Полный текст (23 804 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.
стр. 10991
تبارك وتعالى كل ما في الأرض وما في السماء للبشرية عامة ويطلب منهم أن يجتهدوا في طلب الرزق على تفاوت منازلهم ليعموا هذا الكون وفق منهجه، إذا بالفلسفات الحمقاء تقف حجر عثرة على الطريق لتعرقل سير الإنسانية عن هذا الطريق السوي بكبت المواهب وقتل الحوافز لدى الأفراد والجماعات، فتحجر عليهم طرف الكسب والتحصيل كما سنوضع ذلك في محله، فإلى أين تذهب البشرية في عملياتها إلى متى تستمر في تنكبها عن الطريق.
٢- حرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية:
وهذه الخاصية كسابقتها من حيث الضرب في الأرض ابتغاء فضل الله فلم تضيق الشريعة الإسلامية الخناق على الناس في طرق كسبهم من الرزق المقدور لهم شريطة ألا يتعدى ذلك المنهج الذي رسمه الله لهم وألا يخرج عن إطاره، وعلى الفرد أن يختار بعد ذلك العمل الذي يريده من حرف يدوية، وصناعة آلية ومن بيع وشراء وما إلى ذلك بصور فردية جماعية. مادام ذلك الكسب والتحصيل بطرق شرعية نظيفة.
والطرق الشرعية في ذلك كثيرة. نذكر أهمها فيما يلي:
أ- البيع والشراء الشرعيان.
ب- طرق المضاربة. برؤوس الأموال.
جـ- العمل بأجر أو الاحتراف وما إلى ذلك.
ويشترط فيها جميعها "الطهارة والنزاهة وصدق المعاملة"في كل كلمة واحدة منها مع عدم الغش والتدليس.
٣- مراعاة المصلحة الفردية:
стр. 10992
سبق لنا القول عن حرية الكسب والتحصيل وكيف سخر الله ما في السماوات وما في الأرض للناس جميعا. إلا أننا نكرر في هذه الخاصية ما سبق أن ذكرناه من أن الشريعة الإسلامية نظرت للمصلحة الفردية بعين الاعتبار، فراعت تلك المصلحة بل وجعلتها من المصلحة العامة أيضا أفمن مراعاتها للمصلحة الفردية وجعل مصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة الجماعة هو مقت البطالة ومحاربتها بشتى الوسائل حتى ولو كانت عن ظهر غنى وتلك من مصلحة الجماعة أيضا؛ لأن توقف هذا الفرد عن العمل بدون أي مبرر هو خسارة فادحة على المجتمع بأسره إذ قد خسر المجتمع موهبة هذا الفرد الذي كان بإمكانه أن يسهم بدوره في رفع إنتاج البلاد فيفيد ويستفيد.
فالإسلام يشجع على العمل، ويمقت البطالة ويعتبر العامل في نظر الشريعة الإسلامية- كالمجاهد، وهو يفضل على العابد المنقطع للعبادة وحدها، فقد جاء في الأثر "أن من الذنوب.. ذنوبا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة [١] يكفرها الهموم في طلب المعيشة"وجاء أيضا في الحديث الصحيح: "ما أكل ابن آدم طعاما قط خيرا من عمل يديه".
تلك هي مراعاة المصلحة الفردية التي تدعو الفرد لتنمية مواهبه وثرواته المادية وتقدر له ذلك حق التقدير، وترى أن عود الفائدة ليست له وحده، وهو كذلك بلا شك فقد تعود الفائدة إلى ورثته من بعده، وقد تعود للمصلحة العامة التي يشترك فيها جميع إخوانه من المسلمين، وتعتبر تلك الثروات التي قدمها زيادة الإنتاج كان له دوره في إسهامه وتعود فيه الفائدة أيضا على الجميع فضلا عما يقدمه هو لآخرته من أعمال البر والإحسان ليكون له رصيد يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
٤- مصلحه الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف:
стр. 10993
في هذه الخاصية نرى الترابط الوثيق بين المصلحتين. فمصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة الجماعة في نفس الوقت، ولكن المصلحة الجماعية في الحقيقة لها دورها الكبير في هذا المجال لأنها مصلحة الأمة بأسرها والتي يعتبرها الشرع من المصالح العامة التي لا يحل لفرد من أفراد الأمة استغلالها لحسابه الخاص، فمن هذه المصالح العامة على سبيل المثال ما يلي:-
١- الطرق والميادين العامة وما شابهها والتي جعلت للناس كافة، فلا يحل لفرد من الأفراد استغلالها لمصالحه الشخصية.. فيعرقل مصالح المسلمين بوضع عوائق في طرقاتهم وشوارعهم.
٢- الأموال العامة تعتبر من المصالح العامة للمسلمين فلا يحل لوال من الولاة التصرف فيها وصرفها في غير وجهها، وإنما يوزعها على المستحقين وفق العدل والإنصاف فيقرض من يحتاج إلى القرض. ويحمى بها الثغور الإسلامية.
٣- عدم احتكار أقوات الناس للإضرار بهم لحساب مصلحة شخصية، كما هو الحال لدى أصحاب رؤوس الأموال حينما يلجئون لكسب السوق، بتعطيل المصالح الجماعية فلا يحل لفرد من الأفراد أن يبخل على إخوانه ببعض ما أتاه الله فيبيعهم بالأسعار المناسبة المعقولة فضلا عن احتكار أقواتهم وأرزاقهم فقد جاء في الحديث أن المحتكر ملعون والجالب مرزوق.
هذه هي النظرة الإسلامية لمصلحة الأفراد والجماعات، وهى في حقيقتها نظرة عادلة لا ظلم فيها ولا حيف؛ لأنها تقدر حق الفرد ولا تسقط من حسابها حق الجماعة المتمثلة في هؤلاء الأفراد وتلك هي سنة العدل والإنصاف.
٥- محاربة الفوائد الربويه:-
стр. 10994
المتأمل في عمليه الربا يجدها في الواقع عملية ((سلبية بحته)) جامدة فضلا عن نتائجها السيئة التي تأباها الفطرة السليمة. ولما كانت الشريعة الإسلامية تنظر- نظرتها الواسعة للأمور وتضع لكل مشكلة حلولها المناسبة لها بعد علم المقدمات والإحاطة الشاملة "بالنتائج "عندها تحلل وتحرم عن علم ودراية بمصالح البشرية كافة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . وما كان الربا من أفحش الظلم وأشنعه حرمة إلا لأنه يتنافى مع العدل الذي أراد الله أن يُسَوِّد العباد- ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة) .
стр. 10995
فلئن ظن المرابي أنه يحقق بهذه العملية رغباته في الحياة ويصبح من أصحاب الأموال الطائلة التي لا تحصى، بما يتحصل عليه من فوائد ربوية لا تقف عند حد فيجب أن يتيقن كذلك أن ما جمعه إلى زوال وأن مآله "المحق"كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ . فشتان ما بين وجه السماحة وطهارة النفس وسمو الإنسانية، وهو الوجه المقابل للصدقة الذي تكفل الله له النماء والزيادة، والوجه الآخر المقابل لعداء الإنسانية كلها بما لا يعرف للرحمة أو الشفقة طريقا، ذلك الوجه المرذول الممثل للأنانية والحقد والشّحّ وخبث النفس والذي توعده الله بالمحق. ولسنا في حاجة بعد ذلك كله لنعت المرابي بأكثر من تلك النعوت التي نعت بها في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم لأن مرد ذلك إلى شيء واحد وهو مرض القلب والعياذ بالله، ومرض القلب معروف النتائج ِ... ولما أراد الله ﵎ أن يبين حقيقة المنافقين؛ إنما نعتهم بذلك فقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . وبالاستقراء والاستنتاج نجد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه إنما عمل -أول ما عمل في بادئ الأمر- على معالجة القلوب في كثير من الأحيان، ووردت في ذلك أحاديث كثيرة تعالج هذه النواحي النفسية بما لا نستطيع حصرها في مثل هذه المعالجة. ولا بأس بذكر شيء منها على سبيل المثال.. فقد جاء في ذلك من حديث طويل رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدبروا وكونوا عباد الله إخوانا -كما أمركم الله تعالى- المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره...." الحديث.
стр. 10996
ومعلوم أن كل هذه الأفعال إنما هي من أعمال القلب. وكذلك ما ورد عنه ﷺ من حديث أبى أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ". إنما يعالج أمراضا نفسية مناطقها القلب. وكذلك الأمر في بيع الرجل على بيع أخيه المنهي عنه في الحديث، لأنه يسبب التباعد والتباغض، والإسلام إنما جاء في الحقيقة ليجمع لا ليفرق، إذا كان الأمر كذلك فما هو موضع- آكل الربا الذي آذنه الله ورسوله بالحرب ولعنه رسول الله ﷺ .
стр. 10997
هذه هي بعض العلاجات لأصحاب القلوب المريضة والأمراض التي حاربها ﵊ في المجتمع المسلم؛ حتى تسود في الأمة المحبة والألفة والتعاون في الخير بدلا من الاختلاف والفرقة. وإنما سقنا الكلام هنا عن هذه الأمراض كلها لمحل الشاهد: وهو اجتماع هذه الخصال المذمومة في شخص المرابي، فتجده من أعدى الأعداء لله ولعباد الله وأشدهم إنكارا لأنعم الله، فهو حسود حقود كالحيوان المفترس، فكيف يتصور ولاء شخص منعوت بهذه النعوت جميعا، وكيف يرجى منه النفع للمجتمع وهو بؤرة للفساد والهدم والتخريب ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ؛ لذا أراد الله ﵎ أن يطهر المجتمع المسلم من مثل هؤلاء جميعا ليعيش الناس كافة تحت راية العدل والإنصاف. ولا بأس من نقل رأَي لفقيد الإسلام "سيد قطب ﵀ "في هذا الصدد من تفسير الظلال؛ حيث يقول عن الربا وبشاعته ما نصه: "فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره، ولكن الجوانب الشائنة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر. ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث. فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع في حياة البشرية أشد مما كانت منكشفة في الجاهلية الأولى، ويدرك من يريد أن يتدبر حكمة الله وعظمة هذا الدين وكمال هذا المنهج ودقة هذا النظام.
стр. 10998
يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة وأمامه من واقع العالم- ما يصدق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا، والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتؤكله تنصب عليها البلايا الساحقة من جراء هذا النظام الربوي في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها، وتتلقى- حقا حربا من الله تصب عليها النقمة والعذاب أفرادا وجماعات وأمما وشعوبا، وهي لا تعتبر ولا تفيق وحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام- الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد الله للمجتمع المسلم أن يقوم عليه ويحب للبشرية أن تستمتع بما فيه من رحمة في مقابل ذلك النظام الآخر الذي يقوم على الأساس الربوي الشرير القاسي اللئيم إنهما نظامان متقابلان: النظام الإسلامي، والنظام الربوي؟ وهما لا يلتقيان في تصور ولا يتفقان في أساس ولا يتوافقان في نتيجة؛ لأن كلا منهما يقوم على تصور للحياة والأهداف والغايات يناقض الآخر تمام المناقضة، وينتهي إلى ثمرة في حياة الناس تختلف عن الأخرى كل الاختلاف.
стр. 10999
إن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي ونظام الحياة كلَّها على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود، يقيمه على أساس أن الله سبحانه هو خالق هذا الكون فهو خالق هذه الأرض، وهو خالق هذا الإنسان وهو الذي وهب كل موجود وجوده، وأن الله سبحانه هو مالك كل موجود، وبما أنه هو موجده فقد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض ومكنه مما ادّخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قول وطاقات على صد منه وشرط، ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى يصنع فيه ما شاء كيف شاء، وإنما استخلفه فيه في إطار من الحدود الواضحة ... استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج الله- وحسب شريعته، فما وقع منه من عقود وأعمال ومعاملات وأخلاق وعبادات وفق التعاقد فهو صحيح نافذ وما وقع منه مخالفا لشروط التعاقد فهو باطل موقوف، فإذا أنفذه قوة وقسرا فهو إذن ظلم واعتداء- لا يقره الله ولا يقره المؤمنون بالله. فالحاكمية في الأرض كما هي في الكون كلّه لله وحده والناس حاكمهم ومحكومهم إنما يستمدون سلطانهم من تنفيذهم لشريعة الله ومنهجه وليس لهم في جملتهم أن يخرجوا عنها؛ لأنهم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط وعهد، وليسوا ملاكا خالقين لما في أيديهم من أرزاق. ومن بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين بالله فيكون بعضهم أولياء بعض، وأن ينفقوا وأن ينتفعوا برزق الله الذي أعطاهم على أساس هذا التكافل، لا على أساس قاعدة الشيوع المطلق- كما تقول الماركسية، ولكن على أساس الملكية الفردية المفيدة.
стр. 11000
فمن وهبه الله منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه، مع تكليف الجميع بالعمل، كلّ حسب طاقته واستعداده فيما يسره الله له، فلا يكون أحدهم كلاًّ على أخيه أو على الجماعة وهو قادر) .... أقول: تلك هي طريقة الإسلام في نظامه الاقتصادي واضحة المنهج تقوم على أساس التكافل الاجتماعي في أزهى حلله بعيدة عن الأثرة والشح أو الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل أو بكل وسيلة من شأنها أن تعرقل نمو الحركة الاقتصادية في بلادنا ...
نظرة الإسلام للمال
стр. 11001
لا يعتبر "المال "في نظر الإسلام حقيقيا إلا إذا كان بطرقه الشرعية، فليس كل مال مهما كانت مصادر الحصول عليه يعتبر "مالا" شرعيا يستطيع المرء المسلم أن يتقرب به إلى الله من نفقات واجبة وصدقات يبتغى بها وجه الله. بل المال مقيد في الإسلام بقيود شرعية وهي تعني طهارة الكسب وأوجه التحصيل، فالأموال المجموعة من أوجه غير شرعية تعتبر أموالا باطلة كأثمان المحرمات "الخمر والميسر وثمن الكلب والخنزير " وما إلى ذلك؛ لأن الله إذا حرم شيئا حرَّم ثمنه. كل هذه الأموال لا تعتبر شرعا بالنسبة لمن يدين بالإسلام، وإن كانت معتبرة في حق غيره ومن هنا نستطيع أن نعرف كيف ينظر الإسلام للمال. إنه ينظر إليه على أنه وسيلة لتبادل المنافع بين العباد ووسيلة للتعايش في الأرض، ولما كان الأمر كذلك أقر الله ﵎ هذه الخاصية: خاصية حب المادة وحب التملك " للمال"في الناس وهي طبيعة فطرية فطرهم عليها بل وحثَّهم على الطلب والتحصيل من هذه المادة على تفاوت طبقاتهم وسعيهم في طلب الرزق ونهاهم أن ينظروا لغيرهم نظرة حسد وكره لمن فضلوا عليهم في الرزق، وأمرهم أن يسألوه من فضله ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء) فجعل المال فتنة وامتحاناً وميدان سباق للخير والإحسان في نفس الوقت، وجاءت الآيات الكريمة في كلا الوجهين تبين للناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم وتنهاهم أيضا أن يجعلوا "المال"وجمعه من أي طريق كلَّ غرضهم في الحياة بما لا يقبل المنافاة بين الآياتِ التي تشجع على الكسب والتحصيل، والآيات التي تهدد وتنذر الذين يكتَنِزون الأموال ولا يؤدون حق الله فيها، فآيات الفتنة والامتحان إنما هي في الحقيقة تنذر أولئك الذين جعلوا المال هدفا لذاته، وغاية كل غاية، فقد
стр. 11002
سمى الله ﵎ المال مرة "زينة"ومرة "فتنة"فقال جل ثناؤه ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (الكهف) وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن) .. فهو في الآية الأولى زينة الحياة الدنيا "والزينة تغرى- والزينة تلهي عن الله والدار الآخرة إلا من وفقه الله"لذا قال تعالى في سورة المنافقين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ؛ لأنه يعلم أن بعض العباد تشغلهم الأموال وتلهيهم عن ذكر الله، واللهو عن ذكره خسارة أيما خسارة، فأرشد عباده المؤمنين لتلافي تلك الخسارة الكبرى، ولا يكون ذلك إلا بمراقبة الله في السر والعلن، وأداء حقوق الله. وقد علم الله تعالى كذلك أن من العباد من تقطع أعناقهم الأموال، التي يجلبها البيع والشراء.. فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فالحكم وإن كان خاصا بالجمعة إلا أنه عام في غيرها، كذلك مع ما في الجمعة من خصائص ومميزات، فالمال فتنة بلا شك يفتن أصحاب القلوب الضعيفة ويقعدهم عما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة كما فتن قارون وفرعون وأشباههم من الأولين والآخرين، والمال كذلك ميدان سباق لأعمال البر والإحسان لأصحاب الهمم العالية حينما يبذلون أموالهم في سبيل الله وابتغاء مرضاته كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي
стр. 11003
التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . فهو وسيلة للفداء والتضحية في سبيل الله وفي سبيل السعادة الأبدية التي تكفَّل المولى بها لعباده المؤمنين. وقد امتدح الله أصحاب هذه الطبقة في غير موضع من كتابه. وجاءت السنة المطهرة فأيدت ذلك كل التأييد وحثت المسلم على أن يكون له فضل مال يقيم به أوده في الحياة ويتقرب به إلى الله، ويترك لورثته من بعده ما يسد عجزهم من الفاقة والسؤال؛ كقوله ﷺ لسعد بن أبى وقاص ﵁ "إنك إن تذر ورثتك أغنياء- خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" وشجع المسلم على الاكتساب من المال الحلال كقوله ﵊ "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".... بل وعظمت السنة المطهرة شأن المال فجعلته من الكليات التي جاء الإسلام بالمحافظة عليها صيانةً للحقوق المشروعة فيه. فمن قاتل دون ماله وعرضه فقتل فهو شهيد.
هذه نظرة الإسلام إلى المال، نظرة تقدر فيها للعاملين نتيجة كسبهم وكدحهم في الحياة فلا تبخس أحدا ولا تظلم أحدا لمصلحة آخر.
فلا إباحية تبيح للماجنين أن يعيشوا على أَكتاف الآخرين شأن النظرية الماركسية التي تبيح الشيوع وتنادى به، وإنما لكل امرئ نتيجة سعيه لا يعدوه إلى سواه.
ولكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون في المال نصيب مفروض للبائسين والمحرومين يأخذونه من أموال إخوانهم الذين وسع الله عليهم في الرزق إما بطيب خاطر ورضى نفس كالصدقات وأعمال البر، وإما على سبيل الوجوب والإلزام كالزكاة وجعلت الشريعة الإسلامية مصارف تصرف فيها الأموال لمستحقيها كما بين الله ذلك في مواضع كثيرة من كتابه الكريم.
أوجه صرف المال
стр. 11004
لما كان -المال- عصب الحياة وشريانها، وكانت المشاكل تحصل بسببه بين الناس ويحصل النزاع والقتال من أجله. جعل الله ﵎ له مصارف عادلة يُصرف فيها لمستحقيها- من المساكين والمحرومين. فعدد الله ثمانية أصناف من هذا النوع تعطى لهم الزكاة من أموال الأغنياء، يأخذها ولي أمر المسلمين ويقسمها بينهم كما أمر الله جلت قدرته، ووضح ذلك غاية الإيضاح، فلم يترك ذلك لاختيار أحد، ولم يتركها كذلك للأغنياء أنفسهم يعطون من شاءوا ويحرمون من أرادوا حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وآراؤهم فقال تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . فهؤلاء هم أصحاب الزكاة الذين سماهم الله في كتابه فلا تجوز لغيرهم ولا تحل لغني ولا لقوي مكتسب. هذه هي مصارف الزكاة في الإسلام... مصارف عادلة لا ضرر فيها على أحد من الأغنياء، ولا بخس فيها للفقراء والمساكين كذلك، فيشعر الجميع بشعور الأخوة والتعاون على البر والتقوى، فحينما يقدم الغني الميسور لأخيه الفقير المعدم بعض فضله ويفيض عليه من سعته إنما يشعر أن هذا العمل الذي قام به واجب من واجباته وحق من حقوق أخيه يجب أن يؤديه ويقابل ذلك الأخ هذه المعاملة بالرضى والامتنان لله أولاً- ثم لأخيه ثانيا: فأولاً: لله الذي فرض هذه الفريضة العادلة فكفلته وشملته بعدلها وإنصافها ورحمتها، فلم تتركه للضياع والحيرة ولم تسلمه للفساد والانحراف أو السرقة والنهب والتخريب بعد أن عجز عن العمل تماما، وثانيا: لأخيه من بعد الذي تذكر أن له أَخا في الله له عليه حقٌ، يؤديه له طاعة لله، وامتثالا لأمره ، فيعيش الجميع في صفاء ومحبة وألفة يستمتعون جميعا بعدل الله رحمته، إخوة متحابين متعاونين كالجسد
стр. 11005
الواحد.
وفي اعتقادي أن أية أمة من الأمم تطبق هذا المنهج الرباني الخالد في نظام حياتها واقتصادها وشتى شئون الحياة لاشك أنها ستعيش في سعادة كاملة صراحة تامة، لا تعرف معها الفوضى الأخلاقية ولا الحرمان والظلم والجور والأنانية وحقد الطبقات بعضها على بعض كما هو مشاهد اليوم في الدول الاشتراكية بل ولا تشكو من الفائض ولا التضخم المتزايدين اللذين يشكلان الأزمات الاقتصادية لتكدس الثروات بأيدٍ قليلة لها السيطرة التامة على النظام الاقتصادي العام للبلاد.
مزية الاقتصاد الإسلامي
على ضوء ما تقدم نستطيع وضع اللمسات السريعة على مزية الاقتصاد الإسلامي على سائر النظم الاقتصادية الوضعية. السائدة التي لا تقوم ولا تنهض إلا على إنكار الذات الإنسانية ومحاربة الفوارق بين الناس كافة بزعم العدل والمساواة في الطبقات ... يقول الأستاذ العقاد ﵀ في كتابه الديمقراطية الإسلامية ما نصه: "والمتأمل في حقيقة الأمر يجد أن الفوارق بين الناس متعددة لا تنحصر في شئون الرزق والثروة فحسب، بل منها ما هو فوارق طبيعية تلازم البشرية كافة ولا تكاد تنفصل عنهم ولا يخلون منها على طول الخط.... إذا كان الناس متفاوتين بطبيعتهم فمن الظلم البين أَن تسوي بينهم، وأن تجعل المتقدم منه كالمتخلف- والعامل كمن لا يعمل. ومن المسخ للطبائع أن تحرم الفاضل ثمرة فضله، وتؤمن الكسلان والبليد على عاقبة كسله وبلادته، فلا إنصاف لذي كفاءة في هذه المساواة، ولا فائدة لعاجز فيها، لأن العاجز لا يسلم من عجزه باختياره، وكل ما نجنيه من هذا الإجحاف تعجيز الأكفاء وتثبيط العاملين".
стр. 11006
أقول: وكذلك فعلت النظم الشيوعية والاشتراكية. فالنظام الشيوعي يقوم على أساس إلغاء الفوارق، ويرى عدم استقامة الحياة مع بقاء الفوارق بين الناس في المال، أو شئون الرزق على العموم. والنظام الاشتراكي يقوم على أَساس إلغاء الملكية الفردية وإباحة الشيوع على طول الخط، وأما النظام الرأسمالي فهو يقوم على أساس الملكية المطلقة وبدون حدود. وموضع الخطأ في النظم الأخرى واضح بلا جدال.
ومن هنا تتضح لنا مزية الاقتصاد الإسلامي بين تلك المتناقضات والاضطرابات الفلسفية، فموقف الإسلام وسط وفي غاية الاعتدال، فلا يبيح الشيوع ولا يبيح إطلاق الملكية بلا حدود، وإنما يقيد الملكيات كلها الخاصة والعامة بقيود الشرع، ومن هنا أيضا تبرز مزية النظام الإسلامي في قاعدتين أَساسيتين هما: إنكار قوة الاستغلال والاستبداد، وتقدير حق العمل وتشجيع أصحاب الكفاءات. تلك مزية الاقتصاد الإسلامي في جلاء ووضوح تقدر للعاملين نتيجة عملهم في ميادين الحياة، وتقمع قوى الظلم والجور، وتقرر مبدأ التكافل الاجتماعي في إطار من العدل والرحمة لمن هم في مسيس الحاجة إلى العون والمساعدة، وذلك بتوزيع الثروة كما قررته شريعة الإسلام، وعددت أصحاب الفريضة في الزكاة، وكذلك الحماة والغزاة في سبيل الله، وسد الثغور الإسلامية، وسائر من يتولى مصالح الأمة الإسلامية من خليفة المسلمين إلى من يقم الشوارع. وهكذا يقف النظام الرباني شامخا صامدا يتحدى جميع النظم والنظريات وغيرها على مدى الأيام.
تربية
قال معاوية للأحنف بن قيس ما تقول في الولد؟ قال: يا أمير المؤمنين، ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، بهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحونك ودهم، ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم قفلا ثقيلاً؛ فيملوا عليك حياتك، ويودوا وفاتك، ويكرهوا قربك...
стр. 11007
فقال معاوية: لله أنت يا أحنف، لقد أرضيتني عمن سخطت عليه من ولدي. ووصلة بعطية عظيمة.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ((إن من الذنوب الخ)) رواه الطبراني وأبو نعيم عن أبي هريرة مرفوعا ورواه الخطيب في تلخيص المتشابه وفي لفظ (عرق الجبين) بدل الهموم وللديلمي عن أبي هريرة رفعه:" إن في الجنة درجة لا ينالها إلا أصحاب الهموم يعنى في طلب المعيشة"اهـ كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس- للمفسر المحدث الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجرافي
стр. 11008
أساليب الدعوة إلى الله تعالى في القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور أبو المجد سيد نوفل
أستاذ بالدراسات العليا بالجامعة
(الحلقة الثانية)
٥- منهج القرآن في الاستدلال على صدق العقيدة الإسلامية.
ولقد ساق القرآن الكريم الأدلة الكثير على صحة العقيدة الإسلامية وفساد غيرها من العقائد الأخرى.
فالله يوجه الأنظار إلى الآثار الناطقة بوجوده؛ وهو استدلال بالصنعة على الصانع وبالأثر على مؤثر، وهو دليل واضح لا يحتاج إلى كبير عناء.
ومن هنا فلقد كان الكون كله أرضه وسماؤه، وما فيهما.. حقلا واسعا لصياغة هذه الأدلة فجاءت آيات القرآن تحمل الدعوة إلى النظر في السماء، والنجوم، والشمس، والقمر، والأرض، والجبال، والبحار، والأنهار، والإنسان، والحيوان، والنبات، والجماد داعية إلى التأمل الصحيح والنظر الدقيق في هذه الآيات البينات. وليس بعد ذلك سوى الإيمان بوجود الصانع جل وعلا، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. ويوجه القرآن العقول إلى ملاحظة الواقع المشاهد والتزام المنطق السليم في الحكم على الأشياء؛ وذلك في استدلاله على صحة الإيمان بالبعث والإعادة، فإن المنكر للإعادة يقول: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ؟ فيقول الله. : ﴿.. يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس أية ٧٩) .
стр. 11009
ويعني هذا: أنك أيها المنكر للبعث تسلم ولاشك بوجود العظام.. وهو يستلزم الإقرار بأنها مصنوعة ولا يمكن أن تصنع من عدم؛ لأن العدم لا يصنع وجودا. فإذا انتهيت من ذلك وجب عليك التسليم بأن العظام إذا رمت وبليت فليس هناك أي مانع من إعادتها إلى ما كانت عليه قبل أن تبلى؛ لأن من قدر على صنعها ابتداءً، فهو أقدر على إعادة صنعها؛ لأن الإعادة أَسهل من البدء.. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . والقرآن الكريم يستدل بالظاهرة الكونية على صدق ما يقول، بإيراد الظاهرة مجملة ثم يأخذ في بيان ما تشتمل علَيه من آيات، وفي بيان أنوع كل آية، وما تحمله من دليل وبيان آثارها وجمال صنعتها.. فالسماء مثلا أصلها كذا، وهي مؤلفة من كذا، ووظائفها كذا.. ثم يفصل هذه الآية (السماء) ويبين ما اشتملت عليه، ففيها النجوم والشمس والقمر.. وكل من هذه له خصائصه وآثاره في الكون.
والماء مثلا. له أنواعه، ووظائفه، وأثاره، وكذلك الإنسان ... خلق من كذا وركب من كذا وهكذا يستخدم القرآن الكريم المظاهر الكونية أدلة على صحة ما يقول، وينهج في هذا الاستدلال منهج الإجمال والتفصيل، والتنويع.. ليزيد من تقرير العقيدة وتثبيتها.
٦- نماذج من هذا الاستدلال
стр. 11010
فعندما صدع الرسول صلى والله عليه وسلم بأمر ربه معلنا كلمة التوحيد، وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب العالمين. وأَن رب العالمين ليس وَدَّا، ولا سواعا،. ولا يغوث، ويعوق، ونسرا، وليس وثنا، ولا ملكا، ولا زعيما، ولا حاكما.. ولا شمسا ولا قمرا، ولا ماء ولا نارا، إنه الله وحده رب العالمين ... استدل على صحة ما يقول بوجود الأرض والسماوات. فهما الآيتان الناطقتان بوجوده تعالى ووحدانيته، فهو وحده خالقهما، وهو الذي خلق الأرض، وجعل فيها الرواسي، وأودع فيها البركة والأقوات، وقسم فيها الأرزاق، وهو صاحب السموات السبع، لا يعجزه شيء فيها ولا في الأرض وكل من السماوات والأرض وما فيهما طوع يمينه. فالإيمان به جلّ وعلا واجب، ولا ينبغي الإيمان بغيره؛ لأنه كفر وانحراف عن الطريق المستقيم.
﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فصلت-١٢.
وفي سوق هذا الدليل على هذا النحو الكفاية لذوي العقول والألباب.. لكنه تعالى، وهو الأعلم بخلقه، وما يصلح لهم من أدلة الإقناع والتأكيد...... يأخذ في بيان بعض صفات كل من السماء والأرض ثم يبين بعض ما اشتملت عليه كل منهما.
стр. 11011
فالسماء: خلقها الله بغير عمد ﴿.... خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا.....﴾ لقمان/١٠. كما خلقها بقدرته تعالى ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ الذاريات/٤٧ وهي سبع سموات مطبقة بعضها فوق بعض ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ نوح/١٥ وهي عظام شداد ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ النبأ/١٢.. وهي لا شقوق فيها ولا تصدع ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ الملك/٣. وهى السقف المحفوظ ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ الأنبياء/٣٢ وهي الممسوكة بقدرته حتى لا تقع على الأرض ﴿.. وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ..﴾ الحج/٦٥.
والأرض: جعلها الله تعالى ذلولا صالحة للمشي والإعاشة ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ الملك/١٥ وهي مدحوة ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ النازعات/٣٠ ممدودة غير مطوية ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً﴾ الرعد/٣. مبسوطة غير مقبوضة. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً. لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً﴾ نوح ١٩- ٢٠ وهي مهاد وسكن للإنسان ولغيره ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً﴾ النبأ/٦. وهي الميتة بالجدب والحية بالخصب والري ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ يس/٣٣. وهي التي خلق منها وعاش فيها الإنسان، وهي التي يعاد إليها ميتا، ويبعث منها يوم القيامة ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ طه هـ/٥٥.
стр. 11012
والماء: هو أصل كل حي ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..﴾ الأنبياء/٣٠، وهو سبب إحياء الأرض بعد موتها. ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ... ﴾ النحل/٦٥. وهو سبب إخراج الثمر، ورزق للعباد ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ..﴾ البقرة/٢٢. ومنه العذب ومنه الملح ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ الواقعة/ ٦٨- ٧٠. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ الرحمن/١٩-٢٠ وهو يكون البحار والأنهار التي يستخرج منها اللؤلؤ والسمك وتسير فيها الفلك ﴿ ... لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيه ... ﴾ النحل/١٤.
стр. 11013
والإنسان: مخلوق من تراب ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ... ﴾ فاطر/١١. ومن نطفة ﴿.. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ عبس/١٩ ومن علقة ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ العلق/١٩ ومن طين ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ الأنعام/٢ ومن نفس واحدة ﴿.. خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... ﴾ النساء/١. ومن ماء دافق ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ الطارق/٦. ومن صلصال من حمأ مسنون ﴿.. مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ الحجر/٢٦. وجعل خليفة لله في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..﴾ البقرة/٣٠ وخلقه سويا ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ..﴾ الانفطار/٧. وجعل له عينين ولسانا وشفتين، وهداه النجدين ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ البلد/ ٨-١٠. وفضَّله على سائر المخلوقات بعقله ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ الفجر/٥، وعلمه البيان ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ الرحمن/٤. وخلقه على ألوان ولغات متعددة ﴿.. وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ..﴾ الروم/٢٢. ويسر له أمره.. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ عبس/٢٠ وسخر له ما في السموات وما في الأرض ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ... ﴾ الجاثية/١٧.
وهكذا في سائر الآيات يبين أصلها، وخصائصها، وأثارها ... كآيات الشمس، والقمر والنجوم، والظلمات، والنشر، والليل، والنهار، والرياح، والسحاب، والشجر، والجبال، والحيوان، والطير، والنبات، والزرع، والثمر..... جاء بها على هذا النحو السابق لبيان عظمة الصنع الإلهي، وروعة الخلق الرباني.... وبهذا يتأكد الإيمان بالذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. كما سلك القرآن الكريم هذا المسلك في تقرير سائر مبادئه ومطالبه....
стр. 11014
٧- العقيدة في الأساليب الخبرية والإنشائية:
ولا يمكننا عرض كلّ الأساليب التي صيغت فيها العقيدة في القرآن الكريم في هذا البحث القصير؛ إذ أن هذا أمر يصعب تحققه. ولهذا سنكتفي بإيراد نماذج من هذه الأساليب موضحين كل نموذج بمثال أو أكثر، وفيه الكفاية لبيان المراد.
الأساليب الخبرية:
يقول أهل اللغة والبيان: إن الكلام ينحصر في نوعين هما الخبر والإنشاء، فالكلام الذي يحتمل التصديق والتكذيب هو الخبر، والكلام الذي يقترن معناه بلفظه هو الإنشاء [١] .
ولقد أورد على تعريف الخبر السابق خبره تعالى، فإنه لا يكون إلا صادقا. وأجيب بأنه يصح دخوله إذا نظرنا إليه من حيث اللغة بقطع النظر عن محتواه. أما من حيث معناه ونسبته إلى قائله فأخبار الله تعالى لصدورها عنه جل وعلا لا تحتمل إلا الصدق فقط سواء كانت إيجابا أو سلباً ﴿.. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ النساء/١٢٢. فإذا قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ. وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ. وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الذاريات ٤٧- ٤٩ فهو إخبار عن أنه هو الخالق للأرض والسماء، وكل شيء، وهو إخبار صادق؛ لأنه من الله . والقصد من هذا الخبر أن ينظر المخلوق في هذه الآيات ويتأمل صنعها ليؤمن بوجود صانعها.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الأعراف/٥٤.
стр. 11015
كما أخبر تعالى بأنه واحد لا شريك له. والدليل على ذلك يظهر فيما يراه الإنسان أمامه من صنع السماء والأرض، واختلاف الليل والنهار، وخلق البحار والماء، والرياح والسحاب، ولولا وجود هذه الأمور لتوقفت الحياة. وهذه الآيات توجد بنظام وأحكام، وكلّ منها دائب في عمله على أبدع ما يكون، وهو مسخر لإيجاد الحياة الطيبة للإنسان، وهو ما ينطق بوحدة الصنع الدالة على وحدة الصائغ جل وعلا ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ البقرة ١٦٣- ١٦٤.
стр. 11016
وتأكيداً لتفرده بالخلق والصنع، وتقرير لوحدانيته، فلقد نفى إيجاد أي شيء في هذا العالم عن غيره، ونفى وجود إله أو آلهة أخرى، ونفى أن يكون له شريك، وأخبر أن المتخذين من دونه آلهة لا يستطيعون ضرا ولا نفعا، وأنهم سيكفرون بمن عبدوهم يوم القيامة. إنه تعالى الواحد الأحد المنفرد بالخلق، والمحيطة علمه بجميع مخلوقاته في حركاتهم وسكناتهم، وفي شتى أمورهم وأحوالهم، يعلم أعمارهم وبيده رقابهم.. وهو وحده القادر. ومن قدرته أنه خلق البحرين العذب والملح، لا يطغى أحدهما على الآخر، ومنها يأكل الإنسان لحوم الأسماك، ويستخرج اللؤلؤ وغيره مما يتحلى به الإنسان، وفيهما تسير الجواري المنشآت في البحر كالإعلام، وسائل نقل بحرية للإنسان وغيره.. وهو وحده الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وهو وحده مسخِّر الشمس والقصر للإنسان، كل يجرى إلى أجل مسمى عنده .. وهو وحده مالك الملك وهو على كل شيء قدير، أما الذين يدعون من دونه فلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا لغيرهم من باب أولى..
стр. 11017
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فاطر/١١-١٤.
في الأساليب الإنشائية:
والإنشاء كما تقدم، هو ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام فإذا قلت (لا تقم) فإن عدم القيام يحصل بعد تلفظك ب (لا تقم) .
وأقسام الإنشاء كثيرة منها (الأمر) وهو: طلب فعل غير كف ومثاله قوله تعالى لنبي أمرا إياه بالشهادة ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ..﴾ محمد/١٩ والأمر للنبي ﵇ أمر لأمته ومنها (النهي) . وهو: طلب الكف عن الفعل؛ ومثاله: قوله تعالى لنبيه ناهيا إياه عن الشرك: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ..﴾ الإسراء/٢٢ وهو نهي له ﵇ ولأمته.
стр. 11018
ومنها الاستفهام وهو طلب الفهم مثل قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا..﴾ النازعات/٢٧ -٢٨.
ومنها (الشرط) مثل قوله تعالى الذي أقام به الدليل على فساد عقيدة الشرك، واستقامة عقيدة الوحدانية ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا..﴾ الأنبياء/٢٢.
ومنها (النداء) مثل قوله تعالى الذي بين فيه فساد عقيدة الشرك، وأن المدعوين من دون الله ضعفاء لا يستطيعون خلق أقل الأشياء، وأَنهم إذا ضاع منهم شيء لا يملكون إرجاعه ومن كان هذا شأنه لا يستحق التأليه ولا العبودية.. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الحج/٧٣.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] وقيل: إن الخبر كلام يفيد بنفسه نسبة أمر من الأمور نفيا أو إثباتا. فإذا قلنا القرآن كلام الله تعالى فإننا نفيد نسبة القرآن إلى الله تعالى. وإذا قلنا الأناجيل الموجودة الآن ليست كلام الله فإننا ننفي هذه النسبة.. أما الإنشاء فهو الذي يحصل مدلوله في الخارج بالكلام أي إذا قلت (قم) فإن القيام يحصل بعد تلفظك بلفظ (قم) لا قبله. والخبر خلافه. والقصد بالخبر هو: إفادة المخاطب أمرا من الأمور كإخبار الله تعالى بأنه خلق كذا وكذا.. ومن أقسامه النفي مثل ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ .
стр. 11019
حقوق الإنسان في الإسلام
بقلم الشيخ: عبد الفتاح عشماوي
محاضر بكلية الحديث
(الحلقة الثالثة)
أمَّا عن الحرية الدينية التي ذكرها إعلان حقوق الإنسان فكان عليهم أن يتواروا خجلا من أن يذكروا شيئا عنها، لقد لقي المسلمون منهم أفظع ما لقي أهل دين من اضطهاد وإبادة، وزاد سعيرها اليوم بما هو صارخ في كل مكان يحتوى على أقلية إسلامية، إن اليهودية والنصرانية والشيوعية والهندوسية والبوذية ليس لهم جميعا اليوم إلا عدو واحد، هو الإسلام وأهله، وأصبح اليوم أرخص دمّ في العالم دمّ المسلم، في مدنية القرن العشرين وهيئة الأمم المختلفة ومجلس خوفها الحامي حمى الأمان والسلام على الأرض، إلا المسلمين فلا أمان لهم عندهم ولا سلام، وكل ذنبهم أنهم قالوا ربنا الله.
ونحن ماذا فعلنا لما هيمنا وحكمنا، وعاشوا أَقليات مصانة محفوظة في ظل شريعتنا السمحة، لقد قال في ذلك قائل هذين البيتين:
حكمنا فكان العفو منا سجية
فلما حكمتم سال بالدم أبطح
وحسبكمو هذا التفاوت بيننا
وكل إناء بالذي فيه ينضح
стр. 11020
إننا لم نتمشق الحسام ولم نخرج سيوفنا من أغمادها إلا عندما نفذ الصبر وفاض الإناء، وَوصِفْنا من الحكم العدل بأننا ظلمنا، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ، وإذا كان علينا أن ندفع عن أنفسنا وأن نؤدب عدونا وأن نريه أن صبرنا ما كان إلا بأمر ربنا، فلما أمرنا كان شعارنا الخالد قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ، ومنذ نزول هذه الآيات على رسولنا ﷺ ونحن على هذا الصراط السوي نسير، فلا نعتدي على أحد ولا نقبل أن يعتدي علينا أحد، وتركنا لغيرنا حرية اختيار ما يعتقده والدين الذي يعتنقه وإثمه على نفسه، إن فرعون قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فلما أدركه العقاب المؤقت لإثمه في الدنيا بالإغراق، قال وهو على وشك الغوص في الماء: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ، بل تركنا غيرنا يتعصب لنبي معين لا يعتقد بنبوة سواه، كما فعل اليهود والنصارى، ولم نعاملهم بالمثل لما كفروا بنبينا ﷺ ، بل أمنا بأنبيائهم وبكل نبي رسول من لدن نوح ﵇ إلى النبي الخاتم ﷺ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ، ولا نعتبر مؤمنين على الإطلاق إذا أنكرنا واحدا منهم، ومبشروهم يجوبون الآن خلال الأرض في ظل إعلان حقوق الإنسان، ليخرجوا الناس من دينهم ويحملوهم على الإيمان بنبيهم فقط، وبوسائل تخلو من كل إنسانية، ثم يأتوا ليعتموا على الناس اعتدائهم على الأديان بليِّ ألسنتهم بكلمة (الحرية الدينية) وهم ألذ أعدائها، وحصيلة الحديث أن الإسلام يأبى بترفع أن
стр. 11021
يتطفل على أحد ليعتنقه، لأن المعتنق له هو المستفيد وحده، ومنزله سبحانه لا يناله نفع ولا ضر ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ ، بل حتى الذي يدخل في الإسلام لا يرضينا منه إلا أن يكون مقتنعا به عاملا بالأوامر مجتنبا للنواهي، يقول في ذلك الإمام الشيخ محمد عبده:-
"إن التقليد بغير عقل ولا هداية شأن الكافرين، فإن المرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن رُبي على التسليم بغير عقل، وعلى العمل- ولو صالحا- بغير فقه، فهو غير مؤمن، فليس القصد من الإيمان أن يذَلَّلَ الإنسان للخير كما يُذَلَّلَ الحيوان، بل القصد أن يرتقي عقله وترتقي نفسه بالعلم، فيعمل الخير وهو يفقه أنه الخير النافع المرضي لله، ويترك الشر وهو يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته".
فإذا كان هذا حالنا مع من يعتنق الإسلام أصلا، فهل نرغم الناس على أن يعتنقوه؟ أم أن الذين "وضعوا حقوق الإنسان" أحسّوا بأنهم يفعلون ذلك كما بينا آنفا، فراحوا يصرفون النظر عنهم. بحقوق متكلفة متصنعة؟.
أما عن الفقرة الخاصة في حقوقهم التي وضعوها، بحرية ترك ما عليه من دين والانتقال كما يشاء من دين إلى آخر، فنحن نقر ذلك تماما إذا انتقل من النصرانية إلى اليهودية إلى الشيوعية إلي البوذية إلى الهندوسية إلى آخر قائمة الكفر الطويلة؛ لأن الصورة عندنا واحدة وهى أنه ترك حقا ليس سواه، وهو الله، واعتنق باطلا يتردى في نتن أنواعه المتعددة، لا يترك واحدا منها إلا ليذهب إلى ما هو مثيله في الضلال والوبال، فلا مفاضلة بين الباطل مهما تفاحشت أنواعه وأعداده وأوساخه.
стр. 11022
أما بالنسبة لديننا الذي نسبه الله إلى نفسه ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ أيّ دين الله هذا؟ ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه﴾ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ، والآية الأخيرة أنهت الجواب بأعظم حسم لمن يريد أن يدْخل الإسلام في تلون الحرباء والتقلب في دناءة الهوى، فالمسلم يوم أن أسلم قطع مع الله عهدا هائلا، ووضع يده في يده سبحانه لتكون هي العليا، فلا تسمح له بأن ينفض يد البيعة ببساطة متى عنَّ له ميله، دون أن يذوق وبال أمره ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِه﴾ ، فليست كل بيعة تقوض بسهولة، وليس كل عهد يلعب به، وكان الطرف الأقوى هو خالق المعاهد ورب المبايع، ثم يترك هكذا سُدًى طليقا، وإنما كما قال الأجلُّ الأعزّ ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ، وقبل هذا الأمر الرهيب الذي ينتظره في الآخرة بما ذكرت الآيات، فلا بد أن نجعل منه نحن زاجرا مخيفا لمن يتلاعب بدين الديان، الذي ما أقر دينا سواه ليبقي على الأرض، حتى يرث هو أرضه ومن عليها.
(الباب الخامس)
стр. 11023
ونتناول الحديث في هذا الباب عن مادة واحدة من مواد إعلان حقوق الإنسان وهى المادة السادسة عشرة، ومع أنها مادة واحدة فسيكون الكلام عنها هو أطول ما قيل في الأبواب العشرة؛ ذلك لأن هذه المادة تختص بالمرأة، والحديث عن المرأة متشعب ومشكل، وشائك أيضا، وقد يكون ذلك هو السبب في أن المرأة كثيرة الكلام لا تنتهي لها ثرثرة، وعلى أي حال سنبدأ الحديث عنها في هذا الباب بالصورة التي رتبناها منذ البداية، وهى نقل حرفية المادة المذكورة فيما زعموا (حقوق الإنسان) ، وهى:-
(المادة السادسة عشرة)
أ- للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزوج وتأسس أسرة، دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج، وأثناء قيامه، وعند انحلاله.
ب- لا يبرم عقد الزواج إلا برضا الطرفين الراغبين في الزواج، رضا كاملا لا إكراه فيه.
ج- الأسرة هي الوحدة الطبيعية للمجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع وحماية الدولة.
على أنني سأبدأ الحديث أولاً عن المرأة بتناول بعض ما اتخذه الحانقون على الإسلام قصة من قصص الترديد المتبدلة، والتقطها منهم الناعقون المحسوبون علينا عروبة ودينا، قالوا: لماذا يبيح الإسلام الزواج بأكثر من واحدة إلى أربع، بل ولماذا تزوج نبي الإسلام صلوات الله عليه بأكثر من أربع، تزوج بتسع؟ وظنوا أنهم بهذا التهجم الوقح على خير دين وأكرم رسول قد وجدوا ضالتهم، عسى أن ينالوا بذلك النيل الذي يريدونه، فراحوا يبثونه في أوساطنا الإسلامية، بل وشاركهم في ذلك أبناؤنا الذين ترسلهم حكوماتنا إلى الخارج ليتعلموا، فيسقونهم هناك من الكأس المعدّ لهم، وننتظر نحن عودتهم بعد أن تعلموا، وإذا بهم عادوا ليتهجموا، أما نحن فنرد قائلين، آخذين أساس ردنا من القرآن الكريم إن شاء الله، ..... سنبدأ أولا بما هو لعامة المسلمين، ثم حسن التثنية والثناء بما هو خاص بنبي المسلمين ﷺ .
стр. 11024
أما عن إباحة الزواج بأكثر من واحدة إلى أربع، فنقرأ بعضا من الآية الخاصة بذلك ثم نتناولها بالتوضيح، يقول تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة﴾ ، وقد اكتفينا بهذا الجزء من الآية وصولا إلى أساس الموضوع وتجنبا للإطالة، فالأمر هنا ﴿فَانْكِحُوا﴾ ، ليس للإلزام وإنما للتخيير، بدليل قوله تعالى بعد ذلك ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة﴾ ، لأن القاعدة أنه لا تخيير بعد الإلزام، وما وجه الإباحة إذا؟ لقد علم الله فينا شدة الميل إلى النساء، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء﴾ ، فهن أوّل قائمة الشهوات المذكورة في الآية بعد ذلك، وأنه بعد زواج الواحدة، وبعد قضاء المأرب منها زمنا ما، فقد ينظر إلى أخرى على أنها قد تكون أحسن من التي معه، فهذه الثانية التي أعجبته، بدل أن يعمل على نيل ما يريد منها بالفاضح المشين، فليتوجها بالواضح المبين وبنفس الإحساس مع الأولى الذي جعله يأتي بالثانية، بدأ يحس به بالنظر إلى ثالثة، فقد يكون فيها ما ليس في السابقتين، فلا مانع بالعلنية وليس بالسرية، لم يقنع بعد الثلاث بأن الطعم واحد، فطابت في عينه رابعة، وإلى هنا يكون الأمر قاطعا لديه بأنه وجدهن جميعا في الخلوة شيئا واحدا، فلا يبحث عن خامسة ليزني بها، حيث لن يجد فيها جديدا بعد أن تأكد من أربع، وهنا يقدم الإسلام للمجتمع أمرًا من أعظم الأمور المبعدة للفسق والمشككة في النسب.
стр. 11025
ثم إن الآية خَوَّفتْ بعد السماح بالزواج إلى أربع من شيء هو مستحيل، وهو العدل بين الزوجات ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ ، فإذا أمكن العدل بما هو ظاهر فلا يمكن العدل بما هو باطن، وهو القلب الذي لا يقلبه إلا فاطره سبحانه، وخوفتنا الآية بلفظ الخوف الصريح ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ، أي الأحسن أن تكتفوا بواحدة لعدم استطاعة العدل بينهن، وأن الذي يضطر إلى الزواج بأكثر من واحدة يكون لغير الميل الغريزي، وإنما لأسباب قد يصبح التعدد فيها خيرا من الاكتفاء بواحدة.
نقول ذلك وقد أصبح الذين يعيبون على الإسلام إباحة التعدد يطالبون حكوماتهم أن تبيح لهم ذلك، لما كثرت الفواحش، وأهلكت الحربان العالميتان من الرجال ما أهلكت، بالإضافة للحروب الجانبية المنتشرة في كل أرجاء الأرض ولا تنقطع سنة واحدة، حتى زاد عدد النساء على الرجال أضعافا، وأصبحت المرأة لا تتزوج سرًّا بأربعة رجال فقطع، بل بما يحلو لها وتريد، وبعدد غير محدود، فالحمد لله على سماحة هذا الدين ودقة تشريعه. فهل لازال منا من يسأل، لماذا أباح الإسلام تعدد الزوجات؟ .
أما عن نبينا ﷺ ، فما أحلى الكلام في ذلك دحضا لقذر ما قالوا.
فنقول إن النبي ﷺ ، لم يتزوج بتسع كما قال هؤلاء وكما اشتهر على ألسن الكثير من الناس، وإنما لنزيد في غيظهم نقرر أنه صلوات الله عليه تزوج بأكثر من تسع، تزوج بإحدى عشرة، ونقصد بالزواج هنا من دخل بهن، عليهن رضوان الله، فالثابت وقوع العقد منه على غير الإحدى عشرة ولم يبن بهن، وإنما التسع اللواتي عرفهن الناس من مات عنهن وعشْنَ بعده، وهذه أسماء الإحدى عشرة كرمهن الله.
стр. 11026
(١) خديجة بنت خويلد (٢) عائشة بنت الصديق (٣) حفصة بنت عمر (٤) أم حبيبة (رملة) بنت أبي سفيان (٥) أم سلمة (هند) المخزومية (٦) سودة بنت زمعة (٧) زينب بنت جحش (٨) زينب بنت خزيمة (٩) جويرية بنت الحارث (١٠) ميمونة الهلالية (١١) صفية بنت حُيَىّ.
مات منهن في حياته ﷺ اثنتان، خديجة، وزينب بنت خزيمة، المعروفة بـ (أم المساكين) ، والتسع الباقيات بقين بعد وفاته ﷺ أعمارا مختلفة، ﵅ من أمهات للمؤمنين.
وقد جمعهن أحد العلماء في الأبيات الثلاثة الآتية:-
توفى رسول الله عن تسع نسوة
إليهن تعزى المكرمات وتنسب
فعائشة ميمونة وصفية
وحفصة تتلوهن هند، وزينب
جويرية مع رملة ثم سودة
ثلاث وست ذكرهن مهذب
ويلاحظ لمجرد ذكر أسمائهن وأنسابهن، أنهن يجمعن باقة أشهر القبائل العربية وأقواها، لهذا كان اختيار هن وسيلة من وسائل شد هذه القبائل بصاحب الرسالة صلوات الله عليه، ليكون ذلك صورة من صور التبليغ عندما تقع المصاهرة، وهى من أهم وشائج الصلات عند العرب. وأظهرها وقوع التواصل والتلاقي، وترديد اسم مشهور لخير من زاوج وصاهر، وهو اسم محمد الذي هزّ مجتمعهم كله من أساسه، ولذا ثبت بسبب هذا التصاهر دخول كثير منهم في الإسلام، ممن لم يسبق لهم الدخول فيه قبل المصاهرة.
стр. 11027
ثانيا: وهو الأخطر شأنا، أن هذه الباقة النابهة من الزوجات، وقد اخترن من الله لرسوله، فقد قال له بعد ذلك ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج﴾ ، كان عليهن مهمة تبليغ الرسالة للنصف البشرى الذي يقيده الحياء؛ وهن: النساء، خاصة ما يتصل بتشريع الأنوثة، ولهذا لا تكاد بيوتهن تخلو من أفواج النساء ليتلقين منهن عاطر الوحي الخاص بهن، والدليل بأن هذا تكليف لنساء الرسول وليس مجرد تطوع بالخير منهن هو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ، وخص هذا الأمر مباشرة بهن، فالكلمة ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ تكليف بِمَعَانٍ ثلاثة، اذكرن بمعنى احفظن ما أنزله على زوجكن الرسول، اذكرن ذلك في ذوات أنفسكن؛ بمعنى: العمل والتنفيذ لأنكن القدوات لغيركن، وثالث المعاني اذكرن ذلك بين النساء تبليغا وتعليما.
стр. 11028
فلما كانت الرسالة بهذا الاتساع والتعاظم، ونصيب المرأة منها كبير، أصبح كثرة المعلمات المتصلات بِسر النبوة شيئا يزيد في كمية العلم المبلَّغ وسعة انتشاره، وعودا إلى كتب الإسلام على اختلاف أنواعها وكثرتها، نجد عائشة وزميلاتها قد أضأن هذه الكتب بما أخرجن من التشريع والعلم، من داخل حجرات النبوة، ليس عن النساء فقط ولكن عن الرجال أيضا، فقمن بتنفيذ الأمر كاملا، فذكرن حفظا وتطبيقا وتبليغا، وهكذا زوجه سبحانه بعدد من النسوة وخاطبهن بالجمع ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ لعلمه بما زوج به نبيه، وأن من مهمتهن مساعدة رسوله في تبليغ رسالته الثقيلة ولهذا كُنَّ جديرات بأن يجعلهن أمهات المؤمنين وكأنهن وَلَدْنَ جميع أمة زوجهن العظيم، ﷺ ، فكل أمّ يمكن أن تلد، ولكن ليس كل أم يمكن أن تعلم وتربي أبناءها، وهذا هو خير ما في الأم، فأعطاهن الله هذه الصفة كاملة وليس مجرد تشبيه، فلم يقل سبحانه: وأزواجه كأمهاتهم، إنما قال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، حتى إن كبار الصحابة كانوا يرجعون إلى أمهاتهم هؤلاء في كل معضل من الشريعة، ثم إن نبينا عليه الصلوات، لم يكن بدعا من الرسل حين تزوج بهذا العدد المحدود، وهو كثير عند الأعداء والجاهلين، والذي كان لحكمة عظيمة أوضحنا منها ما ذكرنا، والذي تخرج هذه البغضاء من أفواههم، يعلمون يقينا أن أكثر من نبي كريم من أنبيائهم كسليمان ﵇، تزوج بتسعين امرأة كما هو ثابت في الحديث الصحيح، فيتركون التسعين ويتكلمون عن التسع، وذلك لحاجة في نفس يعقوب لم يقضها.
стр. 11029
وإنه والله زيادة في الكفر، حينما يعترض أحد على من له التصرف في ملكه بما يشاء.. فما دخْلُ الخلق في عمل الخالق؟، حيث الرجال عباده والنساء إماؤه، زوج من يشاء بالعدد الذي يشاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك﴾ ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَه﴾ ، إن الواحد منا لا يقبل من غيره التدخل في شؤونه، فكيف بالتدخل في شأن من له الشأن كله؟، والرسل هم أحبابه وصفوته، يميزهم بما يشاء، ويدخل في ذلك بما يعجز عنه غيرهم، فسبحان من أتم عليهم نعمته خَلْقا وخلقا، وبعد ذلك. أفنحن نسمع الصّم ولو كانوا لا يعقلون.
стр. 11030
ثم قال الأعداء وردد أدعياء الإسلام قولهم: إنكم أيها المسلمون تمزقون ما أحكمته أواصر الزواج بتشريد الزوجة وأطفالها بمجرد كلمة طلاق تخرج من فم أحدكم، أما غيركم فلا يطلق إلا بدعوى أمام القاضي ليحكم بالطلاق أو عدمه، وجوابنا من كتاب الله أيضا، فإذا كان بعض الرعناء والحمقى قد أساءوا استعمال كلمة الطلاق فقد خالفوا صميم تعاليم دينهم، ومكنوا عدونا من اصطياد التي ضدنا، وإلى قرآننا وهو نبعنا الذي لا يغور فراته، لنأخذ منه ما نرد به الكيد، ولنرى كيف يعالج الأمر منذ أوّل بادرة شر بين الزوجين، وبصورة ترفع من هام المسلم بهذا التشريع الرفيع، يقول عزّ من قائل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ .
أما القوامة وما يتصل بها، فسأعود إليها في فاصل آخر يأتي بعد إن شاء الله، وسأبدأ الآن من قوله تعالى:
следующие страницы →