← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ (الليل آية ١٧- ١٨) . ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الصفات، وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا، تقيا، كريما، جوادا، بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله ﷺ ، ﵁ وأرضاه [٤٨] . العظيم: هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعيل) بصيغة المبالغة، بما يدل على منتهى العظمة لله تعالى، بحيث لا تعلوها عظمة مخلوق. وبهذا الاسم الكريم أثبت الله ﷻ لنفسه العظمة المطلقة في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله. وقد ورد اسم (العظيم) في القرآن الكريم ست مرات [٤٩] على النحو التالي: ١- في قوله تعالى: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة آية ٢٥٥) . أقول: وقد سبق أن أشرت إلى اقتران الاسمين الكريمين (العلي العظيم) عند الكلام على اسم (العلي) . وأضيف هنا أن اسم (العظيم) وقبله (العلي) قد سبقا في هذه الآية الكريمة ببيان القدرة المطلقة لله تعالى، التي من مظاهرها حفظ السموات والأرض، ولا يثقله - سبحانه – هذا الحفظ أدنى ثقالة، وإثبات كمال القدرة لله تعالى، وهي من باب إثبات أسمائه - جل وعلا - وصفاته، وهو قسم من أقسام توحيد الله . ٢- وفي قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (الشورى آية ٤) .

стр. 10292

أقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (العلي العظيم) في هذه الآية الكريمة ببيان تجريد الربوبية لله سبحانه - التي من مظاهرها بأنه هو وحده الملك للسموات والأرض وما فيهن، وتجريد الربوبية له تعالى قسم من أقسام توحيد الله . ٣- وفي قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة آية ٧٤) . أقول: وقد سبق الاسم الكريم (العظيم) في هذه الآية بالأمر بالتسبيح باسم ربنا تعالى، ومعنى هذا الأمر: أن ننزهه عما لا يليق بشأنه كما يذكر الإمام الشوكاني [٥٠] . وتنزيهه سبحانه على هذا الوجه معناه إثبات كل صفات الكمال له تعالى، وهذا الأمر من مباحث توحيد الله . ٤- وفي قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الواقعة آية ٩٦) . أقول: وما ذكرته في الآية السابقة هو ما أقرره في هذه الآية؛ لأن الأمر فيهما واحد. ٥- وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ (الحاقة آية ٣٣) . أقول: وقد سبق الاسم الكريم (العظيم) في هذه الآية بذكر حال الذي يؤتى كتابه بشماله - يوم تعرض الخلائق على الله - فيدخل في سلسلة طولها سبعون ذراعا ثم يرمى في الجحيم، وبيان أنه ما كان يؤمن بالله (العظيم) فلم يطعه، ولم يؤيد ما أوجبه تعالى عليه من حقوق سبحانه، فضلا عن حقوق العباد، والإيمان بالله يترتب عليه الائتمار بما أمر، والانتهاء عما نهى، وهذا الإيمان إنما يعني توحيد الله . ٦- وفي قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (الحاقة آية ٥٢) .

стр. 10293

أقول: وقد سبق الاسم الكريم (العظيم) في هذه الآية بالأمر بتنزيه الله تعالى عما لا يليق، إذ إنه لا يأتي منه إلا بكل خير، والقرآن الكريم جاء من عنده تعالى، لذلك كان حق اليقين؛ فجاءت الآية السابقة (وإنه لحق اليقين) أي: أن القرآن لأنه من عند الله؛ فهو حق لا يحول حوله ريب، ولا يتطرق إليه شك، والقرآن هو كلام الله تعالى، وكلامه سبحانه صفة من صفاته، والصفات من مباحث توحيد الله . ومن ثم يبدو أن أسماء الله ﵎ غالبا ما تأتي بعد قضية توحيد الله جل وعلا، وتجريد العبادات له سبحانه. الغني: هم اسم من أسماء الله تعالى، يتضمن أن الله جل وعلا غني غنى مطلقا عن جميع خلقه، فليس محتاجا إلى أي منهم، لأنه سبحانه هو خالق الخلق، ومالكه، ومدبر أمره، وخزائن كل شيء عنده وحده، يمد منها خلقه بقدر معلوم حسب مشيئته هو سبحانه كما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (لحجر آية ٢١) ومن كانت صفاته بهذه المثابة، فلا يمكن أن يحتاج البتة إلى واحد من خلقه، إذ إن الذي يحتاج إلى غيره لا يصلح أن يكون إلها، ومن ثم إلهنا العظيم هو (الغني) على الإطلاق. وقد ورد هذا الاسم الكريم (الغني) في القرآن الكريم ثماني عشرة مرة [٥١] ، على النحو التالي: ورد عشر مرات [٥٢] مقترنا باسم (الحميد) سبحانه، وذلك على مثل ما يلي: ١- في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (البقرة آية ٢٦٧) .

стр. 10294

أقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة بأمر الله تعالى لنا بأن نعلم أن الله تعالى (غني حميد) ، فهو المتصف بالغنى المطلق، والمستحق للحمد المطلق، وذلك بعد أن أمر المؤمنين - في الآية ذاتها - أن ينفقوا من طيبات ما كسبوا ومما أخرج الله تعالى لهم من الأرض، وأن لا ينفقوا من الخبيث، إذ إنهم لا يقبلون أخذه إلا تساهلا وتجاوزا عن بعض حقوقهم، ومع أمر الله لهم إلا بالإنفاق من الطيبات، فالله غني - على الإطلاق - عن إنفاقهم، ومستحق للحمد على كل ما أمر وفعل. وقد ذكر الإمام ابن كثير في معنى قوله ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أن الله تعالى وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذلك إلا ليساوي الغني الفقير، كقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ ، وهو غني عن جميع خلقه، وجميع الخلق فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفذ ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، وسيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافا كثيرة، فالذي يقرضه غير عديم ولا ظلوم. وهو سبحانه الحميد أي المحمود في جميع أفعاله، وأقواله، وشرعه، وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه [٥٣] .

стр. 10295

أقول: ولو أن العبد علم أن من أسماء الله تعالى (الغني) ، وأن خزائنه ملأى لا تنقص ولا تنفذ، لجرد كل اعتماده عليه سبحانه، ولما طلب مددا من غيره جل شأنه، ولما لجأ إلى ما يزين له الشيطان من الاستمداد من الأحياء، والموتى، بل ومن الجمادات، لأن الله - وحده - هو الذي يملك أن يمد بكل أنواع الإمدادات، وقد أشار سبحانه إلى هذا في قوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ (نوح آية ١٠- ١٢) ٢-وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم آية ٨) . أقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) ببيان قول رسول الله موسى ﵇ وهو من أولي العزم من الرسل - أنه لو كفر قومه وهم بنو إسرائيل، وكفر الناس جميعا؛ فإن كفرهم لن يضر الله شيئا، فهو سبحانه الغني غنى مطلقا عن خلقه جميعا، المحمود على كل أوامره وأفعاله. وقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ..﴾ الآية، فسبحانه وتعالى الغني الحميد [٥٤] . وقد قال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: أي إن تكفروا نعمته تعالى أنتم وجميع الخلق ولم تشكروها، فإن الله سبحانه ﴿الْغَنِيُّ﴾ عن شكركم لا يحتاج إليه، ولا يلحقه بذلك نقص ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه، وإن لم تشكروه، أو يحمده غيركم من الملائكة [٥٥] . ٢- وفي قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الحج آية ٦٤) .

стр. 10296

أقول: وقد سُبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة ببيان ملك الله لكل ما في السموات وما في الأرض، فهو خالق كل شيء وحده، ومالك كل شيء وحده، ومدبر أمر كل شيء وحده، وهذا يدل على كمال ربوبيته وكمال غناه عن خلقه سبحانه. وقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن كل شيء في السموات والأرض ملكه وحده لا شريك له سبحانه، وهو (الغني الحميد) أي المستغني عما سواه، المستوجب الحمد من عباده في كل حال [٥٦] . وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إن الله تعالى ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ خلقا وملكا وتصرفا، وكلهم محتاجون إلى رزقه، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ فلا يحتاج إلى شيء، ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستوجب للحمد في كل حال [٥٧] . ٤- وفي قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (لقمان آية ٢٦) أقول: وما ذكرته في الآية الثالثة يصدق على هذه الآية؛ لتضمنها تقريبا المعنى نفسه. ٦- وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (لقمان آية ١٢) . أقول: وقد سبق الاسمان الكريمان (الغني الحميد) في هذه الآية الكريمة ببيان أن الله تعالى أعطاه الحكمة وأمره أن يشكر وحده على ما أنعم به عليه، إذ إن الشكر ينفع الشاكر وحده، والذي يجحد النعم ولا يشكرها فلن يضر الله بكفره؛ لأنه سبحانه ليس في حاجة إلى شكر شاكر، فهو الغني المستحق لكافة أنواع الحمد. ويفهم من هذا أن المنعم وحده هو الله تعالى، وهذا من كمال ربوبيته، وبهذا يستحق الشكر وحده، فهو المستغني عن كل خلقه، الواجب الحمد منهم على كل حال.

стр. 10297

وقد قال الإمام ابن كثير في معنى هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى آتى لقمان [٥٨] الفهم، والعلم والتعبير، والفقه في الإسلام، ولم يكن نبيا ولم يوح إليه، وأمره بشكره على ما آتاه من الفضل الذي خصصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، وأن الشكر يعود نفعه على الشاكرين، أما الله تعالى فليس بحاجة إلى العباد، ولا يتضرر ولو كفر أهل الأرض جميعا، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه [٥٩] . مما سبق يتبين أن اسم (الغني) جاء في أغلب الآيات بعد إقرار قضية توحيد الله . وقد ورد اسم (الغني) مقترنا باسم (الحليم) سبحانه مرة واحدة [٦٠] : في قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٦٣) . أقول: واقتران الغني بالحليم أفهم منه أنه سبحانه مع غناه المطلق الذي لا يحتاج به إلى أحد من خلقه؛ فإنه حليم عليهم حين يعصونه، والمعهود في عرف الناس أن الغني منهم - وغناه محدود - لا يحلم على عبده لو عصاه، لكن الله جل وعلا - وله المثل الأعلى - مع غناه المطلق حليم بعباده العاملين. وقد سبق هذان الاسمان الكريمان ببيان أن المنفق إذا أتبع صدقته بالقول الطيب والغفران - لأنه ينفق ابتغاء وجه الله الذي لا توجه العبادة إلا له وحده سبحانه - فإن ذلك يكون خيرا له من اتباعه إنفاقه بما يؤذي من أعطاه، ولا يتأتى القول الطيب والمغفرة إلا من المنفق المؤمن الموحد الذي يؤمن بأن الذي أعطاه ما ينفق منه إنما هو ربه (الغني) الذي لا ينفد عطاؤه، ومن ثم خرج كلامه طيبا، من قلب طيب، عل لسان طيب. ورغم ذلك فإن صدر منه خطأ - وكل بني آدم خطاء – وجد أن الله (الغني) هو سبحانه (الحليم) الذي يتجاوز عن مثل خطئه لدوام رجوعه إلى ربه وتوبته.

стр. 10298

وقد ذكر الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ - في هذه الآية - أن الله غني عن خلقه يحلم ويغفر ويصفح [٦١] . وقد ورد اسم (الغني) مقترنا باسم (الكريم) سبحانه مرة واحدة [٦٢] : في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل آية ٤٠) . أقول: واقتران (الغني بالكريم) أفهم منه أنه سبحانه مع غناه المطلق عن خلقه، فهو الكريم كرما مطلقا لا يسلب عباده الذين يعصونه نعمه التي تفضل بها عليهم إلا بعد أن يذكروا ويوعظوا ويبين لهم، فإذا نسوا ما ذكروا به بعد توالي نعمه سلبهم ما أعطاهم بأخذه بغتة كما يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (النعام آية ٤٤) . والمعهود في عرف الناس أن الغني منهم إذا عصاه عبده سلب منه ما أعطاه عاجلا؛ إذ يضيق صدره بعصيان عبده إياه، فيرى في لحظة عصيانه أنه لا يستحق خيره وعطاءه، فيسارع إلى استعادة ما أعطاه، لكن الله جل وعلا - وله المثل الأعلى - في غناه المطلق، واسع الكرم لا يسلب عباده العاصين بمجرد عصيانهم نعمه، بل يمهلهم - دون إهمال - بل قد يزيد في الإنعام عليهم، فإذا ما ظلوا في غيهم سادرين أخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ أي هو غني عن العباد وعبادتهم، كريم في نفسه وإن لم يعبدوه، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [٦٣] .

стр. 10299

وذكر الإمام الشوكاني أن الشكر لا ينفع إلا الشاكر، ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ بترك الشكر ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكره، ﴿كَرِيمٌ﴾ في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه عنه وسلبه ما أعطاه منها [٦٤] . أقول: وبهذه المناسبة أود أن أذكر أن الله (الغني) سبحانه، يحتاج إليه كل خلقه صغر أم كبر، إنسيا أم جنيا، طيرا أم زاحفا، وحشا أم مستأنسا، فالكل فقير في أمس الحاجة إلى فضل ربهم (الغني) . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال: (خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس، فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تستقينا، وإما أن تهلكنا؛ فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم) . فهذه نملة هداها الله إلى أن تدعوه وتقول: ليس بنا غنى عن رزقك. فاستجاب الله تعالى لدعائها، وسقى قوم سليمان بدعاء النملة كما ذكر سليمان لهم: (ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم) . أقول: فلو أن الإنسان - الذي كرمه الله تعالى وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا - علم أن خالقه سبحانه هو الغني الذي بيده وحده كل الخير، وواسع الفضل، وآمن بأنه لا يدعى ولا تطلب النعم إلا منه جل وعلا، لاطمأن قلبه من فزع الجوع وخوف الفقر، ولسلب أموره التي فوضها للعباد، وأدعيته التي وضعها بين أيديهم، ليضعها في يد خالقه الغني رب العالمين، الذي يقدر وحده أن يمده بما شاء من فضله، إذ إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وقد ورد اسم (الغني) مقترنا بما وصف به نفسه تعالى بقوله ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ مرة واحدة [٦٥] في القرآن الكريم: في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (الأنعام آية ١٣٣) .

стр. 10300

أقول: واقتران اسم (الغني) في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أفهم منه أنه تعالى مع غناه المطلق الذي لا يحتاج به إلى واحد من خلقه، والذي به ينعم بما يشاء من النعم على خلقه، فهو تعالى رحيم بمن عصاه من خلقه، لا يعاجلهم بعقوبته فور عصيانهم، كما نرى المعهود بين الناس - ولله المثل الأعلى - فالغني منهم إذا عصاه عبده سرعان ما يوقع به عقوبته، محاولا أن يجعلها تناسب جرمه، لكن الله جل وعلا واسع الرحمة يمهل عباده العاصين لعلهم يرجعون إليه ويتوبون، وفي هذا يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ (النحل آية ٦١) . وقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ إلى قوله ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أنه الغني عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، وهو مع ذلك رحيم بهم، فإن شاء أذهبهم إذا خالفوا أمره، ويستخلف من بعدهم ما يشاء من قوم آخرين يطيعونه، كما أذهب القرون الأولى وأتى بمن بعدها، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [٦٦] .

стр. 10301

وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: وربك الغني عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم، لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم، ومع كونه غنيا عنهم؛ فهو ذو رحمة بهم لا يكون غناه مانعا من رحمته لهم. وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم، هي غاية التفضل والتطوّل، إذ لو شاء لاستأصل العصاة بالعذاب المفضي إلى الهلاك، ويستخلف من بعد إهلاكهم ما يشاء من خلقه ممن هو أطوع له وأسرع إلى امتثال أحكامه منهم؛ مثل ما استخلف غيرهم الذين أنشأهم من ذرية قوم آخرين أهلكهم - قيل: هم أهل سفينة نوح - ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم، ولا استخلف غيرهم رحمة لهم، ولطفا بهم [٦٧] . وقد ورد اسم (الغني) سبحانه في القرآن الكريم دون أن يقترن بغيره من أسماء الله تعالى الحسنى خمس مرات [٦٨] : على ما يلي: ١- في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران آية ٩٧) . أقول: وقد سبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية الكريمة ببيان وجوب أداء حج بيت الله الحرام لكل من يستطيع السبيل لبلوغه، وإبراز أن الحج إنما هو لله وحده، واعتبر المستطيع الذي يتقاعس عن أداء هذا الركن من أركان الإسلام كافرا، وكفره عليه، فلن يضر الله به شيئا، إذ إن الله غني عنه وعن عبادته وعن العالمين جميعا، وتجريد العبادة لله وحده هو من توحيده سبحانه.

стр. 10302

وقد قال الإمام ابن كثير في بيان قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ : إن من جحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه. وروى سعيد بن منصور عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله : فأخصمهم فحجهم، يعني فقال لهم النبي ﷺ : "إن الله فرض على المسلمين حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا"، فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [٦٩] . وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: قيل إنه عبر بلفظ الكفر عن ترك الحج تأكيدا لوجوبه وتشديدا على تاركه، وقيل المعنى: ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجبا، وقيل: إن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر، وما شرع الله تعالى لعباده هذه الشرائع إلا لنفعهم ومصلحتهم، وهو - تعالى شأنه وتقدس سلطانه - غني لا تعود إليه طاعات عباده بأسرها بنفع [٧٠] . ٢- وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت آية ٦) . أقول: وقد سبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية ببيان أن جهاد الإنسان - وهو عبادة عدت ذروة سنام الإسلام – لا ينفع سواه، وهكذا شأن كل أعماله، ولا ينفع الله شيئا، فهو سبحانه غني عن كل العالمين، ويتبين أن ذكر العبادة التي تجرد لله تعالى - وهذا من توحيده - سبق ذكرها اسمه (الغني) . وقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: أن من جاهد فإنما يعود جهاده على نفسه، فإن الله غني عن أفعال العباد، ولو كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيء [٧١] .

стр. 10303

وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية نفسها: أن من جاهد الكفار وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات فإنما يجاهد لنفسه، أي ثواب ذلك له لا لغيره، ولا يرجع إلى الله سبحانه من نفع ذلك شيء، فلا يحتاج إلى طاعة العالمين كما لا تضره معاصيهم [٧٢] . ٣- وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر آية ٧) . أقول: إن اسمه الكريم (غني) ذكر معه بيان أن عدم توجيه العبادات لله تعالى لعدم الإيمان به لا يضر الله شيئا، بل ضرره على صاحبه لعدم توحيده، ورغم هذا فالله تعالى لا يرضى لعباده أن يكفروا، ولكنه يرضى لهم أن يشكروا. ويتبين من هذا ومما سبق من الآيات أن الأسماء الحسنى تذكر غالبا مقترنة مع بيان توحيد الله ، مما يؤكد أهمية توحيد صاحب هذه الأسماء الكريمة. وقد قال الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى يخبر عن نفسه ﵎ أنه الغني عما سواه كما قال موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ، وكما جاء في صحيح مسلم: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئ ا"، ومع ذلك فالله لا يحب الكفر لعباده ولا يأمر به، ولكن يحب لهم أن يشكروا ويزيدهم من فضله [٧٣] . وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إنه تعالى غير محتاج إليكم، ولا إلى إيمانكم، ولا إلى عبادتكم له، فإنه الغني المطلق، ومع كون كفر الكافر لا يضره كما أنه لا ينفعه إيمان المؤمن فهو سبحانه لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ولا يحبه، ولا يأمر به. وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ هل هي عامة أم خاصة؟

стр. 10304

فذهب فريق إلى أنها عامة لعباد الله جميعا؛ فالكفر غير مرضي لله سبحانه على كل حال كما هو الظاهر؛ فقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: والله ما رضي الله لعبد ضلالة، ولا أمره بها، ولا دعا إليها، ولكن رضي لكم طاعته، وأمركم بها، ونهاكم عن معصيته. وذهب فريق - منهم ابن عباس ﵄، على ما أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات في قوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ - أنهم عباده المخلصون الذين قال عنهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ؛ فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله وحببها إليهم، وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن المعنى: لا يرضى لعباده المسلمين الكفر [٧٤] . ٤- وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ (يونس آية ٦٨) . أقول: إن من لديه أدنى ذرة من عقل يعلم يقينا أن الله سبحانه لا يمكن أن يتخذ ولدا، لأن اتخاذ الولد مظهر من مظاهر الحاجة، إذ إن المعهود في الإنسان أنه يتخذ الولد لحاجته إليه ليحمل اسمه ويبقى ذكره بعد موته، وليعينه في حياته إذا عجز أو كبر، وليمده بما يقتات به إذا افتقر، والله تعالى - وله المثل الأعلى - لا يتصور عاقل أن يتخذ له ولدا، لأن اتخاذ الولد دليل على حاجة متخذه إليه، والمحتاج إلى غيره لا يصلح أن يكون إلها، فسبحان الله العلي الكبير أن يحتاج لغيره، فهو (الغني) عن خلقه جميعا، وآية ذلك أنه خالق السموات والأرض وما فيها وما بينهما، ومالك الخلق جميعا ومدبر أمره وحده .

стр. 10305

وتجريد الربوبية لله تعالى على هذه الصورة لينبني عليه توحيد الألوهية ثم توحيد الأسماء والصفات أكمل تجريد لتوحيد الله ؛ ومن ثم نرى أن أسماء الله تعالى تذكر غالبا بإقرار قضية توحيد الله ﵎ لعظيم أهميته في صحة الأعمال. وقد ذكر الإمام ابن كثير في بيان هذه الآية الكريمة أن الله تعالى ينكر على من ادعى أن له ولدا، ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي تنزه عن أن يكون له ولد، بل هو الغني عن كل ما سواه، إذ كيفي كون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك وعبد له؟ [٧٥] . وذكر الإمام الشوكاني في بيان الآية نفسها: أن هذا نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها، وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ ولدا، فرد ذلك عليهم بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ ؛ فتنزه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين، وبين أنه غني عن ذلك، وأن الولد إنما يطلب للحاجة، والغني المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة انتفى لولد، وأيضا إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ليقوم الولد مقامه، والأزلي القديم لا يفتقر إلى ذلك، ثم بالغ في الرد عليهم بما هو كالبرهان فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ وإذا كان الكل له وفي ملكه فلا يصح أن يكون شيء مما فيها ولدا؛ للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة [٧٦] . ٥- وفي قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد آية ٣٨) .

стр. 10306

أقول: وقد سُبق اسم (الغني) سبحانه في هذه الآية الكريمة ببيان نوع من أنواع العبادة وهو الإنفاق، وأنه لا يكون مقبولا إلا إذا جرد لله تعالى وحده، وأن الذي لا يكون موحدا بالله ومؤمنا بأسمائه الحسنى وصفات كماله العليا - ومنها أنه الغني وغناه مطلق لأنها نهاية له - فيبخل بالإنفاق خالصا لوجهه تعالى، فإنما يقع ضرر ذلك عليه وحده، ولا يضر الله شيئا، لأنه سبحانه هو الغني وخلقه هو الفقراء إليه، وإن استمروا على عدم توحيدهم مدبرين فإن الله قادر على أن يذهبهم ويأت بأقوام غيرهم آخرين يعرفون الله تعالى ويخلصون له توحيده وأعمالهم. وهذا يستفاد منه أن توحيد الله في غاية الأهمية، وفاقده على خطر عظيم. وقد قال الإمام ابن كثير في بيان الآية الكريمة: إن من يبخل أضاع على نفسه الأجر وعود الوبال عليه، والله الغني عما سواه، وفقير إليه ما عداه، ولذا قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ أي بالذات إليه فوصفه بالغنى، ووصف الخلق بالفقر لازم لهم لا ينفكون عنه، كما ذكر تعالى أنهم إن تولوا عن طاعته واتباع شرعه استبدل قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم، ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره [٧٧] . وقال الإمام الشوكاني في بيان الآية ذاتها: إنكم أيها المؤمنون تدعون لتنفقوا في الجهاد وفي طريق الخير فمنكم من يبخل بما يطلب منه ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال، ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس بمنعها الأجر والثواب ببخله، فإن الله هو الغني المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالهم، وأنتم الفقراء إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة، وأنكم إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم أطوع لله منكم ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي عن الإيمان والتقوى [٧٨] .

стр. 10307

أقول: وهذا يستفاد منه أن الإيمان بالله تعالى وحده وتجريد الأعمال جميعا له في غاية الأهمية، وفاقد ذلك على خطر عظيم. نسألك اللهم أن تثبت قلوبنا على دينك، وأن ترسخ في قلوبنا عقيدة التوحيد، وأن ترزقنا العمل بما تقتضيه، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. -------------------------------------------------------------------------------- [١] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٨. [٢] فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧١. [٣] المرجع السابق ص ٢٧٣. [٤] شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص ٣٠٣. [٥] فتح القدير الجزء الرابع ص ٨٣، ٨٤. [٦] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٦. [٧] فتح القدير الجزء الثالث ص ٣٨٧ – بتصرف. [٨] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٥٣٩. [٩] فتح القدير الجزء الرابع ص ٤٩٩. [١٠] فتح القدير الجزء الرابع ص ٤٩٨. [١١] مرجع الزجاج ص ٥٦ – وقال أبو إسحاق الزجاج في هامش هذه الصفحة: قال أبو حيان في البحر المحيط ٢/٢٧٧: قرأ الجمهور (القيوم) على وزن (فيعول) ، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وعلقمة والنخعي والأعمش (القيام) ، وفي زاد المسير ١/٣٠٢: وبه قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن أبي عبلة والأعمش. [١٢] شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص ٣٠٥ [١٣] المرجع السابق ص ٣٠٥. [١٤] المرجع السابق ص ٣٠٥- ٣٠٧ بتصرف. [١٥] المعجم المفهرس ص ٥٨٠. [١٦] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٨. [١٧] فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧١. [١٨] المرجع السابق ص ٢٧٣. [١٩] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٦. [٢٠] المرجع السابق ص ٢١٨. [٢١] شرح أسماء الله الحسنى ص ٣٠٧. [٢٢] فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٤. [٢٣] المرجع السابق ص ٣٠٧.

стр. 10308

[٢٤] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٧ – وفتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٣. [٢٥] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢١٧. [٢٦] فتح القدير الجزء الأول ص ٢٧٤. [٢٧] صحيح البخاري. [٢٨] مرجع الزجاج ص ٤٨- بتصرف. [٢٩] المعجم المفهرس. [٣٠] المرجع المذكور. [٣١] المعجم المفهرس. [٣٢] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٩٧. [٣٣] أقول: أو غيرها من الطواغيت، سواء أكانت جبابرة أحياء، أو موتى، أو حيوانات، أو جمادات ينزل عندها الجاهلون الضالون، ويخشونها كخشية الله أو أشد خشية. [٣٤] فتح القدير الجزء الثالث ص ٤٦٥. [٣٥] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٤٠٧. [٣٦] أخرجه الإمام البخاري. [٣٧] فتح القدير الجزء ٤ ص ٤٨٤. [٣٨] فتح القدير – الجزء الأول ص ٤٦١ بتصرف - وأقول في إيجاز: والخطوة الرابعة في علاج الزوجة إن لم تثمر الثالثة هي بعث حكم من أهله وحكم من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، والخطوة الخامسة الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ويكون الطلاق رجعيا في طهر لم يمسها فيه، فإن طلقها بعد المرتين فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. [٣٩] المعجم المفهرس. [٤٠] فتح القدير الجزء الرابع ص ٥٤٤/ ٥٤٥ بتصرف. [٤١] مرجع الزجاج ص ٦١. [٤٢] المعجم المفهرس. [٤٣] تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٢٠٥. [٤٤] فتح القدير الجزء الثالث ص ٦٨. [٤٥] المعجم المفهرس. [٤٦] فتح القدير الجزء الخامس ص ٤٢٣. [٤٧] فتح القدير الجزء الخامس ص ٤٥٤. [٤٨] تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص ٣٩٩ [٤٩] المعجم المفهرس. [٥٠] فتح القدير الجزء الخامس ص ١٦٢. [٥١] المعجم المفهرس. [٥٢] المعجم المفهرس. [٥٣] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢٣٠- ٢٣١.

стр. 10309

[٥٤] تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٤٢٦. [٥٥] فتح القدير الجزء الثالث ص ٩٦. [٥٦] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٩٨. [٥٧] فتح القدير الجزء الثالث ص ٤٦٦. [٥٨] اختلف السلف في لقمان: هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين: فالأكثرون على الثاني، وعن ابن عباس أنه كان عبدا حبشيا نجارا، وعن جابر بن عبد الله قال: كان قصير أفطس الأنف من النوبة، وعن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، أعطاه الحكمة ومنعه النبوة. (تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٣٢٥) . [٥٩] المرجع السابق ص ٣٢٦. [٦٠] المعجم المفهرس. [٦١] تيسير الكريم الرحمن المجلد الأول ص ٢٢٨. [٦٢] المعجم المفهرس. [٦٣] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٣٩. [٦٤] فتح القدير الجزء الرابع ص ١٣٩. [٦٥] المعجم المفهرس. [٦٦] تيسير العلي القدير المجلد لثاني ص ٥٨- بتصرف قليل. [٦٧] فتح القدير الجزء الثاني ص ١٦٤- بتصرف قليل. [٦٨] المعجم المفهرس. [٦٩] تيسير العلي القدير المجلد الأول ص ٢٩٥- ٢٩٦. [٧٠] فتح القدير الجزء الأول ص ٣٦٣- بتصرف قليل. [٧١] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٢٨٤. [٧٢] فتح القدير الجزء الرابع ص ١٩٣. [٧٣] تيسير العلي القدير المجلد الثالث ص ٤٩٧. [٧٤] فتح القدير الجزء الرابع ص ٤٥٣- ٤٥٤. [٧٥] تيسير العلي القدير المجلد الثاني ص ٣٠٩. [٧٦] فتح القدير لجزء الثاني ص ٤٦٠. [٧٧] تيسير العلي القدير المجلد الرابع ص ٦٧. [٧٨] فتح القدير ص ٤٢.

стр. 10310

وحدة المسلمين في مواجهة الأخطار سبيلها وغايتها فضيلة الشيخ محمد عبد الرحمن الراوي رئيس قسم التفسير بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أحمد الله تعالى وأصلي على نبيه، وأدعوه بحق وجهه أن يبارك جمعنا، وأن يجمع على الخير والبر قلوبنا، وأشكر الذين أتاحوا لي هذا اللقاء الطيب الكريم، أرجو أن يكون في صالح أعمالنا جميعا يوم لقائه. وبعد: فلقد واجهت أمتنا منذ نشأتها - بل من أول نداء في بطحاء مكة – واجهت التحديات في صور متعددة من الصد والكيد. لكنها - بحمد الله - قد شقت طريقها ومضت بخصائصها ومقوماتها منتصرة ظافرة بفضل ربها، وكان لفاعلية الحركة فيها أثر بالغ في كسر الطوق الذي يحيط بها؛ وهذه الفاعلية نشأت من فطرة هذا الدين الذي حول النفوس - بإذن الله - من حال إلى حال. نحن نشرف على نهاية القرن الرابع عشر من هجرة الرسول ﷺ ونزيد عليه إذا عدنا إلى بداية الدعوة ونشأتها. وهذا العمر المديد لأمتنا الإسلامية جدير أن يقدم لنا تجارب حية، ندرك منها جوانب الإيجاب والسلب في مسار هذه الأمة، فنأخذ بما حفظ أمرها وأعلى شأنها وأبقى عزها، ونطرح ما ساق لها الهوان والضعف، ويسر للطامعين أن يحققوا أحلامهم وأن يعيثوا في الأرض فسادا.

стр. 10311

إن للعز أسبابا، وللذل أسبابا، وسنن الله ثابتة لا تتبدل ولا تتحول ولا تخضع لأماني الناس وأحلامهم، والله لم يدع لأحد حجة بعد الهدى والبيان؛ فما من سبب من أسباب العزة والفلاح إلا دعانا إليه ورغبنا فيه وأثابنا عليه وحقق لنا نتائجه وبين لنا أثره في أنفسنا وفي الأمم التي خلت من قبلنا، وما من سبب من أسباب الهوان وذهاب الريح إلا نهانا عنه وحذرنا منه وبين لنا سوء عاقبته في أنفسنا وفي الأمم من قبلنا. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . في الحياة الدنيا، نرى النافع المفيد يمكث في الأرض بخصائص ثابتة ويمتد مع الأجيال بلا تغير ولا انقطاع، وفي حياة أمتنا خصائص ثابتة تقوم مقام الماء في عالم الحياة، ولم يعرف التاريخ في ماض أو حاضر أن حياة قامت بغير الماء، ولم تتغير خصائص الماء في فطرته من زمن إلى زمن وإن تغير الزرع والثمر، وكل أرض هامدة قبلته اهتزت به وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. ولم يعرف التاريخ أن أمتنا انتصرت في أي معركة صغرت أو كبرت بغير الثابت من خصائصها؛ به واجهت التحديات التي فرضت علها، واجتازت العوائق التي وضعت في طريقها، وكانت هذه الخصائص دائما هي العاملة في استنهاض الهمم للأخذ بأسباب النصر في كل عصر وزمن. الثابت في حياة أمتنا يقوم على عقيدة أصيلة راشدة، دافعة ومانعة ودافعة إلى الخير حاثة عليه، مانعة من الشر زاجرة عنه، يتفتح لها القلب فتحول بينه وبين المكابرة أو لإصرار على خطأ أو إثم صغر أو كبر. وهذه العقيدة يوضح معالمها كتاب عزيز، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .

стр. 10312

ومن رحمة الله بأمتنا وبالإنسانية جميعا أن حفظ لها هذا الكتاب لتحيا به النفوس وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولتجد أمتنا دائما ما تزن به أمرها وتصحح خطأها وتعالج واقعها وتهدي به إلى التي هي أقوم وتهتدي إلى صراط مستقيم، وكم هزم المسلمون وانتصر هذا الكتاب، وكم نال العدو من ديارهم ولم يستطع مغالبة حرف منه. ترى الغالب مغلوبا أمام سطوته، والمنتصر منهزما إزاء حجته، وقد بين الله فيه معالم كل شيء، ودعا إلى اتباع الرسول ﷺ ؛ ليرى الناس في سلوكه القرآن العملي قولا وعملا وخلقا وتطبيقا. لقد كان القرآن وما زال مبعث حياة الأمة، به اعتصمت فتوحدت وتمسكت فاهتدت، وعاشت تاريخها بين مد وجزر؛ يعلو شأنها حين تعتصم به ولا تتفرق، ويصيبها من الهوان ما يصيبها حين تشْغَل عنه أو تعتز بغير ما أعزها الله به، بهذا الكتاب تعرف قيم الناس وتوزن أعمالهم، وبه يرفع الله أقواما ويضع آخرين، وهو ثابت لا يتغير، محفوظ بحفظ الله لا يتبدل، وأمتنا الإسلامية بخير دائما إن هي أحسنت كيف تحيا بثابت في متغير. الثابت يحفظ شخصيتها ويبقى عليها ممتدة مع الزمن كله، ويجعلها تصمد أمام المخاطر والمغريات ونحن نرى فطرة الثبات في خصائص الأشياء التي لا يستقيم أمر الحياة إلا بها من شمس وهواء، وقمر وماء، وليل ونهار وزروع وثمار. وتلك آيات الله في خلقه تمضي ثابتة بخصائصها لتؤدي دورها بإذن ربها في اطراد وامتداد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وثبات القرآن متميز ذو خصائص تتجدد به حياة النفوس وتمتد، والذي جعله سببا لذلك هو الذي جعل من الماء كل شيء حي. وكثيرا ما نجد الحديث عن القرآن يتجاور مع الحديث عن الماء في كناب الله ، وهذا التجاور يلفت نظر المتدبر إلى ما بينهما من مناسبة. والرسول ﷺ يوضح ذلك بقوله: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا..".

стр. 10313

ولذا فإن كلمة (مبارك) يوصف بها الماء ويوصف بها الكتاب ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ ، وكلنا يدرك إلى أي حد تنتهي بركة الماء، وإلى أي مدى تمتد بركة هذا الكتاب المنزل على رسوله، وكيف يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه. وإذا كانت الأرض الطيبة تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب الكثير؛ فإن النفوس الطيبة - بفضل ربها - تتقبل وحي الله وتؤمن بآياته، فتنبت العمل الطيب وتثمر الخلق الحسن، تحرك بإيمانها وتنبعث بيقينها ويؤازر بعضها بعضا تعبدا لله وطاعة لأمره؛ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ . والقرآن الكريم يبصر الناس بمقتضيات الإيمان وسبل المؤازرة وغايتها؛ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . واضح أن ولاية المؤمنين لا تقوم إلا على صدق الإيمان بالله وتنفيذ أمره وإقامة شرعه، وبهذا يكون تأييد الله لهم ورحمته بهم. وهم يعرضون أنفسهم لسخط الله عندما يتخذون الولاية من غير المؤمنين أو يتبعون غير سبيلهم؛ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ .

стр. 10314

إن غير المؤمن لا يكون عاملا في نصر دين الله، ولا تكون ولايته إلا ضعفا وخذلانا وطريقا إلى الدرك الأسفل من النار، ومن وقع فيها لا ينجيه منها إلا توبة وإصلاح واعتصام بالله وإخلاص لدينه؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا، إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ . وأي شيء يرتجف له قلب المؤمن أشد من التعرض لبطش الله ونقمته وهو يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم، أو حجة بينة على أنكم منافقون؛ فإن اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين من أوضح أدلة النفاق، وهو مفض إلى عذاب أليم؛ ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ . وإذا كان الله قد نهانا عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فإنه قد بصرنا بحقيقة الولاية التي يجب أن تقوم بين المؤمنين.

стр. 10315

فهي ليست ولاية ضعف أو تواكل، ليست ولاية ركون أو قعود، إنها ولاية عاملة تأخذ بالأسباب ولا تركن إلى الأماني، ولاية تماسك وتعاطف وتراحم وتفاعل في السراء والضراء كتفاعل الجسد الحي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء تداعيا يأخذ بالأسباب حتى يعود العضو المصاب معافى كما كان؛ لأن التفريط في الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها معصية يعاقب الله عليها، وكل قعود متعمد عن متطلبات الإيمان يورث صاحبه ذلا ونفاقا ويودي به إلى الدمار والهلاك. إن الإيمان حركة حياة لا تعرف اليأس ولا القعود، حركة مؤملة مبصرة واعية تثبت أمام عوارض الحياة وتقلبات الأيام، وهي تعتمد على الله وتركن إليه وتؤمن أن العمل هنا والجزاء هناك؛ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ . ذاك هو الأصل الثابت الذي لا يقوم لنا بنيان إلا عليه، ولا تتحقق ألفة إلا به؛ ذاك هو الأصل الذي واجهت به أمتنا جميع التحديات، تحمله النفوس فتعز، وتعتز بغيره فتذل. أدرك الأعداء أمره فاستهدفوا حصنه، ووجهوا خططهم على سلب النفوس قبل سلب الأرض، وتحطيم القيم والأخلاق قبل تحطيم السلاح والعتاد، وإغراء الأخ بأخيه أن يقتله قبل أن يقتلهما معا؛ ورحم الله آباء لنا عرفوا حقيقة الإيمان فكانوا يبحثون عن سرّ الهزيمة الطارئة في نفوسهم قبل أن يتأملوها في سلاح عدوّهم، ورحم الله عمر بن الخطاب إذ يقول: (إن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وما لم ننتصر عليهم بفضل الله لن نغلبهم بقوتنا) . منذ زمن بعيد استهدف أعداؤنا الحصن الحصين في نفوسنا، وعن طريق التعليم وتناقض وسائله ومناهجه تم لهم ما أرادوا واستطاعوا أن يوجدوا التباين بين أبناء الأمة الواحدة.

стр. 10316

ولابد للجيل الذي يريد أن يفوز وأن ينتصر على هذه الغارة من أعداء الإسلام جميعا أن يحقق أمرين يزيل بهما التباين والتناقض بين أبناء أمته؛ أن يدرك الإسلامَ على فطرته من كتاب الله وسنة رسوله، وأن يكون عالما بطبيعة العصر الذي يعيش فيه وما يسيطر عليه من دوافع وما يتحكم في سلوك أهله من مذاهب، والتقاءُ أبناء الجيل الواحد على فهم مشترك وغاية واحدة يفوِّت على الأعداء مخططهم في إيجاد التباين وتحقيق الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة بإيجاد ناس يؤمنون بحضارة المادة وحدها وآخرين يحفظون أوامر الدين حفظا، ثم يعزلون بما حفظوا عن الحياة عزلا. إن كل جيل مطالب أن يأخذ نفسه بالإسلام في عصره ولا يسأل عن أمة خلت؛ ولا يغني أحد الأمرين عن الآخر: فهم الدين على فطرته وإدراك طبيعة العصر؛ ليكون العمل قائما على أسس متينة وإدراك لما يجب أن يكون. لأن فهم الدين مع الجهل بطبيعة العصر وأحواله وإعداد القوة الملائمة له يجعل العلاج في غير موضعه، وقد يسيء الإنسان من حيث أراد الإحسان وكذلك إدراك طبيعة العصر مع الجهل بفطرة الإسلام أو التنكر له سيؤدي حتما إلى مجافاة الدين وبغض أهله وعدم التسليم بحكمه. وقد اعتنق العدو فكرة التباين هذه، وسرت في ديار الإسلام حتى رأينا في كثير من الديار الإسلامية موجات مؤيدة مدعومة تعمل على إبعاد الإسلام عن ساحة الحياة ورميه بكل نقيصة أو تأويله بما يناسب الأهواء ويساير الأطماع. ولم يوقظ الناس لهذا الخطر إلا ما وقع من مآس ونكبات على يد أصحاب الشعارات التي رميت بها الديار الإسلامية؛ فحققت للأعداء أكثر مما يطمعون وأشاعت من الفرقة والتنازع ما جعل الأعداء يطمعون في كل شيء ولا يبالون من أمر المسلمين بشيء.

стр. 10317

وفتحت الباب على مصراعيه للكتل الدولية للتنازع على خيرات الأمة الإسلامية كل يدخل تحت شعار من الشعارات التي اعتنقها فريق من أبناء المسلمين، وهكذا غدت هذه المنطقة الحساسة من قلب الأمة الإسلامية مسرحا لقوى الشرق والغرب، وبركانا يوشك أن يدمر كل شيء. ولقد اتضح للناس بعد تجارب عديدة أن أي نظام لأمتنا الإسلامية يقوم على غير أسس القرآن ومقاصده ستعصف به أساليب العصر، وسيكون مرتعا للشهوات وأهلا للخيانات وسلعة رخيصة في يد العابثين. إن الإنسان الذي يثبت في الشدائد لابد أن يبنى من داخله بالعقيدة التي تحقق مراقبة الله وخشيته؛ ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ، ويرتبط السلوك دائما بالعقيدة فلا تجد وسائل الأعداء منفذا إلى النفوس الغالية المتحصنة بإيمانها، وإنما تنفذ وسائل الأعداء إلى النفوس الرخيصة التي دمرت من داخلها؛ إن جميع القيم والفضائل ترتبط كل الارتباط بالعقيدة وتقوم على هذا الأصل الثابت. وحيث تهبط القيم وتسيطر الأهواء والشهوات يجد العدو مجالا خصبا لتحقيق مآربه بشراء العملاء والخونة الذين يبيعون أمتهم بلذة عاجلة أو منفعة زائلة، وحيث يقوى الجانب الأخلاقي المستمد من الإيمان بالله يجد العدو نفسه في مواجهة بنيان قوي وصف تطيش أمامه سهامه وتتبدد أحلامه. وهذا حكم الله فينا وسنته التي جرت وتجري في جميع أمورنا؛ ما انتصرنا في معركة قط حتى ننصره في أنفسنا بتغليب أمره على هوانا. إن الاستمساك بالأصل الثابت يتوقف عليه مصير أمتنا وبقاؤها وأن لا شيء على الإطلاق يمكن أن نحتمي به أو نركن إليه إذا نحن بَعُدنا عن هذا الأصل أو تنكرنا له.

стр. 10318

لقد جربنا كل شيء، جربنا التعامل مع الشرق والغرب، جربنا الكَمّ من السلاح، جربنا جميع الشعارات السرابية الخادعة، وانتهت بنا التجارب إلى الحقيقة الثابتة الراشدة أننا بالإسلام ولن نكون بغيره؛ إذ عندما أرادت الشعارات أن تكون بغيره لم نصل في روابطنا إلى مستوى الحيوانات الدنيا. إن الحيوانات قد تتقاتل بعضها مع بعض ويشاحن بعضها بعضا، لكنها عندما تشعر بخطر خارجي يتساند بعضها مع بعض لرد العدو ودرء الخطر، وعندما بعدنا عن ديننا وتنكرنا له في روابطنا لم نصل في كثير من المواقف إلى مستوى الحيوانات التي لا ترى متناطحة والعدو يقصد حماها أو متنازعة والخطر محدق بحظائرها. إننا حين مضينا إلى الأعداء دون أن نستند إلى الأصل الثابت - وهو الإسلام - بدت مواقفنا أمام أنفسنا وأمام العالم كله متناقضة تثير الهزء وتدعو إلى السخرية؛ ذلك أننا فقدنا وحدة الكلمة ووحدة الاتجاه، ولو استندنا إلى الأصل الثابت وأخضعنا أهواءنا له لاتّزنت خطانا ولم نقع في متناقضات بين أقوالنا وأفعالنا. إن انتصار أعدائنا في غاراتهم المعاصرة كان انتصارا في فراغ، أعني أن الجو قد خلا لهم وأن النفوس قد تغيرت بفعل الشعارات واضطربت الموازين؛ فغدا المستحيل جائزا وأصبح الحرام حلالا. وقد تعلمنا من وقائع ديننا أن الأمم يقذف في قلوب أبنائها الوهن عندما تصل إلى درجة الغثاء، ولا يكون ذلك إلا عندما تفشو الفرقة ويقع التنازع فيأتي الفشل ويذهب الريح. إن شيئا واحدا قد عمل على تكوين الشخصية الإسلامية والمحافظة عليها على مر التاريخ، وهو الإسلام، وفي عصرنا هذا قد تكالب الأعداء علينا بعد أن استطاعوا بوسائل متعددة إضعاف الروح الإسلامية وإغراء المسلمين بسفك دماء بعضهم بعضا، والعمل دؤوب على تدمير الروابط الإسلامية بشتى الوسائل ليظل أعداء الإسلام هم أصحاب الكلمة في ديار الإسلام.

стр. 10319

نحن في عصر لا يسمع فيه للضعيف كلمة ولا للمنهزم حجة، وإنما الكلمة للقوي والاحترام للمنتصر، ولا يرضى لنا ديننا أن نكون ضعفاء ولن نكون ضعفاء ونحن نعتصم بالقرآن ونتحرك بدوافعه؛ نرد حياتنا إليه ونقيم روابطنا عليه؛ نصحح به واقعنا وننير حاضرنا ومستقبلنا، وأول أسباب القوة وحدة أمتنا الإسلامية على سواء. ولن تكون هذه الكلمة من صنع بشر، لن تكون شعارا مستوردا من شرق أو غرب، وإنما هي الكلمة التي نادى بها رسول الله ﷺ بأمر من ربه؛ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . تلك هي الكلمة التي يتم بها الاستخلاف والتمكين في الأرض ويتحقق الأمن بعد الخوف؛ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ . ولا أعرف موقفا واحدا واجهنا فيه أعداءنا وظفرنا بتأييد ونصر من الله بغير صدق الولاء لهذه الكلمة؛ بها واجهنا جميع التحديات التي فرضت علينا، ولم نستطع بغير نصرتها أن نصنع شيئا، بل ذقنا مرارة الذل ومهانة الفرقة وغدت ديارنا مرتعا للذئاب وتداعي الأمم عليها كما تداعى الأكلة على قصعتها، ونحن كثير كثرة الغثاء ونحن أمة واحدة ولكن فرقتها الأهواء. فما هو السبيل لرد هذه الأمة إلى ما كانت عليه عزيزة متحابة متعاطفة متراحمة؟ ما هو السبيل لوحدتها لكي تدرأ الخطر عن نفسها وترد كيد عدوها؟ نحن نؤمن إيمانا جازما أننا بغير لإسلام الذي تجتمع عليه القلوب لن نصنع شيئا؟ ولكن ما هو السبيل لرضى النفوس به وتنشئة الناشئة عليه وقيامه في حياتنا الخاصة والعامة مقام الروح في الجسد؟ ما هو السبيل لعودة المسلمين جميعا إليه وأخذ أنفسهم به وإخضاع أهوائهم له ومواجهة خصومهم بنصرته والدعوة إليه؟

стр. 10320

أرى - على ضوء التجارب - أنه مهما طال الزمن فإننا لن نستطيع أن نحقق نصرا إلا بإعداد الإنسان الإعداد الصحيح الذي يكون أهلا لنصر الله وتأييده، وهذا يقتضي أن ننظر نظرة شاملة في وسائلنا لإعداد المسلم في جميع الديار الإسلامية حتى لا يقع التباين والتناقض بين المسلمين في وسائلهم وغاياتهم. وقد أشرت من قبل أن العدو في غارته الأخيرة قد استهدف النفوس قبل الاستيلاء على الأرض، ومهد لذلك بأساليب متعددة وحقق انتصارا رهيبا في هذا الجانب ولم يستطع أن يستولي على شبر أرض من أرض المسلمين قبل الاستيلاء على بعض النفوس وجعلها تؤمن بما تؤمن به وتحقق له أكثر مما يطمع فيه. ولذا فإن أمر التربية والإعداد هو الأصل في قوتنا ورد الغارة عن أمتنا. أنا أعرف أن هذا الأمر قد يصعب تقبله على الشباب المسلم الذي يتطلع إلى مجد أمته وعزتها، ويتعجل ذلك ويطلبه بين عشية وضحاها. وهم معذورون لقوة دوافعهم وشدة عواطفهم ولكن الله لا يعجل بعجلة أحد، إننا نخطئ كثيرا إذا ظننا أننا نستطيع رد الغارة بغير تحقيق الأسباب التي أمر الله بها، ومن أولها إعداد الإنسان الصحيح في فهم دينه وإدراك عصره وإخضاع هواه لمرضاة ربه، الإنسان الذي يحيا بتصور كلي لما يجب أن يكون حتى لا يكون عمله للإسلام فرقة بين المسلمين؛ فيسيء من حيث أراد الإحسان، ولن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وذاك أول أمرنا، وتلك مهمة المبعوث فينا المرسل رحمة للعالمين، بل تلك منة الله على المؤمنين؛ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

стр. 10321

تزكية وتعليم؛ تلك مهمة الرسول ﷺ ، بل منة الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، هذا ما فعله رسول الله ﷺ وقصر في بعض المواطن بعثته عليه؛ "إنما بعثت معلما". ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ : عن هذا الطريق يوجد الإنسان الصحيح، ويوجد التصور الكلي، بل يوجد الإعداد الشامل لتحقيق الغاية العليا (إعلاء كلمة الله) التي لا تعز نفوسنا إلا بها، ولا نقاتل إلا من أجلها ولا نحقق أمنا وسلاما لأنفسنا وللعالم من حولنا إلا بمقوماتها، ولا تتحقق الولاية بين المؤمنين إلا بحسن الاتجاه إليها. عن هذا الطريق نأخذ بجميع الأسباب المحققة للغاية ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ودعونا نصارح أنفسنا لنرى ما هو السبيل لتعليم الكتاب وتدبره؟ أنتدبره بأسلوب الاغويين؟ أو نتأمله بأسلوب الحكماء والفلاسفة؟ أو بمنطق الفقهاء؟ أو بأسلوب الفرق والمذاهب؟ وكل ذلك واقع وتحشى به الكتب حشوا. أراني رضي النفس خاشع القلب عندما أقول نتأمله في شخص رسول الله ﷺ وكلامه وحياته وجهاده وسلوك صحابته الأطهار من بعده. ولست بهذا أحول عن الدراسات المنهجية لشتى المذاهب والأفكار، ولكنني أتأمل واقع أمتنا الإسلامية فالتمس سبيلا لعزها ومجدها، ولا عز لها إلا أن ترى كيف كان القرآن الكريم خلقا لنبيها ﷺ ، وكيف كان يرضى برضاه ويسخط بسخطه، هكذا تعلمه صحابة رسول الله ﷺ تعلموا القرآن والعلم والعمل جميعا، وبهذا يأتي القرآن شفيعا لأهله ويأتي أهله مكرمين معه كما جاء في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران؛ تحاجان عن صاحبهما".

стр. 10322

والله الذي أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط قد أنزل الأسباب التي تحقق نصره، وجعل الأخذ بالأسباب مع صدق النية عملا من أعمال الدين يكافئ الله عليها بالنصر والتأييد، وهنا نجد أنفسنا بدافع من الكتاب نفسه مطالبين بجميع المعارف التي لابد منها في إعداد القوة الملائمة لعصرنا، وهذا يقتضي غيرة ومثابرة ودراسة ومتابعة بحيث يتآخى العالم الإسلامي كله في مواجهة الظروف التي تحيط به، وتتآخى اللبنات المتخصصة في فروع العلوم المختلفة بدافع تعبدي ينصر فيه دين الله وتعلو كلمته، وذاك موضوع امتحاننا واختبارنا في هذه الحياة؛ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ . ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ : عن هذا الطريق يوجد الإنسان الصحيح، وبه نعمل على حل المتناقضات، ونعالج في رحمة وبر وصراحة وحكمة قضايا أمتنا الإسلامية، ولا نترك للمتربصين ثغرات ينفذون منها فنعين العدو - بقصد أو بغير قصد - على تحقيق أهدافه وتنفيذ أغراضه وتدمير الأمة الإسلامية وضرب بعضها ببعض. وهذا يستلزم أن يتجرد المؤمنون لأمر الدين، وأن يمنحوه صدق القلوب ووفاء النفوس، وأن يكون أغلى شيء لديهم، وأن يطوعوا له وقتهم وأنفسهم وأموالهم، وأن تنشرح بذلك صدورهم؛ ولهم بذلك عز الدنيا وسعادة الآخرة. إننا - نحن العاملين في مجال الدراسات الإسلامية - مسئولون عن أي انحراف في مجال الفكر والتصور، وعلى عاتق المربين تقع المسئولية الأولى.

стр. 10323

وإذا ظلت مؤسساتنا العلمية - على شتى صورها في الديار الإسلامية - تتأمل التعليم على أنه شهادات تعطى لإتمام مرحلة معينة؛ فإنها تكون قد أخطأت وبعدت عما يجب أن يكون. إن إعداد النفوس أمر يتطلب حراسة الإيمان وملاحظة آثاره ونتائجه، ومع ما هو سار في عصرنا من رغبة في الدنيا وتسخير كل شيء لها نرى دراستنا كذلك في كثير من الديار الإسلامية تقف عند الوسائل ولا تصل إلى الغايات، وتنشد بهذه الوسائل دنيا مرغوبة؛ فغدت العلوم سلعا ينتهي عملها عند تحقيق ربح أو طلب جاه، وهبطت بنا ولم تصعد، وهذا مناف لما يجب أن يكون من جعل العلوم كلها ربانية تنشد وجه الله وتبتغي رضاه. وعند اتجاه العزائم إلى الغاية الصادقة تكون العلوم على شتى صورها - كما كانت - منارات على الطريق، وعامل قوة في بناء الأمة ووحدتها. وهذا يدعونا - نحن المسلمين - أن نربط جميع معارفنا بالقرآن الكريم، وأن نتوجه بها لخدمة أغراضه وتحقيق هدايته. ومهما كانت مرارة الواقع فإن الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها - طال الزمن أو قصر - هو الطريق الوحيد للوصول إلى الأمل المنشود. وأول عملنا في هذا السبيل أن نعلن المفاهيم الكلية للإسلام وأن نبينها للناس، وأن يتحرك الدعاة في إخلاص وحكمة وصدق ليعالجوا على بصيرة قضايا أمتهم، وأن يصدعوا بما أمروا به من تبليغ هذه الدعوة كما جاءت من عند الله في كتابه وسنة نبيه؛ لتتسلح الأمة بثقافة القرآن وتقف عند معالم ثابتة لا تتغير بتغير الظروف والأحوال. إن الإسلام دين شامل يعنى بالشؤون الخاصة كما يعنى بالشؤون العامة، ودعوته دعوة عالمية، ورسوله قد بعث للناس كافة رحمة للعالمين وأمته أمة واحدة، هذه المفاهيم الكلية وغيرها من مقومات الإيمان يجب أن تعلم للخاصة والعامة والكبير والصغير والرجل والمرأة، وأن ينشَّأ عليها الناشئة من أبناء المسلمين.

стр. 10324

فإن الغارة على الأمة الإسلامية ما بين فترة وأخرى تقيم حربا ضارية على هذه المفاهيم؛ تدميرا لروابط هذه الأمة وإبعادا للإسلام عن الساحة، وكلما أريد قضاء أمر لا يرضاه الإسلام ولا يقره ظهرت الموجة التقليدية (لا دخل للدين في السياسة) ، وكأننا بهذا نشرع لأنفسنا وبأهوائنا ما لم يأذن به الله، إن الشرع ما شرع الله لا ما أحبت النفس أو رغبت؛ ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ . نحن نستطيع بوعي أن نفرق بين أمرين: أمر لا عذر لنا فيه: وهذا أن نرد أنفسنا وأمتنا الإسلامية إلى كتاب ربنا الذي يجب أن نحققه وسنة نبينا، وهو الجانب الأعظم الذي يجب أن نحققه في مواجهة الأخطار المحدقة بنا وطلب النصر من الله، ولا عذر لنا في ذلك؛ فنحن لا نستورد معالم ديننا من مخازن الأسلحة في شرق أو غرب حتى يضنَّ علينا به، وإنما نحن الذين نردده بلسان عربي مبين ونسمع آيات الله للعالمين. وإذا لم توقظنا هذه الكوارث والتجارب المريرة فماذا ننتظر من عبر وعظات. قلت: نستطيع أن نفرق بين أمرين: ١- أمر يرتبط بأخذ أنفسنا بهذا الدين، ولا عذر لنا فيه. ٢- وأمر يرتبط بإعداد القوة المناسبة لعصرنا ووضعنا، وهذا الجانب يتوقف على الجد في حياتنا والاستقامة في سلوكنا حتى نهيئ مناخا صالحا للتفوق فيما تخلفنا فيه. نحن لا نتعجل الثمرة أو نطلبها في غير موعدها، ولكنا نود - على مستوى العالم الإسلامي - أن نهيئ مناخا مناسبا، وأن نبدأ بدايات صالحة نحافظ فيها على الإنسان وعلى الإمكانات المتاحة لنا. إن التكنولوجيا الحديثة - كما يسمونها - لم تعد وقفا على أمة دون أمة، ولكن الأمر يختلف من أمة إلى أخرى بما توفر هذه أو تلك من أسباب الجد والمحافظة على مقومات الإنسان.

стр. 10325

وعليه فإن البدايات الصحيحة لا تتوفر إلا بصدق الولاء لدين الله؛ تربية النشء عليه وتهيئة الجو الصالح لإعداد النفوس إعدادا يؤهلها لنصر الله. إن البدايات الصحيحة تستلزم أن يقوم الود والتراحم والتعاطف بين المسلمين، وهذا أيضا لا يحققه إلا تغليب أمر الله على هوى النفوس، فالمسلمون بسمة الإيمان لا بشيء آخر يكونون كالجسد الواحد، يستجيب بعضهم لبعض ويغيث بعضهم بعضا بدواعي الإيمان لا بشيء آخر، "مثل المؤمنين في توادهم ... " فالمثل للمؤمنين فلا ترابط ولا ألفة إلا بصدق الإيمان، ولا تداعى إلا بتماسك الجسد وسريان روح الإسلام فيه. إن الإمكانات المتاحة للأمة الإسلامية تحقق لها التكامل والاستغناء عن الغير، لكن ما ننشده لا يتحقق إلا بالأصل الثابت من حسن الإيمان بالله وصدق الإخلاص له؛ عندئذ يقوم الأمن وتنبعث الطمأنينة، ويذهب الخوف من جموح الشعارات، ويأمن الإنسان على دمه وعرضه وماله، ويوجد من الإيثار بين الأخ وأخيه ما يجعل الواحد منهم يؤثر حاجة أخيه على حاجة نفسه ويفتديه بما هو من ضرورات حياته. ورحم الله زمانا رأينا فيه قطرات الماء في إناء؛ تمرّ على الظامئ الشهيد وهو في أمسّ الحاجة إليها فلا يرضاها لنفسه قبل أخيه، ويجود بروحه وهو يؤثر أخاه على نفسه، ويلقى الثلاثة ربهم بأخوة الإيمان التي لا تعرف الأثرة ولا ترى الحياة إلا بنعمة الأخوة ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .

стр. 10326

إن معظم ديارنا الإسلامية تستورد حاجاتها اليومية من بلاد العالم في شرق أو غرب، ولم يستطع العالم الإسلامي بسبب الفرقة والتوجس من تقلبات الشعارات أن يحقق التكامل الاقتصادي وأن ينتفع بمليارات الأفدنة من الأراضي الصالحة للزراعة التي يتوفر حولها الماء، بل لم يستطع بسبب الفرقة والتنازع أن يستفيد من الطاقات البشرية المتخصصة التي تهاجر إلى بلاد الغرب لتشيد هناك وتبني بكفاءة شهد لها العدو قبل الصديق، والعالم كله يعجب لماذا تظهر الكفاءة هناك وتهدر في ديار الإسلام. لا زالت البلاد الإسلامية بكرا بثرواتها، ولا زالت الثروات في شتى المجالات معطلة عن أداء واجبها، ويخشى أن تتحول الثروات في الديار الإسلامية - ما لم يلتق المسلمون على كلمة سواء، ويولي بعضهم بعضا كما أمر الله - يخشى أن تتحول الثروات إلى نقمة على المسلمين يتنافس الشرق والغرب على استغلالها، ويشقى بها أبناء المسلمين. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ . لقد حالت الفرقة التي أوجدتها المذاهب والشعارات دون تحقيق تكامل على أي صورة من الصور، ولا زال الإصرار على المذاهب المنافية للإسلام يملأ النفوس بالريبة والخوف والترقب مما يجعل الأخ لا يثق في أخيه وإن بدا الأمر على خلاف ذلك. إن أخوة الإيمان وحدها هي التي تحقق التعاون في كل شيء، وبغيرها يقع التنازع والتخاصم ويعم الفشل وذهاب الريح. لقد أدركت الأمم بدافع من التجارب ما يؤديه الترابط والتعاون بينها من قوة، فرأينا أوربا وقد طحنتها الفرقة زمنا تبحث لنفسها عن وحدة مشتركة يجتمع عليها أمرها ويصان أمنها، فهيأت من الأسباب ما جعلها كالبلد الواحد في مواجهة ما يهددها من أخطار، ولكن يبدو أن أوربا قد صدرت لنا المذاهب التي طحنت بها لتسود مع غيرها بفرقتنا وتنعم بتفريق كلمتنا.

стр. 10327

ونحن - المسلمين - بدافع من ديننا أولى الناس بتحقيق التعاون فيما بيننا في جميع الأحوال، وفي وقت تتكالب علينا في الأمم الطامعة، وتحاول أن تبتلعنا واحدا بعد الآخر، ولن يتحقق التعاون إلا بثقة نابعة من الإيمان وطمأنينة بين الأخ وأخيه يحكمها شرع الله وتوجهها آياته. إن أسس الوحدة في أمتنا الإسلامية ثابتة راسخة لا تغيرها العوامل المصطنعة؛ لأنها تستند إلى كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والتفاعل بالثابت يحقق انتصارا وتفوقا في جميع المجالات، والتخلي عن الثابت يفقد الشخصية الإسلامية خصائصها ويجعلها سوقا لمذاهب الأمم وعاداتها، قبل أن تكون سوقا لسلعها ومنتجاتها. إن السبيل لرد الكيد هو اعتصام المسلمين بكتاب الله، ولقاؤهم على أخوة الإيمان. وهذا الجيل إن فرط أو ارتد فسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، والناس ذاهبون ودين الله باق، والشمس إن بارحت رؤوس قوم أنارت عند آخرين، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ . ولعل هذا الواقع المرير يؤدي إلى يقظة لا غفلة بعدها، وكم لله من منة في طي المكاره؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وبعد مرة أخرى؛ فإن الإسلام لم يقل بعد كلمته العملية في الأحداث الجارية في أرضنا المسلمة، وستكون كلمته - بعون الله - منهية للتعاسة والضياع. ستكون مدوية تهرع منها الفرقة ويذهب التنازع والفشل، وتختفي كل الشعارات التي أوجدت أنماطا من العداء المحزن والتعاون المضحك بين المسلمين.

стр. 10328

كلمة الإسلام أخوة صادقة تستمد أصالتها من الإيمان بالله ووحدة متماسكة، تستمد حياتها من عبادة الله الواحد الأحد وعدم الإشراك به وتعاون أصيل مبصر واع يعرف ما تزخر به أمتنا من نعم تفوق الحصر؛ ثروات طبيعية مكنوزة، مدد بشرى هائل، مركز استراتيجي حساس، وقبل هذا كله عقيدة إسلامية موحدة، تحرك النفوس للعمل في إطار شريعة ربانية معمرة. كلمة الإسلام تبرز إلى عالمنا المعاصر أمة الإسلام كقوة عالمية يستقيم بها الميزان المضطرب؛ تجمع الشمل وتحقق التعاون وتصلح ذات البين. كلمة الإسلام تبطل الباطل وتنصر الحق حيث كان. ومهما طالت الأيام أو قصرت فإن هذه الكلمة بمدلولها العملي ستقال؛ لأن إدراك ما تعنيه قد سرى في وجدان هذه الأمة وفي النبت الصاعد منها، وغدا فكرا أصيلا تحمله الكلمة وتتحرك به النفوس، والأفكار لا تحبس والعقائد لا تؤسر، ومداولة الأيام تأبى أن يبقى الناس على حال واحد، وصراع الحياة يدور أمره بين عسر ويسر وشدة ورخاء، ولا نجاة إلا بالصدق مع الله وعدم الإصرار على مخالفة أمره. وكل ما نذكره من أسباب الوحدة يرجع إلى إعداد المسلم الصادق مع الله في خطئه وصوابه، وهذه الوحدة ليست باغية ولا متسلطة، وإنما عاملة في إسعاد البشرية كلها بإعلاء كلمة الله وتلك غايتها، وبها ترفع الرؤوس المنكسة أمام أصنام الهوى، وتعز النفوس الموزعة الضائعة التي سلبت حقوقها وديست كرامتها، وينصف الثكالى والمتشردون من تجار الدماء والخراب، ويعاد للناس أمنهم المفقود وسلامهم المضيَّع، بها ينصف المظلوم ويؤخذ على يد الظالم، ويوقف حق (الفيتو) حق مصادرة العدل وإقرار الظلم، ومن أجلها تتحرك أمة الجهاد لتغيث المظلوم وتجيره بنجدة صادقة؛ تؤدب الظالم في عقر داره وهي لا ترى لنفسها حظا إلا فيما عند الله ولا تعلقا إلا في مرضاته.

стр. 10329

والتفريط في وحدة هذه الأمة وترابطها ونصرة بعضها بعضا سيؤدي حتما إلا فتنة في الأرض وفساد كبير، والمسؤولية في ذلك تقع على المسلمين والخسارة عليهم وعلى غيرهم؛ إذ ليس لدى الشرق أو الغرب ما يقدمه للإنصاف والعدل والمذاهب البشرية كلها عاجزة عن ذلك. والأخوة الإسلامية هي الأساس الذي يقوم عليه بنيان الإسلام في الواقع، بها قام من قبل وبها يقوم من بعد، وهي وحدها موطن المنة في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . آية أجملت جميع الوسائل، وجعلت من شكر نعمة تحقيق نعمة؛ فكانت المعادلة: قرآن تجتمع به القلوب ولا تتفرق يؤدي بفضل الله إلى نعمة الأخوة والإنقاذ من الهلاك، وهي نعمة لا تأتي إلا من الله، وما عند الله لا يطلب إلا بطاعته، والتفرق والاختلاف بعد مجيء الآيات يفضي إلى العذاب. ويوم القيامة تبيض وجوه وتسود وجوه، هؤلاء تفرقوا بعد وحدتهم وكفروا بعد إيمانهم، وأولئك تراحموا بنعمة الله فرحمهم الله؛ ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .

стр. 10330

وبين الآيات الداعية إلى الاعتصام بحبل الله والناهية عن التفرق والاختلاف تأتي الآية الآمرة بالدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلك رسالة هذه الأمة، وهذا طريق فلاحها؛ ﴿َلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وشكر الله لكم والسلام.
следующие страницы →