Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.
стр. 10886
كذلك قال الله في وصف هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران ١١٠) .
وقال كذلك: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة ١٤٣) .
هذا الوصف الرباني، هذا التقرير الرباني لهذه الأمة، أنها خير أمة أخرجت للناس، وأنها شاهدة على البشرية كلها، وقائدة لها ورائدة، كيف تحول إلى هذا الهوان الذي تعيشه الأمة الإسلامية؟ هل يتخلف وعد الله؟ حاشا لوعد الله أن يتخلف، وهو الوعد الحق والله أصدق القائلين، ماذا حدث إذن؟ كيف نفسر القرون الثلاثة الأخيرة من حياة المسلمين، التي انحدروا فيها تباعاً، وظلت قوتهم تتضاءل بينما ظلت قوة أعدائهم تتصاعد، حتى غلب عليهم أعداؤهم وغزوهم في عقر دارهم، ومزَّقوا العالم الإسلامي مزقاً، ودخلوا لا الأرض والديار فقط، بل القلوب والأرواح، يغزوننا بما نصطلح على تسمينه "الغزو الفكري".
كيف حدث ذلك؟ كل شيء بقدر، نعم، ولكن قدر الله يجري من خلال أعمال الناس:-
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم ٤١) .
يظهر الفساد في البر والبحر بقدر من الله، نعم، لكن بما كسبت أيدي الناس، فقدر الله مرتبط بأعمال الناس في الأرض: هل يستقيمون على النهج أم يحيدون عنه؟ وبحسب سلوك الناس في الأرض يجري قدر الله.
стр. 10887
حين وقعت هزيمة "أحد"قال الله للمؤمنين: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (آل عمران ١٦٦) .
هو قدر من عند الله، نعم، مقدر في كتابه من قبل أن يبرأ السموات والأرض، لكنه جرى بما كسبت أيد المؤمنين يومئذ، ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ . بمخالفتهم أمر رسول الله ﷺ قائدهم ونبيهم ومعلمهم، فأصابهم ما أصابهم في ذلك اليوم بقدر من الله وبفعل من أنفسهم، كذلك ما أصابهم في ذلك أصاب المسلمين في القرون الثلاثة الأخيرة إنه جرى بقدر من الله، ولكنه جرى من خلال أعمال المسلمين، فماذا عمل المسلمون في تلك القرون بالذات مما أورثهم هذا الهزال، وهذا الهوان، وهذا الضعف وهذا الذل الذي عاشوا فيه في القرن الأخير بصفة خاصة؟
стр. 10888
بكلمة مختصرة: لقد حادوا عن طريق الله، فإن أردنا أن نفصل هذه الكلمة شيئا من التفصيل، فلنراجع مفاهيم الإسلام وقواعده وأركانه، كيف نزلت من عند الله ؟ كيف فهمها الصحب الكرام رضي الله عنهم ورضوا عنه؟ كيف قامت بها تلك الأمة التي وصفها خالقها سبحانه، بأنها كانت ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ .. ثم كيف تحولت هذه المفاهيم، هذه الأركان، هذه المعاني الإسلامية في نفوس المتأخرين من المسلمين، وأبدأ بالركن الأكبر والأعظم من أركان الإسلام. الركن الذي يدخل به الناس الإسلام. "لا إله إلا الله.. محمد رسول الله". ذلك ركن الإسلام الركين، ركنه الأول، قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج، قبل كل شيء، هذا الركن الأساسي الذي ينبني عليه الإسلام، انبنى في الماضي، وينبني في الحاضر، وينبني في المستقبل، وبغيره لا يتم بناء على الإطلاق، كيف كانت "لا إله إلا الله"في حس هذا الجيل الأول الذي استحق وصف الله بكامله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ذلك الجيل الفريد الذي لم يتكرر في تاريخ البشرية، كيف نشأ؟ بم تفرد هذا التفرد في التاريخ كله؟ هل كانوا بشراً غير البشر؟ كلا والله، لقد كانوا بشراً تجري بشريتهم في عروقهم، في سلوكهم وفي أعمالهم، هم في كل لحظة بشر، ولكنهم بشر على الصعيد الأعلى. بشر في أعلى آفاق البشرية، فبم استطاعوا أن يصعدوا إلى ذلك الأفق السامق؟ بأي شيء ارتفعوا حتى استحقوا أوصاف الله لهم؟ ارتفعوا باستيعاب هذا الركن الأول بصفة خاصة، باستيعاب "لا إله إلا الله محمد رسول الله" استيعابها إلى أعمق أعماقهم، والسلوك بها في واقع الحياة في كل لحظة من لحظاتهم.
стр. 10889
ليست "لا إله إلا الله"تلك الكلمة العابرة التي صارت إليها في حس المسلمين المتأخرين، كلمة يقولونها، يظنون أنهم بها حازوا الإسلام وهم بعيدون عن معناها، بعيدون عن مقتضاها، بعيدون عن منهجها الشامل التي يشمل الحياة كلها، يقولونها بألسنتهم، وقلوبهم وعقولهم غافلة عنها، وسلوكهم الواقعي مخالف لها أتم المخالفة. وأي مخالفة أكبر وأعظم من أن يحكم المسلمون بشريعة غير شريعة الله وهم ينطقون "لا إله إلا الله"؟ ما معنى "لا إله إلا الله"إذن إذا لم يكن أول مقتضاها أن يتحاكموا على شريعة الله، ماذا بقي منها في واقع الحياة، بقي الصوت والصدى، وما كان المقصود بها أن تكون أصواتا تخرج من أفواه الناس، إنما كان المقصود بها أن تكون واقعا يعايش، كان المقصود بها أن تلغي الجاهلية التي تعبد أرباباً متفرقةً، وتحدث بدلاً من الجاهلية واقعاً جديداً فيه إله واحد يُعبد، لا آلهة متعددة، إله يُعبد في المسجد، وهو ذاته سبحانه يُعبد في كل مكان. أما أن يُعبد الله في المسجد، ويُعبد إله آخر في واقع الحياة، فإن الله يقول: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النحل/٥١) .
стр. 10890
فأما الجيل الأول الذي كتب بدمه.. بمشاعره.. بفكره.. لكل لحظة من حياته أمجاد التاريخ الإسلامي ووضع البذرة التي نمت خلال القرون، فقد كان يستوعب "لا إله إلا الله". كان يعرف مقتضياتها كلها، كان يعيش كل لحظة من حياته بـ "لا إله إلا الله"، فيتحاكم إلى شريعة الله، ويتخذ منهج الله منهجاً له في الحياة، يأتمر بما أمره الله، وينتهي عما نهاه الله، ولا نقول إنهم كانوا ملائكة، كلا، لقد كانوا بشراً، وكان يجري عليهم ما يجري على البشر من خطأ وخطيئة، ولكنهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران/١٣٥-١٣٦) .
نعم: لقد كانوا يخطئون كما يخطأ البشر، وتقع منهم الخطايا كما تقع من البشر، ولكنهم سرعان ما يفيئون إلى الله، يعرفون أنهم مخطئون، فيقومون من وهدتهم ويتجهون إلى الله من جديد، فيتقبل الله توبتهم ويعطيهم العزم والقوة على أن يسيروا في طريقه.
стр. 10891
كان ذلك الجيل يعرف حق المعرفة، ويقدر حق القدر ما "لا إله إلا الله"لم تكن في حسه كلمة عابرة، ولا قضية خفيفة الوزن، وإنما كانت حياته كلها هي "لا إله إلا الله.. محمد رسول الله"، وبذلك كان خير جيل عرفته البشرية وبذلك فعل تلك المعجزات العجيبة التي لا يصدقها البشر لولا أنها واقع حدث بالفعل. كيف تأتىَّ لهذه الحفنة القليلة من البشر أن تنشر دين الله بهاذ اليسر، بهذه السرعة، بهذا التمكن من خلال نصف قرن كان الإسلام قد امتد من المحيط إلى ما وراء الهند، حركة لا مثيل لها في التاريخ كله من قبل ولا من بعد، هل تحدث جزافاً؟ كلا، إنما تحدث بمقوماتها، وأول مقوماتها: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".
حين يستوعبها القلب، حين تتعمق في النفس، حين تصبح هي منهج الحياة إنها تكتب الواقع على ذلك النحو الفريد الذي كتبه أولئك الصحب الكرام ﵃ وأرضاهم.
стр. 10892
ثم إن أجيالا مضت ومسلمون يستمسكون بأركان الإسلام ولكن يدهم تتخلخل من القبضة المتينة رويداً رويداً فيصيبهم من جراء هذا التخلخل ما ذكره الله لهم في سننه التي لا تتغير ولا تتبدل، يجيء الأعداء يهاجمون دار الإسلام، جاء الصليبيون، وجاء التتار، وغزوا أرض الإسلام، ما غزوها اعتباطاً كل شيء بقدر، وكل شيء يسير حسب السنن الربانية، كان المسلمون قد غفلوا، قد ركنوا إلى الأرض، إلى الشهوات، إلى متاع الدنيا القليل، شغلتهم أموالهم وأنفسهم، شغلهم متاع لا يساوي أن يشغلوا به عن الدار الآخرة وعن الجهاد في سبيل الله، فجاء الغزاة: إنه عقاب سريع من الله ، جاء الصليبيون وجاء التتار، وأغاروا.. وعاثوا فساداً في الأرض الإسلامية.. ولكن الله الغالب على أمره ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف/٢١) ، إن الله الغالب على أمره كان قد قدر قدراً أن يستيقظ المسلمون مرة أخرى، أن يعودوا إلى الله بقيادة علمائهم وزعمائهم وقادتهم العسكريين.
стр. 10893
أرسل الله من العلماء من يذكِّرُ هذه الأمة بقضية عقيدتها، من ينقي لها تلك العقيدة مما شابها من أخلاط ليست منها، وكان في مقدمة أولئك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁، وبعث الله قادة من قادة المسلمين يذكرونهم، كما فعل "صلاح الدين"بأنهم غلبوا على أمرهم لأنهم نسوا الله، وشردوا عن دينه الصحيح، فيجب عليهم أن يعودوا إلى الدين، يجب عليهم أن يعودوا إلى النهج الصحيح، لينصرهم الله واستجابت الأمة، سواء وراء "صلاح الدين"في حربه للصليبين، أو رواء "قطز"في حربه للتتار، وصيحة "قطز" الشهيرة.. "وا إسلاماه"حين دخل المعركة الفاصلة بينه وبين التتار، بهذه الصيحة العظيمة "وا إسلاماه"وتغير مجرى التاريخ، لقد كان التتار قد خرجوا من ديارهم في رحلة مخربة مدمرة لم يتوقفوا فيها أبداً خلال ألوف من الأميال حتى دخلوا عاصمة الخلافة "بغداد"وعاثوا فيها فساداً بأبشع ما يعيث جيش غازٍ، جيش بربري، جيش لا يعرف للرحمة سبيلاً ولا معنى من معاني الإنسانية: يُقتِّل.. يُذبِّح.. لقد ألقوا بكتب المكتبة الكبرى في بغداد، ألقوا بها في النهر لتعبر عليها خيولهم، وحولوا مجرى النهر دماً أحمر أربعين يوماً وليلةً من المذابح التي أوقعوها بالمسلمين، ووصل الذل بالمسلمين يومئذ إلى حد أن التتري في بغداد كان يمر بالمسلم، والتتري ليس معه سلاح فيقول للمسلم: قف مكانك حتى أذهب إلى بيتي فآتي بالسيف فأقتلك، فيقف المسلم مكانه حتى يأتي التتري بالسيف ويقتله.
стр. 10894
وبعث الله لهذه الأمة قائدها الذي يقودها باسم الإسلام وتحت راية الإسلام، في تلك المعركة الشهيرة الحاسمة التي دخلها قطز رافعاً هذه الصيحة رافعاً هذه الراية "وا إسلاماه"وتغير مجرى التاريخ، ففي يوم واحد، في معركة واحدة، استغرقت من الصباح الباكر إلى ما بعد العصر، تغير ميزان القوى، وارتد التتار في "عين جالوت"لأول مرة منذ أن خرجوا من ديارهم، هزموا وتقهقروا، وكان ذلك فتحاً تاريخياً لأن التتار بعد ذلك بدأوا يدخلون في الإسلام.
ومضت جولة جديدة للمسلمين، اعتز فيها الإسلام ولكنه اعتز على دَخلٍ فيه، تلك هي الفترة التي قامت فيها الدولة العثمانية، وليس هنا مجال التفصيل في أمر هذه الدولة التي كثر الكلام ضدها في كتب التاريخ التي بين أيدينا، حتى قام قائل وهو مسلم أو يدعي أنه مسلم.. يقول: "الاستعمار التركي"وما ينبغي لمسلم أن يتفوه بمثل هذه اللفظة، إن المسلم لا يكون مستعمر في أرض الإسلام، قد يكون ظالماً.. نعم، قد يكون فاسقاً.. نعم، قد يحدث منه ما يحدث مخالفةً ومعصيةً، أما أن يكون مستعمراً وهو يحكّم شريعة الله، إنها كلمة دخيلة، أدخلها أعدائنا إلى قلوبنا وأفواهنا لنكره الحكم الإسلامي.
ينبغي أن نحترس ونحن نتحدث عن هذه الدولة، لقد كانت فيها مظالم كثيرة.. نعم، ولقد كان فيها انحرافات كثيرة من دين الله.. نعم، ولكن يكفي هذه الدولة عند الله أنها حمت العالم الإسلامي أربعة قورن متوالية من الغزو الصليبي والصهيوني، ويكفي هذه الدولة عند الله أن السلطان "عبد الحميد"أبى أن يقيم الوطن اليهودي في الأرض الإسلامية، ودفع حياته أو ملكه ثمناً لذلك، وله عند الله عاقبة.
стр. 10895
ولكن علينا أن نقف وقفة عند هذه الأحداث: "عبد الحميد واليهود"، لأن حاضرنا الذي نعيشه مرتبط أشد الارتباط بهذه الأحداث، لقد ذهب اليهود بقيادة قائد الصهيونية أو مبتدعها "هرتزل"ذهبوا إلى السلطان عبد الحميد يعرضون عليه عروضاً مغرية لو أنه كان يريد الحياة الدنيا، وكان يريد لنفسه المجد والسلطان، فلم يكن ليطلب لنفسه أكثر مما عرضه عليه "هرتزل"له ولدولته، كانت "تركيا"في ذلك الوقت أو "الدولة العثمانية"تدعى "بالرجل المريض"لكثرة المشكلات التي كانت تحيط بها، وتوقعاً لسقوطها ميتة بعد طول المرض، كانت في أزمة اقتصادية حادة، وكانت فيها مشاكل سياسية كثيرة، وكانت الدولة الصليبية لا تكف عن استثارة الأقليات، المسيحية واليهودية لتشغل بال السلطان لكي لا يهدأ ولا يستقر، كانت روسيا تستثير المسيحيين الأرثوذكس لأنها هي أرثوذكسية المذهب، وكانت بريطانيا تتكلف بإثارة الأقليات الكاثوليكية والبروستانتية مع أنها هي بروستانتية، وكانت تلك الأقليات، ومن أبرزها الأقلية الأرمنية لا تكف عن إثارة المشاكل للدولة العثمانية، كل يوم مشكلة في ركن من أركان الدولة، ويضطر "السلطان"أن يضرب بيد من حديد على مثيري الفتن، فيقول الأعداء: انظروا. هذا هو الجلاد، هذا هو الدكتاتور، هذا هو البربري الذي لا يعرف الرحمة يقتلَّ رعاياه، يستثيرونهم ليثوروا ضد الدولة، ضد الإسلام، يريدون أن يقوضوا الإسلام، فإذا فتك بهم، وما كان أمامه إلا أن يفتك بهم، يقولون: "انظروا إلى السفاح".
стр. 10896
وذهب "هرتزل"إلى "عبد الحميد"يعرض عليه قروضاً طويلة الأجل ويعرض عليه تنشيط الحياة الاقتصادية في الدولة العثمانية، ويعرض عليه التدخل لدى الدولتين المناوئتين "روسيا"و "بريطانيا"لكي تكفا عن إثارة الأقليات، ماذا يطمع حاكم أكثر من ذلك: يستقر حكمه، يغني شعبه، يأمن من الفتن والاضطرابات، ماذا يريد أكثر من ذلك، وكان لهم في مقابل ذلك كله طلب صغير، هو إعطاء اليهود قطعة من الأرض في فلسطين ليقيموا عليها وطناً قومياً لهم، ورفض السلطان المسلم بما أوحى إليه إسلامه، وقال "لهرتزل": "إن هذه ليست بلادي ولكنها بلاد المسلمين وقد روتها دماؤهم، ولا أملك أن أتنازل عن شبر واحد منها".
وكان أن عُزِل.. وكانت نهايته، كما تعلمون منفياً في الأرض، ولكن له الأجر عند الله، لأنه وقف تلك الوقفة البصيرة.. المستبصرة بنور الله، التي عرف فيها أن هؤلاء الخادعين يريدون هذه القطعة القليلة من الأرض لتكون غداً دولة ولتتوسع هذه الدولة ولتنخر في عظام العالم الإسلامي، وهذا الذي كان.
نريد أن نتتبع بشيء قليل من التفصيل تلك السنوات التي مرت ما بين هذا العرض الإجرامي الذي رفضه "عبد الحميد"، وبين قيام الدولة اليهودية، التي لقد ائتمر المؤتمرون أو المتآمرون.. هرتزل ورفقائه، في مؤتمر أقيم في سويسرا عام ١٨٩٧ للميلاد.. وقرروا في ذلك المؤتمر ضرورة إقامة الدولة في خلال خمسين عاماً. وإذا حسبته التاريخ تجد الدولة قد قامت بالفعل من خلال خمسين عاماً ١٨٩٧-١٩٤٧.. خمسون عاما بالضبط، فماذا فعل اليهود ونصارهم وحلفاؤهم من الصليبيين لكي يقيموا تلك الدولة.
لقد بدأوا بإزالة الخلافة الإسلامية.. لأن الخلافة كانت هي السد المنيع الذي يقف أمام أطماعهم، حتى "الرجل المريض"كانت أوربا تخشاه!!، ولست أنا الذي أقول ذلك، اقرءوا ذلك إن شئتم في كتاب "الغارة على العالم الإسلامي".
стр. 10897
بألسنتهم هم، يقول واحد من المبشرين: "إن أوربا كانت تخشى الرجل المريض وهو مريض.. لأن وراءه ثلاثمائة مليون من المسلمين مستعدون للجهاد بإشارة من يده"، لذلك كانوا يخشونه وهو مريض، ولذلك كانوا يعملون بغية الإجهاز عليه، وبالفعل جاءوا بدعِيِّهم "مصطفى"وما هو بمصطفى، وما هو بمسلم، ولكنه تمسْلَم، "مصطفى كمال أتاتورك"وهو من أصل يهودي، من يهود "الدونمة"الذين هاجروا من المغرب إلى البلقان بأمر من قيادتهم السرية، وتمسلموا "ادعوا الإسلام"قبل تلك الأحداث كلها بمائة وخمسين عاماً، واستوطنوا بالقرب من دار الخلافة ليقيموا بدورهم حين يجيء الوقت المحدد لهذا الدور، وجاء "كمال أتاتورك"المتسمي بمصطفى ليزيل الخلافة الإسلامية وليمهد لإقامة الدولة اليهودية في حين غفلة من المسلمين، فما كان أحد في ذلك التاريخ يوم أزيلت الخلافة الإسلامية يتصور على الإطلاق أن الأحداث ستجري في طريق إقامة الدولة اليهودية في الأرض الإسلامية إنما كان الأشقياء، كان الشريرون يعبثون، يعيثون في الأرض فساداً وأول فسادهم إزالة الخلافة الإسلامية، وتمزيق العالم الإسلامي، أولا إلى كتلتين كبيرتين: الكتلة العربية، الكتلة التركية، وإثارة البغضاء والحقد والحسد بين الكتلتين، يدعون الترك إلى تتريك الدولة، أي إلى اضطهاد العرب، ثم يذهبون إلى العرب فيلعبون بقلوبهم، ويلعبون بعقولهم، يجئ "لورانس"ويدعي أنه صديق العرب، وأنه ينصحهم نصيحة خالصة، وما كانت نصيحته إلاَّ إثارتهم ضد الدولة التركية، فيتمزق العالم الإسلامي تمهيداً لتمزيق أكثر، لتفتيته إلى دويلات لا تستطيع أن تحمي نفسها، ولا تستطيع أن تدفع عن الإسلام شيئًا.
ومُزِّق العالم الإسلامي مزقاً متنافرة متناحرة متنافسة متباغضة على غير ما أمرهم الله ورسوله ﷺ .
стр. 10898
وتكون جيش من المسلمين العرب يقاتل الدولة الإسلامية تحت راية "أللنبي"البريطاني وحين يدخل "أللنبي"بيت المقدس عام ١٩١٧م يقول: "الآن انتهت الحروب الصليبية ... "وما انتهت في الواقع، ولكنها كلمة تعبر عن الحقد الصليبي الذي يمتلئ به قلب ذلك الرجل، ولكن من أتباعه؟ من المقاتلون معه؟ مسلمون، عرب، يقاتلون مسلمين.
ويقول لورد "أللنبي"في مذكراته: إنه لولا المعونة الضخمة التي قدمها الجيش العربي ما استطعنا أن نتغلب على الدولة العثمانية.
يمزق العالم الإسلامي مزقاً، والعالم العربي بصفة خاصة، لتزرع فيه تلك الدولة الدخيلة وما كان في الإمكان أن تزرع وهناك إسلام في الأرض يحكمها، ما كان في الإمكان لشذاذ الآفاق أن يحتلوا الأرض المقدسة لو أن الناس كانوا يعون "لا إله إلا الله محمد رسول الله"وإن هذه الكلمة كانت تقتضيهم ألاَّ يقبلوا أن تدنس أقدام الكفار شبراً واحداً من الأرض الإسلامية، ولكن الأرض الإسلامية من المحيط إلى المحيط فيما عدا رقعاً قليلة منها أجزاء من الجزيرة العربية، وجسم الدولة التركية -أرض تركيا- ما عدا ذلك كله دخل في نطاق الاستعمار الصليبي، الذي تدخل الصهيونية تحت جناح الصليبية فيه لتعيث فساداً في الأرض ولتمكن وتهيء لقيام الدولة اليهودية.
وبعد خمسين عاماً من هذا التشتيت، من هذا التمزيق، في موعدها الذي قدره الله، والذي قال به "هرتزل".. وما كان ينطق بالغيب، ولكنه يخطط والمسلمون غافلون، يدبر، والمسلمون مشغولون بخلافاتهم بعضهم مع بعض، بأحقادهم بعضهم على بعض، بتنافسهم على لعاعات من الحياة الدنيا، ينسون بها الله وينسون بها الآخرة، ينسون بها مقتضيات "لا إله إلاَّ الله"وإن كانوا يقولون بألسنتهم صباح مساء.
ومنذ قامت تلك الدولة ماذا حدث في العالم العربي بصفة خاصة والعالم الإسلامي بصفة عامة؟
стр. 10899
لقد كان اليهود وحلفاؤهم الصليبيون قد دبروا وخططوا تخطيطاً دقيقاً ألا تقوم قوة على الإطلاق تواجه تلك الدولة، فأزالوا القوة السياسية والقوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والقوة الروحية للمنطقة كلها، فأما القوة السياسية فماذا تملك تلك الدويلات التي تحتضنها بريطانيا وفرنسا؟. ماذا تملك أن تصد عن نفسها وأن تمنع عدوان العادين؟ وأما القوة العسكرية، فقد فتت جيوش العرب، ووضعت تحت وصاية حليفتي اليهود بريطانيا وفرنسا، فصارت أسلحة العرب من بريطانيا وفرنسا، وذخيرة السلاح من بريطانيا وفرنسا، فإذا كفت هاتان الدولتان أيديهما من الذخيرة فقط تتوقف الجيوش العربية كلها في ساعة، أما الاقتصاد فقد سيَّره الصليبيون والصهيونيون في خطة معينة: إضعاف العالم العربي، واستنزاف ثرواته، وتركه مريضا فقيراً جاهلاً لا يملك أمر لنفسه.
أما قوة الشباب، وهي قوة هائلة تُخشى، فقد سلطوا عليها السينما والإذاعة ولم يكن التلفزيون قد اخترع بعد، وسلطوا عليها المراقص، والحانات والشواطئ العارية، سلطوا عليه الصحافة.. العارية بصورها العارية بأخبارها، العارية بقصصها.. العارية بأفكارها.. التي تبعد الشباب عن الله، تبعده عن الدين، تبعده عن الجدية في أي أمر من الأمور.
وحسب المخططون أنهم قد خططوا تخطيطاً كما يقول المثل العامي "لا يخر الماء منه""محكم"، وهو في الحقيقة محكم، ولكنهم نسوا أن هناك مسلمون ما يزالون يقولون "لا إله إلا الله"لا بأفواههم فقط.. إنما يقولونها بقلوبهم، بأرواحهم، بمنهج حياتهم، يقولونها يقصدونها حقاً، ويعيشون في ظلها، ويعيشون على نحو مما عاش المسلمون الأوائل الذين قال فيهم أبو بكر ﵁: "إنهم قوم أحرص على الموت من حرص أعدائهم على الحياة".
стр. 10900
في عام ١٩٤٨م حين أعلنت الدولة، وقامت مسرحية الحرب بين الدول العربية والكيان اليهودي، وتراجعت في نهايته الجيوش العربية إلى خط الهدنة المقرر من قبل، المصطلح عليه من قبل، الذي يعرف القادة المحاربون في المسرحية أنهم سيعودون إليه بعد المسرحية!! حين قامت تلك المسرحية كان "فتيةٌ" من المؤمنين بالله، من الذين يردون أن يصلوا إلى الله شهداء، أو منتصرين: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (التوبة/٥٢) . الشهادة أو النصر.. كان "فتية"يملأ قلوبهم "لا إله إلا الله محمد رسول الله" يقاتلون في أرض فلسطين، وما كانوا يزيدون في أي معركة عن مائة، ولكنهم كانوا يقاتلون بقوة الإسلام، بقوة الإيمان، القوة التي لا تغلب، فما إن عركهم اليهود وعركوهم في معركة أو معركتين، حتى صاروا إذا سمعوا صيحة "الله أكبر ولله الحمد"يفرون من مستعمراتهم، تاركين أسلحتهم وذخائرهم لينجوا بجلودهم، عند ذلك تقرر أنه لا يمكن للدولة الوليدة أن تعيش إلا إذا قضى على هؤلاء "الفتية"المقاتلين.
وكان تخطيط عالمي اشتركت فيه كل قوى الشر العالمية للقضاء على هذه "الحفنة"من المؤمنين لكي تستقر الدولة في مأمنها، لكي لا يزعجها "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
стр. 10901
وقوتلت تلك "الفئة"من الشباب، وحوربت، واضطهدت، وعذبت.. عُذبت عذاباً لا مثيل له في التاريخ إلا محاكم التفتيش في الأندلس، وما كان يقصد بمحاكم التفتيش في الأندلس إلا القضاء على الإسلام والمسلمين في تلك البلاد، لم تكن مجرد حرب، لم يكن مجرد اضطهاد، إنما هو تعذيب منظم للإبادة، ولكن قدر الله شيء، وما يقدره البشر شيء آخر، قدر البشر أن تفنى هذه الحفنة من "الفتية"المؤمنين، أن ينتهي الإسلام من الأرض لتستقر تلك الدولة، ولتستقر قلوب الصليبية الحاقدة، لتسقط الثمرة التي طالما اشتهوها، وظنوا أنها طابت واستوت، وأنها واقعة في أيديهم لا محالة، قدَّروا ذلك، وقدَّر الله أن يقوم بعث إسلامي في كل بلاد العالم الإسلامي، قدَّر الله أن ينشأ جيل جديد من الشباب يقول "لا إله إلا الله"لا يقولها بلسانه فقط، إنما يقولها بلسانه وقلبه، يعيشها.. يريد الإسلام واقعاً يُعَايَش، لا يريده كلمات جوفاء، لا يريده شعارات، لا يريده أفكاراً موضوعة في كتب.. سواء كانت تلك الكتب صحيحة التصوير للإسلام أم فاسدة التصوير.. إنها في حالتيها لا تصلح، الكتب وحدها لا تصلح الشعارات وحدها لا تصلح الأفكار الجامدة الميتة لا تصلح، إنما يصلح "لا إله إلا الله محمد رسول الله"عقيدة حية تملأ القلب، تشكل السلوك، تغير الواقع.
стр. 10902
ومشيئة الله الغالية، الله الذي أنزل هذا الدين ليبقى إلى يوم القيامة وليظهره على الدين كله، وحفظ كتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر/٩) ، حفظ سنة نبيه ﷺ ، حيث لم تحفظ سيرة ولا سنة لنبي من قبل إلا ما حفظه القرآن من سير الأنبياء السابقين، هذا الدين الذي أنزله الله ليبقى لن يمحى من الأرض بإذن الله، فيقيِّض الله له بقدر منه جنوداً يحمونه، ولابد من هؤلاء الجنود، يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال/٦٢) .
ولقد كان يكفي لعقولنا نحن أن يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ فماذا بعد نصر الله؟!! ولكن الله يلفتنا إلى سنة من سننه: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ، لابد أن يكون هناك مؤمنون في الأرض يكونون جنوداً، يكونون ستاراً لقدر الله، يُجري الله قدره، ولكن من خلال هذا الستار البشري جنود مؤمنون، يعيشون "لا إله إلا الله محمد رسول الله"يعيشونها واقعاً حياً، يسلكون بها سلوكهم الواقعي، فينصر الله بهم هذا الدين.
إن الواقع الذي عشناه في نهاية القرن الرابع عشر، ودخلنا به مستهل القرن الخامس عشر هو هذا الواقع الذي وصفته لكم.
الصليبية والصهيونية جاثمتان على أرض الإسلام، تمتهنان كل كرامة في الأرض الإسلامية، يسلبون المسلمين أرضهم وديارهم وأموالهم، ينتهكون أعراضهم، ينتهكون قلوبهم وأرواحهم بالغزو الفكري، يضعون في تلك القلوب أفكاراً غير إسلامية وسلوكاً غير إسلامي، واتجاهات غير إسلامية، وفي ذات الوقت بعث إسلامي جديد يملأ قلوب حفنة من الشباب، قليلون هم: نعم بالنسبة لتعداد المسلمين، ولكنهم هم الأمل، هم البشير الذي نستبشر به بالنسبة للقرن الخامس عشر وما يتلوه إن شاء الله من القرون.
стр. 10903
قلت في مستهل كلامي: إن الاستبشار، إن الأماني الخاوية لا تغير شيئا، ولا يغير الله بها شيئا في الواقع، إنما يغير الله حين يغير الناس ما بأنفسهم:- ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد/١١) .
فهل حدث التغيير؟ نعم لقد بدأ يحدث، بدأ منذ نهاية القرن الرابع عشر وندخل القرن الخامس عشر وهذا التغيير قائم في قلوب تلك الفئة من الشباب، إن تكن قليلة اليوم بالنسبة لتعداد العالم الإسلامي: الألف مليون.. الذين تحدث عنهم رسول الله ﷺ في لمحة من لمحات الوحي فقال:
"يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير. ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" [١] .
هذه الألف مليون من البشر التي تعمر الأرض الإسلامية غثاء كغثاء السيل، لا يقام له وزن، تقضى الأمور وهو غائب. كما كان الشاعر العربي القديم يقول عن قبيلة "تيم":
ويقضي الأمر حين تغيب تيم
ولا يستأذنون وهم شهود
стр. 10904
كذلك الحال مع هذا الغثاء الذي يملأ الأرض الإسلامية. ولكن يشاء الله أنه من وسط هذا الغثاء يبرز هذا الجيل الذي نستبشر به ونرجو من الله على يديه الخير، جيلٌ يرجع إلى أصول الإسلام الصحيحة من كتاب الله، وسنة رسوله، وسيرة السلف الصالح، يريد الإسلام واقعاً حقيقياً خالياً من الغبش، لا يريده شعارات. لا يريده ألفاظاً، لا يريده أفكاراً جامدة، إنما يريده واقعاً حياً مأخوذاً من النبع الصافي: من كتاب الله وسنة رسوله، ومقتدى فيه بالسلف الصالح الذي كان يعيش الإسلام حقاً، ويدرك معانيه حقاً، ويطبقه في واقع حياته حقاً. هذا هو البشير الذي نستبشر به بالنسبة للقرن الخامس عشر. وما نقول أبداً إن الظلمات قد انتهت وإن المشكلات قد ذهبت، ولا إن الأعداء قد تركوا عداءهم لهذا الدين. كيف والله تعالى هو الذي يقول: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة/٢١٧) .
стр. 10905
إن أعداء الله الذين ذكرهم الله في كتابه المنزل، إنهم فئات أربع: اليهود، والنصارى، والمنافقون، والمشركون. هؤلاء هم أعداء "لا إله إلا الله"وهؤلاء هم الذين لم يكفوا أبداً عن عدائهم للإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ (البقرة/١٢٠) . وقال عن المشركين عامة: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة/٢١٧) ، ومصداق ذلك هو الواقع الذي نعيشه، بل مصادقة الأربع عشر قرناً التي عاشها الإسلام في الأرض، ولكن هذا القرن بصفة خاصة -أقصد القرن الرابع عشر- كان مصداقاً لتلك العداوات: اليهود والنصارى في كل بلاد الأرض، المنافقون، المشركون وهم اليوم فئات كثيرة أبرزهم الشيوعيون والملحدون الذين يعادون هذا الدين عداوة لا هوادة فيها.. والذين يتحالفون مع المعسكر الغربي حين يبرز الإسلام وينسون عداوتهم معه فهم في حرب دائمة مع أوربا وأمريكا إلا حين تكون القضية قضية الإسلام فيتحالف الأمريكان والروس كما تحالفوا في تقسيم "باكستان"إلى شرقية وغربية، وكما تحالفوا في أفغانستان. ونفذها الشيوعيون كانت برضاً من المعسكر الغربي، وإن كان المعسكر الغربي يتصايح بين الحين والحين.. إنه صياحٌ يشجع القاتل على ذبح الفريسة..
إنك إذا وجدت رجلاً يمسك بالسكين ليقتل إنساناً ثم وقفت من بعيد تصيح به "عيب يا شيخ ماذا تصنع؟! "فأنت في الواقع تشجعه على أن يتم جريمته.. وهذا هو الذي حدث من أمريكا بالنسبة للشيوعيين.. هم الذين هيأوا لروسيا أن تغزوا أفغانستان. نعم إن الشيوعية لها حقدها الخاص وهو أشج الحقد.. ولكنهم يتآزرون جميعا على حرب الإسلام.
стр. 10906
ما من قضية يبرز فيها الإسلام إلاَّ وتتكالب كل دول العالم؛ اليهود والنصارى، والمنافقون والمشركون.. كلهم في أرجاء الأرض يتكالبون للقضاء على الإسلام والمسلمين، وإن استبشاري الذي أعبر عنه إنني لا أغفل عن الواقع الموجود، لا أغفل عن الظلام الذي يكتنف المسلمين.. لا أغفل عن المذابح التي تقع في كل أرض الإسلام والمسلمين.. لا أغفل عن مذابح سوريا أو مذابح أفغنستان.. أو مذابح الفلبين.. أو مذابح تشاد.. أو مذابح أوغندا.. وكل بلد من بلاد المسلمين تقع فيه المذابح.. إلاَّ من رحم ربك.
لا أغفل عن ذلك الواقع ولا أغمض عيني عن الظلام الكائن اليوم.. ولكني فقط أقول.. أن هناك فارقاً بين بداية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر.
لقد استعرضنا معاً أهم الأحداث أو أكبر الأحداث في القرن الرابع عشر.. فكيف كان حال المسلمين حين وقعت تلك الأحداث؟ كانوا في يأس حين زالت دولة الخلافة.. يئسوا.. قنطوا.. شردوا من الإسلام.. انسلخوا منه.. ذهبوا وراء أوربا شرقها وغربها.. ظنوا أن طريق الخلاص هو أن يتبعوا أعداءهم ... حتى إن دخلوا جحر ضَبٍّ دخلوه.
نبذت أوربا دينها فانسلخ المسلمون من دينهم.. عرَّت أوربا نساءها فعرى المسلمون نساءهم وأخرجوهن في الشوارع والشواطئ عاريات.. قالت أوربا أن التقدم يقتضي القضاء على الدين لأنه خرافة.. فقال المسلمون أو من يحملون أسماءً مسلمة.. إنه لا بد لنا لكي نتقدم أن نقضي على الغيبيات.. أن نقضي على الخرافات لكي نتقدم!!! قالت أوربا إن التقدم هو المصانع.. وهذا التقدم المادي.. وهو التكنولوجيا.. بعيداً عن عالم الروح.. بعيداً عن الدين.. بعيداً عن الله.. بعيداً عن اليوم الآخر.. فقام مسلمون أو من يتسمون بأسماء المسلمين يقولون هلم ننشئ المصانع.. هلم نتعلم التكنولوجيا ولكن على أساس قتل الدين وإزالة الغيبيات من النفوس.
стр. 10907
وذلك كان القرن الماضي.. واليوم تقع الأحداث في العالم الإسلامي وستستمر لأن العداوات المتأصلة ما زالت متأصلة. ولأن القوة الإسلامية لم تنمُ بعد إلى الحد الذي تصد فيه العدوان الصليبي والصهيوني والشيوعي والإلحادي.. ولكن الفارق هو أن موجة الانسلاخ من الإسلام كانت هي عنوان القرن الرابع عشر، وموجة العودة إلى الإسلام هي عنوان هذا القرن والقرون التالية بإذن الله.
إني أستبشر بمستقبل الإسلام لأمرين كبيرين.. الأمر الأول هو الذي شرحته.. قيام حركات البعث الإسلامي في كل مكان في الأرض الإسلامية.. العودة إلى الإسلام، الرغبة في تطبيق الإسلام بصفائه، بنقائه، بحيويته، بحركيته، بواقعيته. والأمر الثاني الذي يبعث الاستبشار في نفسي -لا مجرد أماني ولكن قراءة للواقع، وقراءة له على ضوء السنن الربانية.. هذا الأمر هو أن الحضارة الأوربية آخذة في الانهيار. ويتبادر إلى الذهن هذا السؤال: ما علاقة هذه البشرى أو هذا الاستبشار بانهيار الحضارة الغربية؟.. نعم: لقد كان أشد ما فتن المسلمين عن دينهم في القرن الماضي بصفة خاصة هو هذه الحضارة الغربية.. وذلك لأن قوماً من المسلمين من المسلمين أو ممن يحملون أسماء مسلمة قالوا لأنفسهم، هذه أوربا بلا دين وهي قوية ممكنة في الأرض، ونحن مسلمون ومع ذلك فنحن جهلاء، ونحن ضعاف ونحن متخلفون، فما قيمة الدين إذن؟! فلننبذه ولنصنع كما صنعت أوربا. تلك المعادلة الخاطئة غير المستبصرة كانت سبباً في فتنة الشباب المسلم في القرن الماضي.
стр. 10908
لقد شهدوا جزءًا من سنة الله ولم يدركوا بقية السنة ولم يدركوا الحكمة لقد وجدوا أوربا الكافرة ممكنة في الأرض.. نعم.. ولكن ذلك لا يخالف سنن الله، وحاشا لشيء يقع في الأرض أو في الكون كله أن يكون مخالفاً لسنن الله.. لقد نسي أولئك الذين فتنوا بأوربا.. بل لم يتدبروا أصلاً قرآنهم الذي بين أيديهم: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد/٢٤) .
يقول الله موضحاً ومبيناً ما يقع في أوربا اليوم وما وقع في أمم سلفت من الجاهليات القديمة.. يقول : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام/٤٤) . نعم: هذه هي السنة الربانية، نسيت أوربا ما ذكرت به، نسيت إلهها نسيت الآخرة، وانحصرت في الحياة الدنيا، وعلى مستوى من أحط المستويات من الحرص على الحياة الدنيا ومتاعها الرخيص. فماذا فعل الله بهم؟.. فتح عليهم أبواب كل شيء.. أبواب القوة السياسية.. أبواب العلم.. أبواب التكنولوجيا أبواب القوة الحربية.. أبواب القوة الاقتصادية.. كل أبواب القوة.. انظر إلى العبارة " ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
نعم. هذا جزء من السنة الربانية.. ولكن المتدبر لكتاب الله يعرف النهاية المحتومة لهؤلاء القوم: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (الأنعام/٤٤) .
لقد بدأت السنة تتحقق، بدأ هذا الكيان الشامخ المخيف يتزلزل. القوة المادية ما تزال في أيديهم.. نعم.. ولكن كتابهم ومفكريهم وفلسفاتهم هم الذين يقولون إن هذه الحضارة آيلة إلى السقوط.. آخذة في الانحدار لخلوها مما يسمونه هم "القيم الروحية"، ومما يسميه الله "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
стр. 10909
هذا البناء الشامخ المخيف الذي أزاغ قلوب المسلمين في القرن الماضي يبدأ اليوم يتزلزل. ولو قلت للناس قبل عشرات السنوات إن الحضارة الأوربية آخذة في الانهيار ما صدقوك. لكنهم اليوم والحمد لله يصدقون لأن أوربا تقول هذا من نفسها.. تقول: إنه ما لم يتغير واقع الحياة الأوربية.. ما لم يعودوا إلى القيم الروحية.. فإنهم صائرون إلى الانهيار.
ماذا يهمنا نحن من انهيار أوربا؟ أنشمت فيهم؟ كلا: لا شماتة. ليست القضية قضية شماتة.. إنما هي إرادة الخير للبشرية كلها.. وأوربا من بينها.. إن أوربا حين مُكنت فُتنت.. وزادت جحوداً، وزادت بعداً عن الله.. ولن تعود إلى الله أبداً إلا بقارعة.. لن تعود حتى يهتز كيانها اهتزازاً لن تعود حتى تحس أن بنيانها يتقوض.. عندئذ إذا قدر الله لها.. تعود إلى الله.. فيغير الله لها حين تغير ما بأنفسها.
ولقد بدأوا يحسون. فبدأ أفراد منهم يدخلون في دين الله، ولكنا نطمع غداً -لا أن يدخلوا في دين الله أفراداً- إنما يدخلوا في دين الله أفواجاً.
أرأيتم ما الذي يمنعهم اليوم من الإسلام؟؟ إنهم حائرون إن القلق والحيرة والضياع تملأ عليهم حياتهم، فتضيق بهم الأرض.. وتضيق قلوبهم بهم فينتحرون، ويصيبهم الجنون والقلق والأمراض العصبية والأمراض النفسية. ويفرون يريدون العلاج.. يبحثون عن الطريق.. يدخل بعضهم في "البوذية"يظنون أنها هي الطريق. يدخل بعضهم في "الهندوكية"يظنون أنها هي الطريق. بعضهم يدخل في عبادة "كريشنا"وهي إحدى العبادات الجاهلية القديمة التي تعاد إلى الحياة اليوم في أوربا وأمريكا.. ويدخل فريق منهم في الإسلام. لماذا لا يدخلون كلهم في الإسلام؟! أولئك الباحثون عن الطريق. وهل الطريق إلاَّ الإسلام؟!
стр. 10910
تعلمون ما الذي يصدهم؟ إنما يصدهم واقع المسلمين.. يسمعون كلاماً طيباً عن الإسلام، في الدعوة، في الكتب في المحاضرات.. في البحوث التي تلقى عليهم.. ثم يقولون للدعاة، إذا كان الإسلام بهذا الشكل فلماذا كانت حياتكم أنتم نقيضاً لما تقولون؟
من أجل ذلك قال الله وهو يعلم المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف/٢-٣) .
ولكن الجيل الجديد الثابت في رحاب الإسلام.. الذي نستبشر به للغد في العالم الإسلامي.. نستبشر به أيضاً لمستقبل البشرية. أن الحائرين الضالين الذين يلدغهم الضياع فيبحثون عن الطريق سيجدون الطريق غداً.. حين يجدونه في واقع سلوكي مطبق.. حين يجدون مجتمعاً إسلامياً.. يعيش الإسلام حقاً.. يعيش "لا إله إلا الله محمد رسول الله"مع بقية أركان الإسلام.. عندئذ فإن الجادين في البحث عن الطريق سيجدون الطريق أمامهم. وسيدخلون في دين الله أفواجاً. متى يحدث ذلك؟؟.. ذلك غيب.. ولكنا نرى بشائره منذ اليوم..
ثن نستبشر ونختم حديثنا اليوم بهذه البشرى التي جاءت على لسان رسول الله ﷺ ، وهو يتحدث بلسان الوحي:
"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" (م ـ عن أبي هريرة) .
وفي إحدى روايات الحديث.. رواية عجيبة، بالنسبة لنا.. ولا عجب في الوحي.. في إحدى روايات الحديث "أنتم شرقي الأردن وهم غربيه".. فيتحدد مكان المعركة بالضبط.. المعركة التي نتهيأ بوادرها اليوم.. وقال واحد من الصحابة "ما كنا ندري مل أردن حتى سمعنا رسول الله ﷺ يقول هذا الحديث".
стр. 10911
إنها لبشريات.. وما أقول أبداً إن الواقع الحالي مشرق مريح للأعصاب.. بل أقول: إنه يكتنفه الظلام.. تكتنفه العقبات.. تكتنفه المشقات.. تكتنفه المشانق المعلقة للمؤمنين في كل مكان في الأرض.. نعم ولكن البشرى غالبة بإذن الله.. إني أمد بصري إلى القرن القادم وقرون تالية بإذن الله.. فأرى أن هذا البشير الذي ولد في نهاية القرن الماضي سيكبر بإذن الله.. يترعرع كما وصف الله المؤمنين.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح/٢٩) .
يترعرع هذا الجيل بإذن الله.. ويمتد هذا الخط على الأفق.. فيلتقي بخط انهيار الحضارة المادية الكافرة فيكون النصر المؤزر بإذن الله.. وتكون جولة جديدة للإسلام.. يدخل فيها الناس في دين الله أفواجاً وتقوم المعركة الكبرى بين الإسلام وبين أكبر أعدائه.. بين المسلمين وبين اليهود.. فينتصر المسلمون بعون الله.. وتكتب صفحة جديدة للإسلام.
ذلك ما خطر في نفسي من خواطر في مستهل القرن الخامس عشر أحببت أن أشرككم فيها.. أحببت أن تشاركوني استبشاري بهذا القرن.. لا على أنها مجرد أماني.. ولكن على رصيد من الواقع بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اليوارنيوم في الوطن الإسلامي
стр. 10912
طالب الدكتور عدنان مصطفى الأمين العام المساعد لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (الأوبك) ببدء التحرك العربي لحيازة التقنية النووية تمهيداً لاستغلالها في تلبية الطلب المستقبلي على الطاقة في الوطن العربي.
وقال في ورقة العمل التي تقدم بها إلى المؤتمر العربي الرابع للثروة المعدنية أن أي قرار يتخذ بشأن استغلال الطاقة النووية لا بد له أن يستند إلى المعرفة التامة بمقدار وفرة مصادر الوقود النووية المقرر تشغيلها لتوليد الطاقة المطلوبة. وحث الدكتور مصطفى المنظمة العربية للثروة المعدنية ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط على التعاون لتحقيق رؤية عامة لمصادر اليورانيوم العربية.
وأشار إلى وجود جهود جادة ومنهجية لاستكشاف وتقييم وجود اليورانيوم في مناطق محدودة في الجزائر والمغرب وموريتانيا والصومال ومصر وفي العام الماضي تم توقيع عقود عديدة لاستكشاف اليورانيوم في السعودية والسودان والأردن.
وتذكر ورقة العمل أن مجمل الاحتياطي العربي المؤكد لأوكسيد اليورانيوم يقدر بحوالي ستين ألف طن إلا أن استخلاص اليورانيوم من الفوسفات الذي دخل في حيز الاستغلال الاقتصادي يرفع الكميات الممكن استخلاصها كإنتاج ثانوي من الفوسفات الرسوبي العربي إلى ٣.٦ ملايين طن.
الرائد الهندية
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الحديث عن ثوبان ﵁. أخرجه أبو داود في الملاحم، ورواه أحمد في مسنده بسند قوي.
стр. 10913
العدد ٥٠-٥١
فهرس المحتويات
١- كلمة التحرير - أمتنا المسلمة: بقلم الشيخ سعد ندا
٢- أداء الأمانات والحكم بالعدل: لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري
٣- من مظاهر البلاغة القرآنية قوة الحجة ووضوحها: الدكتور علي محمد حسن العمّاري
٤- إزالة الشبهة عن حديث التربة: فضيلة الشيخ عبد القادر السّندي
٥- مسلك القرآن الكريم في إثبَات البعث: د. علي بن محمد بن جبر الفقيهي
٦- مفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الخامسة) : بقلم الشيخ سعد ندا
٧- البدع وأثرها في انحراف التصور الإسلامي: الشيخ صالح سعد السحيمي
٨- رخصة الفطر في سفر رمضان وَمَما يَتَرَتب عَلَيهَا مِن الآثارِ (الحلقة الثانية) : للدكتور أحمد طه الريان
٩- الحدود في الإسلام: للدكتور جمعة علي الخولي
١٠- الرَّق في الجَاهليّة والإسلام: للشيخ إبراهيم محمد الحسن الجمل
١١- دراسات في أصول الفقه: للدكتور علي أحمد بابكر
١٢- القرآن الكريم بين الدراسة والتطبيق: للشيخ محمد الراوي
١٣- التربية الإسلامية للشباب: للدكتور عبد الرحمن بله علي
١٤- خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي: للشيخ محمد إبراهيم برناوي
١٥- أساليب الدعوة إلى الله تعالى في القرآن الكريم (الحلقة الثانية) : لفضيلة الدكتور أبو المجد سيد نوفل
١٦- حقوق الإنسان في الإسلام (الحلقة الثالثة) : بقلم الشيخ: عبد الفتاح عشماوي
١٧- أثر الحضارة الإسلامية في الحضارة الأوروبية: د/ جاد أحمد رمضان
١٨- كتاب في رؤية الله ﵎: تأليف أبي عبد الرحمن بن عمر بن محمد، تحقيق وتخريج الشيخ محفوظ الرحمن بن زيد الله السلفي
١٩- رسائل لم يحملها البريد: فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي
٢٠- بحث في صيغة (أفعل) وبين نحويين واللغويين واستعمالاتها في العربية (الحلقة الثالثة) : لفضيلة الشيخ مصطفى أحمد النماس
٢١- حداثة الشعر العربي (الحلقة الثانية) : الدكتور عبد الباسط بدر
٢٢- برهان الحق في الخلق (١) : د/ عز الدين علي السيد
٢٣- شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن: للشيخ يوسف الهمزاني الشافعي
٢٤- عبر وعبرات: للشيخ محمد مجذوب
٢٥- المشارق والمغارب: فضيلة الشيخ عبد الله بن أحمد قادري
٢٦- ردود ومناقشات يوم عاشوراء: بقلم: الدكتور نايف الدعيس
٢٧- من فتاوى الجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
٢٨- القلب: لفضيلة الشيخ سعد ندا
٢٩- حاسة السمع: للدكتور فكري السيد عوض
٣٠- مختارات من الصحف
٣١- من أعماق الكتب
٣٢- أخبار الجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 10914
كلمة التحرير
أمتنا المسلمة
بقلم: سعد ندا (مدير التحرير)
أمتنا المسلمة هي خير أمة أخرجت للناس، كما يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران) . ذلك لأنها تميزت بصفات لم تبلغها أمة لم تنعم بنعمة الإسلام.
وأمتنا المسلمة ينضوي تحت لوائها أفراد يسيرون مساراً واحداً لا عوج فيه، كما أمرهم ربهم سبحانه ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾ (الأنعام) ، وذلك ابتغاء بلغ مرامهم الأسمى المشار إليه في قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف) . وهؤلاء الأفراد المتجانسون يكونون مجتمعا له شخصيته الفريدة، الفذة، القوية، العابدة المؤمنة، التقية، التي تجعله دائما في صدارة المجتمعات.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء) .
وأمتنا المسلمة تنتظم أفراداً كل منهم لبنة فى صرحها الشامخ إذا صلحوا صلحت الأمة، وإذا فسدوا فسدت الأمة.
الإسلام يجعل الإصلاح النفسي للفرد هو الدعامة الأولى لصلاحه واستقامة أمره في الحياة الدنيا والآخرة. وهو في سبيل تحقيق ذلك ينظر إلى الفرد من ناحيتين:
الناحية الأولى: أن فيه فطرة طيبة تميل إلى الخير، وشرح بإدراكه، وتأسى للشر وتحزن بارتكابه.
والناحية الثانية: أن فيه نزغات طائشة، وطبائع شريرة، تنحرف به عن سواء السبيل.
ومصير الإنسان في دنياه وآخرته مرتبط بالناحية التي تكون لها الغلبة عليه.
стр. 10915
إلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (الشمس) .
والإسلام يهتم بفطرة الإنسان اهتماما بالغا من جهة، فيدعمها، ويدعو إلى المحافظة على طهرها، ونقائها وتخليصها مما عسى أن يكون قد لا بسها من أخلاط وشوائب، كما أمر تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم) .
ومن جهة أخرى يحذر الإسلام من الاستسلام لنزغات الشياطين التي أشار إلى بعضها قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران) . وكما أشار قول الرسول ﷺ : (يشيبُ أبن آدم ويشيبُ معه خصلتان: الحرصُ، وطول الأمل) (مسلم) .
والإسلام- فوق ذلك كله- يرى أن نزغات الشر تلح على النفوس إلحاحا مستمرا لتوهن من عزماتها وتجذبها لتلقى بها في ساحات الهوى. وبؤر الضلال، لاستمتاع الفاني. والزاد الهباء، وتزيين التشبث بهذه الحياة العاجلة.
والإسلام - من أجل ذلك كله- ربط النفوس بعبادات من شأنها أن تتكرر بين أوقات قريبة متلاحقة لتكون صقلا لها، وغرسا لمبادئ البر فيها غرساَ سليماَ تثمر به وتؤتي أكلها طيبةً بإذن ربها. وبهذا يكون الفرد المسلم شخصية مسلمةً حقاً لها قدر ووزنها عند اللِّه، ثم عند الناس. ومن ثم تصلح نواةَ للأمة المسلمة التي فضلها الله تعالى على أمم العالمين.
стр. 10916
من هذا المنطلق. أدعو كل مسلم أن ينظر في نفسه. ويراجع أحوالها، ليرى: هل يصلح بها أن يكون نواةَ للأمَّة المسلمة؟ فإن وجدها كذلك، فليحمد الله ﵎، وليسأله الثبات، والمزيد من الخير، وإن وجدها غير ذلك، فَلْيَرْعَوِ، ولْيَحْزمْ أحوالها، ولْيَسْتَقمْ بها على أمر الله، إذ أن المسلمين أشد ما يكونون اليوم حاجة إلى لَبنات قوية صالحة، تشيد بناء أمتهم، وترسخ دعائمه، وتعلى صرحه، لتدك معاقل أعداء الله: من صهاينة غادرين، وصليبيين حاقدين، وشيوعيين ملحدين، واشتراكيين ماركسيين، وأَعوان هؤلاء وأولئك في أي صورة، وفي أي مكان، حتى تقرّ أعيننا بأمتنا المسلمة الواحدة التي تكون لها الهيمنة والصدارة على مدى الزمان.
أسأل الله تعالى أن يعجل بتحقيق ذلك، إن عليه وحده قصد السبيل، وإن عليه وحده التكلان. وصلى الله وسلم وبارك على عبده رسوله الكريم محمد وعلى أله وصحبه ...
سعد ندا
стр. 10917
الرَّق في الجَاهليّة والإسلام
للشيخ إبراهيم محمد الحسن الجمل
مدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
معنى الرقي ونشأته:
الرق في اللغة: العبودية، وسمى العبيد رقيقا، لأنهم يرقون لمالكهم، ويذلون ويخضعون، والرقيق هو المملوك.
وقيل: الرق في اللغة: الضعف ومنه رقة القلب [١] وهو نظام اجتماعي معروف بين الشعوب القديمة، واستمر قائما حتى أخريات القرن التاسع عشر، وكان يعتبر بين تلك الشعوب نظاما مشروعا تحميه قوانين الدولة [٢] . وعرف أيضا بأنه حرمان الشخص من حريته الطبيعية، وصيرورته ملكا لغيره [٣] ، وهذا ما كان مصطلحا عليه عند الأمم القديمة.
ولقد عرف الرق من قديم، وكانت الحرب بادئ الأمر عاملا على نشأة الرق. وذلك أن القوي حينما كان يظهر بالضعيف يقتله، ولا يقبل بغير القتل بديلا، وكان الناس في ذلك الوقت يعملون لأنفسهم فكان الرجال يقومون بالصيد والحروب وكان النساء والأبناء يقومون بغير ذلك من الأعمال.
стр. 10918
وحينما اتجه الإنسان إلى الزراعة، كان في حاجة إلى العناية بالأرض عناية تتكرر كل يوم، وإلى تنظيم العمل، كما أنه كان مع حاجة إلى من يساعده، وهذه المساعدة كانت تعتمد في النهاية على القوة والإرغام، وحدوث التعاون بين الناس، انتهى إلى استخدام الضعفاء بواسطة الأقوياء ثم فكر القوى الظافر في القتال أن الأسير الذي يقتله يمكن أن يبقيه حيا. فيستخدمه في زراعة الأرض. وبهذا قلت المجاور وقل أكل الناس لحوم بعضهم بعضا. وحين أمتنع الإنسان المنتصر عن قتل المغلوب اعتبر هذا تقدما عظيما للإنسان من حيث الأخلاق، حين أقلع عن قتل زميله أو أكله واكتفى من أعدائه باسترقاقهم، وإعمالهم في الأرض وفي الزراعة [٤] ثم انتقل استرقاق الغير من الزراعة إلى الصناعة، حتى إذا زادت الثروة، ومال الأغنياء إلى الدعة والراحة، واستغلال الآخرين في ذلك جعل الناس ينظرون إليه كأنه نظام فطري لا غنى عنه.
وكانت الجماعات البدائية لا ترى فارقا بين الحر والعبد، ولا تجد رقا ولا طبقات، ولا تدرك من الفوارق بين الرئيس وتابعيه إلا قدرا ضئيلا وبالتدريج، أخذ تقسيم العمل. وما يقتضيه الاختلاف بين الناس، يستبدل شيئا فشيئا المساواة بقليل من التحكم الذي زاد على مرور الأيام، ثم لما ازدادت الآلات والصناعات تعقدا، عمل ذلك على إخضاع الضعيف لمشيئة القوى، وكلما ظهر سلاح جديد في أيدي الأقوياء زاد من سلطانهم على الضعفاء واستغلالهم إياهم.
ثم عمل نظام التوريث على اتساع الهوة بأن أضاف إلى الامتياز في الفرص السانحة امتيازا في الأملاك.
وقسمت المجتمعات التي كانت يوما متجانسة إلى عدد لا يحصى من طبقات وأوساط، وأحس الأغنياء والفقراء بغناهم أو فقرهم إحساسا يؤدى إلى التشاحن، وأخذت حرب الطبقات تسرب خلال التاريخ حتى انتهت إلى وجود طبقة من الناس تُستخدم وكأنها آلة تتحرك بغير إرادتها يحركها الغير، وكأنها دمية توجه حسب ما يريد لها سيدها [٥] .
стр. 10919
ولم يستطع الفلاسفة القدامى أن يغيروا شيئا من الواقع، وإنما زادوه تثبيتا، وكأنما هذا الصنف من الناس إنما خلق بغير إرادة ولا حول ولا قوة، فأفلاطون يقضي في جمهوريته الفاضلة بحرمان الرقيق حق المواطنة وإجبارهم على الطاعة والخضوع للأحرار من ساداتهم أو من السادة الغرباء، ومن تطاول منهم على سيد غريب أسلمته الدولة إليه ليقتصَّ منه كما يريد.
ومذهب أرسطو في الرق أن فريقا من الناس مخلوقين للعبودية؛ لأنهم يعملون عمل الآلات التي يتصرف فيها الأحرار ذوو الفكر والمشيئة، فهم آلات حية تُلحق في عملها بالآلات الجامدة. ويحمد من السادة الذين يستخدمون تلك الآلات الحية أن يتوسموا فيها القدرة على الاستقلال والتمييز فيشجعوها ويرتقوا بها من منزلة الأداة المسخرة إلى منزلة الكائن العاقل الرشيد [٦] .
الرق قبل الإسلام
كان الرق من دعائم المجتمع عند قدماء المصريين، وكانوا يتخذون الإماء للخدمة، وللزينة. ولمظاهر الأبهة، فكانوا بقصور الملوك، وبيوت الكهان والأعيان، وهم إن كانوا يسيئون معاملة رقيق الخدمة، بحيث يعتبرونهم كآلة صماء، فإنّ رقيق الزينة على العكس. فقد كانوا يلقون معاملة حسنة كما يدل على ذلك قول العزيز لامرأته في حق يوسف ﵇. ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ (يوسف آية١ ٣)
ولقد أباح العبرانيون الرق، وذكر في التوراة في مواضع [٧] ، وكان الرق عندهم نوعين: استرقاق الأفراد لارتكاب خطيئة محظورة، واسترقاق غير اليهود في الحروب [٨] . وكذلك أباحته المسيحية، وأمر بولس مدعي الرسالة العبيد بطاعة سادتهم كما يطيعون السيد المسيح. فقال في رسالته إلى أهل أفسس:
стр. 10920
"أيها العبيد! أطيعوا سادتكم حسب الجسد، بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح، ولا بخدمة العين كمن يرضى الناس، بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس عالمين، أنه مهما عمل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أم حرا".
وأوصى مدعى الرسالة بطرس بمثل هذه الوصية، وأوصاها آباء الكنيسة، لأن الرق كفارة من ذنوب البشر يؤديها العبيد لما استحقوا من غضب السيد الأعظم [٩] .
ونص في الإنجيل على أن الناس كلهم إخوان، ولكنه لم ينص على منع الاسترقاق، لذلك أقرته جميع الكنائس على اختلاف أنواعها ولم ترفيه أقل حرج.
ولم ير من جاء من باباوات النصارى ولا قديسيهم حرجا من إقرار الرق حتى قال باسيليوس، في كتابه القواعد الأدبية، بعد أن أورد ما جاء في رسالة بولس إلى أهل افسس: "هذا يدل على أن العبد تجب عليه طاعة مواليه تعظيما لله "إن الطبيعة (هكذا قول بولس) قضت على بعض الناس بأن يكونوا أرقاء، واستشهد على نظريته (كما يرى هو أي بولس) بالشريعة الطبيعية والشريعتين الوضعية والإلهية.
وقال القسيس المشهور بوسويت الفرنسي: "إن من حق المحارب المنتصر قتل المقهور فإن استعبده واسترقه فذلك مِنهُ مِنّةٌ وفضل ورحمة".
وقد بقى الاسترقاق معتبرا من الأمور المشروعة لدى المسيحيين؛ فقد جاء في دائرة معارف لاروس أن رجال الدين الرسميين يقرون صحة الاسترقاق ويسلمون بشرعيته [١٠] .
وإذا كانت الأديان التي سبقت الإسلام، قد أباحت الرق، فإن جميع الأمم المعروفة لنا في القديم قد أباحته كذلك.
ففي الهند قسمت الشرائع البرهمية القديمة الأشخاص الملزمين بالخدمة إلى قسمين وهما الخادمون والأرقاء، فالأعمال الطاهرة من خصائص الخادمين، والأعمال النجسة على عواتق الأرقاء [١١] .
стр. 10921
وكانت الشريعة الهندية تقضى على أن الرقيق لم يُخلَق إلا لخدمة البرهمي- وهم الطبقة المقدسة عندهم- فكانوا يتخذون الرقيق من إحدى طبقات المجتمع التي تعتبر صفة العبودية لازمة لها حتى لو تخل السيد عن عبده فإنه يبقى رقيقا لا يصلح أن يتمتع بحريته كغيره من الناس، وكانت القوانين عندهم تقضى بقتل العبد لأقل هفوة يرتكبها، أما التنكيل به والانتقام منه بسائر الوسائل الوحشية فحدث ولا حرج [١٢]
وكان الرق عند الفرس بدولتهم العظيمة التي امتدت في حدود آسيا المعروفة كثيرة، فكان الأرقاء الرعاة، والأرقاء المختصون بحاجات الزينة والثروة واليسار، ومنهم من خُصص لعمل القبائح المنكرة التي قضت بها خرافات القوم.
قال هيرودت: "ولا يجوز لأي قاس أن يعاقب عبده على ذنب واحد اقترفه بعقاب بالغ في الشدة والصرامة لكن إذا عاد العبد لارتكاب هذا الذنب بعدما أصابه من العقاب. فَلِمَولاَه حينئذ أن يعدمه الحياة أو أن يعاقبه بجميع ما يتصور من أنواع العذاب" [١٣] .
ولعل الصين كانت في القديم من أكثر الدول اعتدَالا في معاملة رقيقها، فكان يستخدم للمنفعة العامة، وكانوا يجلبون الرقيق من الخارج بواسطة الحروب والأسلاب، أو يأخذونهم من البلاد بسبب الفقر والحاجة، لأن الفقير كان يضطر لبيع نفسه أو لبيع أولاده، وكان الاسترقاق في تلك البلاد قليل الشدة والصعوبة؛ لأن الشرائع والعرف والأخلاق كانت تساعد على تلطيف حاله. وقد ورد في أثارهم:
"إن الإنسان هو أفضل وأشرف المخلوقات التي في السماء والتي على الأرض، فمن قتل رقيقه فليس له من سبيل في إخفاء جرمه، ومن أخذت به الجرأة فكوى رقيقه بالنار، حُوكِم على ذلك بمقتضى الشريعة، ومن كواه سيده بالنار دخل في عدد الوطنيين الأحرار" [١٤] .
وإذا تركنا آسيا وانتقلنا إلى أوربا لم يكن حال الرقيق بأحسن مما كان عليه الحال في بلاد فارس أو الهند.
стр. 10922
فلقد كان المجتمع اليوناني المقسم إلى سادة وعبيد يبالغ في احتقار العبيد على الرغم من استخدامهم في سائر المرافق، وكانوا يعتقدون أن الأرقاء إنما خلقوا لخدمة السادة والأمراء، وكانوا يعتبرونهم جزءاً من الأرض يباعون ويشترون، وكان المورد الأساسي للعبيد عندهم الأسر في الحروب، وأهل البلاد المغلوبة التي يعملون فيها، وكانت القرصنة هي المورد الثاني للعبيد.
وعندما نشطت تجارة الرقيق في أثينا لم تقف مطامع النخاسين عند حد، وصار القرصان اليونانيون يخطفون المسافرين، والسكان الآمنين في الشواطئ الأفريقية والأوربية ويبيعونهم للناس في الأسواق من غير خجل ولا تكبر [١٥] .
وكان حق المولى على عبده أنه جزء من أملاكه وأمتعته، فله رهنه أو بيعه، والتصرف فيه كما يشتهى لا يمنعه مانع [١٦] .
ولم يكن الحال عند الرومان بأقل مما كان عليه غيرهم من حيث استخدامهم في الأعمال الجسمانية، ومساواتهم بالأمتعة والفرش، فكانوا يباعون بالمزاد. وكانوا يوقفون على مكان عال بحيث يتيسر لكل واحد أن يراهم ويمسهم بيده، ولو لم يكن له نية في شرائه. أحيانا كانوا يشاهدون كيوم ولدتهم أمهاتهم، وكان الرق في نظرهم نتيجة الأسر والسبي، أو الميلاد، أو الدين أو الفرار من الجيش [١٧] . ومن العجيب أن الدولة كانت تسترق بعض الأفراد بسلطة القانون مثل أن يمتنع الشخص من أداء الضريبة، أو بعيب عندما يطلب منه الحضور، فيمتنع فيصبح حينئذ في عداد الأرقاء. وكذلك كان المجرمون والثوار يسترقون للدولة، أما الملحدون في الدين فكانوا يسترقون للمعاد.
وكان الإسبرطيون يكَروُن العبيد لمن يرغب في ذلك، ويشغلونهم في الحروب والقتال زيادة في الخدمة، وفلاحة الأراضي وحراستها وغير ذلك من أنواع العمل الشاق.
وكانت القرون الوسطى مسرحا للاسترقاق. وتكاد كلها تتشابه مع الرومان.
стр. 10923
ويعتبر الرقيق كجزء من متاع البيت فهو بمنزلة الفرس والثور، وغيرهما من الحيوانات المستخدمة الأهلية، فكان المولى في شرعهم يتصرف بعبده كما يتصرف بما عنده من الأشياء ذات القيمة، وكان لا يجوز له قتله لأنه شيء من الأشياء التي تملكها يمينه، ولم يختلف الاسترقاق عن سابقه عند الغاليين وهم السكان المعروفون في فرنسا وأمام جبال الألب في إيطاليا الشمالية. وأقاليم الغاليا في الجزر البريطانية وإسبانيا وكذلك سكان جرمانيا- ألمانيا- فكانوا يحتكمونهم بطريقة الشراء أو الميراث، وكانوا يكلفون بخدمة المنازل، وكان الولي يفرض عليه مقدارا من القمح أو الماشية أو الملابس كأنه من مؤاجريه، وكان سكان نَهر الرين الأسفل إذا تزوج أحد الأهالي برقيقة أجنبية وقع في الرق والاستعباد. وكذلك المرأة الحرة التي تتزوج برقيق تفقد حريتها، وينالها العقاب.
وكان عند القوط أن المرأة الحرة إذا تزوجت برقيقها، كانت عقوبتها أن تحرق هي وإياه وهما على قيد الحياة، وإذا كانت لا تمتلك العبد يفسخ النكاح، ويجلد كل منهما بالسياط، ولكن التصرف في العبد بالموت، كان يلجأ السيد إلى القاضي، ليحكم حكمه، ثم يسلمه لسيده ليفعل به ما يريد، وكانت قبائل الويز يغوط تشدد النكير في مسألة تزواج الأحرار بالأرقاء، حتى نص القانون على أن المرأة الحرة إذا تزوجت بعبدها فعقابها أن تحرق هي وهو حيين، وكذلك كانت قبائل الاستورغوط، فقد كانوا يقتلون المرأة التي تتزوج بعبد [١٨] .
وكان الأنجلو ساكسون يقسمون الرقيق إلى نوعين هما الرقيق المشبهون بالمنقولات والمشبهون بالعقارات، فالصنف الأول يجوز بيعهم أما الآخرون فكانوا لا ينفكون عن الأرض يقومون بحراثتها وزراعتها [١٩] .
من هذا يتبين أن الأرقاء لم يكن لهم أي تصرف في أنفسهم، ولا أمل لهم في حياة إنسانية أو شبه إنسانية.
стр. 10924
وكانت تجارة الرقيق نشطة في أسواق أوربا، ومواني جنوة والبندقية وليفورن في إيطاليا، تعج بالمراكب التي تحمل أبناء السود من الجنسين المخطوفين من إفريقيا، وبعض دول آسيا، وكان أكثر القائمين على هذه التجارة من اليهود.
ولم يكن الحال في أمريكا بأقل منه في الدنيا القديمة، فلقد كانت بواخرها تنتقل بين شاطئ أفريقية وبين أمريكا حاملة الألوف من أهل إفريقية للاتجار، وللزراعة، وكانت حالتهم شبيهة بحال إخوانهم في الدنيا القديمة، فهم بين العمل، والاحتقار، والمهانة فكان على غاية الشدة والقسوة، وكان مقتضى القانون الأسود أن الحرّ إذا تزوج بأمة صار غير جدير بأن يشغل وظيفة في المستعمرات.
وكانت القوانين تصرح بأن للسيد كل حق على عبده حتى حق الاستحياء والإماته. وكَان يجوز للمالك رهن عبده، وإجارته، والمغامرة عليه وبيعه، كأنه بهيمة وكان لا حق للأسود أن يخرج من الغيط، ويطوف بشوارع المدن إلا بتصريح قانوني، ولكن إذا اتفق واجتمع في شارع واحدٍ أكثر من سبعة من الأرقاء ولو بتصريح قانوني، كان لكل أبيض إلقاء القبض عليهم وجلدهم، وقد صرح قانونهم على أن ليس للعبد روح ولا عقل وأن حياتهم محصورة في أذرعهم [٢٠] .
ولقد بدأ إلغاء الرق في أمريكا في منتصف القرن الثامن عشر، وفي سنة ١٧٨٨م نشبت الحروب بين الولايات الشمالية والجنوبية من أجل إعلان حرية العبيد، ولم يتحقق إلا سنة ١٨٦٥م بعد انتصار الشماليين على الجنوبيين وقد ظلت التفرقة العنصرية شائعة سنوات عديدة، ولم يكن من الممكن أن يدخل العبيد في الأماكن التي فيها الأسياد ولا أن يركبوا مراكبهم، وكثيرا ما كان البيض يثورون ضدهم، ويشبعونهم ضربا وتقتيلا، وكان القانون دائما في صف البيض.
ومع مرور الأيام بدأ يخف هذا النمط من المعاملة حتى أخذ العبيد أو السود كما يسمونهم شيئا من المشاركة في الحياة العامة.
стр. 10925
ولقد بقي الرق على شرعيته عند غير المسلمين إلى أن قررت الثورة الفرنسية إلغاءه سنة ١٧٧٩ م ومع ذلك فإن عامة البلاد الأوربية والأمريكية ظلت تمارسه إلى نهاية القرن التاسع عشر؛ أي بعد الثورة الفرنسية التي أعلنت مبادئ الحرية والمساواة بين الناس بما يزيد على قرن كامل من الزمن.
وكان الرق في الجزيرة العربية لا يختلف كثيرا عما كان عليه في الأمم الأخرى. وكانت الحروب الدعامة الكبرى للرق، فعندما تقوم الحرب. ويأسر الغالب المغلوب يأخذه أسيرا عنده. وأيضا كان الرق نتيجة للثراء بعد أن يخطف الرقيق؛ فلقد خطف زيد بن حارثة وهو صغير في أثناء لعبه بعيدا عن أمه وهو عند أخواله، ثم بيع في إحدى الأسواق القريبة من مكة واشتراه حكيم بن حزام ابن أخي السيدة خديجة بنت خويلد، ثم أهداه حكيم إلى عمته ولما رأت رضى الله عنها رغبة زوجها الأمين محمد بن عبد الله قبل البعثة أن يلازمه فيقوم بخدمته، قدمته إليه هدية فلزم الرسول ﷺ قبل الرسالة وبعدها.
وكانت تجارة الرقيق من أهم موارد الثروة عند أهل مكة في الجاهلية ومن أشهر تجار الرقيق عبد الله بن جدعان. وكان ذا تجارة واسعة في الرقيق.
ولقد حرم الأرقاء في الجاهلية من كافة الحقوق المدنية، ومن التصرف في شئونهم الخاصة وغالبا ما كنوا يطلقون كلمة السبايا على النساء خاصة وفي ذلك يقول الشاعر:
فعادوا بالغنائم حافلات
وعدنا بالأسارى والسبايا [٢١]
وكان العبد أحيانا ينال حريته؛ وذلك إذا أظهر شجاعة فائقة في الحروب والقتال ضد من يعتدي على سيده وعلى قبيلته، ويحفظ لنا التاريخ قصة عنترة المشهورة وعتق وليه وأبوه له، وجعله حُرًّا يتصرف تصرف الأحرار بعد أن كان عبدا يرعى الغنم، وأيضا فقد يكون الإخلاص الشديد سببا في العتق.
следующие страницы →