Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.
стр. 10571
متفق بين علماء الديانات وخصوصا ديانات الكتب المقدسة أن أحد تعاريف النبي (هو الذي ينبئ عن الله) أو يتكلم بوحي من خالقه فالمفروض أن يكون عنده شيء يأخذه بحذر بالنسبة للغيب أو المستقبل. ومن المؤكد أن الذي يصدقه فيما حدث في الحياة الدنيا لابد أن يصدقه فيما وعد به في الحياة الآخرة لكن عندما تنسب نبوة لنبي ما ويشهر النبوءة ثم تثبت الحياة الدنيا أنها لم تتحقق يبقى ماذا يكون المصير بالنسبة لهواة الحياة الآخرة -هذه قاعدة أعتقد أننا متفقين عليها- فبالنسبة لموضوع النبوءات نجد الآتي:
أن السيد المسيح مع تلاميذه تنبأ لهم بأن نهاية العالم سوف تأتي لهم في القرن الأول الميلادي وهذا يفرض في نفوس كثيرة من ضمنها ومن الأفضل أن نقرأ النص: " دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطاناً على أرواح نجسة وأوصاهم قائلاً: أنا أرسلكم كغنم وسط ذئاب فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمائم ومتى طردوكم من المدينة فاهربوا إلى الأخرى، فإن الحق أقول لكم. لتكملون مدن إسرائيل حتى ابن الإنسان " - (متى) إصحاح عشرة الأعداد ١ و٢٣، أي أن عودة المسيح ثانية إلى الأرض تحدث قبل أن يكمل تلاميذه التبشير في مدن إسرائيل وهي كذلك تحدث قبل أن يكون معاصري المسيح الذين عاشوا في القرن الأول من الميلاد قد ماتوا. والنص يقول: " إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله. الحق لكم إن من القيام ههنا قوم لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته " (متى) إصحاح ١٦ عدد ٢٧ و٢٨. وبصورة أخرى تؤكد ما سبق فإن نهاية العالم وعودة المسيح ثانية إلى الأرض لابد أن تحدث قبل أن يفنى ذلك الجيل في القرن الأول من الميلاد. والنص يقول:
стр. 10572
"بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطى ضوء والنجوم تسقط من السماء وقوة الأرض تتزعزع وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله".
قال العلماء أن هذه التنبوءات خاطئة ولا يمكن الدفاع عنها.
تعليق:
نلاحظ أن العبارة التي تقول إن ابن الإنسان يأتي على السحاب، فإنهم طبعاً لم يروا المسيح يأتي على السحاب بل رأوه على الصليب فكونهم يشبهونه أنه يأتي على السحاب فهذا ما لم يره أحد إطلاقاً.
- ومن النبوءات التي اتفق العلماء على أنها لم تحقق ولن تتحقق يلخصها هذا النص: "أن المسيح جالس مع تلاميذه فقالوا له قد تركنا الدنيا وتبعناك فماذا يكون لنا -وتلاميذه فيهم يهوذا الخائن- لأنه خان في آخر لحظة- قال لهم إنكم الاثني عشر ستجلسون معي على كراسي تدينون أسباط إسرائيل".
- في حوار دار بين المسيح وتلاميذه عن من تكون له النجاة في العالم الآخر، سأل بطرس معلمه عن أجر المؤمنين فقال: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا؟ فأجابه المسيح: متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر"إصحاح ١٩، ٢٧، ٢٩.
تعليق:
لقد كان يهوذا الإسخريوطي أحد التلاميذ الاثني عشر وبعد خيانته أصبح يعرف بالهالك لأنه طرد من صحبة المسيح في الدنيا والآخرة وبهذا استحال تحقيق هذه النبوءة وإذا رجعنا إلى نظير هذه الفقرة من إنجيل لوقا لوجدنا الآتي: (وهو كلام من تفسير فمتون) : "إنه حذف العدد الاثني عشر ولعل ذلك يرجع كما يقول (فمتون) إلى أنه كان يفكر في يهوذا الإسخريوطي".
تعليق:
إذن استحال تحقيق هذه النبوءة.
стр. 10573
- هناك نبوءة أخرى -ونكتفي بها في موضوع النبوءات- أن المسيح يدفن في الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، حاول قاضي من اليهود تعجيز المسيح فقال له، "نريد منك يا معلم أن نسمع منك آية فأجاب وقال جيل شرير وفاسق يطلب آية؟ ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي، لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال يكون هكذا ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" (متى) الإصحاح ١٢ العدد ٣٨.
تعليق:
هذا القول جاء في الأناجيل وذكر في إنجيل (لوقا) مع اختلاف هام يلحظه القارئ وذلك في قوله: "هذا الجيل شرير يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضاً لهذا الجيل.." (لوقا) إذن تخلص من تحديد ثلاثة أيام وثلاثة ليال.
نقرأ في سفر (يونان) من أسفار العهد القديم "أعد الرب حوتا عظيماً ليبتلع يونان فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال فصلى يونان إلى رب إله في جوف الحوت وأمر رب الحوت فقذف يونان إلى البر"إذن من الواضح لتتحقق هذه النبوءة في المسيح حسب قولهم يجب أن ينتظر ثلاثة أيام وثلاث ليال حتى يظهر ثانية ويقوم.
لكن إذا رجعنا إلى ما تذكره الأناجيل من أحداث الصلب والخيانة لوجدنا أن المصلوب أنزل من على الصليب مساء الجمعة، "ولما كان المساء إذ كان الاستعداد -أي ما قبل السبت- جاء يوسف ودخل إلى بلاط الحاكم وطلب جسد يسوع، فدعا قائد المائة وسأله هل له زمان قد مات؟ ولما عرف من قائد المائة.. اشترى كتاناً وأنزله وكفنه بالكتان ووضعه في قبر كان منحوتاً في صخرة ودحرج حجراً على باب القبر" (مرقس) إصحاح ١٥ عدد ٤٢.
وقد اكتشف تلاميذ المسيح وتابعوه أن ذلك القبر كان خالياً من الميت في الساعات الأولى من فجر يوم الأحد.
стр. 10574
وبهذا يقول إنجيل (متى) "وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظر القبر فأجاب الملاك وقال للمرأتين ليس هو ههنا لأنه قام كما قام"٢٨ العدد ١.
كذلك يقول إنجيل (يوحنا) "وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر".
تعليق:
بعملية حسابية بسيطة نجد أن الأيام التي قضاها الميت في بطن القبر يوم وليلتان أي يوم السبت وليلة السبت والأحد، إذن لا تصح دعوة ثلاثة أيام وثلاث ليال ولذلك فقد تخلص منها (لوقا) .
مدير الندوة:
نريد أن ننظر في الذين زاروا القبر لأنه أحياناً تكون مريم المجدلية وأحياناً تكون معها مريم أم يعقوب، وأحياناً تكون الأسماء مختلفة. ثم لماذا يذهبون إلى القبر. لماذا تذهب مريم المجدلية إلى القبر؟ الإنجيل يقول أنها أخذت (حانوت) لتحنط المسيح مع أنه من المعروف أن المسيح حنط بخمسين كيلو حلبة. فإذا كان المسيح قد حنط بخمسين كيلو فلماذا تذهب مريم المجدلية في اليوم الثاني وماذا تعمل؟ ولماذا تحنطه بعد أن حنط بأكثر من نصف وزنه؟ كيف يمكن أن يعقل هذا؟ أرجو أن توضح لي الأسماء التي اختلفت فيها الأناجيل.
الأستاذ أحمد عبد الوهاب:
سيأتي ذلك عند دراستنا لموضوع القيامة.
مدير الندوة:
لا مانع لأن عندنا موضوعات عن الصلب والفداء والقيامة ستُفصل، لأن في موضوع الصلب والفداء والقيامة أربعة وثلاثين تناقضاً سنوردها ونرى هذه التناقضات ولنرى كيف قال الله ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ... ﴾ .
стр. 10575
قضية الصلب:
من أكبر معجزات القرآن الكريم أنه قال أن المسيح لم يصلب الآية ١٥٧ من سورة النساء.
لكن موضوع (ابن الله) ، وهو الله ذكر في القرآن أكثر من مرة ونفي أكثر من مرة كذلك. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن. هذه قمة المعجزات. ثم موضوع الصلب ما كان ممكناً لو أن القرآن ليس من لدن حكيم خبير وأن الله لم ينزله واخترعه أحد على الأرض ما كانت هذه القصة سالفة ومعروفة في المسيحية معناها الصليب وهذه قصة مفروغ منها ما كان -ليش صلبوه مش دي مشكلة- إنما يركز على موضوع ابن الله وهو الله وعنده ما يؤيده، اليهودية تؤيد التوحيد وفلاسفة الإغريق يؤيدون التوحيد ... ؟ والقرآن دائماً يضع الحقيقة مهما كان عدد المؤمنين بها كثيرٌ أو قليل وبما أنها قضية وما تناقشه عبارة عن قضايا ففي قاعدة بسيطة متفق عليها سواء كانت الجلسة في البيت أو المحكمة أو مجلس الشعب أو الكونجرس. القاعدة تقول ما تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
مدير الندوة:
قال: إن الأخ (جيمس) يرفض الرد الآن، على أساس أن يأخذ " الأشرطة " في البيت ويدرسها مع إخوانه، وتكون ردوده في جلسة قادمة، لماذا؟ لأننا نقول معلومات مدروسة بالنسبة لنا ولعلها تكون جديدة الآن. فلا أن تتاح له فرصة كما أتيحت لنا فرصة.. وذلك ليدرس ويراجع ثم لينظر هل هذه المراجعات صحيحة أو ربما كان فيها شيء من وجهة نظره.
كما أنه (الأخ جيمس) يعتذر عن حضور جلسة الغد. ونؤجل الجلسة إلى الأربعاء. وقد سألت الأخ جيمس فتبين أن تعليقاته ستكون بعد كل جلسة، على أساس أن نتكلم في جلسة ثم يرد هو في جلسة أخرى وهذا حقه.. وهذا مشروعه وهذا هو المعقول.
الأستاذ أحمد عبد الوهاب:
قال: بالنسبة لقضية الصلب.. والأحداث التي ابتدأت بها عملية محاولة الصلب حتى انتهت بتعليق واحد على الصليب.. ترى من يكون هذا؟ وماذا قال؟ وماذا عمل؟ وكيف شهدوا عليه؟ .. إلخ.
стр. 10576
يمكن تقسيم ذلك إلى عدد من العناصر:
١- معروف من الأناجيل (مسح جسد المسيح بالطيب) .
اختلف في هذه الأناجيل تماماً.
فلو بحثنا عن مكان الحادث.. متى جاءت المرأة لتمسح جسده بالطيب؟ نجد في (مرقس) و (متى) نجد أن هذا الحادث بدأ في بيت (سمعان الأبرص) إنجيل مرقس إصحاح ١٤ عدد ١-٨.
مدير الندوة:
قال: نرجو مراجعة النصوص الآن للتأكد من صحتها.
الأستاذ إبراهيم يقرأ في الإنجيل:
إنجيل (مرقس) إصحاح ١٤ من عدد ١ إلى عدد ٨.
وإنجيل (يوحنا) إصحاح ١٢ من عدد ١ إلى ٢.
نقرأ من إنجيل (مرقس) إصحاح ١٤ من عدد ١ إلى عدد ٨: "وكان الفصح وأيام الفطر بعد يومين. وكان رؤساء الكهنة والكنيسة يطلبون كيف يمسكون بمقرن، يمسكونه بمقرن، ويقتلونه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب، وفيما هو في بيت عمها في بيت "سمعان الأبرص"وهو متكئ جاءت امرأة معها قارورة طيب وأدين خالص كثير الثمن.. فكسرت القارورة وسكبته على رأسه وكان قوم محتاجين في أنفسهم فقالوا لماذا كان تلف الطيب هذا، لأنه كان يمكن أن يباع هذا بأكثر من ثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء".
(يتبع)
قرية كاملة تعتنق الإسلام
اعتنق سكان قرية (ميناكشي) الإسلام بأجمعهم وأصبحت اليوم تسمى (رحمة نجر) .
وقد احتفل هؤلاء المسلمون الجدد بتاريخهم الجديد، وحضر الحفل ممثلو جمعية إشاعة الإسلام ورئيس العصبة الإسلامية بالهند السيد سليمان سيته والسيد عبد الصمد عضو البرلمان والأستاذ عبد الكريم باريكه من زعماء (رسالة الإنسانية) وآخرون من أساتذة الجامعة، وفي مقدمتهم سماحة الداعية الإسلامي الكبير الشيخ أبي الحسن الندوي.
الرائد الهندية
--------------------------------------------------------------------------------
[١] دائرة المعارف البريطانية.
стр. 10577
موقعة اليرموك
دراسة تحليلية
لفضيلة الدكتور محمد السيد الوكيل وكيل كلية الحديث بالجامعة
اليرموك نهر ينبع من جبال حوران، يجري قرب الحدود بين سوريا وفلسطين، وينحدر جنوبا ليصب في غور الأردن ثم في البحر الميت، وينتهي مصبه في جنوب الحولة، وقبل أن يلتقي بنهر الأردن بمسافة تتراوح بين ثلاثين وأربعين كيلو مترا يوجد واد فسيح تحيط به من الجهات الثلاث جبال مرتفعة شاهقة الارتفاع، ويقع في الجهة اليسرى لليرموك.
اختار الروم هذا الوادي لأنه المكان الذي يتسع لجيشهم الضخم الذي عدده مائتين وأربعين ألف مقاتل.
وأما المسلمون فقد عبروا النهر إلى الجهة اليمنى، وضربوا معسكرهم هناك في واد منطبح يقع على الطريق المفتوح لجيش الروم، وبذلك أغلقوا الطريق أمام الجيش المزهو بعدده وعدده، فلم يعد للروم طريق يسلكون منه، أو يفرون إذ اضطروا للفرار، لأن جيش المسلمين قد أخذ عليهم مسلكهم الوحيد.
وقد يعجب الإنسان كثيراً، وهو ينظر إلى الخارطة، ويرى نفسه مضطراً لأن يسأل كيف رضي قواد الروم لجيوشهم هذا الموقع؟ وكيف وافق الجنود على النزول فيه وهم يرون ألا سبيل للخروج منه إلا عن طريق هذا الوادي الذي احتله المسلمون؟
أفما كان الأجدر بهم إن اضطروا إلى اتخاذ هذا المكان ميداناً للجيش لأنه لا يوجد مكان سواه يتسع لجيشهم أن يحموا الفتحة الوحيدة التي لا طريق لهم غيرها؟
لاشك أن البديهيات العسكرية تحتم حماية أمثال هذه الفتحة ليؤمن الجيش طريقه إذا اضطر إلى الخروج من هذا الوادي المحاصر بشواهق الجبال.
ولكن يبدوا أن قوات الروم كانت مغرورة بكثرتها الهائلة مزهوة بالنصر الذي أحرزته على خالد بن سعيد ومن معه من قوات المسلمين، كما يبدو أن هذا النصر أنساهم أبسط التخطيط العسكري في مثل هذا الموقف.
стр. 10578
ازداد حماس الخليفة لفتح الشام بعد ما أصاب خالد بن سعيد وجنده من الهزيمة والفرار، فندب أعظم قواده للذهاب إلى بلاد الشام، فأمر عمرو بن العاص على فرقة من الجيش وأمره أن يتجه بها إلى فلسطين، واستدعى يزيد بن أبي سفيان وولاه على جيش لجب فيهم سهيل بن عمر وأمثاله من أهل مكة، وألحقه بجيش آخر بقيادة أخيه معاوية، ووجه شرحبيل بن حسنة ليقود جماعة من جيش خالد بن سعيد، وندب الخليفة جيشاً عظيماً وأمَّر عليه أبا عبيدة بن الجراح وعين لكل جيش طريقه، وأمره أن يسلكه حتى يصل إلى مقره. فأخذ عمرو بن العاص طريق المعرقة. وسلك أبو عبيدة الطريق نفسه، وأخذ يزيد بن أبي سفيان طريق التبوكية وسلكه معه شرحبيل بن حسنة، وتوجه الأمراء إلى الشام، فلما وصلوها نزل أبو عبيدة الجابية، ونزل يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل الأردن، ونزل عمرو بن العاص العربة [١] .
هرقل ينصح قومه:
علم الروم بدخول الجيوش الإسلامية أرضهم، فكتبوا إلى هرقل، وكان بالقدس فقال هرقل: أرى أن تصالحوا المسلمين، فو الله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام ونصف بلاد الروم [٢] .
وأغضبت هذه النصيحة قواد الروم، وظنوا أن الإمبراطور قد وهن وضعف وسيسلم البلاد للغزاة الفاتحين، والحق أن هرقل قد ضعف أمام غضبة قواده، وعزم على قتال المسلمين مع يقينه بالهزيمة، وجمع هرقل الثائرين، وتوجه بهم إلى حمص، وهناك أعد جيشاً ضخم العدد كثير العدد، وقسمه أربعة أقسام، وجعل كل قسم منه يقابل فرقة من جيش المسلمين ليوهنهم ويشغلهم عن مناصرة إخوانهم.
عدد الجيش:
بلغ جيش المسلمين ثلاثين ألفا أو تقل قليلاً، وأما جيش الروم فقد بلغ مائتين وأربعين ألفا [٣] .
стр. 10579
فزع المسلمين لهذه الأعداد الضخمة التي واجهتهم، وكتبوا إلى عمرو بن العاص يسألونه ماذا يفعلون، فأجابهم "الرأي لمثلنا الاجتماع فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة" [٤] وكتبوا إلى أبي بكر فأجابهم بمثل ما أجابهم به بن عمرو وقال: "إن مثلكم لا يؤتى من قلة، وإنما يؤتى العشرة آلاف، والزيادة على العشرة آلاف إذا أتوا من تلقاء الذنوب، فاحترسوا من الذنوب، واجتمعوا باليرموك متساندين، وليصل كل رجل منكم صاحبه" [٥] .
اتجه المسلمون إلى اليرموك تنفيذا لوصية الخليفة، فوجدوا الروم قد نزلوا بالوادي السابق الذكر، وعبر المسلمون النهر فنزلوا بإزائهم.
الخليفة يدرس أسباب تأخر النصر:
واستشار الخليفة أصحابه ذوي الرأي، وقلب الأمر على كل وجوهه، فاهتدى إلى أن ضعف المسلمين ناتج إلى ضعف القيادة، ذلك لأن الأمراء الذين بعثهم الخليفة إلى الشام ليس فيهم من يصلح في نظر الخليفة لخوض هذه المعركة الرهيبة، فأبو عبيدة بن الجراح مع قدرته العسكرية الفائقة إلا أنه رقيق القلب لا يقدم على الحسم، وابن العاص مع دهائه وحسن حيلته يهاب الإقدام على عدوه، وعكرمة مع إقدامه وحنكته غير أنه تنقصه دقة التقدير للمواقف، وبقية القواد لم يشتركوا من قبل في مثل هذه المعارك الكبيرة.
وهناك أمر آخر ينبغي للخليفة أن يقدره ولا يغفله ذلكم هو تساوي القواد في القدرة فليس فيهم من يقرون له بالتفوق أو العبقرية التي يتميز بها عليهم حتى يجتمعوا عليه.
ومن أجل هذا فكر الخليفة كثيراً في الأمر وطال تفكيره فالأمر ليس بالهين اليسير، وإنما هي معارك فاصلة لابد أن تحسم في الشام كما حسمت في العراق.
واهتدى الخليفة ﵁ إلى الحل فقال لمجلس الشورى: "والله لأنسين الورم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد" [٦] .
خالد يتوجه إلى الشام:
стр. 10580
كتب الخليفة إلى خالد يأمره بأن يستخلف على العراق ويتجه بخيرة جنده إلى الشام، وصدع خالد بأمر الخليفة واتجه إلى الشام في تسعة آلاف مقاتل من خيرة الجند، حيث اختار أصحاب رسول ﷺ -وضن بهم على المثنى بن حارثة خليفته على العراق، وغضب مثنى لذلك التقسيم وقال: "والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر، وبالله ما أرجوا من النصر إلا بأصحاب النبي ﷺ " [٧] فلما سمع خالد منه ذلك أرضاه وأسكته، وأراد خالد أن يغادر العراق وهو مطمئن فرد النساء والضعفاء إلى المدينة حتى لا ينشغل بهم المثنى عند منازلة عدوه.
وقطع خالد بجيشه بادية الشام المعروفة ببادية السماوة وهو طريق لم يعبره جيش قط قبل جيش خالد، وذلك لوعورته وقلة الماء فيه، وتعرض من يسلكه للهلاك بالعطش والضياع، وإنما صمم خالد على اختراق هذه البادية رغم تحذير العارفين بها لأنه كان يريد أن يباغت العدو فينزل خلفهم حتى لا يحبسوه عن إغاثة المسلمين.
وبالعزم والإيمان اخترق خالد وجيشه تلك البادية، وغامر هذه المغامرة، وقطعها في خمسة أيام، وكلما مر بجماعة من أعداء المسلمين قاتلهم وتغلب عليهم وغنم منهم حتى وصل اليرموك في آخر ربيع الآخر من السنة الثالثة عشر من الهجرة.
стр. 10581
كانت الجيوش الإسلامية قد نزلت موقعها من اليرموك قبل مجيء خالد إليهم بثلاثة أشهر: صفر وربيع الأول وربيع الآخر، وكان المسلمون قد ضجروا وملوا هذا الموقف الذي لا يتناسب مع إقدامهم وشجاعتهم وتضحياتهم في سبيل الله، فأرسلوا إلى الخليفة يصفون له الحال ويستمدونه ليحسموا الموقف، وكان عمرو بن العاص ﵁ قد أحس من المسلمين بما يشبه اليأس من طول المقام وعدم القدرة على خوض معركة تفصل بينهم وبين عدوهم، وخاف أن تسري هذه الروح إلى صفوف المسلمين فيضعفون ولا يستطيعون مواجهة العدو، ولم يكن العدو يرجو من وراء هذا الموقف أكثر من ذلك، فإن روح اليأس إذا سرت في جيش مهما كانت قوته لابد أن يؤول حاله إلى حد أمرين: إما أن ينسحب ويفوز خصمه بالسلامة من غير قتال، وإما أن يدخل في معركة تكون نتيجتها حتماً في مصلحة الطرف الآخر.
أدرك عمرو بن العاص أن هذه الروح بدأت تدب في أوصال الجيش المرابط أمام عدوه ثلاثة أشهر فأراد أن يخفف عنهم، وينفخ فيهم روحا جديدة تبعث فيهم الأمل، وتجدد فيهم نشاطهم وحيويتهم، فنظر إلى جيوش الروم المثيرة العدد الكثيفة العدد، ولفت نظر المسلمين إلى وضعهم الجغرافي الذي لا يحسدون عليه، وقال: "أيها الناس، أبشروا، حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير" [٨] .
وصادف قدوم خالد قائد المسلمين وصول باهان قائد الروم، واستبشر المسلمون بقدوم خالد، بقدر ما فرح الروم بوصول باهان، وبلغت إحصاءات الجيش عندئذ ما وصفه الطبري بقوله: وحارب المشركون وهم أربعون ومائتا ألف: منهم ثمانون ألف مقيد: أربعون ألفاً مسلسلون للموت، وأربعون ألفاً مربطون بالعمائم، وثمانون ألف راجل، وثمانون ألف فارس، والمسلمون سبعة وعشرون ألفا ممن كانوا مقيمين، إلى أن قدم عليهم خالد في تسعة آلاف، فصاروا ستة وثلاثين ألف" [٩] .
стр. 10582
وتواجه الجيشان في تعبئة لم ير مثلها قط، وكان القسيسون والشمامسة والرهبان يحرضون جيوش الروم ويحثونهم على القتال لمدة شهر قبل المعركة حتى امتلأوا حماسا واخذوا يتحينون الفرصة للقاء.
خالد يدعو إلى توحيد القيادة:
ونظر خالد إلى المسلمين فوجدهم متساندين كل جماعة على رأسها قائد ليس لها أمير واحد يجمعهم، ورأى ﵁ بعبقريته العسكرية أن هذا الحال لا يؤدي إلى النصر، فخطب في المسلمين، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بأعمالكم، فإن هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية وأنتم متساندون، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبتكم.
قالوا: فهات فما الرأي؟ قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أننا سنتياسر ولو علم بالذي كان ويكون لما جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم، وقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله، فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود ولا يزيده عليه أن دانوا له، إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله، ولا عند خليفة رسول الله ﷺ هلموا فإن هؤلاء تهيئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها، فهلموا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غداً، والآخر بعد غدٍ حتى يتأمر كلكم، ودعوني إليكم اليوم، فأمروه، وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن الأمر أطول مما صاروا إليه [١٠] .
стр. 10583
كانت لكلمة خالد تلك أعظم الأثر في نفوس المسلمين من تحرض القسيسين والرهبان في نفوس الروم، ولئن ظل هؤلاء يعبئون تلك التعبئة الروحية مدة شهر كامل، فإن نفوسهم لم يكن فيها من اليقين وحسن الثقة في وعد الله كما كان في نفوس المسلمين، ولذلك أثمرت كلمة خالد التي لم تستغرق دقيقتين ما لم تثمره مواعظ الرهبان والقسيسين لمدة شهر، لأن النفوس المؤمنة بالحق تكون دائماً مهيأةً لاستقبال التوجيه والموعظة، سريعة التأثر بما يلقى عليها إذا ذكرت بوعد الله حسنة الثقة فيما عنده.
على أننا نرى في كلمة خالد ﵁ من الإخلاص والحث عليه، وعظيم الاعتماد على الله ما لا يمكن أن يخيب صاحبه، زد على ذلك بعد نظر خالد، وإدراكه لما حوله من أبعاد المعركة وقدرته العسكرية التي تجعل أصحابه يدينون له من غير منازع، كل ذلك جعلهم يجتمعون على قيادته بعد أن كانوا متساندين لا يدين أحد لأحد، ولا يرى أحد أن أحداً أحق بالأمرة منه.
خطة خالد لمواجهة الروم:
اجتمع المسلمون على خالد بعد أن مكث شهراً على اليرموك ليس بينه وبين الروم قتال واقترح خالد بعد أن آلت إليه القيادة العامة لجيش المسلمين أن يقسم الجيش إلى كراديس (فرق) كل فرقة من ألف رجل، وجعل على كل كردوس رجلاً ممن اشتهروا بالشجاعة والإقدام، أمثال القعقاع بن عمرو وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وأضرابهم، وأسند قيادة القلب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقيادة الميمنة إلى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وقيادة الميسرة إلى يزيد بن أبي سفيان. وقال لأصحابه: "إن عدوكم كثير وليس تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس" [١١] .
стр. 10584
حاول خالد بذلك أن ينسي المسلمين كثرة الروم المخيفة، وأن يظهر المسلمين في حالة تدخل الرعب والفزع في عدوهم، ولكنه لم يلبث أن سمع رجلاً يقول: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فغضب خالد لما سمع وصاح مغضباً، بل ما أقل الروم وأكثر المسلمين، إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان، والله لوددت أن الأشقر -يعني فرسه- براء من توجِّيه وأنهم أضعف في العدد، وكان فرسه قد حفي من مشيه بالمفازة (بادية الشام) [١٢] .
وخشي خالد أن تسري كلمة الرجل في صفوف المسلمين فتوهنهم، وتضعف مقاومتهم، فعجل بالمعركة ليشغل المسلمين بها بدلاً من أن يشغلوا عنها بالنظر في عددهم وعدد عدوهم.
لم ينس خالد أن يختار من جنوده من يتولى أمور المسلمين، فبعد أن نظم الكراديس واختار لها مهرة القواد، عين أبا الدرداء قاضياً، وأبا سفيان واعظاً، وجعل على الطلائع قباث بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود، وكان القارئ المقداد، يقول الطبري: "ومن السنة التي سن رسول الله ﷺ بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند اللقاء -وهي الأنفال- ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك" [١٣] .
وقام أبو سفيان بدوره كواعظ للمسلمين خير قيام فقال وهو يمشي بين الكراديس: يا معشر المسلمين، أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين وإمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء كثير عدده، شديد عليكم حنقه وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غداً إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة، وإن الأرض وراءكم، وبينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحاري وبراري ليس لأحد فيها معقل ولا معول إلا الصبر، ورجاء وعد الله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون.
стр. 10585
ثم ذهب إلى النساء فوصاهن، ثم عاد فنادى، يا معشر أهل الإسلام حضر ما ترون، هذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، ورجع إلى موقفه في الصف حيث كان.
وقام أبو هريرة بعد أبي سفيان فقال: سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم [١٤] .
خالد يأمر بالهجوم:
سمع المسلمون هذه الكلمات فوقعت من نفوسهم موقعاً أنساهم قلتهم وكثرة عدوهم، وتطلعت قلوبهم إلى ما عند الله، وهبت عليهم من خلالها نسائم الجنة فاشتاقوا إليها، ولمح خالد في الجنود حماساً لم يره من قبل، ورأى حبهم للجهاد على النحو الذي كان يتطلع إليه منذ قدم إلى اليرموك، وتأكد أن المسلمين قد تأهبوا للمعركة بكل إمكاناتهم، فانتهز الفرصة، وأمر عكرمة والقعقاع أن ينشبا القتال، فبرز القعقاع وهو يرتجز:
يا ليتى ألقاك في الطراد
قبل اعترام الجحفل الورَّاد
وأنت في حلبتك الوارد
وتبعه عكرمة وهو يقول:
قد علم بهكنة الجواري
أني على مكرمة أحامي
ونشبت المعركة حامية الوطيس، مستعرة الأوار، السيوف تخطف الأرواح، وتزيل الهام، وتفري الأجسام.
خالد يستقبل بريد الخليفة:
وبينما المسلمون كذلك إذ أقبل البريد من المدينة مسرعاً يتخطى الناس، ويسأل عن خالد، والناس وراءه يتبعونه ليستطلعوا منه أخبار المدينة، يبشرهم بالخير، ويخبرهم عن الأمداد.
ولما بلغ البريد خالداً سلمه الكتاب، وأخبره بوفاة أبي بكر، أسر إليه يه، وأخبره بما أخبر به الجند، فسر خالد في حسن تصرف البريد وقال له: أحسنت، ووضع الكتاب في كنانته حتى لا يتطلع أحد على ما فيه فيجزع الجند، وينتشر الأمر.
إسلام قائد من قواد الروم:
стр. 10586
وفي الوقت نفسه خرج جرجة من صفوف الروم حتى وقف بين الصفين، ونادى ليخرج إلي خالد فخرج خالد إليه، وأناب أبا عبيدة عنه، والتقى الرجلان بين الصفين، وسأل جرجة خالد عن سبب تسميته سيف الله، فأخبره خالد بأن الرسول هو الذي سماه بذلك ودار بين الرجلين حديث طويل أسلم جرجة على أثره، وتبع خالداً إلى خيمته ليعلمه الإسلام.
موقف عكرمة من هجوم الروم:
ظن الروم أن جرجة خمل على المسلمين، وأنه في حاجة إلى المدد، فحملوا على المسلمين حملة أزالتهم عن مواقفهم، وثبت لهم عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام، وكانا على حامية فسطاط خالد، ولما رأى عكرمة تراجع المسلمين قال: قاتلت رسول الله ﷺ في كل موطن، وأفر منكم اليوم، ثم نادى في المسلمين، من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور ومعهما أربعمائة من أبطال المسلمين وفرسانهم، ودافعوا عن الفسطاط حتى أثبتوا جميعاً جراحاً، وقتلوا إلا من برأ وكان منهم ضرار بن الأزور [١٥] .
وتراجعت الروم أمام ثبات عكرمة وأصحابه، ورأى خالد تراجع الروم فزحف بقواته يرافقه جرجة على جيوش الروم المنهزمة، وظل يضرب فيهم بسيفه ومعه جرجة يضرب ويقتل من طلوع النهار حتى مالت الشمس إلى الغروب، وقاتل كل فريق من المسلمين تحت رايتهم حتى صارت الروم تدور كأنها الرحا.
يقول ابن كثير: فلم تر في يوم اليرموك إلا مخًّا ساقطاً، وعصماً نادراً، وكفاً طائرة [١٦] .
خالد يدير المعركة:
стр. 10587
وواجه خالد مسيرة الروم التي حملت على ميمنة المسلمين، فقتل منهم ستة آلاف، والتفت إلى صاحبه وقال: والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم، ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس على مائة ألف منهم، فلم يكد يصل إليهم حتى انفض جمعهم، وحمل عليهم المسلمون حملة صادقة، فانكشفوا لا يلوون على شيء وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون.
وصلى المسلمون صلاة الظهر والعصر إيماء: واستشهد جرجة، وحمل خالد برجاله على الروم حتى صار في وسطهم، وذعر الروم لهول ما رأوا من المسلمين، وفر خيالتهم وأفسح لهم المسلمون الطريق، فهاموا على وجوههم في البلاد، ثم تبعوا من فر من الخيالة، واقتحم خالد عليهم الخندق، وجعل الروم يقهقرون أمام الهجوم الكاسح الذي شنه خالد في اللحظة المناسبة حتى وصلوا إلى الواقوصة.
وجعل الذين سلسلوا أنفسهم لئلا يفروا يتساقطون في الواقوصة كما يتساقط الفراش في النار، وكلما سقط رجل من مجموعة سقطت معه بأكملها حتى سقط فيها، وقتل عندها مائة ألف وعشرون ألفاً، ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق، سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل [١٧] ، وأخر الناس صلاة العشائين حتى استقر الفتح.
وأمعن المسلمون في قتل الروم، وظلوا يقاتلون حتى أصبحوا، ودخل خالد رواق تذارق أخي هرقل، فلما أصبحوا وقد انتهت المعركة أتي خالد بعكرمة بن أبي جهل جريحاً فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فجعل رأسه على ساقه، ومسح وجهيهما، وأخذ يقطر في حلقيهما الماء حتى استشهدوا، وقال: زعم ابن حنتمة -يعني عمر- أننا لا نستشهد [١٨] .
وقاتل نساء المسلمين في هذا اليوم، وقتلوا عدداً كبيراً من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين ويقلن: أين تذهبون وتدعوننا للعلوج، وعندئذ يرجع المنهزمون، وكان عمرو بن العاص من المنهزمين ومعه أربعة نفر حتى بلغوا النساء، فلما زجرنهم رجعوا إلى القتال [١٩] .
стр. 10588
دفع الشبهة:
وكان يزيد بن أبي سفيان من الذين ثبتوا ولم يفروا، وقاتل قتالاً شديداً، لأن أباه مر به، وذكره بما يجب عليه وعلى أمثاله من الأمراء، وأمره بالصبر والثبات، ورغبه فيما عند الله من الأجر والمثوبة، فأجاب يزيد، أفعل إن شاء الله [٢٠] .
وهذه الرواية ترد رواية ابن الأثير التي رواها عن عبد الله بن الزبير، وفيها يتهم أبا سفيان ورجالاً من مكة يسميهم مهاجرة الفتح، بأنهم تنحوا عن الميدان، وظلوا بعيداً يتربصون بالمسلمين فإذا ركب الروم المسلمين قالوا: إيه بني الأصفر، وإذا غلب المسلمون يقولون: ويح بني الأصفر.
تدل هذه الرواية على تجنب أبي سفيان المعركة، وأنه لم يشترك فيها، ولكن ابن الأثير نفسه يذكر ما يكذب ذلك، حيث يروى بعدها مباشرة وفي الصحيفة نفسها أن عين أبي سفيان قد أصيبت في المعركة، وذلك أمر مجمع عليه من المؤرخين، فكيف يكون أبو سفيان بعيداً عن ميدان المعركة يتربص بالمسلمين، وكيف يصيب سهم في عينه فيفقؤها وينتزع السهم من عينه أبو حثمة [٢١] .
ويروي ابن كثير عن سعيد بن المسيَّب عن أبيه قال: هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتاً يكاد يملأ المعسكر يقول: يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين قال: فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد [٢٢] .
أين كان أبو سفيان وهو ينادي نصر الله؟ وهو يطلب الثبات من المسلمين؟ هل كان يطلب الثبات وهو هارب من الميدان؟ وهل يليق برجل كأبي سفيان أحد زعماء قريش أن يطلب الثبات من المسلمين ويفر هو خارج المعركة؟ ومن الذي يصيح بالمسلمين ليثبتوا ثم يرى بعد ذلك بعيداً عن الميدان؟.
أغلب الظن أن الرواية مكذوبة على أبي سفيان، فقد أجمع المؤرخون على أنه كان واعظ الجيش وروى عنه المؤرخون كلمات في الحض على القتال والحث على الثبات تثير إعجاب كل من قرأها أو سمع بها.
هزيمة الروم:
стр. 10589
وفر المنهزمون من اليرموك حتى بلغوا دمشق، وأما هرقل فإنه لما بلغه خبر اليرموك وكان بحمص تركها وولى عليها رجلاً وجعلها بينه وبين المسلمين، وودع سوريا الوداع الأخير.
وتوجه المسلمون بعد ذلك إلى الأردن، وطهرها مما بقي فيها من جنود الروم، ثم تابعوهم إلى دمشق حيث حاصروهم هناك.
وبلغ عدد الشهداء من المسلمين ثلاثة آلاف شهيد بينهم كثير من كبار الصحابة مثل سعيد بن الحرب بن قيس السهمي، ونعيم النحام، والنضير بن الحارث، وأبو الروم عمير بن هشام أخو مصعب بن عمير. وكان في جنود هذه المعركة ألف صحابي منهم مائة ممن شهد بدراً [٢٣] .
وغنم المسلمون كل ما كان في معسكر الروم، وكان شيئًا عظيماً حتى خص الفارس من النفل ألف وخمسمائة درهم [٢٤] أو ألف وخمسة دراهم [٢٥] ، وكانت الموقعة الفاصلة عند اليرموك في شهر جمادى الآخرة من السنة الثالثة عشرة من الهجرة بعد أن مكث المسلمون قرابة أربعة أشهر لا ينالون من الروم، ولا ينال منهم.
ولما انتهت المعركة، وطارد المسلمون الروم حتى حاصروهم في دمشق أظهر خالد الكتاب الذي جاء به البريد، فإذا هو نعي للخليفة، وعزل لخالد من الإمارة وتولية لأبي عبيدة بن الجراح إمارة الناس، وعندئذ قال خالد ﵁ وهو يعلن وفاة الخليفة وتولية عمر: (الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت، وكان أحب إلى من عمر والحمد لله الذي ولي عمر، وكان أبغض إلى من أبي بكر، وألزمني حبه) [٢٦] .
وفاة الصديق:
ونحن نلاحظ خلافاً في تاريخ وفاة الصديق ﵁ ينبغي أن يحقق، فالطبري وابن الأثير وابن كثير والسيوطي والبلاذري كلهم مجمعون على أن الوفاة كانت في جمادى الآخرة وهذا أمر لا خلاف فيه بين المؤرخين.
وكما اتفق المؤرخون على الشهر الذي توفي فيه الخليفة، فهم كذلك متفقون على أن الوفاة كانت في السنة الثالثة عشرة من الهجرة.
стр. 10590
ويأتي الخلاف بعد ذلك في اليوم الذي حصلت فيه الوفاة، والرواية التي تكاد تحظى بإجماع المؤرخين أنه ﵁ اغتسل في يوم شديد البرد، وكان ذلك يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، فحم على أثر ذلك خمسة عشر يوماً، وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة [٢٧] .
ولكننا نرى أن البريد قد وصل والمسلمون في اليرموك والمعركة دائرة بينهم وبين الروم والمؤرخون أنفسهم يرون أن معركة اليرموك انتهت في جمادى الآخرة كذلك، فمتى يصل البريد من المدينة إلى الشام؟ وفي كم يوم يقطع المسافة؟؟
إن البريد مهما كانت سرعته ر يمكن أن يقطع هذه المسافة في أقل من عشرة أيام، ولو توفى الخليفة لثمان بقين من جمادى الآخرة لتحتم أن تكون المعركة قد امتدت إلى شهر رجب.
ولهذا فإني أرجح أن تكون وفاة الصديق في النصف من جمادى الآخرة قبل انتهاء المعركة بعشرة أيام كما ذكر الطبري حيث يقول: (ومرض أبو بكر ﵀ في جمادى الأولى وتوفي للنصف من جمادى الآخرة، قبل الفتح بعشرة أيام) [٢٨] .
وهذه الأيام العشرة يمكن أن يصل البريد فيها من المدينة المنورة إلى الشام حيث تدور المعركة.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ابن الأثير (٢/٤٠٦) .
[٢] نفسه.
[٣] الصديق أبو بكر ص ٢٨٥.
[٤] الطبري (٣/٣٩٢) ، ابن الأثير (٢/٤٠٦) .
[٥] نفسه.
[٦] ابن كثير (٧/٥) .
[٧] ابن الأثير (٢/٤٠٧) .
[٨] الطبري (٣/٣٩٣) .
[٩] الطبري (٣/٣٩٤) .
[١٠] الطبري (٣/٣٩٥-٣٩٦) ، ابن الأثير (٢/٤١١) .
[١١] ابن الأثير (٢/٤١١) .
[١٢] ابن الأثير (٢/٤١٢) .
[١٣] الطبري (٣/٣٩٧) .
[١٤] ابن كثير (٧/٩) .
[١٥] الطبري ٣ (/٤٠١) .
[١٦] ابن كثير (٧/١٢) .
[١٧] الطبري (٣/٤٠٠) .
стр. 10591
[١٨] ابن الأثير (٢/٤١٤) .
[١٩] ابن كثير (٧/١٣-١٤) .
[٢٠] نفسه.
[٢١] ابن الأثير (٢/٤١٤) ، والطبري (٣/٤٠١) .
[٢٢] ابن كثير (٧/١٤) .
[٢٣] ابن الأثير (٢/٤١٠-٤١٤) .
[٢٤] الطبري (٣/٤٠٠) .
[٢٥] هيكل ص ٣٠٣.
[٢٦] ابن كثير (٧/١٤) .
[٢٧] الطبري (٣/٤١٩) ، ابن الأثير (٢/٤١٨) ، ابن كثير (٧/١٨) ، السيوطي ص ٨١.
[٢٨] الطبري (٣/٣٩٤) .
стр. 10592
منهج المؤرخين المسلمين في التأليف
الدكتور عوض عبد الهادي العطا
إن الدارس للتاريخ من مصادره الأولية، والذي يقارن ذلك بالدراسات التي طرأت حديثاً أو في فترات تاريخية متعاقبة، يجد أن هناك دراسات وأبحاثاً وخاصة كتابات الغربيين ورجال الكنسية ومن تأثر بهم من الكتاب المحدثين، يلاحظ أن حقائق في التاريخ الإسلامي وأحداثه ومرتكزاته قد أصيبت بالخدش والتجريح، أحياناً في محاولة لاستقراء أحداث التاريخ الإسلامي ووضع افتراضات خاصة للوصول إلى نتائج معينة قد يكون من بينها التأثير على الأحداث الهامة التي كونت التاريخ والتراث الإسلامي بصفة عامة، ولعل مصدر ذلك راجع إلى تأثر بعض ممن يكتبون في التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية بآراء ووجهات نظر لمؤرخين آخانب أو مستشرقين.
فعندما خرجت جيوش الإسلام تحمل لواء الدعوة الإسلامية خارج الجزيرة العربية في جهادها لنشر الإسلام على عهد الخليفة أبي بكر الصديق، كان الدافع الرئيسي هو الجهاد في سبيل الله، ذلك الجهاد الذي بدأه الرسول الكريم ﷺ عندما أرسل الكتب إلى كبار الملوك والأباطرة حينذاك يعرض عليهم اعتناق الإسلام، وشرع في إعلاء كلمة الله.
وكان أبو بكر الصديق، قد نادى المسلمين عند بيعته العامة للجهاد باعتباره ركناً أساسياً لنشر الدين الإسلامي وذلك حين قال في خطبته المشهورة ".. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل ... " [١] .
ورغم ذلك يشير بعض الكتاب بأن هذه الفتحات لا تعدوا أن تكون امتدادا لموجات الهجرات السامية السابقة إلى مناطق الهلال الخصيب وأن هدف هذه الهجرات اقتصادي وذلك بالتحرك من مناطق مجدبة إلى مناطق أكثر خصوبة، ويذكرون آراء ليدعموا بها نظرية العامل الاقتصادي في هذه الفتحات ولا يعطون الهدف الحقيقي من هذه الفتحات الوزن الكافي له.
стр. 10593
الواقع أن اهتمام المؤرخين الغربيين والمستشرقين في التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية كبير، ولكنه يأخذ منطلقات خاصة، وقد اهتموا بالكتابة في هذه الموضوعات وتحليل أحداثها وسرد تواريخها ولكن لما كانت خلفيتهم العلمية قائمة على دراسات علمانية ومرتكزات مسيحية أو يهودية، فإن اهتمامهم بتاريخ الإسلام لا يمكن فصله عن هذه الخلفيات، فضلاً عن أن الدارس لتاريخ معين أو لتراث معين لكي يقدم حقائقه متكاملة لابد أن يكون قد تشربه ونشأ في محيطه حتى يدرك كثيراً من حقائقه التي لا تؤخذ بالعلمية المجردة ولذلك تجد الفارق كبيراً بين كتابات هؤلاء وما خطه المؤرخون المسلمون، ذلك إن اهتمام الباحث الغربي في تاريخ الإسلام تناول الأحداث كحقائق علمية مجردة فتأثرت تخريجاته واستنتاجاته إلى حد بعيد بخلفية نشأته العلمية والحضارية ولذلك فهو لا يهتم بالقضايا ذات الخصوصية لدى المسلمين والتي لا يكون الخوض فيها لائقاً من ناحية مكانة أصحابها وخاصة ما يتعلق بشخصية الرسول الكريم عليها أفضل الصلاة وأتم التسليم وأصحابه الميامين.
كذلك فإن كثيراً من الباحثين والدارسين من المسلمين في العصر الحديث اهتموا بالكتابة في مجلات عسكرية وسياسية ومن قام بدراسة الحضارة الإسلامية تناولها في بعض الأحيان من وجهة نظر الخاصة، وقد قرأت لكتاب يكتب في تاريخ الخلفاء الراشدين، يتحدث عن الجيوش الإسلامية بأنها جيوش عربية وكيف أنها حققت انتصارات على الفرس والروم، ولم يتناول الموضوع من زاوية الإسلام التي هي أكثر شمولاً ومن أجلها خرج أولئك المجاهدون رغم أنه تخصص في التاريخ وأصبح مسئولاً في كتابة التاريخ الإسلامي وحسب.
стр. 10594
في حين أن بعض المؤرخين المسلمين القدامى قد خصص كتابات في الحضارة الإسلامية أوردوها من خلال كتاباتهم أو أفردوا لها أبحاثاً مستقلة تناول فيها عصراً من العصور ومنهم من كتب في حضارة الإسلام بصفة عامة من هؤلاء المؤرخ الإسلامي المقريزي (٧٦٦-٨٤٥ هـ) [٢] . في الوقت الذي اهتم فيه كثير من المؤرخين الغربيين بحضارة الإسلام وصنفوا فيها المؤلفات مثل جوستاف لوبون في حضارة العرب وآدم متز في الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري وجب وباون Gibb. N. and Bowen في كتابهما المجتمع الإسلامي والغربي (١٩٣٧) .
ويقودنا هذا المفهوم إلى أسلوب المؤرخين القدامى والذين حفظوا التراث الإسلامي وتولوا مسألة صيانته ونقله بالأمانة والدقة العلمية، فالمؤلف حينذاك يتناول أحداث التاريخ بتفاصيلها ويسردها كاملة دون أن يكثر من إبداء الرأي حولها تاركاً ذلك لمن يأتي بعده، فالطبري (٣١٠هـ) مثلاً في كتابه الشهير تاريخ الرسل والملوك، يتناول بالسند الحقيقة التاريخية وهذه بالطبع مهمة شاقة للغاية لكنها دقيقة أيضا ومن ثم جاء كتابه متكاملا اعتمد عليه شيوخ المؤرخين فيما بعد.
وينطبق مثل ذلك على ابن الأثير (٦٣٠هـ) في الكامل في التاريخ وابن كثير (٧٧٤ هـ) في البداية النهاية، فكلاهما تناول أحداث التاريخ بالسنوات وعرض فيها ما جد من أحداث. ولأن هؤلاء تناولوا الموضوعات بهذه الطريقة فقد عرف المؤرخ حينذاك بالإخباري الذي ينقل الخبر الحقيقي دون أن يزيد عليه أو يضفي شيئًا من تعليقه إلا ما رآه من تضارب في الروايات السابقة عن الحدث نفسه وترجيحه للصواب من حسب تقدريه له.
стр. 10595
ولذلك فقد حفظ لنا شيوخ المؤرخين من السلف الطيب وكتاب السيرة النبوية التراث الإسلامي الخالد طاهراً نقياً. فإن تنقيح ابن هشام لسيرة ابن إسحاق التزام بالمنهج العلمي الدقيق، فقد اهتم بتدقيق الرواية والسند الصحيح ولم ينقل كل ما ورد فيها خاصة ما اعتقد أنه من الأساطير أو الخرافات، ولعل هذا ما جعله يحذف كثيراً من الأخبار والأشعار عند تقويمه لسيرة ابن إسحاق فهو يقول في منهجه لعرض السيرة النبوية " ... وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله ﷺ فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سبباً لشيء من هذا الكتاب ولا تفسيراً له ولا شاهداً عليه لما ذكر به من الاختصار، وأشعاراً ذكرها لم أر أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعضه يسوء بعض الناس ذكره ... " [٣] .
ومن ثم وصلت إلينا مجموعة كبيرة من المؤلفات لا يرقى لمستواها أي تراث أو حضارة لأمة أخرى بل إنها وضعت الأساس وكانت المعين التي نهلت منه الحضارات المختلفة في الشرق أو الغرب على السواء.
ذلك أن المؤلف الإسلامي الأول كان موسوعة في العلوم الإنسانية والدينية والتطبيقية، فهو يكتب في التاريخ كما يكتب في التفسير والحديث، ويعالج تخصصات مختلفة، وقد عرفت أغلب كتاباتهم بالدقة والأمانة والأصالة والموضوعية، وذلك إما بالرجوع بالسند إلى أصله وبذل الجهد والطاقة لتحقيق ذلك، أو الاعتماد على أصول لا يرقى إليها شك.
فيذكر ابن الأثير أنه حين كان في زيارة إلى البيت المقدس اجتمع حوله نفر ممن يهتمون بالعلم والحديث والحفظ والإتقان، وذكروا له أن بعض العلماء الذين كتبوا في صحابة رسول الله ﷺ يختلفون في النسب والصحبة ولا يعرفون حقيقة الأمر وطلبوا منه أن يعد مؤلفاً في أسماء الصحابة وذلك لما يعرفونه عنه من عناية ودقة.
стр. 10596
ورغم ذلك فإنه اعتذر لهم في ذلك الحين لأنه لا يستطيع أن يكتب وهو بعيد عن مصادره، وعندما ألحوا عليه بدأ العمل بما تيسر له من مادة علمية وبدأ بذلك كتابه المعروف (بأسد الغابة في معرفة الصحابة) .
ويشرح منهجه في تأليف هذا الكتاب فيقول إنه جمع ما ذكره العلماء وأشار إلى أربعة منهم باعتبارهم أكثر دقة فوضع لكل منهم رمزاً كاختصار لاسمه فهو يرمز لابن منده بالعلامة (د) ولأبي نعيم بالعلامة (ع) ولابن عبد البر بالعلامة (ب) ولأبي موسى بالعلامة (س) ، فإذا اتفقوا جميعاً على اسم صحابي وضع أمام الاسم جميع هذه الإشارات وإلا ذكر الرمز الذي يشير إلى من ذكر اسم الصحابي، ويذكر في آخر الحديث اسم من أخرجه فإذا ذكر أخرجه الثلاثة مثلاً فإنه يقصد ابن منده وأبا النعيم وأبا عمر بن عبد البر، ولا يقول أخرجه فلان وفلان وفلان كما أنه التزم حروف الهجاء في ترتيب الأسماء [٤] .
وهذا منهج علمي متقدم في التأليف والكتابة ويعطينا الإحساس الكامل بدقة وصحة ما يكتب، بل إن هذا المنهج تسير عليه أغلب الجامعات الحديثة عند إعداد الرسائل الجامعية، سواء في الإشارة إلى المصادر أو إلى ذكر مؤلفي المصادر أو المخطوطات وهو ما يعرف بنظام الاختصارات (abbrc.viations) وهي التي ترمز إلى نوع المصادر التي يشير إليها الباحث واسم المؤلف ومصدره كاملاً سواءً كان للمؤلف كتاب واحد أو أكثر وكمثال لذلك يمكن أن يضع الباحث اختصارات معينة ويعمل بموجبها على أن يوضح ذلك عند بداية بحثه، فمثلاً يمكن أن يشير إلى مجلة الجامعة الإسلامية بالرمز (م ج س) ويشيرون مثلا إلى الهامش بالحرف (Foot Note) (F.N) . مثلما فعل المؤرخ الإسلامي في أسد الغابة.
стр. 10597
ولذلك لم يعد في تقديري تدريس التاريخ يقوم على الألفاظ الرنانة التي تصور التاريخ وكأنه صور خيالية أو حقائق جافة مجردة من أي إحساس تربوي. وقد يستطيع الدارس مثلاً أن يدرك دور المجاهدين المسلمين كاملاً من خريطة توضيحية أو خطوط تصور حقيقة معركة كاملة أكثر من خطبة رنانة يلقيها مدرس التاريخ على طلابه، فقد لاحظت أن صدى ما بذله المسلمون في معركة مثل اليرموك أو فتح المدائن يظل عالقاً وواضحاً بتفاصيله لدى الدارسين عند استخدام الوسيلة التوضيحية بصورة فعالة أكثر مما لو استخدم المدرس أسلوب السرد فقط.
والحقيقة أن ما خطه المؤرخون القدامى فاق كل تقدير، ولفت نظر كل الباحثين الغربيين فقد لاحظوا المؤلف الإسلامي يكتب في كل علم بمقدرة فائقة، فقد أحصيت مؤلفات الإمام جلال الدين السيوطي فكانت ٧٢٥ عدداً، ووصف بأن الكتابة كانت يسيرة عليه غير عسيرة فقد حرر في اليوم الواحد عدداً من الكراسات مع قيامه بالتدريس والإملاء، وورد أنه كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفاً وتحريراً [٥] .
وإنه حين شرع في تأليف كتابه (حسن المحاضرة) طالع كتباً عديدة، زادت عن الثلاثين كتاباً منها الخطط للمقريزي وتاريخ الصحابة الذين نزلوا مصر لمحمد بن الربيع، والإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر، وطبقات الشافعية وغير ذلك [٦] وقد أوفى السيوطي أو كاد أن يؤلف في كل علم كتاباً ويخرج في كل فن تصنيفاً إلا المنطق والحساب فقد ذكر أن الحساب استعصى عليه، وأنه من العذر دراسة المنطق [٧] .
والواقع فإن فضل هذا العالم والمؤرخ واسع وكبير في حفظ التراث الإسلامي، وخاصة وهو يكتب في العهد المملوكي الذي ذخر بكثير من التقلبات السياسية المقترنة بأمزجة الحكام، وتداخلت عوامل كثيرة في مناهضة العلماء أو توجيه كتاباتهم بطريقة خاصة.
стр. 10598
ولكن اعتمد منهج الإمام السيوطي في كتابة التاريخ على تربيته ونشأته التي كانت في أسرة انقطع معظم رجالها لطلب العلم والاشتغال بالتعليم، فتعلم تعليماً دينياً عالياً وشغل منصباً في الجهاز الحكومي المملوكي حينذاك لفترة، وقد أثرت عقليته الموسوعية في منهجه في كتابة التاريخ الذي اعتمد على سعة الإطلاع وغزارة الإنتاج، وقد وجد علم التاريخ في عهد السيوطي انتعاشاً واهتماماً كبيراً، فالسخاوي أحد معاصري السيوطي ومنافسيه ألف كتابا سماه (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ) وربما كانت المنافسة شديدة بين من يكتبون في التاريخ كعلم عام وبين من يهتمون بمسائل علمية أخرى.
وتظهر موسوعية الإمام السيوطي في هذا الكتاب حسن المحاضرة بعدد الكتب التي رجع إليها وكثرة المصادر التي نقل منها ورغم ذلك فإنه يعالج موضوعات هذا الكتاب بطريقة (تصلح لمسامرة الجليس وتكون للوحدة نعم الأنيس) فهو ينقل عن غيره مثلاً في وصف مصر أنها إقليم العجائب ومعدن الغرائب وكانت مدناً متقاربة على الشطين كأنها مدينة واحدة والبساتين خلف المدن متصلة كأنها بستان واحد والمزارع من خلف البساتين حتى قيل: أن الكتاب كان يصل من الإسكندرية إلى أسوان في يوم واحد يتناوله قيم البساتين من واحد إلى واحد، وقد دمر الله تلك المعالم وطمس على تلك الأحوال والمعدن [٨] .
стр. 10599
ولكن السيوطي في نقله مثل هذا الخبر لم يعلق عليه بما ينقضه أو يوضح غرابته أو يشرحه بما يساعد القارئ على تفهم مثل هذه المبالغة في الوصف وربما ترك ذلك لفطنة القارئ، لأن الخبر بهذه الصورة يكون مبالغاً فيه بطريقة قد يستنكرها القارئ وخاصة فيما يتعلق بوصول الكتاب في يوم واحد من الإسكندرية إلى أسوان مهما كانت الوسيلة التي استخدمت حينذاك لتنقل مثل هذا الكتاب، على أن إقامة متقاربة متصل بعضها ببعض في العصر الإسلامي لنقل البريد كان أمراً معروفاً ومطروقاً ولكن لم يصل للدرجة التي يقطع مثل هذه المسافة في يوم واحد، وربما مثل هذا الخبر يدخل في باب المسامرة التي أرادها الإمام السيوطي بكتابه، وهو يجهد نفسه في ذكر كثير من الروايات والرجوع إلى عديد من المصادر في موضوع واحد بقصد أن يوف الموضوع حقه من العرض والدراسة.
وإذا كانت حياة العلماء بهذا المستوى الرفيع من التوسع والدقة والاهتمام في تسجيل الأحداث التاريخية والمعارف والعلوم الدينية وغيرها فإنه ينم أيضاً على مستوى حضاري عالي، ويشير إلى مقدرة في التفكير السليم، مما يساعد على توجيه الدارسين بصفة عامة ويساعد على تأكيد وجود السلوك الإسلامي والخلقي لدى هؤلاء الدارسين مما يكسبهم الخبرة والقدرة على الفهم والاستيعاب بسهولة، وهو ما اهتم به التربويون في العصور الأخيرة من أن التاريخ مادة من مهامها تدريب الذاكرة، وتقوية الخلق والفضيلة، وحل المشكلات الحاضرة [٩] .
وفي دراسة التاريخ الإسلامي من مظانه الأولى معين لربط الدارسين على مناهج الدعوة الإسلامية، لأنه سجل هام لأمة الإسلام على مدى تاريخها، بتجاربها وخبراتها وتراثها الذي أثرى العالم بصفة عامة، وكان معيناً هاماً انكب عليه الغرب الأوربي فاستفاد منه وبنى عليه دعائم أساسية من حضارته العلمية.
стр. 10600
ومن هنا جاءت ضرورة الاهتمام بالتاريخ الإسلامي وغرسه لدى الناشئة والباحثين والدارسين على اختلاف مراحلهم، لأنه يقوي الخلق ويربطهم بأصولهم في مواقفها المتعددة وعلاقاتها المختلفة مما يولد عندهم الاهتمام بعظمة ذلك التراث وأخذ العبر منه.
لماذا الخوف والفزع من الإسلام..؟!
يقول " مورو بيرجر " في كتابه العالم العربي المعاصر: إن الخوف من العرب واهتمامنا بالأمة العربية ليس ناتجاً عن وجود البترول بغزارة عند العرب بل بسبب الإسلام، يجب محاربة الإسلام للحيلولة دون وحدة العرب التي تؤدي إلى قوة العرب لأن قوة العرب تتصاحب دائماً مع قوة الإسلام وعزته وانتشاره.
إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر بيسر في القارة الأفريقية.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أبو الفداء الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية ج ٦ ص ٣٠١ (بيروت) .
[٢] محمد عجاج الخطيب، لمحات في المكتبة والبحث والمصادر ص ٢٩٤ (بيروت-دمشق) .
[٣] ابن هشام، السيرة النبوية ج ١ ص ٦، (القاهرة) .
[٤] عز الدين ابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج ١ ص ١١ (القاهرة) .
[٥] أحمد الشرقاوي إقبال، مكتبة الجلال السيوطي، ص ١٤ الرباط (١٣٩٧) .
[٦] جلال الدين السيوطي، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ج ١ ص ٤ (القاهرة) .
[٧] انظر جلال الدين السيوطي، بحوث ألقيت في الندوة التي أقامها المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية بالاشتراك مع الجمعية المصرية للدراسات التاريخية (١٩٧٦) .
[٨] جلال الدين السيوطي، المصدر السابق، ص ٢٣.
[٩] عبد الحميد السيد، التاريخ في التعليم الثانوي، أهدافه، مناهجه، تدريسه، ص ٤ (القاهرة) .
стр. 10601
نماذج أخرى من الدعاة الصالحين
عثمان بن عفان ﵁
لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
(الحلقة الثالثة)
في سلسلة الدعاة الذهبية يأتي النموذج الثالث وهو عثمان بن عفان الخليفة الراشد ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة مأواه.
نسبه:
فمن هو عثمان بن عفان؟ إنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كلاب بن مرد بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي، الأموي المكنى بأبي عمرو، والملقب بذي النورين، صاحب رسول الله ﷺ ، مجهز جيش العسرة، المبشر بالجنة على بلوى أصابته.
فضائله:
إن لذى النورين عثمان بن عفان من الفضائل والكمالات ما لم يكن لغيره من كثير من الدعاة الصالحين ونماذجهم، بيد أن الفضائل والكمالات التي هي مجرد عطاء إلهي لا دخل للمرء في كسبها والحصول عليها، لا نحب أن نستعرضها إلا لماما، لأن الائتساء بها لا يتأتى للمرء، وإنما الائتساء يكون في الفضائل والكمالات النفسية التي جرت سنة الله تعالى باكتسابها والحصول عليها بواسطة الرياضة والجد والعمل، ومن فضائل عثمان التي لا مطمع للمرء في الحصول عليها أنه خَتَن رسول اله ﷺ ، تزوج اثنتين من بناته، هما رقية وأم كلثوم، فقد زوجه النبي ﷺ في الجاهلية ابنته رقية، وأسلم وهاجر فهاجرت معه وتوفيت أيام وقعة بدر، فزوجه رسول الله ﷺ بعدها أم كلثوم ﵂، فتم له أن تزوج بنيتن من بنات النبي ﷺ ، الأمر الذي قالت فيه العلماء إنه لم يتفق لأي إنسان في هذه الحياة أن تزوج بنتي رسول قط إلا عثمان بن عفان ﵁.
стр. 10602
ومن فضائله الذاتية التي لا مجال للقدوة فيها أنه كان أجمل رجل في هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، فقد أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن جزم المازني: رأيت عثمان بن عفان فما رأيت قط ذكراً ولا أنثى أحسن وجهاً منه.
ومن فضائله الغير مكتسبة استحياء الملائكة منه، ورسول الله صلى اله عليه وسلم، فقد أخرج الشيخان أن النبي ﷺ جمع ثيابه، وغطى ساقيه، لما دخل عليه عثمان، وقال غلا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟
أسبقيته:
لقد أسلم عثمان وحسن إسلامه في أول من أسلم، حيث لم يسلم قبله من رجال قريش إلا أبو بكر الصديق، فكان رابع أربعة من المسلمين، إذ أسلم قبله زيد وعلي وأبو بكر الصديق، أسلم بدعوة الصديق فكان من السابقين الأولين.
وهاجر أول من هاجر إلى الحبشة من المسلمين، فكان أول المهاجرين ﵁ وأرضاه، وفي هجرته يقول ﷺ : صحبهما الله، إن عثمان أول هاجر إلى الله بأهله بعد لوط.
فمبادرته إلى الإسلام وإلى الهجرة تدل على كمال عقله ورجاحته، وكذلك كان ﵁، كان من أرجح أصحاب رسول الله ﷺ عقلاً ومن أزكاهم نفساً وأطيبهم قلباً، وأسماهم خلقاً.
صلابته في دينه، وصدقه في إيمانه:
لقد كان عثمان ﵁ ذا صلابة في دينه، صادقاً في إيمانه الأمر الذي كان فيه مثالاً يحتذى وإماماً به يقتدى ولنذكر مثالين لذلك بهما تنكشف لنا هذه الحقيقة:
стр. 10603
الأولى: أخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذ عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً، وقال له، ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أدعك أبداً حتى تدع ما أنت عليه، فقال عثمان: والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه وحل وثاقه، فصبره ﵁ على الوثاق وما يتبعه من حرمان، وهو من هو في قومه شرفاً وعزاً ورفاهة عيش وحسن حال، دال على قوة إيمانه وصلابته فيه.
والثانية:
стр. 10604
أنه لما داهم المدينة الغوغاويون من مصر، مطالبين الخليفة بعزل والي مصر والقصاص منه حيث قتل رجلاً منهم ظلماً، وهاجت الفتنة في المدينة، ودخل عثمان بيته فكان لا يقدر على الخروج منه، دخل عليه المغيرة بن شعبة فقال له: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى وإني أعرض عليك خصالاً ثلاثاً: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عدداً وقوة، وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن نخرق لك باباً سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على راحتك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام ومعهم معاوية، فقال ﵁: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء، وأما أن اخرج إلى مكة فإني سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ ، فرفض عثمان كل هذه المقترحات صابراً محتسباً، لأن رسول الله ﷺ قال يوماً: يا عثمان أنه لعل الله يُقَمِّصُكَ قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه حتى تلقاني، وكذلك كان أراده المنافقون أن يخلع نفسه من إمارة المسلمين، وهي القميص، فلم ير ذلك وصبر للبلاء حتى لقي الله تعالى شهيداً مخضباً بدمه في منزله بجوار رسول الله ﷺ ، فرضي الله عن عثمان وأرضاه.
سخاؤه وكرمه:
إن السخاء والكرم من صفات الكمال في الداعي، وقد لا يعثر على داعية إسلامي كان عارياً من صفة السخاء والكرم، إذ ضدهما الشح والبخل وهما من عوائق الدعوة. إذ الناس بفطرتهم لا يؤثر فيهم إلا من يكرمهم ويسخوا عليهم أما من يهينهم ويبخل عليهم فلا يستجيبون له نداء، ولا يقبلون منه دعوة.
стр. 10605
وعثمان بن عفان ذو النورين، وهو أحد الدعاة الصالحين، كان كريماً سخياً، لم يلمز بشح، ولم يطعن فيه ببخل، فوصله لأرحامه، وصلته لأقاربه مما نقمه عليه كثير، وكان سبب تلك الفتنة التي أودت بحياته ﵁، وإن طلبنا شاهداً على سخاء عثمان وكرمه فإنا لا نجد خيراً من تجهيزه لجيش العسرة، وتسبيله بئر رومة، فقد أخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب: قال شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان يا رسول الله عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حضّ على الجيش، فقال عثمان بن عفان يا رسول الله عليّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حضّ على الجيش، فقال عثمان بن عفان يا رسول الله عليّ ثلثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل رسول الله ﷺ وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء.
وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، فجعل رسول الله ﷺ يقلبها ويقول، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، مرتين.
وكتجهيزه جيش العسرة حفره بئر رومه، فقد أخرج البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال أنشدكم بالله ولا أنشد إلا أصحاب رسول الله ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة؟ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من حفر بئر رومه فله الجنة؟ فحفرتها، فصدقوه بما قال.
سياسته:
стр. 10606
كان قد غلب على عثمان طابع التقوى والرفق واللين فكان في هذا الجانب من أقوى أصحاب رسول الله ﷺ ، وناهيك بالشهادات التالية: قالت عائشة لما بلغها مقتل عثمان: قتلوه وإنه والله لأوصلهم للرحم وأتقاهم للرب، وهو أحد المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض. وقال فيه عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ﵁: رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الجعدة وأفضل البررة، هجاداً بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضاً عند كل مكرمة، حيياً أبياً وفياً، صاحب جيش العسرة وختن رسول الله. وقال فيه غير واحد: إنه كان طيب النفس حليماً متواضعاً رفيقاً بالناس، قال فيه المسعودي كان عثمان في نهاية الجود والكرم والسخاء والبذل في القريب والبعيد.
فغلب جانب الورع والتقوى والحلم والكرم جانب السياسة والحزم والدهاء، فلذا كان ضعيفاً في السياسة، قال فيهم بعضهم: كان عثمان عفان شيخاً كبيراً ضعيف الإرادة فلم يستطع الاضطلاع بأعباء الحكم رغم نزاهته وفضائله الكثيرة ﵁، وقد أثار بسياسة الضعف التي سار عليها مع انحيازه إلى ذوي قرباه ومحاباتهم كراهة بعض الناس من أهل المدينة ومن غيرهم من أهل الأمصار، مما جر عليه تلك الفتنة التي انتهت بقتله، وما انتهت في الحقيقة إلى اليوم، إذ كانت بداية ولم تكن لها نهاية ... والله غالب على أمره، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومع ضعف سياسة عثمان ﵁ فقد كانت خلافته خيراً وبركة على المسلمين، فقد شهد المسلمون على عهده من الأموال والخيرات والكثرة الفتوحات، ما لم يشهدوه في خلافة من قبله ولا من بعده. ويكفي من ذلك فتح أفريقيا والذي كان خطوة أولى إلى فتح بلاد الأندلس.
علمه ﵁:
стр. 10607
أما علم عثمان فكان علماً غزيراً، كتب للرسول ﷺ ، واتخذه سفيراً بينه وبين قريش في صلح الحديبية، واستخلفه على المدينة في غزوته ذات الرقاع، وقد روي له ستة وأربعون حديثاً ومائة، ويكفيه علماً حفظه لكتاب الله وهي منقبة اختص بها إذ لم يجمع القرآن من الخلفاء الراشدين سواه، وكذا من الخلفاء وغيرهم ممن جاء بعدهم إلا المأمون بن هارون الرشيد، فإنه كان جامعاً للقرآن حافظاً له، ومن حفظ القرآن من أولئك البررة السابقين كان كمن أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه.
كرامته:
إن لكل ولي كرامة عند الله، وكيف لا يكرم الله وهو ذو الكرم والفضل أولياءه، وما يكرم به الله أولياءه من الكرامات أنواع: منها الدعوة المستجابة، ومنها أن يثأر الله تعالى ممن آذى وليه وعاداه، ومن كرامات عثمان على ربه تعالى ما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، عن ابن عمر ﵄، أن جهجاه الغفاري قام إلى عثمان وهو على المنبر يخطب فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته. فما حال الحول على جهجاه حتى أرسل الله في رجله الأكلة فمات منها، ومنها ما أخرجه ابن عساكر عن يزيد بن حبيب قال: بلغني أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان عامتهم جُنُّوا، والعياذ بالله تعالى.
وفاته ﵁:
قضى عثمان ﵁ اثنتي عشر سنة في خلافة المسلمين، منها ست سنوات لم ينقم المسلمون فيها عليه شيئا أبداً، بل كان فيها أحب إلى قريش من عمر بن الخطاب، قال الزهري: لأن عمر كان شديداً عليهم، فأما عثمان فلان لهم ووصلهم.
стр. 10608
وبعد الست سنوات الأولى توانى عثمان ﵁، واستعمل أقرباءه على الأمصار، وعزل كثيراً من أصحاب رسول الله ﷺ ، من غير أقربائه. قال الزهري وكتب لمروان بخمس إفريقية، وأعطى أقربائه وأهل بيته المال، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، وقال: إن أبا بكر وعمر تركا في ذلك ما هو لهما، وإني أخذته فقسمته في أقربائي. فأنكر الناس عليه ذلك، وفي السنة الأخيرة من خلافته وهي سنة خمس وثلاثين، كثرت شكاوى أهل الأمصار، ولاسيما أهل مصر، من ولاتهم، وكانوا يطلبون من عثمان أن يعزلهم فلا يعزلهم، وجاء أهل مصر يشكون واليهم الأموي ابن أبي سرح، فكتب إليه عثمان كتاباً هدده فيه طالباً منه أن يكف عن الرعية ظلمه، فلم ينته ابن أبي سرح عما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان حتى قتله. وعندئذ تجمع كثير من الغوغاوين وأوباش الناس، وجاءوا إلى المدينة، وطالبوا الخليفة بخلع ابن أبي سرح، فاستجاب لهم وخلعه وولى محمد بن أبي بكر الصديق بدله، وكتب إليه كتاب العهد، وأمره أن يتوجه إلى مصر، فسار محمد بن أبي بكر الصديق إلى مصر في ركب من الناس، وفي أثناء الطريق شاهدوا غلاماً أسود على بعير يخبطه خبطاً، كأنه طالب أو مطلوب، فرابهم أمره فأوقفوه وسألوه من أنت؟ فمرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ومرة يقول أنا غلام مروان، فقال له محمد بن أبي بكر إلى من أرسلت قال إلى عامل مصر، قال بماذا؟ قال برسالة، قال معك كتاب؟ قال لا. ففتشوه فوجدوا الكتاب في إداوة قد يبست ففتقوها وأخرجوا الكتاب فاجتمعوا عليه وقرأوه، وإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إلي يتظلم منك ليأتيك أمري في ذلك.
стр. 10609
وهنا رجع محمد بن أبي بكر ومن معه، وكانوا قد ساروا ثلاثة أيام، رجعوا إلى المدينة واجتمعوا عليهم الناس وقرأوا الكتاب على عثمان، فأنكر أن يكون قد كتب به أو أمر بكتابته، ثم اجتمع علي وطلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من الصحابة، وكلهم بدري ثم دخلوا على عثمان ومعهم الكتاب والغلام والبعير، فقال له علي: هذا غلامك؟ قال نعم، قال والبعير بعيرك؟ قال نعم، قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب وما أمرت به، ولا علم لي به، قال علي له: فالخاتم خاتمك؟ قال نعم، قال فكيف يخرج غلامك ببعيرك، وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتب هذا الكتاب ولا أمر به، ولا وجه الغلام إلى مصر قط، وعرفوا أن الخط خط مروان، وأنه هو الذي قام بهذه المؤامرة، فطلبوا من عثمان أن يسلم إليهم مروان، فخاف أن يقتلوه، وعز عليه ذلك فأبى أن يسلمه إليهم، ولازم بيته معتصماً فيه ومروان معه، فحاصر الناقمون من الأمصار بيت عثمان وترك علي ابنيه الحسن والحسين يحرسان الباب، ويردان كل من يريد اقتحام المنزل على عثمان، غير أن البغاة تسورا الدار من منزل أحد الجيران، ودخلوا عليه يتقدمهم محمد بن أبي بكر وأخذ بلحيته، فقال له عثمان، والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني، فتراخت يده، وتركه وانصرف، ودخل رجلان عليه فوجآه حتى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وأخرج ابن عساكر أن الذي قتل عثمان رجل من أهل مصر أزرق أشقر يقال له حمار، ومن أحسن ما رثي به عثمان من المراثي ﵁ وأرضاه، قول كعب بن مالك:
وأيقن أن الله ليس بغافل فكف يديه ثم أغلق بابه
عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل
وقال لأهل الدار لا تقتلوهم
العداوة البغضاء بعد التواصل
فكيف رأيت الله صب عليهم
عن الناس إدبار الرياح الجوافل
وكيف رأيت الخير أدبر بعده
стр. 10610
وكانت عثمان ﵁ على ما قيل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء بالبقيع، على عمر نيف على الثمانين سنة، فرضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مأواه.
(يتبع)
طبقات الإخوان
مما ينسب إلى الخليفة (المأمون) قوله:
الإخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه، وطبقة كالدواء قد يحتاج إليه، وطبقة كالداء جنبك الله إياه.
следующие страницы →