← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.

стр. 10851

كما قال ﷺ : "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وقد مضت تلك القرون المفضلة وليس لهذه البدع وجود أو رواج وإن وجد شيء منها فهو محدود، وعلى نطاق ضيق، يختفي أصحابها ولا يستطيعون الظهور، لأنهم يشكلون أقلية بخلاف ما وصل إليه حال المسلمون اليوم، فقد طغت البدعة، ودرست السنة، وتغيرت مفاهيم المسلمين، وأصبح تصورهم للإسلام تصوراً خاطئًا، وجعلوه في إطار ضيق، فقد وصل مثلا في بعض البلاد إلى حد كونه لا يعدو أن يكون مجموعة من الطقوس والاحتفالات التي قلدوا فيها أعداء المسلمين والإسلام، ويوجهون سهامهم المسمومة إلى الإسلام بسبب ضلال في ضل من المسلمين عن الطريق السوي، وانحرف عن الجادة الصحيحة التي رسمها لهم الإسلام، وأمرهم أن يسيروا عليها ولا يحيدوا عنها يمينا أو شمالا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يوسف/ ١٠٨. إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي توضح هذا المنهج القويم. حرص الصحابة على لزوم الكتاب والسنة والبعد عن البدع:- ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أشدَّ حرصاً على العمل بالكتاب والسنة، وأشدهم عداوةً وبغضاً للبدع وأهلها، كذلك التابعون ومن جاء بعدهم ممن تبعهم بإحسان، وسأورد نماذج من أقوال الصحابة والسلف الصالح في ذم البدعة والمبتدعين، والحث على لزوم السنة. من أقوال الصحابة في ذلك:- فهذا أبو بكر الصديق رضي الله يقول: "إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله ﷺ يطيقه، إن الله اصطفى محمداً على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا بمتبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني".

стр. 10852

وهذا ابن مسعود ﵁ ينكر على جماعة من المسلمين كانوا قد جلسوا يذكرون الله بذكر على غير الهيئة التي جاءت عن رسول الله ﷺ ، فقد روى الدارمي في سننه أن رجلاً أخبر عبد الله بن مسعود، أن قوام يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون، قام فأتى ابن مسعود فجاء، وكان رجلا حديداً، فقال: أنا عبد الله بن مسعود، والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماً، وقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما، فقال عمرو بن عتبة: استغفر الله، فقال عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً. فإذا كان ابن مسعود ﵁ قد أنكر هذه الهيئة التي يذكرون الله بها رغم أن الذكر الوارد فيها مشروع بيد أنه أنكر عليهم الشكل والصفة وتخصيص هذا الوقت بالذات للذكر، فكيف لو اطلع ابن مسعود على هذه الأذكار التي يذكر بها المسلمون اليوم، وهي لا تمت إلى ذكر الله بصلة، مما ابتدعه أصحاب الطرق الصوفية، وغيرهم من الأذكار التي زينها لهم الشيطان، منها ما يرددونه بصوت واحد، من قولهم "هو هو"أو "حي حي"وغير ذلك من ألوان الهذيان، الذي يرددونه ويزعمون أنه ذكر الله، في الوقت الذي لو سمعتهم وهم يترنمون بهذه الأذكار التي لا يفهم منها شيء في كثير من الأحيان، لخيل لك أن أمامك سباعاً تتعاوى وتتهارش، على فريسة، بل تحولت أذكار كثيرا ممن ينتسب إلى الإسلام اليوم من أنواع من الرقصات المختلفة، فضلا عما يصحب ذلك من آلات الطرب والمعازف، واختلاط الرجال بالنساء، وشرب للمسكرات، وغير ذلك من أنواع الفساد التي يميلها عليهم الشيطان، فيا ليت شعري ماذا سيقول هذا الصحابي الجليل لو اطلع على هذه المناظر، أو سمع تلك الأصوات المنكرة ﴿إِنَّ أَنْكَرَ

стр. 10853

الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ، لقمان/ ١٩. وهذا رسول الله ﷺ ينكر على الصحابة لما رفعوا أصواتهم بالتكبير، ويقول: "أيها الناس، أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تنادون أصم ولا غائبا"، ولا شك أن ذكر الله واجب من أعظم الواجبات التي حث عليها الإسلام، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ الأحزاب/٤١-٤٢. ومن أعظم وصايا النبي ﷺ قوله: "لا يزال لسانك رطباً بذكر الله". لكن لابد أن يكون الذكر وفقا للمعايير التي جاء بها الكتاب والسنة، دون إفراط أو تفريط. وجاء عن ابن مسعود أيضا في ذم البدعة "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم". وقال ابن عباس لمن سأله الوصية: "عليك بتقوى الله والاستقامة اتبع ولا تبتدع"، وقال ابن عمر ﵄: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة". وقد روى هذه الآثار الكثيرة الإمام الدارمي في سننه، وآثار أخرى عن الصحابة والتابعين، وجاء في سنن أبي داود عن حذيفة ﵁ قال: "كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً". هذه نماذج من أقوال الصحابة. من أقوال السلف بعد الصحابة:- وسنشرع الآن في ذكر نماذج من أقوال التابعين وغيرهم من السلف في الحث على اتباع السنة والتحذير من البدع فقد روى الدارمي في سننه عن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: "أوصيكم بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسوله ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعده". ونقل الأوزاعي عن حسان بن عطية أحد التابعين الفضلاء قوله: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة".

стр. 10854

وقال أبو حنيفة ﵀: "عليك بالأثر، وطريق السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"، وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً"، وقال الليث بن سعد: "لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته"فلما بلغ ذلك الشافعي ﵀ قال: "إنه ما قصر لو رأيته يمشي على الهواء ما قبلته". وقال الإمام أحمد ﵀: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة". وهكذا نجد مما تقدم من النصوص أن الكتاب والسنة والآثار والأخبار التي نقلت عن السلف الصالح تفيد من نظر فيها بتبصر وتدبر أن كل بدعة في الدين صغيرة أو كبيرة في الأصول أو الفروع، في العقائد أو العبادات أو المعاملات، فعليّة أو قوليّة أو تركيّة، فهي ضلالة، صاحبها مؤاخذ معاقب عليها في النار، وبدعته مردودة عليه غير مقبولة منه، كيف وقد قال ﷺ : "إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما من كتاب الله وسنتي" وقال أيضا: "تركتم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك". ... البقية في العدد القادم عَنِ الزُّبَيْرِ بنُ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بنَ مَالِكٍ ﵁ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: "اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي زَمَانٌ إِلاَّ وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكَمْ" سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ "رواه البخاري" --------------------------------------------------------------------------------

стр. 10855

[١] هذه الإقتتاحية المشتملة على كثير من الفوائد والتي كان يسميها السلف خطبة الحاجة، وقد كان رسول الله ﷺ يفتتح بها كلامه في أغلب أحيانه، ويعلمها أصحابه كما يعلمهم القرآن، لذا فإنه من الخطأ الشائع توهم كثير من الناس أن هذه الخطبة خاصة بعقد النكاح بل الصحيح أن هذه المقدمة مشروعة في أي موضوع خيري يريد أن يتكلم به متكلم.

стр. 10856

وَفِّرُوا اللِّحَى وَأحْفُوا الشَّوَارب لفضيلة الدكتور محمد أحمد الشريف الأستاذ المساعد بكلية الحديث بالجامعة عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين وفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب" وفي رواية عبيد الله بن عمر بن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى" (١) ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس" (٢) ، وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "الفطرة خمس: الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط" (٣) ، وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من الفطرة قص الشارب" (٤) . الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه للعالمين، وعليه فطر الخلق جميعا، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، (الروم/٣٠) والمعنى والله أعلم أن هذا الدين القيم إنما هو دين يتفق مع الفطرة تماماً، ولو أن كل إنسان تُرك من وقت ولادته وما يؤديه إليه نظره لأداه إلى دين الحق بتوحيده وشعائره.

стр. 10857

وقد فطر الله الناس قابلين للحق متهيئين لإدراكه مائلين منساقين إليه، إذا خلوا وأنفسهم، بعيدين عن الوساوس الشيطانية والأهواء البشرية، ومن هذه الأمور التي فطر الناس عليها قص الشارب وإعفاء اللحية، والسواك واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء، والمضمضة.. هذه الأمور ملائمة لفطرة الإنسان ملائمة تامة. ولقد أكد الشارع أمرها فحث عليها ليذكر الناس بأصل فطرتهم وليكونوا على أحسن الصفات وأكمل الهيئات: قال شيخ الإسلام ابن حجر: ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع منها: تحسبن الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأدى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حَسَّنتُ صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة والتأليف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى إلى انبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه والعكس وبالعكس اهـ ولقد أغوى الشيطان الكثير من الناس وأضلهم عن فطرتهم وصرفهم عما جبلوا عليه، وزين لهم ما لم يكن من شأنهم وهيأ لهم أن حسن الهيئة وزينتها في تغيير هذه الفطرة ورفضها، وسار على ذلك المشركون، وتبعهم عليه نفر من المسلمين. فتركوا شواربهم لم يقصوها، وأنهكوا لحاهم، وأعرضوا عن الاختتان، وتركوا شعور العانة والإبط، وأطالوا أظافرهم، وتركوا الاستنشاق بالماء، والمضمضة، والاستنجاء بالماء، وتركوا البراجم، وأعرضوا عن السواك الذي هو مطهرة للفم ومرضاة للرب، واتبعوا في ذلك أهواء الذين لا يعلمون قال تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا

стр. 10858

أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف/٣) ، وسأقصر البحث هنا على أمر الشارب واللحية والله المستعان وعليه التكلان. والشارب هو الشعر النابت على الشفة العليا للفم، قال في المصباح: هو الشعر الذي يسيل على الفم ويثنَّى باعتبار الطرفين اهـ. وقد يجمع وهو من الواحد الذي فرق، ويسمى كل جزء منه باسمه فقالوا لكل جانب منه شاربا، ثم جمع على شوارب، وأما طرفا الشارب وهما السبالان فقيل هما من الشارب ويشرع قصهما وقيل هما من اللحية. وجمهور العلماء على أن قصه أو إحفاءه سنة، وأمره ﷺ بذلك محمول على الندب بقرينة أن الأمر بذلك للنظافة وتحسين الهيئة، والنفس تميل إلى ذلك وتدعو إليه، فلم تحتج إلى أمر إيجاب. والندب كاف في ذلك. وذهب يعض الحنفية وابن حزم والقاضي أبو بكر بن العربي إلى وجوب أخذ الشارب لأمره ﷺ بذلك ولأن في تركه تشويها للصورة الآدمية كما أن أخذه من الفطرة، والفطرة هي الدين وإذا أضيف قصه إلى الدين، فالظاهر أنه جزء من فرائض الدين لا من سننه وقد أمر إبراهيم ﵇ بخصال الفطرة، وأمرنا باتباعه، وأمرُ الله يجب العمل به.. وقص الشارب من خصال الفطرة فهو واجب. والظاهر مع الجمهور فهو سنة الأنبياء جميعاً، والقصد به النظافة وتحسين الهيئة واتباع إبراهيم ﵇ واجب. فإن كان الأمر واجباً عليه أو مندوباً كان حكم التابع كذلك ولا نعلم أن ذلك كان واجباً عليه فبقي الأمر على الندب.

стр. 10859

وإنما كان ذلك سنة لأن الأنبياء ﵈ هم أكمل الخلق وشرعهم أقوم الشرائع، وقد أمرنا بالاقتداء بهم، وما شرع الله شيئا إلا وفيه الخير والمصلحة وإن خفى ذلك علينا. والصادق في إيمانه يستجيب لأمر الله لأن مقتضى الإيمان التصديق والطاعة والاستسلام والانقياد لأمر الله تعالى. وإن كانت معرفة الحكمة تزيده تصديقاً وثباتاً وانقياداً.. ويمكننا أن نفهم شيئا من الحكمة في الأخذ من الشارب، فالمشركون والمجوس الذين كفروا بالله وعبدوا غيره وأضلهم الشيطان عن فطرتهم كانوا يتركون شواربهم لا يأخذون منها شيئًا، وذلك أمارة على ما في أنفسهم من غلظة وتجبر وتعالٍ، ومن زهو وعجب واختيال، وشأن المؤمن التواضع والانكسار والتذلل لله . ونحن مأمورون بمخالفة الكفار في هيئاتهم وأفعالهم غير المشروعة، فهم أعداء لله ولرسوله وللمؤمنين، ومن تشبه بقوم فهو منهم. ولذلك أمرنا بقصه أو حلقه، إذ في ذلك من النظافة ما لا يخفى، فإن الإنسان إذا أكل أو شرب وكان شاربه طويلا عاقه عن أكله وشربه إذ يدخل الشعر في فمه ويختلط بطعامه وشرابه وفي ذلك إيذاء للإنسان، وقد يؤدي به الامتناع عنهما مع حاجته إليهما لضيق الصدر وتألم النفس بدخوله في الفم، وقد يؤدي به ذلك إلى مضغه وبلعه دون قصد. وكثيراً ما يتعلق به شيء من الطعام والشراب وذلك أمر مستقذر مستهجن، وفيه إهانة وإزراء بالرجل، وفي حلقه أو قصه أمان من ذلك، وإذا كان الشارب طويلا ثم تمخط الإنسان تعلق به شيء منه وهو لا يشعر، وقد يُرى بين الناس وهو كذلك فيكون مُزدرى مَهيناً ينفر الناس منه، ولما كان تركه ليس من الفطرة فإن النفس تشعر معه بضيق وثقل وأذىً حتى تستريح بالأخذ منه. وفي تركه تقبيح للهيئة، وفي الأخذ منه إصلاح وتحسين لها. وفيه كذلك إحسان إلى الناس بكف الأذى عنهم، وإحسان إلى النفس بالمحافظة على المروءة، وبالدعوة إلى التآلف.. قال ابن العربي: إن الماء النازل من الأنف يتلبد به الشعر

стр. 10860

لما فيه من اللزوجة ويعسر تنقيته عند غسله وهو بإزاء حاسة شريفة وهي الشم، فشرع تخفيفه ليتم الجمال والمنفعة به اهـ. وقد اختلفت الروايات في صفة الأخذ من الشارب، واختلفت تبعاً لذلك آراء العلماء. ففي بعض الروايات الأمر بإخفائه وإنهاكه وجزه. وفي المصباح أحفى الرجل شاربه بالغ في قصه. وقال ابن دريد: حفى شاربه حفوا إذا استأصل أخذ شعره. فالمعنى أزيلوا شعر الشارب إذا طال. والإنهاك هو المبالغة في الإزالة، والجزِّ قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد. قال الهروي معناه: ألزقوا الجز بالبشرة. وقال الخطابي: هو بمعنى الاستقصاء. وفي المصباح: الجز القطع. وقد أخرج الطبري والبيهقي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس فقال: "إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم"، قال: فكان ابن عمر يستعرض سبلته فيجزها كما يجز الشاة أو البعير.

стр. 10861

وأخرج رزين أن ابن عمر كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى الجلد ويأخذ هذين –يعني ما بين الشارب واللحية- وفي رواية لغيره: "حتى يرى بياض الجلد"، وأخرج الطبري والبيهقي عن ابن عبد الله بن أبي رافع قال رأيت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وابن عمر ورافع بن خديج وأبا أسيد الأنصاري وسلمة بن الأكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق وأخرج الطبري من طرق عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم. وذكر الطحاوي عن أبي سعيد وأبي أسيد ورافع بن خديج وسهل بن سعد وعبد الله بن عمر وجابر وأبي هريرة أنهم كانوا يحفون شواربهم. وقد اقتدى هؤلاء ﵃ برسول الله ﷺ ، وقد أخرج الطبراني بسند حسن عن أم عباس قالت: "كان ﷺ يحفي شاربه".. وبهذا قال الإمام أحمد ﵁ فقد سئل عن السنة في إحفاء الشارب فقال يحفى. كما قال ﷺ : "احفوا الشوارب"، ولم يكن يرى ذلك لازماً وإنما كان يرى أنه أفضل وأولى من القص. سئل: ترى الرجل يأخذ شاربه أو يحفيه أم كيف يأخذه؟ فقال إن أحفاه فلا بأس وإن أخذه قصاً فلا بأس مخير، وقال الأثرم: كان أحمد يحفي شاربه إحفاءً شديداً، ونص على أنه أولى من القص كما ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الإحفاء أفضل من التقصير. قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنوناً عند الجميع كان الحلق فيه أفضل قياساً على الرأس، وقد دعا النبي ﷺ للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين واحدةً فجعل حلق الرأس أفضل من تقصيره، وكذلك الشارب اهـ، ونقل أن الربيع والمزني يحفيان وقال: وما أخذا ذلك إلا عن الإمام الشافعي ﵁. ونقل ابن العربي عن الشافعي أنه يستحب حلق الشارب وفي حاشية العدوي: وأخذ أبو حنيفة والشافعي في قولهما: السنة جزه بخبر: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى".

стр. 10862

وروي عن الشافعي غير ذلك. وهكذا نرى أن جمهور العلماء على إحفاء الشارب كله، وأما حديث "ليس منا من حلق" (١) ، فليس في الشارب. ولقد جاءت أحاديث أخرى تفيد أن المطلوب قص الشارب منها حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من الفطرة حلق العانة وتقليم الأظافر وقص الشارب" (٢) ، وأخرج الترمذي عن ابن عباس وحسنه: "كان النبي ﷺ يقص شاربه ويقول: إن إبراهيم خليل الرحمن يفعله"، وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "ضفت النبي ﷺ وكان شاربي وفيراً فقصه على سواك"، والمعنى أنه وضع سواكاً عند الشفة تحت الشعر وأخذ يعضه بالمقص. وروى البزار عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أبصر رجلا وشاربه طويل فقال: "إيتوني بمقص وسواك فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه".. وعن أنس ﵁ قال: "وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة أن لا تترك. أكثر من أربعين ليلة" (٣) . وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية" الحديث، وأخرج البيهقي والطبراني من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني قال رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم يقصون شواربهم: أبو أمامة الباهلي والمقدام بن معد يكرب الكندي وعتبة بن عوف السلمي والحجاج بن عامر الثمالي وعبد الله بن بسر، قال ابن حجر: وأما القص فهو الذي في أكثر الأحاديث وجاءت رواية عند النسائي بلفظ: "تقصير الشارب" في خصال الفطرة وهو واضح المعنى، قال ابن فارس: القاف والصاد أصل صحيح يدل على تتبع الشيء من ذلك قولهم اقتصصت الأثر إذا تتبعته وقال:

стр. 10863

ومن الباب قصصت الشعر، وذلك أنك إذا قصصته فقد سويت بين كل شعرة وأختها فصارت الواحدة كأنها تابعة للأخرى مساوية لها في طريقها، وفي المصباح: قصصته قصاً من باب قتل، قطعته، قال ابن حجر: والمراد هنا قطع النابت على الشفة العليا غير استئصال، وكذا قص الظفر أخذ أعلام من غير استئصال، وبقص الشارب قال طائفة من العلماء، قال الإمام مالك ﵁: "وتقصيره عندي أولى من حلقه"، وقال: "إحفاء الشارب عندي مُثْلَةٌ"، وسئل عمن يحف شاربه فقال: "أرى أن يوجع ضرباً"، وقال: "يؤدب من جز شاربه ويبالغ في عقوبته؛ لأن حلقه مُثْلَة، وهو فعل النصارى"، وحمل الجزّ والإحفاء والإنهاك على القص لا على الاستئصال. والمراد بالحديث عنده المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفتين. وقال ابن عبد البر يرجح قول مالك: إنما في هذا الباب أصلان أحدهما احفوا وهو لفظ يحتمل التأويل والثاني قص الشارب وهو مفسر والمفسر يقضي على المجمل وهو عمل أهل المدينة اهـ، وقال: وقص الشارب أن يأخذ ما طال على الشفة بحيث لا يؤذي الآكل ولا يجتمع فيه الوسخ، وقال عمر بن عبد العزيز: "السنة في الشارب الإطار"، قال الإمام النووي: والمختار في الشارب ترك الاستئصال والاقتصار على ما يبدو به طرف الشفة والله أعلم"اهـ.

стр. 10864

وقد صرح في المهذب بأن هذا هو مذهب الشافعية.. وقوله ﷺ : "احفوا الشوارب" يراد به إحفاء ما طال عن الشفة لا إحفاؤه كله. قال ابن حجر في أحاديث الإحفاء: كل ذلك محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا، ومحتمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها، ولا يستوعب بقيتها، نظراً إلى المعنى في مشروعية ذلك، وهو مخالفة المجوس والأمْنُ من التشويش على الآكل، وبقاء زهومة المأكول فيه، وكل ذلك يحصل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع متفرق الأخبار الواردة في ذلك وبذلك جزم الداودي في شرح أثر ابن عمر، ومقتضى تصرف البخاري لأنه أورد بعده حديث أبي هريرة في قص الشارب، فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث. وعن الشعبي أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العليا وما قاربه من أعلاه ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم ولا يزيد على ذلك. قال ابن حجر: "وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار"اهـ، وقد رجح بعض العلماء قول الأكثرين وقال: الإحفاء الاستئصال، ورواية القص لا تنافيه لأنه قد يكون على جهة الإحفاء وقد لا يكون، ورواية الإحفاء معنية للمراد وحديث: "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" (١) ، لا يعارض من حديث الإحفاء لأن فيه زيادة صحيحة يجب الأخذ بها. والحق أن الأحاديث وردت بالأمرين، بالقص على أنه من الفطرة، وبالإحفاء على أنه أمر من رسول الله ﷺ ، وهو يشمل القص وزيادة. وكلا الأمرين صحيح والقص سنة، والإحفاء سنة، والمكلف مخير، والأمر واسع فيقص أحياناً ويحفي أحياناً ليعمل بكل الأدلة. قال الطبري: دلت السنة على الأمرين، ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتميز فيما شاء اهـ.

стр. 10865

وأما اللحى: فهي جمع لحية بكسر اللام، وهي اسم لما نبت من الشعر على الخدين والذقن، والذقن مجتمع اللحيين، واللحى عظم الحنك وهو الذي عليه الأسنان، ولقد أمر رسول الله ﷺ بتوفيرها فقال ﷺ : "خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب" (١) ، كما أمر بإعفائها فقل ﷺ : "أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى" (٢) . كما أمر بإيفائها فقال ﷺ : "خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى" (٣) ، كما أمر بإرخائها فقال: "جزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس" (٤) ، وذكر القاضي عياض أن بعضهم قال: "وأرجوا"بالجيم بدل الخاء.. ومعنى: "وفروا" اتركوها وافرة كاملة لا تنقصوا منها شيئاً ومعنى: "واعفوا" اتركوها على حالها حتى تعظم وتكثر ولا تتعرضوا لها بشيء فهي بمعنى وفروا أو أكثروا. ولا يقصد بذلك إباحة معالجتها حتى تغزر بقرينة سياق الحديث: "احفوا الشوارب"، وكذا بقية الألفاظ الدالة على مجرد الترك، ومعنى: "أوفوا" اتركوها وافية تامة لا تنقصوا منها شيئاً ومعنى: "أرخوا" أطيلوها وأطلقوها ولا تتعرضوا لها حتى تكثر وتنمو. ومعنى: "أرجوا" أخروها واتركوها على حالها، وأصلها: "أرجئوا" فحذفت الهمزة من الفعل تخفيفاً وكل هذه الروايات تفيد معنى متقارباً، وهو تركها على حالها وافية وافرة كاملة. عدم التعرض لها بشيء.

стр. 10866

وفي كل هذه الروايات أمر من الرسول ﷺ . وقد حمله القاضي عياض والنووي والرافعي على الندب لأنه أمر يرجع إلى تحسين الهيئة وتجميلها ولا +-يحتاج إلى الوجوب كما أنه قرن بإحفاء الشارب، والجمهور على أنه سنة إلا من شذ كما أن توفير اللحية من خصال الفطرة كالختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والسواك، والإستنشاق، وغسل البراجم، والمضمضة، وانتقاص الماء، وظاهر كونها من الفطرة أنها سنة. وقد اختلف في وجوب بعضها. واللحية من زينة العرب التي امتازوا بها عن غيرهم وقد فعلها رسول الله ﷺ لما وجد قومه عليها. ولذلك قال هؤلاء العلماء بكراهة حلق اللحية وقصها. وأما الأئمة الأربعة ﵃ وجمهور الفقهاء والمحدثين فقد ذهبوا إلى أن الأمر بإعفائها وتوفيرها للوجوب لا للندب وقالوا بحرمة حلقها. واحتجوا بما يأتي:- أولاً: لقد أمر رسول الله ﷺ بها وقد وضعت صيغة الأمر للوجوب ما لم يصرفها عن ذلك صارف بقرينة تدل عليه، ولا قرينة هنا حتى تصرف هذا الأمر عن ظاهره ومقتضاه. وجمهور أهل الأصول والحديث على أنه إذا أمر بشيء كان ذلك الأمر نهياً عن ضده سواء كان ذلك الضد واحداً أو متعدداً. والأمر بإعفاء اللحية نهيٌ عن حلقها أو قصها أو تقصيرها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر/٧) ، وإعفاء اللحية ثابت من هديه ﷺ ، ونحن مأمورون بالإقتداء به. فهو ﷺ قد أعفاها وأمرنا بذلك. ولا شك أن أكرم العادات وأشرفها هي عاداته ﷺ . وإعفاء اللحية وإن كان شأن العرب وخاصيتهم إلا أن رسول الله ﷺ بأمره به قد نقله من كونه عرفاً وعادةً إلى كونه عبادة مأموراً بها مثاباً على فعلها معاقباً على تركها.

стр. 10867

ثانياً: أضف إلى ذلك أنه ﷺ قد أمر بمخالفة المشركين والمجوس ثم أمر بإعفاء اللحية وإحفاء الشارب تدل على أن في ذلك الأمر مخالفة لهم، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن حلق اللحية وقصها وترك الشارب، من هيئات الكفار الخاصة بهم، فأمر المسلمون بمخالفتهم في فعلهم تماماً. وقد كان بعض الأعاجم يوفرون الشوارب واللحى معاً فأمرنا بمخالفتهم في صنعهم هذا بأن نأخذ من الشوارب ونترك اللحى، قال أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها، وقد روى البيهقي أنه ذكر لرسول الله المجوس فقال: "إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم"، وعن أبي أمامة ﵁ أنه قيل يا رسول الله: إن أهل الكتاب لا ينتعلون فقال النبي ﷺ : "فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب"، قال فقلت يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم، قال فقال رسول الله ﷺ : "قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب" (١) ، ومخالفة المشركين واجبة وقصد التشبه بهم حرام، قال ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٢) ، وقوله ﷺ : "خالفوا المشركين"، "خالفوا المجوس" غاية في الزجر عن التشبه بهم فيما يختصون به من ملبس أو هيئة، ولقد ظهر في المسلمين حلق اللحية وتوفير الشوارب من مخالطة المشركين واستحسان عوائدهم والميل إلى اتباعهم وتقليدهم، وقد نرى بعض الكافرين الآن يوفر لحيته. وذلك لا يغير من حكم اللحية في شريعة الإسلام ومع هذا فإنهم لا يفعلون ما هو مشروع لنا فإنهم يتركون اللحى والشوارب معاً ونحن مأمورون بمخالفة ذلك كما هو صريح الأحاديث. وبعضهم يترك شعرات أسفل الفم ليست هذه هي اللحية الشرعية، ولو سلمنا جدلاً أنهم يصنعون مثلنا تماماً فليس هذا مبرراً لأن نخالف هذا القليل بزعم إبليس، ونخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 10868

الواجب اتباعه في كل حال. ولقد كان من الحكمة في الأمر بإعفائها مخالفة المشركين، ثم بقي الأمر على عمومه واستقر عليه. ولا نعلم ما يخالف ذلك. إن الإنسان إذا ضعفت شخصيته ورق دينه وشغل بالدنيا مال إلى ما يميل إليه أهل الغواية والضلال والمشركون، وقد حلقوا لحاهم وتركوا شواربهم فإذا رأى بعض المسلمين منهم ذلك استحسنوا هيئاتهم وزيهم وعادتهم، وزين لهم الشيطان حب اتباعهم، وجعلهم ينسون محاسن دينهم ومآثر نبيهم الكريم، فتشبهوا بهم، وشاع ذلك الأمر وانتشر، وأصبح أمر اللحية أمراً شاذاً عند الكثيرين ولم ينته الأمر عند هذا الحد من انقلاب المعروف إلى منكر، بل صار بعض من لا خلاق لهم يهزأ بأصحاب اللحى ويسخر بهم وهم الذين يتبعون هدي رسول الله ﷺ ، ويتبعون السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، والخير كله في الاقتداء بهؤلاء الكرام، والشر كله في التشبه بالكفرة اللئام. ثالثا: لقد زين الله الرجال باللحى وهي لذلك تضفي على الرجل كمالاً وجلالاً وهيبة ووقاراً. كما أنها تدعوه إلى الكمال في دينه وتصونه من المنكرات، وتبعث فيه الهمة والعزيمة والتحمل والصبر، وتجعله معروفاً بالفضل والدين والكمال، ويقدم من أجلها على غيره في كثير من المواقف الهامة. وزينة المرأة في خلو وجهها من شعر اللحية. وفي حلق الرجل للحيته تشبه بالمرأة في تخلية الوجه من الشعر. والتشبه بالنساء حرام, وهو شبيه بحلقها لشعر رأسها وإزالة شعر عينها، ومروءة الرجل تنأى به عن ذلك. ولقد حسن الله صورتنا فعار علينا أن نشوهها بما يقبحها وبما يذهب حسنها وجمالها.

стр. 10869

رابعاً: إن اللحية أمر فطري خلق عليه الرجال يتلاءم وما خلقوا له وما أمروا به. فعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء". قال زكريا قال مصعب، ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، وفي حلق اللحية اعتداء على هذه الفطرة وتغيير لما خلق الله وذلك من الكبائر. وهو مثلة في حق الرجل حقه أن يزجر وأن يؤدب لئلا يعود إليها. ولقد تغير الناس وصار المعروف لديهم حلق اللحى وإعفاء الشوارب، فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً ولقد وصل الأمر إلى أن نعتبر ظهور شعر اللحية في الوجه أمراً غير محمود ولا كريم فيبادر البعض إلى إحفائه وإزالته طوعاً أو كرهاً طلباً لحسن المظهر في زعمه أو خوفاً من الاستهزاء أو الاستنكار وما يزال مفروضاً على شبابنا المسلم في القوات المسلحة بالدول الإسلامية أن يحلقوا لحاهم، وهذا أمر لا يليق ولا ينبغي فكيف يأمرون بأمر حرمه الله ورسوله والمؤمنون؟ وكيف يتأتى هذا في دولة دينها الرسمي الإسلام؟ وإعفاء اللحية من الواجبات الإسلامية ومن الشعارات المميزة للمسلمين؟ والمفروض من الجندي أن يكون رجلا بكل مظاهر الرجولة حتى يعطيه ذلك قوة وصلابة وبراً ويقيناً، ولقد كان ذلك بأمر المستعمرين حتى يبعدوا الشباب عن دينهم، أما وقد رحل المستعمر فحتم أن ترحل معه مبادئه المخالفة لشرعنا وشعائرنا. ولقد صارت اللحية الآن علامة على التدين والصلاح، ولقد مل الكثير من شبابنا المبادئ والأفكار المستوردة التي لا تتفق وديننا الحنيف وعرفنا الصحيح وبدءوا العودة إلى الدين كله، فعادت لهم الصورة الكريمة المهيبة الموقرة. وحق علينا أن نوفر السبل لهؤلاء ليتحقق لهم القدر الضروري من الفقه في الدين، حتى يلتزموا الصراط المستقيم ويسلكوا الطريق الوسط، بعيداً عن المبالغة

стр. 10870

والتغالي والإفراط. وحق علينا أن نتعهدهم وأن نرعاهم وأن نحسن إلى المحسن ونقدره ونكافئه، وأن نبصر المسيء بالحق والخير حتى يعود إلى الجادة، ولا خوف على الأمة إذا عاد شبابها إلى حظيرة الإيمان والعمل الصالح والعلم النافع، بل إن الرقي الحقيقي والسعادة الغامرة والفلاح والتوفيق في العودة إلى الإسلام خلقاً وسلوكاً وعبادة ومعاملة ومظهراً وشعاراً، أما الخوف الحقيقي على الأمة فإنما يكون بانسلاخ الشباب من ثياب الإيمان والعمل الصالح والعلم النافع إلى الفوضى والإلحاد والشك والفسق والجهل وما أخطر المسؤولية التي أنيطت بأعناق العلماء والدعاة. ولأجهزة الإعلام دورها الكبير الذي يجب أن تقوم به بعد طول غياب، ومسؤولية الأمراء والولاة والأئمة أن ييسروا السبيل وأن يشعروا الناس بالأمن والطمأنينة والسكينة بعد خوف قد طال. لقد ثبت الأمر بتوفير اللحى لما فيه من خير كثير ولكن ذلك الأمر قد خفى على الكثيرين لما رأوا اختفاء اللحى وشذوذ وجودها خوفاً من الإيذاء، أما وقد أمن الناس بعد خوف فعليهم أن يعلموا وأن يعملوا بما علموا والعلماء والدعاة مسئولون عن ذلك أمام الله ولقد خفي هذا الأمر على بعض العلماء لشغلهم بواجبات أخرى، كما أنه يشق على بعضهم العثور عليه في بطون الكتب. ولقد اتضح هذا الأمر أمام جهابذة العلماء ووضعوا فيه رسائل وبحوث مستفيضة، وكتب السنة الصحيحة وفقهاء الإسلام فصلت هذا الموضوع بإيضاح. ما يكره في اللحية!

стр. 10871

يكره خضابها بالسواد لإظهار الشباب لا لغرض إرهاب العدو في الجهاد، ويكره خضابها بالصفرة رئاء الناس في ظهروه بمظهر الصالحين، وأما خضبها بالصفره اقتداء بالسنة فَحَسَنٌ ويكره تبيضيها بالكبريت ونحوه تعجلاً للشيب، ويكره نتف ما شاب منها، ويكره إهمالها حتى تصير مشعثة غير نظيفة ويكره قصها إلا للنسك، فيستحب عند الشافعي تقصيرها ويكره أخذ شيء من طولها أو عرضها لغير ما حاجة وتكره الشهرة في تعظيمها وتطويلها، ويكره عقدها. --- (١) البخاري ج ٤ ص ٢٧. (٢) مسلم ج ٣ ص ١٤٧. (٣) البخاري ج ٤ ص ٢٧، مسلم ج ٣ ص ١٤٧. (٤) البخاري ج ٤ ص ٣٦. (٥) فتح الباري ج ١٠ ص ٢٦٢. (٦) فتح الباري ج ١٠ ص ٢٧١. (٧) زاد المعاد ج ١ص ٤٦. (٨) أبو داود والنسائي. (٩) البخاري ج ٤ ص ٢٧. (١٠) أبو داود. (١١) مسلم ج ٣ ص ١٤٦. (١٢) مسلم ج ٣ ص١٤٧. (١٣) فتح الباري ج١٠ ص ٢٥٨. (١٤) مقاييس اللغة ج٥ ص١١. (١٥) المصباح المنير. (١٦) فتح الباري ج١٠ ص ٢٥٨. (١٧) القرطبي ج١ ص ٤٩١. (١٨) شرح مسلم ج٣ ص ١٥١. (١٩) فتح الباري ج١٠ ص ٢٦٩. (٢٠) أحمد والنسائي والترمذي وصححه. (٢١) فتح الباري ج١٠ ص٢٧٢. (٢٢) تقدم. (٢٣) تقدم. (٢٤) مسلم ج٣ ص١٤٧. (٢٥) تقدم. (٢٦) فتح الباري ج١٠ ص٢٧٣. (٢٧) جمع عثنون وهو اللحية. (٢٨) أحمد بسند حسن. (٢٩) أبو داود وابن حبان. (٣٠) مسلم ج٣ ص١٤٧.

стр. 10872

رُخصَة الفِطر في سَفر رَمَضَانَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الآَثَارِ لفضيلة الدكتور أحمد طه ريان الأستاذ المساعد بكلية الحديث (الحلقة الأولى) تقديم: الحمد لله رب العالمين، وسعت رحمته كل شيء من خلقه، وتجلت رأفته لأهل طاعته ومحبته، حيث وفقهم لعبادته، ثم أحسن إليهم بقبولها، وأجزل لهم المثوبة عليها، ففازوا بالسعادتين نعمة الطاعة في الدنيا، ونعمة الرضا والتكريم في دار النعيم، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإننا سنعرض في هذا التقديم -بإيجاز- لبيان أهمية هذا البحث ثم لدور السنة فيه، ثم بعد ذلك نعالج موضوع البحث في ثلاثة أصول، يشتمل كل منها على عدة مطالب، نتناول في الفصل الأول: رخصة الفطر في السفر، مبيناً كل جوانبها الهامة، ثم نتناول في الفصل الثاني: كيفية العمل بهذه الرخصة من بداية السفر إلى نهايته، وبعد ذلك نتناول في الفصل الثالث: بيان أهم الآثار المترتبة على الآخذ بهذه الرخصة، ثم نختم البحث بذكر أهم النتائج التي أمكن الوصول إليها من خلال هذا البحث، فتقول: وبالله التوفيق. أهمية هذا البحث: تتبين أهمية هذا البحث من خلال ارتباطه بالأمور الثلاثة الآتية: الأمر الأول:

стр. 10873

إنه يتناول بالتفصيل رخصة الفطر في السفر باعتبارها تطبيقاً جزئياً لقاعدة هامة من قواعد الشريعة الإسلامية، ألا وهي قاعدة رفع الحرج، تلك القاعدة التي تعتبر من الحصون المنيعة التي أقامها رب العزة ﵎ للدفاع عن الشريعة الإسلامية ضد أعدائها الرامين لها بكثرة التكاليف وشدتها، كما أنها من جملة البراهين الساطعة الدالة على سماحة تعاليم الإسلام ويسرها، ومناسبتها لكل الظروف والأحوال، لذلك كانت هذه القاعدة وما تشتمل عليه من تطبيقات جديرة بأن يسجلها القرآن الكريم في كثير من آياته، مثل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة/٢٨٦) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج/٧٨) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة/١٨٥) ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (النساء/١٠١) وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (النساء/١٧٩) . الأمر الثاني: إن هذا البحث يتناول أهم الأحكام المتصلة بجانب حيوي من جوانب الحياة الإنسانية، وهو السفر، وهو جانب لا يمكن الاستغناء عنه، وكيف يمكن الاستغناء عنه وقد جعله الإسلام واجباً في كثير من التشريعات العملية، فالحج فريضة على كل مسلم مستطيع، ولا يمكن تأديته لأكثر المسلمين إلا بالسفر، والوسيلة إلى تحقيق الواجب واجبة، ويقال هذا أيضا في الجهاد لمن تعين عليه.

стр. 10874

كما أن السفر ضرورة من ضرورات الحياة، إذ هو الوسيلة لتنمية التجارات، وتشغيل الصناعات، وطلب العلوم والمعارف، كما أنه من أهم الوسائل الموصلة إلى العلم بالله والتعرف على آياته، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..﴾ (العنكبوت/٢٠) . ومع ضرورته ولزومه، فإنه لا يمكن فصله أو تجريده من المشقات التي تصاحبه في كل مرحلة من مراحله، من بدء التفكير فيه إلى الانتهاء منه، لذلك منَّ الله على الخلق بتهيئة السبل والوسائل التي تيسر لهم تحقيق غايتهم منه، قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل/٧) . فلولا ما اقتضته رحمته تعالى بخلقه ورأفته بهم، من شرعية هذه التيسيرات –المتمثلة في رخصتي الفطر والقصر وما يتعلق بهما- لقعد المسلمون عن السفر، وتعطلت كثير من الفرائض، وكسدت التجارات وجمدت العقول. ثم يأتي الأمر الثالث: والذي يمسس هذا البحث جانباً هاماً منه وهو الصوم، تلك الشعيرة الربانية، والعبادة الصمدانية، التي أضافها الرب ﵎ إلى نفسه تعظيماً لها، وتشريفاً لفاعلها، ووعد المتصفين بها، بأنه سيتولى مثوبتهم بنفسه، ولن يوكل أمرهم إلى أحد من ملائكته. فهذه العناية الإلهية بأمر الصوم والصائمين، تلزم أهل العلم -كل على قدر طاقته- أن يعطوا هذه الفريضة ما تستحقه ما اهتمام سواء بإيضاح ما تنطوي عليه من أسرار عظيمة، أو ببيان ما تشتمل عليه من أحكام جزئية، أو مسائل فرعية. لذلك كله وغيره كان هذا الموضوع جديراً بما يبذل فيه من جهد أو ينفق فيه من وقت، ونسأله سبحانه أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، وأن يوفقنا إلى تحقيق الغاية المرجوة منه وأن ينفع المسلمين به. دور السنة في هذه الرخصة:

стр. 10875

تعتبر آية البقرة: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية، هي الأصل الأصيل لهذه الرخصة، ولم يقتصر دورها على التأصيل والتأسيس، بل إننا سنرى ضوؤها يشع في كثير من الفروع والآثار التي انبثقت عنها أو ترتبت عليها. أما دور السنة في هذه الرخصة، فقد كان في أكثر الأحايين هو التبيين والتوضيح لما أجملته الآية السابقة من قواعد وأحكام، كبيان المراد من السفر الذي يباح فيه القصر أو الفطر، أو دور التقييد والتخصيص لما جاء مطلقاً أو عاماً من الفروع والجزئيات، كتحديد بداية العمل بالرخصة ونهايته. كما أننا سنجد أنها قامت بدور التأكيد لما أفادته الآية، فقد جاء في حديث حمزة ابن عمرو الأسلمي حينما سأل النبي ﷺ عن الصيام في السفر قال: "هي رخصة من الله" [١] ، وهو نفس المعنى المستفاد من الآية السابقة. وأخيرا فإننا سنجد أنها قامت بدور التأسيس أو الإنشاء لأحكام لم تستفد من الآية كتحديد المدة التي إذا أجمع المسافر على إقامتها في مكان ما من سفره، فإن حكم السفر يرتفع عنه. لذلك كان دخول هذا البحث ضمن نطاق فقه السنة أولى من دخوله في مجال فقه الكتاب العزيز، إذ هي تشمل ما جاء في الكتاب الكريم وزيادة. الفصل الأول: رخصة الفطر في السفر معنى الرخصة لغة وشرعا: يقال رخص له في الأمر، أذن له فيه بعد النهي عنه، والاسم: الرخصة والرخصة -بتسكين الخاء وضمها- والرخصة- ترخيص الله للعبد في أشياء خففها عنه [٢] . ومن هنا أطلق الفقهاء لفظ الرخصة على كل معنى خاص -روعي في تشريعه التخفيف سبب ما- إذا ما كان هذا المعنى مستثنى من حكم عام، وذلك كإباحة الفطر في السفر بسبب المشقة، وهذا الأمر مستثنى من الحكم العام، وهو وجوب الصوم على كل مسلم بالغ صحيح مقيم. وعلى هذا فالرخصة شرعاً مستعملة في نفس المعنى اللغوي التي وضعت له.

стр. 10876

معنى السفر لغة وشرعا: السفر -بفتح السين والفاء- يطلق في اللغة على عدة معان، من بينها: الكشف والذهاب والسعي بالإصلاح، يقال: سفر شعره: استأصله وكشف عن رأسه، وسفرت الريح التراب والورق كنسته وذهبت به كل مذهب، وسفرت المرأة وجهها إذا كشفت النقاب عنه، وسفرت بين القوم أي سعيت بينهم بالإصلاح، ومنه قول علي لعثمان ﵄: إن الناس قد استسفروني بينك وبينهم، والجمع أسفار وسافرة وسفر وسفار، وفي الحديث: "صلوا أربعا فإنا قوم سفر" [٣] والرجل المسفر كثير الأسفار القوي عليها، والأنثى مسفرة، وقد اشتق لفظ السفر المستعمل في لسان الشرع، وهو الضرب في الأرض من هذا المعنى. وقد ربط الأزهري بين المعنى اللغوي والشرعي للسفر بقوله: لكشفه قناع الكن عن وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه، ومنازل الخفض عن نفسه: وبروزه إلى الأرض الفضاء ... ولأنه يسفر عن وجزه المسافرين وأخلاقهم فيظهر ما كان خافياً منها [٤] . المطلب الأول: الفطر في السفر رخصة عامة يرى جمهور أهل العلم أن الفطر في السفر رخصة عامة، سواء حضر المسلم بداية الشهر مقيماً أو مسافراً، وقد نقل هذا القول عن مالك وأبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد، والعلماء كافة ما عدا بعض التابعين. وقد استند الجمهور فيما ذهبوا إليه على ما يلي: ١- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية، وجه الدلالة: أن الله : قد أعطى الإذن في الفطر لكل مريض أو مسافر على أن يقضي الأيام التي أفطرها بعد ذلك.

стр. 10877

٢- ما روي عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال: "يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" [٥] . وجه الدلالة: قوله ﷺ هي رخصة.. إلى آخره. يفيد العموم، لأن الشأن في الرخصة العموم، كما أنه عبر "بمن"المفيدة للعموم في جانب المستفيدين بالرخصة. ٣- عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ "خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس" [٦] . وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ خرج إلى مكة خلال شهر رمضان، أي بعد أن استهل عليه الشهر وهو مقيم صائم بالمدينة المنورة، ومع ذلك أفطر في بعض مراحل سفره. المخالفون ووجهتهم: نقل عن أبي مجلز التابعي أن من أدركه الشهر مقيماً فعليه أن يتمه مقيماً صائماً، ولا يسافر في أثنائه، فإنه إن سافر لزمه الصوم وحرم عليه الفطر [٧] . وما نقله عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني -بفتح العين-: من سافر في رمضان وكان قد صام أوله مقيما فليصم آخره، ألا تسمع أن الله يقول: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة/١٨٥) . كما نقل هذا القول أيضا عن سويد بن غفلة [٨] . وما نقله عبد الرزاق عن معمر عن أيوب، أن أم ذر دخلت على عائشة تسلم عليها وذلك في رمضان فقالت لها عائشة: "أتسافرين في رمضان؟ ما أحب أن أسافر في رمضان، ولو أدركني وأنا مسافرة لأقمت" [٩] . وما نقله أيضا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال علي ﵁: "لا أرى الصوم عليه -أي على من بدأه مقيماً صائماُ- إلا واجباً قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [١٠] .

стр. 10878

وقد نقل البيهقي الأثر السابق عن عبيدة السلماني بسنده.. إلى أبي البختري بنفس اللفظ السابق تقريباً إلا أنه عقبه بقول أبي البختري: قال ابن عباس -وكان أفقه منا- من شاء صام ومن شاء أفطر [١١] . وقد حرصت على نقل أسماء القائلين بهذا الرأي مع ذكر وجهتهم بالسند الصحيح إليهم، لأن ما ذكر عن هذا الرأي وعن القائلين به ووجهتهم لم يكن محققاً، ولنأخذ على سبيل المثال ما ذكره صاحب الفتح نقلاً عن ابن المنذر "روي عن علي بإسناد ضعيف، وقال به عبيدة بن عمرو وأبو مجلز وغيرهما، ونقله النووي، عن أبي مجلز وحده" [١٢] . واضح من رجال السند إلى علي ﵃ أنهم ثقات: فقد قال الحافظ ابن حجر في كل من معمر وقتادة: إنه ثقة ثبت [١٣] وأما عبد الرزاق صاحب المصنف فهو معروف. وقد قال فيه ابن حجر: إنه ثقة حافظ [١٤] . كما أن النووي لم يقتصر في نقله عن أبي مجلز وحده، بل نقله أيضاً عن أبي عبيدة السلماني وسويد بن غفلة كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق. ويتلخص مستند هذا الفريق في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . ووجه الدلالة، أن من شهد الشهر حاضراً مقيماً وجب عليه صومه، ولفظ الشهر يطلق على الكل وعلى البعض، فيكون المعنى، فمن شهد منكم الشهر -كله أو بعضه- حاضراً مقيماً صائماً فإنه يجب عليه تكملة صيامه سواء أكمله حاضراً أم مسافراً. ولكن الجمهور: يرون أن المعنى أن من أدرك الشهر أي حضره كله حاضراً غير مسافر وجب عليه صومه. وأما المسافر فله حكم آخر جاء به في الجزء التالي في الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية [١٥] .

стр. 10879

ولكني أرى -والله أعلم- أن المعنى: أن كل من شهد الشهر وجب عليه صومه سواء شهده مقيماً أو مسافراً، صحيحاً أو مريضاً، ثم استثنى الله من هذا العموم المريض والمسافر واختصهما بحكم خاص بهما، وهو إباحة الفطر لمن شاء منهما على أن يقضيه بعد ذلك في أيام أخر. وهذا المعنى وإن كان يتفق مع المعنى الذي قصده الجمهور. لكنه يختلف عنه من حيث الدلالة فإن الآية على تقدير الجمهور: نزلت بحكمين مختلفين كل جزء منها نزل بحكم خاص منقطع الصلة عن الجزء الآخر، الجزء الأول نزل بحكمٍ للمقيم والصحيح، والجزء الآخر نزل بحكمٍ للمسافر والمريض. مع أن لفظ (من) في قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ بفيد العموم، و (شهد الشهر) بمعنى حضره أي أدركه، وكل حي موجود يدرك هذا الشهر لا فرق بين مقيم ومسافر وصحيح ومريض، فمن أين لهم قصر معنى (من) على بعض الأفراد وهم المقيمون دون غيرهم ممن أدرك الشهر. ويمكن أن يعتذر لهم بأنهم لجأوا إلى هذا التقدير ليتفقوا مع ما قاله أهل اللغة في الآية، فقد جاء في لسان العرب: تعليقاً على الآية السابقة: "معناه: من شهد منكم المصر في الشهر -لا يكون إلا ذلك [١٦]- لأن الشهر يشهده كل حي فيه، قال الفراء: الشهر نصب بنزع الصفة ولم ينصب بوقوع الفعل عليه، المعنى: فمن شهد منك في الشهر أي كان حاضراً غير غائب في سفرة" [١٧] والتكلف هنا ظاهر. أما على تقدير: بأن كل من شهد الشهر وجب عليه صومه إلا المسافر والمريض فقد رخص لهما في فطره، فهو متفق مع سياق المعنى في الآية، وربما يعترض على هذا التقدير: بالصبي والمجنون ونحوهما من غير المكلفين إذ هم يشهدون الشهر، ومع ذلك لا يجب عليهم صومه، فيجاب عن ذلك: بأن أمثال هؤلاء يخرجون من الوجوب بنصوص أخرى، مثل قوله ﷺ في الحديث المشهور: "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ" وغيره.

стр. 10880

وعلى فرض أن الآية تحتمل التأويلين، فإن الرسول ﷺ قد بين المراد منها بفعله في غزوة الفتح، إذ صام أول الشهر بالمدينة، وخرج منها صائماً حتى بلغ الكديد ثم أفطر، قال الزهري -في رواية أخرى لحديث ابن عباس السابق-: "فصبح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان" [١٨] . وفي حديث آخر عن أبي سعيد الخدري -ولعله في غزوة بدر- قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" [١٩] . وفعله ﷺ في غزوة الفتح -وكانت في العام الثامن من الهجرة- يعتبر من التشريعات المحكمة لما جاء في حديث ابن عباس السابق -في رواية ثالثة له-: "أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، قال وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره" [٢٠] . فهذه الأحاديث الواردة في محل النزاع تقطع كل احتمال يتوهمه البعض من الآية وترفع كل لبسة قد يحوم حول دلالتها على عموم الرخصة، سواء لمن شهد بداية الشهر مقيماً أو مسافراً فقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر/٧) ، وقال جل من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل/٤٤) . لذلك كان هذا هو الرأي المختار والله أعلم. أما ما نقل عن علي ﵁ من القول بوجوب إتمام الشهر صائماً فلعله كان اجتهاداً منه, ومعلوم أن النص الثابت عن رسول الله ﷺ قولاً أو فعلاً أقوى من اجتهاد الصحابي مهما كان قدره.

стр. 10881

ومما يقوي أنه كان اجتهاداً منه، إشارته للآية بعد قوله بالوجوب مما يدل على أن ذلك كان استنباطاً منه للحكم من نص الآية. وقد قلنا: إن الآية وإن كان فيها احتمال لكن السنة قد رفعت عنها هذا الاحتمال. أما ما نقل عن السيدة عائشة ﵂ من كراهتها للسفر في رمضان، فلما في صومه من عظيم الثواب، وما في قيام ليله من المغفرة والرحمة فالمسافر وإن رخص له في الفطر، لكنه سيفوته ثواب الصيام في نفس الشهر، وسيفوته قيام ليله المؤدي للمغفرة والرحمة، مما ينبغي الحرص عليه. وهذا في حق من كان يمكنه تأجيل سفره، أما من كان لا يمكنه، وكان التأجيل سيترتب عليه ضرر كبير على المسلم في أهله أو ماله، فليس هناك ما يمنعه، وما قلناه في حق علي ﵁، يقال فيما نقل عن عبيدة السلماني وغيره من التابعين رضي الله تعالى عنهم. الدستور الأساسي قال الفيلسوف (جيبون) : القرآن مسلم به من حدود الأقيانوس إلى نهر الفانك بأنه الدستور الأساسي. ليس لأصول الدين فحسب بل للأحكام الجنائية والمدنية والشرائع التي عليها مدار نظام المجتمع الإنساني وترتيب شؤونه. -------------------------------------------------------------------------------- [١] صحيح مسلم ج١ ص ١٤٥ دار التحرير- القاهرة. [٢] لسان العرب ج ٨ ص ٣٠٦ مصورة من طبعة بولاق. مادة رخص. [٣] لسان العرب ج ٦ ص ٣١ مادة سفر. [٤] (والكن: الستر والوقاية، والخفض: الدعة والراحة والاطمئنان) . [٥] صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٥ دار التحرير. القاهرة. [٦] صحيح البخاري ج ١١ ص ٤٥ مع شرحه عمدة القاري. دار الفكر ببيرو. والكديد: بفتح الكاف وكسر الدال الأولى: موضع بينه، وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها وبينه وبين مكة نحو مرحلتين. [٧] المجموع ج ٦ ص ٢١٦- مطبعة المدني بالقاهرة. [٨] المجموع ج ٦ ص ٢١٦.

стр. 10882

[٩] المصنف ج ٤ ص ٢٧٠ الطبعة الأولى. المكتب الإسلامي ببيروت. [١٠] المصنف ج ٤ ص ٢٦٩. [١١] السنن الكبرى ج ٤ ص ٢٤٦ -دار الفكر. [١٢] فتح الباري ج ٥ ص ٨٣ مطبعة مصطفى الحلبي. [١٣] تقريب التهذيب ج ٢ ص١٢٣، ٢٦٦ دار المعرفة ببيروت. [١٤] تقريب التهذيب ج ١ ص ٥٠٥. [١٥] تفسير فتح القدير للشوكاني ج١ ص١٨٢ درا المعرفة ببيروت. [١٦] الإشارة إلى المعنى الذي قدره. [١٧] لسان العرب ج٤ ص٢٢٧ مادة شهد. [١٨] صحيح مسلم ج٣ ص١٤١ دار التحرير ـ القاهرة. [١٩] صحيح مسلم ج٣ ص١٤٢. [٢٠] مسلم ج٣ ص١٤٠.

стр. 10883

تطَلُعَات إلى المستقبل في مُسْتَهَل القَرْنِ الهجْرِي الْجَدِيدُ لفضيلة الأستاذ محمد قطب في مستهل هذا القرن الهجري الجديد.. استبشر كثير من المسلمين وهي ظاهرة طيبة، نرجو أن يحقق الله من ورائها الخير الكثير، ولكن الاستبشار وحده لا يكفي إذا كان مجرد أماني خاوية، يقول : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (النساء/١٢٣) . فالأماني الفارغة لا تغير شيئاً من الواقع، ولا تحدث ما نرجوه من الخير، إنما يحدث هذا التمني أثره الطيب بإذن الله حين يكون استبشاراً مبنياً على عمل، استبشاراً له رصيد من الواقع، إننا نريد أن نتدارس معاً أمر هذا الاستبشار بالقرن الهجري الجديد، هل هو مجرد أماني؟ أم أنه استبشار له رصيد من الواقع؟ وما ذلك الرصيد؟ على وجه التحديد؟ ما حجمه؟ ما الذي ينبئ به؟ ما الذي نرجوه من وراءه؟ أقول بادئ ذي بدء: إن الله لا يغير أحوال البشر بأرقام السنين، ولا بأرقام القرون، فكوننا دخلنا في قرن تاريخي جديد، ليس معناه بالضرورة أن يغير الله لنا، إنما علمنا الله طريق التغيير، قال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد/١١) . فطريق التغيير إذن: الطريق الذي يغير الله على أساسه واقع الناس هو أن يغيروا ما بأنفسهم، والتغيير بحالتيه من سيئ إلى حسن، أو من حسن إلى سيئ لا يحدث في حياة الناس إلا إذا غيروا ما بأنفسهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال/٥٣) .

стр. 10884

فإذا أنعم الله على قوم نعمة فإنه يحفظها لهم ما داموا هم حافظين لها، فإذا غَيَرُّوا ما بأنفسهم فإن الله يغير حالهم إلى حال سوء والعياذ بالله، ثم إنهم إذا كانوا في حال سوء، وأرادوا أن يخرجوا منها إلى حال خير فإن عليهم بادئ ذي بدء أن يغيروا ما بأنفسهم إلى خير فيغير الله ما بهم من سوء ويبدل أحوالهم إلى خير. فعلى هذه القاعدة، أو على هذه السنة الربانية التي لا تتبدل ولا تتحول ككل سنن الله ، نتدارس أمر هذا القرن الجديد، فنسأل عن هذا الاستبشار: هل هو مبني على واقع في نفوس الناس؟ أي بعبارة أخرى: هل بدأ الناس يغيرون ما بأنفسهم؟ فنتوقع إذن أن يغير الله لهم؟ أم إنهم ما زالوا يسيرون على الحال الذي يسيرون فيه؟ فلا تغيير إذن من عند الله ما دامت القلوب لم تتغير والعقول لم تتغير؟ أنا شخصياً من المستبشرين والحمد لله، استبشر لا بالسنوات، ولا بالأرقام، لكن استبشر بما أراه في قلوب الشباب في العالم الإسلامي من المحيط إلى المحيط، من تغير نحو الإسلام.. إنه اتجاه جديد.. بعث إسلامي جديد.. يعمر هذه القلوب من بعد ما كانت خاوية خلال القرون الماضية، فحل بالمسلمين ما حل بهم نتيجة خواء قلوبهم من الإيمان الصحيح، ولكني وأنا أستبشر بمطلع هذا القرن، وأرجو للمسلمين فيه خيراً، لا أغفل عن الواقع الذي نعيشه، لا أغفل عن الظلمات.. عن الأزمات.. عن المصاعب والمشقات التي تحيط بالمسلمين اليوم، وتعتصرهم اعتصاراً على يد أعدائهم في كل مكان في الأرض.

стр. 10885

ولعلنا لا نستطيع أن نمضي في الحديث عن هذا القرن الجديد، إلا إذا تحدثنا عن القرون القريبة الماضية، فالمستقبل حلقة من حلقات التاريخ متصلة بالحاضر، والحاضر حلقة متصلة بالماضي، ولا يمكن أن ندرك الحاضر ولا أن ندرك المستقبل المرقوب إلا إذا مررنا بالماضي نستشف أحداثه، ونعرف ما جرى فيه من تغير في أحوال المسلمين بعد أن كانوا هم الأمة، بعد أن كانوا هم القوة في الأرض، بعد أن كان لا يبرم أمر في الأرض إلاَّ برضاهم أو بمشورتهم، أو يغضبون فتهتز الأرض كلها. كيف تغير الحال؟ كيف صار المسلمون إلى الذل والهوان والتشريد الذي يعيشونه اليوم؟ يُقَتَّلون في كل مكان في الأرض، يعذبون.. يشردون.. يطاردون.. تنتهك أموالهم وديارهم وأعراضهم.. بل تنتهك أرواحهم وقلوبهم.. وتحْشى بأفكار ليس بينها وبين الإسلام صلة، وبأمور مخالفة تمام المخالفة لدين الله. كيف حدث ذلك وقد وعد الله المؤمنين من هذه الأمة بالاستخلاف والتمكين والتأمين، حيث قال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور ٥٥) نعم، هنالك في الآية وعد من الله بالاستخلاف والتمكين والتأمين، ولكن الوعد مقرون بشرط ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ . إن هذا هو الشرط الذي اشترطه على هذه الأمة، والذي تكفل في مقابله أن يمنح هذه الأمة بركته ونصره وتأييده وعونه في الاستخلاف والتمكين والتأمين. "يؤمنون"و "يمكن دينهم في الأرض"و "يصبحون هم الخلفاء"أي هم القوة التي تسيّر أمر هذه الأرض.

стр. 10886

كذلك قال الله في وصف هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران ١١٠) . وقال كذلك: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة ١٤٣) . هذا الوصف الرباني، هذا التقرير الرباني لهذه الأمة، أنها خير أمة أخرجت للناس، وأنها شاهدة على البشرية كلها، وقائدة لها ورائدة، كيف تحول إلى هذا الهوان الذي تعيشه الأمة الإسلامية؟ هل يتخلف وعد الله؟ حاشا لوعد الله أن يتخلف، وهو الوعد الحق والله أصدق القائلين، ماذا حدث إذن؟ كيف نفسر القرون الثلاثة الأخيرة من حياة المسلمين، التي انحدروا فيها تباعاً، وظلت قوتهم تتضاءل بينما ظلت قوة أعدائهم تتصاعد، حتى غلب عليهم أعداؤهم وغزوهم في عقر دارهم، ومزَّقوا العالم الإسلامي مزقاً، ودخلوا لا الأرض والديار فقط، بل القلوب والأرواح، يغزوننا بما نصطلح على تسمينه "الغزو الفكري". كيف حدث ذلك؟ كل شيء بقدر، نعم، ولكن قدر الله يجري من خلال أعمال الناس:- ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم ٤١) . يظهر الفساد في البر والبحر بقدر من الله، نعم، لكن بما كسبت أيدي الناس، فقدر الله مرتبط بأعمال الناس في الأرض: هل يستقيمون على النهج أم يحيدون عنه؟ وبحسب سلوك الناس في الأرض يجري قدر الله.

стр. 10887

حين وقعت هزيمة "أحد"قال الله للمؤمنين: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (آل عمران ١٦٦) . هو قدر من عند الله، نعم، مقدر في كتابه من قبل أن يبرأ السموات والأرض، لكنه جرى بما كسبت أيد المؤمنين يومئذ، ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ . بمخالفتهم أمر رسول الله ﷺ قائدهم ونبيهم ومعلمهم، فأصابهم ما أصابهم في ذلك اليوم بقدر من الله وبفعل من أنفسهم، كذلك ما أصابهم في ذلك أصاب المسلمين في القرون الثلاثة الأخيرة إنه جرى بقدر من الله، ولكنه جرى من خلال أعمال المسلمين، فماذا عمل المسلمون في تلك القرون بالذات مما أورثهم هذا الهزال، وهذا الهوان، وهذا الضعف وهذا الذل الذي عاشوا فيه في القرن الأخير بصفة خاصة؟

стр. 10888

بكلمة مختصرة: لقد حادوا عن طريق الله، فإن أردنا أن نفصل هذه الكلمة شيئا من التفصيل، فلنراجع مفاهيم الإسلام وقواعده وأركانه، كيف نزلت من عند الله ؟ كيف فهمها الصحب الكرام رضي الله عنهم ورضوا عنه؟ كيف قامت بها تلك الأمة التي وصفها خالقها سبحانه، بأنها كانت ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .. ثم كيف تحولت هذه المفاهيم، هذه الأركان، هذه المعاني الإسلامية في نفوس المتأخرين من المسلمين، وأبدأ بالركن الأكبر والأعظم من أركان الإسلام. الركن الذي يدخل به الناس الإسلام. "لا إله إلا الله.. محمد رسول الله". ذلك ركن الإسلام الركين، ركنه الأول، قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج، قبل كل شيء، هذا الركن الأساسي الذي ينبني عليه الإسلام، انبنى في الماضي، وينبني في الحاضر، وينبني في المستقبل، وبغيره لا يتم بناء على الإطلاق، كيف كانت "لا إله إلا الله"في حس هذا الجيل الأول الذي استحق وصف الله بكامله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ذلك الجيل الفريد الذي لم يتكرر في تاريخ البشرية، كيف نشأ؟ بم تفرد هذا التفرد في التاريخ كله؟ هل كانوا بشراً غير البشر؟ كلا والله، لقد كانوا بشراً تجري بشريتهم في عروقهم، في سلوكهم وفي أعمالهم، هم في كل لحظة بشر، ولكنهم بشر على الصعيد الأعلى. بشر في أعلى آفاق البشرية، فبم استطاعوا أن يصعدوا إلى ذلك الأفق السامق؟ بأي شيء ارتفعوا حتى استحقوا أوصاف الله لهم؟ ارتفعوا باستيعاب هذا الركن الأول بصفة خاصة، باستيعاب "لا إله إلا الله محمد رسول الله" استيعابها إلى أعمق أعماقهم، والسلوك بها في واقع الحياة في كل لحظة من لحظاتهم.

стр. 10889

ليست "لا إله إلا الله"تلك الكلمة العابرة التي صارت إليها في حس المسلمين المتأخرين، كلمة يقولونها، يظنون أنهم بها حازوا الإسلام وهم بعيدون عن معناها، بعيدون عن مقتضاها، بعيدون عن منهجها الشامل التي يشمل الحياة كلها، يقولونها بألسنتهم، وقلوبهم وعقولهم غافلة عنها، وسلوكهم الواقعي مخالف لها أتم المخالفة. وأي مخالفة أكبر وأعظم من أن يحكم المسلمون بشريعة غير شريعة الله وهم ينطقون "لا إله إلا الله"؟ ما معنى "لا إله إلا الله"إذن إذا لم يكن أول مقتضاها أن يتحاكموا على شريعة الله، ماذا بقي منها في واقع الحياة، بقي الصوت والصدى، وما كان المقصود بها أن تكون أصواتا تخرج من أفواه الناس، إنما كان المقصود بها أن تكون واقعا يعايش، كان المقصود بها أن تلغي الجاهلية التي تعبد أرباباً متفرقةً، وتحدث بدلاً من الجاهلية واقعاً جديداً فيه إله واحد يُعبد، لا آلهة متعددة، إله يُعبد في المسجد، وهو ذاته سبحانه يُعبد في كل مكان. أما أن يُعبد الله في المسجد، ويُعبد إله آخر في واقع الحياة، فإن الله يقول: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النحل/٥١) .

стр. 10890

فأما الجيل الأول الذي كتب بدمه.. بمشاعره.. بفكره.. لكل لحظة من حياته أمجاد التاريخ الإسلامي ووضع البذرة التي نمت خلال القرون، فقد كان يستوعب "لا إله إلا الله". كان يعرف مقتضياتها كلها، كان يعيش كل لحظة من حياته بـ "لا إله إلا الله"، فيتحاكم إلى شريعة الله، ويتخذ منهج الله منهجاً له في الحياة، يأتمر بما أمره الله، وينتهي عما نهاه الله، ولا نقول إنهم كانوا ملائكة، كلا، لقد كانوا بشراً، وكان يجري عليهم ما يجري على البشر من خطأ وخطيئة، ولكنهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران/١٣٥-١٣٦) . نعم: لقد كانوا يخطئون كما يخطأ البشر، وتقع منهم الخطايا كما تقع من البشر، ولكنهم سرعان ما يفيئون إلى الله، يعرفون أنهم مخطئون، فيقومون من وهدتهم ويتجهون إلى الله من جديد، فيتقبل الله توبتهم ويعطيهم العزم والقوة على أن يسيروا في طريقه.
следующие страницы →