← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ثم أضاف قائلا: "لم يكتسح الإسلام القبائل والشعوب اكتساحا ولا أدرجها إدراجا في أول دخوله، ولكنه تسلل فيها تسللا قد يتسرب إلى ناحية دون الأخرى، فتكون بجوار قبيلة مسلمة قبيلة أخرى كافرة، أو تكون في قبيلة واحدة مدينة مسلمة وبجانبها مدينة وثنية " [١] . بعض من آثار تمسكهم بالدين الإسلامي [٢] : تعلم المسلمون الدين وما يتعلق به من أركان وقواعد، ثم تمسكوا به حق التمسك كما أنهم لم يزالوا يقيمون الشعائر الدينية. بنوا مساجد ومدارس كثيرة، وبنوا كذلك مساجد جامعة، وفي (كنو) مسجد جامع مشهور، وفي سكوتو اثنان وفي كادونا اثنان، وفي لاجوس كذلك مساجد جامعة عدة، وكذا في أبادن التي يبلغ سكانها ٦٠٠,٠٠٠ مما يدل على اهتمامهم البالغ بالدين وشعورهم الحي وإيمانهم الراسخ برسالة محمد ﷺ . أيام العيد في نيجيريا: بهذا المشعر العظيم والذكرى الجليلة يستبين للقراء اهتمام مسلمي نيجيريا بدينهم وشعورهم المشكور نحو إحياء ذكرى ذلك اليوم الكبير الذي فرج الله تعالى فيه عن سيدنا وأبينا إبراهيم بكبش عظيم. وإن أتيحت الفرصة للقراء فنيجيريا ترحب بهم وبشهودهم عيد الفطر أو الأضحى فيها. يستقبل المسلمون عيدهم وهم في غمرة من الفرحة والبشر، وقبل حلوله بأسبوعين تقريبا تزين المدن كلها بأنواع من أدوات التجميل، مثل إنارتها بأنواع من مصابيح ملونة، وتعليق أعلام نيجيريا التي تتمثل في قطع صغيرة من الثياب في أكثر هذه المدن، ثم تصلح الشوارع وتمهد من جديد، وتوضع وسط كل مفترق من الطرق لوحات تحمل هذه الكلمات وأشباهها: "كل عام وأنتم بخير"، "مع تمنيات طيبة بالعام الجديد"، "عدت ياعيد مرة ثانية"، "عيد أولاد وأموال وسلامة"، وهلم جر. يخيط المسلمون لأنفسهم وأزواجهم وأولادهم أفخر الملابس، ويشترون الأحذية وغير ذلك من حلى فاخرة جميلة وخمر أنيقة زيادة على زينة العيال.

стр. 1052

ولا ينفرد أهل المدن بهذا كله، بل يشاركهم أهل الريف فيه كذلك، بحيث يرجع كبيرهم وصغيرهم ويئوب قويهم وعجوزهم إلى المدينة لمشاركة بعضهم بعضا في أفراحه وابتهاجاته، حتى ليكاد يحمل مريضهم إليها لشدة كراهتهم البقاء في القرية، لذا تمتلئ المدينة بالناس والزوار والمهنئين من كل جانب، ويتطلعون جميعا إلى مجيء ذلك اليوم الكبير، يوم تخلو البيوت من سكانها صباحه، وتتضايق الطريق بالعائدين من المصلى ضحاه، وبجم غفير من الزائرين المهنئين أمسيته وعشيته. ذلك اليوم الذي يخرج المسلمون فيه إلى ميدان الصلاة متتابعين كالجراد المنتشر، تتوحد صفوفهم كما تتساوى أصواتهم في ذكر الله تعالى الذي أنعم بالبقاء إلى ذلك اليوم، منهم ركاب الخيل والدراجات والسيارات، ومنهم رجالة لا يسأمون المشي ولا يتعبون من التهليل والتسبيح..يجتمعون في المصلى وهم أجناس عديدة وقبائل شتى، وحدهم فيه الإسلام وجمعهم في الصفوف أداء لصلاة العيد المبارك واقتداء بسنة نبينا محمد عليه أطيب الصلاة والسلام. وفي هذا اليوم السعيد والناس كلهم يتركون أعمالهم وحرفهم ويغلقون مصانعهم، ويعطلون المدارس والإدارات الحكومية وغيرها حرصا على إحياء هذا المشعر العظيم. صلة المسلمين بالمسيحيين: يعيش المسلمون في نيجيريا في جو من المحبة والأخوة الإسلامية، وأحوالهم مع المسيحيين أو الوثنيين سيئة جدا، لا يسالمونهم ولا يوادونهم فضلا عن الجلوس معهم. ويضطر لأجل ذلك من يقاربهم من المسيحيين إلى الانفراد بالسكن مع ما له وما عليه. ويبتعدون عن عبدة الأوثان أشد ابتعاد لقبح حالتهم وعاداتهم التي منها وضع بعض الأطعمة عند مفترق الطرق في صحون مزينة بزيت أحمر مع مبلغ من النقود، وإن مر بالصحون من المسلمين كسرها ووضع على الزيت التراب مبغضا هذه الحالة الكريهة المنتنة وهذا الشرك الأكبر.

стр. 1053

وإذا عاد واضع الطعام وجاعل النقود ولم يعثر على شيء ورأى ما حل بالصحون من كسر طار فرحا وضحكا مغتبطا قائلا: إن الأوثان أكلته بل قبلته!، ولولا حسن تصرفاته وحركاته ما رحبن بتضحياته وقربانه، ولا يبالي بالصحون المكسورة الملوثة بالتراب مع أنه يرى ذلك. والمسلمون (أعانهم الله) لو شعروا بإفساد المسيحيين وفحشهم بجوارهم لنهوهم عن ذلك ولا جروا عليهم كل ما نص عليه الدين من هجران وإعراض وعدم السلوك في مسالكهم. والغريب أنهم يشاركوننا في كثير من أفعالنا دون الصلاة ولا يعتنقون الإسلام إلا نادرا، بل يعملون ليلا نهارا على أن يتحول المسلم إلى المسيحية. وأبناء الوقت مع شديد الأسف لا يتخذون من ذلك عبرة بل يصبحون ضعفاء أمام حيلهم ومكايدهم، فينضمون إليهم لسهولة دينهم وخلوه من التكاليف على زعمهم؛ وغالبا يحدث هذا لأبنائنا الذين يتلقون دروسهم في أوروبا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وغيرها. هذا وكثير ما يجالس المسلم أضداده في الدين في المدارس والإدارات الحكومية مع مراعاة حقوق بعضهم بعضا بحيث لا تحصل مشاغبة ولا مشاجرة. وقد جالست المدرسين والمدرسات المسيحيين إذ كنت مدرسا معهم أدرس اللغة العربية في مدرسة ثانوية تدعى: "المدرسة العالية الإسلامية"، وأخرى مدرسة: "عصابة الدين العالية للبنات"، وأكثر الدروس تتلقى بالإنجليزية. قل المسيحي من الطلاب والطالبات وقل المسلم من المدرسين والمدرسات إذ كنت الوحيد المسلم ضمنهم، العميد والعميدة مسيحيان والمدرستان كما استبان من اسميهما لجمعيات مسلمة.

стр. 1054

ندخل صباحا على دعاء أقرأه للطلاب وجميع الأساتذة يعرفون هذا الدعاء كما علموا كثيرا من أناشيدنا العربية، ودائما يستطيبون قيامنا بديننا، وقد كلفتهم إدارة المدرستين مرافقتنا إلى المسجد الجامع مع بعده عن مقر الدراسة ليحافظوا على الأولاد ويمنعونهم من التخلف عن أداء الصلاة، وذلك في كل يوم جمعة، فتراهم ينفذون هذا الأمر طوعا وكرها. دراسة اللغة العربية في نيجيريا: لقد فر الكثير من أبناء نيجيريا من تعلم اللغة العربية..ذلك لأن إخوانهم الذين يتعلمون اللغة الإنجليزية يرتقون إلى درجة المجد والعلا وتسهل لهم قضاء حاجاتهم، وهم الفريق المنغمس في رغد العيش؛ فلا يبلغ قاصد اللغة العربية إلى هذه الدرجة الرفيعة مهما حمل من شهادات عليا ومهما تفوق وتخصص في كثير من المواد الدراسية، مع أن اللغة العربية تعتبر أشرف لغات العالم وهي لغة الرسول ﵊، ولغة القرآن الكريم. إن اللغة الإنجليزية هي التي تستعمل في الإدارات وتعترف الحكومة بها أكثر من غيرها إذ أنها اللغة الرسمية، والمستثنى من هذه المحن والمشاكل هو الشمال لأنه يقضي فيه بكتاب الله، ويرتقي طلاب العلم إلى أسمى الدرجات. والواقع في الغرب والجنوب يخالف ذلك، فلذا يسارع أبناؤهما إلى دراسة اللغة الإنجليزية، ولكن وإن كان هذا هو الحاصل، لابد من إصلاح نياتنا وإحسان ظننا بالله فما دامت اللغة العربية هي الوسيلة الموصلة إلى معرفة الله تعالى حق المعرفة فلن يذهب تعبنا سدى إن شاء الله؛ فإنه من ينصر الله ناصره، كما أنه ليس ببعيد أن ترتفع العربية التي يفرون منها إلى درجة لا تدرك ولا تمارى في بلادنا إن شاء الله.

стр. 1055

هذا ونشاهد الآن في كثير من المدن الرئيسية النيجيرية مدارس عربية مستقلة (أي خاصة بتدريس اللغة العربية) وغيرها (تدرس فيها اللغة العربية والإنجليزية) وكذلك في بعض المساجد، وبذلك تنحل المشاكل شيئا فشيئا إذ أنتجت هذه المدارس أساتذة يجيدون العربية ويستفيدون بها، ولو لم ترق مراتبهم، وبالتدرج ستصبح لغة معترفا بها رسمية إن شاء الله. وإذ ذاك ينال الخريجون بالشهادة العليا حقوقهم كاملة، وإن خلت من اللغة الأجنبية، ولكن إذا فقدناها وما كان معنا من اللغة العربية إلا الشيء القليل، والبلاد بحاجة إلى من يجيدها ويتقنها، فكيف يكون مصيرنا؟ وقد قيل بأن فاقد الشيء لا يعطيه، فهبوا يا شباب نيجيريا خاصة ويا شعوب العالم الإسلامي عامة لتعلم هذه اللغة المقدسة ولا تتوانوا في تحصيل فنونها، ولا تقنطوا من روح الله، واصبروا لأنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. إذا الأمر أعيا اليوم فانظر به غدا لعل عسيرا في غد يتيسر والجدير بالذكر أن هذه المدارس العربية المتنوعة تهتم بتعليم طلابها التفسير والفقه والحديث والنحو والمطالعة والتجويد والخط والحساب والأدب العربي مع تلخيص النصوص، والتاريخ والجغرافيا وعلم الطبيعة والإملاء والصرف والأخلاق والتوحيد والبلاغة المنطق وغيرها من المواد الثقافية. وتنقسم هذه المدارس إلى مراحل ابتدائية وإعدادية وثانوية ثم عالية جامعية. ويتلقى في بعض الجامعات دراسات أخرى إسلامية بشكل لا بأس به مثل جامعة (أحمدو بللو) بزاريا، وجامعة (أبادن) التي تأسست سنة ١٣٦٨هـ وقد أنشئ فيها قسم خاص بالعربية ويسمى كلية الآداب، وقسم الباكلوريوس في العربية والإنجليزية.

стр. 1056

وهناك جامعة (لاجوس) وجامعة (أنسكا) وجامعة (إيفي) ومعاهد دينية كالمعهد النيجيري بأبادن ومركز التعليم العربي (بأغيغي) ومعهد (شاغامو) ومدرسة النهضة العربية (بأبادن) والمدرسة المباركة (بأبادن) والمدرسة الأموية (باوو) ومعهد التعليم العربي (بأوو) ودار العلوم (بالورن) والمعهد العربي (باوو) ومركز التعليم (بأوو) وغياث الدين (بلاجوس) وغيرها. تجتمع فيهن عدة جنسيات لتلقى علومها ولأحراز الفوائد والتجارب الجسام لتتمكن من بناء مستقبلها وخدمة أوطانها. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. -------------------------------------------------------------------------------- [١]ـ من موجز تاريخ نيجيريا، والكتاب يكفي مرجعا لمن أراد التوسع في معرفة الكثير عن نيجيريا كعاداتها الاجتماعية وصلتها بالعرب والأدب العربي النيجيري وأهم المدن النيجيرية. [٢]ـ نفس المصدر.

стр. 1057

ندوة الطلبة دراسات في الديانات الهندية (الديانة الهندوسية) (١) بقلم الطالب: محمد ضياء الرحمن الأعظمي مما لاشك فيه أن لكل أمة من الأمم الماضية والحاضرة عقيدة رئيسية تؤمن بها وتسير على وفقها في معالجة مشاكلها وإصلاح أحوالها في أفرادها وجماعتها تستعين بسنتها وتقضي القضايا بمقتضاها وأن الباحث يدرك حقيقة الأنظمة بمطالعة عقيدتها، فإذا تخلت الأنظمة والأديان عن العقيدة المركزية كانت كجسم متحرك دون روح، فأهم ما يؤخذ على الديانة الهندوسية أنها خالية من العقيدة الأساسية التي تبني عليها أمورها وترجع إليها الأمة لدى اختلافها، وعلماء الهندوس يشعرون بخلوها من هذه العقيدة بل يفتخرون بذلك. يقول الزعيم الهندي (غاندي) : "ومن حظ الديانة الهندوسية أنها ليست لها عقيدة رئيسية فإذا سئلت عنها أقول: أن عقيدتها هي عدم التعصب والبحث عن الحق بالطريقة الحسنة، أم الاعتقاد بوجود الخالق وعدمه فكلاهما سواء، ولا يلزم لأي رجل من رجال الهندوس أن يؤمن بالخالق فهو هندوكي سواء آمن أو لم يؤمن (هندو هرم) ". يقول في موضع آخر من هذا الكتاب: "من حسن حظ الديانة الهندوسية أنها تخلت عن كل عقيدة ولكنها محيطة بجميع العقائد الرئيسية والجواهر الأساسية للأديان الأخرى". يقول الدكتور: رادها كرشنا رئيس الجمهورية الهندية سابقا: "إن الديانة الهندوسية لا تنتمي إلى قوم من الأقوام بل هي ثمرات لتجارب الأمم التي أدت دورها في تكوين الفكر الهندوكي كما يدل عليه وجود تمثال "شيو" [١] ، في الآثار القديمة من "موهن جودرا " [٢] ، فكان أهل الهند يعبدون الأصنام قبل الدور الأول وفبل ورود قوم "آريا "، ولذلك تأثر كتابهم المقدس "ويدا "، الذي جاء به قوم آريا من "منكوليا"وشرق آسيا بالحياة الدرورية القديمة. فالحضارة التي تكونت من هذه المصادر المختلفة هي الآن تسمى بالديانة الهندوسية.

стр. 1058

فسبب خلوها من العقيدة المركزية والأسس الرئيسية تغيرت الديانة الهندوسية وتبدلت إلى حد لا يتصور حتى فقدت اسمها الحقيقي (ويدرك دهرم) وسميت باسم الهندوكية التي ليس لها أصل في اللغة السنسكرتية. فإما أن نقول إن اسمها مأخوذ من كلمة اندس (اسم الهند القديم) أو من كلمة (سندهو) يعني السكان الذين شرق نهر سند، أو نقول إنه مأخوذ من كلمة هندو بمعنى اللصوص في اللغة الفارسية. الكتب المقدسة بسبب فقدان العقيدة لم يتفق علماء الهندوس على أمر ما حتى على الكتب المقدسة التي يعتبرونها مصدرا أساسيا للديانة الهندوسية وللحضارة الهندية، ولكن ادعى بعض المحققين الجدد أن الإيمان بالكتب المقدسة أمر متفق عليه عند جميع الفرق الهندوسية وهذه دعوى بلا دليل، فإن الفرق الكثيرة لا تؤمن "بويدا"، ولا تحترمه كالديانة البوذية والجينية والسيخية. فإن قيل: إن هذه الفرق ليست من الديانة الهندوسية؛ فنقول: عندنا شهادات من علماء الهندوس الكبار الذين لا يعتقدون بخروج هذه الفرق عن الديانة الهندوسية مثل الزعيم الهندي غاندي الذي يقول: "نحن لا نعتقد أن الديانة البوذية والجينية خارجة عن الديانة الهندية (هندو دهرما) (HINDU DHARMA) ، وإليه ذهب المحقق الكبير "وويكانند"، هذه من الناحية التاريخية. أما من حيث الواقع فلم نجد أحدا من هذه الفرق يعمل بتعليمات ويدا كلها حتى الجماعة الجديدة آربا سماج [٣] التي قامت بتبليغ ويدا ونشره وأهم أهدافها تجديد العمل على أصول ويدا، ولكن شتان بين ما بينهم وبين ويدا، فإنه يحرم عبادة الأصنام وبناء المنادر [٤] ، وعقيدة الأوتار [٥] ، كما نبه عليهم الدكتور رادها كرشنا رئيس الجمهور الهندية سابقا.

стр. 1059

إن آريا ويدك كانوا لا يعرفون بناء المعابد وعبادة الأوثان بل هذا كله من حضارة دروار لكن نرى أن عقيدة الأوتار وبناء المنادر (المعابد) وعبادة الأصنام هي أصل أساسي للديانة الهندوسية ويعتقد كثير من المحققين الهندوس بصحتها مثل وويكانند، وآربند، وكوسن، والدكتور رادها كرشنا، وغاندي، وغيرهم فأين عملهم بويدا وبما جاء به. ومن المعلوم عند المتخصصين في الديانة الهندوسية أن ويدا ينادي بأعلى صوته بأضحية الحيوان فإليكم أيها القارئ بعضها. تقول الملائكة: "يا اندر (إله المطر) إن وشنو إله الرزق يطبخ لك مائة جاموس " (رك ويد ٦-١١-١٧) . وفي موضع آخر: "هم يطبخون الثور وأنت تأكله" (رك ويد ١٠-٢٨-٣) . وفي موضع آخر: "إن اندرا مع العباد يطبخ الثور السمين" (رك ويد ١٠-٢٧-٣) . وفي موضع آخر يقول اندرا: "هي تطبخ لي خمسة عشر ثورا وأنا آكلهم فأكون سمينا" (رك ويد ١٠-٨٦-١٤) . هذه الاقتباسات جئنا بها من رك ويد والآن نتوجه إلى "ياجورويد" [٦] لترى أن هذه الأبواب من الباب الثاني والعشرين إلى الخامس والعشرين كلها مملوءة بأضحية الحيوان ولكن القانون الهندوسي تأثر بالديانة الجينية فحرم ذبح الحيوان كليا. -------------------------------------------------------------------------------- [١] هذه الآثار تدل على عبادة الأصنام قبل قوم: "دراود"وكان قوم دراود هم أصل سكان القارة الهندية قبل ورود قوم "آريا"،سنة ١٥٠٠ق م. والمؤرخون يؤرخون تاريخ الهند منذ بداية قوم "دراود"لأنهم كانوا يعيشون في الدور الأول المسمى بالعهد الحجري النحاسي والأدوار ثلاثة: الأول: حينما كان الإنسان يعيش في الجبال والغابات ولم تكن عنده حضارة ولا تمدن، بل كانت حياته حياة وحشية هذه هي حياة دراود.

стр. 1060

الثاني: يبدأ منذ ما سكن الإنسان البوادي والقرى وكون الجماعة والمجتمع وملك على نفسه أميرا أو رئيسا واستعمل المصنوعات مثل البنادق والمجانيق. الثالث: هو الدور الحاضر المسمى بدور القنابل الذرية. [٢] بلدة معروفة في باكستان في وادي سند فيها آثار يرجع تاريخها إلى حوالي ٣٣٠٠ق م. [٣] مؤسسها ديانتد (١٨٢٤ـ١٨٨٣م) وهي أكبر جماعة هندوسية قامت لنشر الدعوة الهندوسية والكتاب الأساسي عندها: ستيارتها بركاش، لمؤسسها واهتم المصنف في هذا الكتاب بالرد على جميع الأديان المعروفة وجعل أربعة عشر بابا فالباب الثالث عشر فيه رد على دين النصارى ويحتوي الباب الرابع عشر ردا على الإسلام، وقد اعترض على القرآن الكريم باعتراضات عددها حوالي١٥٩ اعتراضا وتحت كل اعتراض انتقادات عدة، فقام بالرد عليه الشيخ ثناء الله الأمر لشري ﵀ من كبار علماء أهل الحديث وكتب كتابا سماه: حق بركاش وأجاب عن كل اعتراض، وأفحمهم فجزاه الله خيرا عن الإسلام والمسلمين، ثم قام الشيخ إمام الدين رام تكري حفظه الله وهو لايزال مكبا على رده فكتب كتابا سماه دلائل القرآن في جواب افتراء ديانند. وقد ترجم ستيارته بركاش إلى لغات متعددة منها: الأردية والبنجالية والكجراتية والكنارية والمليالمية والتلكوية والأريسة والسندية.. هذه من اللغات الهندية، ومن الغات الأجنبية مثلا: النيبالية والإنكليزية والروسية والإيطالية والصينية، فبلغ عدد نسخه حوالي ٨ ملايين، فليتأمل المسلم العاقل كم أفسد هذا الكتاب شعوبا مختلفة وأمما كثيرة من الشرق والغرب. [٤] اسم معابد الهندوس كالنيسة والمسجد. [٥] مجيء الإله بصورة الإنسان في اعتقادهم وسيأتي تفصيله إن شاء الله. [٦] سيأتي تفصيله قريبا في باب المصادر الأساسية.

стр. 1061

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب [٣] لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المدرس بالجامعة سورة النساء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين الزوجات ممكن وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنه غير ممكن وهي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ الآية. والجواب عن هذا: أن العدل بينهن الذي ذكر الله أنه ممكن هو العدل في توفية الحقوق الشرعية، والعدل الذي ذكر أنه غير ممكن هو المساواة في المحبة والميل الطبيعي لأن هذا انفعال لا فعل فليس تحت قدرة البشر، والمقصود من كان أميل بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق الله وليعدل في الحقوق الشرعية كما يدل عليه قوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ الآية. وهذا الجمع روي معناه عن ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك ابن مزاحم نقله عنهم ابن كثير في تفسير قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وروى ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة أن آية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ نزلت في عائشة لأن النبي ﷺ كان يميل إليها بالطبع أكثر من غيرها. وروى الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة قالت كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تملني فيما تملك ولا أملك، يعني القلب، انتهى من ابن كثير.

стр. 1062

ـ قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية، هذه الآية تدل على أن الزانية لا تجلد بل تحبس إلى الموت أو إلى جعل الله لها سبيل. وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنها لا تحبس بل تجلد مائة جلدة إن كانت بكرا وجاء في آية منسوخة التلاوة باقية الحكم أنها إن كانت محصنة ترجم. والجواب ظاهر وهو أن حبس الزواني في البيوت منسوخ بالجلد والرجم [١] أو أنه كانت له غاية ينتهي إليها هي جعل الله لهن السبيل فجعل الله السبيل بالحد كما يدل عليه قوله ﷺ : "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا"الحديث. ـ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ الآية، هذه الآية تدل بعمومها على منع الجمع بين كل أختين سواء كانتا بعقد أم بملك يمين، وقد جاءت آية تدل بعمومها على جواز جمع الأختين بملك اليمين وهي قوله تعالى في سورة قد أفلح وسورة سأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ, إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ، فقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ، اسم مثنى محلى بأل والمحلى بها من صيغ العموم كما تقرر في علم الأصول، وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ، اسم موصول وهو أيضا من صيغ العموم كما تقرر في علم الأصول أيضا، فبين هاتين الآيتين عموم وخصوص من وجه يتعارضان بحسب ما يظهر في صورة هي جمع الأختين بملك اليمين فيدل عموم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ على التحريم، وعموم: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ، على الإباحة كما قال عثمان بن عفان ﵁: "أحلتهما آية وحرمتهما أخرى".

стр. 1063

وحاصل تحرير الجواب عن هاتين الآيتين أنهما لابد أن يخصص عموم إحداهما بعموم الأخرى، فليزم الترجيح بين العمومين، والراجح منهما يقدم ويخصص به عموم الآخر، لوجوب العمل بالراجح إجماعا؛ وعليه فعموم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ أرجح من عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من خمسة أوجه: ـ الأول: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ نص في محل المدرك المقصود بالذات لأنّ السورة سورة النساء وهي التي بين الله فيها من تحل منهن ومن تحرم وآية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ، لم تذكر من أجل تحريم النساء ولا تحليلهن بل ذكر الله صفات المتقين فذكر من جملتها حفظ الفرج فاستطرد أنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرية وقد تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها. ـ الثاني: أن آية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ، ليست باقية على عمومها بإجماع المسلمين لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعا للإجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ، وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعا للإجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ، يخصصه عموم: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، الآية، والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص والعام الذي لم يدخله تخصيص هو تقديم الذي لم يدخله التخصيص ووجهه ظاهر.

стр. 1064

الثالث: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ غير وارد في معرض مدح ولا ذم، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وارد في معرض مدح المتقين والعام الوارد في معرض المدح أو الذم اختلف أكثر العلماء في اعتبار عمومه؛ فأكثر العلماء على أن عمومه معتبر كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم, وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ، فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح، وكل فاجر مع أنه للذم وخالف في ذلك الإمام الشافعي ﵀ قائلا إن العام الوارد في معرض المدح أو الذم لا عموم له لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم. ولذا لم يأخذ الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في الحلي المباح لأن الآية سيقت للذم فلا تعم عنده الحلي المباح؛ فإذا حققت ذلك فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه عند بعض العلماء. ـ الرابع: إنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين فالأصل في الفروج التحريم حتى يدل دليل لا معارض له على الإباحة. ـ الخامس: إن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإباحة لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله في سورة المائدة والعلم عند الله. فهذه الأوجه الخمسة التي بينا يرد بها استدلال داود الظاهري بهذه الآية الكريمة على جمع الأختين في الوطء بملك اليمين، ولكنه يحتج بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فإنه يقول الاستثناء راجع أيضا إلى قوله ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ، فيكون المعنى على قوله وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ملكت أيمانكم فإنه لا يحرم فيه الجمع بين الأختين.

стр. 1065

ورجوع الاستثناء لكل ما قبله من المتعاطفات جملا كانت أو مفردات هو الجاري على أصول مالك والشافعي وأحمد وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: من قبل الاستثناء فكلا يقف وكل ما يكون فيه العطف دون دليل العقل أو ذي السمع خلافا لأبي حنيفة القائل برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط ولذلك لا يرى قبول شهادة القاذف ولو تاب وأصلح، لأن قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ ، يرجع عنده لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فقط أي إلا الذين تابوا فقد زال عنهم فسقهم بالتوبة، ولا يقول برجوعه لقوله: ولا تقبلوا لهم شهادة إلا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: لا تقبلوها لهم مطلقا لاختصاص الاستثناء بالأخيرة عنده. ولم يخالف أبو حنيفة أصله في قوله برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ، لجميع الجمل قبله أعني قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ ، لأن جميع هذه الجمل جمع معناه في الجملة الأخيرة وهي قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ ، لأن الإشارة في قوله ذلك شاملة لكل من الشرك والقتل والزنى فبرجوعه للأخيرة رجع للكل فظهر أن أبا حنيفة لم يخالف فيها أصله، ولأجل هذا الأصل المقرر في الأصول لو قال رجل: هذه الدار حبس على الفقراء والمساكين وبنى زهرة وبني تميم إلا الفاسق منهم فإنه يخرج فاسق الكل عند المالكية والشافعية والحنابلة.

стр. 1066

قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق في هذه المسألة هو ما حققه بعض المتأخرين كابن الحاجب من المالكية والغزالي من الشافعية والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفات هو الوقف وأن لا يحكم برجوعه إلى الجميع ولا إلى الأخيرة، وإنما قلنا أن هذا هو التحقيق لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، وإذا رددنا هذا النزاع إلى الله وجدنا القرآن دالا على قول هؤلاء الذي ذكرنا أنه هو التحقيق في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ، فالاستثناء راجع للدية فهي تسقط بتصدق مستحقها بها ولا يرجع لتحرير الرقبة قولا واحدا لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ. ومنها قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ, إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ ، فالاستثناء لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ، لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف.

стр. 1067

ومنها أيضا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً, إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ، فالاستثناء في قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ لا يرجع قولا واحدا إلى الجملة الأخيرة التي أقرب الجمل إليه أعني قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ ، إذ لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار ولو وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ ، والمعنى فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فليس لكم أخذهم بأسر ولا قتلهم، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي ﷺ لأن هذه الآية نزلت فيه وفي سراقة بن مالك المدلجي وفي بني جذيمة ابن عامر. وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز تبين أنه ليس نصا في الرجوع إلى غيرها. ومنها أيضا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، فالاستثناء ليس راجعا للجملة الأخيرة التي يليها أعني: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ، لأنه لولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان كلا ولم ينجح من ذلك قليل ولا كثير حتى يخرج بالاستثناء. واختلف العلماء في مرجع هذا الاستثناء؛ فقيل: راجع لقوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ .

стр. 1068

وقيل: راجع لقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ، وإذا لم يرجع للجملة التي يليها فلا يكون نصا في رجوعه لغيرها. وقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليها وعليه فالمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال محمد ﷺ لاتبعتم الشيطان في ملة آبائكم من الكفر وعبادة الأوثان إلا قليلا كمن كان على ملة إبراهيم كورقة بن نوفل وقس بن ساعدة وأضرابهم وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، أن معناه: لاتبعتم الشيطان كلا، قال: والعرب تطلق القلة وتريد بها العدم، واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب: قليل المثالب والقادحة أشم ندى كثير النوادي يعني لا مثلبة ولا قادحة. قال مقيده عفا الله عنه: إطلاق القلة وإرادة العدم كثير في كلام العرب ومنه قول الشاعر: قليل بها الأصوات إلا بغامها أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة يعني أنه لا صوت في تلك الفلاة غير بغام راحلته. وقول الآخر: قليلا لدى من يعرف الحق عابها فما بأس لو ردت علينا تحية يعني لا عاب فيها عند من يعرف الحق. وعلى هذين القولين الأخيرين فلا شاهد في الآية وبهذا التحقيق الذي حررنا يرد استدلال داود الظاهري بهذه الآية الأخيرة أيضا والعلم عند الله. ـ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ، هذه الآية تدل على أن الإماء إذا زنين جلدن خمسين جلدة، وقد جاءت آية أخرى تدل بعمومها على أن، كل زانية تجلد مائة جلدة، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . والجواب ظاهر: وهو أن هذه الآية مخصصة لآية النور لأنه لا يتعارض عام وخاص.

стр. 1069

ـ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، هذه الآية تدل بظاهرها على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ونظيرها قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ، وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك هي قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ الآية. ووجه الجمع بين ذلك مختلف فيه اختلافا مبنيا على الاختلاف في حكم هذه المسألة: فجمهور العلماء على أن شرع من قبلنا إن ثبت بشرعنا فهو شرع لنا ما لم يدل دليل من شرعنا على نسخه لأنه ما ذكره لنا في شرعنا إلا لأجل الاعتبار والعمل، وعلى هذا القول فوجه الجمع بين الآيتين أن معنى قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ، أن شرائع الرسل ربما ينسخ في بعضها حكم كان في غيرها أو يزاد في بعضها حكم لم يكن في غيرها، فالشرعة إذن إما بزيادة أحكام لم تكن مشروعة قبل وإما بنسخ شيء كان مشروعا قبل فتكون الآية لا دليل فيها على أن ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا ولم ينسخ أنه ليس من شرعنا لأن زيادة ما لم يكن قبل أو نسخ ما كان قبل كلاهما ليس من محل النزاع. وأما على قول الشافعي ومن وافقه أن شرع من قبلنا شرع ليس شرعا لنا إلا بنص من شرعنا أنه مشروع لنا، فوجه الجمع أن المراد بسنن من قبلنا وبالهدى في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ ، أصول الدين التي هي التوحيد لا الفروع العلمية بدليل قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ الآية.

стр. 1070

ولكن هذا الجمع الذي ذهبت إليه الشافعية يرد عليه ما رواه البخاري في صحيحه في تفسير سورة (ص) عن مجاهد أنه سأل ابن عباس من أين أخذت السجدة في (ص) فقال ابن عباس: " ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ، فسجدها داود فسجد رسول الله ﷺ "، ومعلوم أن سجود التلاوة من الفروع لا من الأصول، وقد بين ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ سجدها اقتداء بداود وقد بينت هذه المسألة بيانا شافيا في رحلتي فلذلك اختصرتها هنا. ـ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ الآية، هذه الآية تدل على أن إرث الحلفاء من حلفائهم، وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ . والجواب أن هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية ونسخها لها هو الحق خلافا لأبي حنيفة ومن وافقه في القول بإرث الحلفاء اليوم إن لم يكن له وارث. وقد أجاب بعضهم بأن معنى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أن من الموالاة والنصرة وعليه فلا تعارض بينهما والعلم عند الله. ـ قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ ، هذه الآية تدل على أن الكفار لا يكتمون الله من خبرهم شيئا يوم القيامة، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ ، وقوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ .

стр. 1071

ووجه الجمع في ذلك هو ما بينه ابن عباس ﵁ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ، مع قوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ ، وهو أن ألسنتهم تقول والله ربنا ما كنا مشركين فيختم الله على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فكتم الحق باعتبار اللسان وعدمه باعتبار الأيدي والأرجل، وهذا الجمع يشير إليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، وأجاب بعض العلماء بتعدد الأماكن فيكتمون في وقت ولا يكتمون في وقت آخر والعلم عند الله. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ، لا تعارض بينه وبين قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ . والجواب ظاهر وهو أن معنى قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي مطر وخصب وأرزاق وعافية يقولوا هذا ما أكرمنا الله به: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ ، أي جدب وقحط وفقر وأمراض يقولوا هذه من عندك أي من شؤمك يا محمد وشؤم ما جئت به، قل لهم كل ذلك من الله، ومعلوم أن الله هو الذي يأتي بالمطر والرزق والعافية كما أنه يأتي بالجدب والقحط والفقر والأمراض والبلايا، ونظير هذه الآية قول الله في فرعون وقومه مع موسى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ، وقوله تعالى في قوم صالح مع صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ الآية، وقول أصحاب القرية للرسل الذين أرسلوا إليهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الآية.

стр. 1072

وأما قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي لأنه المتفضل بكل نعمة، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي من قبلك ومن عملك أنت إذ لا تصيب الإنسان سيئة إلا بما كسبت يداه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسيأتي إن شاء الله تحرير المقام في قضية أفعال العباد بما يرفع الإشكال في سورة الشمس في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ، والعلم عند الله تعالى. ـ قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قيد في هذه الآية الرقبة المعتقة في كفارة القتل خطأ بالإيمان، وأطلق الرقبة التي في كفارة الظهار واليمين عن قيد الإيمان حيث قال في كل منهما: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولم يقل مؤمنة؛ وهذه المسألة من مسائل تعارض العارض المطلق والمقيد وحاصل تحرير المقام فيها: أن المطلق والمقيد لهما أربع حالات: الأولى: أن يتفق حكمهما وسببهما كآية الدم التي تقدم الكلام عليها؛ فجمهور العلماء يحملون المطلق على المقيد في هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معا، وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية لأنهم يثبتون ثم يحذفون اتكالا على المثبت كقول الشاعر، وهو قيس بن الخطيم: ـدك راض والرأي مختلف نحن بما عندنا وأنت بما عنـ فحذف راضون لدلالة راض عليها، ونظيره أيضا قول ضابئ بن الحارث البرجمي: فإني وقيارا بها لغريب فمن يك أمسى بالمدينة رحله وقول عمرو بن أحمر الباهلي: بريئا ومن أجل الطوى رماني رماني بأمر كنت ووالدي وقال بعض العلماء: إن حمل المطلق على المقيد بالقياس، وقيل: بالعقل وهو أضعفها، والله تعالى أعلم.

стр. 1073

والحالة الثانية: أن يتحد الحكم ويختلف السبب كما في هذه الآية، فإن الحكم متحد وهو عتق رقبة، والسبب مختلف وهو قتل خطأ وظهار مثلا؛ ومثل هذا المطلق يحمل على المقيد عند الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية، ولذا أوجبوا الإيمان في كفارة الظهار حملا للمطلق على المقيد خلافا لأبي حنيفة. ويدل لحمل هذا المطلق على المقيد، قوله ﷺ في قصة معاوية بن الحكم السلمي: "اعتقها فإنها مؤمنة" ولم يستفصله عنها هل هي كفارة أو لا، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال، قال في مراقي السعود: منزلة العموم في الأقوال ونزلن ترك الاستفصال الحالة الثالثة: عكس هذه، وهي الاتحاد في السبب مع الاختلاف في الحكم؛ فقيل: يحمل فيها المطلق على المقيد، وقيل: لا, وهو قول أكثر العلماء ومثاله: صوم الظهار وإطعامه، فسببهما واحد وهو الظهار وحكمهما مختلف لأن هذا صوم وهذا إطعام، وأحدهما مقيد بالتتابع وهو الصوم والثاني مطلق عن قيد التتابع وهو الإطعام، فلا يحمل هذا المطلق على المقيد. والقائلون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة مثلوا له بإطعام الظهار، فإنه مقيد بكونه قبل أن يتماسا، مع أن عتقه وصومه قيدا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ، فيحمل هذا المطلق على المقيد فيجب كون الإطعام قبل المسيس. ومثّل له اللخمي بالإطعام في كفارة اليمين حيث قيد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ، وأطلق الكسوة عن القيد بذلك حيث قال: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ، فيحمل المطلق على المقيد فيشترط في الكسوة أن تكون من أوسط ما تكسون أهليكم.

стр. 1074

الحالة الرابعة: أن يختلفا في الحكم والسبب معا ولا حمل فيها إجماعا، وهو واضح، وهذا فيما إذا كان المقيد واحدا؛ أما إذا ورد مقيدين بقيدين مختلفين فلا يمكن حمل المطلق على كليهما لتنافي قيديهما، ولكنه ينظر فيهما فإن كان أحدهما أقرب للمطلق من الآخر حمل المطلق على الأقرب له منهما عند جماعة من العلماء فيقيد بقيده وإن لم يكن أحدهما أقرب له فلا يقيد بقيد واحد منهما ويبقى على إطلاقه لاستحالة الترجيح بلا مرجح. مثال كون أحدهما أقرب للمطلق من الآخر: صوم كفارة اليمين فإنه مطلق عن قيد التتابع والتفريق مع أن صوم الظهار مقيد بالتتابع، وصوم التمتع مقيد بالتفريق، واليمين أقرب إلى الظهار من التمتع لأن كلا من اليمين والظهار صوم كفارة بخلاف صوم التمتع فيقيد صوم كفارة اليمين بالتتابع عند من يقول بذلك، ولا يقيد بالتفريق الذي في صوم التمتع، وقراءة ابن مسعود: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ لم تثبت لإجماع الصحابة على عدم كتب (متتابعات) في المصحف. ومثال كونهما ليس أحدهما أقرب للمطلق من الآخر صوم قضاء رمضان فإن الله قال فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ، ولم يقيده بتتابع ولا تفريق مع أنه قيد صوم الظهار بالتتابع وصوم التمتع بالتفريق، وليس أحدهما أقرب إلى قضاء رمضان من الآخر فلا يقيد بقيد واحد منهما بل يبقى على الاختيار إن شاء تابعه وإن شاء فرقه، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1075

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ، الآية، هذه الآية تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له وأنه مخلد في النار، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ﴾ - إلى قوله -: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات﴾ ، الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ، وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية. وللجمع بين ذلك أوجه: ـ أن قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ ، أي إذا كان مستحلا لقتل المؤمن عمدا، لأن مستحل ذلك كافر قاله عكرمة وغيره، ويدل له ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن جبير وابن جرير عن ابن جريج من أنها نزلت في مقيس بن صبابة فإنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه قتيلا في بني النجار ولم يعرف قاتله فأمر له النبي ﷺ بالدية فأعطتها له الأنصار مائة من الإبل وقد أرسل معه النبي ﷺ رجلا من قريش من بني فهر فعمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله ﷺ فقتله وارتد عن الإسلام وركب جملا من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة مرتدا وهو يقول في شعر له: سراة بني النجار أرباب فارع قتلت به فهرا وحملت عقله وكنت إلى الأوثان أول راجع وأدركت ثأري وأضجعت موسدا

стр. 1076

ومقيس هذا هو الذي قال فيه النبي ﷺ : "لا أؤمنه في حل ولا في حرم"، وقتل متعلقا بأستار الكعبة يوم الفتح فالقاتل الذي هو كمقيس بن صبابة المستحل للقتل المرتد عن الإسلام لا إشكال في خلوده في النار، وعلى هذا فالآية مختصة بما يماثل سبب نزولها بدليل النصوص المصرحة بأن جميع المؤمنين لا يخلد أحد منهم في النار. ـ الوجه الثاني: أن المعنى فجزاؤه أن جوزي مع إمكان ألا يجازى إذا تاب أو كان له عمل صالح يرجح بعمله السيء ... وهذا قول أبي هريرة وأبي مجلز وأبي صالح وجماعة من السلف. ـ الوجه الثالث: أن الآية للتغليظ في الزجر، ذكر هذا الوجه الخطيب والآلوسي في تفسيريهما وعزاه الآلوسي لبعض المحققين واستدلا عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ، على القول بأن معناه: ومن لم يحج، وبقوله ﷺ الثابت في الصحيحين للمقداد حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن يقول الكلمة التي قال"، وهذا الوجه من قبيل كفر دون كفر، وخلود دون خلود، فالظاهر أن المراد به عند القائل به أن معنى الخلود المكث الطويل، والعرب ربما تطلق اسم الخلود على المكث الطويل ومنه وقول لبيد: صما خوالد ما يبين كلامها فوقفت أسألها وكيف سؤالنا إلا أن الصحيح في معنى الآية الوجه الثاني والأول، وعلى التغليظ في الزجر حمل بعض العلماء كلام ابن عباس أن هذه الآية ناسخة لكل ما سواها، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1077

قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر أن القاتل عمدا مؤمن عاص له توبة كما عليه جمهور علماء الأمة وهو صريح قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية، وادعاء تخصيصها بالكفار لا دليل عليه، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ، وقد توافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وصرح تعالى بأن القاتل أخو المقتول في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ ، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ، فسماهم مؤمنين مع أن بعضهم يقتل بعضا، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس لان هذه الأمة بالتخفيف من بني إسرائيل لأن الله رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] أي كل واحد منهما في محله، الجلد للبكر والرجم للثيب.

стр. 1078

رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ بقلم الشيخ عبد المحسن العباد المدرس بكلية الشريعة في اليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك من هذا العام فقدت المملكة العربية السعودية علمها الشامخ وكوكبها الأغر ونجمها اللامع ومشعلها الوضاء سماحة المفتي ورئيس القضاة ورئيس الجامعة الإسلامية والكليات والمعاهد العلمية: الشيخ الجليل العالم العامل الذي طال عمره وحسن عمله محمد بن إبراهيم آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب غفر الله له ورحمه. وكان لوفاته الأثر البالغ في النفوس لما للفقيد ﵀ من مكانة مرموقة وأعمال جليلة، وهذه لمحة قصيرة عن سماحته رأيت إثباتها في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، التي هي إحدى المؤسسات العلمية التي يرأسها سماحته في أول عدد يصدر بعد وفاته. وموضوع الحديث عن سماحته مشاع لا يخفى على الكثير من الناس، لكنها الرغبة في أداء بعض ما يجب لهذا الرجل الفذ، الذي جمع بين العلم والعمل، وإن هي إلاّ حاجة في نفس يعقوب قضاها، رحم الله الفقيد، ولا فتننا بعده، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. نسبه:

стр. 1079

هو صاحب السماحة الشيخ الجليل أبو عبد العزيز محمد بن الشيخ إبراهيم المتوفى سنة ١٣٢٩هـ ﵀ ابن الشيخ عبد اللطيف المتوفى سنة ١٢٩٣هـ ﵀ ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن المتوفى سنة ١٢٨٥هـ ﵀ ابن شيخ الإسلام الإمام مجدد القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ١٢٠٦هـ ﵀، ينتهي نسبه إلى ذلك الإمام المبارك الذي أظهر الله به السنة المحمدية في وقت اشتدت فيه غربة الدين وكثر فيه تعلق الخلق بغير رب العالمين؛ فأرشد النّاس إلى الصراط المستقيم صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحذرهم من طرق الجحيم الطرق التي سلكها أعداء الله من المغضوب عليهم والضالين، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا. ولادته وأبرز شيوخه وتلامذته: ولد ﵀ وغفر له في اليوم السابع من شهر محرم سنة إحدى وعشرة بعد الثلاثمائة والألف ١٣١١هـ، في مدينة الرياض. ونشأ في بيت العلم والفضل والتقى والصلاح، فتغذى بلبان العلم والإيمان، وتسلح بسلاح المعرفة والعقيدة السليمة منذ نعومة أظفاره حتى آل أمره إلى أن صار مرجع العلماء وأبرز الفقهاء ونادرة الأذكياء. أخذ العلم عن والده الشيخ إبراهيم وعن عمه الشيخ عبد اللطيف وعن الشيخ سعد بن عتيق وعن الشيخ حمد بن فارس وغيرهم ممن فقهه الله في دينه ونور بصيرته. ثم أخذ ينشر العلم ويرشد إلى الخير ويحذر من الشر صابرا محتسبا حتى تخرج على يديه الأعداد الكبيرة من العلماء الذين قاموا بمهام القضاء والتدريس وغيرها في المملكة العربية السعودية، ومن أبرزهم: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز نائبه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد الرئيس العام للإشراف الديني بالمسجد الحرام. أعماله ﵀:

стр. 1080

بعد وفاة عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف سنة ١٣٣٩هـ، أسند إليه عمله، وقام مقامه في الإفتاء ومشيخة علماء نجد وملحقاتها، ثم تولى رئاسة القضاء في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية، وعند تأسيس الكليات والمعاهد العلمية باقتراحه ومشورته أسندت إليه رئاستها ثم رئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ورئاسة رابطة العالم الإسلامي وغيرها من الأعمال العظيمة التي أنيطت بسماحته والتي كان الناس يزاولها بقوة وحزم إلى نهاية أمره. وما كان تقليد ولاة أمور المسلمين لسماحته هذه الأعمال إلاّ لكونه موضع الثقة التامة، وما كان تقلده إياها إلاّ حرصا منه على أن تسير الأمور فيها على أكمل وجه وأحسن حال. هذا وإنّ المدة التي بين وفاة عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف سنة ١٣٣٩هـ وبين وفاته ﵀ سنة ١٣٨٩هـ خمسون سنة قضاها في الدعوة إلى الحق، والجهاد في سبيل الله، والذب عن شريعته، والعمل بجد وحزم فيما ينفع المسلمين، أجزل الله له الثواب، وأسكنه فسيح الجنان. مؤلفاته: ورغم كثرة هذه الأعمال التي نهض بها، والتي يشق القيام بها على الجماعة من الرجال خلف وراءه من الفتاوى ما يبلغ المجلدات الكثيرة، وقد جمع بعضها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وأكثرها في ملفات دار الإفتاء، ونرجو الله أن يوفق المسؤولين لنشرها ليعم الانتفاع بها، كما أنّ له نصائح توجيهية عامة وخاصة ورسائل قيمة كبيرة الفائدة قد طبع كثير منها. صفاته ﵀: وكان سماحته غفر الله له من الرجال القلائل الذين يعدون من نوادر الزمان لما منحه الله من الصفات الجمة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 1081

فقد كان ﵀ إلى جانب غزارة علمه وسعة اطلاعه وقوة ذاكرته أرجح العقل ثاقب الرأي، صبورا حليما، ذا أناة وروية، وذا شخصية فذة، تذوب أمامها الشخصيات الكبيرة، مهيب الجانب، مع تواضعه وبعده عن الترفع، عالي الهمة، رجل علم وعمل، حافظا لوقته معنيا بعمارته في خدمة الإسلام والمسلمين بعزيمة لا تعرف الكسل وهمة لا يشوبها فتور داعيا إلى الله على بصيرة لا يخشى في الله لومة لائم إلى غير ذلك من الخصال الحميدة التي وفقه الله للاتصاف بها. وقد فقد بصره في السابعة عشر من عمره، ولكن الله عوضه قوة في البصيرة ونورا في القلب وإشراقا في حياته المباركة المعمورة بتقوى الله والجهاد في سبيله. وفاته ﵀: انتقل إلى رحمة الله تعالى ضحى في أول الساعة الخامسة من يوم الأربعاء الموافق الرابع والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٨٩هـ، وصلى عليه في المسجد الجامع الكبير في الرياض عقب صلاة الظهر أم الناس في الصلاة عليه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، واكتظ المسجد بالمصلين عليه من خاصة الناس وعامتهم على الرغم من قصر المدة التي بين وفاته ووقت صلاة الظهر. وكان على رأس الذين حضروا الصلاة عليه جلالة الملك فيصل حفظه الله حيث أدى الصلاة عليه مع الناس في الجامع الكبير ثم ذهب إلى المقبرة ولم يزل على حافة القبر حتى دفن ﵀. وقد نقل من المسجد إلى المقبرة على أكتاف الرجال في مسافة تقرب من اثنين كيلومترا، واكتظت الشوارع بالمشاة وبالسيارات التي تحمل المشيعين لجنازته، ولم تكن المصيبة فيه مصيبة أسرة بل كانت المصيبة عامة لا تكاد تلقى أحدا إلاّ وهو يتمثل بقول الشاعر: وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما

стр. 1082

وكانت وفاته ﵀ على أثر مرض أصابه في كبده في أواخر شهر شعبان حيث دخل المستشفى في الرياض، وفي أوائل شهر رمضان سافر إلى لندن ثم عاد منها إلى الرياض في مساء يوم الخميس الثامن عشر من شهر رمضان، ومنذ عودته وهو في غيبوبة يفيق أحيان فيذكر الله ويستغفره حتى توفاه الله تعالى. ومدة عمره ثمان وسبعون سنة وثمانية أشهر وثمانية أيام ﵀ وغفر له، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يفتح له أبواب الجنة الثمانية ليدخل من أيها شاء إنّه ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلاّ به. وقد أرخت سنة وفاته بهذه الأبيات: سماحة الشيخ العظيم المنزله الثاقب الرأي بحل المشكلة مفتي الديار رأس كل قضاتها مع درر علم الشرع كل أنّ له وفاته بأحرف أرختها فقلت (جد جواد واغفر لي وله)

стр. 1083

رسائل لم يحملها البريد بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي شقيقي القمر: وهكذا جاءت الأنباء تقول: لقد عاد أول القادمين إليك من أبنائي سالمين، فقد أشفقت عليه النوائب، وأمهله الموت. لقد هزت هذه العودة أبنائي المبثوثين على ظهري هزا عنيفا، ورجتهم رجا، وتركتهم في أمر مريج، فمصدق ومكذب، وحائر تجحظ عيناه، ولا تنبس شفتاه. تركت أبنائي وشأنهم، يتحاورون ويعجبون، ورحت أرقص فرحا، واهتز مرحا، وأملأ الفضاء حبورا، ولم لا أفعل هذا يا شقيقي القمر؟!، وأنا التي تكابد الشوق إليك منذ آماد بعيدة، وتعاني حرقة الصبابة من حبك كر الغداة ومر العشي، وتخشى أن يصيبك السوء على تطاول العصور والأحقاب. لقد كتب الله لي النجاح، وبلغني ما كنت أؤمل، وجاءتني البشرى بما تتمتع به من حياة طيبة، ومنعة، وشباب، كعهدي بك أيام الطفولة، أفلا يحق لي أن أفرح وأمرح، وأتيه تيه الفائزين، وأزهو زهو الظافرين؟!. الله يعلم كم بذلت في سبيل لقياك من جهد ومال ورجال، وكم تحملت من سهر ودأب ونصب، فحري بي اليوم أن أطيب نفسا، وأن أقر عينا، وأن تبتل جوانحي، وأن يسكت عني القلق والخوف. ولكن.... ولكن أخشى ما أخشاه - الأخ الكريم - أن تكون قد أصابتك حمى الحسد والغيرة، حين هبط على سطحك أول رائد؛ فأخذت تقول لنفسك: وأنى لهذه الأخت أبناء يجبون الفضاء، ويطيرون من كوكب إلى كوكب، وقد عهدتها جرداء بلقاء، لا تعرف الأنس ولا الجان، ولا النبات ولا الحيوان؟!.

стр. 1084

شيء مؤسف ـ أيها الأخ الكريم ـ أن يطوف بي طائف من هذه الظنون، وأن أفصح عنه في أول رسالة أبعث بها إليك، ولكني خشيت أن يتصيدك الشيطان فيمن تصيد، وأن يوقع بيننا العداوة والبغضاء؛ فقد علمتني تجارب أبنائي ما لا تعلمه أنت، فكم من صديقين حميمين، أو أخوين شقيقين، غنى أحدهما ولم يغن الآخر، أو طار أحدهما في الآفاق، وبقي الآخر فوق ثراى، فأغرى بينهما الشيطان؛ فإذا هما عدوان لدودان. لهذا أحببت أن أصارحك بدأة ذي بدء، إبقاء على ما بيننا من ود، وصلة أرحام بيننا ونسب. الحق - أيها الأخ الكريم - أن حالتي في كثير من أمرها ليست بالحالة التي تبعث على الحسد، أو تثير الغيرة في نفس أخ كريم مثلك، فمذ هبط آدم على ظهري، وأنا أعاني من أبنائه شرا مستطيرا، وأسأل الله مخلصا أن يعجل بيوم القيامة، لأتخلص من هؤلاء على ظهري، ومن أولئك الذين هم في بطني، فيلقى كل منهم ما يستحق من نعيم الجنة، أو عذاب السعير. لست ممن يجحدون نعم الله عليهم، أو يستخفون بها، ولا يشكرون حق على أن أعترف أن في بني آدم رجالا ونساء هم مناط عزتي وفخاري، إذا ما تنافست الكواكب، وتاه بعضها على بعض، إنهم لجديرون حقا أن تغبطني فيهم، وأن تتمنى على الله أن لو كنت حملت على ظهرك أناسا أمثالهم. لست الآن بسبيل أن أعدهم لك، أو أقص أخبارهم عليك، ولكن رجلا على رأسهم لن أنساه ما حييت، ولا يستطيع قلمي أن يمسك عن الكتابة دون أن يذكر اسمه، ذلك هو محمد، وما أظنك إلا قد سمعت هذا الاسم، وما أظنك إلا قد عرفت خبره، فذكره قد طار في كل سماء، وحط في كل كوكب. لا تتسع هذه الرسالة لأن أذكر غيره من المرسلين والنبيين، ومن علماء الدنيا والدين، ومن الشهداء الأبرار، وأبطال الحروب الأخيار، ومن المصلحين الذين أخلصوا في العمل، والأدباء الذين صدقوا في القول.

стр. 1085

لا تتسع هذه الرسالة لأن أذكر غيره، ولا يتسع له الوقت، فمذ قتل قابيل هابيل وأنا أتمنى على الله أن ييسر سبيل لقياك، وأن يتح فرصة الاتصال بك، لأشكو إليك همومي، وأسمعك نحيبي وأنيني، وأشكرك في أفراحي ومراحي، وأستشيرك في كثير من أمري، فاليوم، وقد يسر الله الفرصة وأتاح، أجدني غير ذات قدرة، ولست بذات وقت، لأن أكتب إليك كثيرا. لقد كان من نعم الله عليك ـ أيها الأخ الكريم ـ أن لم يذلل سطحك لأبناء آدم مهادا ومعاشا، عليهم إذا ما ألموا بك أن يتزودوا بالأنفاس التي يتنفسون، وبالطعام الذي يطعمون، وبالشراب الذي يشربون، ليس من البخل في شيء، ولا من العار، ألا يسمعوا منك أهلا ولا مرحبا، نعم، إنهم أبنائي، مني خلقوا، وإليّ يعودون، أطيب نفسا إذا طابوا، وأسوء حالا إذا ساءوا، ولكن هذه الدماء التي رويت منها بقاعي حتى شرقت، وهذه الجثث التي طعمت منها أرجائي حتى تخمت، وهذا الظلم الذي يأخذ به الأقوياء الضعفاء، وهذا الكيد الذي يكيده ذوو المعارف والتجارب والقوة لذوي الجهالة والفطرة والضعف، هذا كله نزع ما في قلبي من حنان الأمهات، وعطف الوالدات. الخير في كثير، والرزق على وجهي واسع، وعطاء الله ماله من نفاد، ولكن كثيرا من أبنائي يستأثرون بالخير على غير حاجة، ويحرمون الآخرين على ما بهم من مغبة وضر، وتود طوائف شتى أن تكون ذات الأمر والنهي، إن حقا وإن باطلا، ليس لأحد معها سلطان. ما أوغر صدري، وحرق حشاي، إلاّ أولئك الذين يشعلون الفتن في كل مكان، ثم يقولون: ما أقبح دخانها، ويثيرون الحرب والخصام بين الشعوب ثم يبكون الأمن والسلام، ويسلبون الناس خيراتهم، ويسيمون فيهم الأمراض، ثم يمنون عليهم قليلا من عطاء، وشيئا من دواء، أي بنوة هذه؟! وأي أبناء هؤلاء؟! أي أم تطيب لها الحياة، وهي لا تنام على غير أنين، ولا تستيقظ على غير جراح!!

стр. 1086

هنيئا لك أيها الأخ الكريم ليلك ونهارك! هنيئا لك ليلك الذي تنامه ريان الجفون، مطمئن الأنفاس، مثلوج الفؤاد! هنيئا لك نهارك الذي تستمتع به رخى البال، هادئ النفس، ساكن البلابل! أما أنا - واحسرتاه - فلا أعرف الهناءة ليلا أو نهارا. حيوان البر والبحر يتنازع، ويقضي بعضه على بعض، يدفعه الجوع وحب البقاء، أما أبناء آدم فلا أدري علام يتنازعون، ولم يتدافعون، وفيم يقتل بعضهم بعضا؟! لقد كنت أدري، ولكني أصبحت لا أدري، لطول ما رأيت، وكثرة ما سمعت، فلكل معتد دعوى، ولكل ظالم نداء، ولكل مغتصب راية، ولكل منتصر حجة وبيان. سل أيها القمر الساري أشعتك الناعمة اللينة الجميلة التي تغمر بها وجهي، وتطوف بأرجائي، وتقبل وجوه الناس جميعا دون محاباة. سلها أيها القمر المنير، فقد صحبتني منذ الطفولة، وعرفت كل جيل، وابتسمت لكل قبيل، ورأيت السيوف التي تقطر الدماء، والقنابل التي تطمس المدن، رأت قبور الأحياء للأحياء، وعذاب الظالمين للأبرياء، وكيف تكون المنايا أعذب الأماني. سلها، هل هناك من حافز غير جموح الغرائز، وحب السلطة، وهل هناك غايات سوى مغانم طمع، ومكاسب جشع، وهل هناك آراء وعقائد غير ترهات وأباطيل، ودعاوى وأضاليل، زينها خيال جامح، وموهها حقد دفين. والآن دعني أحدثك حديثا آخر لعله يسرك، ويستهويك. إنني جميلة، جميلة حقا، وعلى قسمات وجهي سحر وفتون، حتى هذا الإنسان الذي أفسد حياته، وأفسد الحياة من حوله، لقد خلقه الله في أحسن تقويم، وأبدع صورة.

стр. 1087

جبالي متطاولة في الفضاء، وقد ضيفت الثلوج فوق القمم، فحينا تبرح وترحل، وحينا تقيم ولا تريم، ترتدي السحب تارة فلا يبدو لك منها شيء، وتتعرى حينا فتبدي كثيرا من الزينة، أشجار على السفوح يتهادى فيها النسيم فتميس أغصانها عجبا ودلالا، وتعصف فيها الرياح فتخر ركعا وسجودا، وصخور رقدت في مضاجعها مطمئنة، نائمة، حالمة؛ وصخور نتأت غاضبة، متحدية، ترى فيها الخصام والشر والتحفز. وأودية وشعاب بين هذه الجبال، عميقة، سحيقة، يضل فيها النهار، ويضيع فيها البصر. وعلى السفوح عيون ومياه تنحدر عجلى، تغني وتنشد فرحا بلقاء أمها بعد فراق طويل. وعلى وجهي مروج فسيحة، مطمئنة، مخضرة، ضاحكة، بهيجة، تلقاك بلطف، وتنساب إلى نفسك برفق، وتجذب عينيك برقة، فلا تبغيان عنها حولا ولا تملان إليها نظرا، وتودان لو بقيت طويلا تمتعهما، وتستمتع. وعلى مسافات تطول وتقصر، تشق ثراي أنهار على موعد مع البحر، تارة تخشى أن يفوتها، فتعدو غاضبة، معربدة الدفق، لها زمجرة وزبد، وتارة تعروها الثقة، فتسير الهوينى، هادئة الأنفاس، قد سكت عنها الغضب. وعلى شواطئ بحاري جمال, وجلال, وخيال، وأناشيد، وقصائد شعر تروى دون نهاية، وقصائد حب وسلام وغزل، ترويها الأمواج إلى الرمل، وقصائد سخط وخصام وملل، تلقيها الأمواج على الصخر. ولا أخلو من صحارى مسفرة لا تتبرج ولكنها جميلة، تعشقها الأنفس، وتهواها الأفئدة، حين تسيل على وجهها أشعتك، وتغشاها سكينة الليل، فتسمو بمن فيها إلى آفاق واسعة عميقة من الجمال والجلال والمهابة، وتقربهم فيها إلى الله. هكذا خلقت وهكذا أعيش أيها الأخ الحبيب، أما أنت...!! أختك المشتاقة: الأرض

стр. 1088

عتاب وتحذير للشيخ محمد المجذوب دعوني أنفثُ بعض الألمْ عتابًا لكمْ يا أهيْل الحَرَمْ أتدرونَ فيمَ غدت أرضُكم ولا زرعَ فيها مزار الأممْ! وما بالُ حبكُم قد عرى إلى منتهى الدهر في كل دَمْ؟ ف باتَ التغني بذكراكمُ ن شيدَ الحياة على كل فمْ كأنكم أكبدُ المسلمين فصحتُها من أجلّ النعمْ .. أذاك لفضل لكم في الأنام؟ وفي حلبة السيف أم بالقلم! وقد أوشك العلمَ أن يستحيل لديكمْ، ويا أسفا، للعدمْ! وقد طالما أتحفَ الحَرَمانِ الوجود بكل إمام علم وكم فاتح أخرجا للورى ليخرجهم من سحيق الظلم فمروا على الأرض مرّ الغُيوث تبثُ الجَمَالَ وتُحيي الرمم فشقوا العيونَ لعمي القلوب وذادوا عن الآخرين الصمم وبالعزم والدم والمكرمات أقاموا صوى فوق القمم أولاك الأُلى قد غدوتم بهم أحبّ إلى الخلق من ذي الرحم ولولاهم، وهمُ نعمة السـ ماء، لكنا كبعض النّعم ولولا الرسول ووحي الكتاب لكانوا وكنا غثاء الخِصَم تراث النبوة.. أي الفخارِ يدانيه يوم تُعدُ القيم لو العالمون حووا بعضه لعزبه عُربُهم والعجم هجرتم معالمه الهاديات إلى كل منزلق متهم وكان الأحق بأن تجعلوه منار حياتكم الملتزم ألم تلمحوا أدمع المسجدين تكاد عليكم أسى تضطرم تركتم نواحيها تشتكي عقوق الجوار لباري النسم وقد رحتم تملئون الدروب ولا يعتريكم شعور الندم تمر الجموع بكم للصلاة وصدر الطريق بكم مزدحم فلا تنزون عن الناظرين ولا تحذرون حلول النقم وكم ذي سفهٍ يستهين بأقدس ما تقتضيه الحرم فيُصْلِي المصلين مذياعه هراءً له مثل وقع الحمم فلا هو يعرف قدر الصلاة ولا من يُعرِّفه من أَمَم وكم ثم ذات سقام رأت فراغ المجال لأهل السقم فراحت تحدى بأغوائها

стр. 1089

هدى الله لا تتقي أي ذم تجوب المدينة في حلة تكاد تُصرّح بالمكتتم وتقتحم الحرم المستغيث برب البرية مما ألم وليس لذي غيرة جرأة يقول بها للخليع احتشم وكيف!..ولو جاءها منكرا لأنكر إنكاره أو شتم كأن الحياة غدت عندكم سباقا إلى اللهو لا ينسجم تؤججه سورة الجائعين لجمع الحطام ورفع الأطم وللركض خلف طيوف السراب بباريس أو في ظلال الهرم ومن ثم كان اصطياد النقود لدى جلكم مبتغاه الأهم فذوا العجز لا يستحق البقاء لديكم، ورب الغنى محترم وفي أرضكم يستحيل الشحيح من الوافدين أليف الكرم وهذا الذي قد رزقتم به كنوز الشعوب التي لم ترم وهذا الذي قد أثار السعار إلى كل سحت وهاج القرم فشوه معنى الوجود الصحيح لدى الأكثرين وأبلى الذمم فباتت قوى الحق معزولة وراء القلوب بحكم العدم فياليت شعري أين المصير إذا ما استمرت زحوفُ الضرَمَ! وأين الفرار، وأين النجاء وربكم الطالب المنتقم! كأني بكم في حبال القضاء وقد حان وقت العقاب الأصم تصيحون يا ربنا رحمة ولا رحمة يوم جَزِّ اللمم وتبغون معتصمًا من يديه وهيهات..ما منهما معتصم ..فهل عودة يا غواة الحرم إلى الله قبل البلاء العمم! فإني لأخشى غدا أن تلاقوا كما لقيت سبأ في إرم ولستم بأعظم منهم وإن فا ق ذنبهم ذنبكم في العظم وقد جرفتهم سيول العذاب ولم يجدهم حَوْلُهم حين طم ولن يعجز الله أمر العصاة وفي قول (كن) ألف سيل العرم وهل يتخلى عن الحرمين ولم يبق غيرهما للأمم!

стр. 1090

في مناسبة الآيات والسور للشيخ أحمد حسن المدرس بالمعهد الثانوي تعريف المناسبة: في اللغة: المشاكلة والقرابة. في الاصطلاح: عرفه البقاعي بقوله: "علم تعرف منه علل الترتيب". وموضوعه: أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته من حيث الترتيب. وثمرته: الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له وما وراءه وما أمامه، من الارتباط والتعلق الذي هو كلحمة النسب، هذا بالنسبة لعلم المناسبة بشكل عام؛ أما: علم مناسبات القرآن: فهو علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه، وهو سر البلاغة، لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال، وتوقف الإجازة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب من ذلك فيها، ويفيد ذلك المقصود من جميع جمله. ونسبته من علم التفسير، نسبة البيان من علم النحو [١] . وعلم المناسبة على نوعين: ١- مناسبة الآي بعضها لبعض؛ وهي بيان ارتباطها وتناسقها كأنها جملة واحدة، ومرجعها إلى معنى رابط بينها عام أو خاص، عقلي أو حسي، أو غير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهني كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين ونحوه [٢] . ٢- مناسبة السور بعضها لبعض، وهو ثلاثة أنواع: - أحدها: تناسب بين السورتين في موضوعهما، وهو الأصل والأساس. - ثانيهما: تناسب بين فاتحة السورة والتي قبلها كالحواميم. - ثالثها: مناسبة فاتحة السورة لخاتمة ما قبلها، مثل (وإدبار النجوم ... والنجم إذا هوى) . ويوجد نوع رابع من المناسبة، وهو مناسبة فاتحة السورة لخاتمتها، أفرده السيوطي بالتأليف كتب فيه جزءا صغيرا سماه (مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع) [٣] . شرف هذا العلم وفائدته: المناسبة علم شريف، متحرر نبه العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول.
следующие страницы →