Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
هنيئا لك أيها الأخ الكريم ليلك ونهارك! هنيئا لك ليلك الذي تنامه ريان الجفون، مطمئن الأنفاس، مثلوج الفؤاد!
هنيئا لك نهارك الذي تستمتع به رخى البال، هادئ النفس، ساكن البلابل!
أما أنا - واحسرتاه - فلا أعرف الهناءة ليلا أو نهارا.
حيوان البر والبحر يتنازع، ويقضي بعضه على بعض، يدفعه الجوع وحب البقاء، أما أبناء آدم فلا أدري علام يتنازعون، ولم يتدافعون، وفيم يقتل بعضهم بعضا؟!
لقد كنت أدري، ولكني أصبحت لا أدري، لطول ما رأيت، وكثرة ما سمعت، فلكل معتد دعوى، ولكل ظالم نداء، ولكل مغتصب راية، ولكل منتصر حجة وبيان.
سل أيها القمر الساري أشعتك الناعمة اللينة الجميلة التي تغمر بها وجهي، وتطوف بأرجائي، وتقبل وجوه الناس جميعا دون محاباة.
سلها أيها القمر المنير، فقد صحبتني منذ الطفولة، وعرفت كل جيل، وابتسمت لكل قبيل، ورأيت السيوف التي تقطر الدماء، والقنابل التي تطمس المدن، رأت قبور الأحياء للأحياء، وعذاب الظالمين للأبرياء، وكيف تكون المنايا أعذب الأماني.
سلها، هل هناك من حافز غير جموح الغرائز، وحب السلطة، وهل هناك غايات سوى مغانم طمع، ومكاسب جشع، وهل هناك آراء وعقائد غير ترهات وأباطيل، ودعاوى وأضاليل، زينها خيال جامح، وموهها حقد دفين.
والآن دعني أحدثك حديثا آخر لعله يسرك، ويستهويك.
إنني جميلة، جميلة حقا، وعلى قسمات وجهي سحر وفتون، حتى هذا الإنسان الذي أفسد حياته، وأفسد الحياة من حوله، لقد خلقه الله في أحسن تقويم، وأبدع صورة.
стр. 1087
جبالي متطاولة في الفضاء، وقد ضيفت الثلوج فوق القمم، فحينا تبرح وترحل، وحينا تقيم ولا تريم، ترتدي السحب تارة فلا يبدو لك منها شيء، وتتعرى حينا فتبدي كثيرا من الزينة، أشجار على السفوح يتهادى فيها النسيم فتميس أغصانها عجبا ودلالا، وتعصف فيها الرياح فتخر ركعا وسجودا، وصخور رقدت في مضاجعها مطمئنة، نائمة، حالمة؛ وصخور نتأت غاضبة، متحدية، ترى فيها الخصام والشر والتحفز.
وأودية وشعاب بين هذه الجبال، عميقة، سحيقة، يضل فيها النهار، ويضيع فيها البصر.
وعلى السفوح عيون ومياه تنحدر عجلى، تغني وتنشد فرحا بلقاء أمها بعد فراق طويل.
وعلى وجهي مروج فسيحة، مطمئنة، مخضرة، ضاحكة، بهيجة، تلقاك بلطف، وتنساب إلى نفسك برفق، وتجذب عينيك برقة، فلا تبغيان عنها حولا ولا تملان إليها نظرا، وتودان لو بقيت طويلا تمتعهما، وتستمتع.
وعلى مسافات تطول وتقصر، تشق ثراي أنهار على موعد مع البحر، تارة تخشى أن يفوتها، فتعدو غاضبة، معربدة الدفق، لها زمجرة وزبد، وتارة تعروها الثقة، فتسير الهوينى، هادئة الأنفاس، قد سكت عنها الغضب.
وعلى شواطئ بحاري جمال, وجلال, وخيال، وأناشيد، وقصائد شعر تروى دون نهاية، وقصائد حب وسلام وغزل، ترويها الأمواج إلى الرمل، وقصائد سخط وخصام وملل، تلقيها الأمواج على الصخر.
ولا أخلو من صحارى مسفرة لا تتبرج ولكنها جميلة، تعشقها الأنفس، وتهواها الأفئدة، حين تسيل على وجهها أشعتك، وتغشاها سكينة الليل، فتسمو بمن فيها إلى آفاق واسعة عميقة من الجمال والجلال والمهابة، وتقربهم فيها إلى الله.
هكذا خلقت وهكذا أعيش أيها الأخ الحبيب، أما أنت...!!
أختك المشتاقة: الأرض
стр. 1088
عتاب وتحذير
للشيخ محمد المجذوب
دعوني أنفثُ بعض الألمْ عتابًا لكمْ يا أهيْل الحَرَمْ
أتدرونَ فيمَ غدت أرضُكم ولا زرعَ فيها مزار الأممْ!
وما بالُ حبكُم قد عرى
إلى منتهى الدهر في كل دَمْ؟
ف باتَ التغني بذكراكمُ
ن شيدَ الحياة على كل فمْ
كأنكم أكبدُ المسلمين
فصحتُها من أجلّ النعمْ
.. أذاك لفضل لكم في الأنام؟
وفي حلبة السيف أم بالقلم!
وقد أوشك العلمَ أن يستحيل
لديكمْ، ويا أسفا، للعدمْ!
وقد طالما أتحفَ الحَرَمانِ
الوجود بكل إمام علم
وكم فاتح أخرجا للورى ليخرجهم من سحيق الظلم
فمروا على الأرض مرّ الغُيوث تبثُ الجَمَالَ وتُحيي الرمم
فشقوا العيونَ لعمي القلوب وذادوا عن الآخرين الصمم
وبالعزم والدم والمكرمات أقاموا صوى فوق القمم
أولاك الأُلى قد غدوتم بهم أحبّ إلى الخلق من ذي الرحم
ولولاهم، وهمُ نعمة السـ ماء، لكنا كبعض النّعم
ولولا الرسول ووحي الكتاب لكانوا وكنا غثاء الخِصَم
تراث النبوة.. أي الفخارِ يدانيه يوم تُعدُ القيم
لو العالمون حووا بعضه لعزبه عُربُهم والعجم
هجرتم معالمه الهاديات إلى كل منزلق متهم
وكان الأحق بأن تجعلوه منار حياتكم الملتزم
ألم تلمحوا أدمع المسجدين تكاد عليكم أسى تضطرم
تركتم نواحيها تشتكي عقوق الجوار لباري النسم
وقد رحتم تملئون الدروب ولا يعتريكم شعور الندم
تمر الجموع بكم للصلاة وصدر الطريق بكم مزدحم
فلا تنزون عن الناظرين ولا تحذرون حلول النقم
وكم ذي سفهٍ يستهين
بأقدس ما تقتضيه الحرم
فيُصْلِي المصلين مذياعه هراءً له مثل وقع الحمم
فلا هو يعرف قدر الصلاة
ولا من يُعرِّفه من أَمَم
وكم ثم ذات سقام رأت
فراغ المجال لأهل السقم
فراحت تحدى بأغوائها
стр. 1089
هدى الله لا تتقي أي ذم
تجوب المدينة في حلة
تكاد تُصرّح بالمكتتم
وتقتحم الحرم المستغيث
برب البرية مما ألم
وليس لذي غيرة جرأة
يقول بها للخليع احتشم
وكيف!..ولو جاءها منكرا
لأنكر إنكاره أو شتم
كأن الحياة غدت عندكم
سباقا إلى اللهو لا ينسجم
تؤججه سورة الجائعين لجمع الحطام ورفع الأطم
وللركض خلف طيوف السراب
بباريس أو في ظلال الهرم
ومن ثم كان اصطياد النقود
لدى جلكم مبتغاه الأهم
فذوا العجز لا يستحق البقاء
لديكم، ورب الغنى محترم
وفي أرضكم يستحيل الشحيح
من الوافدين أليف الكرم
وهذا الذي قد رزقتم به
كنوز الشعوب التي لم ترم
وهذا الذي قد أثار السعار
إلى كل سحت وهاج القرم
فشوه معنى الوجود الصحيح
لدى الأكثرين وأبلى الذمم
فباتت قوى الحق معزولة
وراء القلوب بحكم العدم
فياليت شعري أين المصير
إذا ما استمرت زحوفُ الضرَمَ!
وأين الفرار، وأين النجاء
وربكم الطالب المنتقم!
كأني بكم في حبال القضاء
وقد حان وقت العقاب الأصم
تصيحون يا ربنا رحمة
ولا رحمة يوم جَزِّ اللمم
وتبغون معتصمًا من يديه
وهيهات..ما منهما معتصم
..فهل عودة يا غواة الحرم
إلى الله قبل البلاء العمم!
فإني لأخشى غدا أن تلاقوا
كما لقيت سبأ في إرم
ولستم بأعظم منهم وإن فا
ق ذنبهم ذنبكم في العظم
وقد جرفتهم سيول العذاب
ولم يجدهم حَوْلُهم حين طم
ولن يعجز الله أمر العصاة
وفي قول (كن) ألف سيل العرم
وهل يتخلى عن الحرمين
ولم يبق غيرهما للأمم!
стр. 1090
في مناسبة الآيات والسور
للشيخ أحمد حسن
المدرس بالمعهد الثانوي
تعريف المناسبة:
في اللغة: المشاكلة والقرابة.
في الاصطلاح: عرفه البقاعي بقوله: "علم تعرف منه علل الترتيب".
وموضوعه: أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته من حيث الترتيب.
وثمرته: الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له وما وراءه وما أمامه، من الارتباط والتعلق الذي هو كلحمة النسب، هذا بالنسبة لعلم المناسبة بشكل عام؛ أما:
علم مناسبات القرآن:
فهو علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه، وهو سر البلاغة، لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال، وتوقف الإجازة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب من ذلك فيها، ويفيد ذلك المقصود من جميع جمله.
ونسبته من علم التفسير، نسبة البيان من علم النحو [١] .
وعلم المناسبة على نوعين:
١- مناسبة الآي بعضها لبعض؛ وهي بيان ارتباطها وتناسقها كأنها جملة واحدة، ومرجعها إلى معنى رابط بينها عام أو خاص، عقلي أو حسي، أو غير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهني كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين ونحوه [٢] .
٢- مناسبة السور بعضها لبعض، وهو ثلاثة أنواع:
- أحدها: تناسب بين السورتين في موضوعهما، وهو الأصل والأساس.
- ثانيهما: تناسب بين فاتحة السورة والتي قبلها كالحواميم.
- ثالثها: مناسبة فاتحة السورة لخاتمة ما قبلها، مثل (وإدبار النجوم ... والنجم إذا هوى) .
ويوجد نوع رابع من المناسبة، وهو مناسبة فاتحة السورة لخاتمتها، أفرده السيوطي بالتأليف كتب فيه جزءا صغيرا سماه (مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع) [٣] .
شرف هذا العلم وفائدته:
المناسبة علم شريف، متحرر نبه العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول.
стр. 1091
وفائدته: جعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء [٤] .
قال الإمام فخر الدين الرازي: "أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط"، وقال بعض الأئمة: "من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا، وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم وفوائده غزيرة".
قال أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم".
وقال الشيخ العز بن عبد السلام: "المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر".
وقال البقاعي: "... وبهذا العلم يرسخ الإيمان في القلب، ويتمكن من اللب، وذلك لأنّ يكشف أن للإعجاز طريقين:
أحدهما: نظم كل جملة على حيالها.، بحسب التركيب.
والثاني: نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب.
والأول أقرب تناولا وأسهل ذوقا؛ فإن كل من سمع القرآن من ذكي وغبي يهتز لمعانيه، ويحصل له عند سماعه روعة بنشاط، ورهبة مع انبساط، لا تحصل عند سماع غيره، ولكلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز، ثم إذا عبر الفطن من ذلك إلى تأمل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متباينة المقاصد؛ فظن أنّها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط، فربما شككه ذلك، وتزلزل إيمانه، وزحزح إيقانه.
стр. 1092
وربما وقف كثير من أذكياء المخالفين عن الدخول في هذا الدين، بعدما وضحت إليه دلائله، وبرزت له من جمالها دقائقه وجلائله لحكمة أرادها منزله، وأحكمها بجمله ومفصله، فإذا استعان الله، وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز، والوثوق بأنّه في الذروة من إحكام الربط، كما في الأوج من حسن المعنى واللفظ، لكونه من جلّ عن شوائب النقص، وحاز صفات الكمال إيمانا بالغيب، وتصديقا بالرب، قائلا ما قال الراسخون في العلم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ، فانفتح له ذلك الباب ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار، رقص الفكر فيه طربا، وسكر والله استغرابا وعجبا، وطاش لعظمة ذلك جنانه، فرسخ من غير ريبة إيمانه، ورأى أن المقصود بالترتيب معان جليلة الوصف بديعة الرصف، عليَّة الأمر، عظيمة القدر، مباعدة لمعاني الكلام على أنّها منها أخذت، فسبحان من أنزله وأحكمه وفصله، وغطّاه وجلاّه، وبينه غاية البيان وأخفاه، وبذلك أيضا يوقف على الحق من معاني آيات حار فيها المفسرون لتضييع هذا الباب من غير ارتياب... وبه تتبين لك أسرار القصص المكررات، وأنّ كل سورة أعيدت فيها قصة فلمعنى أدعى في تلك السورة استدل عليه بتلك القصة غير المعنى الذي سيقت له في السورة الثانية السابقة، ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض، وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم، والإيجاز والتطويل، مع أنّه لا يخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة، وعلى قدر غموض تلك المناسبات يكون وضوحها بعد انكشافها".
أول من تكلم بالمناسبة:
стр. 1093
قال الشيخ أبو الحسن الشهراباني: "أول من أظهر علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري [٥] ، وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه الآية؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة".
من أفرده بالتصنيف:
لقد أفرده بالتصنيف الأستاذ أبو جعفر بن الزبير [٦] شيخ الشيخ أبي حيان في كتاب سماه: (البرهان في مناسبة ترتيب القرآن) ، والشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه: (نظم الدرر في تناسب الآي والسور) [٧] ، والسيوطي في كتابه: (أسرار التنزيل) ، و (تناسق الدرر في تناسب السور) ، و (مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع) ، وأبو الفضل عبد الله محمد الصديق الغماري في كتابه: (جواهر البيان في تناسب سور القرآن) ، وللمولوي أشرف علي التهانوي كتاب أسماه: (سبق الغايات في نسق الآيات) ، وللمعلم عبد الحميد الفراهي كتاب أسماه: (دلائل النظام) ، وإن كان النظام عنده أعم من المناسبة كما سيأتي.
من عرض له من المفسرين:
ممن اعتنى بالمناسبة من المفسرين الإمام الرباني ابو الحسن علي بن أحمد بن الحسن البخيبي اليمني الحرّالي، نزيل حماة من بلاد الشام في تفسيره الذي يقول فيه البقاعي:"... فرأيته عديم النظير، وقد ذكر فيه المناسبات، وقد ذكرت ما أعجبني منها وعزوته إليه".
وابن النقيب الحنفي في تفسيره، وهو في نحو ستين مجلدا، يذكر فيه المناسبات بالنسبة إلى الآيات لا جملها وإلى القصص لا جميع آياتها.
والفخر الرازي في كتابه: (التفسير الكبير) ، وأبو السعود في تفسيره، والمراغي في تفسيره، والزمخشري في الكشاف، والسيد رشيد رضا في تفسير المنار، والمخدوم المهايمي الهندي في تفسيره: (تبصير الرحمن وتيسير المنان) ، وسيد قطب في كتابه: (في ظلال القرآن) .
стр. 1094
وممن عرض له من الكتاب الدكتور محمد عبد دراز في كتابه: (النبأ العظيم) ، والمعلم الفراهي [٨] في كتابه: (فاتحة نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان) ، (ودلائل النظام) ، هذا بالإضافة إلى ما كتبه الزركشي في (البرهان) ، والسيوطي في (الإتقان) ، وإن كان ما قاله السيوطي لا يختلف كثيرا عما قاله الزركشي.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] راجع مقدمة تفسير البقاعي: نظم الدرر في تناسب الآي والسور.
[٢] انظر الإتقان للسيوطي ص١٠٨، من الجزء الثاني.
[٣] انظر الجواهر البيان في تناسب سور القرآن للغماري: ص١٤،١٦.
[٤] توهم عبارة الزركشي أن علم المناسبة هو الذي يجعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض، في حين أن الارتباط قائم وموجود في الأصل، ولكن علم المناسبة هو الذي يكشف هذا الارتباط ويميط عنه اللثام فيبدو بعد أن كان خافيا.
[٥] هو أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه الشافعي الحافظ، رحل في طلب العلم إلى العراق والشام، ومصر وقرأ على المزني، ثم سكن بغداد، وصار إماما للشافعية بالعراق, وتوفي عام ٣٢٤هـ، انظر: اللباب:٢/٢٥٢، طبقات القراء:١/٤٤٩، شذرات الذهب:٢/٣٠٢.
[٦] هو أبو جعفر أحمد بن إبراهيم الزبير الأندلسي النحوي الحافظ صاحب كتاب: الذيل على الصلة، توفي عام٨٠٧ هـ، انظر ترجمته في الدرر الكامنة:١/٨٤ـ٨٦.
[٧] مخطوط بدار الكتب المصرية ومنه نسخة مصورة بالمكتبة الأزهرية.
[٨] هو حميد الدين ابن أحمد عبد الحميد الأنصاري الفراهي ولد ﵀ ١٢٨٠هـ في قرية فريها من قرى مديرية أعظم كره في الهند، له مؤلفات كثيرة في علوم القرآن وهو صاحب التفسير: نظام القرآن، ودلائل النظام، والتكميل في أصول التأويل، ومفردات القرآن، وجمهرة البلاغة، وغيرها توفي عام ١٣٤٩هـ.
стр. 1095
لمحات تاريخية من حياة شيخ الإسلام ابن تيميّة
بقلم: الطالب صالح بن سعيد بن هلابي
لم يكن ابن تيمية العالم المجتهد في علوم الشريعة وفروعها أو الناقد اللاذع لخصومه من المخالفين له في العقيدة أو المحدث البارع في علوم الحديث ومعرفة طبقات الرجال، ولم يكن ذو عقلية جبارة عظيمة حتى وصل به الحد أن ينال من كبار الفلاسفة والمناطقة وبيان أخطائهم وهفواتهم في علومهم التي أدخلوها في علوم الشريعة، لم يكن كل هذا فحسب وإنما كان أيضا مع هذا كله قائدا عسكريا عظيما وسياسيا محنكا نابغا، فقد كتب الرسائل العديدة في السياسة الإسلامية من أهمها رسالة السياسة الشرعية بين الراعي والرعية ورسالة الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية وفتاوى أخرى لا تحصى مما حدا بالمستشرق الفرنسي هنري لا وست أن يجمع آراءه في السياسة الاجتماعية وأن يجعلها موضوعا لإحدى الرسالتين اللتين تحصل بهما على الدكتوراه من باريس كما أشرت إلى ذلك في الحلقة الأولى من هذه المجلة الغراء في العدد الرابع من السنة الأولى.
ابن تيمية وعهد التتار:
стр. 1096
واجهت العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري هزة عنيفة وكارثة يندر نظيرها في تاريخ العالم كله منذ أن خلق الله الدنيا بكاملها - اللهم إلا ما كان من الحرب العالمية الأولى والثانية التي ذهب الملايين فيهما - ألا وهي هجوم التتار على العالم الإسلامي حيث كان بلاء عظيما ومحنة لا تقاس بأي محنة عادية تمر على المسلمين مر الكرام, فقد بدأ هؤلاء الوحوش في بخارى ودمروها ثم توجهوا إلى سمرقند وأبادوها ثم على قزوين ومرو ونيسابور حتى وصلت جيوشهم بغداد وهناك قامت المذابح ودمرت المدن بكاملها واستمر القتل بضعا وثلاثين يوما حتى تعفنت الشوارع من الجثث المرمية فيها ولا يستطيع القلم أن يصف في هذه العجالة ما جرى من محن وبلاء ويكفينا أن نقتطف كلمة المؤرخ الإسلامي الشهير ابن الأثير المتوفى ٦٣٠هـ حيث كتب لنا عن تلك الحوادث المروعة وقلبه يتفطر ألما وحسرة ولا يجري القلم بما يكن في الصدر.
стр. 1097
يقول ابن الأثير [١] : " لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك فياليت أمي لم تلدني وياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا - إلى أن قال - وهذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها وعمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ أن خلق الله تعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا؛ فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وهؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة فإنا لله وإنا إليه راجعون"إلى آخر ما كتبه ﵀ بكل حسرة وندامة [٢] .
التتار على أبواب الشام:
ما أن وصلت أنباء التتار بأنهم زاحفون على بلاد الشام وأنهم يريدونها حتى بدا الخوف والذعر في البلاد وبدأ الناس يرحلون من الشام إلى مصر وإلى الحصون المنيعة خارج الشام يحملون أطفالهم ونساءهم ويبيعون أمتعتهم وملابسهم بأرخص الأثمان، وأخذوا يشترون الحمير والبغال لكي يرحلوا عليها حتى وصل قيمة البغل والجمل الواحد ألف درهم وانتشرت الفوضى والاضطرابات فكسرت الدكاكين ونهبت أموال الناس وهرب المساجين من السجون وخرج كبار أعيان البلد ونوابها وبعض من علمائها وأخذ كل ينجو بنفسه وبأهله من هذا البلاء المقبل على الأمة حتى أصبح لا يتكامل الصف الواحد في يوم الجمعة في المسجد الجامع الذي كان يغص بالمصلين، هذه بعض روايات الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية والذي عاصر هذه الحوادث بنفسه وهو عالم الشام وشيخها وتلميذ ابن تيمية.
стр. 1098
وإذا أردنا أن نتعرف على هؤلاء الوحوش من هم؟ وما هي ديانتهم؟ حتى تعطى لنا صورة واضحة عن اتجاهاتهم.
إنهم من جهة الصين بلى الله بهم الأمة في فترة من الزمن، أما ديانتهم فهم وثنيون، يقول ابن الأثير: " وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئا يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرها ولا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال فإذا جاء الولد لا يعرف ".
ولعل الشيوعية ترجع إلى أصلهم إلا أن أولئك كانوا وثنيين والشيوعية لا تعترف بوجود الله مطلقا، ولكن نرى أن التتار أسلموا فيما بعد كما سيأتي.
موقف ابن تيمية من الاضطرابات:
رأى ابن تيمية تلك الاضطرابات والنهب والسلب في البلاد فوقف وقوف الجبال الراسيات فلم يفر أو يخرج من البلد كما فعل غيره لأن له قلبا يحول بينه وبين الفرار وله شعور يمنعه من أن يترك العامة من غير مواس وله دين يردعه من أن يترك أمور الناس فوضى لا حاكم لها، وهو هو في علمه ودينه وعظمته أحس ابن تيمية بهذه المحنة فجمع أعيان البلاد الذين لم يفروا بعد، ورد عليهم أمورهم وثبتهم وأخذ يتلو عليهم آيات القرآن الكريم الواردة في الجهاد وأحاديث الرسول ﷺ واتفق معهم على ضبط الأمور وأن يذهب على راس وفد منهم يخاطبون ملك التتار في الامتناع عن الدخول إلى دمشق.
ابن تيمية في مقابلة ملك التتار:
ذهب الشيخ ابن تيمية مع الوفد الشامي وكان رئيسا للوفد إلى مقابلة (قازان) ملك التتار وقائدهم.
стр. 1099
يقول ابن كثير: " وقد كسا الله الشيخ حلة من المهابة والإيمان والتقى ولقد قال أحد الذين شاهدوا اللقاء، كنت حاضرا مع الشيخ فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل ويرفع صوته ويقرب منه.. والسلطان مع ذلك مقبل عليه مصغ لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه؛ وإن السلطان من شدة ما أوقع الله في قلبه من الهيبة والمحبة سأل من هذا الشيخ؟ إني لم أر مثله ولا أثبت قلبا منه ولا أوقع من حديثه في قلبي ولا رأيتني أعظم انقيادا لأحد منه فأخبر بحاله وما هو عليه من العلم والعمل ".
ومما خاطبه به في هذه المقابلة وعن طريق الترجمان: " قل لقازان أنت تزعم أنك مسلم [٣] ، ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت ثم خرج بعد هذا القول من عنده معززا مكرما ".
ويقول صاحب كتاب: القول الجلي في ترجمة ابن تيمية الحنبلي عن هذه المقابلة: " إنهم لما حضروا مجلس قازان قدم لهم الطعام فأكل منه الجميع إلا ابن تيمية فقيل له لماذا لا تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامك وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس.. وطلب منه قازان الدعاء له فقال في دعائه: اللهم إن كنت تعلم أنه إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وجاهد في سبيلك فأن تؤيده وتنصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر فأن تفعل به وتصنع "، فكان يدعو وقازان يؤمن على دعائه.
يقول الراوي: حين أخذ ابن تيمية يدعو بدأنا نجمع ثيابنا خوفا من أن يقتل في المجلس ويطرطس دمه في ثيابنا؛ فخرجنا من عنده وقلنا له: كدت أن تهلكنا معك، ثم اختلفوا في ما بينهم فسلكوا طريقا وهو مع جماعة سلكوا طريقا آخر، فما أن وصل إلى الشام إلا وهو محفوف بنحو ثلاثمائة فارس استقبلوه في أثناء الطريق وشكروه على مساعيه الحميدة التي قام بها.
стр. 1100
ليت شعري هل تعود هذه العظمة والصولة والجولة في العالم الإسلامي لعلماء الإسلام اليوم أم إلى اندثار ومسخ وتشويه، والجواب بسيط أقول: لو وجد معشار من يقوم بعمل ابن تيمية من الإخلاص في القول والعمل لصنع المعجزات في تاريخنا اليوم هذا الذي أبى أن يأكل على مائدة هذا الطاغية الجبار وأخذ يدعو عليه فكيف بمن يحيك الفتاوى للظلمة الفجرة بديك رومي وبضع دجاجات يأكلها على حساب الإسلام؛ فهل يستطيع أن يغير شيئا في مجرى التاريخ؟ كلا وألف كلا.
نتائج هذه المقابلة:
أنتجت هذه المقابلة خيرا لأهل الشام وإن كانت محدودة حيث أمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعلن الأمان بمنشور عام في البلد وسكنت النفوس واطمأنت الأحوال وبعد أيام من هذه المحنة بدأ العبث من الجند خارج المدينة وحاول بعض الذين مالؤا التتار تسليم القلعة إلى جيوش التتار فأرسل في الحال ابن تيمية إلى قواد القلعة قائل: " لا تسلموا القلعة وقاتلوا دونها ولو إلى آخر حجارة فيها وإلى آخر قطرة منكم "، وكان يدور على الجنود بنفسه خارج المدينة وربما بات معهم الليالي يتلو عليهم آيات الجهاد في سبيل الله، ومن هنا ندرك شخصية هذا الإمام الجليل وأنه لم تكن صلته بعوام الناس في دروس الوعظ والإرشاد وإثارة روح الجهاد في نفوسهم بل كانت صلته وثيقة بكبار القواد في الجيش كما كانت مع الأمراء والنواب كما ستعرف ذلك قريبا.
نظر ابن تيمية في واقع الجيوش الجرارة من جيوش التتار وأنه لا مفر لهم من القتال فوالى الاجتماعات وعقد المجالس المتتالية للعامة والخاصة وأخذ يحرض على القتال ويتلو آيات الجهاد والأحاديث الواردة في ذلك وكان يتأول قوله تعالى: ﴿ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور﴾ ، وكان يقسم بالله عزوجل: " إنكم لمنصورون على هؤلاء "، فيقول له بعض الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: أقولها تحقيقا لا تعليقا.
стр. 1101
وأخذ يراسل الملوك والسلاطين والأمراء في كل ناحية، وخاصة السلطان الناصر بن قلاوون سلطان مصر ورغب الناس في الإنفاق في سبيل الله.
بعد هذه المجالس المتتالية أعلن إعلان عام أن لا يسافر ولا يخرج من البلد أحد إلا بمرسوم خاص.
ابن تيمية يسافر إلى مصر:
طلب الأمراء ونائب السلطنة بالشام من ابن تيمية أن يسافر إلى مصر بنفسه ليستحث السلطان على المجيء ليحضر بنفسه ويدرك ما عليه الناس من الخوف والذل والرعب، فوافق ابن تيمية على السفر إلى السلطان وما أن وصل إلى مصر حتى وجد السلطان قد دخل القاهرة وتفرقت جيوشه وعساكره بعد أن سمع الناس أنه خارج إلى الشام لملاقاة التتار فاجتمع به ابن تيمية وحثه على عودة الجيش وصرخ في وجهه قائلا: " إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن.. إلى أن قال: لو قدر أنكم لستم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسئولون عنهم" [٤] ، ثم حث الأمراء والسلطان بالخروج بالجيش إلى ملاقاة العدو.
رجع ابن تيمية إلى الشام، ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ابن تيمية عند هذه النقطة في وصف محنة أهل الشام: " وأتاهم الأمن من ثلاث نواح فابن تيمية قد عاد إليهم وهو أمنهم وملاذهم وتأكدوا إقبال جند السلطان ثم تأكد لديهم أمر آخر وهو أن التتار قد عادوا من عامهم هذا لما أحسوا بأن خصومهم قد أعدوا العدة وأخذوا الأهبة ولا حظوا ضعفا في أنفسهم ولم يتقدموا وهو على هذا الضعف ".
стр. 1102
فإذن لم يحصل قتال في هذه السنة وعاد ابن تيمية إلى دروسه ومجالسه العلمية وهو لم يفارقها إلا بالقدر الذي يضطر إليه في مقابلات الملوك والأمراء والسلاطين ومخاطبة القواد والاتصال بالجنود على جبهات القتال، ونرى ابن تيمية في هذه الفترة وقد صار مبسوط اليد والسلطان نراه يقيم الحدود ويحارب الرذائل ويقوم الأخلاق في الأمة؛ يقول الحافظ ابن كثير: " دار الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى وأصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وشققوا الظروف وأراقوا الخمور وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش ففرح الناس بذلك فرحا شديدا " [٥] .
ابن تيمة في الميدان:
جاء التتار بجمعهم وجموعهم إلى الشام سنة ٧٠٢هـ وأحاطوا بدمشق من كل مكان وأرجف المرجفون وبلغت القلوب الحناجر وزلزلوا زلزالا شديدا، وتحالف العلماء والقضاة والأمراء في هذه المرة وابن تيمية على رأس الجميع يثبت القلوب ويعدهم بالنصر وكان يتأول قوله تعالى: ﴿ومن بغى عليه لينصرنه الله﴾ ، وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنكم لمنصورون فيقول له بعض الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: أقولها تحقيقا لا تعليقا، وأفتى الناس بالفطر إذ كانت هذه وقعة "شقحب " في رمضان وتردد بعض الجند في قتال هؤلاء لأنهم يزعمون أنهم مسلون فأفتاهم ابن تيمية وبين حكم الإسلام فيهم وأنهم من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية حتى كان يقول هم: " إذا رأيتموني وأنا في ذلك الجانب - أي معهم - وعلى رأسي المصحف فاقتلوني"، وكان يدور على الجند والأمراء في الميدان فيأكل أمامهم ليبين لهم أنه مفطر ويروي لهم قول الرسول ﷺ في عام الفتح: " إنكم ملاقوا العدو غدا والفطر أقوى لكم "،.
وطلب منه السلطان قبيل المعركة أن يقف معه وتحت راية مصر فأبى قائلا: " السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم " [٦] .
стр. 1103
بدأت المعركة والتحم القتال بين الفريقين ودارت رحى الحرب ومضى يوم كامل وهم في معركة دائرة حتى غطاهم الليل بسواده وهربت جيوش التتار واعتصمت بالجبال وبعد أن ظلت سيوف المسلمين تنوشهم من كل مكان وحاصرهم حصارا شديدا فقتلوا منهم أمما لا يحصى عددهم إلا الله تعالى.
وهكذا رأت جيوش التتار الهزيمة المنكرة ولأول مرة في تاريخها الطويل وحروبها المدمرة، حين وقف في وجهها أمثال الإمام العظيم ابن تيمية؛ والواقع أن ابن تيمية لم ينقذ الشام أو مصر فحسب من شرور هؤلاء، ولكن أنقذ العرب والإنسانية بكاملها حيث كانوا مخاف الشرق والغرب.
وقد كانت غاراتهم أشبه بهزات عنيفة تغير وجه الأرض.
يقول جيبون المؤرخ الغربي في تصوير هول الغارات التي يشنونها: " إن بعض سكان السويد قد سمعوا عن طريق روسيا نبأ ذلك الطوفان المغولي فلم يستطيعوا أن يخرجوا كعادتهم إلى الصيد في سواحل أنجلترا خوفا من المغول" [٧] .
هذه لمحات خاطفة عن هذا الإمام الجليل والقائد العظيم الذي أنقذ به العالم الإسلامي كله بل والغرب كله كما رأينا من نص جيبون ولا يسع المجال لسرد كل ما قيل في هذا الباب:
هذا هو ابن تيمية الذي آمن بوعد ربه والحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ ، وهو القائل عز شأنه: ﴿كان حقا علينا نصر المؤمنين﴾ .
هذا هو ابن تيمية الذي لا زال في كثير من الأوساط العلمية مظلوما مبغوضا لا يعرف له قدره ولا جهاده العظيم المتواصل، وإني أسأل الله أن يهيء لهذه الأمة في فترتها العصيبة من أمثال ابن تيمية لينقذوا العالم الإسلامي الذي وقع تحت أيدي الصهيونية والشيوعية الملحدة والصليبية الحاقدة واليهودية المجرمة من بلاد الإسلام والمسلمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيرا.
стр. 1104
--------------------------------------------------------------------------------
[١]ـ في كتابه الكامل ج١٢.
[٢]ـ انظر تفاصيل هذه الحوادث في تاريخ الكامل لابن الأثير ج١٢ والبداية والنهاية لابن كثيرج١٣ ص٣٠٠، ودائرة المعارف للبستاني٦ص٥١ مادة (تتر)
[٣]ـ هو رابع ملك مسلم من ملوك التتار وقد توفي سنة٧٠٣هـ.
[٤]ـ البداية والنهاية: ج١٤ص١٥.
[٥]ـ البداية والنهاية: ج١٤ص١١
[٦]ـ البداية والنهاية: ج١٤ص٢٦.
[٧]ـ ابن تيمية للشيخ عبد العزيز المراغي.
стр. 1105
إنا لله وإنا إليه راجعون
في العشر الأواخر من رمضان سنة ١٣٨٩ هـ انتقل إلى رحمته تعالى سماحة المفتي الأكبر للديار السعودية ورئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ.
والمجلة إذ تقدم عزاءها إلى أبنائه وذويه وإلى نائب رئيس الجامعة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز وإلى جميع أعضاء الجامعة أساتذة وموظفين وطلابا وإلى العالم الإسلامي.. نسأل الله عزوجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته ويجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
والجدير بالذكر أن سماحة الفقيد كان يشغل إلى جانب ما ذكر منصب رئاسة القضاة بالمملكة ورئاسة الرابطة للمعاهد والكليات ورئاسة الرابطة الإسلامية بمكة المكرمة.
المجلة
стр. 1106
مع الصحافة
ظهر الآن سر التآمر على الخلافة الإسلامية
(نشرت جريدة الميثاق التي تصدرها رابطة علماء المغرب في العدد ٩٤ من سنتها السابعة المقال التالي:
نعم ظهر السر في تآمر الدول الغربية بالأمس القريب على الخلافة الإسلامية حتى أطاحوا بها على يد ثلة من ربائبهم وصنائعهم ممن زعموا أنهم رواد البعث الإسلامي أو العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وشوهوا سمعتها وألحقوا بعدها كل وصمة من الرجعية والتأخر، وجعلوا الجالس على عرشها باستحقاق عبد الحميد الثاني مثال الرعونة والاستبداد، ثم خلعوه فلم يستقم لها أمر بعده.
فها هو البابا يصول ويجول، ويتدخل في القضايا السياسية الكبرى، لصالح المسيحية طبعا، ويسافر إلى إفريقيا متفقدا رعاياه، متقبلا فروض الطاعة من الرؤساء المسيحيين الذين فرض بعضهم فرضا على دول إسلامية مئة في المئة تقريبا مركزا عمله على الإقليم النيجيري المنفصل عن أم الوطن بمؤامرة مسيحية مكشوفة، وهذا يعني أن المسيحية ومستقبلها في القارة السمراء لها من يرعاها ويتعدها سواء من الناحية المادية أو المعنوية في حين أن الديانة الأخرى وهي الإسلام الذي يعتنقه أكثر من ثلثي سكان إفريقيا لا تجد من يهتم بها أو يحميها من مؤامرات الصليبيين الجدد وحلفائهم الاستعماريين.
إن هذا الفراغ في العالم الإسلامي هو ما سعى إليه من كانوا يسمون في مطلع هذا القرن بالشبان الترك ومن حذا حذوهم من المغفلين العرب المسلمين الذين فتلوا في الذروة والغرب من حيث لا يشعرون لتحقيق أمل الغرب المسيحي في القضاء على خلافة الإسلام وتفريق كلمة المسلمين وتقسيمهم إلى دويلات وشعوب متباينة متقاطعة حتى صاروا إلى ما نراهم عليه الآن من تشتت وتفتت وتمزق، وما يتبع ذلك من ضعف وذل وهوان.
стр. 1107
ولقد قلنا مرارا أن القارة الوحيدة التي يجب أن تكون إسلامية هي قارتنا الإفريقية، نادينا بذلك في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي وبينا الأخطار التي تتهدد الإسلام فيها بتولية قيادة منظمة الوحدة الإفريقية إلى رئيس غير مسلم، وكتبنا في ذلك المقالات المتعددة وتحدثنا به في غير ما مؤتمر، وهاهو ذلك الخطر يكشف عن وجهه، وهاهو ذا الإسلام غريب في داره، يتيم بين أهله وذويه، لا يجد من يهتم به ولا من يدافع عنه.
ولو كانت دولة الخلافة الإسلامية قائمة لساندت النيجيريين الاتحاديين ولارتفع صوت الإسلام باستنكار المؤامرات المسيحية ضد وحدة التراب النيجيري، تلك المؤامرات التي يشترك في تدبيرها حتى الصليب الأحمر الذي يعتبر منظمة إنسانية حيادية، ومن واجبه أن يبقى كذلك، ويبلغ الأمر إلى أن ينتقل الكرسي الرسولي - كما يسمونه - إلى عين المكان ليبارك المساعي التي تبذل من أجل تعزيز الانفصاليين البيافريين، وإن تظاهر بالدعوة إلى السلام ومحاولة التوفيق بين المسيحية والإسلام, لكن من غير أن يكون هناك طرف وزعامته الروحية المسيحية.
فهل تكون في هذا عبرة للرؤساء والقادة المسلمين الذين جعلوا قضية الإسلام دبر آذانهم، فليراجعوا موقفهم ويعلموا أن سياستهم هذه منبوذة من شعوبهم ولا يرضى عنها أيضا حتى الكمشة من المسيحيين غير المخلصين لأوطانهم من شعوبهم، لأن هذه الكمشة لا تريد أن يعود الحكم المسيحي الاستعماري لبلاد الإسلام والبلاد العربية خاصة.
إننا نهيب بالدول الإسلامية إلى أن تعلن تأييدها للقضايا الإسلامية والدين لا بأي اسم آخر وليتقدم إلى ذلك من عنده بقية من إيمان ولا عليه فيمن خالفه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ .
стр. 1108
من تاريخ المذاهب الهدامة
كتاب أسرار الباطنية لمحمد بن مالك (٣)
بقلم محمد بن مالك اليماني
باب ذكر علي بن فضل الجدني لعنه الله:
من ذرية جدن و (الأجدون) من سبأ صهيب وأصله من جيشان [١] ، وكان في أوله ينتحل الإثني عشرية فخرج للحج ثم زار [٢] ، قبر النبي ﷺ ثم مضى إلى الكوفة لزيادة قبر الحسين بن علي ﵁ فلما وصل إلى الكوفة وزار قبر الحسين ﵁ بكى على القبر بكاء شديدا وجعل ينوح ويقول بأبي أنت يا ابن الزهراء المضرح بالدماء الممنوع من شرب الماء وكان ميمون القداح على القبر وولده عبيد فلما بصرا به سرهما وطمعا به وعلما أنه ممن يميل إليهما ويدخل في ناموسهما فقال: ميمون أيها الشاب ما كنت تفعل لو رأيت صاحب هذا القبر؟ قال: إذا والله أضع له خدي وأجاهد بين يديه حتى أموت شهيدا، فقال ميمون: أتظن أن الله قطع هذا الأمر؟ قال له علي بن فضل: لا ولكن لا اعلم ذلك فهل عندك منه خبر أيها الشيخ؟ فقال أخبرك به إن شاء الله عند الإمكان ثم قام ميمون فتعلق به؛ قال ميمون: تقف بهذا المسجد إلى غد، فوقف أياما فلم ير له خبرا، فودع أصحابه وقال لهم: أما أنا فلا أبرح هاهنا حتى أتنجز وعدا قد وعدته، فأخذ له من المؤونة ما يكفيه فوق أربعين يوما وميمون وولده يرمقانه من حيث لا يعلم بهما، فلما رأى ميمون صبره أعجبه، وعلم أنه لا يخالفه في شيء من دعوته والميل إلى كفره وضلالته؛ فأتاه عبيد فوثب إليه فاعتنقه، وقال: سبحان الله يا سيدي وعدني الشيخ وعدا فأخلفني فقال: لم يخلفك، وإنما قال: أنا آتيك غدا إن شاء الله، وله في هذا مخرج على ضميره، ثم جلسا وجرى بينهما الكلام، وقال له: يا أخي اعلم أن ذلك الشيخ أبي وقد سره ما رأى من صبرك وعلو همتك وهو يبلغك محبوبك إن شاء الله، ثم أخذه بيده فأوصله إلى الشيخ؛ فلما رآه قال: الحمد لله الذي رزقني رجلا
стр. 1109
نحريرا مثلك استعين به على أمري وأكشف له مكنون سري، ثم كشف له أمر مذهبه لعنهما الله؛ فأصغى إليه واشرأب قلبه وتلقى كلامه بالقبول، وقال له علي: والله إن الفرصة ممكنة في اليمن، وإن الذي تدعو إليه جائز هناك وناموسنا يمشي عليهم وذلك لما أعرف فيهم من ضعف الأحلام وتشتيت الرأي وقلة المعرفة بأحكام الشريعة المحمدية، فقال له ميمون: أنا موجهك إلى المنصور الحسن بن زاذان، وكان ينسب إلى ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكان أبوه ممن ينتحل مذهب الشيعة الإثنى عشرية، وكان من أهل الضلالة، وكان من أهل الكوفة، فلما دخل ميمون الكوفة وظفر بالحسن بن زاذان علم أنه مسعود وأنه ينال ملكا وشرفا، وذلك من طريق معرفته بالنجوم والفلسفة، فجعل ميمون يلطف به ويرفق فيكشف له مذاهب الفلسفة ومقالهم، فلم يزل به حتى قبل منه وركن إلى قوله، وما زال به حتى مال إلى معتقده وصار من دعاته الذين يدعون إليه وإلى ولده.
فعند ذلك قال ميمون: يا أبا القاسم إن الدين يماني والحكمة يمانية وكل أمر يكون مبدأه من قبل اليمن فإنه يكون ثابتا ثبوت نجم النجم، وذلك أن إقليم اليمن أعلى أقاليم الدنيا، ولابد من خروجك إلى هنالك أنت وأخوك علي بن فضل اليماني فسيكون لكما شأن وملك وسلطان في اليمن، فكونا على أهبة.
فقال له: الأمر إليك يا سيدي، قال المنصور، فكنت أنا وعلي بن فضل وعبيد لا نزال نكثر المذاكرة في مجلس الشيخ، وكان يقول عند تمام الوقت ومضى ستة أدوار من الهجرة المحمدية أبعثكما إلى اليمن تدعوان إلى ولدي هذا فسيكون له ولذريته عز وسلطان.
стр. 1110
وأخذ عليّ وعلى علي بن فضل العهود والمواثيق لولده، فلما كان أوان خروجنا، قال لنا ميمون: هذا هو الوقت الذي كنا ننتظره، فاخرجا في هذا الموسم ثم وجهنا بالحج وعهد إلينا، ثم خلا بي وأوصاني بالاستتار حتى أبلغ مرادي، وقال لي الله الله بصاحبك فاحفظه وأكرمه بجهدك، ومره بحسن السيرة في أمره فإنه شاب ولا آمن نبوته، وخلا بعلي بن فضل وقال: الله بصاحبك وقره واعرف له حقه ولا تخالفه فيما يراه لك إنه اعرف منك، وإنك إن خالفته لم ترشد.
قال المنصور فلما صرت في بعض الطريق لحقني كمد عظيم لحال الغربة وإذا بحاد يقول:
يا أيها الحادي المليح الزجر
نشر مطاياك بضوء الفجر
تدرك ما أملته من أمر
قال: فلما سمعت ذلك سررت به واستبشرت فوصلت مكة مع الحاج وذلك في أيام محمد بن يعفر الحوالي [٣] ، ثم أقبلنا نسأل عن أخبار اليمن، فقيل لنا: إن الأمير محمد بن يعفر رد المظالم واعتزل عن الناس ورجع إلى التنسك والعبادة، فقلنا: ولم فعل ذلك؟
فقيل لنا: إنه قيل له أن في هذه السنة يخرج عليه خارجي فيكون زوال أمره على يديه، ويقال إنه رد في يوم واحد ألف دينار، وكان في بني حوال رجل يقال له إبراهيم فقال:
يا ذا حوال يا مصابيح الأفق
تداركوا عزكم لا ينفتق
فتطلبون رتق مالا يرتتق
فأيكم قام بها فقد سبق
فقام ولد محمد بن جعفر.
قال محمد بن مالك الحمادي ﵀:
فلما خرج علي بن فضل مع الحاج هو والمنصور وصارا في (غلافقة) [٤] ، افترقا وقال كل واحد منهما لصاحبه: أعلمني بأمرك وما يكون منك فوصل المنصور إلى (الجند) [٥] ، وصاحب الأمر علي بن فضل إلى ناحية (جيشان) .
стр. 1111
فأما يومئذ جعفر بن إبراهيم المناخي وخرج المنصور فإن ميمونا كان قال له: لا يظهر أمرك إلا من موضع يقال له: (عدن لاعة) [٦] ، فإنه أقوى لأمرك وأمضى لناموسك، وإنما دله على ذلك الفلسفة وعرف ما سطره في كتبهم من تسمية الأقاليم والبلدان وتقويم الكواكب السبعة، فلما صار المنصور إلى الجند سأل عن (عدن لاعة) ؟ فقالوا: لانعرف إلا (عدن أبين) [٧] ، بتجارة تصلح لعدن كما يفعل التجار، فأقام أياما فيها يسأل عن (عدن لاعة) مدة بقائه هنالك فبصر به شيخ من تجار عدن فأنكره فسأله عن حاله؟ فقال: أنا رجل من أهل العراق وكنت حاجا في هذه السنة، قال: فهل عندك خبر؟ فقال: لست صاحب أخبار وعما تريد أن أخبرك عنه؟ قال له العدني: هل حدثت في الشام أحداث؟ فقال: لا علم لي بشيء، فلم يزل به حتى أعلمه ما في ضميره، فعاهده المنصور على كتمان سره، وسأله عن (عدن لاعة) ؟ فقال: هي معروفة ولا يزال أهلها من التجار يصلون إلينا وأنا أعلمك بهم إذا وصلوا.
يقال: إن هذا العدني جد بني الوزان فاسدي المذهب، وبنوا الوزان إلى اليوم رفضة شيع.
стр. 1112
فلما وصل التجار من (عدن لاعة) ، ومن عيان [٨] ، فسألهم عن الموضع فأخبروه عنه وأنه في ناحية بلادهم، وهي قرية صغيرة، فمن أعلمك من الناس بها؟، قال: الناس يسمعون بذكر البلدان، فلما عزموا على الرحيل تأهب للخروج معهم وقال: أنا رجل من أهل العلم، وقد رغبت بالخروج معكم إلى بلدكم، ففرحوا به وأكرموه، وقالوا: مرحبا بك نحن أحوج إلى من يبصرنا في أمر ديننا، ونحن نكفيك المئونة، ونحملك؛ فأثنى عليهم وشكرهم وقال: لا حاجة لي فيما عندكم، وإنما أردت وجه الله تعالى، فارتحل معهم فكان يسامرهم ويروي لهم أحسن الأخبار، فأحبوه وأصغوا إليه وإلى قوله؛ فكانوا يحدقون به إكراما له وتبجيلا حتى قدموا (لاعة) ، فادعى الفقه في مذهب السنة والجماعة فتسامع به الناس وأقبلوا إليه من كل ناحية وهو مستعمل الورع وحسن السيرة حتى مالت إليه مخاليف المغرب (لاعة واردان [٩] وحجة وعيان وبلدان بياض [١٠] ) ، فأمرهم بجمع الزكاة عن أموالهم فاستعمل عليهم منهم ثقات وعدولا يقبضون أعشار أموالهم على ما يوجبه الفقه.
стр. 1113
فأقام سنتين بعد قتل (محمد بن يعفر) ، واختلاف بني حوال فيما بينهم، فقال لهم: قد رأيت أن تبنوا موضعا منيعا يكون لبيت مال المسلمين، فعزموا على ذلك ولم يخالفوه فيما أمرهم به فأجمعوا على بناء موضع يقال له: (عبر محرم) ، وهو جبل تحت مسور وهو موضع بني العرجي قوم من سلاطين المغرب همدان، فلما بنى الجبل وحصنه حمل إليه كل ما يحتاج إليه بعد أن ساعده إلى إرادته خمسمائة رجل، وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم إنه بعد ذلك ارتكب الحصن هو وأصحابه ونقلوا حريمهم وأموالهم بعد أن أخرج الحوالي عسكرا في جنح الليل إلى موضع كانوا فيه يقال له: (الحيفة) في ناحية (لاعة) فقتل من أصحاب المنصور اثنى عشر وارتكب الجبل (عبر محرم) بمعاملة لبني العرجي، وأنكر الناس أمره وأضرموا النار لحربه؛ فكتب إليهم أني ما طلعت هذا الجبل إلا لأحصن به نفسي من السلطان، فلم يقبلوا منه وجاسوا إليه فقاتلوه فهزمهم وقتل منهم بشرا كثيرا, فعظم حينئذ شأنه وشاع إلى جميع العشائر ذكره، وبلغ الأمير ذلك فكتب إلى جميع العشائر حوله يحرضهم على قتاله فقاتلوه مرارا وهو ينتصر عليهم.
стр. 1114
ثم استنجدوا عليه رجلا من سلاطين شارو يقال له: أبو إسماعيل، وبالحوالي صاحب صنعاء فأمدهم بالعساكر الكثيرة فهزمهم وقتل منهم قتلا كثيرا فازداد بذلك ذكره وعظم أمره ودخل في طاعته من كان حوله طوعا وكرها واستعمل الطبول والرايات وأظهر مذهبه ودعا إلى عبيد بن ميمون وكان يقول: والله ما أخذت هذا الأمر بمالي ولا بكثرة رجالي وإنما أنا داعي المهدي الذي بشر به النبي ﷺ فانهمك إليه عامة الناس ودخلوا في بيعته ثم سمت به همته إلى ارتكاب جبل مسور حصن يقال له: فاير [١١] فيه خمسمائة رجل ومأمور للحوالي، فلم يزل الملعون يتلطف حتى عامل مع عشرين رجلا منهم فارتكب الجبل بالليل فأصبح في رأسه وقصد من كان في بيت (فاير) وفتحوا له العشرون الذين عاملوه وقالوا: (ادخلوها بسلام آمنين) ، فقال: المنصور اخرجوا منها فإنا داخلون.
وسأل صاحب الحصن الأمان على نفسه ومن معه فأمنهم، فلما رأى المنصور صاحب الحصن مقبلا نزل عن دابته ومشى إليه واعتنقه فزال عنه الرعب، وقال له: إن معي مالا للسلطان فمن يقبضه، فقال المنصور لعنه الله: لسنا ممن يرغب في مال السلطان وما طلعت هذا الجبل لأخذ أموال الناس، وإنما طلعت لإصلاح الإسلام والمسلمين، خذ مال صاحبك فأده إليه.
فذكروا أنه لعنه الله طلع جبل مسور في ثلاثة آلاف رجل ومعه ثلاثون طبلا، فكانت طبوله إذا ضربت سمعت إلى المواضع البعيدة من المغرب.
стр. 1115
ثم إنه بعد ذلك حصن الحصن ودربه وبنى فيه دار الإمرة وهو بيت ريب وهو أول من أسسه وجعل فيه من يثق به من أهل مذهبه، ثم بنى بيت ريبة ودرب الجبل من كل ناحية وجعل له بابين، وبنى بيت الريبة قصرا وسماه دار التحية فعند ذلك أحل ما حرم الله وكان يجمع أصحابه في ذلك القصر ونسائهم ويرتكبون الفواحش، وأقام يحارب من حوله من القبائل ويبعث إليهم بالعساكر، فأبادهم وأخذ أموالهم وقتل رجالهم حتى دخلوا في طاعته كارهين ذلك، واستولى على جميع مخاليف المغرب قهرا، واستعمل عليهم رجلا من أهل مذهبه يقال له: أبو الملاحف، فأقام بناحية جبل (تيس) واليا للمنصور، وخرج بنفسه وعساكره إلى بلاد (شارو) فاستفتحها وحاصر صاحبها أبا إسماعيل الشاوري سبعة إلى مسور ثم خرج إلى ناحية (شبام) أشهر حتى استنزله من حصنه ورجع حمير [١٢] فأقام يحاربهم لمدة طويلة وخرجت عساكره إلى ناحية المصانع من بلدة حمير فاقام هناك في مراكز الحمير فتحموا عليه وقتلوا جماعة من عسكره فانهزموا إلى مسور، فغفل عنهم أياما يسيرة وعامل رجلا يقال له: الحسين بن جراح وكان في الضلع (ضلع شبام) واليا على أن يعضده على شبام ويكون أمرها إليه فعاقده على ذلك وخرج بنفسه وعساكره وقام معه الحسين بن جراح ففتح (شبام الأهجر) فأخرج منها بني حوال وحمل إلى مسور جميع ما غنمه من مسالك بني حوال وأموالهم.
وأقام شهرا، وندم ابن الجراح على ما كان منه في معاملته وخاف على نفسه وحالف رجلا يقال له: ابن كبالة من قواد بني حوال كان واليا على صنعاء؛ فجاش ابن كبالة بقبائل حمير وهمدان وخالف ابن جراح القرمطي فصاروا في وجهه وابن كبالة يقابله على درب شبام، فضاق حال الملعون القرمطي وخرج منهزما بالليل هو وأصحابه إلى مسور فذكرا أنّه ما خرج إلا بنفسه، وترك خيله وأقام في شبام حتى رجع لها القرمطي ثانية، وذلك عند دخول علي بن فضل صنعاء، وأنا أذكر ما كان منهما لعنهما الله.
стр. 1116
وقد كان المنصور كتب قبل أن يختلف هو وعلي بن فضل إلى ميمون وولده يخبره بما فتح من البلاد، ووجه إليهما بهدايا وطرف من طرف اليمن، وكان ذلك سنة تسعين ومائتين، فلما وصلت هديته إلى القداح وولده سرهما ذلك، وقال لولده: هذه دولتك قد أقبلت.
ثم إن المنصور أقام في مسور إلى أن جرى بينه وبين علي بن فضل الجدني اختلاف ومحاربة، وأنا أشرح ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكان موت المنصور لعنه الله سنة اثنتين وثلاثمائة، وولي الأمر من بعده عبد الله ابن عباس الشاوري.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] جيشان، والأجدون، وسبأ وصهيب، بلدان في اليمن معروفة إلى اليوم.
[٢] لا عجب في قصده القبور للزيارة وهي مخالفة للشرع لأنه باطني زنديق.
[٣] بنو يعفر من حمير بقية الملوك التبابعية استبدوا بصنعاء، مقيمين للدعوة العباسية، وكان آخرهم أسعد بن يعفر ثم أخوه محمد، فدخلوا في طاعة بني زياد.
[٤] وهي تعرف اليوم بغليفقة بلدة بساحل اليمن كانت من أشهر موانيه.
[٥] الجند: مدينة باليمن تبعد عن صنعاء جنوبا بستة أيام، وهي أول موضع ظهرت فيه الدعوة الإسماعيلية باليمن منها قام منصور اليمن، ومنها قام محمد بن الفضل الداعي سنة ٣٤٠هـ وممن وصل إليها من الدعاة أبو عبد الله الشيعي صاحب الدعوة بالمغرب، وفيها قرأ الصليحي في صباه كما ذكره عمارة.
[٦] عدن لاعة: بلدة في غرب صنعاء تبعد عنها مسيرة أيام.
[٧] عدن أبين: هي عدن لحج الثغر الطبيعي لليمن.
[٨] عيان: بلدة في اليمن بالقرب من عدن لاعة.
[٩] لعلها عزان.
[١٠] بلدان باليمن معروفة إلى اليوم تابعة لقضاء حجة.
[١١] حصن من أمنع حصون اليمن إلى يومنا هذا.
[١٢] شبام حمير: مدينة بأسفل جبل كوكبان وهي غير شبام حضرموت
.
стр. 1117
يستفتونك
يتولى الرد على أسئلة القراء فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز
نائب رئيس الجامعة الإسلامية
ورد سؤال عن حكم استعمال الأسورة النحاسية، وقد ثبت لها بعض الخصائص لمكافحة مرض (الروماتيزم) .
الذي أرى في هذه المسألة ترك الأسورة المذكورة سداً لذريعة الشرك وحسماً لمادة الفتنة بها والميل إليها وتعلق النفوس بها رغبة في توجيه المسلم بقلبه إلى الله سبحانه ثقة به واعتمادا عليه واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك وفيما أباح الله ويسر لعباده غنية عما حرم عليهم وعما اشتبه أمره وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه"، وقال ﵊: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، ولا ريب أن تعليق الأسورة المذكورة يشبه ما تفعله الجاهلية في سابق الزمان فهو إما من الأمور المحرمة الشركية أو من وسائلها وأقل ما يقال فيه إنه من المشتبهات فالأولى بالمسلم والأحوط له أن يترفع بنفسه عن ذلك وأن يكتفي بالعلاج الواضح الإباحة البعيد عن الشبهة، هذا ما ظهر لي ولجماعة من المشايخ والمدرسين.
بيان أن الأشياء التي يتقى بها خطر السحر قبل وقوعه والأشياء التي يعالج بها بعد وقوعه من الأمور المباحة شرعا:
أما النوع الأول: وهو الذي يتقى به خطر السحر قبل وقوعه فأهم ذلك وأنفعه هو التحصن بالأذكار الشرعية والدعوات والتعوذات المأثورة.
ومن ذلك قراءة آية الكرسي خلف كل صلاة مكتوبة بعد الأذكار المشروعة بعد السلام.
стр. 1118
ومن ذلك قراءتها عند النوم، وآية الكرسي هي أعظم آية في القرآن الكريم وهي قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
ومن ذلك قراءة قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس خلف كل صلاة مكتوبة وقراءة السور الثلاث ثلاث مرات في أول النهار وأول الليل.
ومن ذلك قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة في أول الليل وهما قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إلى آخر السورة.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح"، وصح عنه أيضا ﷺ أنه قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه"، والمعنى والله أعلم كفتاه من كل سوء.
ومن ذلك الإكثار من التعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق في الليل والنهار، وعند نزول أي منزل في البناء أو الصحراء أو الجو أو البحر لقول النبي ﷺ : "من نزل منزلا فقال: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك".
стр. 1119
ومن ذلك أنه يقول المسلم في أول النهار وأول الليل ثلاث مرات: "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم"، لصحة الترغيب في ذلك عن رسول الله ﷺ .
وهذه الأذكار والتعوذات من أعظم الأسباب في اتقاء شر السحر وغيره من الشرور لمن حافظ عليها بصدق وإيمان وثقة بالله واعتماد عليه وانشراح صدر لما دلت عليه، وهي أيضا من أعظم العلاج لإزالة السحر بعد وقوعه مع الإكثار من الضراعة إلى الله وسؤاله سبحانه أن يكشف الضر ويزيل البأس.
ومن الأدعية الثابتة عن رسول الله ﷺ في ذلك في علاج الأمراض من السحر وغيره وكان ﷺ يرقي بها أصحابه: "اللهم رب الناس اذهب البأس أشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما"، ومن ذلك الرقية التي رقى بها جبرائيل النبي ﷺ وهي قوله: "بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك", وليكرر ذلك ثلاث مرات.
стр. 1120
ومن علاج السحر بعد وقوعه أيضا وهو علاج نافع للرجل إذا حبس عن جماع أهله أن يأخذ سبع ورقات من السدر الأخضر فيدقها بحجر أو نحوه ويجعلها في إناء يصب عليه من الماء ما يكفيه للغسل ويقرأ فيها: آية الكرسي، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس وآيات السحر التي في سورة الأعراف وهي قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ ، والآيات التي في سورة يونس وهي قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ، فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ، فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ، وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ، والآيات التي في سورة طه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى، قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اْلأعْلَى، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ، وبعد قراءة ما ذكر في الماء يشرب بعض الشيء ويغتسل بالباقي وبذلك يزول الداء إن شاء الله، وإن دعت الحاجة لاستعماله مرتين أو أكثر فلا بأس حتى يزول الداء.
стр. 1121
ومن علاج السحر أيضا وهو من أنفع علاجه بذل الجهود في معرفة موضع السحر في أرض أو جبل أو غير ذلك فإذا عرف واستخرج وأتلف بطل السحر.
هذا ما تيسر بيانه من الأمور التي يتقى بها السحر ويعالج بها والله ولي التوفيق.
وأما علاجه بعمل السحر الذي هو التقرب إلى الجن بالذبح أو غيره من القربات لا يجوز لأنه من عمل الشيطان بل من الشرك الأكبر فالواجب الحذر من ذلك وفق الله المسلمين للعافية من كل سوء وحفظ عليهم دينهم إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1122
أين القمر؟
للشيخ حماد بن محمد الأنصاري
المدرس بكلية الشريعة
أقوال السلف تومئ إلى أن القمر وغيره من الكواكب في فلك دون السماء
الحمد لله وكفى، وصلى الله على المصطفى، وبعد:
فعلى إثر الحادثة التي تناقلتها وكالات الأنباء العالمية وبلغت أخبارها أنحاء العالم وهي ما أشيع عن وصول الإنسان إلى سطح القمر، تساءل كثير من الناس عن القمر هل هو مغروز في السماء المبنية أو هو دون السماء؟
وانقسم الناس في ذلك إلى مصدق بهذا النبأ تصديقا كاملا وإلى مكذب به وربما تجاوز في ذلك إلى تفسيق القائلين بالصعود أو تكفيرهم بينما وقف فريق ثالث من أخبار هذه الحادثة موقف التثبت والإستبانة حيث أنه لا يمكنه إعطاء معلومات يقينية على الرحلة إلى القمر ولم يظهر لهم مقتضى النصوص الشرعية في ذلك لوجود ظواهر ألفاظ آيات يحسبونها تقتضي استحالة النزول على القمر ولوجد ما ذكر توقف هؤلاء عن التصديق والتكذيب.
стр. 1123
هذا وقد قام فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية في هذا المجال بجهد مشكور أبان فضيلته أنه لا يعلم نصا صريحا من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ يمنع من وصول الإنسان إلى القمر، وما أحب أن أضيف زيادة إلى ما ذكره فضيلته فقد وفى البحث حقه، غير أني سبق أن جمعت في هذا الموضوع بعض النقول عن أئمة الإسلام وعلماء التفسير بمعالجة الموضوع من زاوية غير التي تناولها بالبحث والتحقيق فضيلته، وذلك أن بحثي في خصوص ما قرره علماء التفسير على بعض الآيات القرآنية المتعلقة بالأفلاك مما يبين أن القمر والشمس وغيرهما من الكواكب كل يسبحون دون السماء المبنية، وقد تناوله علماء الإسلام بالبحث فأبدوا فيه وأعادوا مما يدل على اطلاعهم وعمق تفكيرهم، وبعد نظرهم، وأنهم حينما يدرسون النصوص القرآنية يدرسونها ككل، ويحاولون التوفيق بين نصوصها، وأنهم بذلك قد خلفوا لنا ثروة فكرية وعلمية لا يمكن تقديرها، وأن التقصير والإهمال وعدم متابعة البحث كان ممن جاء بعدهم، وهذا هو ما دفعني إلى نشر هذه النقول ليشاركني في العلم بها إخواني من القراء الذين يعتزون بتراثهم الإسلامي؛ فأقول مستعينا بالله فإنه خير مستعان به:
إن الآيات التي تعرضت للقمر وغيره من الكواكب كثيرة أذكر منها خمس آيات وأقرنها بما روي عن السلف في تفسيرها مع ملاحظة أن مثل هذا التفسير ليس للرأي فيه مجال.
فالآية الأولى - من سورة الأنبياء قال تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .
стр. 1124
ذكر ابن جرير في تفسيره الجليل بسنده إلى ابن زيد أنه قال - في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ -: "أي الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر"، وقرأ ابن زيد قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ ، وقال تلك البروج بين السماء والأرض وليست في الأرض ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال ابن زيد فيما بين السماء والأرض النجوم والشمس والقمر".
وقال القرطبي (ج ١٥- ص٣٣) قال الحسن البصري: "الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة ولو كانت ملصقة ما جرت".
قال القرطبي أيضا: "والأصح أن السيارة تجري في الفلك وهي سبعة أفلاك دون السماوات المطبقة التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت فالقمر في الفلك الأولى ثم عطارد ثم الزهرة ثم الشمس ثم المريخ ثم المشتري ثم زحل والثامن فلك البروج والتاسع الفلك الأعظم " (ج١١ـ ص ٢٨٦) .
وقال البغوي في تفسيره المعروف عند الآية المتقدمة الذكر آنفا ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ : "وقال آخرون - يعني من علماء التفسير - الفلك موج مكفوف دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم".
وقال السيوطي في الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور: "أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره وأبو الشيخ عن حسان بن عطية في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: "الشمس والقمر والنجوم مسخرة في فلك بين السماء والأرض".
стр. 1125
وأما آية سورة يس: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فقد ذكر ابن كثير في تفسيره المشهور أن عبد الرحمن بن زيد ين أسلم قال: "فيها يسبحون في فلك بين السماء والأرض"، وقال ابن كثير - بعد ذكره هذا الأثر - "ورواه بن أبي حاتم وهو غريب جدا بل منكر"، قلت: وليس بغريب ولا منكر لأنّ هذا الأثر روي عن عبد الرحمن بن زيد كما ذكره ابن كثير، وروي أيضا عن حسان بن عطية كما مرّ عند ابن أبي حاتم فانتفت الغرابة والنكرة، وأضف إلى هذا أن ابن جرير أسند هذا التفسير عن ابن زيد حيث قال: حدثني يونس قال أخبرني ابن وهب قال: قال زيد فذكره.
وأما آية سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ الآية، فقد تقدم قريبا عند آية سورة الأنبياء أن ابن زهير قرأها وقال: "تلك البروج بين السماء والأرض وليس في الأرض".
وأما آية سورة نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً, وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ الآية...فقد قال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف للزمخشري: أخرج ابن مردويه في تفسيره من رواية حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنّه قال: "إنّ الشمس والقمر ووجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض"، قلت: أخرجه الحاكم في مستدركه قال: أخبرنا محمد بن صالح بن هانئ حدثنا الحسين بن الفضل حدثنا عفان بن مسلم حدثنا حماد بن سلمة عن يونس عن يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵁: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ ، قال ابن عباس: "وجهه إلى العرش وقفاه إلى الأرض"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ورمز له الذهبي في تلخيصه (م) يعني أنّه على شرط مسلم.
следующие страницы →