← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.

стр. 10501

٥- أسباب زوال الأمم وزوال الحضارات والمدنيات وهي الظلم والفساد والتجبر والطغيان وغيرها كما في قصص قوم لوط وثمود وإبراهيم وأصحاب مدين وغيرها من الأمم التي ذهبت لتحلل أخلاقها وانحرافها عن جادة الطريق. (٢) الترغيب والترهيب: المثوبة والعقوبة: عواطف البشر نحو الفضيلة والرذيلة مرتبطة بالترغيب والترهيب فتوجيه الإنسان نحو حب الفضيلة لأن الفضيلة خير تتحقق به سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة والرذيلة شر يؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة والمثوبة والعقوبة وسيلتان للترغيب والترهيب. فإذا اختزن فعل الفضيلة في ذهن الطفل بالمثوبة وإدخال الفرح والسرور في نفسه مادياً أو معنوياً نشأ على حب الفضيلة كما أن ارتباط الرذيلة بالعقوبة والحرمان والتأنيب وعدم الرضا ينشئه على كراهية الرذيلة، ولذلك يرى علماء النفس أن توفر عامل الجزاء مهم لأن الإنسان لا يكرر الاستجابات التي لا تؤدي إلى نوع من الترضية أو الجزاء أو الإشباع وكلما كان الجزاء واضحاً دفع الإنسان إلى الحركة والنشاط وإشباع الدافع.

стр. 10502

ومن أسلوب الثواب والعقاب يقول الغزالي: "إذا ظهر من الصبي خلق جميل، وفعل محمود فإنه ينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه مما يفرح به ويمدح أمام الناس لتشجيعه على الأخلاق الكريمة والأفعال الحميدة، وإذا حدث منه ما يخالف ذلك، وستره الصبي واجتهد في إخفاءه، تغافل عنه المربي وتظاهر بأنه لا يعرف شيئاً عما فعل حتى لا يخجله، فإن عاد ثانية إلى الخطأ عوقب سراً وبين له نتيجة خطئه، وأرشد إلى الصواب وحذر من العودة إلى مثل هذا الخطأ، خوفاً من أن يفتضح أمره بين الناس" [٩] . فالغزالي يسبق علماء النفس التربويين في أنه لا بد من التدرج في الجزاء وأن هناك جزاءً ثانوياً يتمثل في التشجيع والمكافأة والعتاب والتحذير والإرشاد باللين إلى الخطأ- هذا الجزاء له أثره الكبير في التربية والتعليم ولا يترك آثاراً سلبية كما في الجزاء الأولي، وفي تأييد هذه النظرية المثوبة والعقوبة يقول ابن سينا: "إنه من الضروري البدء بتهذيب الطفل، وتعويده ممدوح الخصال منذ الفطام، قبل أن ترسخ فيه العادات المذمومة التي يصعب إزالتها إذا ما تمكنت في نفس الطفل أما إذا اقتضت الضرورة الالتجاء إلى العقاب فإنه ينبغي مراعاة منتهى الحيطة والحذر فلا يؤخذ الوليد أولاً بالعنف وإنما بالتلطف ثم تمزج الرغبة بالرهبة والمثوبة والعقوبة والنصح والتهديد ولأنها وسيلة أقرب إلى عقلية الصغار وتجاربهم وخبراتهم المحدودة ولذلك استعملها لقمان مع ابنه كما حكى القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً

стр. 10503

وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان/ ١٢، ١٣) . والموعظة للكبار أيضاً في مناسبات يحتاجون إليها خاصة إذا كان الأمر متعلقاً يالعقيدة ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ/٤٥) . وقد يعتاد الكبار على الموعظة المباشرة فيملونها ولا يستمعون إليها أو لا تترك الأثر العاطفي عندهم وقد ذكر أصحاب رسول الله ﷺ أنه كان يتخولهم بالموعظة أي يعظهم فترة بعد أخرى، ولذلك استعمل القرآن أساليب كثيرة متعددة للوعظ، فالقرآن كله هدى وموعظة للناس ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران/١٣٨) ، والموعظة وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة﴾ (النحل/١٢٥) . ولا يستفيد بالموعظة إلا المؤمن الكامل الإيمان ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر﴾ (الطلاق/٢) . وقد تميز أسلوب القرآن في المواعظ بعدة أساليب منها:

стр. 10504

١- النداء الإقناعي مصحوباً بالاستعطاف والاستنكار [١٠] مثل ﴿يَا بُنَيَّ﴾ ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيّ﴾ ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ . ٢- الأسلوب القصصي مصحوباً بالعبرة والموعظة كما في قصص الأنبياء وغيرها من قصص القرى والأمم. ٣- التوجيه القرآني مصحوباً بالوصايا والمواعظ والأوامر والتوجيهات والنواهي وغيرها مما هو كثير في القرآن والموعظة كما يقول الأستاذ محمد قطب درجات تتفاوت بدرجات الناس فهناك من تنفع معه الإشارة البعيدة ومن لا يصلح معه إلا الغضب والتهديد ومن يكفيه التهديد -بالعذاب [١١] . رابعاً: الوسائل العقلية: لم تعتمد التربية في الإسلام على الوسائل العاطفية أو الوجدانية أو الاجتماعية وإنما اعتمدت على الوسائل العقلية باعتبار العقل من النعم التي أنعم الله بها على الإنسان وميزه به عن الحيوان ويمكننا أن نلمح هذه الوسائل في جوانب كثيرة منها: ١- التربية الفكرية:

стр. 10505

والتربية الفكرية تهدف إلى إخضاع العقل للتدريب والتمرين حتى يقوي فيه ملكة التمييز بين الحق والباطل والهدى والضلال والرؤية الصادقة والبصيرة النافذة ويمكن تدريب العقل بتقديم الحقائق العلمية على أساس أهميتها في الحياة وتقييمها للسلوك واستعمالها في طريق الخير والتفاعل معها بحيث تكون جزءا من حياة الشخص ثم تجربة تلك الحقائق مع واقع الحياة ليرى مدى فائدة الحقائق العلمية إذا ما استعملت في حياة الإنسان وأهمية التربية الفكرية أنها تزيد من قدرات الفرد على الإدراك والتكيف وتقبل الحقائق والقيام بالواجبات كما أنها تهيأ مجالاً لنمو الذكاء وارتفاع معدلاته بحيث أن الشخص الذكي يكون أقل عرضة للمشكلات التي تدفع إلى الانحراف أو الجريمة؛ لأن قوة عقله ينبهه إلى الطريق القويمة والنتائج المترتبة على الانحراف السلوكي وعن طريق التربية الفكرية تحصل القناعة التي تجعل الفرد متمسكاً بالخير لأنه خير مبتعداً عن الشر لأنه شر وأنه لا تعارض بين ما يقرره المنطق والعقل وما يطالب به المرء دينياً من الالتزام بسلوك أخلاقي ثابت ومعروف في حياته. ٢- تكوين البصيرة:

стр. 10506

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران/١٦٤) والعلاقة وثيقة بين الحكمة والبصيرة فكلاهما من أعمال القلب والعقل وقد وصف الله الإنسان بأنه على نفسه بصيرة والبصيرة هي القدرة إلى النفاذ إلى الأشياء ومعرفتها وحسن تقديرها والقدرة على التصرف فيها ولما بين البصيرة والحكمة من علاقة قوية دعا الله سبحانه إلى اتخاذهما وسيلتين في الدعوة إليه فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل/١٢٥) كما قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف/١٠٨) . ومن هنا فإن تكوين البصيرة في القلب المؤمن غاية من غايات التربية ووسيلة من وسائلها أيضاً ولذلك يقول الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام/١٠٤) ، والبصيرة والحكمة بمعنى التمييز بين الحق والباطل والصواب والخطأ عن طريق الإحساس الداخلي أو الوجدان من هبات الله على الناس، فالله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ (البقرة/٢٦٩) ؛ لأن الحكمة: "هي نفاذ البصيرة إلى سنن الحوادث ومجريات الأمور، وإتقان العمل والتصريف، دون صدام مع قوانين الظواهر في ضوء ظروف العصر الذي تواكبه لدى الفقيه القدرة على استنباط التشريعات والأحكام اللازمة في ميادين الحياة المختلفة حسب الظروف والأحوال، وهي لدى القائد فهم معنى الجهاد والوقوف على منطلقاته وأهدافه وتنظيماته وحسن

стр. 10507

التعامل بذلك كله حسب المواقف والمتطلبات، وهي لدى المربي المسلم فهم مبادئ التربية وأهدافها ومناهجها وأساليبها وإتقان التعامل بذلك. وهي لدى الإداري حسن تصريف الأمور. وهي لدى القيادة السياسية حسن التخطيط والتنفيذ في الداخل والخارج- وهي لدى الأمة إدراك معنى وجودها وإجادة تنظيم هذا الوجود ووضعه برمته ومقدراته في خدمة الرسالة الإسلامية وبالتالي فالحكمة هي فهم كل فرد أو جماعة في الأمة لدوره وإتقان أداء هذا الدور طبقا لمقاييس الإسلام ومنطلقاته" [١٢] . ودور التربية أنها هي التي تبصر بالحقائق المتعلقة بوجودها ورسالتهم وهي التي تربي فيهم البصيرة والحكمة وتدعوهم بهما: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (الصافات/٦) وإذا كان البصر مجاله الإدراك- المادي للأشياء فإن البصيرة تمثل الإدراك القلبي للأشياء: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (النحل/٤٦) .

стр. 10508

وذلك لأن البخل وعدم الإنفاق من طبائع النفوس كما أن الغضب وحب الانتقام كذلك، ولذلك جعل الرسول القوي من الرجال الذي يملك نفسه عند الغضب والأحاديث كثيرة في فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكل والمشرب وغيرها وكلها تؤدي إلى تقوية الإرادة في جانب التغلب على شهوات البطن والفرج فالرسول ﵊ وآله لم يشبعوا من خبز شعير يومين متتابعين حتى مات كما روت عائشة. ولأن الإنفاق عامل من عوامل تقوية الإرادة وعقاب النفس قرر الإسلام الزكاة في مقادير معلومة من المال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة/١٠٣) ، وجعل المال كفارة لكثير من- الكفارات كما حث على الإنفاق تفضلاً وتدريباً للإرادة المتغلبة على غرائز النفس حباً للخير، ومحاربة للرذائل وإيثاراً للغير على النفس لأن تكاليف الإسلام كلها لا يقوم بها إلا شخص قويت إرادته وعزيمته بحيث يبدأ من التكاليف التي تحتاج إلى جهد بسيط لتتدرج في الوصول إلى التكاليف التي تحتاج إلى تضحية بالنفس والمال والحياة كلها في سبيل الله. ٣- الصبر:

стр. 10509

الصبر وسيلة كبرى من وسائل تربية الإرادة وتقويتها وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في ذلك منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران٢٠٠) ، وعن الآية يقول الحسن البصري "أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم"، وهذا من الصبر على الطاعات وعلى الصلاة، والتكاليف كما أن الصبر يكون على البلاء [١٣] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة/١٥٥) ، و ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر/١٠) ، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (محمد/٣١) ، والرسول ﵊ يقول: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" [١٤] ، والصبر من أنواع البر التي ذكرها الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البقرة/٧٧) ولأن الصبر يقوي الإرادة. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (الشورى/٤٣) ، والله مع الصابرين: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة/١٥٣) ، والصدقة برهان والصبر ضياء ولا يكون الصبر إلا بمجاهدة النفس وأخذها على التحمل وطلب العون عليه من الله لأن: "من يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر" كما يقول الرسول ﵊.

стр. 10510

وتارة يستخدم العبوس، أو ما يستدعيه التأنيب، وتارة يكون المديح والتشجيع أجدى من التأنيب، وذلك وفق كل حالة خاصة، ولكن إذا أصبح من الضروري الالتجاء إلى الضرب، ينبغي ألا يتردد المربي على أن تكون الضربات الأولى موجعة فإن الصبي يعد الضربات كلها هينة، وينظر إلى العقاب نظرة استخفاف، ولكن الالتجاء إلى الضرب لا يكون إلا بعد التهديد والوعيد، وتوسط الشفعاء لأحداث الأثر المطلوب في نفس الطفل [١٥] . فالمثوبة والعقوبة وسيلتان ناجحتان في تكوين عاطفة الرغبة والرهبة إزاء الفضائل والرذائل سواء أكانت المثوبة والعقوبة ماديتين أو أدبيتين كما أن الترغيب والترهيب وسيلتان تربويتان تدفعان الفرد إلى أنماط من السلوك اعتمد عليها القرآن والسنة في دفع الناس إلى تطبيق كثير من التعاليم الإسلامية. ولذلك دعا الإسلام إلى تخير الصحبة والإكثار من ذكر الله والعبادات بأنواعها لما لها من نتائج ترغب في ممارستها وحذر من المعصية والبعد عن الله لما لها من نتائج ترهب الممارس لها، والترغيب والترهيب من المراحل الأولية في تزكية النفس وتهذيبها إذ الخوف من المعصية بما يترتب عليها من عذاب وعقاب من الله تكون البداية ثم تتعود النفس عن طريق الممارسة حتى تصل إلى درجة الابتعاد من المعصية لقبحها كما أن حب الفضيلة والاستقامة والطاعة تكون لما يترتب عليها من جزاء حسن ومثوبة عند الله تعالى حتى يصل المرء إلى درجة الإحسان وحب الفضائل لذاتها ومثل هذا يصل إلى درجة من يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ٤- الموعظة الحسنة:

стр. 10511

للموعظة الحسنة تأثير عاطفي كبير في الإنسان لما لها من نفاذ إلى القلوب واصغاء من الوجدان وسيطرة على المشاعر خاصة إذ كانت في بيئة صالحة وقدوة محترمة معايشة، ولما للموعظة من أثر فإن القرآن اتخذها أسلوباً في مخاطبة الكبار والصغار، أما الصغار فلأن الموعظة تجد عندهم انتباهاً وتركيزاً واهتماماً خاصةً إذا ربطت بالترغيب والترهيب ويمكن للمعلمين أن يكونوا البصائر بما وجه إليه القرآن من التعود على التأمل والتفكير والتدبر والتعقل في آيات الله حتى يكون التمسك بالمبادئ والتعاليم التي فيها عن اقتناع ومعرفة تؤديان إلى اطمئنان القلوب وخوفها وخشوع الجوارح وانقيادها، والآيات التي تحض على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج/٤٦) ، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ (آل عمران/١٩١،١٩٠) ، والقلوب التي لا تعرف الحق بالتأمل والتدبر هي التي لا تعقل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد/٢٤) .

стр. 10512

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (ص/٢٩) أما الذين لا يتدبرون ولا يتأملون وينصرفون عن وسائل الحق فهم كما حكى الله عنهم: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ (الأنعام/٢٥) وعدم التعقل والتدبر والاستماع إلى الحق يؤدي بالمشركين إلى النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك/١٠) ، أما الذين يترفعون عن فهم آيات الله وينصرفون عن الحق ويكذبون فإن الله أيضا صارفهم عن الحق: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف/١٤٦) ، وبتكون البصيرة والحكمة في الإنسان يتعرف على الحق الذي أوجد الله سبحانه به الوجود وخلق به السموات والأرض لأن معرفة الحق هي التي تدفع إلى التمسك به وبناء الحياة عليه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِ﴾ (الحجر/٨٥) ، والآيات بهذا المعنى والتعبير في القرآن كثيرة وعلى معرفة الحق تترتب نتائج معرفة خلق الإنسان والوجود والمصير لقيام ذلك كله على الحق الذي نزل يه القرآن: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء/١٠٥) ، وكما أن البصائر نتائج للتفكير في عواقب الأفعال من المعاصي وما يترتب على الرذائل من هلاك للأفراد والأمم والحضارات فالله يخبرنا بأن المعاصي هي التي تسببت في ضياع أمم وحضارات سابقة فيقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا

стр. 10513

مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (الأنعام/٦) ، ويقول: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (يونس/١٣) ، كما أن المقارنة الدائمة بين الخير والشر والخبيث والطيب والصواب والخطأ يساعد على تكوين البصيرة في الإنسان ولذلك نجد القرآن يكثر من المقارنات: يبين المواقف والأشياء، ويدعو القرآن أيضاً إلى استعمال العقل في قياس الأمور لأن ذلك من دلائل البصيرة، وقد تميز أصحاب رسول الله ﷺ بهذه الصفة التي رباهم عليها مما جعل القياس عند المسلمين مصدراً من مصادر الشريعة بعد القرآن والسنة والإجماع ولولا أن الرسول ﷺ مارس ذلك مع أصحابه فيما عهد إليهم من مهام ولا يجدون فيها نصاً من كتاب الله لما كان للقياس تلك الأهمية مثل ما فعل سيدنا عمر في حد شارب الخمر عندما استشار فأفتاه سيدنا علي بالجلد ثمانين جلدة قياساً على حد القاذف لأنه إذا شرب سكر فهذي فافترى وحد المفتري القاذف ثمانون جلدة ومثل هذا كثير عند أصحاب رسول الله ﷺ لما تميزوا به من نفاذ البصيرة والحكمة. والتعود على الحقائق وممارستها من عوامل تكوين البصائر لأن الحقيقة تدل على جانب الخير في الفعل وجانب الشر فيه فيكون القرب والبعد مبنيان على معرفة حقيقة الخير وفائدته سوء الشر وضرره ولا يستوي العالم والجاهل.

стр. 10514

إن المربي يستطيع بإخلاصه وإدراكه للوسائل المتعددة لتكوين البصيرة والحكمة وممارسته لهما أن يساعد على بناء جيل راجح العقل حكيم متبصر متفتح يزن الأمور بميزان العقل والبصيرة لهم قلوب يعقلون بها وآذان يسمعون بها وأبصار ينظرون بها وبصائر يعرفون بها لأن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا. ٥- تكوين الإرادة: الإرادة قوة من القوى المحركة للإنسان مرتبطة بالتصميم والعزم على فعل الشيء فعنها تصدر الأعمال الإرادية للإنسان، ويرى البعض أن الإرادة ميل النفس إلى شيء ما وحملها على فعله ولكن الفرق واضح بين الميل والإرادة لأنه قد يوجد الميل ولا توجد الإرادة، والإرادة تشمل الميل والشعور والعزم ثم العمل، والإرادة هي القوى المحركة لملكات الإنسان والدافعة لها إلى العمل وللإرادة نوعان من العمل، فقد تكون دافعة للعمل وقد تكون مانعة تمنع الإنسان من القول والفعل وأعمال الخير والشر في الإنسان منبعها إرادته ولارتباط الإرادة بالخلق: "عرف بعضهم الخلق بأنه "عادة إرادة"يعني أن الإرادة إذا اعتادت شيئا فعادتها هي المسماة بالخلق فإذا اعتادت الإرادة العزم على الإعطاء سميت عادة إرادة هذه خلق الكرم وقريب من هذا التعريف قول بعضهم هو تغلب ميل من الميول على الإنسان باستمرار" [١٦] . والإرادة لها صلة قوية بالميول والبواعث والغايات والرغبات لأنها دوافع إلى العمل ولأنها تجتمع مع الإرادة في جانب وتختلف في أخرى وقد ربطت التربية الإسلامية بين النية والإرادة باعتبارها العزم على فعل الشيء والقصد التصميم القلبي عليه ولذلك يقول الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" [١٧] .

стр. 10515

والإرادة لابد أن تكون قوية دائمة بحيث تنفذ الأشياء التي يريدها مهما كلفها ذلك من متاعب ومشاق ومهما وضعت أمامها العقبات والصعوبات ومثل هذه الإرادة لا تقوى إلا إذا اعتمدت على عقيدة راسخة ثابتة لأن الإرادة المبنية على العقيدة السليمة هي القوى المحركة للسلوك الناتج عنها كما أن التدريب على الفضائل ومعرفة قيمتها وممارستها وترك الرذائل ونبذها من مقويات الإرادة، قد تضعف الإرادة أمام الشهوات وأهواء النفس والمغريات تفقد قوة الصمود أمامها تستسلم فتقع في المحظور وقد تكون الإرادة قوية ولكنها مريضة أيضا لأن قوتها في الجانب السلبي جانب الشر، وتوجيه هذه القوى والطاقة في الإجرام والانحراف والشذوذ. وسائل تكوين الإرادة الخيرة وتقويتها: ١- المران على فعل الخير وإلزام النفس بالأعمال التي تتطلب مشقة ومجاهدة للنفس لأن توفيق الله الإنسان مرتبط بتلك المجاهدة فالله سبحانه يقول ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت/٦٩) ، وفي الحديث: "حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره" ورواية مسلم (حفت) بدل (حجبت) أي بينه وبينها هذا الحجاب فإذا فعله دخلها" [١٨] . ومن المران الواجب لتقوية الإرادة صوم رمضان كما أن الرسول ﷺ حث الناس على الصوم تطوعا ودعا الشباب إلى الصوم في سبيل التغلب على قوة الطاقة الجنسية، ولأن الإسراف في هذه الوسيلة قد يؤدي إلى نتائج عكسية فإن الرسول ﷺ منع مواصلة الصوم ونهى عن التبتل ودعا إلى بذل الجهد على قدر الطاقة.

стр. 10516

٢- المران على التغلب على الغرائز الفطرية في الإنسان وإخضاعها لقيود الدين والعقل والأخلاق والقواعد الصحية التي تكون المصلحة في إشباعها وإعطاء الجسم حقه بالطرق المشروعة وعدم ترك النفس على هواها والله يقول: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران/١٣٤) . -------------------------------------------------------------------------------- [١] تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٥١، الإسراء ٥٧. [٢] رواه البخاري- رياض الصالحين ص ١٨٦. [٣] رواه بخاري ومسلم. [٤] الابراشي التربية الإسلامية ص ٢٣٠. [٥] رواه الترمذي. [٦] الإحياء ج ٣ ص ٧٣. [٧] د. مصطفى فهمي –الحصة النفسية ص ٣٤٨. [٨] محمد قطب منهج التربية الإسلامية ص ٢٢٩. [٩] الإحياء ج ٣/٦٣. [١٠] يراجع كتاب عبد الله علوان: تربية الأولاد في الإسلام ص ٧٣ وما بعدها. [١١] يراجع محمد قطب -منهج التربية الإسلامية ص ٢٣٦. [١٢] ماجد الكيلاني النظرية التربوية الإسلامية ص ٥١. [١٣] ابن كثير ج ١ ص ٤٤٤. [١٤] رواه مسلم. [١٥] نقلا عن الأبراشي التربية الإسلامية ص ٢٣٣. [١٦] أحمد أمين كتاب الأخلاق ص ٦٣. [١٧] رواه البخاري ومسلم. [١٨] متفق عليه رياض الصالحين ص ٦١.

стр. 10517

أساليب الدعوة إلى الله تعالى - القرآن الكريم لفضيلة الدكتور: أبو المجد سيد نوفل أستاذ بالدراسات العليا بالجامعة (الحلقة الأولى) مقدمة: لكل دعوة جانبان، جانب المعاني والمضامين، وهو الذي يشمل قضايا الدعوة ومبادئها وأهدافها.. وجانب الأساليب والعبارات، وهو الذي تصاغ فيه هذه المعاني ... ولكل من الجانبين خصائصه التي تميزه عن الآخر. فمن خصائص الدعوة الإسلامية مثلاً صدقها، وشمولها، وحيويتها ... ومن خصائص أساليبها، الوضوح والبيان، والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.... ولقد عني العلماء بدراسة أساليب الدعوة، ومن هذه الدراسة تقسيمهم هذه الأساليب إلى خبرية، وإنشائية، وجدلية، وبراهينية، وقصصية.. إلى آخر هذه التقسيمات التي حفلت بها كتبهم قديماً وحديثاً. وهي تقسيمات تدور حول الألفاظ، والجمل، والتراكيب اللغوية والأدبية. ونستطيع هنا أن نضيف تقسيماً آخر لهذه الأساليب، وهو يدور حول المعنى والمضمون الديني فإذا اشتمل الأسلوب على معنى من معاني الإيمان مثلاً فهو أسلوب إيماني، وإذا دار حول معنى عبادة من العبادات يبين أمرها، وحكمها.. فهو أسلوب عبادي. وإذا اشتمل على أحكام تشريعية أو خلقية، أو جهادية.. فهو أسلوب تشريعي، أو خلقي أو جهادي ... وهكذا تظهر لنا أساليب عقائدية، وعبادية، وتشريعية في حقل الدعوة وأساليبها. على أن كلاً من هذه الأساليب سيظهر في صور متعددة، وفنون مختلفة، كفنون القصة والمثل، والمجادلة وما إليها من الأساليب التي أشرنا إليها قبلاً. وفي هذا النهج محاولة لضبط أساليبها، وتوضيح معانيها وتكاملها. ٢- ما هو أسلوب الدعوة؟ والمراد بأسلوب الدعوة هنا ما بلغت به أوامر الله تعالى وإرشاداته إلى المدعوين وهو لا يخرج عما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

стр. 10518

وهو يجمع على "أساليب"وهو الطريق، والوجه، والمذهب، ... وهو الفن: يقال: أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه [١] . وله تعاريف منها: أنه كلمات مناسبة في مواضع مناسبة. أو هو الفن البياني الذي غايته قوة الأداء مع الصحة، وسمو التعبير مع الدقة وإبداع الصورة وجمالها [٢] . ومنها: أنه الكلام الحسن الذي يصفه بعض علماء البيان بقوله: "يحسن بسلامته وسهولته وفصاحته، وتخير لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه واستواء تقاسيمه وتعادل أطرافه، وتشبه أعجازه بهوادبه، وموافقة مآخيره لمباديه ... " [٣] . هذه هي صفات الكلام الحسن. أما الكلام الأحسن فهو كلام الله نعالى الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (الزمر آية ٢٣) . ولقد أخذت هذه الأساليب بنفوس الكفرة، وهم أرباب القول، وفحول البيان، فأعجبوا بها، وافتتنوا بجمالها، وشهدوا لها رغم عداوتهم للإسلام وبقائهم على الشرك. روي أن الوليد قال لبني مخزوم: "والله لقد سمعت من محمد ﷺ آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو وما يعلى" [٤] . ٣- خصائص هذه الأساليب: وأساليب الدعوة جزء من الدعوة، والدعوة هي القرآن الكريم. ومن هنا فهي متعبد بتلاوتها والتدبر فيها: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ... ﴾ (محمد آية ٢٤) .

стр. 10519

- وقد تعهد الله تعالى بحفظها، وجمعها، وبيانها: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة آية ١٦-١٩) . - وما دامت من عند الله تعالى فليس فيها تبديل ولا تحريف، وليس لأجد ولو كان الرسول ﷺ نفسه أن يغير فيها أو يبدل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة آية ١٦-١٩) . - وهي من عند الله تعالى بلفظها ومعناها باللغة العربية: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء آية ١٩٢-١٩٥) . ولقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يتحدى أمة البيان والبلاغة والإنس والجن أن يأتوا بمثل القرآن فعجزوا، ثم طلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم طلب منهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فثبت أنه كلام الله لا كلام غيره: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة آية ٢٣-٢٤) .

стр. 10520

ولقد ظلت هذه الأساليب تنزل على رسول الله ﷺ تباعاً، وعلى مدى ثلاثاً وعشرين سنة حتى اكتمل نزول القرآن، وهو الموجود الآن في المصاحف والمحفوظ في الصدور. وهي على هذه الكثرة الكثيرة من السور والآيات البينات [٥] لم يحصل فيها تناقض واحد، ولا غلط واحد.. وظلت كذلك حتى اليوم وبعد أربعة عشر قرناً هي هي سليمة من أي تبديل أو تحريف.. وذلك بعكس أساليب اليهودية والنصرانية [٦] . وأساليب الدعوة في القرآن على تعدد صورها وألوانها ... لم تصطدم مع العلم قديمه وحديثه، العلم الصحيح القائم على المنطق السليم، وأن ما في أحدث نظريات العلم من حقائق عن الكون ومظاهر الحياة المادية والإنسان، والحيوان، والنبات ... لا يتناقض مع ما في القرآن الكريم من أساليب، بل هذه الأساليب. بمعانيها العميقة لا زالت ولن تزال تؤيد العلم في اتجاهاته السليمة، واكتشافاته لمظاهر الكون لمعرفة أسراره، وذلك بعكس الأديان الأخرى التي عاشت في صراع مرير مع العلم حتى الآن [٧] . وهذه الأساليب فضلا عن تأديتها مهام العبادات والتكاليف والأحكام الشرعية ... هي أساليب جمالية ونصوص أدبية امتاعية، تقوم اللسان، وتعلم البيان، وترقق المشاعر.. وكلما قرئت اطمأنت بها النفوس، واقشعرت منها الجلود خشية لله وخضوعا لعظمته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد/٢٨) ، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ... ﴾ (الزمر/٢٣) . ومن مقومات هذه الأساليب أنها قامت على الحق: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ... ﴾ (السجدة/٢) . وعلى الصدق": ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ (النساء/١٢٢) .

стр. 10521

وعلى الوضوح والإبانة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ (النساء/١٧٤) . وعلى اليسر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر/١٧) . وعلى الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ (النحل/١٢٥) . وهي أساليب لا باطل فيها: ﴿ ... لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ... ﴾ (فصلت/٤٢) . ولا كذب: ﴿ ... مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى ... ﴾ (يوسف/١١١) . ولا عسر ولا حرج: ﴿ ... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ... ﴾ (الحج/٧٨) . ولا لغو ولا لهو.. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ... ﴾ (الأنبياء/١٦-١٨) .. ولا خيال، وهو ما يقوم عليه شعر الشعراء، وفن الأدباء، وغيرهما مما يبعد عن الحقيقة ويضرب في أودية الوهم والخرافة.. ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ... ﴾ (الشعراء آية ٢٢٤-٢٢٧) .

стр. 10522

ولن يدخل في هذا الخيال ما اشتملت عليه هذه الأساليب من تشبيهات وتراكيب بلاغية لأن هذه وإن احتوت على ضروب من التصويرات فإنما هي لتقريب المعنى وإبرازه في صورة المحسوس، وكشفه، وتوضيحه وإظهار الحقيقة دون زيادة أو نقصان ودون أي معنى خرافي أو أسطوري. لأن كلام الله متنزه عن ذلك ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الفرقان آية ٥-٦) . وهي أساليب هداية حقيقية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى المثل العليا والحياة الطيبة في أسمى صورها وغاياتها، إنها شفاء للناس، ورحمة للعالمين. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ... ﴾ (الإسراء آية ٩) . ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ..﴾ (الإسراء آية ٨٢) . وليست كأساليب المنافقين، والمبشرين، والمستشرقين.. التي تقدم للناس في صور ظاهرها فيه رحمة وباطنها من قبله العذاب، ظاهرها تعليم، وتطبيب، وبر وإحسان، وباطنها هدم، وكيد، وحرب للإسلام، وليست كأساليب الشيوعية والاستعمار، تنادي بالحريات، وتدافع عن الفقراء وتشيد بالإنسان وتخفي وراءها الدمار والغصب، وسفك الدماء، واحتلال الأوطان، ونهب خيراتها والقضاء على معتقداتها، ومسخ الإنسان آلة لا إرادة لها، وتحقيره، ووأد حريته ... ليعيش عيشة الذل والفقر والهمجية.

стр. 10523

- وأساليب الدعوة الإسلامية أساليب أدب وعفة.. ليس فيها ما يخدش الحياء أو ينافي الفضيلة، أو يساعد على تحريك الغرائز الحيوانية الممقوتة في الإنسان. وإذا تعرضت هذه الأساليب إلى تصوير بعض المواقف التي تلعب فيها الغريزة الحيوانية بعض أدوارها لإظهار الصراع بين الخير والشر للعظة والتبصرة ... فإنها سرعان ما تسد النوافذ التي قد تطل منها تخيلات دنيا، فنراها تنتقل بالنفس على الفور إلى آفاق من السمو والرفعة، وتفتح لها طاقات من النور والروحانية ... يتلاشى معها ما قد يكون علق بالنفس من شوائب تلك التخيلات، ففي قصة يوسف ﵇ هذا الموقف الذي تصوره هذه الآية ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف آية ٢٣) . فهنا تشتمل الآية على عدد من الجمل، نصفها الأول جاء لتصوير موقف امرأة العزيز من يوسف ﵇ حيث تراوده عن نفسها ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ ، وتسد عليه النوافذ كيلا يهرب منها ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ وتأمره صراحة بفعل الحرام ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وذكر هذه الأمور قد يفتح باب النفس البشرية أودية من التصورات مما يتوجب على الأسلوب الحكيم أن يطمس هذه التصورات، ويسد هذه الأودية حتى لا تؤثر في النفس أثرها السيئ. وهذا هو ما صنعه القرآن الكريم حيث سارع بإيراد موقف يوسف بعد إيراده موقف امرأة العزيز بدون فصل، وفي آية واحدة، في هذه الجمل الثلاث التي تحمل معاني الخشية من الله، والأمانة على العرض، والحذر من الهلاك ... وهي قيم رفيعة، ومثل عليا، وروحانية صافية من شأنها أن تنتقل بالنفس من مواقف المادية والجنسية والمراودة.. إلى آفاق الروحية، والطهر والعفة.. واستشعار النفس للإحاطة الإلهية والمراقبة الربانية

стр. 10524

والتخوف من الذي لا يغفل عن ظلم الظالمين ولا ينام عن عقاب المعتدين ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ . وهكذا إذا أراد القرآن معالجة مشكلة من المشاكل المتصلة بالإنسان من حيث جانبه الحيواني نراه يبتعد كل الابتعاد عن الخوض في التصورات الجنسية، والإيحاءات النفسية الشريرة، ويوصد الأبواب في وجه الوسواس الخناس ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (الناس آية ٥) ، وينأى عن العبارات الفاضحة، والألفاظ الخادشة للحياء، والمثيرة للبهيمية في الإنسان ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل آية ٩) . وذلك بعكس أساليب الكتب التي يزعم أصحابها أنها مقدسة، وأنها متصلة بالوحي، إذ أن أساليب هذه الكتب تنطق صراحةً لا ضمناً بألفاظ الفحش، والغزل القبيح، وعبارات الجنس المرذول، وتفتح كل منافذ التصورات الدنيئة والتخيلات السوداء المثيرة للغرائز البهيمية في الإنسان. وأسوق بعض الأمثلة على ذلك وهي قليل من كثير فيما يلي: جاء في سفر "نشيد الأنشاد"لسليمان، والمسجل في العهد القديم، وهو الذي يطلق عليه اليهود والنصارى التوراة ويعدونه كتاباً مقدساً ما يلي: "لقد شبهتك يا حبيبتي بغرس في مركبات فرعون. ما أجمل خديك.. وعنقك""الإصحاح الأول". "حبيبي بين ثديي يبيت.. ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة، عيناك حمامتان""الإصحاح الأول". "كذلك حبيبي، شماله تحت رأسي، ويمينه تعانقني ... " "الإصحاح الثاني". "ها أنت جميلة يا حبيبتي، فمك حلو، خدك كفلقة رمانة ... ""الإصحاح الرابع".

стр. 10525

"صوت حبيبي قارعا افتحي يا أختي يا حبيبتي، يا حمامتي قد خلعت ثوبي كيف ألبسه قد غسلت رجلي فكيف أوسخها.. حبيبي مد يده من الكوة فأنت عليه أحشائي، حبيبي بطنه عاج.. ساقاه عمود رخام.. حلقه حلاوة، وكله مشتهيات..""الإصحاح الخامس". وهكذا. كتاب ديني، مقدس عند اليهود والنصارى، وهو المرجع الأساسي للديانتين معاً، يقوم على أشعار، وإصحاحات، وعبارات.. من هذا النمط الرخيص المتقدم!!! غزل فاضح، وعبارات مستهجنة، وتصورات جنسية سافلة ... !!! فهل بعد هذا يتعجب متعجي من الدعوة اليهودية إلى التحلل، والإباحية، ونشر الدعارة والفسوق، وإذاعة الرذيلة.. في العالم كله.. على يد كتابهم ومؤلفيهم ورؤسائهم وفلاسفتهم.. وعلى يد فرويد.. وغير فرويد!!! ومن تحلل في أوربا وأمريكا، وسائر المجتمعات التي تدين بالمسيحية.. ولا تجد غضاضة في إظهار عورات النساء أمام الأجانب، والعلاقات الحرام بين الأنثى والذكر.. والسقوط الخلقي السافر الذي يسود هذه المجتمعات الآثمة الضالة؟؟؟!!! إن القوم يخلصون لكتابهم، ويحكمون شريعتهم فيما بينهم، وينشرونها على الناس!!!! ولكن: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. إن أساليب الوحي السماوي تفيض حياءً، وأدباً، وعفة.. في ألفاظها، وعباراتها ومعانيها. وهي نور وهداية إلى الخير والفضيلة ... ولا صلة لها البتة بالتغزل في أفواه النساء، وخدودهم وبطونهن، وحلوقهن، وسيقانهن، وشهواتهن ... على الوجه الحرام الذي يخدش الحياء، ويزري بالفضيلة ويهدم البناء الخلقي الصالح إلى آخر ما جاءت به أساليب اليهودية والنصرانية معاً!!! ٤- الأساليب العقائدية ومنهج القرآن في تقريرها:

стр. 10526

ونأخذ الآن في أساليب الدعوة في القرآن الكريم بادئين بالأساليب العقائدية فنقول: لقد بدأ ت الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة المكية من حياة النبي ﷺ بالدعوة إلى العقيدة الإسلامية وتقريرها، وتثبيتها في القلوب، واستمرت على هذا النحو طوال هذه المرحلة، والمرحلة التالية وهي المرحلة المدنية، وستظل كذلك إلى ما شاء الله تعالى. ولا بدع في ذلك: إذ أن البدء بغرس العقيدة في النفس كالبدء بغرس الحبة في الأرض، وهو أول عمل يقوم به من يريد أن يحصد الزرع المثمر. ولا ريب أن ثمار العقيدة هي الأخلاق وتكوين حماة الدعوة وأبطالها، وتربية جنود الإسلام على الصبر والثبات، والتضحية، والصدق والجهاد في الله حق جهاده، لنشر راية الإسلام والدفاع عنها. وهذا هو ما حدث في الماضي البعيد، على يد الأنبياء والرسل والهداة.. وفي الماضي القريب على يدي النبي الخاتم صلوات الله عليه وسلامه، ويحدث في مختلف مراحل التاريخ على يد دعاة الإسلام الذين لا يبدؤون دعواتهم إلا بالدعوة إلى التوحيد الخالص ومحاربة الشرك والوثنية في شتى صورها. وهذه هي الدعوات الناجحة التي تستقيم بعدها أحوال العباد. ولقد شبه القرآن الكريم تمكن (لا إله إلا الله) من قلب المسلم، وإثمارها الفضائل والعمل الطيب.. في سائر الأوقات ما دامت على هذا النحو. بالشجرة الطيبة الثابتة الجذور فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم آية ٢٤-٢٥) .

стр. 10527

ولعظيم شأن العقيدة في النفوس، وما يترتب عليها من آثار خطيرة في سائر حياة الإنسان.. فلقد استحوذت أساليبها على نصيب كبير في القرآن الكريم، بل كادت أن تكون كله، إذ أنه ما من جزء أو سورة، أو آية خلت من الدعوة إلى العقيدة صراحةً أو ضمناً. ولقد جاءت هذه الأساليب متنوعة، وبهذه الكثرة.. لتقرير العقيدة وتثبيتها ... من ناحية وبيان أهدافها وأغراضها وآثارها من ناحية أخرى. واتخذ القرآن لبيان ذلك طريقين: أحدهما: إيجابي، وهو يتمثل في بيان العقيدة الصحيحة، وتفصيل عناصرها، والاستدلالات عليها وبيان آثارها، وصفات أهلها ... وثانيهما: سلبي، ويتمثل في بيان العقائد الفاسدة، وأنواعها، والاستدلال على فسادها وبيان آثارها، وما يتصف به أهلها ... ومن هنا نستطيع القول بأن منهاج عرض العقيدة الإسلامية في القرآن إنما هو منهج كامل واضح، وذلك بتجلية العقيدة بالطريق الإيجابي المتمثل في بيانها وتفصيل أمرها.. ثم بإيراد ما يضادها من العقائد الأخرى الفاسدة، والقرآن بهذا يضع الحقيقتين المتضادتين بجانب بعضهما، ليتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ويتضح الليل من النهار، والعمي من الإبصار.. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ..﴾ (الأنفال آية ٤٢) . وبضدها تتميز الأشياء وهكذا لم يعد هنا عذر لمعتذر، ولا ريبة لمرتاب، إلا من ختم الله على قلبه وجعل الغشاوة على سمعه وبصره. ولنضرب بعض الأمثال على ما ذكرنا فيما يلي: فمن الطريق الأول: قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... ﴾ (البقرة آية ٢٨٥) .

стр. 10528

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ (النبأ آية ١٧-٢٣) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر آية ٤٩) . وهو لبيان العقيدة، وبيان عناصرها، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره حلوه ومره. وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر آية ٢٢-٢٤) . وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص) . وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى آية ١١) . وهو لبيان بعض صفاته تعالى، وعلى رأسها الوحدانية، وأنه له الأسماء الحسنى وليس كمثله شيء، و: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس آية ٨٢) . وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض﴾ (المؤمنون آية ٩١) .

стр. 10529

وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ... ﴾ (يس آية ٧٨-٧٩) . وهو للاستدلال على الوحدانية والبعث. وقوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة آية ١-٥) . وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ... ﴾ (التوبة آية ٧١) . وهو لبيان صفات أهل هذه العقيدة، فهم المهتدون بالقرآن، المتقون لربهم، المقيمون الصلاة، والمؤتون الزكاة، والمؤمنون بكل ما أنزل الله، والعاملون للآخرة والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمطيعون لله ورسوله. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ... ﴾ (النور آية ٥٥) .

стр. 10530

وقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ... ﴾ (نوح آية ٩-١٢) . وهو لبيان أثر العقيدة في الدنيا، من الاستخلاف في الأرض، وتمكين الدين، والقوة والأمن.. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (الأنبياء آية ١٠١-١٠٣) . وهو لبيان أثر العقيدة في الآخرة، فالمؤمنون مبعدون عن النار، خالدون في النعيم مستمتعون بما تشتهيه أنفسهم، لا يعتريهم ألم ولا حزن، وهم في جنات عدن ورضوان من الله أكبر. ومن الطريق الثاني: قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (الرعد آية ١٤) . وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنعام آية ١٠٠) . وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت آية ٤١) .

стр. 10531

فالمشركون بالله غيره من الأصنام، والأوثان، والجن، والناس، وغيرهم ... على ضلال وعمى، وجهل وغباء.. إذ أنهم يعبدون مالا قدرة له على عمل أي شيء إذ أنه فاقد القدرة والاستطاعة. فأنىّ له ذلك وهو الضعيف الذي لا يمد معبوده بأي نفع، ومن ابتغى نفعاً عند غير الله فكمن يضع كفيه في الماء لتحملا الماء ليشرب. لكن أنىّ له ذلك ويداه مبسوطتان فهيهات هيهات أن يحملا له ماء أو يذهبا عنه ظمأ، وهو كمثل من يحتمي بالضعيف الواهن الذي لا قدرة له على شيء أصلا. وهو لبيان بعض العقائد الفاسدة وهو الشرك، والاستدلال على فساده وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة آية ٣٠-٣١) . وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة آية ٧٣) . وهو لبيان بعض عقائد أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين ينسبون الولد لله ، ويتخذون الإنسان ولياً ورباً، ويعبدون مع الله آلهةً أخرى وهاهم النصارى يكفرون بالله ويقولون عنه أنه ثالث ثلاثة. مع أن الجميع مأمورون بعبادة الإله الواحد، وقد أنذروا من الانحراف عنها.

стр. 10532

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة آية ٢٠٤-٢٠٦) . وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ..﴾ (البقرة آية ٨-١٠) . وهو لبيان عقيدة النفاق التي تجعل صاحبها يظهر مالا يبطن، وظاهره حسن، وباطنه سوء، ظاهره الإسلام وباطنه الكفر، يسعى في الأرض فساداً ويهلك الحرث والنسل كدأبه في الحياة، يحسب نفسه على كل شيء لكنه مخدوع مريض فحسبه جهنم ولبئس المهاد. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ... ﴾ (البقرة آية ٦-٧) . وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة آية ٩٦) .

стр. 10533

وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة آية ٧٨-٧٩) . وقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة آية ٦٧) . وهو لبيان بعض صفات المشركين الذين قست قلوبهم وصمت عن سماع الحق، وبعض صفات أهل الكتاب من اليهود الذين يعبدون المادة ويحرصون على المال بل هم أحرص الناس على حياة ولهذا فهم يكرهون الموت خوفاً من العذاب ولكن هيهات. وبعض صفات المنافقين الذين يسعون في الأرض فساداً حيث ينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر ويدعون إلى الباطل. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور آية ٣٩-٤٠) .

стр. 10534

وقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران آية ١١٢) . وقوله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة آية ٥٥) . ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (التوبة آية ١٠٧) . وهو لبيان آثار العقائد الفاسدة، فالكفار لا وزن لأعمالهم، ولو عملوا خيراً فلا اعتداد به، وهم في ضلال وعمىً لأنهم عبدوا غير الله. أما اليهود فهم الأذلاء ولو كان معهم أقوى الناس، والله لا يمدهم بصره ولو ملكوا كل أسباب القوة المادية، وهم العصاة الفسقة الذين باءوا يغضب من الله. وكذلك المنافقون، يعذبهم الله بأموالهم وأولادهم بسبب نفاقهم وسعيهم بين الناس بالفساد، وهم الكاذبون في أعمالهم ولو كان منها بناء المساجد لأنهم يتخذونها رياءً وسمعةً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله. وهذه آثار العقائد الفاسدة في الدنيا، أما آثارها في الآخرة ففي قوله تعالى:

стр. 10535

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأنعام آية ١٧٩) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (المائدة آية ٣٦-٣٧) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ (النساء آية ١٤٥) . وهكذا يسير القرآن الكريم في عرض منهج العقيدة، داعياً إلى التوحيد، وناهياً عن الشرك والعقائد الفاسدة، ومبيناً آثار كل منها ليتميز الخبيث من الطيب، وتتضح الحقائق كاملة لا شائبة فيها. (يتبع) قَالَ أَحَدُ الحُكَمَاءِ: النَّاسُ ثَلاَثُ طَبَقَاتٍ، تَسُوسُهُمْ ثَلاَثُ سِيَاسَات: .. طَبَقَةٌ مِنْ خَاصَّةِ الأَخْيَارِ تَسُوسُهُم بِالعَطْفِ وَاللِّينِ وَالإِحْسَانِ. .. وَطَبَقَةٌ مِنْ خَاصَّةِ الأَشْرَارَ تَسُوسُهُم بِالغِلْظَةِ وَالعُنْفِ وَالشِّدَّةِ. .. وَطَبَقَةٌ مِنْ العَامَّة تَسُوسُهُم بِاللِّينِ وَالشِّدَّةِ لِئَلاَّ تُخْرِجُهُمْ الشِّدَّةِ وَيُبْطِرُهُمْ اللِّينِ. -------------------------------------------------------------------------------- [١] لسان العرب. [٢] وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي. [٣] الصناعتين لأبي هلال العسكري. [٤] ابن هشام جـ١.

стр. 10536

[٥] أحصى بعض العلماء آيات القرآن الكريم فوجدها أكثر من ستة آلاف آية. انظر: الإتقان في علوم القرآن جزء ١ ص ٨٨ طبعة رابعة. [٦] أثبتت الأبحاث الدينية أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل. وأن التوراة الموجودة أو العهد القديم معظمها مجهودات بشرية، وأن أناجيل النصارى المعتمدة عندهم الآن لا تخرج عن إنجيل مترجم جهل الأصل المترجم منه كإنجيل متى أو عن إنجيل جهل كاتبه ولم يعرف على وجه اليقين. ومن هنا فهي كتب لا علاقة لها بالوحي، ومن ثم فقد وقع فيها التضارب والاختلاف. وقد أحصى بعض الباحثين الاختلافات في العهدين القديم والجديد وذكر منها مائة وعشرين اختلافاً، كما أحصى الأغلاط وذكر منها مائة وعشرة من الأغلاط وأتى باستشهادات على التحريفات اللفظية ذكر منها خمسة وثلاثين شاهداً، وعلى التحريفات بالزيادة وذكر منها خمسة وأربعين شاهداً، وعلى التحريفات بالنقصان وذكر منها عشرين شاهداً، ثم ذكر كثيراً من المغالاطات التي امتلأت بها هذه الكتب وذلك بالأدلة التي لا مجال فيها للطعن، انظر: إظهار الحق لرحمة الله بن خليل الرحمن الهندي الجزء الأول. [٧] فالكنسية النصرانية تقول أن الله خلق العالم ابتداء من سنة ٤٠٠٤ ق. م، وظلت تقول بهذا القول حتى مطلع القرن الماضي. ولقد أعلن مجلس كنسي في بداية القرن العاشر الميلادي أنه القرن الأخير وأن العالم سينتهي بانتهائه لأن الله جعل المدة بين إنزال ابنه تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا ونهاية العالم بعد ألف سنة فقط –انظر قصة الحضارة ج ١٤ ولديورانت. ولقد انتهى القرن العاشر الميلادي ولم ينتهي العالم كما قالت الكنيسة، ومر بعده تسعة قرون ولازال العالم باقيا. ونهايته عند خالقه وصانعه ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَة ... ﴾ .

стр. 10537

ندوة الخرطوم في الأشهر القليلة الماضية عقدت ندوة في الخرطوم عاصمة السودان بين علماء من المسلمين ومجموعة من القسس بلغوا اثني عشر قسيساً شرح الله صدورهم للإسلام. وقد عولجت في هذه الندوة قضايا في منتهى الخطورة كانت تحوم عليها شبهات أزالها بفضل الله علماء المسلمين وسوف تنشر -بحول الله وقوته- ما دار في هذه الندوة على حلقات متتابعة، ونبدأ ذلك فيما يلي: الحلقة الأولى وبعد ... إخوتي الأفاضل ... مستمعي الأعزاء فإنه ليسعدني ويسعدكم أيضاً مثل هذا اللقاء الذي يتم وتم بناء على طلب مقدم من السيد (جيمس بخيت سليمان) موجه لرئيس وأعضاء هيئة النشاط الإسلامي بالسودان، وللملحق الديني بالسفارة العربية السعودية بالخرطوم أيضاً. وإنه ليسعدنا جميعاً أن يكون مثل هذا اللقاء عن الإخاء والمحبة لنعرف الحقيقة ولنعرف الحق من الباطل، والله نسأل أن يوفقنا للحق أينما كان وحيثما كان وأن يرزقنا اتباعه، ومثل هذه اللقاءات نرجو أن تتكرر في كل مكان وفي كل زمان، كما نرجو أن تثمر ويكون لها أثر فعال إلى طريق الحق والخير والسلام. وبعد.. ففي هذه الجلسة يفتتحها لنا أستاذي الفاضل وشيخي الأكبر الشيخ عوض الله صالح الرئيس العام لهيئة إحياء النشاط الإسلامي بالسودان ومفتي جمهورية السودان سابقاً، والعضو الحالي والمشارك في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، فليتفضل جزاه الله خيراً عن الإسلام والمسلمين. فقام الشيخ عوض الله وقال: بعد أن حمد الله، وصلى على رسوله ﷺ .. أيها الإخوة من مسلمين ومسيحيين ...

стр. 10538

أنا سعيد بهذا اللقاء وأرحب بكم في هذه الدار نيابةً عن الإخوة أعضاء هيئة إحياء النشاط الإسلامي، وقد حضرت قبل خمس سنوات حواراً يشبه هذا الحوار في طرابلس بليبيا، ولقد كان أول ما يلاحظ على تلك الندوة أنها بعدت عن كل كلمة نابية.. بل لم يذكر نبي من قبل المسلمين غير محمد صلوات الله عليه وسلامه إلا ذكر بكلمات كلها تعظيم وتبجيل ولم يذكر من المسيحيين غير عيسى ﵇ أي نبي إلاَّ وكانت تحف كل كلمة حوله مظاهر التبجيل والاحترام، ولقد كانت تلك الندوة بحق ندوة بحث عن الحقيقة، وإن في العالم أخطاء كثيرة وأنا لم أدرس المسيحية، ولكنني لا أنكر أن لنا أخطاء في الإسلام. إن بعض أفهام خاطئة عن الإسلام موجودة، ولكنها تصحح بمرور الزمان، فالإسلام شيء وخطأنا شيء آخر. ولا شك في أن المسيحية التي كانت أبعد عهد من الإسلام لابد أن تكون قد طرأت عليها أخطاء وهي قابلة للتصحيح، ولا نمس بحال من الأحوال جوهر ما في الدين سواء كان من جانب المسلمين أو من جانب المسيحيين. أنا لا شك في أن كثيراً من الأشياء تلتقي فيها المسيحية مع الإسلام أو الإسلام مع المسيحية. فكلنا نوحد إلهاً واحد،.. ونحن المسلمين اشترط علينا قرآننا أننا إن كفرنا بعيسى فإن إيماننا بمحمد يكون قد اعترته الشكوك.. وعلى هذا فإني لست بمشارك في هذه الندوة.. ولكني مرحب فقط عن أهل هذه الدار وقد أعجبني ما استمعت فيها إليه ... وأنا على يقين أني سأعجب أيضاً بما سأستمع إليه من الجانبين المسيحي والإسلامي.

стр. 10539

إن أكثر ما أعجبني في تلك الندوة بعد الذي قلت: هو أن اتفاقاً قد تم ونحن جميعا نعبد إلهاً واحداً- إن الاتفاق قد تم بألاَّ يذهب المسلمون إلى مناطق المسيحية لإدخالهم في الإسلام، ولكن الذي يدخل طائعاً مختاراً نرحب به، ونستقبله. وتم أيضاً الاتفاق على ألاَّ يدخل أهل المسيحية في مناطق المسلمين ليدخلوا مسلمين في المسيحية،.. أنا أعرف ماذا جرى من المسيحيين بعد هذا الاتفاق ... الذي فات عليه أكثر من ست سنوات، ولكني أؤكد وفي هذا البلد بالذات أننا التزمنا بأننا لا نعمل إلا في جو المسلمين وأطفال المسلمين لنحتفظ بإسلامهم من أن ينحرفوا انحرافاً لا يعجب الإسلام. وإني أرجو ألاَّ تذهب المسيحية إلى مواطن المسلمين لإغرائهم. وما أكثر ما يغري الناس بسبب الفقر والضعف الفكري- فيتحولون عن عقيدة إلى عقيدة. أخشى أن أكون قد أطلت.. أحرب بكم جميعا. أبنائي وإخواني من المسيحيين ... وأرحب بأساتذتي ومشايخي من المسلمين، وأتمنى أن يسير الحوار بالصورة التي ترضيكم جميعاً، وترضي المستمعين أيضاً ... والسلام عليكم. ثم عاد مدير الندوة فعلق على كلمة الشيخ عوض الله بقوله: شكراً لهذا التوجيه الطيب من فضيلة شيخنا الأكبر الشيخ عوض الله صالح وشكراً لكم جميعاً.. وأؤكد لكم أنه بناءً على قائمة الأسماء التي قرأتها.. بأسماء إخواننا الذين يسمون أنفسهم مسيحيين.. حينما قرأت قائمة الأسماء وجدت أنهم جميعاً من أسر مسلمة بموجب الأسماء.. فهذا اسمه مسيحي واسم أبيه (محمد) أو أحمد أو عبد الله. وأؤكد لكم جميعاً أن هؤلاء جميعاً لم يخرجوا من الإسلام إلى المسيحية إلا لظروف خاصة وقاهرة، وأرجوا لهم التوفيق والسداد في أن يعيدهم الله إلى الحق وإلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه. وبعد: إخوتي الكرام فإن هذه الندوة سيدير فقراتها وحلقاتها فضيلة الدكتور محمد جميل غازي، فليتفضل:

стр. 10540

فتقدم الدكتور محمد جميل غازي، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ... ﴾ وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في الأول أقدم لكم الأخ (جيمس بخيت) ليتحدث إليكم. وقبل أن أقدمه إليكم، لي رجاء ... أن أرى الابتسامة على وجوه الكل.. لأنني ألاحظ أن الابتسامة انعدمت من هذا الاجتماع، فأرجو أن نكون جميعاً على تفاؤل كامل، لأننا مقدمون، ولله الحمد، على عمل طيب صالح، ونسأل أن يكون موفقاً، لا عداء بيننا ولا كراهية ... وإنما هو الحب الذي جمعنا، والحب هو الذي جعل كل واحد منا يتحدث إلى صاحبه ... بالحب كله، وبالتقدير كله، أقدم إليكم الأخ (جيمس بخيت) وأرجو من خلال حديثه أن يشير إلى هذه الأسئلة التي قدمها إلى فضيلة الأخ الشيخ طاهر لتكون هي مجال الحوار في هذه الندوة أو في هذا اللقاء الإسلامي، المسيحي، والذي ابتدأ انعقاده في هذه الليلة، ولا يعلم إلا الله وحده، كم يستمر من ليال أو كم يستغرق من ساعات. أيها السادة يتحدث نيابةً عنه الأخ محمد رمضان: السادة الأعضاء هيئة النشاط الإسلامي. فضيلة الشيخ الملحق الديني السعودي بالخرطوم. السلام عليكم ورحمة الله. إنها بحق إرادة الله الذي مهد لنا هذا اللقاء الروحي لا للانتقاد أو الإدانة، وإنما للاستذكار، وتوضيح بعض المواضيع الدينية في الإسلام والمسيحية بالأدلة والبراهين، كما أنزله الله على رسله، بعيدين عن أي تعصب ديني، آملين أن يهدينا الله جميعاً لما فيه الخير لأمتنا. السادة الكرام: نحن قادة لمجموعات من الإخوة والأخوات بالعاصمة المثلثة وجبال النوبة مسلمين بالوراثة ... ولكننا لم نتعمق في تعاليم الإسلام وتعلمنا أيضا شيئًا من الديانة المسيحية نتيجة للتبشير المكثف الذي تقوم به الطوائف المسيحية في السودان.
следующие страницы →