Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.
стр. 11271
وهذا القول -وإن كانت نسبته لا تصح إلى الإمام الغزالي، كما يأتي توضيح ذلك. ولا نعلم مدى صحة نسبته إلى الآخرين لعدم المراجع المتوفرة بأيدينا حاليا-. فإنه قول قد قيل ومتداول في كتب العقائد، ولذلك فإننا سنبحث الموضوع من حيث هو؛ لنبين مدى موافقته أو مخالفته لما جاء به القرآن الكريم، بغض النظر عن نسبته إلى قائله، فنقول وبالله التوفيق: إن مشكلة البعث التي عالجها القرآن بطرقه المختلفة، مع المنكرين له المستبعدين لوقوعه. هي إعادة هذه الأجسام بعينها مرة أخرى بعد أن أصبحت عظاما بالية مفتتة مختلطة اختلاطا كليا بأجزاء الأرض، كما قال تعالى حكاية عنهم:
(١) ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ . (ق: آية ٣) .
(٣) ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . (السجدة: ١٠)
(٣) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سبأ: آية ٧) .
стр. 11272
فالآيات تحكى أقوالهم الصادرة منهم في إنكارهم للبعث، وإعادة الحياة بعد الموت مرة أخرى لهذه الأجسام المتفتتة، فلم تتسع عقولهم ومداركهم، لإعادة هذه العظام خلقا جديدا، بعد أن صارت ترابا، فمنهم من لم ينكروا على الله قدرته على إيجاد خلق جديد وإنشاؤه لأنهم يعلمون أنه خالق السموات والأرض، وخالقهم وهم يشاهدون مخلوقاته تحدث باستمرار أمام أعينهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . فالخلق والإيجاد مستمر، وإنما أنكروا الإعادة لعظام تفتت، كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ . وقد أشرنا في سبب نزولها، أن أبي بن خلف جاء إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم يميتك الله تعالى ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار".
هذا ما أنكروه على الرسول ﷺ واستبعدوا وقوعه، حينما دعاهم إلى الإيمان بالبعث والجزاء في اليوم الآخر، ولذلك فقد ردّ الله على شبههم تلك- فقال ردا على قولهم: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ؟ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ .
وقال تعالى ردا على قولهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ .
стр. 11273
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَه بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (القيامة: آية ٣، ٤) ، وقال تعالى في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: آية ٧٠٦) وفي القبور تلك العظام المفتتة، فهو القادر على إعادتها ومما يؤكد ذلك ويزيده وضوحا، من أن المعاد هو عين الأول، لا مثله، قوله تعالى.
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: آية ١٩- ٣٣) .
стр. 11274
فهذه الآيات تدل صراحة على أن أعضاء الإنسان، وجوارحه التي كانت في الدنيا هي نفس التي تبعث، فتشهد عليه يوم القيامة بما اقترف من سيئات متسترا عن أعين الناس، ظنا منه أن الله لا يعلم عمله ذلك. ولم يدر بخلده أن أعضاءه ستشهد عليه يوم القيامة، بكل ما اقترف في الحياة الدنيا، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُم﴾ . ومن رحمة الله وعدله أن لا يؤاخذ عباده، إلا ببينة تشهد عليهم بما عملوا وإن كان هو يعلم السر وأخفى. ولذا فقد جعل مع كل إنسان من يدون عليه حركاته وسكناته، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: آية ١٨) .
وقال الله تعالى: ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: آية ١١- ١٣) .
وشرط الشهادة، أن يكون الشاهد حاضرا ومطلعا على ما يشهد به؛ فدلا ذلك على أن هذه الأعضاء التي تشهد على الإنسان، هي الأعضاء الموجودة في الدنيا حين اقترف تلك الجريمة. لا أعضاء جديدة وجدت، إلا لقالب صاحبها، لخالقه: إن هذه الأعضاء لم تكن حاضرة معي في الدنيا حتى تشهد علي.
أما نسبة القول -بخلق أجسام جديدة غير التي كانت في الدنيا- إلى من أشار إليهم شارح المواقف، ومنهم الغزالي، فالذي يبدو إن نسبة هذا القول للغزالي خطأ. ذلك أن قوله صريح في أن المعاد هو عين الأول لا مثله، وما نقل عنه من القول بإعادة بدن جديد تتعلق به الروح كما هو مذكور في كتابه: تهافت الفلاسفة- فقد صرح في كتابه- الاقتصاد في الاعتقاد- أن ذلك على سبيل الإلزام منه للفلاسفة بما يعتقدون. ولا أنه هو المذهب الحق الذي يعتقده، ولكون الغزالي متهما في هذه المسألة حتى من أتباعه. فسننقل عنه ما ذكره في كتابه المشار إليه -وإن طال لبيان الحقيقة- يقوله تحت فصل- في باب قضاء العقل بما جاء الشرع به من الحشر النشر:
стр. 11275
(أما الحشر فيعنى به إعادة الخلق. وقد دلت عليه القواطع الشرعية، وهو ممكن بدليل الابتداء فإن الإعادة خلق ثان، ولا فرق بينه وبين الابتداء وإنما يسمى الإعادة بالإضافة إلى الابتداء السابق، والقادر على الإنشاء والابتداء قادر على الإعادة، وهو المعنى بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فإن قيل فما تقولون؟ أتعدم الجواهر والأعراض ثم يعادان جميعا. أو تعدم الأعراض دون الجواهر، وإنما تعاد الأعراض.
قلنا كل ذلك ممكن وليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات. وأحد الوجهين أن تعدم الأعراض ويبقى جسم الإنسان متصورا بصورة التراب -مثلا- فتكون قد زالت منه الحياة واللون والرطوبة والتركيب والهيئة وجملة من الأعراض، ويكون معنى إعادتها أن تعاد إليها تلك الأعراض بعينها أو تعاد إليها أمثالها، فإن العرض عندنا لا يبقى، والحياة عرض، والموجود عندنا في كل ساعة عرض آخر، والإنسان هو ذلك الإنسان باعتبار جسمها فإنه واحد، لا باعتبار أعراضها فإن كل عرض يتجدد هو غير الآخرة، فليس من شرط الإعادة فرض إعادة الأعراض، وإنما ذكرنا هذا المصير بعض الأصحاب إلى استحالة إعادة الأعراض. وذلك باطل: ولكن القول في إبطاله يطول.
والوجه الآخر: أن تعدم الأجسام أيضا، ثم تعاد الأجسام بأن تخترع مرة ثانية، فإن قيل فبم يتميز المعاد عن مثل الأول؟ وما معنى قولكم إن المعاد هو عين الأول، ولم يبق للمعدوم عين حتى تعاد؟؟
стр. 11276
قلنا المعدوم منقسم في علم الله إلى ما سبق له وجود، وإلى ما لم يسبق له وجود. كما أن العدم في الأزل ينقسم إلى ما سيكون له وجود، وإلى ما علم الله تعالى أنه لا يوجد، فهذا الانقسام في علم الله لا سبيل إلى إنكاره، والعلم شامل والقدرة واسعة، فمعنى الإعادة أن نبدل بالوجود العدم الذي سبق له وجود، ومعنى المثل أن يخترع الوجود لعدم لم يسبق له وجود. فهذا معنى الإعادة، ومهما قدر الجسم باقيا ورد الأمر إلى تجديد أعراض تماثل الأول حصل تصديق الشرع، ووقع الخلاص عن أشكال الإعادة، وتمييز المعاد عن المثل. وقد أطنبنا في هذه المسألة في كتابنا التهافت، ومسلكنا في أبطال مذهبهم تقرير بقاء النفس التي هي غير متحيز عندهم. وتقدير عود تدبيرها إلى البدن سواء كان ذلك البدن هو عين جسم الإنسان أو غيره، وذلك إلزام لا يوافق ما نعتقده. فإن ذلك الكتاب مصنف لإ بطال مذهبهم، لا لإثبات المذهب الحق) [٢١] . وقد أشار إلى هذا المعنى في كتاب الأحياء ج ٤ ص ٢١٣.
وأما القول الثالث: وهو أن المعاد جسماني، فقط، فهو مبنى على القول بأن الروح جسم لطيف سار في البدن. فالمعاد وهو كلّ من الروح والبدن جسم، فيكون المعاد جسمانيا فقط. ودليل أن الروح جسم قوله ﷺ في صحيح مسلم: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر". وفي رواية أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره، قالوا: بلى. قال: فذلك حين يتبع بصره [٢٢] نفسه"وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ (الفجر: آية ٢٩) .
فدل ذلك على أن الروح جسم يرى بالعين. كما أن الدخول في الأبدان ينافى التجرد، لأن المجرد يكون داخلا في البدن- لا بكونه جزء منه ولا قوة حالة فيه، وإنما هو عبارة عما ليس بجسم، ولا قوة حالة بالجسم، بل المجرد لا مكاني فلا يقبل إشارة حسية) [٢٣]
стр. 11277
وهذا القول الذي هو إعادة الجسم بعينه، ثم حلول الروح فيه، هو الذي دل عليه القرآن، وبين أنه واقع لا محالة، وذلك لأنه هو الذي استبعد المنكرون للبعث إمكانه.
الناحية الثانية: هل الإعادة عند القائلين بإعادة الجسم، عن عدم محض، أو عن تفريق؟
للعلماء في كيفية الإعادة بعد الموت مذهبان:
المذهب الأول: أن تنعدم أجزاء البدن انعداما كليا بحيث لا يبقى لها أثر أصلا، ثم أن الله ﵎ يعيد تلك الأجزاء بعينها بعد فنائها، ويوجدها إيجادا ثانيا، كما كانت أولا، ذلك أن الإيجاد الثاني للبدن بعد عدمه الطارئ عليه، كالإيجاد الأول، من حيث أنه ليس ممتنعا لذاته، ولا لشيء من لوازم ذاته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ . فالموجود ثانيا، هو الموجود أولا أعيد بعينه، على وفق علمه تعالى، فهو بكل خلق عليم، وقد استدل القائلون بهذا الرأي بآيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ .
على معنى إنما الهلاك والفناء- إعدام عين الشيء وزواله، لا تغير صورته التي كان عينها في الدنيا إلى صورة أخرى مباينة لتلك الصورة.
المذهب الثاني: أن الأجزاء التي يتألف منها البدن، لا تنعدم، وإنما تتفرق فتكون متصورة بصورة التراب مثلا، وإنما الذي يزول عنها الحياة واللون، والهيئة والتركيب.
فإذا جاء يوم المعاد، جمع الله بقدرته تلك الأجزاء، المتفرقة وألفها تم أعادها كما كانت في الدنيا وذلك أن الأجزاء قابلة للجمع، والله عالم بجميع الأجزاء لأي بدن من الأبدان. لعموم علمه وإحاطته بكل شيء علما قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [٢٤] .
стр. 11278
وقد استدل القائلون بهذا.. القول من القرآن الكريم بقصة إبراهيم ﵇، في إحياء الطير إذ كان جمعا لأجزائها بعد تفرقها. فإن إبراهيم ﵇ قطع تلك الطيور أجزاء، كما أمره الله ﵎، وخلط بعضها مع بعض، ثم فرقها على رؤوس الجبال المجاورة له، ثم دعاها، فاجتمع كل جزء إلى الجزء الآخر وتألفت تلك الأجزاء طيورا، كما كانت أولا، ثم جاءته حية تسعى.
موقف القرآن:
إذا نظرنا في كتاب الله الكريم، نجد آيات كثيرة تدل على القول بتفرق الأبدان ثم إعادتها إلى حالتها التي كانت عليها، فمن تلك الآيات قصة إبراهيم ﵇ في إحياء الطير السابق ذكرها ونص الآية كما يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: آية ٣٦٠) فدلت الآية على أن إحياء هذه الطيور وإعادة أجسامها كان بجمع أجزائها المتفرقة، وضم بعضها إلى بعض فإن واهب الحياة أمر إبراهيم أن يدعو تلك الطيور. فاجتمع كل جزء مع الجزء الآخر، ثم جاءته حية تسعى.
ثانيا: قصة الرجل الذي مر على القرية الخاوية على عروشها، وقد استبعد إعادتها إلى ما كانت عليه بعد مشاهدته لما حل بها إذ قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ . وقد أراه الله تعالى آياته الدالة على قدرته رؤية عيان ومشاهدة، فأماته مائة عام ثم بعثه، وأراه كيف يجمع العظام بعضها إلى بعض وهى أجزاء حماره المتفرقة عنه يمينا وشمالا، ثم كسوتها لحما بعد اجتماعها، وإعادة الحياة إليها، يقول تعالى مخبرا عن تلك الواقعة.
стр. 11279
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: آية ٣٥٩) .
وهناك آيات تحكى عن المنكرين للبعث، وصفهم للحالة التي يصيرون إليها. كتمزق أبدانهم قطعا. وتحلل أجزائها واختلاطها بأجزاء الأرض. وصيرورتهم عظاما مفتتة، وأخرى تصف تصورهم بصورة التراب.
ومن تلك الآيات قوله تعالى:
١- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سبأ: آية ٧) .
٣- ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ (السجدة: آية ١٠) .
٣- ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (يس: آية ٧٨) .
٤- ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق: آية ٣) .
стр. 11280
فهذه الآيات جميعا تحكي عن الجاحدين استبعادهم لإعادتهم بعد تفرق أبدانهم وتحولها عن هيئتها وتركيبها، وزوال صورتها الأصلية البشرية إلى الحالة التي وصلت إليها، إذ أصبحت أجزاء مختلطة بغيرها. وأبلغ تغير هو تحولها إلى صورة التراب بحيث لا يستطيع الإنسان تميز أجزائها من أجزائه، وليس في هذا دليل على الإعدام النهائي المطلق، وإنما هو دليل على التغير الكامل. لأنهم صاروا ترابا والتراب شيء موجود. وهو أصلهم الذي أنشئوا منه. ثم أُعيدوا إليه. وأخيرا يخرجون منه تارة أخرى، يقول تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (طه: آية ٥٥) .
وهناك آيات أخرى هي نص صريح في موضوع الجمع، من الله ﵎، يقول تعالى في سورة الحج. بعد ذكره دليل الإعادة.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ .
ومعلوم أن الذي في القبور أجزاء الموتى بعد أن تفتت، واختلطت بأجزاء الأرض فالله قادر على تمييزها. ثم تأليفها إعادتها إلى حالتها الأولى.
وفي سورة القيامة آيتان صريحتان في جمع أجزاء الإنسان المتفرقة. بل إنهما أقوى دليل على ذلك وأبلغ دليل في تصوير القدرة الإلهية. يقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (القيامة آية ٣) .
стр. 11281
فقد صرحت الآية بجمع عظام الإنسان المتفرقة، كما نصت على تسمية بنانه، وقد كشفت العلوم الحديثة عن هذا السر، إذ تبين أن البشرية بأسرها، قد ميز الله العليم القادر بين جميع أفرادها بميزة لا يمكن أن يشترك فيها اثنان منهم، حتى الأب مع ابنه، تلك الميزة هي اختلاف البنان، تلك الخطوط الدقيقة في أنامل كل إنسان. فقد ثبت علميا اختلاف بصمات أفراد البشرية في هذا العالم كله- أي اختلاف بنانهم.
وإذا كان الأمر كذلك، وقد أخبر تعالى (أنه قادر على جمع عظام الإنسان وإعادة بنان كل فرد بهيئته وشكله وصورته، فكيف يستبعد الجاحد على من هذه قدرته، إعادته إلى الحياة مرة أخر ى.
وبالتالي فالآية نص صريح في جمع الأجزاء المتفرقة حتى أصغر جزء منها، ودليل على أن بدن الإنسان يتفرق ولا ينعدم.
الراجح من القولين:
وبعد عرض هذه الآيات من القرآن الكريم، يتبين لنا أن الأولى بالترجيح هو القول بتفرق بدن الإنسان، لا إعدامه، ذلك التفرق الذي تذهب معه الصورة الأصلية لأجزاء بدن الإنسان وتتغير تغيرا كليا، بحيث تصبح متصورة بصورة التراب، وهذا ليس معناه عدما فإن التراب موجود، وهو أصل مادة الإنسان فمنه وجد وإليه يعاد ومنه يخرج مرة أخرى. قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (طه: الآية ٥٥) إلا ما نصت السنة الصحيحة على بقائه بعينه، وعدم تحوله عن صورته.
стр. 11282
أولا: عجب الذنب: الذي منه يركب خلق الإنسان، فقد ثبت في الصحيحين بقاؤه بعينه، وأن الأرض لا تأكله أبدا. ففي صحيح البخاري. عن أبى هريرة ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون. قالوا: أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة.؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظماً واحدا وهو عجب الذنب. ومنه يركب الخلق يوم القيامة" [٢٥] .
وفي رواية مسلم من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الإنسان عظم لا تأكله الأرض أبدا. فيه يركب يوم القيامة. قالوا: أي عظم هو؟ يا رسول الله. قال: عجب الذنب" [٢٦] .
ثانيا:- أجساد الأنبياء فقد حرم الله على الأرضي أن تأكلها.
فقد روى النسائي وأبو داود من حديث أوس بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم ﵇، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فإن صلاتكم معروضة عليّ قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي يقولون قد بليت. قال: إن الله . قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈" [٢٧] .
ويقول ابن القيم في مفتاح دار السعادة ما ملخصه:
стр. 11283
((ما خلقه الله فقد أوجده لحكمة في إيجاده، فإذا اقتضت حكمته إعدامه جملة واحدة، أو تغييره وتحويله من صورة إلى صورة، بدله وغيره وحوله، ولم يعدمه جملة، قال: ومن فهم هذا فهم مسألة المعاد، وما جاءت به الرسل فيه، فإن القرآن والسنة، إنما دَلاَّ على تغيير العالم وتحويله وتبديله لا جعله عدما محضا وإعدامه بالكلية، فدل على تبديل الأرض غير الأرض والسموات، وعلى تشقق السماء وانفطارها وتكوير الشمس، وانتشار الكواكب، وسجر البحار، وإنزال المطر على أجزاء بنى آدم المختلطة بالتراب، فينبتون كما ينبت النبات، وترد تلك الأرواح بعينها، إلى تلك الأجساد التي أحيلت، ثم أنشئت نشأة أخرى ... فهذا هو الذي أخبر به القرآن والسنة، ولا سبيل لأحد من الملاحدة الفلاسفة وغيرهم إلى الاعتراض على هذا المعاد الذي جاءت به الرسل بحرف واحد.
وإنما اعتراضاتهم على المعاد الذي عليه طائفة من المتكلمين أن الرسل جاؤوا به، وهو أن الله يعدم أجزاء العالم العلوي والسفلي كلها فيجعلها عدما محقا، ثم يعيد ذلك العدم وجودا، ويا ليت شعري أين في القرآن والسنة أن الله يعدم ذرات العالم وأجزاءه جملة ثم يقلب ذلك العدم وجودا.
وهذا هو المعاد الذي أنكره الفلاسفة، ورمته بأنواع الاعتراضات، وضروب الالزمات، واحتاج المتكلمون إلى تعسف الجواب وتقريره بأنواع المكابرات، وأما المعاد الذي أخبرت به الرسل، فبريء من ذلك كله، مصون عنه لا مطمع لعقل في الاعتراض عليه، لا يقدح فيه شبهة واحدة وقد أخبر سبحانه أنه يحيي العظام بعد ما صارت رميماً، وأنه قد علم ما تنقص الأرض من لحوم بنى آدم وعظامهم، فيرد ذلك إليهم عند النشأة الثانية، وأنه ينشئ تلك الأجساد بعينها بعدما بليت نشأة أخرى، ويرد إليها تلك الأرواح ... الخ [٢٨] .
стр. 11284
وإذا كنا رجحنا القول بأن الإعادة عن تفريق، لاعن عدم محض، وأن الله يفرق أجزاء الأجسام، ثم يعيدها، فما هو الجواب على ما استدل به القائلون بانعدام الأبدان، من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (القصص: آية ٨٨) . وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن: آية ٢٦) .
يرى القائلون بتفرق الأبدان أن الاستدلال بهاتين الآيتين على انعدام الأبدان كلية ضعيف. ذلك أن التفريق هلاك كالإعدام، لأن هلاك الشيء هو خروجه عن صفاته التي كان عليها وزوال التأليف والتركيب الذي به تصلح الأجزاء لأفعالها وتتم به منافعها ومثل الهلاك الفناء عرفا، فإن البدن إذا تغير بحيث أصبح ترابا، فقد صار في حكم المعدوم من حيث تغير صورته، وكل ما يمتاز به من مقوماته، وقد قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ إنه إخبار من الله تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون، أجمعون. وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم فإن الرب تعالى. هو الحي الذي لا يموت. قال: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [٢٩] فعلى هذا التفسير يتضح أن المقصود من الآيتين هو موت الأحياء جميعا، وتغير صورهم، بل وصور الأشياء جميعا، كما تقدم توضيحه في كلام ابن القيم.
والله أعلم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] جواد علي تاريخ العرب قبل الإسلام ص ١٢٦ج ٦.
[٢] ابن كثير، التفسير ج٢١٢.
٣]] محمد بن إسماعيل البخاري صحيح البخاري كتاب التفسير باب ونفخ في الصور ... رقم الحديث ٤٨١٤ من فتح الباري ج ٨ ص ٥٥١.
وقول أبو هريرة ((أبيت)) معناه أبيت أن أجزم بأن المراد أربعون يوما ... الخ بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة وذلك الذي سمعت.
стр. 11285
وقد روى الحديث الإمام مسلم في صحيحه في/كتاب الفتن/باب ٢٨ ما بين النفختين/رقم الحديث ١٤١ ج٤ ص٢٢٧ ترقيم عبد الباقي وفيه ((ثم ينزل الله من السماء فينبتون كما ينبت البقل)) وبهذه الزيادة رواه البخاري أيضا في كتاب التفسير/باب يوم ينفخ في الصور ج٨ ص٦٨٩ في فتح الباري رقم الحديث ٤٩٣٥.
[٤] جاء ذلك في حديث أبي سعيد عند الحاكم وأبي يعلى قيل يا رسول الله ما عجب الذنب؟ قال "مثل حبة خردل"والعجب بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة ويقال له ((عجم)) بالميم أيضا عوض الباء وهو: عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان في رأس الذنب من ذوات الأربع فتح الباري ج٨ ص٥٥٢.
[٥] مسلم صحيح مسلم /كتاب الفتن وأشراط الساعة/ باب ما بين النفختين رقم الحديث ١٤٣ج٤ص٢٢٧١ ترقيم عبد الباقي.
[٦] ابن كثير، التفسير، ص٢٢٢.
[٧] محمد بن جرير الطبري، التفسير ج ٢٣ص ٣١.٣٠. الطبعة الثانية سنة ١٣٧٣هـ وابن كثير التفسير ج٣ ص ٥٨١، ١٩٥٤مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
[٨] الفخر الرازي التفسير الكبير ج ٢٦ ص١٠٩ الطبعة الثانية الناشر دار الكتب العلمية طهران.
[٩] قوله قال كلمة فسرها بقوله: أعطاه الله مالا وولدا أي الكلمة التي قالها قبل ذكر القصة.
[١٠] لم يبتئر فسره قتادة لم يدخر.
[١١] محمد إسماعيل البخاري صحيح البخاري كتاب التوحيد/باب ٣٥ قول الله تعالى ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ من فتح الباري ج١٣ ص٤٦٦-٤٦٧ رقم الحديث ٧٥٠٨ ورواه في كتاب الرقاق/باب ٢٥ الخوف من الله/من فتح الباري ج١١ص٣١٢،٣١٣ رقم الحديث ٦٤٨١. رواه مسلم في كتاب التوبة/باب ٤ في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه رقم الحديث ٢٥. ورواه الإمام أحمد في سند ج٥ ص٢٦٩.
[١ ٢] ابن كثير التفسير ج٣ ص٥٨٢.
[١٣] ابن كثير: التفسير ج٢ ص٥٦٩
[١٤] أبو السعود بن محمد العمادي الحنفي، التفسير ج ٤ص٢٤٢
стр. 11286
[١٥] ابن جرير الطبري، التفسير ج٢٨ص١٢١
[١٦] ابن جرير الطبري، التفسير. ج٢٣ص١٧.
[١٧] الايجي شرح المواقف ج ٨ ص ٢٩٧، الطبعة الأولى سنة ١٣٢٥هـ ١٩٠٧م مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر
[١٨] الايجي، شرح المواقف ج ٨ ص ٢٩٧
[١٩] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، النمط الثامن ص ٧٧٤-٧٧٨ تحقيق د. سليمان دنيا/ملتزم الطبع والنشر دار المعارف بمصر ١٩٦٠م
[٢٠] الايجي، شرح الموافق جـ٨ ص ٢٩٧
[٢١] محمد أبي حامد الغزالي، كتاب الاقتصاد في الاعتقاد ص٩٦.الطبعة الأولى سنة ١٣٢٠هـ تصحيح مصطفى القباني الدمشقي.
[٢٢] مسلم صحيح مسلم، كتاب الجنائز/باب/في إغماض الميت والدعاء له إذ حضر، و/باب/شخوص بصر الميت يتبع نفسه، رقم الحدثين ٩٢٠،٩٢١.جـ ٢ص ٦٣٢،٦٣٥. ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
[٢٣] كمال الدين محمد بن محمد بن أبي شرف القدسي، شرح المسايرة ص ٢٣
[٢٤] الايجي، شرح المواقف جـ٨ ص ٢٩٥،الغزالي، الاقتصاد في علم الاعتقاد ص٩٦
[٢٥] محمد بن إسماعيل البخاري.
[٢٦] صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب يوم ينفخ في صور فتأتون أفوجاً، رقم الحديث ٤٩٣٥،من فتح الباري جـ ٨ص ٦٨٩.٦٩٠،ومسلم في كتاب الفتن/باب ما بين النفختين، رقم الحديث ١٤١جـ ٤ص٢٢٧١ ترقيم عبد الباقي.
[٢٧] النسائي، سنن المجتبي، كتاب الصلاة/فضل يوم الجمعة جـ٣ ص ٧٥الطبعة الأولى ١٣٨٣هـ –١٩٦٤.
قال المناوي في فيض القدير، قال الحاكم على شرط البخاري، انتهى، وليس كما قال الحافظ المنذري وغيره ليس له علة دقيقة أشار أليها البخاري وغيره وعقل عنها من صححه كالننوي في الرياض والأذكار جـ٢ ص ٥٣٥ رقم الحديث ٢٤٨٠
[٢٨] ابن القيم، مفتاح دار السعادة جـ ٢ص ٥٣
[٢٩] ابن كثير، التفسير جـ ٤ ص٣٧٢، ٣٧٣
стр. 11287
مفهوم الأسماء والصفات
(الحلقة الخامسة)
سعد ندا
المدرس بالجامعة الإسلامية
من الأسماء الحسنى التي ذكرتها في الحلقة الرابعة- إضافة لما ذكرت من أسماء- أسم (المولى- والولي) ، وبينت بعضا من معاني اسم (المولى) . وأسلفت أنه ورد في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة.
ثم بدأت في بيان بعض معاني اسم (الولي) سبحانه. وذكرت أنه ورد في القرآن الكريم ست عشرة مرة.
ومن ثم يكون عدد أسماء الله الحسنى التي سقتها في الحلقات الأربع الماضية إحدى وأربعين اسما، تكرر ذكرها في مواضع مختلفة من القرآن الكريم. فضلا عن السنة المشرفة مرات بلغت (٣٧٨٦) ستا وثمانين وسبع مائة وألفي مرة، وأعود فأؤكد ما سبق إلى تأكيده في الحلقات السابقة أن تكرار أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم بهذا الحشد الوفير له مفهومه ومغزاه، وهو أن هذه الأسماء لها من خطورة الأمر، وأهمية الذكر، ما يحتم على كل مسلم ضرورة معرفتها؛ ليعرف منها صفات الله جلى وعلا، ومن ثم يستطيع أن يعبد إلها يعرفه بأسمائه الحسنى وصفات كماله العلياء؛ فيستطيع توحيده، وتجريد العبادات له جميعا؛ لتتحقق لها شروط القبول لدى الله .
وبالنظر إلى أن اسم (المولى) سبحانه لم يفرغ ما يسر الله إلى من بحث فيما يدور حول معانيه. فإنني أستعين بالله تعالى- بحوله وقوته- وأشرع في إتمام ذلك البحث فيما يلي:-
وورد اسم المولى كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (الجاثية آية ١٩) .
وقد جاءت هذه الآية عقب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية آية ١٨) .
стр. 11288
ومعنى الآيتين فيما يقوله الإمام ابن كثير: اتبع ما أنزل إليك من ربك يا محمد، وأعرض عن المشركين، فإنهم لا يغنون عنك بل ولا عن بعضهم شيئاً ولا يزيدون أنفسهم إلا خساراً ودماراً وهلكاً، والله ولى المتقين، أما الكفار فلا مولى لهم إلا الطواغيت الذين يخرجونهم من النور إلى الظلمات.
ويقول الإمام الشوكاني: الشريعة في اللغة: المذهب، والملة، والمنهاج، ويقال: لمشرعة الماء وهي: مورد شاربيه شريعة، ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد. فالمراد بالشريعة هنا: هو ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع شرائع- أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق، فاعمل بأحكامها في أمتك، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون توحيد الله وشرائعه لعباده، وهم كفار قريش ومن وافقهم. فهم لا يدفعون عنك شيئا مما أراده الله إن اتبعت أهواءهم، إذ أن الظالمين أنصار ينصر بعضهم بعضا، والله ناصر المتقين وهو وليهم، لأنهم الذين اتقوا الشرك والمعاصي [١] .
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: المعنى: شرعنا لك شريعة كاملة تدعو إلى كل خير وتنهى عن كل شر من أمرنا الشرعي. فاتبعها فإن في اتباعها السعادة الأبدية والصلاح والفلاح. ولا تتبع أهواء الذين تكون أهويتهم غير تابعة للعلم ولا ماشية خلفه، وكل من خالف هواه وإرادته شريعة الرسول ﷺ ، فإنه من أهواء الذين لا يعلمون. فهؤلاء لا ينفعونك عند الله فيحصلوا لك الخير ويدفعوا عنك الشر، إن اتبعتهم على أهوائهم، ولا يصلح أن توافقهم وتواليهم فإنك وإياهم متباينون، ولذلك كان الظالمون بعضهم أولياء بعض. والله ولي المتقين يخرجهم من الظلمات إلى النور بسبب تقواهم وعملهم بطاعته [٢] .
стр. 11289
ويقول صاحب صفوة التفاسير: في معنى الآيتين: المعنى جعلنك يا محمد على طريقة واضحة. ومنهاج سديد رشيد من أمر الدين، فاتبع ما أوحى إليك ربك من الدين القيم ولا تتَّبع ضلالات المشركين؛ أي: آراء الجهال التابعة للشهوات وهم رؤساء قريش حيث قالوا: ارجع إلى دين آبائك. فهم لن يدفعوا عنك شيئا من العذاب إن سايرتهم على ضلالهم. وإن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا ولا ولي لهم في الآخرة، والله ولى المتقين أي ناصر ومعينٌ المؤمنين المتقين في الدنيا والآخرة [٣] .
وأقول: إن أعظم شريعة، وأوسع شريعة، وأكمل شريعة عالجت كلّ جوانب الحياة في الدنيا والآخرة، والتي تولى الله تشريعها تفضلاً، ورحمةً، وهدايةً لأقوم طريق، وأنجى سبيل، خاتمةً للشرائع التي أنزلها الله تعالى إنما هي شريعة رسولنا الكريم محمد ﷺ . ومن ثم كان أمره تعالى إليه بقوله: ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ بمعنى أن يلتزمها ويأخذ بها نفسه. ثم يدعو إليها الناس جميعا، ليلتزموها ويأخذوا بها أنفسهم كذلك منهجا لكل نواحي حياتهم لينالوا فوز الدارين.
ومن ثم يبين لنا أنه لا نجاة للبشرية من حمأة الضلال، ودركات الفسق ووهدة الإلحاد، إلا باطّراح ما شرع البشر من قوانين صماء عمياء لا تبصر ما يصلح للإنسان، وما يهيئ له الحياة الطيبة، والانطلاق سريعا إلى اتباع الله تعالى الذي يعلم من خلق وما يُصلِحُ حياته، وهو اللطيف الخبير. ذلك بأن الله جل وعلا يتولى أمر المتقين الذين يجعلون بينهم وبين غضب الله وقاية تقيهم عذابه فهو سبحانه وليهم، وناصرهم بالحق على الباطل وأعوانه، وأما الظالمون فقد وكلهم سبحانه إلى أنفسهم يتولى بعضهم أمر بعض، فضاعوا وخسروا في الدنيا والآخرة.
стр. 11290
وإنني حين تدبرت قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بما تحمله من إثبات ونفي: الإثبات بالأمر باتباع ما أوحاه الله سبحانه من شرع، والنفي بالنهى عن اتباع أهواء الجهال المارقين عن أمر الله، حين تدبرت ذلك جال بخاطري قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وما ماثلها من الآيات بما تحمله كذلك من نفى وإثبات: النفي بأن يُكفَر بالطواغيت أيا كان نوعها من البشر، وما يشرعون من مناهج هابطة، ومن الجبابرة منهم والطغاة، ومن الموتى وما يتوهم المتوهمون من تأثيرهم في حياة الخلق وتصريفها وتدبير أمرها. والإثبات بأن يُخلَص الإيمان بالله إلها واحدا، تُجَرَّد له الأعمال وحده جميعا.
فالنفي والإثبات في معنى (لا إله إلا الله) هو أساس الإيمان: نفى العبودية لغير الله سبحانه عبادة وتشريعا واثبات العبودية له سبحانه عبادة وتشريعا. وذلك على أساس الاعتقاد الجازم بأن الله هو وحده يتولى شأن كلّ من وحَّده، ويُصَرِّف أمره على أحسن وجه، ولهذا أمره تعالى بتوحيده ونهاه عن الإشراك به؛ لأنه سبيل إحباط كل عمل، كما أمره بإتباع شرعه وحده، ونهاه عن إتباع أي شرع يصدر عن غير الله الكبير المتعال؛ لأنه لا حياة طيبة للإنسان، ولا سعادة له، ولا فوز في الدارين إلا بإتباع منهج الله الذي ضمَّنهُ شرعه.
قالَ اللهُ تعَالى:
стр. 11291
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . (البقرة: من الآية٢٥٦ - ٢٥٧)
--------------------------------------------------------------------------------
[١] فتح القدير الجزء الخامس ص ٨.بقليل تصرف.
[٢] تيسير الكريم الرحمن الجزء السابع ص١٤٤
[٣] صفوة التفاسير المجلد الثالث ص ١٨٥
стр. 11292
البدع وأثرها في انحراف التصور الإسلامي
الشيخ صالح سعد السحيمي
المدرس بكلية الحديث بالجامعة
السنة والبدعة:
إذا تبين ذلك فإنه قد يرد سؤال مفاده: ما هو الفارق والميزان الذي نميز به بين البدعة والسنة؟ لأن كل مبتدع يزعم أنه على السنة، بل يرى أن بدعته بعينها هي السنة فالجواب أن نقول: السنة في اللغة هي الطريق. ولا ريب في أن أهل النقل والأثر والمتبعين آثار رسول الله ﷺ ، وآثار أصحابه هم أهل السنة؛ لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث- وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه.
هذا هو مفهوم السنة عند السلف، بعبارة مختصرة، هي: الطريقة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه.
هذا هو المعنى الذي يعنينا في هذا المقام وهناك تعريفات أخرى للسنة عند المحدثين والأصوليين والفقهاء ليس من غرضنا التعرض لها هنا.
وأما تعريف البدعة فإني أنقل باختصار التعريف الذي أورده الإمام العلامة الشاطبي، رحمه الله تعالى في كتابه الاعتصام.
стр. 11293
وأصل مادة «بدع» للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي مخترعهما من غير سابق متقدم، ويقال ابتدع فلان بدعة يعنى ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. ويربط الإمام الشاطبي بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي فيقول: ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة- فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، ثم يستمر بالتمهيد للتعريف ويذكر أقسام الحكم التكليفي الخمسة حتى يتوصل إلى أن من المنهيات ما يطلب تركه وينهى عنه؛ لكونه مخالفاً لظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيات، والتزام الهيئات المعينة، أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك.
وهذا هو الابتداع والبدعة، ويسمى فاعله مبتدعا، ومما تقدم يستنتج الشاطبي تعريف البدعة في الدين فيقول: «فالبدعة إذًا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهى الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» . ومعنى هذا التعريف -وهو جامع مانع-كما ترى. فالطريقة والسبيل والسنن ألفاظ مترادفة، وهو ما رسم للسلوك عليه، وإنما قيدت بالدين لأن صاحبها يضيفها إليه. وخرج بذلك الطريقة المخترعة في الدنيا كالصناعات مثلا فإنها لا تسمى بدعة في الدين بهذا القيد وإن كانت مخترعة.
ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم إلى قسمين ... فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها.
стр. 11294
خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع في الدين، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع. وقوله في التعريف تضاهى الشرعية- يعنى أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة، على رأس تلك الأوجه اتهام الشريعة بالنقص وعدم الكمال، وهذا معلوم البطلان من الدين بالضرورة كما تقدم. وقوله (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى) هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها. وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة، والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ . فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى.
فأراد أن يسلكه بأي وجه، ولم يتبين له أن الشارع قد وضع لذلك حدودا وضوابط وقوانين لا يجوز أن يزاد فيها أو ينقص.
أمثلة من البدع الشائعة بين المسلمين:
إذا تبين الفرق بين السنة والبدعة من خلال التعريف، فإني أورد أمثلة للبدع التي عمت وطمت في أرجاء العالم الإسلامي، حتى أصبحت عند كثير من الناس سنة متبعة، في الوقت الذي تركت السنن، وهجرت تعاليم الإسلام. وسأذكرها على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، منها: نذر الصيام قائما لا يقعد أو ضاحيا لا يستظل، والانقطاع للعبادة وترك الكسب الحلال، وإقامة المآتم وقراءة القرآن فيها، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة.
ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة؛ كالذكر على هيئة الاجتماع بصوت واحد.
стр. 11295
ومنها التزام عبادات معينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة: كالتزام صيام يوم النصف من شعبان، وقيام ليلته، والاحتفال بيوم الإسراء والمعراج، وتخصيصه بعبادة معينة، علما بأن تاريخه قد اختلف في تحديده، وحتى لو عرف فإن الله لم يميزه بعبادة مخصوصة، وغير ذلك من البدع التي أحدثت بعد رسول الله ﷺ وأصحابه الغر الميامين الذين كان لهم قصب السبق في الذب عن حياض الإسلام، والدفاع عن السنة المطهرة.
أصل بدعة المولد:
ولما كانت البدع كثيرة، يجل عنها الحصر، فإني سوف أقصر الكلام بإيجاز على بدعة خطيرة، ومحدثة عظيمة، تمس شخصية رسول الله ﷺ ؛ ألا وهى: بدعة الاحتفال بعيد مولده ﷺ .
وإن المتتبع للتاريخ الإسلامي يجد أن مثل هذه الاحتفالات لم تكن موجودة عند المسلمين الأوائل، بل ولا في القرون المفضلة، حتى جاءت الدولة الفاطمية، والتي انتسبت إلى فاطمة ظلما وعدوانا، بل إن المحققين من المؤرخين يرون أنهم ينحدرون من أصل يهودي يقال لهم العبيديون، وهم أبناء ميمون بن ديصان المشهور بالقداح، قيل: إنّه يهودي، وقيل مجوسي، وقد استمرت دولتهم في مصر من (٣٥٧- ٤٦٧ هـ) وقد احتفل الفاطميون بأربعة موالد: مولد النبي ﷺ ، وعلي بن أبى طالب، وولديه الحسن والحسين ﵃ جميعا.
فهم أول من أحدث ذلك كما ذكر المقريزى وغيره. وظلت هذه البدعة يعمل بها حتى جاء (بدر الجمالي) الوزير الأول للخليفة الفاطمي (المستعلي بالله) ، وكان هذا الوزير شديد التمسك بالسنة، فأصدر أمرا بإلغاء هذه الموالد، وما أن مات (بدر الجمالي) حتى عادت البدعة من جديد.
стр. 11296
واستمر الأمر على هذا الحال حتى جاء عهد صلاح الدين الأيوبي، وكان -أيضا- من المتمسكين بالسنة، فألغى هذه الاحتفالات، وتم تنفيذ هذا الإلغاء في كل أنحاء الدولة الأيوبية، ولم يخالف في ذلك إلا الملك المظفر الذي كان متزوجا من أخت صلاح الدين.
وقد ذكر المؤرخون أن احتفالات الملك المظفر بالمولد كان يحضرها المتصوفة، حيث يكون الاحتفال من الظهر إلى الفجر، وكان ما ينفق في هذا الاحتفال يزيد عن ثلاثمائة ألف دينار.
واستمرت بعد ذلك هذه الاحتفالات إلى يومنا هذا، بل توسعوا فيها حتى امتدت إلى الاحتفال بمولد كل عظيم في نظر العامة، إن كان من الملحدين، بحجة أنه من الأولياء. ولا يخفى على الجميع مدى المنكرات والموبقات التي ترتكب في أسواق الموالد، من شرب للخمر، ولعب للميسر، ورقص وغناء تؤديه النسوة في مجامع الرجال وغير ذلك من الكبائر، حتى أصبحت كلمة المولد يضرب بها المثل في كل المجالات، للفوضى والاستهتار، وأعظم من هذا كله اعتقاد هؤلاء الجهال أن الرسول ﷺ يحضر المولد؛ ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، بل يزعم بعضهم أنه يصافحه وهذا من أعظّم الباطل، بل هو غاية الجهالة والضلالة؛ فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس- بل هو مُنْعم في قبره، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ .
وقال النبي ﷺ "أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفع".
ونحن لا نلوم العامة الذين يفعلون مثل هذه الأمور وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
стр. 11297
ولكن اللوم يوجه إلى العلماء المنتسبين إلى العلم، أولئك الذين يعرفون طريق الحق ولكنهم يحيدون عنها، ولا يذكرون أن الاتباع أولى من الابتداع، ولكنهم يتجاهلون هذا الحق الذي لا يجادل فيه، فكيف يجهل هؤلاء أن حقيقة الحفاوة بذكرى مولد الرسول ﵇ تتركز في اتباع ما جاء به، وإحياء سنته، وأن هذه الذكرى الطيبة ليست مؤقتة بزمن وليست محدده بشهر ربيع الأول، بل ينبغي أن نحييها ونحتفى بها في كل لحظة من لحظات حياتنا وفى كل بقعة حللنا بها، وذلك باتباع سنته والسير على نهجها وما أظن أن مسلما يجهل أن الاحتفال بفكرة ((المولد النبوي)) أو غير ذلك من الموالد فكرة مبتدعة جاءتنا متأخرة، وفيها تشبه باليهود والنصارى الذين لا يعرفون من الدين إلا الاحتفالات على رأس السنة بعيد ميلاد المسيح ﵇ أو غيره، الذي دس عليهم وليس من دينهم- ونحن قد قلدناهم في هذا العمل كما قلدناهم في أمورٍ كثيرة. وهذا بلا شك مصداق لقول الرسول ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن". متفق عليه.
стр. 11298
وقد خشي النبي ﷺ ذلك على أمته فقال لا تجعلوا قبري عيدا، والعيد اسم لكل ما يعود ويتكرر. أي: لا تخصصوا لقبري يوما بعينه، تعودونه فيه، فمن خصص يوما من السنة كالثاني عشر من ربيع الأول وقع تحت هذا التحذير، ونحن بهذا لا ننكر زيارة قبره ﷺ إذا فعلت بالطريقة المشروعة، وبدون شدّ رحال أو تخصيص يوم أو شهر معين لأن شدّ الرحال من أجل العبادة خاص بالمساجد الثلاثة التي جاءت في الحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"والأعياد المعروفة في الإسلام ثلاثة أعياد فقط: عيد الفطر- وعيد الأضحى- وعيد الأسبوع الذي هو (يوم الجمعة) ، وما عدا ذلك من الأعياد المحدثة ما هو إلا ضرب من البدع الضالة التي قلدنا فيها أعداءنا. ولا شك أن العواطف الكاذبة ودعوى حبّ الرسول ﷺ هي التي حدت بنا إلى أن نبتدع ولا نتبع، وكيف تجتمع دعوى محبة رسول الله ﷺ مع مخالفة أمره في النهى عن الإحداث في الدين (الضدان لا يجتمعان) على حد قول القائل:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه
هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته
إن المحب لمن يحب يطيع
وقد جعل الله تعالى ميزان محبته ودليلها هو إتباع رسوله ﷺ : قال تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ . وبمنطوق الآية لا يعتبر محبا لله من خرج على الإتباع ولجأ إلى الابتداع، وما من شك في أنه يجب على كل مسلم أن يقدم محبة رسول الله ﷺ حتى على نفسه؛ فقد روى الشيخان عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
стр. 11299
لكن هذه المحبة يجب أن تكون في الإطار الصحيح الذي جعله الله فيه بعيدا عن الغلو والتفريط، فكأن أولئك الغلاة والمفرطين لم يسمعوا حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد؛ فقولوا عبد الله ورسوله". وأي غلو أعظم من قول القائل:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به
سواك عند نزول الحادث العممي
فإن من جودك الدنيا وضرتها
ومن علومك علم اللوح والقلم
ترى ماذا ترك لله بعد أن جعل جميع الكون بما فيه علم اللوح والقلم من إيجاد البشر. إن شخصية رسول الله ﷺ غنية عن هذا الإطراء، وحسبه فخرًا أن الله اختاره ليكون رحمة للعالمين، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. وهذه المنزلة وإن كانت أشرف منزلة ينالها مخلوق إلاَّ أن ذلك لا يخرجه عن كونه بشرا تجرى عليه السنن الكونية التي تجرى على البشر، من الولادة، والحياة، والموت، وغير ذلك من سنن الله في البشر قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ .
إن هؤلاء الغلاة قد أساءوا كلّ الإساءة إلى شخصية رسول الله ﷺ بما يلفقونه من الأحاديث الكاذبة والأخبار الزائفة التي تجعله في مصاف الآله، مما فتح ثغرة ينفذ منها أعداء الإسلام والمسلمين إلى السخرية من الإسلام والطعن في شخصية رسول الله ﷺ .
стр. 11300
إننا نعتز كل الاعتزاز بشخصية رسول الله ﷺ ، ونؤمن بأنه سيد ولد آدم، ونعتز بتلك المعاني الحية، والمبادئ القيمة التي جاء بها من عند الله، لكن يجب أن لا يحملنا هذا الاعتزاز على الخروج عن حدود المنزلة الصحيحة التي شرفه الله بها. وأننا نتساءل ماذا سنقول بعد الثناء العطر الذي أثنى الله به عليه من نحو قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقوله تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وماذا سنقول بعد أن نوه الله باسمه، ورسالته خمس مرات كل يوم كل ما رفع الأذان، وماذا سنقول بعد قول الله تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وآيات وأحاديث كثيرة تتحدث عن سمو منزلته، لا يمكن حصرها في مثل هذه العجالة، وفى ما أوردناه غنية لمن تدبر وتأمل ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ .
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام، تلك الشبهة التي يتعلق بها أرباب الموالد. ولا سيما مولد النبي ﷺ ، وذلك فهمهم الخاطئ الذي ينطبق عليه قول الشاعر: وآفته من الفهم السقيمى ... وهو ما توهموه من الحديث الذي رواه مسلم عن أبي قتادة ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن صوم الاثنين، فقال ﷺ "هو يوم ولدت فيه، وفيه أنزل علي" فقد تمسك هؤلاء بلفظة (يوم ولدت فيه) ثم عينوا هذا اليوم بالثاني عشر من ربيع الأول، وذلك تخصيص من عند أنفسهم. وهذا الاستدلال ظاهر البطلان لوجوه كثيرة منها:
стр. 11301
١- إن المطلوب في هذا اليوم أعني يوم الاثنين هو الصوم إقتداء بالرسول ﷺ . بينما نرى أصحاب تلك الموالد يخصصون ذلك اليوم الذي عينوه للأكل والشرب والطرب، فضلا عن ما أحدثوه من أذكار، وهتافات لا نجد لها برهانا ولا هدى ولا حجة صحيحة.
٢- إن الذي أمر به النبي ﷺ هو صوم يوم الاثنين من كل أسبوع دائما، ولم يقيد ذلك بسنة، أو بشهر، أو أسبوع بعينه، بينما هؤلاء يخصصون يوما واحدا في السنة هو: التاسع أو الثاني عشر من ربيع الأول على اختلاف بينهم. حتى وإن لم يوافق هذا اليوم يوم الاثنين. وبذلك يتضح وجه مخالفتهم أمر النبي ﷺ .
٢- إن صيام يوم الاثنين له خصوصية أخرى، إضافة إلى ما ذكر في هذا الحديث، وذلك أنه يوم تعرض فيه الأعمال على الله تعالى، فندب النبي ﷺ إلى صومه كي تعرض أعمال العبد على ربه، وهو صائم، وذلك أحرى لقبولها، كما جاء ذلك في أكثر من حديث عنه ﷺ .
فأي الفريقين أولى بالإتباع، وأقرب إلى الصواب؟ أهم أولئك الذين يصومون الاثنين من كل أسبوع. ويعيشون ذكرى رسول الله ﷺ في كل لحظة من لحظات حياتهم بمتابعته والصلاة والسلام عليه كلما ذكر. أم أولئك الذين لا يعرفون ذكراه إلا يوما واحدا في السنة بلا هدى، ولا كتاب مبين ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
دفع توهم:
стр. 11302
وإذا كان القرآن والسنة النبوية، وما جاء عن سلف الأمة على رأسهم الصحابة قد دل على التحذير من البدع، وأن هذه الأمور التي ذكرناها آنفا بما فيها الاحتفال بالموالد دخيلة على الدين، فإن ثمة سؤالا مفاده ما هي الشُّبَه، والأدلة التي تشبث بها المبتلون بحب هذه البدع؟ والجواب على ذلك أن نقول: إن هذه الشُّبه لا تخرج عن أمرين -إما نصوص صحيحة يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ويصرفونها عن معانيها الحقيقية، وإما أحاديث واهية أو موضوعة شحنوا بها كتبهم، ونسبوها إلى رسول الله ﷺ كذبا وزورا.
مثال ذلك حديث ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وحديث اختلاف أمتي رحمة، وحديث توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم، وغير ذلك من الأحاديث الملفقة، والتي تصدى لها علماء السنة بالبحث والتنقيب وبينوا عللها وخطورتها وما تنطوي عليه تلك الأحاديث المنكرة من المعاني الخطيرة، والدس الرخيص على الإسلام، وإتاحة الفرص لنيل الأعداء من الإسلام، ولكن الله قيض لهذه الأمة من طهر أحاديث النبي ﷺ من الدخيل؛ وذلك بعلم الإسناد الذي لا شك أنه من أعظم ما ميز الله به هذه الأمة. قال عبد الله بن المبارك ﵀ (لولا الإسناد لقال في السنة من شاء ما شاء) .
ولما كانت هذه الأحاديث التي تعلقوا بها كثيرة، فإني لن أتوسع في سردها وإنما أحيل إلى كتب السنة، وما ألف في خدمتها ففيها غنية لمن رزقه الله العقل وحسن البصيرة، ولكن الذي سنلقي عليه الضوء بشيء من الكشف والبيان، هي تلك النصوص التي صرفوها عن ظاهرها، زاعمين أنها تؤيد ما أحدثوه من البدع. منها:
стр. 11303
أولا: حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه قال: قال رسول الله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". فقد تمسكوا بلفظه "من سن في الإسلام سنة حسنة" وفرعوا على ذلك الفهم أن البدع قسمان بدعة حسنة وبدعة قبيحة، ففسروا السنة هنا بالبدعة وكأن معنى قوله ﷺ (من سن) أي من أحدث وابتدع وهذا مردود. من أربعة وجوه.
стр. 11304
الوجه الأول: سبب وجود الحديث فقد قال جرير ﵁: "كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى فيهم من الفاقة، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن، وأقام فصلى ثم خطب فقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ والآية التي في الحشر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تصدق رجل من ديناره، من درهمه من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة"قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب. حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ "من سن..." وذكر الحديث. فقد ظهر أن سبب ورود الحديث هو حاجة هؤلاء القوم؛ لذا أمرهم النبي ﷺ بالصدقة، فبادر هذا الصحابي بصدقته، وتبعه الناس في ذلك على أمر أمره به النبي ﷺ ، فضلا عما ورد في القرآن من الحث على الصدقة، فهذه القصة نفسها تنقض مفهومهم الخاطئ.
الوجه الثاني: ما تقدم من الفرق ببن السنة والبدعة من أن السنة هي: الطريق المتبع، والبدعة هي: الإحداث في الدين. هذا المفهوم هو الذي عليه علماء الأمة خلفا عن سلف، ولم ينقل عن أحد منهم أنه فسر السنة الحسنة بالبدعة التي يحدثها الناس من عند أنفسهم ولم ينزل الله بها من سلطان.
стр. 11305
الوجه الثالث: فهم السلف قاطبة من قوله ﷺ : "من سن سنة" أي أحيا سنة من سنن الرسول ﷺ حين يميتها الناس، ويتبعه الناس في هذا الإحياء الذي دعاهم إليه، يوضح ذلك حديثُ أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم فقال: قال رسول الله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء" فإن قوله من دعا إلى هدى تفسير لما أجمل في قوله من سن سنة حسنة وبالمقابل "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيء".
وقد دلت الأحاديث على أن كل بدعة ضلالة، بدون استثناء لأي نوع من البدع، فمن دعا إلى بدعة محدثة في الدين فقد دعا إلى ضلالة، سواء سماها بدعة حسنة أو لم يسمها كذلك.
الوجه الرابع: قالوا بأن البدعة قسمان- حسنة وقبيحة- وهو تقسيم من عند أنفسهم، وبمحض عقولهم الفاسدة، ونحن نوجه إليهم هذا السؤال: كيف نعرف أن هذا العمل حسن أو قبيح؟ وبالطبع سيجيب كل عاقل بأن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبّحه الشرع، ولا يعرف هذا إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فيقال لهم حينئذ إن الكتاب والسنة قد دلا على ذم البدع كما تقدم في الأدلة فما وجه تقسيمكم هذا؟
ثانيا: يستدل كثير من أهل البدع بما يروى عن عمر رضى الله عنه من قوله نعمت البدعة هذه، ردًّا على من أنكر عليه أمرَه الناس بصلاة التراويح جماعة في المسجد، خلف أبى ابن كعب، يستدلون بهذه القصة توهما منهم أن ما فعله عمر بدعة وهذا باطل من وجوه:
الوجه الأول: أن عمر ﵁ لم يفعل بدعة، وإنما فعل سنة كان النبي ﷺ قد فعلها، ثم تركها خشية أن تفرض على الأمة كما بيَّن ﷺ ذلك ولم ينه الناس عن فعلها مما يؤكد بقاء سنتها.
стр. 11306
الوجه الثاني: أنه قال هذه الجملة على سبيل المجاز، فتسميتها بدعة باعتبار أنها لم تفعل في عهد أبي بكر ﵁ تجوزا؛ لأن عمر هو الذي بدأ إحياء هذه السنة، خصوصا وقد زالت علة خشية الفرضية بانتقاله النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
الوجه الثالث: ربما قال عمر ذلك تهكما بمن قال له: إنك فعلت بدعة، فلعلم عمر أنها ليست بدعة ردَّ عليه بهذه الجملة على سبيل الإنكار.
هذا وهناك شُبه أخرى قد يتعلقون بها، ولو تأملناها لوجدناها لا تخرج عن هذا الإطار الذي هو تحميل النصوص ما لا تحتمل من المعاني الفاسدة الباطلة.
وهناك تقسيمات للبدع ذكرها القرافي وغيره، لا نجد لها مستندا أو معيارا صحيحا يمكن أن يؤخذ به، كتقسيمهم البدع إلى حقيقية وإضافية، أو حسنة وسيئة، أو كلية وجزئية، أو بسيطة ومركبة، أو فعلية وتركية، أو غير ذلك من التقسيمات المصطنعة المتكلفة التي لا تستند إلى دليل.
وخلاصة القول أن كل ما أحدث في الدين، ولم يقم عليه دليل في الكتاب ولا في السنة لا بعمومه ولا بخصوصه فهو بدعة محدثة.
الحق لا يعرف بكثرة الأتباع:
وأنه مما يؤسف له أن نرى تلك البدع والمحدثات قد طغت وانتشرت وتهافت عليها الناس تهافت الفراش على النار، في الوقت الذي ضيعوا فيه الفرائض، وأهملوا الواجبات، وغرقوا في المنكرات، حتى أصبح الكثير منهم يمثل قول ابن زيدون:
مساوىء لو قسمنا على الغواني
لما أمهرن إلا بالطلاق
стр. 11307
ومن الغريب حقا أن يرمى هؤلاء المبتدعون أهل السنة، والمتمسكين بها بالجمود والتزمت، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها زورا وبهتانا، ولكن هيهات هيهات أن ينالوا مآربهم فإن نبي الرحمة ﷺ قد بشرنا ببشارة عظيمة وهى قوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرة منصورة، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله". لذا فإنه لا ينبغي لعاقل أن يغتر بما يفعله سواد الناس، ودهماء العامة في سائر الأقطار من البدع والمحدثات فإنَّ الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية. قال تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ . وقال تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . وقال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ . إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الواردة في هذا المعنى.
فالحق أحق بالإتباع ولو خالفه الناس، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها؛ وهو لزوم جماعة المسلمين، والتمسك بالقرآن الكريم، والسنة المطهرة، فهما مصدر كل عِزٍّ وفلاحٍ ونجاحٍ في الدارين. وفقنا الله جميعا للإتباع وجنبنا الزلل والابتداع، إنه ولى ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على رسوله محمد وعلى آله وأصحابه.
طريق الجنة
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر؛ وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ...
وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور؛ وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ... "
стр. 11308
رخصة الفطر في سفر رمضان وَمَما يَتَرَتب عَلَيهَا مِن الآثارِ
(الحلقة الثانية)
للدكتور أحمد طه الريان
الأستاذ المساعد بكلية الحديث
(المطلب الثاني) : في بيان مقدار المسافة في السفر المرخص فيه بالفطر:
اختلفت النقول عن السلف رضي الله تعالى عنهم، في تحديد المسافة التي يباح الفطر فيها لمن أراد قطعها أو تجاوزها، اختلافا كثيراً، فقد نقل عن دحية بن خليفة «أنه خرج من قرية بدمشق إلى قرية عقبة من الفسطاط [١] وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثم أنه أفطر وأفطر معه أناس، فكره ذلك آخرون، فلما رجع إلى قريته، قال: والله قد رأيت أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدى رسول الله ﷺ ، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك [٢] .
ونقل ابن حزم بسنده إلى اللجلاج قال: كنا نسافر مع عمر بن الخطاب ثلاثة أميال فيتجوز في الصلاة ويفطر ويقصر [٣] . كما نقل بسنده إلى وكيع عن مسعد بن كدام عن محارب بن دثار قال سمعت ابن عمر يقول: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر [٤] وأيضا بما رواه بسنده إلى سحيم عن ابن عمر: لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة [٥] .
كما روى بسنده إلى يزيد بن أبي حبيب، أن كليب بن ذهيل الحضرمي أخبره أن عبيد بن جبر، قال كنت مع أبا بصرة الغفاري صاحب رسول الله ﷺ في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع- وفي رواية: فدفع- ثم قرب غذاءه، قال اقترب، فقلت: ألست ترى البيوت؟ فقال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ فأكل، ثم قال ابن حزم: «والروايات في هذا كثيرة» [٦] .
стр. 11309
ونقل عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قصر الصلاة في سفره إلى ذي الحليفة- وهى على ستة أميال من المدينة- ونسب ذلك إلى إقتدائه بالنبي ﷺ ، فقد قال جبير بن نفير «خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا، فصلى ركعتين فقلت له: فقال رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل» [٧] .
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر قصر الصلاة إلى خيبر [٨] ، كما روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قصر الصلاة إلى خيبر. وقال: هذه ثلاث قواصد يعنى ثلاث ليال [٩] ، وروى نافع عن سالم بن عبد الله أن أباه عبد الله بن عمر: ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد [١٠] .
كما روى مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسير ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد [١١] ، وقررت هذه المسافة في المصنف لعبد الرزاق بمقدار ثلاثين ميلا [١٢] ، ولكن ابن عبد البر قد رجح تقدير مالك بكونها أربعة برد، يعني أنها ثمانية وأربعون ميلا [١٣] .
وعن مالك بلغه: أن عبد الله بن عباس كان يقوله: تقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وجدة، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، قال مالك: وذلك أربعة برد [١٤] .
وقد روى الشافعي عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أنه سئل: أتقصر إلى عرفة؟ فقال: لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف، وزاد في المصنف فإن قدمت على أهل لك أو على ماشية فأتم الصلاة [١٥] .
وروى مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة [١٦] ، وعن عطاء بن أبي رباح أن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵄ كانا يصليان ركعتين ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك [١٧] .
стр. 11310
تعليقات هامة حول هذه النقول عن السلف رضى الله عنهم:
(أ) يتبين من هذه النقول لأول وهلة أن مسألة تحديد المسافة، التي هي مناط الرخصة في القصر والفطر، ليست سهلة كما يظن بعض أهل العلم من المعاصرين، بل هي مسألة قد تباينت فيها آراء السلف تباينا كبيرا، فقد ترواحت تقديراتهم من ثلاثة أميال إلى مسيرة ثلاثة أيام كما أوضحتها هذه النقول:-
(ب) إن تحديد هذه المسافة هي مناط الرخصة في القصر والفطر، فما يصلح دليلا لقصر الصلاة يصير تلقائيا دليلا على تحقق رخصة الفطر في السفر، فقد قال عطاء: تفطر إذا قصرت وتصوم إذا أوفيت الصلاة [١٨] .
كما صرح بذلك كثير من أهل العلم [١٩] .
(جـ) كثرة هذه الآراء في تحديد مسافة الفطر في السفر تشير بوضوح إلى أنه لم يرد دليل صريح من السنة يحدد هذه المسافة التي تناط فيها الرخصة، وكل ما ورد في ذلك، أمران:
أولهما: ما ورد في غزوة الفتح من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ "خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كُراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال:"أولئك العصاة أولئك العصاة " [٢٠] .
следующие страницы →