← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.

стр. 11236

فهذا مثال للبعث والإحياء بعد الموت والهلاك، ولذلك يقول جل شأنه ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ يقول جل شأنه أي مثل ذلك الإخراج للنبات من الأرض يحيي الله الموتى فيخرجهم من قبورهم أحياء للحساب والثواب والعقاب. فهذا المشاهد بالإحساس من آثار قدرته تعالى أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث؛ كخلق السماء والأرض قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف آية ٣٣) وإحياء الأرض بعد موتها كما قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (فصلت آية ٣٩) . وكما رأينا في هذا العرض لبراهين القرآن الكريم على إثبات البعث، تلك البراهين التي لا تدع مجالا للشك عند العقل الفطري السليم في إمكان وقوعه وعدم استبعاده. فبالمقابل، ليست لدى المنكرين لوقوعه حجة يستندون إليها في إنكارهم إلا الاستبعاد المستند إلى الوهم والظن، كما قال تعالى ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً﴾ (الجن آية ٧) إذ ليس هناك علم يقيني بامتناع البعث بعد الموت وعدم إمكانه، وإنما هناك ظن ووهم ناتج عن تكذيبهم بالحق الذي جاءهم من الله ﵎، فالله هو الحق وقوله الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال المبين، ولذلك فإن المكذب بالحق مضطرب ليس لديه أساس متين يستند إليه قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي مضطرب غير مستقر. النموذج الثاني- من المسلك الأول:

стр. 11237

وقد أوضحت الآيات التالية من سورة يس، ذلك الإنكار الشديد المستند إلى شبهة استبعاد إعادة الأجساد إلى حالتها الأولى بعد أن أصبحت عظاما رميماً تذروها الرياح يقول تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ . ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ . ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ . ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ . ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس الآيات ٧٧-٨٣) سبب نزول الآيات: ذكر المفسرون لهذه الآيات، أن أبي بن خلف أتى إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم يفته ويذروه في الهواء، وهو يقول: يا محمد أتزعم أنه الله يبعث هذا؟؟ فقال رسول الله: "نعم يميتك الله تعالى، ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار". فنزلت الآيات من آخر سورة يس. وفي رواية أن العاص بن وائل السهيمي، أتى إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل ففته بين يديه، فقال: يا محمد أيبعث الله هذا حيا بعد ما أرم؟؟

стр. 11238

قال: "نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم" فنزلت الآيات [٧] فقد تبين لنا من أسباب النزول اعتراض بعض المشركين على الرسول ﷺ في تقريره البعث، وقد أكدوا إنكارهم ذلك بما ضربوه من المثل لله تعالى، فكان ضروريا أن يرد عليهم إنكارهم، وأن يبطل لهم مثلهم، والآيات وإن كان سبب نزولها خاصا، فهي عامة في كل منكر للبعث، لما هو مقرر في الأصول من أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، والألف واللام في قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَان﴾ للجنس فيعم كل منكر.

стр. 11239

بينت الآيات أن استبعاد الإعادة للأجسام بعد الموت آت من إنسان لم ينظر في مبدأ خلقه أولا، إذ لو نظر في نشأته الأولى نظر تبصر واعتبار، لكفاه خلقه من نطفة، ضعيفة حقيرة، دليلا على إعادته بعد موته، فنِسيانه لمبدأ خلقه من تلك النطفة هو الذي دعاه لهذا الإنكار، ثم ضربه المثل لله القادر، بقدرة الإنسان العاجز ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَان﴾ نشأته، أي ألم يعلم ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾ أي ابتدأنا خلقه وإيجاده ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ من مني يمنى وما أضعف النطفة وأعجزها ﴿فَإِذَا هُوَ﴾ بعد العجز والضعف إنسان قوي ناطق ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ؛ أي: بعد تلك الأطوار الضعيفة أصبح يخاصم ويجادل أبيَن جدال وأبلغ خصام، ومن ذلك خصامه وجداله في أمر البعث والجزاء، ينكر قدرة خالقه الذي أنشأه أول مرة، ويدعى عدم قدرته على إعادته ثانيا، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي صفة غريبة عجيبة يعارض بها قدرتنا الثابتة بالدليل القاطع على إعادته، فجعل لنا مثلا ونظيرا من الخلق وقاس قدرتنا على قدرتهم، ثم بين تعالى أن سبب ذلك هو ذهوله وعدم التفاته إلى خلقه الأول فقال: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وكان من حقه ألا ينسى فيستدل به على إمكان عودته كما بدأه، ولو تأمل في ذلك لعلم أن القدرة التي سوته أولا لا يعجزها بأي حال إعادته ثانيا بعد أن صار كما يرى عظما رميما مفتتاً، وأن تلك الرجعة ليست بعيدة على القوى القادر، وقد قدم قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ على ضرب مثله تنبيهاً على جهله وغبائه وغفلته، عما في نفسه وبين يديه من الأدلة، وماذا قال في مثله الذي يعتمد عليه في تأييد دعواه؟؟ (قال: من يحيى العظام وهى رميم) بالية متفتتة. فقد أتى ذلك المنكر للبعث المستبعد لوقوعه إلى النبي ﷺ آخذا بيده عظما رميما يفته ويذروه في الهواء، قائلا للنبي ﷺ : أترى يحيى الله هذا العظم بعد ما أرم؟؟ فقال النبي ﷺ : "نعم ويدخلك النار". وقد دفع

стр. 11240

سبحانه وتعالى هذه الشبهة بقوله ﴿قُلْ﴾ أمر للنبي ﷺ أي ذكّر هذا الناسي لفطرته الدالة على حقيقة الأمر وكمال القدرة ﴿يُحْيِيهَا﴾ أي يخلق الحياة فيها ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا﴾ أوجدها من العدم ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في بدء الخلق والنشأة، فهو الذي أنشأ هذا العظم الذي تفته بيدك من نطفة ماء- لا عظم فيه، فالقادر على إنشائه أولا، ثم إحلال الحياة فيه لا يعجزه إعادته مرة أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه..﴾ يقول الفخر الرازي: (ومنهم- أي المنكرين- من ذكر شبهة، وإن كانت في آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد، وهي على وجهين: أحدهما أنه بعد العدم لم يبق شيئا فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟ وثانيها أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في جدران الرباع كيف يجمع؟ بل لو أكل إنسان إنسانا آخر فكيف الإعادة؟ وقد رد على الشبهة الأولى بقوله ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، كذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا. أما الشبهة الثانية فقد أبطلها بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ثم ذكر الأجزاء الأصلية في الإنسان، والأجزاء الفضيلة، والله عالم بكل ذلك فهو يعيد كل جزء إلى صاحبه ثم يعيد فيه الحياة) [٨] . فعلم الله شامل بتفاصيل كيفيات الخلق والإيجاد- إنشاء وإعادة محيط بجميع الأجزاء المتفتتة المتبددة لكل شخص من الأشخاص أصولها وفروعها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ قادر على إعادتها على النمط السابق الذي كانت عليه كما قال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَه﴾ والبنان أدق شيء في الإنسان وأصغره.

стр. 11241

ثم أتبع ذلك بالأدلة المحسوسة الدالة على كمال القدرة الإلهية مبينا لهم أنه لا وجه لهذا الاستبعاد، إذ كيف يكون ذلك وبين أيديهم من الآيات الكونية الدالة على أن الخالق لا يعجزه شيء ما يكفيهم لو نظروا فيه بعين البصيرة والتأمل. فقال تعالى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ . فهذه آية عظيمة دالة على كمال القدرة الإلهية التي توجد الضد من ضده، فهذا الشجر الغض الذي يقطر ماء، أحدث منه الخالق القادر هذه النار المضادة له، وهذا أمر أعجب وأغرب من إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا فطرأت عليه اليبوسة والبلى. كما أن هذه الآية متضمنة للرد على شبهة يوردها المنكر لإعادة الحياة بعد الموت؛ ذلك أن الموت بارد يابس، والحياة طبعها الرطوبة والحرارة، فإذا حل الموت لم يكن أن تحل فيه الحياة بعد ذلك لما بينها من التضاد. والحقيقة أن الشبهة واهية وغير واردة على موضوع البعث أصلا، ذلك أن الممتنع هو الجمع بين الضدين في آن واحد، أي بأن يكون الجسم حيا وميتا في وقت واحد، والبعث بعد الموت ليس من هذا الباب، لأنه حياة بعد موت، لا مع موت، فحينما حل بالجسم الموت ارتفعت الحياة فبقى ميتا إلى حين وقت البعث، فلما عادت إليه الحياة مرة ثانية ارتفع الموت. فليس هناك جمع بين ضدين.

стр. 11242

وقد تابع أدلة الرد على المنكرين للبعث والحساب، منكرا على الإنسان استبعاد وقع البعث الجسماني وإمكانه قائلا: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ومتى قدر على ذلك فهو قادر على إعادة أعيانهم- ولو اتجه الإنسان مع فطرته الصحيحة التي فطره الله عليها، لأجاب بقوله ﴿بَلَى﴾ أي هو قادر على ذلك؛ لأن هذه الإجابة هي مقتضي ما يعترفون به ولا ينكرونه ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (سورة العنكبوت آية ٦١) . ولأنه تعالى ﴿هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ أي كثير الخلق، وكثرة الخلق ناشئ عن كمال القدرة، وهو ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي لا يخفى عليه شيء، فعلمه شامل بجزئيات الأشياء وكلياتها. كما قال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (سورة سبأ آية ٣) . وقال تعالى ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (سورة الأعراف آية ٧) ثم دل على كمال قدرته ونفاذ مشيئته فقال ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾ أي شأنه، (إذا أراد شيئا من الأشياء ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي فيحدث ما أراده من غير توقف على شيء آخر فكيف يصعب على من هذه قدرته إعادة هذا الإنسان بعد بلاه وتمزقه.

стр. 11243

روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ "أنه ذكر رجلا فيمن سلف أو فيمن كان قبلكم- قال كلمة [٩] يعني أعطاه الله مالا وولدا، فلما حضرت الوفاة قال لبنيه: أيّ أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فانه لم يبتئر [١٠]-أو لم يبتئر عند الله خيرا وإن يقدر الله عليه يعذبه، فانظروا إذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحما فاسحقوني- أو قال فاسحكوني- فإذا كان يوم ريح عاصف فأذروني فيها. فقال نبي الله ﷺ : فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي، ففعلوا ثم أذروه في يوم عاصف، فقال الله ، كن فإذا هو رجل قائم. قال الله: أي عبدي ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال: مخافتك- أو فرق منك- قالت: فما تلافاه أن رحمه عندها، وقال مرة أخرى: فما تلافاه غيرها"، فحدثت به أبا عثمان فقال: سمعت هذا من سلمان غير أنه زاد فيه: "أذروني في البحر أو كما حدث" [١١] . فقد دل هذا الحديث على كمال القدرة التي لا يعجزها شيء فكل ما أراده الله متوقف على قوله له ﴿كُنْ﴾ فإذا هو كائن كما أراد. وقد أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ حديثا رواه الإمام أحمد عن أبى ذر ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال "إن الله تعالى يقول يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد، أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئا فإنما أقو ل له كن فيكون" [١٢] ثم نزّه نفسه عما ينسبه إليه الكافرون من العجز؛ فقال ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فبيده مقاليد السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله، وإليه ترجع العباد في يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله. النموذج الثالث- من المسلك الأول:

стр. 11244

وفي سورة الإسراء يذكر الله تلك المحاورة بين منكري البعث والرسول ﷺ فيقول تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ . ﴿أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ . ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء آية ٤٩- ٥٢) . فقد حكى شبهة منكري البعث في الآية الأولى، تلك الشبهة هي استبعاد وقوع المعاد فإن عقولهم لم تتصور إمكان الإعادة ووقوعها، بعد تمزق الأجساد وتفرقها. وقد بين لهم أنه لا مكان لهذا الاستبعاد، ولا مجال له مع القدرة الإلهية، ولهذا وبخهم بهذا الأسلوب التعجيزي، فأمر نبيه ﷺ أن يجيبهم بقوله: (قل) يا محمد مجيبا هؤلاء المنكرين لقدرتنا، على إعادة أجسامهم الضعيفة إلى حالتها الأول التي أوجدناها عليها، ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ أو أي نوع يعظم عندكم عن قبول الحياة، لكمال المباينة، والمنافاة بينهما وبينه، فإنكم مبعوثون، ومعادون للمجازاة على أعمالكم لا محالة، ولكنهم بعدما سمعوا، أمعنوا في جحودهم، فقالوا: إذا كنا كذلك من حجارة أو حديد، (من يعيدنا) ؟ فجاءهم الجواب بما هو مسلم عندهم لو عقلوا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . أي هو الذي أنشأكم أولا، ولم تكونوا شيئا مذكورا، هو القادر على إعادتكم ثانيا، وأنتم تعترفون بأنه خالقكم، ومنشئكم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ... ﴾ (الزخرف آية ٨٧) فكيف تستبعد عليه الإعادة؟؟

стр. 11245

غير أنهم لم يعيروا هذا الدليل اهتماما. ولذا فهم يحركون رؤسهم استهزاء وسخرية قائلين استبعادا لوقوعه (متى هو؟) أي متى سيكون هذا الأمر الغريب الذي تعدنا به، فبين لهم سبحانه أنه قريب، ذلك لأنه آت، وكل آت قريب، ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ وذلك يوم يدعو الله الخلائق فيستجيبون لتلك الدعوة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (الروم آية ٣٥) أي إذا أمركم بالخروج منها، فإنه لا يخالف أمره ولا يمانع، ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ حين تكون ما وعدتم به؛ كقوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ النازعات آية ٤٦) ومثل هذه الآيات في السورة نفسها قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً﴾ (الإسراء آية ٩٧- ٩٩) .

стр. 11246

فقد أخبر تعالى في الآية الأولى عن حشر المنكرين للبعث على أقبح صورة جزاء لهم على كفرهم به تعالى، وإنكارهم لآياته وتكذيبهم لأنبيائه، ولما استعظموا إعادتهم خلقا جديدا بعد أن صاروا رفاتا؛ أي: مفتتة أجسادهم، أجابهم بما يقرون به وهو خلق السموات والأرض وهي أعظم من خلقهم، فالقادر على إيجادها قادر على إعادتهم من باب أولى، إذ القادر على خلق الأكبر، لا يعجزه خلق أو إيجاد ما هو أصغر منه في بدائه العقول ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر آية ٥٧) فقال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم ... ﴾ ومتى قدر على خلق مثلهم فهو قادر على إعادة أعيانهم، كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ... ﴾ (الروم آية ٢٧) . المسلك الثاني: تقديم الدليل، ثم إيراد القضية بعد استقامته ووضوحه: ١ - النموذج الأول: من المسلك الثاني يقول الله تعالى، من سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون آية ١٣- ١٦) .

стр. 11247

في هذه الآيات قدم الله الاستدلال على إمكان البعث والجزاء يوم القيامة، بخلق الإنسان في أطواره المتعددة حيث خلقه من طين، والمراد به آدم ﵇، ثم جعل نسله، أي ولده من بعده من ماء مهين، كما قال تعالى في سورة السجدة: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (السجدة آية ٧- ٨) . وقيل المراد بالإنسان، الجنس في ضمن خلق آدم. ثم شرع يبين تلك الأطوار المتعددة التي مر بها خلق الإنسان إلى أن أصبح بشرا سويا، عاقلا ناطقاً فقال ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ ماءً، وهو المني المهين أي الممتهن ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ أي مستقر؛ وهو الرحم: ثم بين تحول هذه النطفة من حالة إلى أخرى، خلقها علقة، أي دما جامدا، ثم خلق العلقة مضغة لحم لا تمايز فيها، ثم خلق تلك المضغة عظاما، بأن جعلها عمودا للبدن على هيئات وأوضاع مخصوصة تقتضيها الحكمة الإلهية، ثم كسوة تلك العظام لحما على مقدار ما يناسب كل عضو. ويليق بهيئته حتى يكون خلق الإنسان في أحسن تقويم وأجمله، كل ذلك التحول من حالة إلى أخرى يتم في ذلك المكان المظلم الضيق، بقدرة العليم الحكيم ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاث﴾ (الزمر آية ٦) . ثم تحويله إلى خلق آخر مباين للخلق الأول، مباينة ما أبعدها، فقد أصبح إنسانا حيا، سميعا بصيرا، متكلما عاقلا، بعدما كان جمادا، نقلة هائلة بين النطفة الضعيفة الميتة، وبين الإنسان الحي الناطق، فلا علاقة عقلية، ولا تلازم بينهما، اللهم إلا القدرة الإلهية، التي تقول لشيء كن فيكون؟ ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (الروم أية ١٩) .

стр. 11248

ولما كانت هذه الأطوار لخلق الإنسان، من أعظم الدلائل على القدرة الإلهية والحكمة الربانية، فقد أثنى على نفسه بقوله ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . هكذا يعرض الله ﵎، هذا الدليل على المخاطبين بحيث لا يمكنهم إنكاره لأنه من مشاهداتهم، فمن منهم لا يعرف عن كيفية خلق الإنسان شيئا، كل واحد منهم يعلم من نفسه أنه وجد على هذه الأطوار التي ذكرها القرآن الكريم، كما يعلم ذلك عن طريق مشاهداته، لوجود أبنائه، وأبناء جنسه. وهكذا بعد أن اتضح الدليل واستقر، وهو أنه تعالى، قادر على الإنشاء والإيجاد من العدم، أورد قضية البعث بعد الموت في يوم القيامة، فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ أي بعد تمام خلقكم. ثم خروجكم من بطون أمهاتكم، واستيفائكم آجالكم ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ أحياء من قبوركم، فتحاسبون على أعمالكم، وتنالون جزاءكم، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء آية ٤٧) . ٢- النموذج الثاني: من المسلك الثاني: يقول تعالى من سورة السجدة: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾

стр. 11249

﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (السجدة الآيات ٧- ١٣) ، يخبر تعالى أنه أحسن الأشياء التي خلقها فأتقنها وأحكمها، كما قال تعالى ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ ومن تلك الأشياء المخلوقة المتجلية فيها بدائع الصنعة خلق الإنسان، ثم شرع في بيان بدء خلقه فقال ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ . ويعني به خلق آدم ﵇ كما قال تعالى ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ ثم جعل نسله، أي قدر خلق ذريته من تلك النطفة التي تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة مذكرا لهم بنعمه التي منحهم إياها، من السمع والبصر والعقول، كل تلك القوى التي قلَّ شكرهُم لله عليها أنشأها من تلك النطفة التي عبر عنها بالشيء الممتهن لحقارته، وبعد ذكره تعالى لنشأتهم الأولى المتمثلة في خلق أبيهم آدم. ثم بيانه لكيفية تناسلهم من بعده- وما أنعم به عليهم من القوى الظاهرة والباطنة مما يدلهم على قدرته وحكمته، أورد قضية البعث، إذ لا يعقل- إن كانوا يعقلون- أن يخلقهم الله ويعدهم هذا الإعداد عبثًا، ذلك ظن الذين كفروا.

стр. 11250

فقال: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْض﴾ أي اختلطت أجسامنا بعد تمزقها وتفتتها بأجزاء الأرض، من قولهم- ضل السمن في الطعام- أي اختلط به، ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: أإنا لنعود بعد تلك الحال إلى حالتنا السابقة، استبعادًا منهم لذلك الأمر، وهذا الاستبعاد الذي يعبرون عنه، هو بالنسبة لقدرهم العاجزة، إذ قصرت عقولهم فظنوا أن قدرة الخالق كقدرهم كما قال تعالى حكاية عنهم ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَه..﴾ (يس آية ٧٨) . - وضارب المثل بعضهم لكنهم متفقون على ذلك- فسبب الإنكار المستند إلى شبهة الاستبعاد ناشئ عن نسيان الخلق الأول، ولذا فالمولى يذكرهم بتلك النشأة قال تعالى حكاية عنهم ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ (مريم آية ٦٦- ٦٧) . ولو أنهم التفتوا إلى مبدأ خلقهم لعلموا أن القدرة التي أنشأتهم أولا لا يعجزها إعادتهم ثانيا.

стр. 11251

ولما كان استبعادهم لإعادتهم للحياة مرة أخرى بعدما شاهدوا من الأدلة لا مكان له، أتبعه بالإخبار القاطع بوقوعها فقال: (قل) أمر للنبي ﷺ ، أي: قل يا محمد مخبرا ومنذرا منكري البعث ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ فهو إخبار قاطع بتلك الإعادة مستند إلى الدليل السابق، وهو النشأة الأولى، مؤكد بتلك الحالة التي يكونون عليها بعد رجوعهم إلى ربهم، في حالة كونهم معترفين بذنبهم، طالبين الرجوع إلى الحياة الدنيا مرة أخرى. ليصلحوا أعمالهم، بعد أن رأوا الخبر اليقين. قال تعالى حاكيا تلك الحالة عنهم وما يقولونه ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قائلين ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ والله يعلم أنهم لكاذبون في دعواهم إصلاح أعمالهم إذا رجعوا للحياة مرة أخرى. قال تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الأنعام آية ٣٧- ٣٨) . ٢- النموذج الثالث: من المسلك الثاني: وفي مطلع سورة الرعد نموذج، يهز المشاعر ويستثير الوجدان، إذ يحتوى على آيات الله الكونية التي يعترف المخاطبون بأنها أنشئت بقدرة الله القوى العزيز يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾

стр. 11252

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الرعد الآيات من ٢-٥) .

стр. 11253

تبدأ الآيات الكريمة برسم المشاهد الكونية الدالة على القدرة الإلهية، السماء وما شملت من أفلاك، والأرض وما حوت من أنهار وجبال، وما أخرجت من ثمار، ثم التعجب من حال من ينكر البعث والحياة مرة أخرى بعد أن شاهد هذه الآيات المعروضة على العقول والأبصار، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ وهو إخبار منه تعالى عن كمال القدرة وعظيم السلطان، فبأمره رفع السموات عن الأرض، هذه السموات التي لا يحيط بها البصر إدراكا، ولا يعلم مقدار سعتها وعظمتها، إلا خالقها رفعها بأمره، ويمسكها بقدرته أن تزول، مستشهدا على ذلك برؤية المخاطبين لها مرفوعة بغير عمد تسندها، محكمة البناء لا شقوق فيها ولا تصدع، فنحن نكرر النظر إليها مرات ومرات، فترجع أبصارنا كآلة من غير أن تدرك شيئا مخلا، في هذا البناء الهائل والسقف المرفوع، وإنما تدرك فيه الإبداع والاتقان المنبئين عن الحكمة والتدبير ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، والعرش من الأمور المغيبة عنا، والله هو وحده العالم بسعته وعظمته وقد استوى عليه استواء يليق بجلاله كما أخبر. وتنقلنا الآيات من معهد السماء المرفوعة بغير عمد، إلى مشهد التسخير والتقدير ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ فقد خلقهما بقدرته وسخرهما بإرادته يجريان، دائبين لا يفتران، إلى أجلهما المسمى، وقد خص كلا منهما بخاصته فجعل الشمس سراجا وهاجا، وجعل القمر نورا، كلاهما ترتبط بها حياة الإنسان في نفسه، وفي جميع شئون حياته اليومية والشهرية والسنوية، أمور تلمس القلوب وتخاطب المشاعر بما يحسه الإنسان ويدركه كجزء من حياته. ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ كله، فله الخلق والأمر، فمن تدبيره: خلق السموات وحفظها، ومن تدبيره وتقديره: خلق الشمس والقمر، وتسخيرهما يجريان إلى أجلهما المسمى.

стр. 11254

﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ الكونية المشاهدة الدالة على عظيم القدرة ونفاذها، والآيات الدينية المبينة للطريق السوي الذي يلزم المكلف سلوكه والحقائق الغيبية التي لابد من الإيمان بها، واعتقادها، ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ . ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ حين رؤيتكم لآياته الكونية المفصلة، وإدراككم لما فيها من إتقان وإحكام، دالين على قدرة من فصلها وبينها ﴿تُوقِنُونَ﴾ بأن وراء هذا التدبير المحكم مدبرا حكيما، وأن لهذا التفصيل والتوضيح مفصلا عليما حكيما لا بد من لقائه، في الحياة الأخرى. لمجازاتكم على أعمالكم، فذلك اللقاء، وتلك المجازاة، مما يوحي به ذلك التدبير والتفصيل، فالخلق يكون عبثا إن لم تكن هناك مجازاة على الإحسان والإساءة، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ . تلك مشاهد العلو الكونية، عرضت على المخاطبين، ذلك العرض الموحى بالقدرة المبدعة من ورائها، ليأخذ منها الإنسان المنكر للبعث، أن خالقها، وحافظها، قادر على إعادته بعد موته. ثم تأخذ الآيات القرآنية بيد المخاطب، إلى هذه الأرض التي يعيش عليها، قائلة، إذا لم تكتف أيها المرتاب في قدرة خالقك، بما تشاهده ببصرك من فوقك، فالتفت إلى ما تحت قدميك، وما هو مبسوط أمام عينيك، من هذه الأرض التي مدت، فوسعت، وأرسيت فاستقرت، وشقت بالأنهار الجارية. وأنبتت من كل الثمرات. ثم تعاقب الليل والنهار المستمر لما فيه سعادتك وقوام حياتك، كل هذه آيات تدعو الإنسان للتفكير فيها وفيما توحي به. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المتقدم ذكره من رفع السماء بلا عمد وتسخير الشمس والقمر، وخلق الأرض، ومدها وحفظها وشق أنهارها، واخرج زروعها وثمارها، ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . وتمضى الآيات القرآنية، في توضيحها لآيات الله الكونية، فبعد عرضها الإجمالي لما تنبته الأرض، من أزواج الثمار المختلفة.

стр. 11255

تعود إلى توضيح جزئية منها، لتضع المنكر للبعث أمام القدرة الإلهية، تلك الجزئية التي يشاهدها الإنسان ببصره، ويمارس عمليتها بيده، ويتذوق ثمارها بفمه، فهو دليل تبصره العين، وتلمسه اليد، ويذوقه الفم، فأي دليل أقرب وأمس بحياة الإنسان، من هذا الدليل الذي يلمسه الإنسان بنفسه، فيقول تعالى موضعا ذلك: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ بعضها لاصق في بعض لا يفصل بينهما جنس غريب من غير جنسهما، ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ تحمل أنواعا من الأشجار المختلفة، ففيها الأعناب، والزروع، والنخيل الصنوان وغير الصنوان، هذه الأنواع كلها ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ إما من السماء كماء المطر- أو المستخرج من الأرض، كماء الآبار، والعيون وتنبت في تربة واحدة، وصلة الأحوال الطبيعية بها، كالحرارة والبرودة واحدة، ومع ذلك، تأتي ثمارها مختلفة الطعوم، وألوانها مختلفة الأشكال، فمن أين جاء لها ذلك الاختلاف في اللون والشكل، وتفضيل بعضها على بعض في الطعم والذوق، مع أن كل الأسباب الظاهرة واحدة؟؟. ليس من الجواب على هذا السؤال، إلا أن ذلك من فعل الخالق العليم، والمدبر الحكيم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لآيات، أي دلالات واضحات على كمال القدرة المبدعة، لمن أعمل فكره وعقله، في مخلوقات الله تعالى.

стр. 11256

هذه الآيات الكونية، العلوية منها والسفلية، تهدي المتفكر فيها، المستعمل لعقله الفطري، الذي فطره عليه خالقه، على أنها قد أوجدت، وأحكمت، ونظمت بتدبير حكيم عليم قادر، تقتضي حكمته رجوع الخلائق إليه، وملاقاتهم له، وتدل دلالة واضحة على أن من طلب دليلا غير هذه الأدلة، على قدرة الله لإعادته للحياة مرة أخرى أنه ممن يعجب من قوله، ويستهزأ من طلبه، وهكذا نرى أن الله ﵎، بعد أن عرض هذه الأدلة على المخاطبين المنكرين للبعث، وبعد أن اتضح الدليل لديهم بما لا يدع مجالا للشك في قدرة الخالق على إعادتهم، أورد قضية البعث معجبا رسوله ﷺ من الجاحدين لقدرته تعالى، على إعادتهم خلقا جديدا، بعد أن تفتت أجسامهم فصارت ترابا، فيقول جل شأنه، ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ يا محمد ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ، ولم يكن هذا الإنكار الصادر منهم لعدم الدليل على البعث، وإنما كان بسبب كفرهم المتأصل في نفوسهم. فاستحقوا أن يحكم الله عليهم، بعد أن أقام عليهم الحجة البالغة، بالأغلال في أعناقهم، والسلاسل يسحبون بها في النار المصاحبة لهم، المستمرة معهم، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فيخلدون فيها جزاء لهم على كفرهم وعنادهم، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء آية ٥٦) . النموذج الرابع: من المسلك الثاني: يقول تعالى في سورة الحج:

стр. 11257

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ . (الحج آية ٥- ٧) . إن أسلوب القرآن في مخاطبة الناس لإقامة حججه وبراهينه لا يختص بفئة من الناس ذات صفات معينة، ذلك لأنه يخاطب الفطرة البشرية في عموم أفرادها. وكل فرد منهم يستطيع أن يأخذ من ذلك الخطاب الموجه بقدر ما أوتى من ذكاء وفطنة. وهذه الآية الكريمة من سورة الحج تمثل هذا الأسلوب القرآني الواضح فهي تقوم على مقدمات صادقة، ترتبت عليها نتائج قطعية، مع ما تمتاز به من السهولة والوضوح في إدراك ما تضمنته من معان من غير كد ذهني أو إجهاد فكري، وذلك لبعدها عن أقيسة المناطقة وتعقيدات الفلاسفة.

стр. 11258

يقول تعالى موجِّها خطابه للناس جميعا، والمقصود الذين يتشككون في أمر البعث فيستبعدون وقوعه، بعد أن تفرقت الأجسام وتلاشت فذهبت في الأرض، وصارت ترابا، يقول لهؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي في شك من قدرتنا على إعادة هذه الأجسام، المختلطة بالتراب، استبعادا لإمكان ذلك وشكا في وقوعه، فانظروا في بدء خلقكم الأول فإنا خلقناكم من تراب وذلك في ضمن خلق أبيكم آدم ﵇ ثم جعلنا خلقكم بعده في صورة أغرب ما خلق الإنسان من تراب، فقد خلقناكم من نطفة ماء، ثم أخذت تلك النطفة أطوارها المتعددة وصورها المختلفة، فقد كان هذا الإنسان الجاحد لإعادته مرة أخرى، نطفة ماء، ثم تحولت تلك النطفة إلى علقة أي دم جامد ثم تحولت إلى مضغة لحم، مخلقة، أي متبينة الخلق مصورة، وغير مخلقة لم يبين خلقها وصورتها، تلك أطوار النطفة التي تمر بها في رحلتها إلا أن تصبح جنينا يتحرك في ذلك القرار المكين ﴿مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ قدرتنا على الخلق والإعادة، ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ﴾ من تلك النطف بعد تمام الخلق ﴿مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ وهو وقت الوضع ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي أطفالا تتنسمون الحياة، مزودين بجميع الوسائل اللازمة لمواجهة الحياة الجديدة على هذه الأرض من رئة يتنفس بها، ويسمع، ويبصر وأيد يبطش بها، وأرجل يمضي بها. الخ ما هنالك من صفات وأعضاء وضعها الخالق العظيم في الإنسان مما يدل دلالة قطعية على أن هذا الإنسان قد أعد إعداده هذا عن علم وحكمة، وبعد خروجه لهذه الحياة رباه خالقه بنعمه إلى أن أصبح شخصا قويا، ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ .

стр. 11259

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ أي فيخترم الله بالوفاة في أجله المعلوم من يشاء، ويعمر من يعمر منكم حتى يبلغ من العمر أرذله، فيرتد عقله وتصوراته ومشاعره إلى حالة الطفولة الأولى، فيجهل بعد العلم، ويضعف بعد القوة ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ، تماماً مثل يوم خلق وبرز وجوده لهذه الحياة طفلا. فالآية الكريمة تخاطب المنكر للبعث، قائلة له: إن من كانت هذه قدرته في خلقك وإنشائك، في حياتك الأولى، وفي أطوارها المتعددة التي مرت بها أيعجزها إحياؤك بعد موتك، وإعادتك بعد فنائك؟؟ كيف يكون ذلك وهو القادر على كل شيء وهو الخلاق العليم. وبعد أن استكملت الآية الاستدلال بالعالم الإنساني في نشأته الأولى، وكيفية تنقله في أطوار خلقه المتعددة، أتبعه باستدلال آخر، يكثر ضربه في القرآن، استدلالاً به على البعث؛ ذلك هو احياء الأرض بعد موتها. فقال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ . فهمود الأرض عبارة عن يبسها، وإقفارها من النبات، بمنزلة الذات المسلوبة الحياة، فهي ميتة يابسة، لا نبات لها. واهتزازها وربوها وتحركها بالنبات بعد نزول المطر عليها، بمنزلة الحياة تسرى في الموات، فتنبت من كل زوج بهيجا وذلك بمنزلة خروج الأموات من قبورهم.

стр. 11260

وبعد أن يتقرر الدليل ويتضح لدى المخاطبين بما لا يدع مجالا للشك في قبول النتيجة يورد القضية المستدل عليها فيقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فالله هو الموجود بذاته لذاته، ومن شأنه إحياء الموتى، فهو الذي خلق الموت والحياة. وهو القادر على الخلق بدءاً وإعادة، لأنه على كل شيء قدير ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ وهى موعد الحياة الثانية ﴿آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ لوضوح دلائلها، ثم ختمت الآية بالنتيجة المطلوب، وهى القضية التي يرتاب فيها المنكرون للبعث، فقال تعالى ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ تلك القبور التي تحتوي على أجساد الموتى، التي تفتت، ورمت، واختلطت بغيرها. ذلك أن الله تعالى قادر على إعادتها، ليوفيها الحساب على عمدها في الحياة الدنيا. المسلك الثالث: هو إخبار الله تعالى بوقع البعث من غير أن يذكر الدليل على ذلك. ذكرنا في أول هذا المبحث، أن أعظم شبهة يستند إليها منكروا البعث، هي استبعادهم إعادة الأجسام إلى ما كانت عليه، بعد أن صارت ترابا، واختلط بعضها ببعض: وعرفنا مسلك القرآن الكريم لعلاج تلك الشبهة ودحضها في المسلكين السابقين. وهما: إما أن يورد الشبهة أولا ثم يبين بطلانها بالدليل. وإما أن يذكر الدليل على البعث والإعادة أولا، وبعد وضوحه وتقريره يورد القضية وهناك مسلك ثالث سلكه القرآن الكريم في قضية البعث، وهو أنه يذكر رأي المنكرين للبعث من غير أن يذكر شبهتهم، بل يذكر دعواهم مجردة عن الدليل، ثم ينكر القرآن على هذه الدعوى بالرفض والإبطال، ويبين أن البعث واقع لا محالة، ويؤيد هذا الوقوع بالقسم منه جل وعلا، ولعله لم يذكر الدليل في هذه الآيات، بل طواه، نظرا لأنه ذكره أكثر من مرة في آيات متعددة، وليس بلازم أن يذكر الدليل عند كل مناسبة. فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً.

стр. 11261

وسأذكر هنا نماذج لهذا المسلك في القرآن الكريم أولا: أقسام المنكرين للبعث بأن الله لا يبعث من يموت. يقول تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النحل الآيات من ٣٧- ٤٠) . فالآية الأولى تصور لنا هذا الإنكار الشديد المؤكد بالأيمان المغلظة بأن الله لا يبعث من يموت أبدا، فنراهم يجزمون بعدم وقوع البعث. بعد الموت وينفونه نفيا قاطعا بلا شك عندهم ولا تردد، من غير أن يرد في كلامهم ما يتضمن شبهة لذلك النفي، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ . ولعل هذا الإنكار الصادر منهم مستند إلى الشبهة الأولى، وهى شبهة استبعاد أن يعيد الله الموتى مرة ثانية ولكنها لم تذكر هنا لظهورها واستقرارها عند المنكرين.

стр. 11262

ولما كان قولهم هذا يتضمن الطعن في الحكمة الإلهية، ونسبة العبث إلى الله في خلقه العباد وتركهم سدي، إذ يقتضي ذلك التسوية بين المحسن والمسيء وبين الخير والشر، وهما لا يستويان عند الله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية آية ٣١) وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (غافر آية ٥٨) وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ (السجدة آية ١٨) . لذلك فقد رد الله عليهم شبهتهم هذه وأكد لهم أن البعث أمر محتم، لابد من وقوعه، فهو وعد عليه حقا، لابد من إنجازه، ذلك لأن الله تعالى قد وعد به، ووعده حق ثابت لابد من وقوعه، قال تعالى ﴿بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ . وإنما كان البعث حقا وواقعا، لأن هذه الحياة الدنيا، ليست هي النهاية بل هي وسيلة إلى حياة أخرى، ومعبر يعبر عليه الإنسان إلى الحياة الباقية، كي يجازى فيها على ما عمله في هذه الحياة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ وهم المنكرون للبعث لجهلهم بالله تعالى ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ما يتضمنه البعث من العدل بين العباد. تم بين لهم حكمته في المعاد، فقال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ففي ذلك اليوم يظهر لكل مخالف في شيء (ما) الحق فيما خالف فيه، ويجازي فيه كل عامل على عمله، كما قال تعالى ﴿... لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم آية ٣١) .

стр. 11263

﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ في ذلك اليوم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله وكذبوا رسله فيما أخبروهم به من البعث والجزاء على الأعمال. ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في أيمانهم تلك التي أكدوا بها إنكارهم للبعث بعد الموت، وأن البعث واقع، والجزاء حق وعدل. ثم أخبر تعالى عن قدرته على ذلك. وأنه لا يخرج على مشيئته وإرادته فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ في الأرض أو في السماء ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومن ذلك المعاد، فإذا أراد الله وقوعه، فإنما يأمر به مرة واحدة؛ إذ لا يحتاج أمره بالشيء إلى تكرار، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وقال مخبرا عن تلك القدرة ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَة﴾ وقال الشاعر: إذا ما أراد الله أمراً فإنما يقول له كن قولة فيكون [١٣] ثانياً: نفيهم مجيء الساعة، وزعمهم عدم وقوع البعث: يقول تعالى من سورة سبأ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (سبأ آية ٣- ٣) . ويقول تعالى من سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن آية ٧) .

стр. 11264

يخبر ﵎، عن إنكار الكفار للآخرة، ذلك الإنكار الناشئ عن عدم إدراكهم لحكمة الله تعالى وتقديره، فحكمته لا تترك الناس سدى، يحسن من شاء منهم أن يحسن، ويسيء من شاء ذلك، ثم لا يجازي أحداً منهم على عمله. ولذلك فهم ينكرون مجيء الساعة التي وعد الله بمجيئها، والتى ينال فيها كل إنسان جزاء عمله، فيقولون: ﴿لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ ينفون مجيئها نفيا جازما بدون دليل، مع أن مجيء ساعة، ووقتها من الأمور الغيبية وهم لا يعلمون من الغيب شيئا. فيرد الله عليهم إنكارهم هذا ردا مؤكدا جازما، فيأمر نبيه ﷺ أن يقسم بربه على إتيانها ووقوعها قسما مؤكدا فيقولا: ﴿قُلْ﴾ يا محمد مخاطبا هؤلاء الجاحدين للساعة النافين لمجيئها ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ فهو إخبار مؤكد بوقوعها من عالم الغيب، وقد تبع ذلك بما لله من صفة العلم المحيطة وشاملة لما في هذا الكون كله كبيره وصغيره ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ﴾ أي لا يغيب ﴿عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ﴾ فمَن كان عمله محيطا بدقائق الأمور بحيث لا يخفى عليه شيء منها، كيف يعجزه إعادة الخلق إلى ما كانوا عليه مرة أخرى؟؟. ثم بين الحكمة من البعث وقيام الساعة فقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ﴾ المؤمنون العاملون ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لما بدر منهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا من فيه ولا تعب. كما يجازي الله الكافرين به والمكذبين لرسله الساعين للصد عن سبيله بالعذاب المهين ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ والرجز سوء العذاب كما قال قتادة [١٤] .

стр. 11265

وفي آية التغابن، يحكى الله ﵎، إنكار الكفار للبعث بعد الموت وقد عبر عن ذلك الإنكار بالزعم، فقال ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ أي المنكرين منهم للبعث، والزعم يشعر بعدم التأكد والجزم من القائل بما يقوله لعدم علمه من أن قوله هذا يوافق الحق والصواب، ولذلك كان الزعم كنية الكذب، كما يقوله ابن عمر [١٥] ﵁. وقد أمر الله نبيه ﷺ ، أن يرد على ذلك الزعم الباطل، ويؤكد نفيه بالقسم بربه على تحقق البعث ووقوعه، ويبين لهم ما يترتب على ذلك البعث من جزاء وهو أنهم سينبؤون بما عملوا، ثم يجازون على أعمالهم التي عملوها في الدنيا، قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية ﴿. .. قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ما نصه: (هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن، مما أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقسم بربه العظيم، على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس ﵇ وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ . والثانية هذه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . والثالثة في سورة التغابن وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن آية ٧) . ثالثا: الإخبار بقيامهم من قبورهم: يقول تعالى من سورة يس:

стр. 11266

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُون فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (يس الآيات من ٣١- ٣٤) . تصور لنا هذه الآيات هذا المشهد العظيم من مشاهد يوم القيامة، وذلك حين النفخ في الصور المؤذن بانتشار الناس من القبور ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ هي القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ أي يمشون مسرعين كما قال تعالى: في سورة المعارج ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (المعارج آية ٤٣) قائلين بعد خروجهم من قبورهم ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ أي من قبورنا، التي كنا نرقد فيها، ونعتقد أننا سوف لا نخرج منها أحياء مرة أخرى أبدا، فلما ظهر صدق ما كذبوا به، قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا؟ ثم قال الله تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ وهذا القول... الخ. إما حكاية عن المنكرين للبعث، إذ علموا عند المعاينة أن ما أخبرتهم به الرسل صدق وحق وإما من قول المؤمنين لهم ذلك، وهذا ما اختاره ابن جرير في تفسيره الآية [١٦] .

стр. 11267

ثم بين تعالى أن جَمْعَ الخلائق جميعا في ذلك اليوم من الأمور اليسيرة على القدرة الإلهية فما هي إلا صيحة واحدة توجه إليهم، فإذا هم في اللحظة محضرون عند خالقهم ﴿إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُون﴾ كما قال تعالى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (القمر آية ٥٠) . في ذلك اليوم يقام ميزان العدل بين العباد فلا تظلم نفس شيئا، وإنما تجازي على عملها الذي أسلفته في حياتها الدنيا، ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هذا مسلك القرآن في إثبات البعث، وسنتبعه بآراء العلماء في ذلك لا للمقارنة، وإنما ليتبين للقارئ سهولة أسلوب القرآن الكريم في مخاطبته البشرية على اختلاف مستوياتهم، لقول القائل: فبضدها تتبين الأشياء. آراء العلماء في البعث سأتناول هذا الموضوع بالدراسة من ناحيتين: الأولى: ذكر آراء العلماء في حقيقة البعث، هل هو جسماني فقط، أو روحاني فقط، أو روحاني وجسماني. الثانية: بيان كيفية البعث (الإعادة) عند من يقول بإعادة الأجسام. أولا: آراء العلماء في حقيقة البعث: بعد أن عرضنا مسلك القرآن الكريم في إثبات البعث، وهو المقصود من هذا البحث، فقد رأينا من المناسب أن نذكر أقوال العلماء في هذا الموضوع باختصار، لنرى مدى موافقة هذه الأقوال، أو مخالفتها لما جاء في القرآن الكريم في موضع البعث، فأقول وبالله التوفيق: إن الأقوال الواردة في البعث، والمذكورة في كتب العقائد الإسلامية خمسة أقوال: الأول: ثبوت المعاد الروحاني فقط. الثاني: ثبوت المعاد الروحاني والجسماني. الثالث: ثبوت المعاد الجسماني فقط. الرابع: عدم ثبوت شيء من ذلك. الخامس: التوقف في هذه الأقسام جميعا [١٧]

стр. 11268

وأما القول الأول: وهو ثبوت المعاد الروحاني فقط، فهو قول الفلاسفة الإلهيين. وذلك لأن البعث عندهم، عبارة عن مفارقة النفس لبدنها. واتصالها بالعالم العقلي، الذي هو عالم المجردات. وسعادتها، وشقاوتها، إنما تكون بفضائلها النفسانية ورذائلها [١٨] يقول ابن سينا في كتابه: الإشارات والتنبيهات، النمط الثامن: (والعارفون المتنَزهون إذا وضع عنهم درن مقارفة البدن، وانفكوا عن الشواغل خلصوا إلى عالم القدس والسعادة، وانشغلوا بالكمال الأعلى، وحصلت لهم اللذة العليا وقد عرفتها. وأما البله فإنهم إذا تنزهوا خلصوا من البدن إلى سعادة تليق بهم، ولعلهم لا يستغنون فيها عن معاونة جسم يكون موضوعا لتخيلات لهم، ولا يمنع أن يكون ذلك جسما سماويا، أو ما يشبهه، ولعل ذلك يفضي بهم آخر الأمر إلى الاستعداد للاتصال المسعد الذي للعارفين) [١٩] وأما القول الثاني: وهو ثبوت المعاد الروحاني والجسماني معاً، فهو قول منسوب إلى الحليمي، والغزالي. والراغب، وأبي زيد الدبوسى، ومعمر من قدماء المعتزلة، وجمهور من متأخري الإمامية، وكثير من الصوفية، فإنهم قالوا: إن الإنسان بالحقيقة هو النفس الناطقة، وهى المكلف، والمطيع والعاصي، والمثاب، والمعاقب، والبدن يجري منها مجرى الآلة، والنفس باقية بعد فساد البدن. فإذا أراد الله تعالى حشر الخلائق، خلق لكل واحد من الأرواح بدنا يتعلق به، ويتصرف فيه كما كان في الدنيا [٢٠] . وأما القول الثالث: وهو ثبوت المعاد الجسماني فقط، فهذا القول منسوب لأكثر المتكلمين النافين للنفس الناطقة وهو قول أهل السنة. وأمّا القول الرابع: وهو إنكار المعاد الروحاني والجسماني جميعا، فهو قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين.

стр. 11269

والقول الخامس: وهو التوقف في هذه الأقسام كلها، فهو المنقول عن جالينوس، فإنه قال: لم يتبين لي أن النفس هل هي المزاج، فينعدم عند الموت فيستحيل إعادتها، أو هي جوهر باق بعد فساد البنية، فيمكن المعاد حينئذ. هذه هي أقوال العلماء المحكية عنهم في حقيقة البعث، فما مدى موافقتها أو مخالفتها لما جاء به القرآن الكريم في ذلك؟ نقول ومن الله التوفيق: إن القول الرابع- وهو إنكار البعث مطلقا، والقول الخامس وهو الشك في وقوعه، فسنضرب صفحا عن الرد عليهما ومناقشتهما وذلك لأن مسلك القرآن الكريم الذي سبق أن عرضناه، فيه الكفاية، لدحض شبه المنكرين لإمكان البعث، والمتشككين في وقوعه، لأن إنكار البعث حلقة متصلة اعتنقها المكذبون لأنبيائهم من كل أمة كما قال تعالى حكاية عنهم، ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: آية ٨١- ٨٣) . فالشبهة واحدة ورد القرآن على طائفة واحدة، هو رد على كل طائفة منكرة للبعث، أو متشككة في وقوعه، فلو ناقشنا هذين القولين وبينا فسادهما، ووجه الرد عليهما، لاعتبر ذلك تكرار لما سبق وإنما الذي سنناقشه هنا، هي الأقوال الثلاثة الأخرى، القائلة بالبعث. فهى التي يمكن أن ننظر في مدى موافقتها، أو مخالفتها لما جاء به القرآن الكريم في موضوع البعث، وسنبدأ برأي الفلاسفة حسب ترتيبنا لهذه الأقوال. أولا: رأي الفلاسفة:

стр. 11270

أما قول الفلاسفة الإلهيين إن البعث روحاني فقط، وإنكارهم للمعاد الجسماني فلا شك في مصادمته للنصوص الشرعية الواردة في الكتاب العزيز، والثابتة في السنة النبوية، فالمنكرون للبعث الذين رد عليهم القرآن الكريم، لم ينكروا إلا إعادة هذه الأجسام بعد استحالتها ترابا. وأوردوا شبههم استبعادا لتلك الإعادة، فرد عليهم القرآن الكريم وبين لهم زيف شبهتهم، ووضح أن الإعادة ممكنة. ثم إن كلامهم هذا يتضمن إنكار كل شيء محسوس، كالجنة والنار، والصراط والميزان. وكل الحقائق الأخروية التي أخبر الشارع عنها، ولذلك كفّرهم العلماء. وأمما قول القائلين: بأن المعاد روحاني وجسماني فإنه مبنى على القول بأن الروح جوهر مجرد ليس بجسم، ولا قوة حالة بالجسم، وإنما تتعلق بالجسم تعلق التدبير والتصرف، وأنها لا تفنى بفناء البدن، وعليه فالمعاد شيئان، جسم- وروح تعاد إليه. ولكن هل الجسم المعاد هو عين الأول أو غيره؟ الكلام الذي نقلناه عن شرح المواقف والذي نسبه إلى الحليمي. والراغب والغزالي وآخرين يوحي بأن الجسم المعاد غير الأول، نأخذ ذلك من قوله حكاية عنهم، أو نسبة إليهم: "فإذا أراد الله تعالى حصر الخلائق خلق لكل واحد من الأرواح بدنا يتعلق ويتصرف فيه كما كان في الدنيا".

стр. 11271

وهذا القول -وإن كانت نسبته لا تصح إلى الإمام الغزالي، كما يأتي توضيح ذلك. ولا نعلم مدى صحة نسبته إلى الآخرين لعدم المراجع المتوفرة بأيدينا حاليا-. فإنه قول قد قيل ومتداول في كتب العقائد، ولذلك فإننا سنبحث الموضوع من حيث هو؛ لنبين مدى موافقته أو مخالفته لما جاء به القرآن الكريم، بغض النظر عن نسبته إلى قائله، فنقول وبالله التوفيق: إن مشكلة البعث التي عالجها القرآن بطرقه المختلفة، مع المنكرين له المستبعدين لوقوعه. هي إعادة هذه الأجسام بعينها مرة أخرى بعد أن أصبحت عظاما بالية مفتتة مختلطة اختلاطا كليا بأجزاء الأرض، كما قال تعالى حكاية عنهم: (١) ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ . (ق: آية ٣) . (٣) ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . (السجدة: ١٠) (٣) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سبأ: آية ٧) .

стр. 11272

فالآيات تحكى أقوالهم الصادرة منهم في إنكارهم للبعث، وإعادة الحياة بعد الموت مرة أخرى لهذه الأجسام المتفتتة، فلم تتسع عقولهم ومداركهم، لإعادة هذه العظام خلقا جديدا، بعد أن صارت ترابا، فمنهم من لم ينكروا على الله قدرته على إيجاد خلق جديد وإنشاؤه لأنهم يعلمون أنه خالق السموات والأرض، وخالقهم وهم يشاهدون مخلوقاته تحدث باستمرار أمام أعينهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . فالخلق والإيجاد مستمر، وإنما أنكروا الإعادة لعظام تفتت، كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ . وقد أشرنا في سبب نزولها، أن أبي بن خلف جاء إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟ قال رسول الله ﷺ : "نعم يميتك الله تعالى ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار". هذا ما أنكروه على الرسول ﷺ واستبعدوا وقوعه، حينما دعاهم إلى الإيمان بالبعث والجزاء في اليوم الآخر، ولذلك فقد ردّ الله على شبههم تلك- فقال ردا على قولهم: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ؟ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . وقال تعالى ردا على قولهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ .

стр. 11273

وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَه بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ (القيامة: آية ٣، ٤) ، وقال تعالى في سورة الحج: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: آية ٧٠٦) وفي القبور تلك العظام المفتتة، فهو القادر على إعادتها ومما يؤكد ذلك ويزيده وضوحا، من أن المعاد هو عين الأول، لا مثله، قوله تعالى. ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: آية ١٩- ٣٣) .

стр. 11274

فهذه الآيات تدل صراحة على أن أعضاء الإنسان، وجوارحه التي كانت في الدنيا هي نفس التي تبعث، فتشهد عليه يوم القيامة بما اقترف من سيئات متسترا عن أعين الناس، ظنا منه أن الله لا يعلم عمله ذلك. ولم يدر بخلده أن أعضاءه ستشهد عليه يوم القيامة، بكل ما اقترف في الحياة الدنيا، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُم﴾ . ومن رحمة الله وعدله أن لا يؤاخذ عباده، إلا ببينة تشهد عليهم بما عملوا وإن كان هو يعلم السر وأخفى. ولذا فقد جعل مع كل إنسان من يدون عليه حركاته وسكناته، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: آية ١٨) . وقال الله تعالى: ﴿كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: آية ١١- ١٣) . وشرط الشهادة، أن يكون الشاهد حاضرا ومطلعا على ما يشهد به؛ فدلا ذلك على أن هذه الأعضاء التي تشهد على الإنسان، هي الأعضاء الموجودة في الدنيا حين اقترف تلك الجريمة. لا أعضاء جديدة وجدت، إلا لقالب صاحبها، لخالقه: إن هذه الأعضاء لم تكن حاضرة معي في الدنيا حتى تشهد علي. أما نسبة القول -بخلق أجسام جديدة غير التي كانت في الدنيا- إلى من أشار إليهم شارح المواقف، ومنهم الغزالي، فالذي يبدو إن نسبة هذا القول للغزالي خطأ. ذلك أن قوله صريح في أن المعاد هو عين الأول لا مثله، وما نقل عنه من القول بإعادة بدن جديد تتعلق به الروح كما هو مذكور في كتابه: تهافت الفلاسفة- فقد صرح في كتابه- الاقتصاد في الاعتقاد- أن ذلك على سبيل الإلزام منه للفلاسفة بما يعتقدون. ولا أنه هو المذهب الحق الذي يعتقده، ولكون الغزالي متهما في هذه المسألة حتى من أتباعه. فسننقل عنه ما ذكره في كتابه المشار إليه -وإن طال لبيان الحقيقة- يقوله تحت فصل- في باب قضاء العقل بما جاء الشرع به من الحشر النشر:

стр. 11275

(أما الحشر فيعنى به إعادة الخلق. وقد دلت عليه القواطع الشرعية، وهو ممكن بدليل الابتداء فإن الإعادة خلق ثان، ولا فرق بينه وبين الابتداء وإنما يسمى الإعادة بالإضافة إلى الابتداء السابق، والقادر على الإنشاء والابتداء قادر على الإعادة، وهو المعنى بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فإن قيل فما تقولون؟ أتعدم الجواهر والأعراض ثم يعادان جميعا. أو تعدم الأعراض دون الجواهر، وإنما تعاد الأعراض. قلنا كل ذلك ممكن وليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد هذه الممكنات. وأحد الوجهين أن تعدم الأعراض ويبقى جسم الإنسان متصورا بصورة التراب -مثلا- فتكون قد زالت منه الحياة واللون والرطوبة والتركيب والهيئة وجملة من الأعراض، ويكون معنى إعادتها أن تعاد إليها تلك الأعراض بعينها أو تعاد إليها أمثالها، فإن العرض عندنا لا يبقى، والحياة عرض، والموجود عندنا في كل ساعة عرض آخر، والإنسان هو ذلك الإنسان باعتبار جسمها فإنه واحد، لا باعتبار أعراضها فإن كل عرض يتجدد هو غير الآخرة، فليس من شرط الإعادة فرض إعادة الأعراض، وإنما ذكرنا هذا المصير بعض الأصحاب إلى استحالة إعادة الأعراض. وذلك باطل: ولكن القول في إبطاله يطول. والوجه الآخر: أن تعدم الأجسام أيضا، ثم تعاد الأجسام بأن تخترع مرة ثانية، فإن قيل فبم يتميز المعاد عن مثل الأول؟ وما معنى قولكم إن المعاد هو عين الأول، ولم يبق للمعدوم عين حتى تعاد؟؟
следующие страницы →