Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.
стр. 10956
الدراسة هنا تفهم الدلالة والتطبيق يقتضي ألا نستعين إلا بالله وأن نأخذ بالأسباب والاستعانة بغير تفريط أو استهانة، بأن تخلص القصد لله وتستقيم كما أمرنا وأن تكون جميع أقوالنا وأعمالنا لإعلاء كلمة الله ولنصرة دينه عندئذ نصدق في حسن التوكل عليه. وطلب النصرة والنجاة منه -وإن فعلنا- ذلك فلأنفسنا إن فرطنا فعليها وما ربك بظلام للعبيد ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الدراسة هنا تفهم الدلالة والتطبيق يقتضي استقرار النفس بما أعطيت، وهذا الاستقرار دلالة صدق الإيمان؛ لأن الآيات إذا لم يظهر أثرها في الحياة تكون قد وقفنا بها عند الدراسة فحسب، وهذا قدر قد يزيد من حسابنا ويقيم الحجة علينا، ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ .
стр. 10957
هذا بيان لنتائج العمل الجاحد الخاسر؛ إذ العمل المقبول عند الله لا يكون إلا بصدق الولاء له وحسن الاستقامة على دينه. وكل شيء يناصب الإنسان العداء إذا عادى الإنسان ربه حتى جوارحه التي ينالها من العذاب ما ناله تخضع وتخشع لإرادة الخالق لا إرادة المخلوق ولا يملك الإنسان في فترة الحساب إلا أن يجعلها طوع إرادته كما طوعها في فترة الامتحان في الحياة الدنيا والتطبيق العملي لفهم هذه الآيات أن يتجنب الإنسان ما من شأنه أن يقع فيما وقع فيه الجاحدون ويتقى الله في السر والعلن "قل آمنت بالله ثم استقم" إذ لا فائدة من الدراسة إذا عرفنا مصير الجاحدين وفعلنا فعلهم ويا ويل من أضله الله على عدم والقرآن الكريم بين مصير هؤلاء ويذكر جزاء من آمن واستقام في آيات متباينة بلا فصل ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ . ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ بعد هذا نقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ .
стр. 10958
وتلك طريقة القرآن في إعطاء النتائج متقابلة ومتجاورة فمن ضاقت أنفاسه من عقاب أولئك- فليأخذوا طريق النجاة ليكون ممن أنعم الله عليهم ورضي عنهم ومن رأى كيف تكون العداوة هناك بين الجاحدين فليأخذوا طريق أخوة المؤمنين وصداقة المتقين ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاّ الْمُتَّقِينَ. يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ الزخرف.
стр. 10959
وهكذا نجد القرآن الكريم يقدم لنا بيانَ كلِّ شيء ويوضع النتائج التي تترتب على الأعمال، وكثيراً ما يقدمها في أسلوب الشرط والجزاء أو الأمر وجوابه وهي أشد انضباطا في المعادلات الرياضية التي لا يختلف الناس على أمرها ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ . ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ . ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ .
стр. 10960
وربط الجزاء والنتيجة بالمقدمة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ . ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ﴾ . ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُون وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ .
стр. 10961
إن القرآن الكريم يتلى على الناس جميعا وقد يسمعه المتقون والفجار ولكن مواقف الناس لا تتحدد بالسماع والدراسة وحدها؛ فإن العلم بالشيء قد يستوي فيه بار وفاجر وإنما تتحدد مواقف الناس بالعمل وما يشفع إليه بالبيان وفرق بين الاتباع والأعراض، والجهاد والقعود والطاعة والمعصية واتباع سبيل المؤمنين أو اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين وكل ذلك سيوزن بميزان دقيق ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ . ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ .
стр. 10962
ولذا فإن النفر من الجن لما سمعوا القرآن علموا أن السماع يتبعه الإجابة والتنفيذ وإلا لزمت الحجة ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قاموا بتبليغ ما سمعوا وكانوا أمناء صادقين طلبوا من قومهم أن يجيبوا داعي الله وأن يؤمنوا به وبينوا الجزاء ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وحذرهم من عدم الإجابة تحذيرا بالغاً ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لقد فهم هؤلاء النفر من الجن دلالة ما يتلى من الكتاب فلم يقفوا عند حدّ السماع وحده أو الدراسة وحدها، بل قاموا بواجب التبليغ على خير وجه وحددوا موقفهم على أساس من هذا الدين ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ عرفوا النتائج وبلغوها إلى قومهم وعلموا ألا نجاة إلا بالصدق مع الله ولا ملجأ من الله إلا إليه ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ يقول الله تعالى ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . ويقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا
стр. 10963
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
إن القرآن الكريم لحركة الحياة ولشرفها وطهارتها، بل هو الحياة نفسها لأنه روح ولا حياة بلا روح ونور، وهل يستوي من أحياه الله وجعل له نوراً يمشى به في الناس كمن مثله من الظلمات ليس بخارج منها ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ .
والذكر يطلق على الشرف ويطلق على البيان والتذكرة فإذا أعرض من شرفهم الله به فقد رضوا لأنفسهم أن يعيشوا بلا شرف وأن يسيروا على غير هدى وفي ذلك من الإساءة لأنفسهم في عاجل أمرهم وأجله ما فيه.
стр. 10964
إن جيل القرآن الأول لم ير لنفسه شرفاً في غير ما شرفه الله به ولم يبتغ العزة في غير ما أعزهم الله به ولذا كانت دراستهم للقرآن دراسة علم وعمل وكان مواقفهم معبرة عن مدى تأثير القرآن في نفوسهم وكان بيان الرسول ﷺ أمام أعينهم تطبيقاً عملياً للقرآن يتبعونه ولا يخافون وما كان لهم الخيرة من أمرهم إذا قضى الله ورسوله أمرا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ كانوا لا يتباطئون ما فيما أمروا به ولا يلتفتون لما نهوا عنه أن سمعوا من رسولهم: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" قاموا إليها مسرعين يقول قائلهم: "والله لئن بقيت حتى آكل تمراتي تلك إنها لحياة طويلة"وإن أرسلهم الرسول ﷺ دعاة إلا الله فواجهوا الخطر استقبلوه راضين مستبشرين وإن طعنوا في سبيل الله حمدوا الله أن جعلهم من الفائزين، وإن خرجوا إلى أعدائهم لم يخرجوا بطراً ورئاء الناس بل دعاة إلى الله يعلون كلمة الله بأنفسهم وأموالهم ولا يرون لأنفسهم حظاً إلا فيما عند الله ولا ينشدون إلا رضاه.
стр. 10965
في الحديث المتفق عليه عن أنس رضى الله عنه جاء ناس للنبي ﷺ وقالوا: "ابعث معنا رجالاً يعلموننا القرآن والسنة"فبعث معهم سبعين رجلاً من الأنصار فيهم خالي حرام يقرأون القرآن ويدرسونه بالليل ليتعلموه وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء فبعثهم النبي ﷺ فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان فقالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا أو أتى رجل حراما خالد أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه قال حرام "فزت ورب الكعبة"فقال الرسول ﷺ : "إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا.." تلك دراستهم وهذه مواقفهم دراسة تعتني بتدبر القرآن وتنفيذ أمره ويأتي الامتحان بعد الدراسة في مواطن كثيرة فلا يتعثرون في إجابتهم ولا يجيبا أحد منهم إجابة خاطئة بل تكون إجابتهم درساً للإنسانية كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لقد أرسلهم الرسول ﷺ ليكونوا دعاة لفريق من الناس في زمنهم فكانوا بإجابتهم دعاة للزمن كله وللناس جميعا بعدهم.
стр. 10966
كانوا يقرؤون القرآن ويتدارسونه بالليل ليتعلموا فأعدت نفوسهم بالقرآن إعداداً يواجه الحياة بسرائها وضرائها بيسرها وعسرها، في ثبات لم تتبدل نفوسهم بتبدل الأحوال ولم تتغير بتغير العوارض، يقول عتبة بن غوان وهو يخطب الناس في البصرة وكان أميراً عليها لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ مالنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فأخذت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فأتزرت بنصفها وسعد بنصفها فلم يصبح منا أحد إلا وأصبح أميراً على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا. هذا حالهم في العسر وهم رجال في جميع الأحوال لا تتغير نفوسهم بتغير الأحوال.
وبعد مرة أخرى فإن المسلمين لا يستطيعون في كل زمان ومكان أن يواجهوا قضايا عصرهم وزمانهم إلا بالقرآن، يعتصمون به في روابطهم ويقيمون أحكامه في حياتهم ويجاهدون به أعداءهم ويصلحون به دنياهم، ويستقبلون به آخرتهم ولقد اقتضت سنة الله في خلقه أن تكون هداية الله سبباً لنجاتهم ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ . ولقد أدرك جيل القرآن الأول منذ اللحظة الأولى أن أقوى العدة والعتاد في مواجهة أعدائهم أن ينتصر دين الله في نفوسهم، وأن يكونوا أهلا لنصر الله فإذا تخلف عنهم بحثوا في عيوب أنفسهم، وهم يعلمون أن الذنوب أخطر على المسلمين من العدو وعلى أنفسهم، ولقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ كتابا إلى سعد بن أبى وقاص لما أرسله إلى فتح فارس جاء فيه:
стр. 10967
أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة على الحرب. آمرك ومن معك من الأجناد أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عدونا ليس كعدوهم ولا عدتنا كعدتهم. فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإن لم ننتصر عليهم بفعلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منه، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله. ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بنى إسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألوه النصر على عدوكم. (الله أكبر.... الله أكبر) .
стр. 10968
تستطيع أن ترى في كل كلمة من هذه الكلمات قبساً من نظر القرآن أو هدي النبوة. إن ناسا شغلوا أنفسهم فأصلحوها، وفروا إلى الله موحدين جديرون أن يخاطبوا من قبل الله إكراما لهم ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ . إن العالم كله في حاجة إلى نور القرآن لتصان كرامة الإنسان الذي صار في عصرنا هذا أرخص شيء في دنيا الناس. العالم في حاجة إلى القرآن ليكون الحق والعدل أساساً في معاملة الإنسان للإنسان، ودراسة القرآن لم تتوقف ولن تتوقف أبداً بإذن الله لأنه يتلى ويكفي أن يتلى، ولكن الذي يتوقف أحياناً هو التطبيق وبه يتباين جيل عن جيل ويعز ناس ويذل آخرون، وجيلنا هذا قد انحسر عنه التطبيق في كثير من دياره إلى درجة لم يسبق لها نظير فانحدر المسلمون إلى درجة لم يسبق لها مثيل ولكن من رحمة الله بخلقه أن حفظ لهم الذكر كما حفظ لهم بفضله بيانه فجمع الأسباب التي صعدت بأسلافنا ورفعهم الله بها قائمة أمام الأجيال كلها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كتاب وسنة، فهل نستطيع أن نجعل دراستنا عملاً وتطبيقاً كما كان أسلافنا من قبل، أم نطمع من الدراسة بالشهادة والألقاب، وإن فعلنا ذلك كان القرآن حجة علينا فإن عملنا به مقتدين بالرسول ﷺ كان القرآن حجة لنا.
نسأل الله أن يجعله حجة لنا لا علينا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم،،،
نكون أسعد الخلق لو وصلنا إليه بعد ألفى عام
إن البشرية لتفخر بانتساب رجل كحمد- ﷺ إليها. إنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوروبيين أسعد الخلق لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي عام.
شبرل
عميد كلية الحقوق بجامعة فيينا
стр. 10969
التربية الإسلامية للشباب
للدكتور عبد الرحمن بله علي
الأستاذ المساعد بكلية اللغة العربية بالجامعة
لمحة لغوية:
الشباب جمع شاب، وقد تجمع على (شبان) كفارس وفرسان، وقد تجمع على (شببة) ككاتب وكتبة. جاء في السيرة: لما برز يوم بدر عتبة وشيبة والوليد برز لهم شببة من الأنصار، وقال ابن عمر ﵄: "كنت أنا وابن الزبير وشببة معنا". والمؤنث منه شابة وتجمع على (شواب) كدابة ودواب.
ومادة (ش ب ب) من باب (ضرب) تشير هي وجميع مشتقاتها إلى معنى القوة والفتوة والحداثة والجمال والنماء. فالشؤبوب هو الدفعة من المطر، وأول كل شيء وشدة دفعه، يطلق كذلك على شدة حرّ الشمس. وفرس مشب هائج متمرد عَصيّ القياد. والشباب بالكسر النشاط.
ومن معانيها الحداثة والابتداء تقول فعل فلان هذا الشيء في شبابه أي في أول عمره وحداثة سنه، وتقول: سافر فلان في شباب الشهر أي في أوله. وتقول: جئتك في شباب اليوم أي في أوله؛ ومنه التشبيب، وهو ما يذكر في أول القصيدة من ذكر النساء، وما يتصل بهن، ويدور حولهن؛ قالت أم معبد: "لما سمع حسان قولا لهاتف شبب بجارية"، أي أخذ يجاوبه من التشبيب وهو الابتداء بالكتب والأخذ فيها.
ومما تحمله المادة: الحسن والجمال تقول: شب الخِمار لون المرأة؛ أي زاد في بياضها وجمالها، لأن الضد يزيد في الضد، ويبدو ما خفي منه، لهذا قالوا: (وبضدها تتميز الأشياء) وقالوا (والضد يظهر حسنه الضد) ؛ ومنه قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين جيء له بجواهر ولآلىء: يشب بعضها بعضا. أي يزيد بعضها في جمال بعض.
من معانيها النماء والزيادة، تقول: شب فلان أي كبر وزاد حجمه ومنه قول جزيمة الأبرش: "شب عمرو عن الطوق"؛ أي نما جسمه وزاد حجمه، حيث الطوق لم يعد يمكن الدخول في عنقه.
стр. 10970
والإنسان إذا بلغ السادسة عشر من عمره يسمى (شابا) حتى سن الأربعين ثم هو كهل حتى سن الستين، ومن ثم يسمى (هرما) حتى يموت. وهذه الحدود ليست موضع اتفاق ولا هي حدود بارزة كحدود الحجرات، في المنزل ولكنها حدود وهمية كخطوط العرض والطول. ومن ثم فقد نرجع بالحديث عن الشباب إلى ما قبل مرحلة الشباب لما بين هذه المراحل من تداخل واضح وارتباط وثيق
سر الاهتمام بالشباب:
يمثل الشباب من حيث الكم ٦٠% من مجموع الأمة. ومن حيث الكيف يمثل قلب الأمة النابض وقوتها الدافعة ودرعها الواقي.. هم بُدورها إذا أظلم ليلُها، وهم سيوفُها إذا جَلَّ خطبها.. هم كنزها المدخر، ورصيدها المعتبر.. ومستودع آمالها، وموضع ثقتها ورجائها.
إذا نظرت بعين الحقيقة إلى فترة الشباب، وجدتها فترة التأثير والتأثر، والعطاء والبذل، لأننا ونحن نعد الشباب نستثمر مواهبه، ونفجر طاقاته ونستغلها في البناء والتعمير، ودفع العدو المغير، هي فترة الحاجة الماسة إلى التوجيه والترشيد والتبصير والعناية والرعاية.. هي فترة وضع حجر الأساس، وكلما كان الأساس متينا كان البناء قويا شامخ الذرى، وكلما كان الأساس ضعيفا كان البناء هشًا سرعان ما يتحطم وينهار عند أول هبة ريح أو رشة مطر.
стр. 10971
إذن هي فترة لها ما بعدها، ومرحلة لها أثرها الخطير في المستقبل: سلبا أو إيجابا. صلاحا أو فسادا، سموا أو هبوطا فلا غرو إن وجدنا رسولنا الكريم ﵊ يوجه بحسن استغلال هذه الفترة فيقول: "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك" كما نجده يوجه الشباب إلى كل ما يحفظ عليهم صحتهم، ويستبقى قوتهم، ويصون أخلاقهم فيقول: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة -المقدرة على الزواج والقيام بواجباته الحسية والمعنوية- فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". . أي وقاية من الوقوع في الفاحشة والآثام -إنما خص الشباب بوصيته الغالية لحاجتهم إليها بحكم نوازعهم الفطرية والشباب في هذه السن الباكرة يكونون أصلح للتربية والتوجيه، وأسمع للنصح والترشيد. فإذا وجدوا من يأخذ بأيديهم اتبعوه، وعملوا بأمره.
من هنا كان السر في إقبالنا على الشباب، وعنايتنا به ورعايتنا له حتى يمضى إلى غايته الكبرى وهدفه الأسمى مصونا من الانحراف الفكري والتدهور الخلقي والضعف العقلي. أما إذا تركناه هملا بلا رعاية، وسدى بلا ولاية فلسوف يتضعضع كيانه ويضمر بذله وعطاؤه، ويستشرى خطره وفساده فيصبح نقمة بعد أن كان نعمة، ومحنة بعد أن كان منحة، وبلاء بعد أن كان نفحة وعطاء.
стр. 10972
إن شبابنا اليوم يواجه هجمة استعمارية فكرية شرسة تحاول زعزعة إيمانه وزحزحة أقدامه، وضعضعة كيانه، فلا بد من تسليحه بالسلاح الذي يصيب مقاتلها. إن أعداءنا لما عجزوا من غزونا عسكريا لجأوا إلى غزونا فكريا. وبتعبئة الأمة وتجنيد طاقاتها وإعداد شبابها سيؤول أمر الغزو الفكري مآل الغزو العسكري: هزيمة نكراء وفشلا ذريعا. إذا شيدوا للشباب المراقص شيدنا له المساجد، وإن أقاموا له الحفلات الغنائية أقمنا له الكتائب الليلية، ليكونوا رهبانا بالليل وفرسانا بالنهار، لينشدوا أراجيز الحرب والقوة بدل التغني بفنون اللذة....ليحرصوا على الموت أكثر من حرصهم على الحياة وحبهم لها.. ليقتلوا أعداءهم بدل قتلهم أوقاتهم.. وهكذا نواجه مكر أعدائنا بمكر أدهى، وهجماتهم بدفاع أعتى حماية لشبابنا، وصونا لعقيدتهم وحقيقتهم....
لماذا نعد الشباب؟
السؤال الذي يطرح نفسه أمامنا ما هي الأهداف التي من أجلها نهتم بتربية الشباب وإعداده؟ هل نُعدّ الشباب ليكون -صالحا في نفسه غير مصلح لغيره؟ هل نعدّ الشباب ليكون مهتما بأمره هو، لا بأمر غيرها؟ هل نُعِدّ الشباب ليتمثل فيه الدين ثقافة وعلما؟ هل نربي الشباب ليؤدى شعائر الإسلام من صلاة وصوم وحج وزكاة؟ هل نربي الشباب ليكف بصره، ويصون فرجه ويحفظ جوارحه ويرسل لحيته وكفى!؟
стр. 10973
الواقع أن السؤال الواحد تفرعت عنه أسئلة، ولكنها نشأت عنه وارتبطت به كارتباط الفروع بالشجرة. ونجد المفكرين ورجال الإصلاح يجيبون على هذه الأسئلة إجابات كافية شافية، فهم يرون أن المرمَى من إعداد الشباب أن يكون هو في ذاته صالحا، لأن الفاسد لا يصلح غيره. ثم يقوم بمهمة التغيير والتحويل والتبديل ... نعدُّه ليكون ثورة الحق على الباطل، وحملة الإيمان على الإلحاد، وكتيبة الصدام في وجه الأعداء ... نعدُّه ليصون دينه وطنه من خطر المذاهب الهدامة والأفكار الملحدة المنحلة.. نعدُّه ليكافح بحزم لا هوادة فيه البدع والخرافات وأنواع الضلالات.. نعدُّه ليخرج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، نعدُّه ليمسح بيده الحانية القوية آلام أمته وآلام الإنسانية، ويوفر للحياة جوا من الطهر والأمن والسعادة. نعدُّه ليمزق بسيف الحق جيوش الباطل، ويبدد بنور العلم ظلام الجهل.. نعدُّه ليقود أمته بقوة العزيمة وشدة الشكيمة إلى حيث يضعها في مكانها اللائق بها تحت الشمس.. نعدُّ في الشباب سواعده لتحمل راية الإسلام ودعوته، نعدُّ عقوله لتحمل فكر الإسلام وثقافته.. نعدُّ أرواحه لتحمل هدي الأسلم وصفاءه وشفافيته.
وإن الشباب لقادرون على كل ذلك -إن شاء الله تعالى- إذا وجدوا العناية الفائقة، والتوجيه السديد، والمتابعة الدقيقة التي تراقب خطوهم، وتزيل العقبات من دروبهم. ونحن نرى كيف أن المذاهب المختلفة تتلقف الشباب، وتحتضنهم بالجماعات، وتعدُّهم إعدادا، ليقوموا بمهمة الدعوة إليها والذود عنها، وهي في سبيل ذلك ترسم الخطط المحكمة، وتجند الطاقات الهائلة، وتنفق الأموال الطائلة، لتضمن بقاءها على أيد قوية، وعزائم ماضية فتية. وعلى الشباب أن يدركوا هذه الحقيقة، ويعوا تلك الغاية البعيدة المدى، وتكون همهم الملازم ينامون به، ويقومون به ويمشون به بين الناس، عاقدين عليه قلوبهم، حانين فوقه ضلوعهم:
стр. 10974
قد رشحوك لأمر لو فطنتَ له
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
الشباب عنوان الأمة:
إذا أردت أن تعرف ماهية الأمة وحقيقة أمرها، فلا تسأل عن ذهبها ونشبها وبترولها ورصيدها المالي، ولكن انظر إلى شبابها، فإن رأيته شبابا متدينا متمسكا بقيمه الأصيلة منشغلا بمعالي الأمور، قابضا بأذيال الكمال وأهداب الفضائل -فاعلم أنها أمة جليلة الشأن، رفيعةُ القدر والجاه، قوية البناء، مرفوعة العلم لا ينال منها عدو، ولا يطمع فيها قوى.
وإذا رأيت شباب الأمة هابط الخلق والقيم، منشغلا بسفاسف الأمور، يتساقط على الرذائل كما يتساقط الذباب على جيف الفلاة -فاعلم أنها أمة ضعيفة البناء مفككة الأوصال هشة الإرادة، سرعان ما تنهار أمام عدوها، فيستلب خيراتها، ويحقر مقدساتها، ويهين كرامتها، ويشوه تاريخها وثقافتها.
وتلك حقيقة جلية لا يزيدها تعاقب الزمن إلا رسوخا ووضوحا، لأنها جاءت نتيجة لتجارب الأمم وحوادث التاريخ وسنن الكون.. إن الشباب هو عنوان الأمة والمتحدث بلسان حالها، والمترجم عن مصيرها ومآلها -تستطيع الأمة بشبابها -بعون الله- حماية دينها وأرضها واستخراج كنوزها، وتطويع مواردها، واستغلال خيراتها.. إلا أن ذلك مرهون بتربيته، والعناية به وصيانته من كل خطر يهدد خلقه وعقيدته.. ذلك مرهون بتمكن الإيمان في قلبه وبين جنبيه.. ذلك مرهون بتنمية روحه وضميره وعزمه وفكره تلك هي التنمية المطلوبة، والتي ينبغي أن نهتم بها أكثر من غيرها كتنمية الموارد الطبيعية، لأن الأخيرة هذه إنما تدار من أجل الإنسان فهو إذن قطب الرحى، فالاعتناء به ينبغي أن يكون في مقدمة ما نعتني به، وفرق بين تنمية تدفع إليها الحاجة، وتنمية يسار إليها مع الحاجة.
стр. 10975
لعلنا على اتفاق أن حاجتنا الملحة هي تنمية شبابنا ليكون عنوان الأمة والناطق بلسانها والذائد عن حياضها. إذا وجدت غريقا جائعا يستغيث من الغرق والجوع فإن منطق العقل والحكمة والحاجة يقتضي أن تنقذه أولا ثم تذهب فتبحث له عن طعام، وإن أنت تصرفت على غير هذا النحو تكون قد جافيت الصواب، وأخطأت التصرف.
ماذا نقول عنك لو أنك تركته لأمواج البحر تبتلعه، وذهبت تبحث له عن طعام؟
وإنها لتنمية تعلو في درج المشقة، درجات، وتمضى في مشوار الصعوبة أشواطا، وتتقدم على التنمية المادية بمسافة شاسعة، إذ ليس بناء النفس كتشييد العمارات، ولا تعمير الأرواح كتأسيس المصارف، الأمر إذًا يحتاج منا إلى منهج رشيد وجهد مكثف يقرب البعيد، ويسهل الصعب ويجعل القول عملا والخيال واقعا.
ونحن لا نقلل من أهمية التنمية المادية المتمثلة في النهوض بالناحية الاقتصادية والزراعية وغيرهما، ولكن الذي نعيبه هو الانشغال بها عن التنمية الروحية والتربية الدينية.. فهلا سارت التنميتان معا كركبتي بعير، أو كفرسي رهان، إن لم تتقدم الثانية على الأولى.
مظاهر الاهتمام بالشباب:
لم يبدأ اعتناء الإسلام بالشباب عند بلوغهم سنَّ الشباب، بل اعتنى بهم وهم نطف في أصلاب آبائهم وترائب أمهاتهم وذلك حين دعا إلى:
١ـ اختيار الزوجة والتحري من كرم أصلها وطيب منبتها؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يبذر بذرا اختار له الأرض الصالحة بغية أن يخرج نباته بإذن ربه، والأمر بالنسبة للزوجة أجل خطابا وأعظم هولاً، لأنه إنتاج بشري وذاك إنتاج زراعي، وفرق شاسع بين إنتاج وإنتاج، فلا عجب إن دعا الإسلام إلى التدقيق في اختيار الزوجة والنظر إليها والوقوف على أخلاقها ودينها حتى يكمل الانسجام، وتزداد المحبة، وصولا إلى عش الزوجية الهادئ الذي يستقبل الأبناء في عطف وحنان فيترعرعون في ظله؛ ليقدمهم إلى المجتمع رجالا أصلاء ونساء عريقات.
стр. 10976
٢ـ من آداب المعاشرة الزوجية أن يسمى الرجل الله تعالى، ويأمر زوجته بها اتباعا للسنة وعملا بقوله ﷺ : "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدا "وهكذا يدعو الأبوان لابنهما قبل أن يولد بل قبل تكوينه.. حتى إذا جاء إلى الحياة نشأ نشأة رحمانية بعيدة عن غواية الشيطان ومكائده.
٣ـ حينما يولد المولود نؤذن في أذنه اليمنى، ونحنكه بمضغ تمرة ووضعها في فيه، وندعو له بالبركة، ثم نعقّ له في اليوم السابع، ونختار له اسما حسنا، وهذه كلها معان خيرة تتعاون على رسم بداية طيبة لحياة قادمة مليئة بالكرامة والخير والاستقامة والسعادة.
٤ـ حفظا لفطرة المولود من أي شيء يغيرها، ويعكر صفوها نهى رسول الله ﷺ من استرضاع المرأة الحمقاء حتى لا يتعدى حمقها إلى الطفل متسربا إلى نفسه الذكية مع لبنها، فيلوثها بما يشوه جمالها، ويغير طبيعتها.
٥ـ أمر الرسول ﵊ أن يطعم الطفل، ويغذى من حلال؛ لأن الذي ينبت لحمه من حلال ينشأ وهو يحب الحلال -كما أن الذي ينبت لحمه من حرام ينشأ وهو يحب الحرام، ولا يخفى ما في هذه المسألة من خير كثير في شقها الأول، ومن شر مستطير في شقها الثاني.
٦ـ إذا بلغ الأطفال السابعة من أعمارهم أمرناهم بالصلاة فإن داوموا عليها فبها ونعمت، وإلا ضربناهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقنا بينهم في المضاجع حتى لا يلتفتوا إلى أشياء جنسية، في وقت مبكر، هم لم يتأهلوا لها عقليا فتؤثر في أخلاقهم وتنحرف بسلوكهم. ومن حكمة الله ورحمته بخلقه أن الإنسان لا يبلغ الحلُمَ إلا في مرحلة متأخرة يكون فيها عقله قد نما وأصبح يدرك الأمور ويتحكم لحد ما في رغبته، وكبح جماح شهوته.
стр. 10977
٧ـ يزود الإسلام الشباب في وقت مبكر بثقافة جنسية تتناسب مع سنه وتصلح أساسا لثقافة جنسية كاملة، فنحن نعلمه الصلاة نعرفه بآداب قضاء الحاجة، ونواقض الوضوء.. وهكذا. والثقافة الجنسية لازمةٌ للأولاد؛ لأنها ترشد سلوكهم، وتضبط نوازعهم، وتصون خطاهم من الانحراف.
إشادة وتكريم:
إنَّ الشباب إذا أخلص انتماءه لدينه تمسكا به ودعوة إليه وجهادا في سبيله، استحق أن يحلى صدره بأوسمة المجد والفخار.. قال تعالى إشادة بأهل الكهف الذين فروا بدينهم، وآووا إلى كهف حفاظا على عقيدتهم، وتعرضا لرحمة ربهم قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ، فسجل موقفهم قرآنا عربيا يتعبد بتلاوته، وقال تنويها بموقف إبراهيم ﵇ الذي وقف يصيح بكلمة التوحيد في وجوه قومه الذين عبدوا الأصنام، وأمام صيحته القوية العالية، انخلعت قلوب القوم، وخابت وخسرت أصنامهم.. قال سبحانه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ورسولنا الأعظم يثنى على الشباب المتدين الناشئ في طاعة ربه، ويجعله مع الحكام العادلين والأخوة المتحابين والأغنياء المتصدقي، ن وبقية السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.
كما نجده ﵊ يسند إلى الشباب أرفع المناصب وأخطر المسئوليات فيسند إلى علي ﵁ وكان في ريعان الشباب وميعة الصبا -أن ينام على فراشه ليلة تسور عليه سبعون فتى من فتيان قريش ينتظرون (ساعة الصفر) ليميلوا على رسول الله ميلة رجل واحد- أمره أن ينام على فراشه ليعمى عليهم أمرهم وأحسن التخلص ﵊ حيث كانت بداية الهجرة النبوية المباركة. أما علي رضى الله عنه فقد قال فيما بعد عن نومه في فراش النبي ﷺ : "والله ما نمت ليلة أهدأ من تلك الليلة".
стр. 10978
ويُسنِد ﵊ مهمةَ الدعوة في المدينة إلى مصعب بن عمير وكان شابا في مقتبل العمر- فقام بواجبه على خير وجه، وبلغ من التوفيق والنجاح أن أهل المدينة يكادون يكونون قد اسلموا جميعا على يديه. وفي غزوة (أحد) نجده ﵊ يرجح رأي الشباب على رأى الشيوخ فيخرج لمواجهة العدو خارج المدينة، كما وكل قيادة الجيش الذاهب إلى الشام إلى أسامة بن زيد - وكان في العقد الثاني من عمره، وفي الجيش كبار الصحابة ... وهكذا كان ﵊ يعد الشباب جنوداً مجاهدين وعمالا حركيين، ويكل إليهم من المسئوليات أخطرها ومن المناصب أعلاها وأرفعها.
وقد سار على قدمه ومضى على سنته سلف الأمة في إعدادهم الشباب وثقتهم فيه وتقليدهم المهام الجسام؛ فهذا أبو بكر ﵁ ينادى (زيد بن ثابت) ﵁، ويعهد إليه بجمع القرآن الكريم بعد أن أثنى على أخلاقه وأنه شاب مستقيم، الأمر الذي أهله ليرأس المجموعة الخيرة التي نهضت بذلك العمل الفخم الجليل.
كان ذلك في ماضي الأمة الناضر الزاهر فينبغي لها في حاضرها أن تهتم بأمر الشباب حضًّا لهم على التمسك بأهداب الدين والخلق المتين مع إزالة كل عقبة تقف في سبيل إعدادهم، ولعله من الأفضل أن تسند إليهم بعض المناصب والمسئوليات مع إعطائهم الصلاحيات التي تجعلهم يتحركون في حرية واختيار، فإن في ذلك إعداداً لهم، وتنمية لملكاتهم، وتفجيرا للكامن من طاقاتهما مع إتاحة الفرصة لهم للالتقاء بالشيوخ، والاستفادة من خبرتهم، والاقتباس من تجاربهم حتى تلتحم قوة الشباب مع حكمة الشيوخ فيثمران رشادا في الرأي وصلاحا في العمل، وإلا جاءت الأمور كما قال حكيم الشعراء:
إن الأمور إذا الأحداث دبَّرها
دون الشيوخ ترى في بعضها خللا
الشباب والتقليد:
стр. 10979
يقول علماء الاجتماع: "الإنسان مدني بطبعه"أي أنه لا يذوق للحياة طعما إلا إذا عاش بين جماعة، ومادامت هناك جماعة فلابد من أن يؤثر بعضهم في بعض، ويقلد بعضهم بعضا؛ لأن التقليد وسيلة من وسائل التعليم ونقل الخبرات، خاصة لمن هم في ريعان الشباب ومقتبل العمر، والواقع أن التقنية الحديثة وسرعة المواصلات جعلت العالم كله أسرة واحدة مرتبط بعضها ببعض ارتباطا عضويا.
وليس في هذا ضرر بل فيه منفعة، ولكن الضرر يكمن في أن يتحول التقارب إلى امتزاج، والالتصاق إلى ذوبان يفقد الناس معه أصالتهم وذاتيتهم وتراثهم. إننا لا نمانع أن تهب علينا رياح الثقافات، ولكن لا نرضى أن تصبح الرياح ريحا تقتلع شجرة ثقافتنا.
وإنك لتجد كثيرا من شبابنا اليوم يتخلى عن عاداتنا السمحة وتقاليدنا الأصيلة منصرفا إلى تقليد الغربيين في شتى مناحي الحياة، ولم يقفوا عند حد التقليد بل ذهبوا إلى الدعوة إليها والمناداة عليها باعتبار أن كل ما يأتي من الغرب حق كله والأخذ به تقدمية، والانصراف عنه تأخر ورجعية.
стр. 10980
وإحقاقا للحق واعترافا به أن ما يأتي من الغرب ليس شرا كله، بل هناك جوانب مشرقة وخيرية، فيجب علينا أن نقف ونتبين ونميز، ولا نكون أمامها (كحاطب ليل) ، فما وافق ديننا وأخلاقنا أخذناه (خذ الحكمة من أي وعاء خرجت) وما خالف ديننا نبذناه نبذ النواة. ولكن شبابنا -هداهم الله- قلدوا أهل الغرب في الجوانب المظلمة وتركوا المشرقة فمثلهم -كما قال الشيخ محمد الغزالي حفظه الله- مثل رجل مسلول- مصاب بذات الرئة - رأى عملاقا- فارع الطول مفتول العضل ولكنه يشرب الدخان- فلم تعجبه هذه العملقة بقدر ما أعجبه شرب الدخان فقلده فيه ليجلب على نفسه الضعف والهلاك. ولعل التربية الإسلامية كفيلة بتبصير شبابنا بمساوئ الحضارة الغربية حتى لا يغتروا بزخارفها الخادعة، وأشكالها الفارغة من المحتوى والكيان، وفي الوقت نفسه تحضهم على التمسك بأخلاقنا الإسلامية العظيمة وعاداتنا الوطنية الأصيلة محافظة على تراثنا واعتزازا به، وإن في تمسكهم به غنى لهم عن غيره، وتحصينا لهم من ضرره، وعاصما لهم من الانحراف الفكري والانحطاط الخلقي. كما تبين لهم الأثر الكبير- للحضارة الإسلامية في تقدم أوربا، وأن نهضة الغرب الحالية إنما كانت بدفع قوى من يدي الإسلام، وأنه لولا جهود المسلمين لتأخرت نهضة أوربا بضعة قرون، وأن مؤلفات ابن سينا وغيره من علماء المسلمين كانت تدرس في جامعات أوربا حتى القرن الثامن عشر الميلادي.
وأن العلماء المسلمين كانوا أساتذة أوربا في جميع فروع المعرفة، وأن الغربيين مدينون لهم في الحقل العلمي. وقد اعترف علماء أوربا بهذا الفضل للمسلمين- والفضل ما شهدت به الأعداء.
والواقع أننا لسنا في حاجة لشهادتهم لنا، ولكن نذكرها لما رأينا قومنا يجهلون ما علمه غيرهم وينكرون ما اعترف به سواهم، ليقبلوا عليه وينشغلوا به، ويضيفوا إليه كل ما يعلى أسواره ويغيظ غرامه وحساده.
واجب الآباء:
стр. 10981
الأبناء نعمة وشكرها يكون بحسن الرعاية لها، وكمال الإشراف عليها من جانب الأب والأم؛ ليتم التعاون بين المدرسة والبيت على التربية القويمة والتوجيه السليم والمتابعة الدقيقة.
وتطلعا للنتائج العظيمة وتفاديا للعواقب الوخيمة، أذكر بعض التوجيهات راجيا النظر فيها والعمل بها:
١ـ الاهتمام بالتربية الإيمانية، وذلك بتعميق الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر في نفس الابن وغرس العقيدة السليمة، في أعماقه لتكون مصدرا للسلوك الشريف والمعاملة الصادقة، فالعقيدة هي سفينة النجاة وصمام الأمان، وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ أوصى ابن عمه عبد الله بن عباس ﵄ وكان يركب خلفه على دابة فقال له: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك ..."الحديث. ومما يقوي العقيدة ويعمق جذورها الصلاة على وقتها وفي جماعة، وتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، وقراءة السيرة النبوية وسير الصحابة الأجلاء والسلف الصالح. ولابد من متابعته حتى لا ينحرف بها عن الجادة أو يخلطها بشيء من البدع والخرافات.
٢ـ تقديم النصيحة الخالصة، والمعرفة الصحيحة على حسب نموه العقلي، لتقع موقعها من الحاجة فتثمر ثمارها، وتحدث أثارها، تنمية ملكات واتساع مدارك واستقامة سلوك. ولا يكفي أن نلقي إليه بذلك وكفى، ولكن لابد من المتابعة والوقوف على أثر هذه الجرعات في تكوينه الفكري وسلوكه الفعلي.. وهكذا نراقبه مراقبة الطبيب مريضه حتى تذهب العلة، وتحل العافية، أو مراقبة الزارع حرثه حتى يستغلظ ويستوي على سوقه ويدلي بثماره.
стр. 10982
٣ـ التأكد من صلاح الصحبة التي يلتقي بها، ويخرج معها؛ لأن الشاب سريع التأثر بأصحابه شديد الرغبة في أن ينسجم معهم ولا يشذَّ عنهم، فإن كانوا أخيارا انسجم مع أخيار، وتَطبَّع بطباعهم وتخلق بأخلاقهم، وإن كانوا أشرارا فالأمر واضح، والنتيجة أوضح ومن الحكم النبوية البالغة قوله ﷺ : عن أبي موسى الأشعري رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا منتنة "متفق عليه، أما أن يترك للشاب الحبل على الغارب يخرج متى شاء، ومع من شاء بلا رقابة من أب أو أم أو ولي فليس هذا من حسن التربية وتقدير المسئولية ورعاية الأمانة.
٤ـ تنظيم أوقات الأبناء وبرمجةُ استذكارهم مع إشعارهم بقيمة الوقت وأنه هو الحياة، وأن فواته من غير منفعة أشق من فوات الروح، بهذا يحرصون على أوقاتهم حرص الشحيح على المال والجبان على الروح فيستثمرونه على وجه نافع. ومن المعلوم تربويًا أنه لا بد من وقت للترفيه والتسلية البريئة؛ لأن سير الأمور على وتيرة واحدة - مجلبة للسآمة والضجر والملل، والقلوب إذا كَلَّتْ عميت، وسويعةُ ترفيه تجدد النشاط وتقوى العزيمة، وتفتح نوافذ البصيرة. أما وسائل الترفيه البريء فأنت أعرف بها، وأقدر عليها.
стр. 10983
٥ـ أن نكون قدوة صالحة لأبنائنا، لأنهم يقلدون الآباء، ويتشبهون بهم، وينشأون على ما عودوهم عليه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وأكثر ما تقع أعينهم على آبائهم، فتنطبع صورهم على شاشة فطرتهم، فلنحرص على أن تكون تلك الصور مرسومةً بمداد الاستقامة، لابسة ثياب التقوى. وهم إنما يتأثرون بما يشاهدون أكثر من تأثرهم بما يسمعون، إذ الدلالة الفعلية أقوى أثرا من الدلالة القولية، وإذا اجتمعت الدلالتان فعلتا في النفس فعل السحر، وجذبتا القلب بأسلس عنان:
وينشأ ناشىء الفتيان منا
على ما كان عوّده أبوه
العلماء والشباب:
إن هناك خطراً مريعاً يتهدد شبابنا، وحتى ننبهه إلى هذا الخطر ليأخذ حذره، ويتفادى الوقوع فيه، لابد من دق ناقور الخطر. والسؤال من الذي يدقه؟ والجواب: العلماء فعليهم يقع عبء المسئولية، وواجب الإنقاذ، وإن لم يكن هم فمن؟
العلماء هم الأساة الذين يشخصون الداء، ويعطون جرعات الدواء ويراقبون العلة حتى تذهب، وتحل مكانها الصحة والعافية. وكل مرض ترك وشأنه فتك بالمريض، وأهلكه، فليس هناك مناص من أن يقوم العلماء بواجبهم، ويؤدوه على وجه يرضى ربهم وضمائرهم، ويحفظ شباب الأمة، وإلاّ فهم مسئولون أمام التاريخ، فضلاً عن المسئولية الكبرى أمام الله الذي أخذ الميثاق وأكد العهد على العلماء في كل ملة أن يبينوا الحق، ولا يكتموه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَه ...﴾ ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٥٩- ١٦٠] .
стр. 10984
ولله در الشيخ عبد الله بن أحمد قادري إذ يقول متحدثا عن واجب العلماء تجاه الشباب:
يا علماء الأمة
شبابكم في ظلمة
قد حاد عن إسلامه
وغاص في آثامه
وصار جل همته
إشباعه لشهوته
وقاده الأعادي
للكفر والإلحاد
حتى غدا مناصرا
لمن يكفر جاهرا
ففقد الشخصية
والنبل والحمية
وأنتم في غفلة
يا علماء الأمة
ما بكم لم تنهضوا
وكسلا لم ترفضوا
من غَيرَكمُ للجيل
يهديه للسبيل
أليس في القرآن
والسنن الحسان
قد جاءنا وعيد
مغلظ شديد
لكل ذي كتمان
وتارك البيان
فانتهوا يا علماء
لخطر قد دهما
وكل مالا يحسن
فللشباب بينوا [١]
فعلى العلماء أن يلتقوا على أمر الله تعالى وتلتحم صفوفهم، وينطلقوا في دروب الجهاد والإصلاح، ينازلون الباطل بخطة محكمة وطاقات مجندة، وعزائم لا تعرف الضعف ولا الفتور، وصولاً إلى الانقلاب الإسلامي المنشود، وظفراً بالغاية المخطط لها والمتفق عليها، وهما تحقيق أمر الله ﷻ واقعا يعاش، ومنهجا يتبع، وسلوكا يمارسا وقانونا يحكم، ودولة تسهر على حمايته، وتسعى جادة لنشره بين البشر، وبهذا نوفر الجو الصالح لشبابنا لينمو نموا كاملا، يرمي إلى الناس بالخيرات المباركات والثمار اليانعات. ذلكم واجب العلماء الذي لا يجوز لهم التغافل عنه، أو التهاون فيه وإنما واجب الساعة، الإقبال عليه، والقيام به، قياما لا جلوس بعده وسيرًا لا جلوس عقبه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] جوهرة الإسلام: ٤٤.
стр. 10985
خصائص ومقومات: الاقتصاد الإسلامي
للشيخ محمد إبراهيم برناوي
مدرس بدار الحديث المدنية
الاقتصاد كما يبدو لنا في بعض معانيه أو جلّها:- هو الاعتدال الذي لا إفراط فيه ولا تفّريط، الاعتدال في الدخول والإنتاج، والمنصرفات، لضمان بقاء الحياة الاقتصادية في جو معتدل بعيدا عن التدهور والكساد ـ والاقتصاديون يحاولون حل المشاكل الجماعية والفردية وفق المنهج الاقتصادي العادل الذي لا ظلم فيه لأحد على حساب آخر.
والمتأمل في النظريات الاقتصادية السائدة ـ اليوم ـ يراها تقوم على أصل مضاعفة الإنتاج الذي يعتبره رجال الاجتماع والاقتصاد الحل الوحيد للمشكلات الاقتصادية، فهذا الحل في الواقع وجيه وسليم لولا ما في ذلك من إنكار ذات الفرد في المجتمع وإنكار ملكيته وتحديد الدخل القومي للمجتمع بأسره باسم القضاء على الطبقات لتحل محل ذلك المساواة -المزعومة- ... كي تصبح السلطة في يد الدولة ـ الحاكمة ـ فيتجرع مرارة ذلك الحرمان الشعب المغلوب على أمره ... وقد وضع الاقتصاديون لذلك خطة عنيفة تمشيا مع التفسير المادي للتاريخ الذي يرون فيه أنه نتيجة للصراع الطبقي على هذه البسيطة.
وأسلوب الخطة يتلخص عندهم فيما يأتي: ـ
١- التحليل المادي للتاريخ: فيزعمون أن التطور المادي في مكان ما هو وحده الذي يفرض نظام المجتمع الواجب الاتباعِ.
٢-إنكار كيان الفرد، ومحاربة الحوافز الفردية ووجوب تغيير نظام المجتمع القائم على هذا الأساس ...
٣- حتمية الصراع الطبقي من أجل تغيير المجتمع، وإلغاء الملكية الفردية لجميع وسائل الإنتاج فيه.
стр. 10986
٤- إلغاء الدولة عندما يصبح الناس فيها اشتراكيين ويتضمن هذا القضاء على الطبقات- هذه أفكار المذاهب التجريبية عند الشيوعيين والاشتراكيين ... وتلك هي الفلسفة المادية التي جعلت المجتمع الذي يرزح تحت سيطرتها طبقة واحدة من الفقراء والبؤساء، فلا هي تركت الفقير يعالج مشكلاته الاقتصادية على أساس من حرية الكدح والاكتساب المشروع لتنمية وتغطية احتياجاته الاقتصادية في هذا الصدد، ولا هي تركت الغني يعيش في مستواه الطبيعي ويستثمر مدخولاته لتنمية مورده الاقتصادي في هذا المجال.
الاقتصاد في نظام الاشتراكية:-
يؤسس الاقتصاديون النظام الاشتراكي على أساس التفسير المادي للتاريخ ... فهم يفسرون الصراع الطبقي في الحياة بأنه نتيجة للحالة الاقتصادية لدى الأفراد والجماعات التي يحتاجها الإنسان، وضربوا لذلك مثلا بتأمين المأكل، والمشرب، والمسكن، والجنس ... فإذا اشترك الناس جميعا في هذه الأمور فقد تمت المساواة بينهم، ولا محل للصراع والشقاء في نظرهم ...
ومن ثم قرروا ما يلي:
١- إنكار كيان الفرد في المجتمع ومحاربة الحوافز فيه، ضرورة تغيير نظام المجتمع.
٢- إلغاء الملكية الفردية لجميع وسائل الإنتاج.
ومعلوم أن إلغاء الملكيةَ الفرديةَ وهدم كيان الفرد وقتل الحوافز لدى الأفراد والجماعات يؤدي إلى تدهور الحالة الاقتصادية لديهم، حتى تصبح السلطة الرئيسية للدولة، وبالتالي تكون هي المسيطرة على الحالة الاقتصادية في البلاد بزعم المساواة في الطبقات وما ذهبوا إليه لحل المشاكل الاقتصادية التي اصطنعوها ويودون حلها بهذه الفكرة، إنما هي في الحقيقة عمل مضاد للمنهج الإلهي العادل وكذلك للسنن الكونية، والفطرة الإنسانية السليمة.
المنهج الإسلامي:
стр. 10987
في الظروف الحرجة التي تضل فيها البشرية الطريق السوي لتنظيم حياتها وحلّ مشكلاتها في شتى نواحي الحياة، وحينما يعجز المفكرون عن وضع الحلول المناسبة لإنقاذ الإنسانية عامة، ويصلون بتجاربهم وفلسفاتهم ونظرياتهم المادية إلى طريق مسدود. يقف الإسلام دائما لإنقاذ البشرية من حمأة المادة وويلاتها، ويصف لها العلاج الناجع في هذا الصدد؛ لأنه المنهج الصالح لكل زمان ومكان، وهو بحق الكفيل بتنظيم حياة الإنسان خاصها وعامها في شتى النواحي الاقتصادية الفردية والجماعية، لأنه المنهج الرباني العادل الذي لا ظلم فيه ولا حيف، بعكس النظم الوضعية النفعية التي تظلم فريقا لتحقيق رغبات فريق آخر. وهذا مشاهد في الأنظمة الشيوعية والاشتراكية.
أما الإسلام فهو نظام مستقل إذ يقدر للعاملين نتيجة عملهم وكسبهم المشروع في الحياة، ويحقق مصلحة الفرد والجماعة، بل ويحثهم على السعي كما في قوله جل وعلا في سورة الجمعة ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ والشاهد في هذه الآية هو الانتشار في الأرض ابتغاء فضل الله، وكذلك كما في قوله تعالى في سورة الملك ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ فالإسلام يحث المسلم على الكدح في ميادين الحياة الفسيحة. مع مراعاة الطهر والنزاهة، وعطاء إخوانه السائلين والمحرومين حقهم المعلوم، فتطيب نفوسهم وتنتزع منهم الأحقاد.
стр. 10988
إن الإسلام يعلم المسلم أن المال في الحقيقة هو مال الله، والله ﵎ هو الذي استخلفه فيه، والسائل والمحروم إذا لم يُعط حقه في هذا المال يمتلئ قلبه حقدا وحسدا على الغني الذي منعه حقها، أما إذا أدى الأغنياء حقوق الله فيه؛ شعر الفقراء أنهم أخوة لهم، وبهذا يعيش المجتمع المسلم حياة كلها وئام وصفاء لا ترف فيها الأنانية أو النفعية الخاصة، التي لا تعرف الرحمة، ولا تعرف حق الإنسان- نحو الإنسان الذي يدعو إليه دعاة (حقوق الإنسان) الذين أكلوا حقوق الإنسانية كلها تحت هذا الستار.
مرة أخرى نقول إن نظام الإسلام الاقتصادي أفسح المجال للعاملين والكادحين لمضاعفة- الإنتاج في شتى النواحي الاقتصادية والزراعية والصناعية والتجارية على السواء وأتاح الفرصة- أيضا لتسخير جميع القوى الإنسانية الفردية منها والجماعية والآلية على طول الخط شريطة ألا تضر بالمصالح العامة على حساب المصالح الخاصة كما أن استثمار الأموال يجب أن يبعد عن الطرق غير المشروعة كالقروض الربوية طويلة المدى والقصيرة المدى وما شابه ذلك من احتكار وغش وتدليس، تلك هي بعض الأسس التي يقوم عليها النظام الإسلامي لتنظيم حياة البشرية في شتى مجالات الحياة، ولن تصل الإنسانية كافة إلى ما تصبو إليه من سعادة وطمأنينة واستقرار، وتحقق معنى الخلافة في الأرض إلا إذا طبقت منهج الله العادلة.
خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي
قلنا إن النظريات الاقتصادية الغربية هي نتيجة- الصرع الطبقي التي دعت الإنسان لحب التملك والاستعلاء كما يزعمون ...
стр. 10989
لكنا نحاول بيان مقومات وخصائص الاقتصاد الإسلامي بعد أن عرفنا موطن الداء في النظريات الاقتصادية- السلبية- التي تتنافى مع فطرة الإنسان ومع المصلحة الجماعية في آنٍ واحد، فضلا عن منافاتها للسنن الكونية. فمنهج الإسلام كما يبدو واضحا وواسعا وشاملا في نفس الوقت- تراعى فيه مصلحة الجماعة من جهة وتراعى فيه مصلحة الفرد من جهة أخرى لأن الفرد عضو في هذه الجماعة وليس كمًّا مهملا ساقطا من أي اعتبار وإنما هو كيان له ما للجماعة المتمثلة في بقية الأفراد.
فالشريعة الإسلامية لا تسقط من حسابها مصلحة الفرد، ولا تهمل أيضا المصلحة الجماعية كذلك فهي تقيد هذه وتلك بقيود لا تتنافى مع العدل والإنصاف، ولا تترك العنان لإحدى المصلحتين- الجماعية أو الفردية، أن تطغى على الأخرى.
فلئن كانت المصلحة الجماعية مقدمة في الأصل على المصلحة الفردية فكذلك الربط بين المصلحتين الفردية والجماعية أيضا، فلا تضر الشريعة بمصلحة الفرد على حساب المصالح الجماعية، وإنما تدور هذه المصالح جميعها في فلك واحد لا يتنازعان على طول الخط مادام هناك تقدير لجهود الفرد- ومادام هناك شعور بحق الجماعة كما سلف.
وهذه هي أبرز مقومات وخصائص الاقتصاد الإسلامي نلخصها فيما يلي:-
١- تسخير ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء.
٢- حرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية.
٣- مراعاة المصلحة الفردية.
٤- مراعاة مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف.
٥- محاربة الفوائد الربوية بشتى طرقها.
تلك هي أهم خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي كما سنوضح ذلك بإذن الله تعالى.
١- تسخير الله ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء:
стр. 10990
بهذه الخاصية نستدل على أن الإسلام خول للناس جميعا حرية العيش في الأرض، واستخدام- الوسائل التي تمكنهم من الاستفادة مما خلق الله لهم في السماوات والأرض بشتى الطرف. بل وطلب الإسلام من الإنسان أن يستخدمها ليستفيد ويفيد. فالله ذلل لهم ما خلق في السماوات وما خلق في الأرض وسخر جميع ما فيها من خيرات ومواد وخامات وجعلها معايش للناس جميعا لا احتكار فيها ولا استئثار فيها لأحد دون أحد، والآيات- التي تشير إلى ذلك وتحث الناس على أن يشكروا لله تلك النعم الكثيرة التي لا تحصى؛ يقوله تعالى من سورة البقرة ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً الآية﴾ وقوله تعالى من سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ وقوله تعالى من سورة الملك: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ فهذه الآيات المتقدمة تشير إلى أن الله خلق جميع ما في الأرض للناس على السواء. والهدف من هذا كله هو الانتفاع بذلك ليكون عونا لهم على عبادته جل وعلا؛ لأنه في الحقيقة لم يُمكن الله العباد في هذه الأرض هذا التمكين ويكشف لهم عن- أسرارها ودواخلها وما تحويه بين طياتها من كنوز ومعادن ومواد إلا ليعبدوه وحده، لا لتسيطر عليهم "مادة"فيعبدوا من دونه فتثقلهم، وتقعدهم عن السمو بأرواحهم، بل ليعيشوا مع خالقهم ورازقهم الذي منحهم هذه الأشياء بمحض كرمه وامتانه، وإلا فإن الله قادر على قهرهم وعدم تمكينهم من أن يتوصلوا إلى كل هذه الاكتشافات، ولكنه سبحانه يبلوهم فيما آتاهم على حد قوله تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك) . وبهذا نستطيع تحديد الأبعاد ... ما بين طبيعة المنهج الرباني الذي وضعه الله للناس على علم، وما بين الفلسفات "المادية التي وضعها البشر"، وشتان ما بينهما، فبينما يسخر الله
стр. 10991
تبارك وتعالى كل ما في الأرض وما في السماء للبشرية عامة ويطلب منهم أن يجتهدوا في طلب الرزق على تفاوت منازلهم ليعموا هذا الكون وفق منهجه، إذا بالفلسفات الحمقاء تقف حجر عثرة على الطريق لتعرقل سير الإنسانية عن هذا الطريق السوي بكبت المواهب وقتل الحوافز لدى الأفراد والجماعات، فتحجر عليهم طرف الكسب والتحصيل كما سنوضع ذلك في محله، فإلى أين تذهب البشرية في عملياتها إلى متى تستمر في تنكبها عن الطريق.
٢- حرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية:
وهذه الخاصية كسابقتها من حيث الضرب في الأرض ابتغاء فضل الله فلم تضيق الشريعة الإسلامية الخناق على الناس في طرق كسبهم من الرزق المقدور لهم شريطة ألا يتعدى ذلك المنهج الذي رسمه الله لهم وألا يخرج عن إطاره، وعلى الفرد أن يختار بعد ذلك العمل الذي يريده من حرف يدوية، وصناعة آلية ومن بيع وشراء وما إلى ذلك بصور فردية جماعية. مادام ذلك الكسب والتحصيل بطرق شرعية نظيفة.
والطرق الشرعية في ذلك كثيرة. نذكر أهمها فيما يلي:
أ- البيع والشراء الشرعيان.
ب- طرق المضاربة. برؤوس الأموال.
جـ- العمل بأجر أو الاحتراف وما إلى ذلك.
ويشترط فيها جميعها "الطهارة والنزاهة وصدق المعاملة"في كل كلمة واحدة منها مع عدم الغش والتدليس.
٣- مراعاة المصلحة الفردية:
стр. 10992
سبق لنا القول عن حرية الكسب والتحصيل وكيف سخر الله ما في السماوات وما في الأرض للناس جميعا. إلا أننا نكرر في هذه الخاصية ما سبق أن ذكرناه من أن الشريعة الإسلامية نظرت للمصلحة الفردية بعين الاعتبار، فراعت تلك المصلحة بل وجعلتها من المصلحة العامة أيضا أفمن مراعاتها للمصلحة الفردية وجعل مصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة الجماعة هو مقت البطالة ومحاربتها بشتى الوسائل حتى ولو كانت عن ظهر غنى وتلك من مصلحة الجماعة أيضا؛ لأن توقف هذا الفرد عن العمل بدون أي مبرر هو خسارة فادحة على المجتمع بأسره إذ قد خسر المجتمع موهبة هذا الفرد الذي كان بإمكانه أن يسهم بدوره في رفع إنتاج البلاد فيفيد ويستفيد.
فالإسلام يشجع على العمل، ويمقت البطالة ويعتبر العامل في نظر الشريعة الإسلامية- كالمجاهد، وهو يفضل على العابد المنقطع للعبادة وحدها، فقد جاء في الأثر "أن من الذنوب.. ذنوبا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة [١] يكفرها الهموم في طلب المعيشة"وجاء أيضا في الحديث الصحيح: "ما أكل ابن آدم طعاما قط خيرا من عمل يديه".
تلك هي مراعاة المصلحة الفردية التي تدعو الفرد لتنمية مواهبه وثرواته المادية وتقدر له ذلك حق التقدير، وترى أن عود الفائدة ليست له وحده، وهو كذلك بلا شك فقد تعود الفائدة إلى ورثته من بعده، وقد تعود للمصلحة العامة التي يشترك فيها جميع إخوانه من المسلمين، وتعتبر تلك الثروات التي قدمها زيادة الإنتاج كان له دوره في إسهامه وتعود فيه الفائدة أيضا على الجميع فضلا عما يقدمه هو لآخرته من أعمال البر والإحسان ليكون له رصيد يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
٤- مصلحه الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف:
стр. 10993
في هذه الخاصية نرى الترابط الوثيق بين المصلحتين. فمصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة الجماعة في نفس الوقت، ولكن المصلحة الجماعية في الحقيقة لها دورها الكبير في هذا المجال لأنها مصلحة الأمة بأسرها والتي يعتبرها الشرع من المصالح العامة التي لا يحل لفرد من أفراد الأمة استغلالها لحسابه الخاص، فمن هذه المصالح العامة على سبيل المثال ما يلي:-
١- الطرق والميادين العامة وما شابهها والتي جعلت للناس كافة، فلا يحل لفرد من الأفراد استغلالها لمصالحه الشخصية.. فيعرقل مصالح المسلمين بوضع عوائق في طرقاتهم وشوارعهم.
٢- الأموال العامة تعتبر من المصالح العامة للمسلمين فلا يحل لوال من الولاة التصرف فيها وصرفها في غير وجهها، وإنما يوزعها على المستحقين وفق العدل والإنصاف فيقرض من يحتاج إلى القرض. ويحمى بها الثغور الإسلامية.
٣- عدم احتكار أقوات الناس للإضرار بهم لحساب مصلحة شخصية، كما هو الحال لدى أصحاب رؤوس الأموال حينما يلجئون لكسب السوق، بتعطيل المصالح الجماعية فلا يحل لفرد من الأفراد أن يبخل على إخوانه ببعض ما أتاه الله فيبيعهم بالأسعار المناسبة المعقولة فضلا عن احتكار أقواتهم وأرزاقهم فقد جاء في الحديث أن المحتكر ملعون والجالب مرزوق.
هذه هي النظرة الإسلامية لمصلحة الأفراد والجماعات، وهى في حقيقتها نظرة عادلة لا ظلم فيها ولا حيف؛ لأنها تقدر حق الفرد ولا تسقط من حسابها حق الجماعة المتمثلة في هؤلاء الأفراد وتلك هي سنة العدل والإنصاف.
٥- محاربة الفوائد الربويه:-
стр. 10994
المتأمل في عمليه الربا يجدها في الواقع عملية ((سلبية بحته)) جامدة فضلا عن نتائجها السيئة التي تأباها الفطرة السليمة. ولما كانت الشريعة الإسلامية تنظر- نظرتها الواسعة للأمور وتضع لكل مشكلة حلولها المناسبة لها بعد علم المقدمات والإحاطة الشاملة "بالنتائج "عندها تحلل وتحرم عن علم ودراية بمصالح البشرية كافة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . وما كان الربا من أفحش الظلم وأشنعه حرمة إلا لأنه يتنافى مع العدل الذي أراد الله أن يُسَوِّد العباد- ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة) .
стр. 10995
فلئن ظن المرابي أنه يحقق بهذه العملية رغباته في الحياة ويصبح من أصحاب الأموال الطائلة التي لا تحصى، بما يتحصل عليه من فوائد ربوية لا تقف عند حد فيجب أن يتيقن كذلك أن ما جمعه إلى زوال وأن مآله "المحق"كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ . فشتان ما بين وجه السماحة وطهارة النفس وسمو الإنسانية، وهو الوجه المقابل للصدقة الذي تكفل الله له النماء والزيادة، والوجه الآخر المقابل لعداء الإنسانية كلها بما لا يعرف للرحمة أو الشفقة طريقا، ذلك الوجه المرذول الممثل للأنانية والحقد والشّحّ وخبث النفس والذي توعده الله بالمحق. ولسنا في حاجة بعد ذلك كله لنعت المرابي بأكثر من تلك النعوت التي نعت بها في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم لأن مرد ذلك إلى شيء واحد وهو مرض القلب والعياذ بالله، ومرض القلب معروف النتائج ِ... ولما أراد الله ﵎ أن يبين حقيقة المنافقين؛ إنما نعتهم بذلك فقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . وبالاستقراء والاستنتاج نجد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه إنما عمل -أول ما عمل في بادئ الأمر- على معالجة القلوب في كثير من الأحيان، ووردت في ذلك أحاديث كثيرة تعالج هذه النواحي النفسية بما لا نستطيع حصرها في مثل هذه المعالجة. ولا بأس بذكر شيء منها على سبيل المثال.. فقد جاء في ذلك من حديث طويل رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدبروا وكونوا عباد الله إخوانا -كما أمركم الله تعالى- المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره...." الحديث.
следующие страницы →