← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

ثم قال القاسمي: "فهذه عندي تفسير لتلك، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وحول تعقيب الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ أي ما يأمر به، ويريد وقوعه، وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن يمضيه على حقيقته، وله أن يصرفه لما هو أعلم به، إلا أن ورود نظم الآية بهذا الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن مخالفة الأمر.. هكذا ظهر لنا الآن، وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو أنه مشروط بعدم الإيمان إلى غير ذلك"اه. ثامنا: تأويلات شتى حول (مائدة الحواريين) : قال الله ﵎: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَال اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُل مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَليْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قَال اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالمِينَ﴾ (١١٢، ١١٥: المائدة) . اختلف أهل التأويل حول أمر هذه (المائدة) اختلافا عظيما؛ فمنهم من قال بنزولها وأسهب، ومنهم من جحد نزولها، ومنهم من تأول آيات القرآن ليفسرها بغير الثابت والصحيح من أسفار الإنجيل، ومنهم من فسرها بمائدة المعارف الروحية. وهاكم بعض التفاصيل: ١- الذين جحدوا نزولها:

стр. 10432

حدثنا الطبري [٤٦] من أنبائهم، وحكى لنا اختلافهم في مقالة الإنكار، فذكر عن بعضهم أنهم قالوا: (إنما هذا مثل ضربه الله تعالى لخلقه، نهاهم به عن مسألة نبي الله الآيات، ولم ينزل شيء) . ونسب هذا الرأي إلى مجاهد. وقال آخرون إن القوم لما قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالمِينَ﴾ استعفوا منها فلم تنزل. وعزا الطبري هذا الرأي إلى الحسن. وقد تعرض ابن كثير [٤٧] لرأي المنكرين لنزولها؛ فقال عنه من حيث الإسناد: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن. ثم ارتأى ابن كثير أن يعرض حجج المنكرين لنزولها والمثبتين؛ فقال محتجا لدعوى الإنكار: وقد يتقوى ذلك (يعني إنكار نزولها) بأن خبر المائدة لا يعرفه النصارى وليس هو في كتابهم [٤٨] ، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا، ولا أقل من الآحاد والله أعلم. ثم قال عن رأي المثبتين: "إنه هو الذي عليه الجمهور، وهو الذي اختاره ابن جرير، ونقل حجة ابن جرير في الإثبات، ثم بين ابن كثير موقفه هو بقوله: وهذا القول - والله أعلم - الصواب، وكما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف"اه. ٢- رأي ابن جرير الطبري: استعرض ابن جرير رأي المثبتين لنزولها والمنكرين، ثم انتهى إلى تقرير موقفه [٤٩] وهو: "والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى ذكره - أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربه؛ وإنما قلنا ذلك للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وأهل التأويل من بعدهم، غير من انفرد بما ذكرنا عنه.

стр. 10433

وبعد؛ فإن الله - تعالى ذكره - لا يخلف وعده، ولا يقع في خبره الخلف، وقد قال - تعالى ذكره - مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﷺ حين سأله ما سأله من ذلك: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾ ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها؛ لأن ذلك منه - تعالى ذكره - خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر، ولو جاز أن يقول: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ﴾ ثم لا ينزلها عليهم جاز أن يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالمِينَ﴾ ، ثم يكفر منهم بعد ذلك فلا يعذبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة، وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك"اه. ٣- محتويات المائدة: أسهب بعض المفسرين في ذكر محتويات المائدة من الأرغفة، ومشوي السمك الدسم، وما نضد حولها من كل البقول، وما وضع عليها من الزيتون، والرمان، والثمرات. ومن هذا ما فعله القرطبي حين نقل عن غيره - وأنصف فذكر أسانيد نقوله - وكان مما قال عن حديث محتويات المائدة: (في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده) ، وبعد مناقشة الأسانيد والكلام في رفعها أنهى مطافه بهذه العبارة الجامعة: "والمقطوع به أنها أنزلت، وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه" [٥٠] . ولقد سبقه إلى هذا المنهج القويم شيخ المفسرين الطبري حين قال [٥١] : "وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكا وخبزا، وجائز أن يكون ثمر من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل"اه. ٤- المائدة في رواية (إنجيل متى) [٥٢] :

стр. 10434

ذكرنا منذ قليل رأي الحافظ ابن كثير الذي يقول فيه: "إن خبر المائدة لا يعرفه النصارى وليس في كتابهم"، ولقد حاول الشيخ عبد الوهاب النجار [٥٣] أن يأخذ من كلام ابن كثير ما يوافق هواه، ثم ادعى أن الإشارة إلى المائدة قد وجدت في كتب النصارى؛ مستندا في ذلك إلى قصة وردت في (إنجيل متى) تتفق بعض الاتفاق مع بعض الروايات الواهية والمدخولة في كتب التفسير عن المائدة، وتختلف كل الاختلاف عن ما ذكره العلي الأعلى في القرآن الكريم عن المائدة. فما هي رواية (متى) في إنجيله؟ ابتدأ (متى) الإصحاح الرابع عشر بذكر قصة قتل يوحنا (يحيى ﵇ على يد الحاكم الروماني هيرودس، ثم انتقل إلى القصة التي توهم الشيخ النجار أنها هي قصة المائدة، ونص عبارات (متى) هو: "ولما صار المساء تقدم إليه تلاميذه قائلين: الموضع خلاء، والوقت قد مضى، اصرف الجموع لكي يمضوا إلى القرى، ويبتاعوا لهم طعاما، فقال لهم يسوع: لا حاجة لهم أن يمضوا، أعطوهم أنتم ليأكلوا، فقالوا له: ليس عندنا هاهنا إلا خمسة أرغفة وسمكتان، فقال: ائتوني بها إلى هنا، فأمر الجموع أن يتكئوا على العشب، ثم أخذ الأرغفة والسمكتين، ورفع نظره نحو السماء وبارك وكسر، وأعطى الأرغفة للتلاميذ.. والتلاميذ للجموع، فأكل الجميع وشبعوا، ثم رفعوا ما فضل من الكسر اثنتي عشرة قفة مملوءة، والآكلون كانوا خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأولاد" [٥٤] . ٥- أ - تأويل صاحب قصص الأنبياء لنزول المائدة: حينما أصدر الشيخ محمد عبد الوهاب النجار كتابه (قصص الأنبياء) قارن المنصفون كتابه بكتاب قصص الأنبياء للثعلبي المسمى (بعرائس المجالس) ، وهو كتاب قمَّ فيه مؤلفه الكثير من الإسرائيليات والخرافات، فكانت عقبى المقارنة رجحان كتاب الشيخ النجار، لكن كتابه لم يخل من هفوات تعد عليه، ولا من مآخذ أمرها لم يكن هونا، وقد انتقدتها عليه لجنة من كبار العلماء حين صدور الكتاب.

стр. 10435

ومن هذه المآخذ: تأويله لقصة نزول المائدة تأويلا عجيبا، يخضع فيه القرآن لأقاصيص العهد الجديد، وللخرافات الإسرائيلية، ونقل القصة التي نقلناها آنفا عن إنجيل متى، ثم قال: "إن هذه المسألة هي مسألة المائدة السماوية، ومعنى كونها سماوية أن الله تعال بارك في الطعام بطريقة غير معروفة ولا مألوفة، وقد حكيت في القرآن". وبعد ذكر الشيخ لآيات سورة المائدة، وآراء المفسرين في نزولها، أو عدم نزولها، عاد ليؤكد رأيه بقوله: "وأنا أكرر القول: إن مسألة المائدة هي مسألة الأرغفة الخمسة والسمكتين، والمراد بإنزالها عليهم: أن يرزقهم الله الطعام الكثير من حيث لا يحتسبون". ثم عاود القول [٥٥] : "إنه يمكن حمل إنزال المائدة من السماء على تيسير الطعام لهم بدون الأسباب العادية التي يعرفونها، وقد جرى العرف على تسمية الأشياء التي يعجز الناس عن تعليلها بأنها سماوية، وذكر ذلك في كتب الفقهاء كثيرا، وتكثير الطعام القليل إلى أن يعم الآلاف من الناس أمر يعجز البشر بمقتضى بشريتهم عن أن يأتوا بمثله" اه. ب- المآخذ على تأويله: المأخذ الأول: تفسير القرآن بالأعراف، والعرف مختلف باختلاف الناس والزمان والمكان، وذلك كما ترى في قوله: "وقد جرى العرف على تسمية الأشياء التي يعجز الناس عن تعليلها بأنها سماوية". المأخذ الثاني: صرف القرآن عن الظاهر المتبادر، وعن دلالة السياق، ليوافق رواية في الإنجيل لو سلمنا جدلا بصحتها فهي مختلفة عن مائدة الحواريين، ثم دعواه أنه يتحدى لجنة العلماء أن تأتي من ألفاظه ما يبين أنه قال بصحة إنجيل (متى) ، ونقول له لا دليل عليك أقوى ولا أبلغ مما فعلت. المأخذ الثالث: زعمه أن [٥٦] معجزة المائدة ليس فيها نص قطعي الثبوت والدلالة، وهو زعم ما كان لمثله أن ينزل نفسه هذا المنزل الوعر، فآيات سورة المائدة قطعية الثبوت إيمانا يقينا منا ومنه، ودلالتها أيضا كذلك.

стр. 10436

المأخذ الرابع: اعترافه صراحة بأنه اتخذ التأويل سلما للإنكار، وذلك حين قال في خاتمة رده [٥٧] : "هل يزيد ما قلته على أني أنكر نزول المائدة؟ وهل يعيبني عند ربي أن أنتظم في صف مجاهد والحسن؟ ". المأخذ الخامس: مع أننا لا نأخذ في هذه المسألة برأي مجاهد والحسن رحمهما الله وغفر لهما، إلا أن تأويل الشيخ النجار يختلف تماما عن صنيعهما. المأخذ السادس: نقله بعض المسطور في كتب التفسير، دون الإشارة إلى أن أصحاب هذه التفاسير ينقلون ما يوافقهم وما يخالفهم، وقد سبق أن نقلنا لقارئ هذه الأسطر عن الطبري وابن كثير ما يبين إيمانهما بنزول المائدة، ولكن الشيخ كان يوهم القارئ بترجيح المفسرين لما ليس براجح عندهم. المأخذ السابع: قوله إن كلمة (الإنزال) في القرآن وردت لعديد من المعاني غير معناها الأول، وهو الإنزال من السماء إلى الأرض، ليكون هذا التلبيس عونا له على تأويله. المأخذ الثامن: يظهر للمتمعن لآراء الشيخ أنه ينكر نزول المائدة؛ اتباعا لمذهب عقلي جامح يحاول أن يخضع الأخبار الغيبية في القرآن للمنطق المادي. ٦- نسيج الخيال حول المائدة: لم يقف خيال الروائيين عند محتويات المائدة كما سبق أن أسلفنا، بل امتد ليصور أن واحدا من الحواريين وهو (شمعون) سأل المسيح ﵇ عن طعامها أهو من طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ وأن المسيح ﵇ أجاب: بأنه ليس منهما، وإنما اخترعه الله بقدرته. ونحن لا نحاكم هذه الرواية إلى العقل لو صحت، وإنما نحاكمها لأنها هجمة على الغيب بالخيال والهوى. وتصور رواية ثانية: أن الحواريين سألوا المسيح ﵇ أن يحدث لهم من آية المائدة آية أخرى، فنادى سمكة أن تحيا بإذن الله تعالى فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية.

стр. 10437

وتصور رواية ثالثة: أن المائدة كانت تطير وترتفع، ثم تهبط إليهم، وهكذا استمر أمرها أربعين يوما. وتصور رواية رابعة: أنه لم يأكل منها فقير إلا ولازمه الغنى طيلة حياته، ولم يطعم منها مريض إلا فارقه المرض، وظل مهاجرا له مادام حيا. وهكذا سطرت الروايات، واختُلِقَت الأساطير، ومن عجب أن ننقل ما سبق من الروايات عن تفسير الزمخشري [٥٨] والبيضاوي، وهما من كتب التفسير بالرأي لا بالرواية، ولو جاءنا النقل الصحيح بهذه الأخبار ما ترددنا في قبولها لحظة نهار. ٧- التأويلات الصوفية بأنها مادة الغذاء الروحي: نقل البيضاوي [٥٩] في تفسيره عن بعض الصوفية تفسيرا للمائدة، وهو بنص عبارته: "المائدة هنا عبارة عن حقائق المعارف؛ فإنها غذاء الروح كما أن الأطعمة غذاء البدن، وعلى هذا فلعل الحال: أنهم رغبوا في حقائق لم يستعدوا للوقوف [٦٠] عليها، فقال لهم عيسى ﵇: إن حصلتم الإيمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها، فلم يقلعوا عن السؤال وألحوا فيه، فسأل لأجل اقتراحهم، فبين أن إنزالها سهل، ولكن في خطر وخوف عاقبة، فإن السالك إذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه، لعله لا يحتمله ولا يستقر له، فيضل به ضلالا بعيدا" اه. وذهب القشيري يحمل آيات سورة المائدة أفكاره الصوفية؛ فقال [٦١] : "طلب المائدة المسيح ﵇ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة؛ فعذروا وأجيبوا إليها، إذ كان مرادهم حصول اليقين وزيادة البصيرة. ويقال كل يطلب سؤله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في مائدة من الموارد يردها، وعزيز منهم من يجد الفناء [٦٢] عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.

стр. 10438

وشتان بين أمة طلب لهم نبيهم سكونا بإنزال مائدة عليهم، وبين أمة بدأهم الله سبحانه بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الذِي أَنْزَل السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤: الفتح) ، وفرق بين مَن زيادة إيمانه بآياته التي تتلى عليهم، وبين مَن يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تباح لهم. فلما انتهى القشيري إلى قوله جل ذكره: ﴿قَال اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالمِينَ﴾ (١١٥: المائدة) : أجابه إلى سؤاله [٦٣] لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده، ليعلم السالكون أن المراد إذا حصل، وأن الكرامة إذا تحققت، فالخطر أشد، والحال من الآفة أقرب، وكلما كانت الرتبة أعلى، كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلت جلت" [٦٤] اه. ٨- تعقيب: تفقد الألفاظ اللغوية دلالتها الحقيقية في الفكر الصوفي، ويخرج بها إلى متاهات لا إلى مجازات؛ فالمائدة هي مائدة المعارف، والحقائق الدينية أسرار محجبة وعلوم (مضنون بها على غير أهلها) ، وإذا انكشفت لذوي الرتب الأدنى ضلوا ضلالا بعيدا. والمعلوم لكل مسلم أن الحقائق الدينية هي وحي الله إلى رسوله، وكلما ازداد المسلم علما، كان العلم سلما إلى اليقين لا إلى الشك، وكلما انكشف له حكم من أحكام الله واستمسك به، كان ذلك معبرا له إلى النجاة، لا (أن يضل ضلالا بعيدا) كما يذكر البيضاوي، أو تصبح (الآفة أخفى) كما قال القشيري، مع أنوار قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَليْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢: الأنفال) ، وقفة متجردة لما قال ما قال، ومع هذا فقد أجاد القشيري حين قارن بين من كانت المائدة سكونا لهم، وبين من بدأهم الله بالسكينة.

стр. 10439

٩- اختلافات المفسرين حول قوله تعالى: ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ . كان المبادر إلى ذهن القارئ أن تكون هذه هي نقطة البدء، لكننا بدأنا بالحديث عن المائدة؛ إذ هي محور الموضوع، وعنايتنا في هذه المباحث هي بذكر التأويلات، ثم نكرُّ عليها بما يجلِّي الحقيقة. فأما قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّل عَليْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١١٢: المائدة) فالأقوال في معنى هذه الآية كثيرة. فبينما نرى مفسرا كالزمخشري يرى أن هذا القول منهم دليل على أن إيمانهم كان دعوى لا حقيقة؛ وذلك إذ يقول متبعا طريقته في الفنقلة [٦٥] : فإن قلت: كيف قالوا ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بعد إيمانهم وإخلاصهم، قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: ﴿إِذْ قَال الحَوَارِيُّونَ﴾ ؛ فآذن أن دعواهم كانت باطلة، وأنهم كانوا شاكين، وقولهم: ﴿هَل يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم.. نقول بينما يقول الزمخشري بهذا نجد مفسرا آخر، بينه وبين الزمخشرري اختلافات في العصر والمنهج والمذهب، يقول بمثله، وهذا المفسر هو ابن جرير الطبري؛ فقد أفاض في مناقشة المسألة وانتهى إلى رأي [٦٦] هو: "وخبر الله - تعالى ذكره - عن القوم ينبئ بخلاف ذلك، - أي بخلاف أنهم كانوا في درجة اليقين -، وذلك أنهم قالوا لعيسى إذ قال لهم: ﴿اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .. ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُل مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ؛ فقد أنبأ هذا من قبلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته؛ فلا بيان أبين من هذا الكلام، في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم حرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارا"اه.

стр. 10440

١٠- اختيارنا في المسألة: والحق أن اختيارنا في المسألة لا يخالف في شيء ما اختاره شيخ المفسرين، واستدل له بصريح دلالة ألفاظ القرآن، وبما برهن عليه السياق [٦٧] ، ومع هذا فإن المنهج العلمي يقتضينا أن نذكر الرأي المخالف ليكون القارئ على بينة، وقد وجدنا عند القاسمي جلاء وبينا لهذا الرأي. ١١- رأي القاسمي: عرض القاسمي للقراءات في الآية ثم للإشكال فيها، فقال [٦٨] : "وهاهنا قراءتان: الأولى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا رَبُّكَ﴾ بالياء على أنه فعل وفاعل و ﴿أَنْ يُنَزِّل﴾ المفعول، والثانية بالتاء و ﴿رَبُّكَ﴾ بالنصب أي سؤال ربك، فحذف المضاف، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ وهي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومعاذ ﵃، وسعيد بن جبير والكسائي. قال أكثر المفسرين [٦٩] : الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز؛ إذ لا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى، لكنه كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام، مبالغة في التقاضي [٧٠] ، وإنما قصد بقوله (هل تستطيع) هل يسهل عليك، وهل يخف عليك أن تقوم معي؟ فكذلك معنى الآية؛ لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله ، ومعترفين بكمال قدرته، وسؤالهم ليس لإزاحة شك، بل ليحصل لهم مزيد الطمأنينة، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلبِي﴾ ، ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في القلب؛ ولهذا السبب قالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ .

стр. 10441

وحاصله أن ﴿هَل يَسْتَطِيعُ﴾ سؤال عن الفعل دون القدرة عليه، وهو تعبير عنه بلازمه، أو عن السبب بسببه، وقيل المعنى: هل يستطيع ربك؟ أي هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ (فيستطيع) بمعنى (يطيع) ، وهما بمعنى واحد والسين زائدة، كاستجاب وأجاب [٧١] ، واستجبْ وأجب، و (يطيع) بمعنى (يجيب) مجازا، لأن المجيب مطيع. وذكر أبو شامة: أن النبي ﷺ عاد أبا طالب في مرض، فقال له: يا بن أخي ادع ربك أن يعافيني، فقال: اللهم اشف عمي؛ فقام كأنما نشط من عقال، فقال: يا بن أخي إن ربك الذي تعبده ليطيعك، فقال: يا عم، وأنت لو أطعته لكان يطيعك، أي يجيبك لمقصودك، وحسنه في الحديث المشاكلة، فظهر أن العرب استعملته بهذا المعنى". اه. تاسعا: تأويل الفلاسفة لكيفية الوحي إلى رسول الله ﷺ : عند تفسير قول الله : ﴿سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ليْلاً..﴾ (١: لإسراء) استطرد الفخر الرازي مفندا [٧٢] لشبهات منكري المعراج، فاستدل على وقوع المعراج بأن من يؤمن بنزول جبريل ﵇ من الملأ الأعلى - بالوحي، يجب عليه أن يؤمن بصعود الرسول صلوات الله عليه بجسمه وروحه ليلة المعراج؛ لأن معراج الرسول بجسده كنزول الملك وهو جسم. ثم ذكر تأويل الفلاسفة - الذين يسميهم بالحكماء - لكيفية الوحي وهو: "زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد ﷺ ، حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل ﵇". ثم عقب الرازي على هذا التهافت الفلسفي بقوله: "تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل ﵊ جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة" [٧٣] .

стр. 10442

ونحن نعقب: بأن رأي الفلاسفة هذا، اتباع للظن ومصادم لما جاء به القرآن في شأن جبريل ﵇، فالله سبحانه قد وصفه بأنه ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى﴾ (٦، ٧: النجم) ، فاستواؤه بالأفق الأعلى كما رآه رسول الله في بدء الوحي "سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض"فرآه على صورته الحقيقية [٧٤] التي خلقه الله عليها، وهذا يؤكد الجسمانية والحركة لجبريل ﵇ ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٨، ٩: النجم) ، فالدنو والتدلي والقرب هي حركات جسمانية من جبريل ﵇. والقرآن صريح في نزول جبريل ﵇، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٦٤: مريم) ، وقوله سبحانه: ﴿وَلقَدْ رَآهُ نَزْلةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى﴾ (١٣، ١٤: النجم) رأى رسول الله جبريل مرة ثانية على صورة الملائكة عند سدرة المنتهى. ولقد رأى الرسول جبريل متشكلا في صورة بشرية لرجل من العرب هو دحية الكلبي، وفي حديث الصحيحين المروي عن أبي هريرة وعمر ﵄ قال عمر: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات مرة إذ دخل علينا رجل، شديد بياض الوجه، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر.."الخ الحديث، فهذه كلها صفات حسية. وفي حديث بدء الوحي في الصحيحين ضم جبريل رسول الله ﷺ إلى صدره "..فأخذني فغطني [٧٥]- بالتاء أو بالطاء - حتى بلغ مني الجهد مبلغه ثم أرسلني.." [٧٦] . كل هذا وغيره كثير يدحض دعاوى الفلاسفة في كيفية الوحي [٧٧] .

стр. 10443

على أن تصوير الوحي على أنه مكاشفات ومشاهدات على النحو المذكور، قول على الله بغير علم، وغض من قيمة الوحي، وتشكيك في كيفية تلقي القرآن، خاصة إذا علم القارئ أن هذه الألفاظ (المكاشفة والمشاهدة) انتقلت عند المتصوفة والفلاسفة عن وضعها اللغوي إلى وضع اصطلاحي، وعندهم أن المكاشفة تقع بزعمهم للولي فهي دون الوحي.. وإن زعم بعضهم أن مقام الولاية أعلى من مقام النبوة والرسالة، وعبر عن هذا التلبيس بقوله: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي عاشرا: تأويل الفجر بتفجر الماء: حول قول الله ﵎: ﴿وَالفَجْرِ وَليَالٍ عَشْرٍ﴾ (١، ٢: الفجر) ، أورد المفسرون أقوالا حول معنى الفجر. وكان من أغرب هذه الآراء رأي أورده الفخر الرازي في تفسيره [٧٨] وهو: "..أو عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه وفيها حياة الخلق"، وقد ذكر الرازي هذا التأويل بين جملة أقوال أخرى في تفسير الآية. وهذا التأويل يجد له عونا وظهيرا من بعض المعاني اللغوية للكلمة، فابن فارس في معجم المقاييس [٧٩] يقول: "الفاء والجيم والراء: أصل واحد وهو التفتح في الشيء، من ذلك الفجر: انفجار الظلمة من الصبح، ومنه انفجر الماء انفجارا: تفتح، والفجرة موضع تفتح الماء، ثم كثر هذا حتى صار الانبعاث والتفتح في المعاصي فجورا، ثم كثر هذا حتى سمي كل مائل عن الحق فاجرا.. ومن الباب: المفاجر: لانفجار الماء فيها.. ويوم الفجار: يوم للعرب استحلت فيه الحرمة"اه.. وإلى معنى الشق والتفجر أشار الراغب بقوله [٨٠] : (ومنه تفجير الأرض عيونا وأنهارا، ومنه قيل للصبح فجرا لكونه فجر الليل، والفجور شق في ستر الديانة) . ومع ما ذكرناه من معاضدة بعض معاني الكلمة لما ذكره الرازي، فهل يعني هذا أن ذلكم التأويل لا يجافي الصواب؟. الحق أن المراجع التي رجعنا إليها من كتب التفسير ذكرت للفجر معاني هي:

стр. 10444

١- الفجر هو "أول أوقات النهار، الذي هو أحد قسمي الزمان" [٨١] ، وقريب منه تعريف من عرفه بأنه: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، فيكون المقصود مطلق الفجر، وقد نسب هذا الرأي إلى علي، وابن الزبير وابن عباس ﵃ [٨٢] . ٢- إن المقصود بالفجر النهار كله، وعبر عنه بالفجر لأنه أوله وعزي كذلك إلى ابن عباس. ٣- فجر أول يوم من المحرم، منه تنفجر السنة، ونسب أيضا إلى ابن عباس وقتادة. ٤- إن المقصود به صلاة الصبح. ٥- فجر يوم النحر. ٦- فجر الأول من ذي الحجة؛ لأن (الليالي العشر) هي الليالي العشر من ذي الحجة. هذه مجموع الآراء التي أحصيناها من كتب التفسير التي رجعنا إليها. ولم نجد شبيها - في الطرافة - بهذا التأويل الغريب الذي ذكره الرازي إلا إشارة ذكرها القاسمي [٨٣] في كتابه محاسن التأويل، وهي: "والفجر أي الصبح كقوله تعالى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (١٨: التكوير) ؛ أقسم تعالى بآيته، لما يحصل به انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات، لطلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم، وفيه عبرة لمن تأمل"اه. وهذه الإشارة من القاسمي قد تكون محتملة. ونعود إلى ذكر الرأي الذي نرجحه وهو أن المقصود بالفجر أول وقت النهار. والذي يبين أن هذا الرأي هو الأرشد في فهم الآية الدلائل الآتية: ١- إن قرينة السياق تعين عليه، فبعد ذكر الفجر، جاء ذكر الليالي العشر.

стр. 10445

٢- إن كلمة الفجر لم تستعمل في القرآن إلا في معنى أول ضوء النهار، كما قال تعالى: ﴿.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ (١٨٧: البقرة) ، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ (٧٨: الإسراء) ، ﴿.. مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (٥٨: النور) ، ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلعِ الفَجْرِ﴾ (٥: القدر) . ٣- إن أقوال المفسرين قد أجمعت على أن المقصود بالفجر هو أول وقت النهار، وإن اختلفوا في جعل الفجر على إطلاقه، أو تحديد فجر يوم بعينه؛ فإن هذا الاختلاف هو من قبيل اختلاف التنوع. الحادي عشر: تأويل (الأوتاد) بالأهرامات: عند قول الله ﵎: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ (١٠: الفجر) قال الشيخ محمد عبده [٨٤] : "إن أظهر أقوال المفسرين فيها ملائمةً للحقيقة أنّ الأوتاد هي المباني العظيمة الثابتة.. وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي في منظر الوتد المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة شكل الأوتاد المقلوبة.. وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين". هذا ما قاله الشيخ ﵀؛ فلننظر هل أصاب؟ ١- وصف الله فرعون بهذه الصفة في سورة الفجر، وفي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ﴾ (١٢: ص) ، ووردت كلمة الأوتاد في وصف الجبال في قوله تعالى: ﴿أَلمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادا وَالجِبَال أَوْتَاداً﴾ (٧: النبأ) ، وإذا كان هذا هو استعمال الكلمة في القرآن فما معناها في اللغة؟

стр. 10446

٢- الوتد لغة [٨٥] : "قطعة من خشب أو حديد تثبت في الأرض أو الجدار؛ يشد بها حبل هو زمام لدابة أو طنب لخيمة.. ويقال: الجبال أوتاد الأرض على التشبيه، لأنها تثبت بها وتحفظها من الميدان والاضطراب". وأما ابن فارس [٨٦] فقال: "الواو والتاء والدال: كلمة واحدة: هي الوتد يقال وتده ووتد الأذن الذي باطنها كأنه وتد"وأضاف الفيروزأبادي [٨٧] "وأوتاد الأرض جبالها، ومن البلاد رؤساؤها، ومن الفم أسنانه، ووتد الوتد يتده وتدا: ثبته"، وجاء من المجازي عند الزمخشري [٨٨] "وتد بالمكان وهو واتد: لا يبرح ثابت". ٣- وأما أقوال المفسرين في معنى الأوتاد فهي [٨٩] : أ - ذو الأوتاد: ذو البناء المحكم، كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا. ب - ذو الجنود الكثيرة، فسميت الجنود أوتادا، لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت، وقال ابن قتيبة: "العرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون دائما شديدا"، وقريب من هذا الرأي من فسرها بأنه ذو القوة والبطش، أو لأن كثرة الجنود تقتضي كثرة الخيام والمضارب والأوتاد. ج- إن المقصود بالأوتاد: أوتاد الحديد التي كان يشد إليها من يعذبهم، فقيل كان يربط الرجل كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة. ٤- تأول الشيخ محمد عبده للأوتاد بالأهرامات علاوة على مناقضته لما تقدم؛ فإنه يقتضي قيام دليل تاريخي، على أن فرعون الذي أرسل إليه الكليم ﵇ بنى هرما من هذه الأهرامات، أو دفن في واحد منها حتى تصح نسبتها إليه، وهذا الدليل التاريخي غير قائم ولا ثابت. ٥- يشم من وصف الشيخ للأهرامات بأنها هياكل عظيمة نزعة مفاخرة.. وهذه الأهرامات وإن كانت عظيمة بالمقياس المادي، فهي ليست كذلك في الميزان الإسلامي. الثاني عشر: الدابة التي تكلم الناس والتأويلات المتهافتة:

стр. 10447

حول قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ (٨٢: النمل) ، وجدنا لبعض المفسرين تعسفا في التفسير، ووجدنا عند غيرهم شططا في التأويل، وأخذ كل صاحب هوى يحمل الآية على هواه، أو يحمل ألفاظها مشتهاه، وهاك بسط القول: ١- خروج الدابة وظهور الأرواح: حاول الشيخ طنطاوي جوهر- جريا على مسلكه في التأويلات، واتباعا لنهجه في تحميل ألفاظ الآيات النظريات المحدثات- عقد الصلة بين خروج الدابة وبين خرافة ظهور الأرواح، فقال [٩٠] : "يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ﴾ أي شارف الوقوع، وهو قرب قيام الساعة، وحقت كلمة العذاب على نوع الإنسان، فجهلوا بالمعنويات، وعكفوا على الماديات، وكذبوا الديانات، وشكوا في الآيات، وأصبحوا لا شرف لهم في حكوماتهم ولا أفرادهم، ومردوا على الكذب والنفاق، وازدادوا بالعلم عمى، وبالفلسفة ظلما، أخرج لهم من الأرض من يطرق الموائد ويحركها، ويمسك الأقلام في أيديهم، ويكتب لهم، ويتراءى لهم في أشكال وأزياء مختلفة، ووجوه نورية، فتراه أبصارهم، ويسمعون كلامه، وطورا يبصرون أشكالا، وتارة يقرؤون خطوطا، وآونة يسمعون صريرا وصوتا شديدا، كالرعد القاصف، وقد يحسون ببرودة تمر عليهم، ثم تتحرك الأيدي بالكتابة [٩١] ، فكان في عمله أشبه بمن يدب على الأرض من الإنسان في تعقله وعمله، وبما يجري فوقها من الدواب في حركاتها وأعمالها الأخرى، فهذا يشير له معنى قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ ، وهذه الدابة تبين للناس حقائق، وتدرس لهم حكمة وتريهم أنهم غافلون جاهلون ضالون، فيجلس أمامها أكبر الضالين، وأعظم الفاسقين وأشد الغافلين، ومن يدعي أنه ملك مقاليد العلم، وبرع في الحكمة الهادية، فيخر ساجدا لربه، خاضعا لخالقه، موقنا أن روحه ستبقى بعد موته، فهذا

стр. 10448

معنى تكلمهم.. الخ، وقرأ ابن مسعود: (تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) ، وهذا هو الحاصل الآن بعينه، وهذه معجزة القرآن، وحكمة ثابتة للفرقان، فإن الآلاف المؤلفة من البشر اليوم في أنحاء العالم يوقنون إذا تحققوا مذهب الأرواح، وليس الإيمان بكاف، بل اليقين هو أكمل الإيمان، فتعجب من الآية، وانظر كيف كان هذا مظهرها، وهي مسألة ظهور الأرواح والقرآن يشير إليها.."اه ولما أحسّ الشيخ أنه أبعد النجعة عن الحقيقة، وسلك التعسف سبيلا إلى فهم الآية، عاد يقول: "إني لم أقل إن هذا هو المعنى، ولكن أقول: إنه رمز له [٩٢] وإشارة، فالآية باقية على ظاهر معناها ترمز إلى ما ذكرنا، فالدابة باقية على المعنى الأصلي، نكل علمها إلى الله تعالى [٩٣] ، وتكون رمزا لهذا، فهذا قسم من أقسام الكناية في علم البيان [٩٤] ، فاللفظ على حاله يشير لما اقترب منه كما وضحه الإمام الغزالي في قوله ﷺ : "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة"؛ فقد جعلهما على حالهما، ورمز بهما إلى الشهوة والغضب [٩٥] ، فافهم فإذا فهمت هذا قطعت جهيزة قول كل خطيب، وقطع لسان كل معترض بعدك، فقد سدت في وجهه أبواب الجدال ﴿وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَال﴾ "اه. ٢- أ- خروج الدابة وأبطولة (الرجعة) : الرجعة من العقائد الأصيلة للشيعة كما هو معروف، ولقد كانت آية الدابة من بين الآيات التي يتخذون منها مستندا يدعمون به معتقدهم في الرجعة، وفي هذا المعنى قال الطبرسي [٩٦] المفسر الشيعي في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ تخرج من بين الصفا والمروة فتخبر المؤمن بأنه مؤمن، والكافر بأنه كافر، وعند ذلك يرتفع التكليف، ولا تقبل التوبة وهو - يعني خروجها- علم [٩٧] من أعلام الساعة، وقيل لا يبقى مؤمن إلا مسحته، ولا يبقى منافق إلا حطمته، تخرج ليلة جمع [٩٨] والناس يسيرون إلى منى..

стр. 10449

ثم روى الطبرسي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: "سئل عليٌّ - صلوات الرحمن عليه - عن الدابة فقال: (أما والله ما لها ذنب، وأن لها لحية". ثم قال الطبرسي: "وفي هذا إشارة إلى أنها من الإنس". ثم ذكر أن ابن عباس وحذيفة يقولان: "إنها من دواب الأرض". ثم قال الطبرسي: وروي عن وهب أنه قال: وجهها وجه رجل، وسائر خلقها خلق الطير. ثم عقب الطبرسي على هذه الرواية قائلا: "ومثل هذا لا يعرف إلا من النبوة الإلهية، وقد روي عن علي ﵇ أنه قال: "إنه صاحب العصا والميسم" [٩٩] ، وروى علي بن إبراهيم بن هاشم [١٠٠] في تفسيره عن أبي عبد الله [١٠١] ﵇ قال: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان: "آية في كتاب الله أفسدت قلبي" [١٠٢] قال عمار: وأية آية هي؟ فذكر له الرجل الآية، وسأله عن دابة الأرض؟ فقال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين، وهو يأكل تمرا وزبدا، فقال: يا أبا اليقظان هلم، فجلس عمار يأكل معه، فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار، قال الرجل: سبحان الله!! حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب حتى ترينها، قال عمار: أريتكها إن كنت تعقل، وروى العياشي هذه القصة بعينها عن أبي ذر ﵀.

стр. 10450

ثم ذكر الطبرسي الآية التالية لآية الدابة وهي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٨٣: النمل) ، ثم قال الطبرسي [١٠٣] : "واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة، من ذهب إلى ذلك من الإمامية، بأن قال: إن دخول (من) في الكلام يوجب التبعيض، فدل على أن اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم [١٠٤] دون قوم، وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول في سبحانه: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَد﴾ (٤٧: الكهف) ، وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي [١٠٥] قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته، والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، ولا يشك عاقل في أن هذا مقدور لله تعالى [١٠٦] ، غير مستحيل في نفسه، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية، ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره، على ما فسرناه في موضعه"اه. ب- رد الطبرسي على متأولي الرجعة من الشيعة:

стр. 10451

أحس بعض عقلاء الشيعة أن القول بالرجعة لا سند له من الحق، فتأولوها على نحو لا يصادم المعقول، وندع الحديث عنهم للطبرسي إذ يقول: "على أن جماعة من الإمامية تأولوا ما ورد من الأخبار في الرجعة على رجوع الدولة والأمر والنهي، دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، وأولوا الأخبار الواردة في ذلك لما ظنوا أن الرجعة تنافي التكاليف، وليس كذلك؛ لأنه ليس فيها ما يلجئ إلى فعل الواجب، والامتناع عن القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة، كفلق البحر، وقلب العصا ثعبانا، وما أشبه ذلك، ولأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فيتطرق التأويل إليها، وإنما المعول في ذلك على إجماع الشيعة الإمامية، وإن كانت الأخبار تعضده وتؤيده" [١٠٧] . مناقشتنا للطبرسي: ونحن نعجب لهذا التناقض من الطبرسي بين قوله: إن جماعة من الإمامية تأولوا الأخبار الواردة في الرجعة.. وقوله: إن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة، فلماذا يؤولون أخبارا لا يعول عليها. والحلقة الثانية من حلقات التناقض: اعترافه بأن بعض الشيعة تأولوا (الرجعة) ، ثم دعواه إجماع الشيعة على الرجعة، فأين الإجماع مع أن فريقا من الشيعة يؤولون. والحلقة الثالثة: بأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار، ثم يدعي أن العبرة بإجماع الشيعة، والرجعة أمر غيب، والأمور الغيبية لا تثبت إلا بالنقل، لا بالإجماع؛ إذ كيف يجمع فريق من الناس على أن أمرا سيقع إلا إذا كان لهم برهان من كتاب من عند الله، أو خبر عن نبي مرسل، أو سولت لهم أنفسهم أنهم يعلمون الغيب!!. ج- زعم الشيعة أن الرسول ﷺ سمى عليا ﵁ (دابة الأرض) :

стр. 10452

ولم يقتصر الشيعة في أمر الدابة على ما سبق ذكره، وإنما ينقل الطباطبائي [١٠٨] عن القمي تفسير آية النمل المذكورة؛ أن رسول الله ﷺ مرّ بِعَليّ ﵁ وهو نائم بالمسجد، فحركه برجله ثم قال له: "قم يا دابة الأرض"؛ فقال رجل من أصحاب النبي يا رسول الله: أيسمى بعضنا بعضا بهذا الاسم؟ فقال: لا والله، ما هو إلا له خاصة، وهو (الدابة) الذي ذكره الله في كتابه..ثم قال: "يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك". ثم روى الطباطبائي أن رجلا قال لأبي عبد الله ﵇: "إن هذه الآية إنما هي (تكلمهم) فقال: كَلمَهم الله في نار جهنم، إنما هي تكلمهم من الكلام". ثم بين الطباطبائي أن الروايات في هذا المعنى من طرق الشيعة كثيرة. ثم نقل عن القمي ما نقله قبله الطبرسي من أن "قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ إنما هي في الرجعة وليست في القيامة"اه- بإيجاز. ويذهب الطباطبائي [١٠٩] : "إلى أن المقصود بالدابة ما يدب على الأرض من إنسان أو حيوان، وأن المقصود بإخراجه: الإحياء والبعث بعد الموت.. وأن سكوت القرآن عن تفصيل القول في أخبار الدابة دليل القصد إلى الإبهام، ليكو الكلام مرموزا فيه..". وما ساق الطباطبائي هذه المقدمات إلا ليستدل بها على الرجعة. د- رأي شيعي معاصر:

стр. 10453

وتقتضينا الأمانة العلمية أن نذكر رأيا لأحد الشيعة المعاصرين حول موضوع الدابة، ونصه هو [١١٠] : "أما الدابة فقد كثر الكلام فيها، والله سبحانه لم يبين ما هي، والحديث عن المعصوم في بيانها لم يثبت، حتى لو صح سنده لم نعمل به لأنه خبر واحد [١١١] ، وهو حجة في الأحكام الفرعية، لا في السمعيات وأصول العقيدة، والقول بغير علم حرام، فلم يبق إلا الأخذ بظاهر الآية الذي يدل على أن الله سبحانه عندما يحشر الناس للحساب، يخرج من الأرض مخلوقا، يعلن أن الكافرين جحدوا الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته". هـ- تسرب الرواية الشيعية حول الدابة إلى بعض التفاسير السنية: وجدنا الرواية الشيعية القائلة بأن الدابة هي علي ﵁ قد تسربت إلى بعض التفاسير السنية، ومثال ذلك ما أورده البغوي [١١٢] ونصه: "وروي عن علي أنه قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية) ، ثم عقب البغوي بقوله: كأنه يشير إلى أنها رجل، والأكثرون على أنها دابة". وما أورده البغوي، أورده ابن كثير [١١٣] وكذلك ذكره القرطبي [١١٤] وغيرهم. - الدابة وعصا موسى ﵇: ذكر الفيروزأبادي [١١٥] في تفسير آية الدابة ما يلي: " ﴿وَإِذَا وَقَعَ﴾ وجب ﴿القَوْلُ عَليْهِمْ﴾ بالسخط والعذاب، ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾ بين الصفا والمروة، وهي عصا [١١٦] موسى، ويقال معها عصا موسى، ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا﴾ بآيات ربنا بمحمد ﷺ وبالقرآن، ويقال بخروج الدابة ﴿لا يُوقِنُونَ﴾ : لا يصدقون، وإن قرأت تَكلِمُهم: بنصب التاء: تضربهم وتجرحهم". ٤- الدابة بين الكَلم والكلام: وردت لقوله تعالى (تكلمهم) من الآية قراءتان: الأولى: (تكلمهم) بضم التاء وتشديد اللام المكسورة، وقد قال القرطبي [١١٧] عنها إنها قراءة العامة، أي جمهور القراء.

стр. 10454

واستدل لها بقراءة أبي (تنبئهم) . والذي أرجحه أن قراءة أبي هذه ليست قراءة، وإنما هي من باب التفسير. وقالوا في تفسير القراءة إنها تكلمهم ببطلان الأديان سوى الإسلام، وقيل تكلمهم بما يسوءهم، وقيل تكلمهم بلسان ذلق يسمعه من قرب وبعد ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ ، أي بخروجها لأن خروجها من الآيات. وبعض المفسرين حمل هذه القراءة على أنها تكثير وتضعيف [١١٨] من (تكلمهم) . وفي هذا قال الزمخشري [١١٩] : "ويجوز أن يكون (تكلمهم) بضم التاء وتشديد اللام المكسورة من الكلم أيضا على معنى التكثير، يقال: فلان مكلم، أي مجرح، فهي عنده كقراءة (لنحرقنه) - بتشديد الراء - التي فسرت بقراءة علي ﵁ (لنحرقنه) بغير تشديد الراء". والثانية: هي (تكلمهم) بفتح التاء وسكون الكاف وكسر اللام، من الكلم وهو الجرح. وفسر بعضهم (كلمها) بما رواه أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم". وبما روي عن ابن عباس ﵄ وعن علي أيضا من أنها تُكلِّم المؤمن [١٢٠] وتَكْلم الكافر، أي تجرحه [١٢١] . ٥- تأويل الدابة ودودة القطن: وأما الذين إذا ذكر خبر من أخبار الغيب اشمأزت نفوسهم، وتجهمت وجوههم، فقد كبر عليهم أن يخرج الله دابة من الأرض تكلم الناس، فحاروا وداروا واستبانوا أنهم لا يستطيعون التكذيب، فبحثوا عن مخرج للتأويل، وأعانهم على بحثهم هذا أن أسعفتهم رواية ابن عباس التي يقرأ فيها (تكلمهم) [١٢٢] بفتح التاء وبتخفيف اللام، من الكلم وهو الجرح، وأنه ﵁ لما سئل هل هي تكلِّمهم أو تكلمهم فقال: "كل ذلك تفعل تكلِّم المؤمن، وتكلم الكافر".

стр. 10455

فارتضى دعاة العقلانية هذه القراءة لأنها أقرب إلى التصورات المادية، ولقد سمعت منذ عشرين عاما محاضرا يقرأ هذه الآية الكريمة ويفسر دابة الأرض بأنها حشرات الزرع، وخص دودة القطن من بين هذه الحشرات؛ لأنها كلمت القوم وآذتهم بإتيانها على محصول القطن، وكانت مصر وقتها تمر بمحنة زراعية من جراء إتلاف هذه الدودة البغيضة للقطن، وما أظن هذا المحاضر بهذا التأويل إلا آثِرا له عن غيره، وليس آتيا به من عند نفسه، وغاب عنه أنها من أمارات الساعة، وأن القطن لا يزرع في كل بلدان العالم. ٦- تأويل الدابة بالمذياع: وجاء مؤول آخر [١٢٣] آمن بأن الدابة تكلم الناس، ولكن تفسيرها لكلامها كان تفسيرا هازلا كسابقه، فقد قال: إن الدابة هي المذياع، وإن كلامها هو هذه الأصوات التي تتردد عبر الأثير وأجهزة الاستقبال إلى آذان المستمعين. ٧- تأويل الدابة بسفينة الفضاء: وعندما أطلقت أول سفينة فضاء في الجو في خمسينيات هذا لبقرن سمعنا من يقول: إن سفينة الفضاء هذه هي الدابة التي حدثنا الله عنها في سورة النمل، وهو تأويل لا سند له من اللغة، ولا مسوغ له من السياق، وإنما هو تأويل متعسف وممجوج. ٨- الدابة والإسرائيليات: وكما كثرت هذه التأويلات الممجوجة حول الدابة، كذلك كثرت الروايات الإسرائيلية [١٢٤] حولها فجاءت روايات تصفها بأن رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير.. إلى غير ذلك من الأوصاف المتناقضة المتضاربة المتنافرة، التي تضحك الثكالى. وجاءت روايات تصف مكان خروجها من تحت صخرة من صخور مكة. وجاءت روايات تحدثنا عن أفعالها مع المؤمن والكافر، وعن عصا موسى ﵇ التي تحملها.. إلى غير ذلك من الروايات.

стр. 10456

وأكثرها غير صحيح [١٢٥] ، وفي الصحيح غنية، وفي الزبد ما يغني عن المخيض. ٩- تصورات متوهمة في شأن الدابة: خبر الدابة من الأمور الغيبية التي يجب علينا أن نتلقاها مصدقين مؤمنين، إلا أن نفرا من المفسرين أورد في شأنها ما لا يقبل إلا إذا صحّ سنده عن سيد الأنبياء والمرسلين ﷺ . فمن هذه الروايات القول بأنها هي فصيل ناقة صالح. وهو قول يصفه القرطبي بأنه أصح الأقوال، ولم يذكر لنا دليله على هذه الدعوى [١٢٦] . ومن هذه الروايات أيضا القول بأن الدابة هي الثعبان المشرف على بناء الكعبة الذي اقتلعته العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة [١٢٧] . ولا دليل أيضا على صحة هذه الرواية. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال [١٢٨] : "ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: "لها ثلاث خرجات من الدهر؛ فتخرج في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة -، ثم تكمن زمانا طويلا، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة -".. قال رسول الله ﷺ : "بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة، خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام؛ لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتى [١٢٩] ومعا، وتثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله؛ فبدأت بهم فجلت وجوههم، حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول له: يا فلان آلآن تصلي؟! فتقبل عليه فتسمه في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال، ويصطلحون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقض حقي". ١٠- أ- هل الدابة داعية يبعث ليقيم الحجة على الكافرين:

стр. 10457

نقل القرطبي [١٣٠] في تفسيره الرواية المنسوبة لعلي ﵁، والقائلة بأن الدابة ما لها ذنب وإنما لها لحية، ثم نقل تعليق الماوردي على هذه الرواية وهو: "وفي هذا القول إشارة منه إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح به". ثم بين القرطبي الصلة بين هذه الرواية وبين تأويل من التأويلات الواردة في شأن الدابة وهو قوله: "قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما، يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة"اه. ب- تفنيد القرطبي لهذا التأويل: أخذ القرطبي بعد أن ذكر هذا التأويل، يبين رأيه ورأي العلماء فيه فقال: "وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من أمارات الساعة؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا تكون آية خاصة مقترنة بوقوع القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم، الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان، أو بالعالم أو بالإمام، إلى أن يسمى بدابة؛ فهذا خروج عن عادة الفصحاء وعن تعظيم العلماء.. فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور". الرأي الذي نرتضيه حول الدابة:

стр. 10458

بعد استعراض كل هذه الآراء السابقة [١٣١] في شأن الدابة، نرى أن المنهج الأرشد في هذه المسألة وما شابهها من المسائل الغيبية، أن نقف أمام ما جاءنا من كتاب الله ساجدين، وأمام ما ورد عن رسول الله مصدقين، وقد روى الإمام أحمد بسنده عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: "أشرف رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة، فقال: "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم ﵇، والدجال، وثلاث خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم [١٣٢] حيث قالوا" [١٣٣] . وإذا فخبر الدابة من أخبار الغيب، ومن علامات الساعة التي يجب أن نؤمن بها، والمنهج السديد حيالها هو كما عبر عنه الشيخ شلتوت ﵀ بقوله [١٣٤] : "وماذا علينا لو وقفنا في حديثنا عن الغيبيات عند القدر الذي أخبر به القرآن، ثم تركنا ما وراءه من التفصيل [١٣٥] إلى اليوم الذي يأتي فيه تأويله وبيانه، وليس الخبر متعلقا بعمل مطلوب من العباد، وإنما هو إنذار ووعيد وتهديد". الثالث عشر: تأويلات حول أخبار جهنم: وردت في القرآن الكريم آيات مجيدة، تصف جهنم بأنها تتكلم: ﴿وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ ، وأنها ترى أصحابها: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ، وأنها ﴿التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَة﴾ ، وأن لها ﴿تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ .. وكانت للمفسرين نظرات إلى هذه الآيات تختلف باختلاف مناهجهم. فلنصطحبهم في تطوافهم. هل تتكلم جهنم: قال رب العزة ﷻ : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٣٠: ق) . أفاد ظاهر هذه الآية الكريمة أن جهنم خوطبت وسئلت، وأنها أجابت وقالت: هل من مزيد.

стр. 10459

فمن المفسرين من آمن بظاهر ما دلت عليه الآية، ووكل ما وراء ذلك إلى علام الغيوب، ومنهم من طوحت به طوائح التأويلات فهام معها.. فأما أهل الإثبات فهذه آراؤهم: ١- رأي ابن كثير: قال عند تفسيره لهذه الآية الكريمة [١٣٦] : "يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة هل امتلأت؟ وذلك لأنه ﵎ وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى [١٣٧] وهي تقول هل من مزيد: أي هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث". ثم ذكر ابن كثير من صحاح الأحاديث ما يؤيد رأيه، ومنها: ما رواه البخاري [١٣٨] عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: "يلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتقول قط قط"، وما رواه الإمام أحمد عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة قدمه فيها؛ فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول قط قط، وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا آخر فيسكنهم الله تعالى في فضول الجنة"، ثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه، وروى ابن كثير عن مجاهد أنه قال: "لا يزال يقذف فيها حتى تقول قد امتلأت، وتقول هل من مزيد"، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا. فعند هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾ ؟ إنما هو بعد ما يضع فيها قدمه فتنزوي، وتقول حينئذ هل بقي في مزيد يسع شيئا؟؛ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: "وذلك حين لا يبقى موضع يسع إبرة والله أعلم" اه. ٢- رأي القرطبي: وأما القرطبي فقد عرض لرأي المثبتين ولمقالة المؤولين، ثم كان للمثبتين ظهيرا.

стр. 10460

بيان ذلك أنه قال [١٣٩] : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ﴾ لما سبق من وعده إياها أنه يملؤها، وهذا الاستفهام على سبيل التصديق لخبره، والتحقيق لوعده، والتقريع لأعدائه، والتنبيه لجميع عباده، وتقول جهنم ﴿هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ ، أي ما بقي فيَّ موضع للزيادة، كقوله ﵇: "هل ترك لنا عقيل من ربع أو منزل" أي ما ترك، فمعنى الكلام الجحد، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الاستزادة، أي هل من مزيد فأزداد؟ وإنما صلح للوجهين؛ لأن في الاستفهام ضربا من الجحد، وقيل: ليس ثمَّ قول وإنما هو على طريق المثل، أي أنها فيما يظهر من حالها بمنزلة الناطقة بذلك، كما قال الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني وهذا تفسير مجاهد [١٤٠] وغيره، أي هل فيّ من مسلك، قد امتلأت، وقيل: ينطق الله النار حتى تقول هذا كما تنطق الجوارح، وهذا أصح على ما بيناه في سورة الفرقان. ثم صنع القرطبي صنيع ابن كثير في الاستظهار لرأي المثبتين بالصحاح من الأحاديث التي ذكرنا بعضها من قبل، ومنها حديث وضع القدم، وإن كان له من المتأولين.. [١٤١] . ٣- رأي الشوكاني: وأما موقف الشوكاني فكان كما قال [١٤٢] : "..والأولى أنه على طريقة التحقيق ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع، قال الواحدي: قال المفسرون أراها الله تصديق قوله: (لأملأن جهنم) فلما امتلأت قال لها: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ [١٤٣] أي قد امتلأت ولم يبق فيَّ موضع لم يمتلئ، وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان، وقيل إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة، أي أنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها، وقيل المعنى: أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها، والمزيد: إما مصدر كالمحيد، أو اسم مفعول كالمنيع، فالأول بمعنى هل من زيادة، والثاني بمعنى هل من شيء تزيدونيه.."اه. ونختار من المؤلين: ٤- الزمخشري:

стр. 10461

قال الزمخشري [١٤٤] : "..وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان: أحدهما: أنها تمتلئ مع اتساعها وتباعد أطرافها، حتى لا يسعها شيء [١٤٥] ولا يزداد على امتلائها لقوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ، والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلهامن يدخلها وفيها موضع للمزيد..". ٥- رد ابن المنير [١٤٦] على الزمخشري: قال ابن المنير [١٤٧] : "قد تقدم إنكاري عليه إطلاق (التخييل) في غير موضع، والنكير ههنا أشد عليه، فإن إطلاق (التخييل) قد مضى له في قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ (٦٧: الزمر) ، وفي مثل قوله: ﴿بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (٦٤: المائدة) ، وإنما أراد به حمل الأيدي على نوع من المجاز، فمعنى كلامه صحيح، لأنا نعتقد فيهما المجاز، وندين الله بتقديمه عن المفهوم الحقيقي [١٤٨] ، فلا بأس عليه في معنى إطلاقه، غير أنا مخاطبون باجتناب الألفاظ الموهمة في حق جلال الله تعالى، وإن كانت معانيها صحيحة، وأيُّ إيهام أشد من إيهام لفظ التخييل؟ ألا ترى كيف استعمله الله فيما أخبر أنه سحر وباطل في قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِليْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٦٦: طه) ، فلا يشك في وجوب اجتنابه، ثم يعود بنا الكلام إلى إطلاقه هنا فنقول: هو منكر لفظا ومعنى، أما اللفظ فقد تقدم، وأما المعنى فلأنا نعتقد أن سؤال جهنم وجوابها حقيقة، وأن الله تعالى يخلق فيها الإدراك بذلك بشرطه، وكيف نفرض (التخييل) وقد وردت الأخبار وتظاهرت على ذلك، منها هذا، ومنها لجاج الجنة والنار، ومنها اشتكاءها إلى ربها فأذن لها في نفَسين، وهذه وإن لم تكن نصوصا فظواهر يجب حملها على حقائقها؛ لأنا متعبدون باعتقاد الظاهر، ما لم يمنع مانع، ولا مانع هاهنا، فإن القدرة صالحة، والعقل يجوز، والظواهر قاضية بوقوع ما صوره العقل، وقد وقع مثل هذا قطعا في الدنيا كتسليم الشجر وتسبيح الحصى

стр. 10462

في كف النبي ﷺ وفي يد أصحابه، ولو فتح باب المجاز والعدول عن الظاهر في تفاصيل المقالة [١٤٩] لاتسع الخرق، وضل كثير من الخلق عن الحق، وليس هذا كالظواهر الواردة في الإلهيات مما لم يجوز العقل اعتقاد ظاهرها [١٥٠] ، فإن العدول فيها عن ظاهر الكلام بضرورة الانقياد إلى أدلة العقل المرشدة إلى الحق!! فاشدد يدك بما فصل في هذا الفصل مما أرشدتك به إلى منهج القرب والوصل، والله الموفق"اه. تعليق وجيز: هذه العبارات الأخيرة تمثل ما تركه المعتزلة من قواعد في تفكير الأشاعرة. كيفية دعاء النار للكافرين: ومما له عُلقة بما سبق من سؤال النار وجوابها، ما ورد في وصفها من قول الحق جل ذكره: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلى وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ (١٧، ١٨: المعارج) . وفي معنى (تدعو) كانت للمفسرين هذه التأويلات: ١- الدعاء على ظاهره، بمعنى القول والنداء، فتقول: إليَّ يا مشرك، إليَّ يا منافق، أو بتعبير ابن كثير [١٥١] : "تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها وكانوا في الدار الدنيا يعملون عملها؛ فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق ... ". وهذا الرأي في تفسير الدعاء ذكره أكثر المفسرين حتى أولئك الذين ينهجون منهج القول بالتمثيل والتخييل، كالزمخشري [١٥٢] مثلا؛ فقد كان هذا الرأي من بين الآراء التي ذكرها، أما القرطبي [١٥٣] فقد قال عنه: "إنه هو الحقيقة التي تدعمها آي القرآن وصحيح الأخبار، ودعاء (لظى) يكون بخلق الحياة فيها حين تدعو وخوارق العادة كثيرة". ٢- الدعاء بمعنى الإهلاك، تقول العرب: دعاك الله، أي أهلكك الله [١٥٤] . ٣- الدعاء ليس من جهنم وإنما هو من خزنتها، وأسند إليها من قبيل الإسناد المجازي. ٤- الدعاء: هو تمكنها من عذابهم، وقد نقل القرطبي [١٥٥] في هذا المعنى عن الخليل قوله: "إنه ليس كالدعاء (تعالوا) ، ولكن دعوتها إياهم تمكنها من عذابهم".

стр. 10463

٥- إن الدعاء هو من قبيل التمثيل قال الزمخشري [١٥٦] : ﴿تَدْعُو﴾ مجاز عن إحضارهم، كأنها تدعوهم فتحضرهم كقول ذي الرمة: "تدعو أنفه الريب..". وكان هذا الرأي من بين الآراء التي ذكرها القرطبي [١٥٧] أيضا؛ فقال: "وقيل: هو ضرب مثل، أي أن مصير من أدبر وتولى إليها، فإنها الداعية لهم، ومثله قول الشاعر: ولقد هبطنا الواديين فواديا يدعو الأنيس به العضيض الأبكم العضيض الأبكم: الذباب، وهو لا يدعو وإنما طنينه نبه عليه، فدعا إليه". دفاع الشيخ المغربي عن المجاز في تفسير الآية: انتهج الشيخ المغربي [١٥٨] في تفسير الآية نهج القائلين بالمجاز، وأسرف على نفسه حين أخذ في الرد على القائلين بالحقيقة، وهاك نص رأيه: "..وقوله ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلى﴾ أي تنادي وتهتف بالذي أدبر وأعرض عن الإيمان، وقال (تدعو) لأن تهيؤ جهنم، وتبرجها للمعرضين عن الإيمان، وتفتح أبوابها لدخولهم كأنه في المعنى هتاف بهم، ودعاء لهم، وهو ما يسمونه (لسان الحال) كما أن الدعاء بالقول (لسان المقال) ، وهذا الضرب من التعبير كثير الشيوع في كلام العرب وأشعارهم، لا سيما إذا أرادوا الحكاية عن شيء لا يعقل، ووصف أحواله ومنه قوله: شكا إلي جملي السري يا جملي ليس إلي المشتكى صبرا جميلا فكلانا مبتلى والجمل لا يمكن أن يشكو بلسان مقاله، وإنما يشكو بلسان حاله، فإن آثار الأين [١٥٩] والكلال والحفاء البادية عليه، كأنها ألسنة تنطق بالشكوى إلى صاحبه. وقال أبو النجم - الرجاز المشهور - يصف روضته: "نقول للرائد أَعْشَبت فانزل"أي: أنها لاستجماعها ما يلزم للقوم المسافرين: من مرعى وماء وظل، إذا وصل إليها رائدهم يبتغي لهم مكانا للنزول، استوقفته تلك الروضة، بحيث لا يمكن تجاوزها دون النزول فيها بقومه، فهي كأنها تقول له: (أعشبت) أي أصبت عشبا (فانزل) على الرحب والسعة) ومثله قول الراجز الآخر:

стр. 10464

مهلا رويدا قد ملأت بطني امتلأ الحوض وقال قطني فهذا ما يسمونه (لسان الحال) ، وله شواهد كثيرة جدا في القرآن والحديث، وقد غفل عنه الكثيرون فحملوه على الحقيقة، وجعلوه من الخطاب بلسان المقال، ولا حجة لهم، إلا أن الله تعالى قادر على كل شيء، ومن ذا الذي ينكر قدرته، ولكننا نرى أن حمل هذه الآية ونظائرها على التمثيل كما ذكرنا عن أهل السان في الحكاية عن ما لا يعقل أمثل وأبلغ من حملها على الحقيقة، ولا داعي عقلا أو شرعا للحمل عليها.."اه. تعقيب على دعاوى الشيخ المغربي: قال الشيخ: "إنه لا يرى داعية من العقل أو الشرع تدعوه إلى فهم (دعاء النار) على حقيقته". ولست أرى أي قرينة استظهر بها الشيخ ليصرف بها دلالة الدعاء من الحقيقة إلى المجاز، إلا قرينة استبعاد الوقوع، وما نشأ هذا الاستبعاد إلا من تحكيم العقل المتقوقع في آفاقه الضيقة، وجعل قوانين العالم المحسوس المشهود، حكما على أخبار مستكنة في أرحام الغيوب، ولو استشرفنا إلى آفاق أرحب لقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (من ٧: آل عمران) . هل ترى النار أصحابها حقيقة؟ قال الحق جل ذكره في وصف جهنم: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢: الفرقان) . وكانت اتجاهات المفسرين في فهم الآية كما يلي:

стр. 10465

١- حمل الرؤية على حقيقتها، وكذلك التغيّظ والزفير، وليس هناك ما يمنع من أن يجعل الله لها حسا وإدراكا، وقد وصف القرطبي [١٦٠] الحمل على الظاهر بأنه هو الأصح، مستدلا بما روي مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا"، قيل يا رسول الله وهل لها عينان؟ قال: "أما سمعتم الله يقول": ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ (١٢: الفرقان) ، "يخرج عنق من النار له عينان تبصران، ولسان ناطق، فيقال وكلت بكل من جعل مع الله إلها آخر، فلهو - أي العنق - أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه" [١٦١] . وقيل: ترى النار أصحابها من مسيرة مئة عام [١٦٢] ، وقيل: خمسمئة عام [١٦٣] ، وهذا هو معنى ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ عند بعض المفسرين، وهذه الروايات غير مرفوعة إلى المعصوم ﷺ ، فهي ليست إلا من باب الحشو والتزيد. ٢- فسرت الرؤية بمعنى: إذا رآهم خزنتها، سمع المعذبون تغيظا وزفيرا، وهذا من الآراء المذكورة في تفسير الآية [١٦٤] ، وجوزه الزمخشري بقوله [١٦٥] : "ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها نغيظوا وزفروا غضبا على الكفار، وشهوة للانتقام منهم"اه. ٣-حمل الرؤية على المجاز بمعنى: إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر [١٦٦] أو بعبارة الزمخشري [١٦٧] : "..رأتهم.. من قولهم: "دورهم تتراءى وتتناظر، ومن قوله ﷺ : "لا تتراءى نارهما" [١٦٨] ، كأن بعضها يرى بعضا على سبيل المجاز، والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر"اه. رد ابن المنير على الزمخشري:

стр. 10466

وجرى ابن المنير على محمود عادته في الرد على الزمخشري فقال [١٦٩] : "لا حاجة إلى حمله على المجاز، فإن رؤية جهنم جائزة، وقدرة الله تعالى صالحة [١٧٠] ، وقد تظافرت الظواهر على وقوع هذا الجائز، وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكا حسيا وعقليا، ألا ترى إلى قوله: ﴿سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظاً﴾ ؟ وإلى محاجتها مع الجنة، وإلى قولها: ﴿هَل مِنْ مَزِيدٍ﴾ ، وإلى اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسي؟ ، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل إلى تأويلها؛ إذ لا محوج إليه، ولو فتح باب التأويل والمجاز في أحوال المعاد، لتطوَّح الذي يسلك ذلك إلى وادي الضلالة والتحيز إلى فرق الفلاسفة [١٧١] ، فالحق أنا متعبدون بالظاهر ما لم يمنع مانع، والله أعلم". كيفية اطلاع النار على الأفئدة: ومما هو متعلق بما سبق وموصول به قول الله جل ذكره: ﴿نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ﴾ (٦، ٧: الهمزة) . وحول (اطلاع النار على الأفئدة) كانت تأويلات المفسرين كما يلي: ١- الاطلاع بمعنى البلوغ، قال الطبري [١٧٢] : "أي التي يطلع ألمها ووهجها القلوب، والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى، حكى عن العرب سماعا: (متى طلعت أرضنا) و (طلعت أرضي) أي بلغتها"اه. ومن هذا المعنى ما ذكره القرطبي [١٧٣] : "عن خالد بن أبي عمران عن النبي ﷺ : "إن النار تأكل أهلها، حتى إذا طلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا صدروا تعود، فذلك قوله تعالى": ﴿نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ التِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ﴾ . وخص الأفئدة لأن الألم إذا صدر إلى الفؤاد مات صاحبه، أي أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ (١٣: الأعلى) فهم إذا أحياء في معنى الأموات"اه.

стр. 10467

٢- ومما يقرب من سابقه تفسير الاطلاع بما قاله الألوسي [١٧٤] : "أي تعلو أوساط القلوب وتغشاها، وتخصيصها بالذكر، لما أن الفؤاد ألطف ما في الجسد وأشده تألما بأدنى أذى يمسه، فهو أنسب بما تقدم من جميع أجزاء الجسد". ٣- أن المقصود بالاطلاع: العلم، قال الزمخشري [١٧٥] : "ومعنى اطلاع النار عليها أنها تعلوها وتغلبها وتشتمل عليها أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها"اه. وقد بسط هذا الرأي الأخير للزمخشري الألوسي [١٧٦] حين قال: "..أو أن يراد الاطلاع العلمي - والكلام على سبيل المجاز - وذلك أنه لما كان لكل من المعذبين، عذاب من النار على قدر ذنبه المتولد من صفات قلبه، قيل إنها تطالع الأفئدة التي هي معادن الذنوب، فتعلم ما فيها فتجازى كلا بحسب ما فيه من الصفة المقتضية للعذاب". ٤- وجمع الشيخ محمد عبده [١٧٧] بين قولي الزمخشري آنفي الذكر فقال: "ولا يخفى عليك أن الفؤاد إنما يطلق على القلب، إذا لوحظ أنه بمعنى موضع الوجدان والشعور، فكأنه قال: التي تعلو مشاعرهم، ومداركهم، ومواطن الوجدان من نفوسهم، أي أن سلطان هذه النار على قوى الوجدان والشعور التي هي مواطن النيات والمقاصد، ومساكن الفضائل والرذائل، وقد قيل: إن معنى الاطلاع هنا المعرفة والعلم، أي أن هذه النار تعرف ما في الأفئدة؛ فتأخذ من تعرفهم أهلا لها، من أهل الوجدان الخبيث. والنار التي تعرف [١٧٨] من يستحق العذاب بها لا تكون من النيران المعروفة لنا في الدنيا، بالضرورة، وعلى كل لا يخلو الكلام - على هذا التأويل الثاني - من التمثيل والتجوز". ٥- وأما القائلون بالتفسير الإشاري [١٧٩] فكان رأيهم الذي ذكره عنهم الألوسي [١٨٠] هو "إن ما ذكر إشارة إلى العذاب الروحاني الذي هو أشد العذاب".

стр. 10468

ولم يبين لنا أصحاب التفسير الإشاري الفرق بين العذاب الجسماني والعذاب الروحاني!! ولم يبينوا الصلة بين ألفاظ الآية الكريمة وبين هذا العذاب.. هذا مع إيماننا بأن الله سبحانه يجمع على المجرمين أنواعا من العذاب، كما هو مفصل في آي القرآن الكريم. وفي نهاية المطاف: يتبين للقارئ المسلم أن كثيرا من التأويلات كانت ضدا عن الحق الواضح المشرق، وصرفا عن الصراط المستقيم إلى متاهات من الظن، وإلى أودية من الخيال والوهم.. ثم هي هجمات على الغيب المستور بشطحات العقول، وتقول على الله بغير العلم. والطريقة المثلى هي أن ننقاد لنور القرآن، وأن نعرض عن شطحات الذين يتبعون أهواءهم، وأن نطلب الحق والميزان من سنة خير الأنام صلوات الله وسلامه عليه. آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. -------------------------------------------------------------------------------- [١] انظر معجم مقاييس اللغة لأحمد بن فارس ج ٤ ص ٤٠٣ ببعض تصرف. [٢] قارن وجوه الاشتباه والافتراق بين هذا التعريف وبين ما أورده علي بن محمد الجرجاني في التعريفات ص ١٩٥ ط: الحلبي القاهرة. [٣] انظر كتاب البدء والتاريخ ج ٣ ص ١١٠ يقع في ستة أجزاء، ويحوي الكثير من أخبار الفرق وتاريخ الحياة العقلية في الإسلام، وقد انتفع به الدكتور أحمد أمين في كتابه (ظهر الإسلام) / وكان عمدة المستشرق آدم متز في كتابه (الحضارة الإسلامية) ، وينسب بعض الباحثين هذا الكتاب إلى أبي زيد البلخي، لكن المحققون ينسبونه إلى المطهر بن طاهر المقدسي. [٤] انظر البدء ج ٣ ص ١٧. [٥] انظر البدء ج ٣ ص ٢٢. [٦] نفس المصدر والصفحة. [٧] انظر البدء والتاريخ ج ٣ ص ٤٢. [٨] الشرب بكسر الشين: النصيب من الشراب.

стр. 10469

[٩] كانت الناقة آية من الله سبحانه، ومعجزة لصالح ﵇، والمعجزة أمر خارق للعادات لكن الفكر المتشيع للمادية لا يؤمن إلا بما عاينه ولامسه؛ لأن عيونهم كليلة، وفي القلوب أمراضها. [١٠] انظر مفاتح الغيب للفخر الرازي ح ٢٤ ص ١٩٠- ١٩١ ط دار المصحف. [١١] صاحب هذا التأويل هو الأستاذ أحمد زكي صاحب الخزانة الزكية التي كانت تحوي الكثير من المخطوطات، وقد نشر هذا الرأي في جريدة الأهرام الصادرة في ١٦ أغسطس ١٩٣٣م. [١٢] انظر قصص الأنبياء للشيخ عبد الوهاب النجار ص ٣٣٦ ط: ٣. [١٣] انظر (الحيوان) للجاحظ ج٤ ص ٥- ٤ طبعة الكتاب العربي بيروت بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون. [١٤] أثبتت عينه: أي عرفت ذاته. [١٥] النقل عن كتاب (الحيوان) كما سبقت الإشارة بإيجاز وتصرف، وقد أجاد وأفاد.. وله في غير هذا كبوات.. والحق هو الميزان. [١٦] خالف الجاحظ (النظام) في مسائل، وضلله فيها، وليس هنا مجال تفصيلها. [١٧] نقلا عن كتاب (الله والعلم الحديث) ص ١٠٠ ط: ٣ لعبد الرزاق نوفل. [١٨] انظر تفسير الطبري: جامع البيان ج ٢ ص ١٧٣ط: المعارف المحققة. [١٩] انظر تفسير الطبري جامع البيان ج ٢ ص ١٧٣ ط المعرف المحققة. [٢٠] انظر جامع البيان ج ٢ ص ١٧٣. [٢١] انظر الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ج ١ ص ٢١٩ ط الحلبي. [٢٢] هذا الوجه في تفسير ﴿لما بيد يديها﴾ بعيد، ولا دليل عليه. [٢٣] وهذا وما بعده هو الأولى. [٢٤] انظر كتاب الحيوان لأبي عثمان بن بحر الجاحظ ج ٤ ص ٥٠، وكتاب الحيوان موسوعة كبرى نشرها الأستاذ عبد السلام محمد هارون محققة في سبعة أجزاء كبيرة ط الحلبي القاهرة. [٢٥] انظر الصفحات ٥١، ٥٦، ٦٠، ٦١، من الجزء الرابع من الحيوان، والنقل ببعض تصرف. [٢٦] انظر الحيوان ج ٤ ص ٧٠.

стр. 10470

[٢٧] انظر التفسير الكبير (مفاتح الغيب) للفخر الرازي ج ٣ ص ١١٠ وما بعدها ط دار الكتب العلمية طهران. [٢٨] هذا بالأصل ولو قال: (صارت قرودا) لكان هذا ما يدل عليه السياق، لكن لعله راعى المقابلة بين (إنسانا) و (قردا) . [٢٩] ذكرنا الرد عقب الإشكال مخالفين ترتيب الرازي لأن هذا - في نظرنا - هو الأولى. [٣٠] انظر المختار مادة مسخ ص ٦٢٤. [٣١] يشير الرازي إلى ما ورد في وصف جبريل ﵇ في حديث بدء الوحي في الصحيحين بأنه (ساد عظم خلقه ما بين السماء والأرض..) ومع ذلك فقد يدخل حجرة الرسول ﷺ حال الوحي.. لكن مع التبدل من حالة إلى حالة، والتشبيه مع الفارق. وانظر في تفصيل أحوال الوحي والملك بحثنا (القرآن الكريم من قضايا الوحي والتنزيل) ص ٤٩. [٣٢] انظر تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٠٥- ١٠٧. [٣٣] انظر محاسن التأويل لمحمد جمال الدين القاسمي ج ٢ ص ١٥٠- ١٥١. [٣٤] انظر تفسير المنار ج ١ ص ٣٤٤- ٣٤٥. [٣٥] انظر تفسير المنار ج ٩ ص ٣٧٩- ٣٨٠. [٣٦] انظر المصحف الميسر في تفسير آيات البقرة والأعراف حول المسخ. [٣٧] رجعنا في تفسير الآية إلى تفسير الطبري ج ٨ ص ٤٤٠- ٤٤٨ ط المعارف المحققة، ابن كثير ج ١ ص ٥٠٧، ٥٠٨ ط الحلبي، والكشاف للزمخشري ج ١ ص ٤٠٦ ط الحلبي، ومحاسن التأويل للقاسمي ج ٥ ص ١٢٨٢ – ١٢٨٦، وتفسير المنار ج ٥ ص ١١٧- ١١٨، وإلى معاجم ألفاظ القرآن الكريم وبعض المعاجم اللغوية. [٣٨] انظر الطبري ج ٨ ص ٤٤٣. [٣٩] والمقصود بالوجوه على هذا التأويل أماكن الإقامة. [٤٠] انظر تفسير الطبري ج ٨ ص ٤٤٤. [٤١] هذه العبارة قاعدة جليلة لو اتبعها كثير ممن يصرفون النصوص عن حقائقها، لوفروا على هذه الأمة جهودا ضيعت وأوقاتا بددت، ولكفيت الأمة شر فتن كثيرة. [٤٢] انظر الكشاف ج ١ ص ٤٠١. [٤٣] الطبري ج ٨ ص ٤٤٣.
следующие страницы →