طبيعتهم، فأكلوا من الطيبات غذاءهم الطبيعي، وكل ما هو صعب ذللوه بقوة إيمانهم وبجهدهم وتفكيرهم، فلم يصعب أمام قوة إيمانهم شيء، أما نحن الآن وقد استسهلنا كل شيء، وتعودنا الكسل، فأصبح الطعام اللين الذي لا يحتاج لقوة المضغ والبلع هوايتنا، وأخذ منا أولادنا هذه العادات؛ فنادرا ما تجتمع الأسرة الآن على فطور واحد في الصباح الباكر، بل أخذ التلميذ ما يسمى بالسندويتش، وأعطي آخر المصروف ليشتري فطائر الحلوى والشيكولاتة وخلافه، أكلنا جميعا الهين اللين الذي لا يحتاج لتمرين عضلات الفم وتنشيط الأنسجة، والقاعدة أن الخمول يؤدي إلى الضعف والشلل، والحركة والتمرين تساعد على النشاط والبناء وقدرة الجسم على المناعة ضد الأمراض، وتكون النتيجة انتشار أمراض الفم وتسوس الأسنان بين الأطفال، ونحن نجد أطفالا صغارا لم يتجاوزوا لخامسة من عمرهم يشتكون من التسوس والتهاب الفم والتقرح والتقيحات باللثة، وربما يؤدي ذلك إلى خراج باللثة وتحت الأسنان، وبذلك نرى خلع الأسنان للأطفال بنسبة كبيرة، علما بأن الخلع المبكر له أضراره الكثيرة التي تؤثر على نمو الفكين وعلى سلامة الفم وصحة الجسم، وتؤثر أيضا على نمو وسلامة الأسنان الدائمة في الكبر.
следующие страницы →