Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.
стр. 11411
وعندما نريد تقديم النصوص الشرعية التي خص بها الإسلام المرأة، ورفع قدرها وصان أنوثتها لتكون كالبيض المكنون، لامتد الكلام بنا طويلا، فعشرات الآيات وعديد من الأحاديث، وضعت المرأة في صورة انفرد بها الإسلام وحده، ولكن يكفينا التمثيل بالقليل، فالقرآن يلزم الرجال بمعاملة النساء أكرم معاملة، بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ ، فكلمة (المعروف) هنا والتي تعددت في أكثر من آية خاصة بالمرأة، جامعة لكل ما يعرف أنه خير لها وتسربه، وعندما يكرهها الرجل لسبب أو لآخر بعيد عن الفاحشة، لم تتركه الآية على هواه، بل كبحت هذا الهوى وزادت أنَّ ما كرهه منها قد يكون فيه الخير الكثير.
فانظر كيف وقف الإسلام بجانب المرأة حتى عندما فعلت ما أوجب كره الرجل، والحديث الذي رواه مسلم ﵀ يفسر هذه الكلمات من الآية، فعنه ﷺ قوله: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر" (لا يفرك) أي لا يبغض.
стр. 11412
بل وكلمة المساواة التي دنستها ألسنة الغرض والسوء، قالها القرآن صادقة صافية ألزم بها الرجل، بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنّ﴾ ، وليس لها فقط ماله في جوهر العشرة، وإنما كذلك في الشكل والمظهر، فكما يحبُّ مثلا أن يراها أمامه نظيفة وبهندام حسن، يجب عليه نحوها كذلك، فقد حدث أن امرأة ذهبت إلى عمر ﵁ تطلب منه أن يطلقها من زوجها، ودعا بزوجها فرآه رث الهيئة قبيح المنظر، فأمر به فاغتسل، وألبس ثوبا نظيفا، ورُجِّل رأسه ولحيته، ثم طلب عمر المرأة فقال لها، أطلقك من الأول وأزوجك بهذا، فكان أن ضحكت وأدركت أن عمر عرف ما تريد، وعادا على وفاق بعد أن كانا على طلاق، ثم تقول الآية ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ، فبعد أن ساواها القرآن بالرجل، بأن يكون لها مثل الذي عليه، لم يجعل الزيادة المفضلة له إلا بدرجة واحدة، فلم يُثَنِّها سبحانه ولم يجمعها حتى لا تضخم عند هواة التسلط على النساء، فلا ينبغي أن تفسر الدرجة بأنها فرض السيطرة أو التحكم، وإنما تفسر بأن له عليها الطاعة في غير معصية الله وخدمة بيته وبنيه، وذلك مقابل مشقة القوامة، والتي اختص بها الرجل تكليفا من ربه وبصيغة المبالغة ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، فهو تكليف أكثر من التشريف، ومع هذا رفضت المرأة (الحديثة) مجرد هذه الدرجة الواحدة، بل حتى رفضت نفس القوامة، لما وقفت امرأة بجرأة الفاقدة لحيائها أمام القاضي- وهى محامية في قانون الكفر الفرنسي- لتقول: "لقد سقطت قوامة الرجال علينا لما أصبحنا موظفات"، قالت ذلك مع علمها بتفضيل الله الرجل عليها بأمور عديدة، فهو الذي ذهب لخطبتها، وهو الذي نقلها إلى مسكنه بعد أن أعده لها، وهو الذي يسبب لها الإنجاب، وهو الذي يحميها وأولادها بساعده القوي من العاديات، وأخيرا هو الضارب في الأرض بحثا عن قوتها وقوت عيالها، ولو
стр. 11413
تبجحت الموظفة وقالت إنها أصبحت غير محتاجة لماله عند أول نقاش مع زوجها، وحصرت القوامة في أنها بسبب القوت، وأنكرت المفضلات الرجولية التي في الآية الكريمة، والتي ذكرنا بعضا منها.
وحتى لما حصلت المرأة (الحديثة) على الوظيفة، لم تف وظيفتها بمعظم أمْرِها بقوت نفسها، بل تنفق هذا المرتب الذي لا بركة فيه على مستلزمات الوظيفة، من شراء أحدث (الموديلات) في الأزياء، والتسابق مع الزميلات في وسائل الزينة، وفي الفيَّاح من العطور، وما إلى ذلك من وسائل التبرج، فماذا يبقى لها من مرتبها لتأكل منه؟، ويظل الرجل هو المتحمل لهموم العيش، ليعول ويربي قياما بحق القوامة، وحتى لا ينوء بهذه الأمانة الصعبة، أعانته عدالة الله بأن يكون له قدر الأنثيين، لا قدر ثلاث إناث ولا أربع، لكن الأنثى (الحديثة) لم تقبل عدل الله، وأستغفره سبحانه سلفا إذا قلت: لو لم يعطها شيئا البتة- ما دامت ستنعم في كنف القوامة ومشقة مستلزماتها- لكان تعالى هو العادل المنزه أيضا، ولكن زاد سبحانه ومكَّن لها في كيانها لما قال: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ .
وإذا كانت المرأة (الحديثة) قد جاهرت بهذه العداوة لدينها، فقد نلتمس لها عذرا باعتبارها ناقصة دين وعقل أصلا، ولكن ما هو العذر للرجال الذين استغلوا نقصها هذا، فنقصوا بعقولهم ودينهم عنها، لما راحوا يدفعونها بإصرار إلى هلاكها لتفعل ما يخالف النقل والعقل، بل ومنهم الحكام الذين دخلوا معها المعركة سافرين، وقننوا لها القوانين التي تنسخ قانون الله، فلتهنأ المرأة (الحديثة) إذاً وليهنأ معها أنصارها ألداؤها، حكاما ومحكومين.
стр. 11414
أما ما نراه من انطلاق المرأة في الشوارع ليل نهار في كل بلاد الإسلام، وفي صورة جامحة كاسحة لكل خلق ودين وفضيلة، فالواضح الذي لا يقبل المراء، هو أن الراعي والرعية اشتركوا في هذه المصيبة على السواء، لما قتلت فيهم النخوة وغَيْرةُ الإسلام.
فأين منا اليوم وكثيرات من نسائنا يستقبلن الرجال في البيوت نيابة عن أزواجهن، ويخرج نساء الدار أمام رب الدار بالقصير الفاضح أو السروال المحدد للعورة أو على عادة هنا برفع العباءة ليظهر الثوب تحتها قشيبا لامعا ليلفت النظر، أو تشد العباءة على خصرها أو على ثدييها، لتقلد البلاد (المتحضرة) بقدر ما تستطيع، ولا يغار القائمون على هؤلاء النسوة هنا أو هناك من زوج أو أب، لا لدينه ولا لرجولته، لقد كان من أهم غايات الشيطان كشف هذه السوءات لأنها أقوى المدمرات للقيم كلها وعلى رأسها القيم الدينية، والمجلبة لسخط الله تعالى، فقد كانت أول مهمة له في دنيا البشر، لما فعلها مع آدم وحواء ﵉، بقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ... إلى نهاية الآية في قوله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
стр. 11415
فَلْيُسَرُّ الشيطان الآن غاية سروره، فقد تحقق له اليوم ما أراده لقد أدت مصيبة إفلات الزمام لامرأة التطور إلى مشكلة من أعقد المشاكل الاجتماعية في عصرنا هذا، وهي مشكلة إعراض الشباب عن الزواج، فبالإضافة إلى مخالفة الشرع بارتفاع قيمة المهر بغير المعقول، أخذ الشاب يتساءل؟ ماذا بقى لي من فتاتي وقد عرضت نفسها في الطرقات للفرجة بغير ثمن، فهل كل فرحتي ليلة الزفاف هو قضاء اللُّبانة، أم أنها جميعها يجب أن تكون لي وحدي؟ ، وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ : "خير نسائكم الودود الولود، المواسية المواتية، إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم"، أي القليلات؛ لأن الغراب الأعصم قليل في نوع الغربان، روى هذا الحديث البيهقي والبغوي وغيرهما، وصحح في الجامع, أما الغلو الذي بلغ حد الخيال في المهر، وأن يكون الخاطب من ذوي المظاهر ماليا وعصريا، ولا يخطر التدين والخلق والاستقامة على بال، فإن أعظم قصة زواج في تاريخ الإسلام لهي صفعة لهؤلاء، الذين عقَّدوا الزواج وجعلوه صفقة تجارية، وهي قصة زواج الزهراء، سيدة البنات بنت سيد الآباء، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن ابنته، فقد اختار الله لها الشاب الفقير عليا ﵁ وكرم وجهه، من دون الصحابة الأغنياء الذين ألحوا على الرسول كثيرا ليظفروا بمصاهرته والتشرف بابنته.
стр. 11416
فقد ذكر الإمام القسطلاني شارح البخاري ما حدث في زواج فاطمة ﵂ من حديث أنس،: دعا رسول الله ﷺ بعض أصحابه ثم خطبهم قائلا: "الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيهم محمد ﷺ ، إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته، جعل المصاهرة سببا لاحقا وأمرا مفترضا، أوشج به الأرحام، وألزم به الأنام، فقال عزّ من قائل: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ ، فأمْرُ الله تعالى يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب، ثم إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني زوجته على أربع مائة مثقال فضة، إن رضي بذلك علي، ثم دعا ﷺ بطبق من بسْر، ثم قال: انتبهوا، فانتبهنا، ودخل عليّ، فتبسم النبي ﷺ في وجهه، ثم قال: إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة على أربع مائة مثقال فضة، أرضيت بذلك؟ فقال عليّ، قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال ﷺ : جمع الله شملكما، وأعز جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا".
стр. 11417
قال أنس: "فو الله لقد أخرج منهما الكثير الطيب"، وقد أولم عَلِىّ عَلى فاطمة بشطر من شعير وتمر وحيس، وكان جهاز فاطمة خميلة، وقربة، ووسادة من أدْم حشوها ليف، ونظر رسول الله ﷺ إلى هذا الجهاز وقال: "مرحبا بجهاز المساكين"، الله أكبر، سبحان من جعله للناس خير قدوة، ولكن.... تلك قصة زواج سيدة نساء الجنة، مهرها لا يزيد عن أقل أسورة من الفضة تلبسها أفقر نساء اليوم، وجهازها كما سمعتم بما يدمع العين من قول أبيها، وهو الذي عرضت عليه الجبال ذهبا فأباها "مرحبا بجهاز المساكين".
أما اليوم فلم يعد للمسلمين صلة بسنة نبيهم، فعقّدوا الأمر فعقده الله عليهم، وأحاطت بهم المشاكل من كل جانب.
وليس من الخير في شيء أن ننكر الميل الغريزي في المرأة، وأنه أشد منه في الرجل، لولا ما ألقى الله عليها من الحياء، فإن لم نعمل على أن نُكْفَى بما أحلّ الله فماذا يكون إذً؟ لقد سمع عمر ﵁ امرأة تناجي سرير زوجها الغائب بأبيات منها.
لنُقِّض من هذا السرير جوانبه
فو الله لولا الله لا شيء غيره
بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا
وإكرام بعلي أن تنال مراكبه
مخافة ربي والحياء يصدني
فسأل عن زوجها فقيل إنه في الجهاد مع جيش المسلمين، فأمر بأن يؤذن للمتزوجين منهم بالتردد على بيوتهم في فترات متقاربة حسما للفتنة.
стр. 11418
وعن تعليم المرأة، نقول: إن الإسلام حرص على تعليم أبنائه رجالا ونساء، لكن على أساس مهمة كل منهما التي عينها لهما الخالق في هذه الدنيا، فللحياة مكانان ليس سواهما، داخل الدار وخارجها، وجعل الدار للأنثى ليكرمها ويصونها في المكان اللائق بها، ولهذا كان أمره الصريح سبحانه إليهن ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ، ولم تكن بهذا الأمر الكريم الحافظ لها تماما سجينة الدار، فقد سمح لها ولسنين وصلت بها إلى ما قبل سن الاشتهاء، أن تأخذ قسطا كبيرا من التعليم، يمكنها به عندما تُردُّ إلى مقر كرامتها في البيت أن تعرف كيف تعبد ربها وتدير بيتها، بل ويمكنها أن تقرأ وما أيسر الكتب، بما يزيدها معرفة وعلما وقت فراغها من عمل البيت، وهكذا لم يجعلها الإسلام حبيسة لا تفكر ... ولا تعبر، بل أباح لها حتى في وقت الخجل عندما تُخطب، أن تبدي رأيها في خاطبها، ثم لما تصبح زوجة لم يجعل الإسلام بيت الزوج سجنا والزوج سجّان على بابه، وإنما لو خرجت أمثلة لحاجة المرأة إلى الخروج في صلاة الجماعة والعيدين والحرب أباح لها الخروج للتزاور والعلاج وصلة القربى، فقط حتى لا تهان يكون زوجها أو أحد محارمها أو رفقة من نسوة يصاحبنها في ذلك.
فعن عائشة ﵂ قالت: خرجت (سودة) ﵂ زوج رسول الله ﷺ لحاجتها بعدما ضرب الحجاب، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت عائشة: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى وفي يده عَرْق (اللحم المتصل بالعظام) فدخلتْ فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت عائشة: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: "إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن"، أخرجه البخاري في صحيحه.
стр. 11419
أما عن المعاملة داخل البيت، فهي العزيزة المصونة بنصوص عديدة قرآنية ونبوية، فالقرآن زاخر بإلزام الزوج بحسن المعاملة، ذكرنا منها آنفا ما يكفي، وكذلك السنة مَلآى بنفس الأمر، فبالإضافة إلى ما سبق منها نورد حديثا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائكم"، رواه الترمذي وصححه، وكذلك ابن حبان في صحيحه، ومن ناحية التساوي في الأجر جعلها الإسلام كالرجل ذرة بذرة في كتاب الإسلام الأعظم بوفير من الآيات، ولكن أعجبها في رأيي، تلك الآية، التي ساوتها بالرجل حتى في التعبير اللفظي وليس في الأجر فقط، في عشرة كاملة بالآية الآتية.
стр. 11420
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ، بل وبشرها الرسول ﷺ بأنها تعدل الرجل تماما، في قصة أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂، والتي رواها مسلم في صحيحه، وكانت فصيحة حتى لقبت بخطيبة النساء، فقد أتت النبي ﷺ وهو جالس مع بعض أصحابه وقالت: يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، وقد أرسلك الله إلينا رجالا ونساء، ولكنكم معشر الرجال فضلتم علينا بالجُمع والجماعات، والحج والجهاد، ونحن قعيدات بيوتكم، نغزل ثيابكم، ونربي أولادكم، ونصنع طعامكم، ونحفظ أموالكم، ونصون عرضكم إذا رغبتم، أفلا أجر لنا معكم؟ فاستدار ﷺ بكل وجهه إلى أصحابه وقال: "أسمعتم مقالة امرأة في أمر دينها كهذه؟ قالوا: لا يا رسول الله، فنظر إليها ﷺ وقال: أيتها المرأة، اعلمي وأعْلِمي من خلفك من النساء، أن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله"، فانصرفت وهي تكبر حتى اختفت عن مجلسه ﷺ .
стр. 11421
هذه هي المساواة بين المرأة والرجل، عرّفها الإسلام على حقيقتهما، وليس على ادعائها وزيفها كما ينادى بذلك جهلة اليوم من النساء والرجال على السواء، أما التي تركت البيت باسم التعليم والثقافة، وتعودت أن تخرج في الصباح ولا تعود إلا في المساء لنحو عشرين عاما أو ما يقرب، من سن السادسة حتى تخرجت من الجامعة، أيمكن بعد ذلك ردها إلى البيت كما أمرها خالقها؟ لتكون سيدة بيت ومربية أسرة؟ لا أظن، وما كنا نتمنى هذا اليوم من أيام الأمة الإسلامية، يوم أن أبيح للفتيات دخول الجامعات، فطال بذلك بعد البنت عن البيت، فأصبحت لا تراه إلا سجنا مظلما وجوا خانقا لا تطيق المكث فيه، إلا للأكل أو النوم، ولتختلط مع الفتى في الجامعة اختلاط النار بالحطب الهش وهما في سن الجموح الجنسي، باسم التقدمية ورفع الكلفة والزمالة في طلب العلم، وياله من علم، فلسفات ونظريات وانحرافات، من تعاليم الشرق والغرب في أكثر الكليات، حتى أصبحوا فتيانا وفتيات لا يعرفون شيئا عن دينهم، بقدر ما يعرفون عن الذين احتلوا عقولهم، وقد يقال إن هناك من الكليات ما ليس فيها الذي ذكرت، حيث التعليم فيها ديني وعربي، وبعضها ليس فيه اختلاط، هذا صحيح، ولكن جوهر المشكل باق، وهو التعود على هجر المقر الذي أُمرت من الله أن تقر فيه، وترك حرفتها المنزلية المرموقة والموقوفة عليها، والتي تصَدِّر بها إلى المجتمع البشري من صنع الأمومة صالح الإنتاج من بنين وبنات، فما جعل الله قلبين في جوف، فهي ما استأنفت أي نوع من التعليم بعد المرحلة المتوسطة، إلا وفي النية هجر البيت إلى الأبد، حيث اُتفِق على أن تتوظف بعد التخرج، وتترك البراعم الصغيرة الغالية في البيت للخادمة، وكم فعلت الخادمات بمكنونات البيوت، من إفساد أطفال، وسرقات، وتقويض ما بين الزوجين من صلات، وغير ذلك كثير بما نسمع كل يوم.
стр. 11422
فماذا علينا إذا وقفت البنت عند قدر من التعليم معين، ثم تصان في البيت حتى تأتي إلى وظيفتها الأساسية في بيت الزوجية، وقد أعدها الله أصلا لهذه الوظيفة الشريفة، فمهما هربت منها وبلغت من أمر دنياها ما بلغت، فلن يقتل ذلك فيها غريزة الميل إلى الزواج، ولن يغنيها المنصب في الإدارات والشركات عن ذلك أبدا.
إني لأعرف الكثير ممن تمسكوا بتكريم الإسلام لبناتهم، فإلى مرحلة محددة من التعليم، وقبل أن تتعود العين غير البيت، وقبل أن تتفتح الغريزة على ما شرع الله، يردونها إلى صونها في خدرها، فبسط الله لهم في زواج بناتهم، حتى لم تكد تينع الثمرة إلا وتمتد يد الحلال لتقطفها، وهذا يحطم النظرية الخبيثة، من أن البنت الآن أصبحت لا تتزوج إلا إذا تعلمت ووظفت، وثبت العكس، فأكثر العوانس منهن، فإن غامر زميل لها في العمل كان، وإلا فقلما يدق باب أهلها خاطب.
ولقد نتج عن كثرة الخريجات اللاتي يتحتم توظيفهن بعد التخرج مشكلة، أصبح خطرها عالميا، وليست فقط في أمتنا الإسلامية، فالمكان الذي كان أصلا للرجل شغلته المرأة، وأصبح على مدى الأيام تزداد البطالة بين الرجال وهم القوامون خطرها، مما كثر معه الإجرام والسرقات والمظاهرات، وحوادث الشغب والسطو على بيوت المال، وأصبحت الدول الأجنبية التي رمتنا بدائها، يعلو صراخ حكوماتها من تضاعف البطالة وانتشار الإجرام واختلال الأمن بسبب ذلك، وعلى رأس هذه الدول أمريكا الغنية (سابقا) ، التي لا يطفح غناها إلا على إسرائيل، والبطالة فيها تفتك بها بما سمعتم من إعلان حكوماتها أخيرا أكثر من مرة، ونفس الأمر وأشد في زميلتها روسيا، وهما الدولتان العظيمتان كما يقولون، وبالتالي صار عالمنا الإسلامي يعاني نفس الخطر بما هو أخطر، وتصريحات حكوماتنا تقرع أسماعنا، والعلاج معروف، والبيت مفتوح لتعود إليه مَن هجَرْته، ولكن من يضع الجلجل- الناقوس- في عنق القط؟.
стр. 11423
على أننا لا نغفل أن هناك من النساء من سلب أكثر حقهن إن لم يكن جميعه، وهن اللواتي يعشن في القرى والصحراء في أنحاء عالمنا العربي والإسلامي، فالكثير من الرجال هناك لازال ينظر إلى المرأة نظرة القرون الأولى، فهي ليست إلا تلك الحقيرة التي تضرب بقسوة لأقل هفوة حتى يمزق جسدها، ولا حق لها في أن تطلب بنفسها شيئا من غذاء أو كساء أو دواء، ومحرومة نهائيا من حقها في الميراث، ولكن سبب البلاء الذي أصاب هذه، وسبب الوباء الذي أصاب أختها في الحضر، هو عدم العمل بقانون السماء وتعطيل نصوصه وأحكامه، فأصبحت المرأة عندنا بين مسلوبة الحق وأخرى سالبة للحق. إن الكلام عن المرأة شيء ما أظنه ينتهي، لأنها نصف الإنس، ولكن مع الأسف نصفه الأعوج، ومع هذا كرمها الإسلام كتابا وسنة كما سمعنا القليل منه، وحسبها أن سمى الله أطول سورة بعد البقرة باسمها، وهي سورة النساء وزخرت هذه السورة وسار غيرها برفع شأنها.
ولكنها أذلت نفسها لما اتبعت الذين حرضوها ضد فطرتها وخلقتها من خارج بلادنا وداخلها، فسلخوها عن دينها وأبعدوها عن ربها، وألقوا بها في متاهات الحياة لتقاسي شظف العيش ومكاره الأيام، والتي ناء بها الرجل بله المرأة، وراحت أيضا تبتذل لتشعل الشهوة وتحرك الفتنة بالرقص والتمثيل والغناء الجنسي، يجرها إلى ذلك تجار الربح السحت من أهل السينما والمسرح والمرقص والحانة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 11424
ونحن الرجال إزاء هذا الأمر أنواع ثلاثة، نوع قد عوفي من هذا البلاء، ونوع غلب على أمره أمام هذا الإعصار العالي من التحرر، حتى إنه ليشعر بالغربة داخل بيته، لما قيل له من أهله ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ ، وهذا النوع المغلوب على أمره من أهله، قريب من الأول بشرط ألا يكف عن النصح ما استطاع ولو لم يصغ إليه، مداومة في الإعذار إلى الله تعالى، وهذا أضعف الإيمان بالنسبة للأب والزوج وكل من له ولاية على المرأة، فلا أحد يطلب من هؤلاء جميعا أن يضربوا أو يحطموا أو يطلقوا، عسى أن تُجْنَى ثمرة النصح يوما، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، ونوع ثالث من الرجال راض بهذا السوء غير منكر له ولا بقلبه، بل قد يدفع ويشجع، فهذا لا يعذر أبدا لا من الله ولا من الناس، لأنه (الديوث) الوارد في الحديث الصحيح، ولأنه فقد حتى صفة الحيوان الذي هو معروف بغيْرته على أنثاه.
ونختم هذا الباب بما تعودناه في الأبواب السابقة بمجموعة من النصوص للمستفيد، فعن الآيات القرآنية فقد أخذنا منها الكثير وبنينا بحثنا السابق الطويل عن المرأة من هذه الآيات.
وإليكم بعضا من الأحاديث الصحيحة.
١- عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة، إن رآها أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله" رواه البخاري.
٣- وعنه ﷺ قوله: "ثلاثة لا ترى أعينهم النار، عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كُفَّتْ عن محارم الله" الطبراني.
٣- وعنه ﷺ قوله: "لا يخلوَنَّ أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم" البخاري.
стр. 11425
٤- وعنه ﷺ قوله: "لأنْ يطعن في رأس أحدكم بِمخْيط من حديد، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له" رواه البيهقي.
٥- قال ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن"قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" أبو داود.
٦- وعن خنساء بنت خدام "أن أباها زوجها وهي ثيب دون أن تستأمر فأتت رسول الله ﷺ تشكو، فرد نكاحها" رواه ابن ماجه.
٧- وعن ابن عباس ﵁"أن جارية بكراً أتت رسول الله ﷺ ، فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ "- أي بين أن تأبى أو تقبل.
وحسبنا هذا القدر من الأحاديث الصحيحة، ونقدم أقوالا ممن شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كاذبين لما غرروا بالمرأة وأخرجوها من خدرها ليزجوا بها إلى هلاكها.
٨- في مؤتمر (كلفرينا) الذي انعقد لهذا الأمر، قدم بحث اعتبره أحسن البحوث التي قدمت إليه، وهو من الدكتورة (إليانورماكوبي) ،ونكتفي بأن تأخذ منه ما يلي:-
стр. 11426
"إن الاختلافات بين الرجال والنساء أقوى مما نظن حتى في الناحية العضوية، ففي خلال الأربعين سنة الأخيرة، وهي الفترة التي فتحت الجامعات والمعاهد العليا أبوابها للفتيات، دلت على ضعف الإنتاج النسوي والابتكار المفيد أمام ما يفعله الرجال، حتى في المجالات الأدبية، وبرز تخلف المرأة بعد دراسة حالة أربع مائة ممن حصلوا على (الدكتوراه) من النوعين، فاتضح أن عددا قليلا من هؤلاء المتعلمات حاولن الاندماج في المشكلات العلمية لابتكار نظريات جديدة، والباقيات وقفن حيث هن، ولم تكن عقبتهن الزواج ولا الأولاد، لأن الإنتاج العلمي لمن تزوجن تساوي مع من بقين بغير زواج، وحتى في بداية الدخول للجامعات كانت نتيجة التحليلات أن الذكاء الذي يؤهل للدراسات الجامعية كان متفوقا عند الفتيان أكثر منه عند الفتيات، وأن السبب هو النقص في الصفات التحليلية للعقل عند النوعين"، انتهى كلام الدكتورة (إليانور ماكوبي) .
٩- وقالت الباحثة (ماريامان) : "إن النساء مصابات باضطراب عقلي- ألم نسبق نحن بقول نبينا: "ناقصات عقل ودين؟ " – يجعل الأنوثة مثلا أعلى لديهن يضمن لهن السعادة، فهن يَحْرِصْنَ على إظهار ما يلفت أنظار الرجال إليهن بالطبيعة أو بالصنعة عند خروجهن إلى وظائفهن، ولو رضين بأصل تكوينهن اكتفاء بالزواج، والتَّفَنن في طهو الطعام وتربية الأولاد ومعاونة الزوج لكان ذلك أفضل لهن، فإذا خالفت إحداهن ذلك فقد خرجت على التقاليد- ونحن قلنا: خرجت على تعاليم الإسلام- وهذا سر تخلفها العلمي لما دخلت قاعات الجامعات، ولهذا فإن قلة من النساء يحصلن على التفكير التحليلي". انتهى كلام الباحثة (ماريا) وهى واحدة منهن كان المفروض أن تتعصب لبنات جنسها.
١٠- وقف (المارشال، بيتان) رئيس فرنسا أثناء هزيمتها المنكرة أمام جيوش الألمان في الحرب العالمية الثانية ليقول:-
стр. 11427
"أيها الفرنسيون، إن سبب الهزيمة هو انغماسكم في الملذات مع الجيش المحيط بكم من السيدات، فانشغلتم بذلك بدل جيش الألمان، زنوا خطاياكم فإنها ثقيلة الميزان، إنكم نبذتم الفضيلة وكل المبادئ الروحية، ولم تريدوا أطفالا فهجرتم حياة الأسرة، وانطلقتم وراء الشهوات تطلبونها في كل مكان، فانظروا إلى أي مصير قادتكم الشهوات".
وهكذا ينطقون بديننا ولو لم يؤمنوا به ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ صدق الله العظيم، تم راحوا يصنعون لنا حقوقا للإنسان، فيا عجبا! فأيهما أنفع؟ ما وضعه خالق الإنسان, أم الذي وضعه الإنسان لنفسه؟ [١] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تعليق التحرير: قد كان من المناسب أن يعقد الكاتب مقارنة يضمنها نبذة عن حال المرأة المهين قبل الإسلام عند كل من الرومان، واليهود، والنصارى، والهنود، ثم يخلص إلى تكريم الإسلام لها بما قرر لها من حقوق لم-ولن يقررها أي نظام بشري، ثم ينتهي إلى محاولات ذوي الأهواء-الذين طمس الله على قلوبهم- إعادتها إلى ما كانت فيه من مهانة بدعوى تكريمها، ومحاولة نيل حقوقها السلبية، ومساواتها بالرجل.
стр. 11428
نماذج أخرى من الدعاة الصالحين
علي بن أبي طالب ﵁
للشيخ أبو بكر الجزائري
الأستاذ بقسم الدراسات العليا بالجامعة
هذا هو الأنموذج الرابع والحلقة الأخيرة من السلسة الثانية لنماذج من الدعاة الصالحين ألا وهو أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة مأواه.
نسبه:
إن نسب علي بن أبي طالب هو النسب الشريف لرسول الله ﷺ ، إذ هما أبناء العم فمحمد رسول الله هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وعلي هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب، ومن هنا وبهذا ونحيل على النسب الشريف إلى عدنان المنحدر من إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
وكنيته ﵁ أبو الحسن أو أبو السبطين: الحسن والحسين ابني فاطمة بنت رسول الله ﷺ بيد أن له كنية أخرى هي من أحب الكنى إليه ألا وهي أبو تراب ولهذه الكنية سبب هو أنه خرج يوما مغاضبا لفاطمة ﵄ فأتى المسجد ونام فيه، فجاء رسول الله ﷺ يطلبه فقالت له فاطمة: لقد خرج مغاضبا فطلبه رسول الله ﷺ فوجده في المسجد نائما والتراب قد علا بعض جسمه، فجعل ﷺ ينفض التراب عنه ويقول: قم أبا تراب، فكانت تلك كنيته المفضلة لديه.
علمه:
стр. 11429
إن من أهم جوانب حياة الداعية الإسلامي الجانب العلمي إذ العلم ضروري للداعية المسلم وفي مثل هذا الجانب تكون الأسوة، وعلي بن أبي طالب كان على جانب كبير من العلم والفقه في دين الله تعالى وحسبه شهادة الرسول ﷺ له بقوله: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"أخرجه الترمذي والحاكم وهو حسن الإسناد، وليس كما قيل موضوعا ولا صحيحا لذا قال السيوطي في تاريخه ومن شعب العلم التي برز فيها علي ﵁: القضاء فقد كان أقضى أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد شهد له بذلك عبد الله ابن مسعود حيث قال: "أفرض أهل المدينة وأقضاهم علي بن أبي طالب". أخرجه ابن عساكر.
كما أخرج الحاكم قول ابن مسعود ﵁: "كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي"
وأخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قوله: "كنا إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لا نعدوها". وكما أخرج عن عمر ﵁ أنه كان يتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن ومن الأقوال المأثورة "مشكلة ولا أبا حسن لها". بل هو قول عمر ﵁.
ولا عجب أن يطول باع ابن أبي طالب في العلم حتى لا يدانى أو يجارى وهو الصاحب الذي عرف رسول الله ﷺ وصاحبه من يوم نُبّيء إلى أن قُبض ﵊.
أخرجه الحاكم وصححه عنه ﵁ قوله: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ فضرب صدري بيده، ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فو الذي خلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين".
وهذه الرواية تكشف عن سر علم علي وفقهه في دين الله تعالى.
وكعلمه الواسع في القضاء علمه بالتفسير والأدب والحكمة.
стр. 11430
فعن الأول نستشهد بما أخرج ابن سعد عنه ﵁ إذ قال: "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا صادقا ناطقا". كما أخرج أيضا عن أبي الطفيل قال، قال علي: "سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد علمت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل".
ويشهد لهذين القولين: قوله ﵁ في الصحيح: "ما خصنا رسول الله ﷺ نحن آل البيت بشيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فهما يؤتاه الرجل في كتاب الله".
وعن الثاني والثالث نستشهد بالروايات التالية: أخرج أبو نعيم في حليته عنه وقال قال علي ﵁: "الحزم سوء الظن, والقريب من قربته المودة وإن بعد نسبه, والبعيد من باعدته العداوة وإن قرب نسبه ولا شيء أقرب من اليد إلى الجسد وإن اليد إذا فسدت قطعت، وإذا قطعت حسمت".
وأخرج سعيد بن منصور في سننه عنه ﵁ أنه قال: "خمس خذوهن عني: ألا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، وإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان، وإذا ذهب الرأس ذهب الجسد"وقال: "الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره, ألا لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم معه، ولا قراءة لا تدبر فيها".
سرعة بداهته وقوة حجته
стр. 11431
مما تميز به علي بن أبي طالب بين أصحاب رسول الله ﷺ سرعة البداهة فقد كان يسأل عن المعضلات فيجيب بما هو شفاء فيها على البداهة بدون ترو ولا تفكر وكان ذا حجة قوية إذا قال أو خطب، أو خاصم, ونذكر لسرعة بداهته الحادثة التالية: ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في الجزء الثالث عند الكلام على علي ﵁ قال: "روي عن زر بن حبيش أن رجلين جلسا يتغذيان, مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضع الغذاء بين أيديهما مر بهما رجل فسلم، فقالا اجلس للغذاء فجلس وأكل معهما واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم وقال: خذا هذا عوضا عما أكلت لكما ونلته من طعامكما فتنازع الرجلان في قسمة الدراهم الثمانية بينهما، وقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم، وقال لصاحب الثلاثة: لك ثلاثة دراهم. فأبى صاحب الثلاثة الأرغفة إلا أن تكون الدراهم بينهما نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة الأرغفة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة, فقال: لا والله، لا رضيت منه إلا بغير الحق. فقال علي ﵁: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد، وله سبعة. فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين, وهو يعرض علي ثلاثة فلم أرض، وأشرت علي بأخذها فلم أرض، وتقول لي الآن أنه لا يجب في مر الحق إلا درهم واحد فقال له علي: عرض عليك صاحبك الثلاثة صلحا فقلت لم أرض إلا بمر الحق ولا يجب لك بمر الحق إلا واحد. فقال الرجل: فعرفني بالوجه في مر الحق حتى أقبله فقال علي رضى الله عنه: أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا، أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل، فتجعلون في أكلكم على السواء؟ قال بلى، قال فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله
стр. 11432
خمسة عشر ثلثا، أكل منها ثمانية، ويبقى له سبعة، وأكل لك واحد من تسعة، فلك واحد- أي درهم- بواحدك، وله سبعة بسبعته. فقال الرجل: رضيت الآن!!! ".
فهذه الحادثة تدل دلالة واضحة على ما كان يتمتع به علي ويمتاز به من سرعة البداهة وذلك لفرط ذكائه وصفاء نفسه. ونظير هذه الحادثة قضاؤه في التي ولدت لستة أشهر بأن الولد للزوج بعد أن حكم عليهما عثمان ﵁ بالرجم لكونها أتت بولد زنى. نظر علي في قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ فقال: "الحولان للرضاع، والستة أشهر للحمل، فمن ولدت لستة أشهر فما فوق فالولد للزوج، ومن ولدت لأقل فالولد لغير الزوج".
стр. 11433
أما عن قوة حجته فكتاب الشريف الرضى المعروف بنهج البلاغة قد حوى الكثير من خطب علي ورسائله، وحجاجه ومناظراته وهي تفيض بالبلاغة والحكمة وفصل الخطاب، فليرجع إلى ذلك الكتاب من شاء ليقف على كمال علي في بيانه وبلاغته وقوة حجته، وهي حاجة الداعي الناجح في دعوته، ولنذكر هنا وصفا له ﵁ وصفه به ضرار الصدائي بأمر من معاوية، إذ روى ابن عبد البر في الاستيعاب أن معاوية ﵁ قال يوما لضرار الصدائي: يا ضرار صف لي عليا فقال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لتصفنه، قال: أما إذ لابد من وصفه, فكان والله بعيد المدى- شديد القوى، يقول فضلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته, وكان غزير الغيرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما حسن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، ولا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد أنه لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى سدوله، وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إلي تشوقت! هيهات هيهات! قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها, فعمرك قصير, وخطرك قليل, آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق!!!
فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك. فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها.... أو قال واحدها في حجرها....
فمن هذا الوصف الصادق تتجلى كمالات علي ﵁ النفسية التي هي موضع الاقتداء، ومحط الائتساء. إنها علم وحلم وإيمان وتقوى وكياسة، وحسن سياسة، شجاعة قلب، ورجاحة عقل، زهد في الدنيا شديد ورغبة في الآخرة وحب فيها أكيد.
стр. 11434
وفي مثل هذه الخلال الجميلة، والخصال الحميدة، يكون الاقتداء ويطلب الائتساء.
شجاعته وبطولته:
إن شجاعة علي وبطولته سارا بين الناس مسار الأمثال فما ذكرت الشجاعة ولا البطولة إلا وذكر علي بن أبي طالب معهما. إن أول فدائي في الإسلام كان علي بن أبي طالب وذلك أنه لما عزم الرسول ﷺ على الهجرة بعد قرار قريش القاضي بقتله ﷺ على أيدي جماعة من شباب القبائل القريشية ليتوزع دمه بين القبائل فلا يقدر بنو هاشم على طلبه, تركه على فراشه وخرج ﷺ وظل المشركون بباب المنزل ينتظرون خروج رسول الله ﷺ وإذا بالذي يخرج علي بن أبي طالب فسقط في أيديهم، ونجا رسول الله ﷺ من بينهم. وضرب بذلك علي أعلى مثل في الفدائية والتضحية.
والشواهد على شجاعة علي وبطولته كثيرة فلنكتف منها بذكر ما يلي:
ا- اضطلاعه ﵁ يوم بدر بحمل لواء رسول الله ﷺ ، ومبارزته الوليد بن عتبة وقتله إياه على الفور فلم يمهله، وعلي يومئذ ابن عشرين سنة.
٣- تقليد رسول الله ﷺ له الراية يوم خيبر، وما أظهر ﵁ من بطولات خارقة في غزوة خيبر، وحسبه أن كان فتح خيبر على يديه ﵁.
٣- ثباته مع رسوله الله ﷺ يوم أحد، ويوم حنين وبلاؤه البلاء الحسن في هاتين الوقعتين العظيمتين.
٤- شهوده كل غزوات رسول الله ﷺ بحيث لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ قط اللهم إلا ما كان من غزوة تبوك حيث خلفه رسول الله ﷺ بالمدينة على أهله. ولما قال علي ﵁: تخلفني يا رسول الله مع النساء والصبيان؟ قال له رسول الله ﷺ :"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ... ".
стр. 11435
٥- عدم تخلفه عن الجهاد مع الراشدين قبله أبي بكر وعمر وعثمان، ومواقفه الشهيرة في كل الحروب التي خاضها أصحاب رسول الله ﷺ إِلى أن توفي ﵁ وأرضاه.
وموجز القول أن عليا ﵁ كان مثالا عاليا في الشجاعة والبطولة وأنه أسوة صالحة في هذا الباب لمن أراد الائتساء به ﵁ في شجاعته وبطولاته..
عدله وسياسته:
إن خلافة علي ﵁ كانت أربع سنوات وتسعة أشهر فقط، ومع ما صاحبها من فتن داخل الجماعة الإِسلامية وأشهرها وقعة الجمل وصفين، وقتال الخوارج بالنهروان، فإنها كانت خلافة راشدة أتم الله بها العصر الذهبي في تاريخ أمة الإسلام، وقد روي في ذلك قول الرسول ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا".
لقد ساس عليُّ الأمة الإسلامية بالعدل والرحمة، وأخذها بالعلم، والحكمة، ومن مظاهر عدله في الأمة أنه كان لا يحبس مالا في بيت المال بل يوزعه كله حتى أنه كان يكنس بيت المال بيده ويصلي فيه، رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.
ذكر الطبري في تاريخه ج ٦ ص ٩٠ عن أبي رافع خازن بيت المال في عهد علي قال: دخل علي يوما وقد زينت ابنته فرأى عليها لؤلؤة من بيت المال كان قد عرفها. فقال: من أين لها هذه؟ لله علي أن أقطع يدها، فلما رأيت جده في ذلك قلت: أنا يا أمير المؤمنين زينت بها ابنة أخي، ومن أين كانت تقدر عليها لو لم أعطها؟ فسكت.
стр. 11436
ومن ذلك أنه فقد يوما درعه فوجدها بيد يهودي فقاضاه إلى قاضيه شريح، وتقدم فجلس إلى جنب القاضي وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: "أصغروهم ممن حيث أصغرهم الله". فقال القاضي: قل يا أمير المؤمنين فقال: نعم هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي لم أبع ولم أهب، فقال شريح: ايش تقول يا يهودي، قال: درعي وفي يدى، فقال شريح: ألك بينة, يا أمير المؤمنين؟ قال نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي. فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب. فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"!! فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه, أشهد أن هذا هو الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأن الدرع درعك وحسب على شهادة علي عدله ورحمته وحكمته أن يقول فيه رسول الله ﷺ : "علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على الحوض" رواه الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة ﵂.
ومن هنا كانت سياسة علي قرآنية تعتمد على الصدق والوفاء والعدل والرحمة والحكمة بعيدة عن الخداع والمكر والدهاء وهي عناصر تقوم عليها سياسة أبناء الدنيا في كل زمان ومكان، وأما ابن أبى طالب ﵁ فما أبعده عن هذه الأجواء والمناخات الوبيئة الخانقة التي لا تصلح لحياة الربانيين مثل علي ﵁.
ونختم هذا الفصل في الحديث عن عدل علي وسياسته بكلمة قالها فيه أحد الغربيين:
قال: "كان علي يعوزه حزم الحاكم ودهاؤه, برغم ما كان يمتاز به من الفضائل الكثيرة، فقد كان نشيطا ذكيا بعيد النظر بطلا في الحرب، مشيرا، حكيما، وفيا شريف الخصومة، نبغ في الشعر والبلاغة واشتهرت خطبه وأشعاره في الشرق الإسلامي.
стр. 11437
وكانت تنقصه الحنكة السياسية، وعدم التردد في اختيار الوسائل أيا كانت لتثبيت مركزه، ومن ثم تغلب عليه منافسوه الذين عرفوا أول الأمر أن الحرب خدعة والذين كانوا لا يتورعون عن ارتكاب أي جرم يبلغ بهم الغاية ويكفل لهم النصر".
أثبتنا هذه المقالة لهذا الغربي لاتفاقها مع ما قرناه من بعد حكم علي وسياسته عن المكر والدهاء والخداع والتضليل التي هي سدى ولحمة الساسة والسياسة اليوم وقبل اليوم من غير الربانيين كالخلفاء الراشدين ﵃ وأرضاهم أجمعين.
وفاته ﵁:
стр. 11438
إن وفاة علي ﵁ كانت بالكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين هجرية وذلك أنه لما انتهت معركة الجمل وعاد علي ﵁ إلى الكوفة، خرج معاوية بن أبي سفيان ومن معه من أهل الشام خرجوا عنه ﵁، فبلغ ذلك عليا فسار إليهم فالتقوا بصفين في شهر صفر سنة سبع وثلاثين، واقتتلوا ودام القتال أياما، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، وكان ذلك مكيدة منهم دبرها عمرو بن العاص، فكره الناس الحرب، وتداعوا إلى الصلح، وحكموا الحكمين. فحكّم علي أبا موسى الأشعري وحكّم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح [١] ، فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس، ورجع علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام، فخرج على علي رجال من أصحابه وقالوا لا حكم إلا لله، وعسكروا بحروراء [٢] فسموا بذلك الخوارج، فبعث إليهم علي ﵁ ابن عباس فخاصمهم وحاجهم فرجع منهم أناس كثير إلى طاعة علي ﵁، وثبت على الباطل منهم أناس كثير وساروا إلى النهروان وعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وذلك سنة ثمان وثلاثين. واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة، وحضرها سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهما من الصحابة. فقدم عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم وخلع عليا، لأن أصل التحكيم كان على أساس أن يُخلع كل من معاوية وعلي، وتختار الأمة بعد ذلك برضاها من شاعت، غير أن عمرو استعمل دهاءه فقدم أبا موسى ليتكلم ويخلع صاحبه ففعل، ولما تكلم عمرو لم يخلع صاحبه- معاوية- بل أقره، وبايع له. فتفرق الناس على هذا، وصار على علي خلاف من أصحابه، حتى كان يعض على إصبعه ويقول: أعصى ويطاع. وهنا انتدب ثلاثة من الخوارج أنفسهم لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص بحجة أنهم هم الذين فرقوا كلمة المسلمين وشتتوا أمرهم، وكان الخوارج الثلاثة عبد الرحمن ملجم المرادي، والبرك بن
стр. 11439
عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي وقد اجتمعوا بمكة وتعاهدوا على أن يقتل عليا ابن ملجم، ويقتل معاوية البرك، ويقتل عمرو عمرو بن بكير. على أن يتم ذلك في ليلة واحدة وهي ليلة السابع عشر من رمضان. فأما قاتل معاوية فإنه لم يتمكن منه، وأما قاتل عمرو فإنه لم يقتل عمرو، وإنما قتل خارجة، لأنه تربص بعمرو عند باب المسجد فلم يخرج عمرو تلك الليلة لأنه كان مريضا فانتدب قاضيه خارجة بن حذافة ليصلي بالناس فضربه ظنا منه أنه عمرو ابن العاص فقتله، ولما تبين له أنه لم يقتل عمرا قال أردت عمرا وأراد الله خارجة فكانت مثلا سائدا بين الناس. وأما قاتل علي فقد تمكن منه عند خروجه من منزله وهو ذاهب إلى المسجد لصلاة الصبح وبموت علي ﵁ انتهت الخلافة الراشدة، وانتقلت إلى العضوض كما ورد بذلك الخبر.
واستشهد علي وعمره ثلاث وستون سنة فرضي الله عنه وأرضاه، ومن كراماته أنه قال لابنه الحسن: رأيت رسول الله ﷺ الليلة وقلت له: يا رسول الله ماذا لقيت من الأمة من الأود واللدد [٣] ؟ فقال لي ادع الله عليهم فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني وما أن فرغ من قص رؤياه على الحسن حتى ناداه مناديه للصلاة فخرج من الباب ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فاعترضه ابن ملجم فضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه وكان ذلك صبيحة الجمعة فأقام الجمعة والسبت وقبض ليلة الأحد فرضوان الله عليه في المؤمنين، وسلامه عليه في المسلمين.
لا تشيرن علي ...
أوصى ابن هبيرة ولده فقال:
لا تكن أول مشير، وإياك والهوى والرأي الفطير، ولا تشيرن على مستبد، ولا على وغد ولا على متلون ولا لجوج.
وخف الله في موافقة هوى المستشير، فإن التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 11440
[١] قرية من قرى الشام.
[٢] حاروراء: موقع بالكوفة.
[٣] الأود: الكد والتعب. اللدد: الخصومة الشديدة.
стр. 11441
قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى (٣)
د. محمد عبد المقصود جاب الله
المدرس في كلية الدعوة بالجامعة
وانطلق سواد مكة وهو يغلي يمتطي الصعب والذلول فكانوا تسعمائة وخمسين مقاتلاً معهم مائتا فرس يقودونها، وسبعمائة بعير ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بشعر فيه ذم للمسلمين.
وزين الشيطان للمشركين أعمالهم، وأوحى إليهم بأحلام النصر، وماذا على الشيطان لو انهزموا سوى أن يتركهم وخزيهم. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال آية ٤٨) .
ولكن أبا سفيان استطاع أن ينجو من الخطر المحدق به بتعديل سيره عن طريق ساحل البحر تاركا بدراً إلى يساره، ورأى أبو سفيان أنه أحرز القافلة فأرسل إلى قريش يقول: إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورحالكم وأموالكم وقد نجاها الله، فارجعوا.
فقال أبو جهل: "والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم فيها ثلاثا ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبداً" [١] .
وهذا الذي عالن به أبو جهل هو ما كان يحاذره الرسول ﷺ فإن دعم مكانة قريش، وامتداد سطوتها في هذه البقاع بعد أن فعلت بالمسلمين ما فعلت يعتبر خطراً على الإسلام ووقفا لنفوذه؛ لذلك لم يلتفت الرسول ﷺ لفرار القافلة التفاته لضرورة التجوال المسلح في هذه الأنحاء إعلاءً لكلمة الله وتوهينا لكلمة الشرك، وإظهاراً لعبدة الأصنام بمظهر الذي لا يملك نفعا ولا ضراً.
стр. 11442
ومضت قريش في سيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر.
وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا بعد أن قطعوا في مسيرهم مسافة تربو على مائةٍ وستين كيلومتراً (١٦٠) وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
وهبط الليل فأرسل النبي ﷺ عليا، والزبير، وسعداً يتحسسون الأحوال ويلتمسون الأخبار، فأصابوا غلامين لقريش كانا يَمدّانِهم بالماء. فأتوا بهما وسألوهما- ورسول الله قائم يصلي- فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم هذا الخبر، ورَجوْا أن يكونا لأبي سفيان- لا تزال في نفوسهم بقايا أمل للاستيلاء على القافلة- فضربوهما ضربا موجعا حتى اضطر الغلامان أن يقولا نحن لأبي سفيان فتركوهما، ولما فرغ الرسول ﵊ من صلاته قال: "إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما [٢] صدقا والله إنهما لقريش" وناقشهما الرسول ﵊ حتى استنتج عدد القوم وهو ما بين التسعمائة والألف وعرف مكانهم، وعرف أن أشراف قريش قد خرجوا جميعا.
فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها" [٣] وانكشف وجه الجد في الأمر. إن اللقاء المرتقب سوف يكون مُرً المذاق. لقد أقبلت قريش تخب في خيلائها تريد أن تعمل العمل الذي يرويه القصيد، وتذرع المطايا به البطاح، وتحسم به صراع خمسة عشر عاما مع الإسلام؛ لتنفرد بعدها الوثنية بالحكم النافذ.
ونظر الرسول ﷺ حوله، فوجد أولئك المؤمنين بين مهاجر باع في سبيل الله نفسه وماله، وأنصاري ربط مصيره، وحاضره بهذا الدين الذي افتداه وآوى أصحابه.
стр. 11443
فأحب أن يشعر القوم بحقيقة الموقف، حتى يبصروا على ضوئه ما يفعلون. والمسلمون الذين خرجوا لأمر يسير ما لبثوا أن ألفوا أنفسهم أمام امتحان شاق، تيقظت له مشاعرهم، فشرعوا يقلبون الأمر على عجل، تكاليفه ونتائجه، وثار منطق اليقين القديم فأهاج القوم إلى الخطة الفذة التي لا محيص عنها لمؤمن.
استشار رسول الله ﷺ أصحابه فقام أبو بكر ﵁ فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو ﵁ فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك. والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون مادامت عين تطرف- فوالذي بعثك بالحق- لو سرت بنا إلى برك الغماد (مدينة بالحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال له الرسول: "خيرا ودعا له".
وروي أن الرسول ﷺ ضحك وأشرق وجهه عندما سمع مقالة المقداد وبايعه الناس جميعا فقال الرسول ﷺ : "أشيروا علَّي أيها الناس؟ " فقال عمر رضى الله عنه: "يا رسول الله إنها قريش وعزُّها والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك فتأهبْ لذلك أهبته، وأعد لذلك عدته".
стр. 11444
وأعاد الرسول ﷺ بعد أن فرغ عمر من قوله سؤاله قائلاً: "أشيروا علي أيها الناس"؟ ففهم الأنصار أن الرسول ﵊ يقصدهم، فهم كانوا قد بايعوه يوم العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم، ولم يبايعوه على اعتداء يقع خارج مدينتهم، فلما أحسوا أنه يريدهم قام سعد بن معاذ سيد الأوس وقال: "لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟ "فقال ﵊: "أجل" قال سعد ﵁: "قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاطعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت، وعادِ من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منَّا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فينا من أمر فامرنا نتّبِع أمرك. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصُبُرٌ في الحرب صدُق عند اللقاء، لعلّ الله يريك منَّا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك".
فسُرَّ الرسول ﷺ بقول سعد ونشطه، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" [٤] .
ولكن هذا الذي قاله المقداد والذي قاله سعد- ﵄ لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع الرسول- ﷺ .
стр. 11445
فلقد كره بعضهم القتال، وعارض فيه، لأنهم لم يستعدوا لقتال، إنَّما خرجوا لمقابلة الفئة الضعيفة التي تحرس البعير، فلما علموا أن قريشا قد نفرت بخيلها ورجلها وشجعانها، وفرسانها وركبانها, كرهوا لقاءها كراهية شديدة حتى قال أحد الحاضرين: إلى مذبحة تقودنا يا محمد.
روي عن أبي أيوب الأنصاري- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة-: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها؟ "فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: " ما ترون في قتال القوم؟ إنهم أخبروا بخروجكم", فقلنا: لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير. ثم قال: "ما ترون في قتال القوم؟ " فقلنا: مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: "إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ".
قال: فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم.
قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [٥] (الأنفال آية ٥) .
فهذا ما حاك في نفوس فريق من المؤمنين يومئذ وما كرهوا من أجله القتال حتى ليقول عنهم القرآن الكريم: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (الأنفال آية ٦) .
وذلك بعد ما تبين الحق وعلموا أن الله وعدهم إحدى الطائفتين وأنه لم يبق لهم خيار، وأن عليهم أن يلقوا الطائفة التي قدر الله لهم لقاءها كائنة ما كانت. كانت العير أو كانت النفير. كانت الضعيفة التي لا شوك لها. أم كانت القوية ذات الشوكة والمنعة.
стр. 11446
ولقد بقي المسلمون يودون أن لو كانت غير ذات الشوكة هي التي كتب الله عليهم لقاءها: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (الأنفال آية٧) [٦] .
هذا ما أراده المسلمون لأنفسهم يومذاك. أما ما أراده الله لهم فكان أمرا آخر ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال آية ٧،٨) .
أراد الله أن تكون ملحمة لا غنيمة وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. نعم أراد الله للفئة المؤمنة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها سلطان وقوة، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد، وليس بالمال والخيل والزاد، وليس بالعدة، وإنما هو بمقدار اتصالها بالقوة الكبرى التي لا تقف لها في الأرض قوة، وأن يكون هذا عن تجربة واقعية لا كلاماً واعتقادا، لتزود الفئة المؤمنة من هذه التجربة لواقعها كله.
بعد أن استشار النبي ﷺ أصحابه وعرف مقدار استعدادهم للقاء عدوهم. وجد أنه يجب على المسلمين- مهما كان الثمن- أن يسبقوا إلى آبار بدر فاخذوا في السير حتى وصلوا إِلى أعلى الوادي، وكان الوادي من الجدب بحيث لم يجدوا فيه قطرة ماء- ونَفِدَ ما كان مع المسلمين من الماء، فلما كان الغد بلغ بهم الظمأ حداً أليماً من العذاب، وانتهز الشيطان هذه الفرصة فوسوس إليهم: "انظروا إلى ما قادكم إِليه ذلكم الذي يزعم أنه رسول الله القادر.
стр. 11447
هاهم أولاء الأعداء لا يحصيهم العَدُّ يحيطون بكم، ولا ينتظرون إلا أن تخور قواكم من شدة الظمأ، فليلتهموكم التهام الفريسة السهلة التي لا تجد من يحميها"، وأخذت وسوسة الشيطان تدور برءوسهم، ومن حسن الحظ أن تعودهم على الظمأ في صيام شهر رمضان قوّى من صبرهم، وفي الوقت الذي بلغت فيه الحرارة أشُدَها، وأرسلت الشمس شعاعها كشواظ من نار وكاد ينفد الصبر، أرسل الله إليهم السحب تتوج القمم والآكام، وتفجرت عن الغيث المنعش، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة فجعل الله في ذلك طهوراً وثبت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطار فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام، ولم تمنعهم من السير ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ (الأنفال آية ١١) .
وعلى العكس كانت هذه العاصفة ضرراً على المشركين فقد أصابهم منها ما أعجزهم [٧] عن التحول فقد كانوا في أرض سبخة، وكانت إبلهم تنزلق، وتخر على الأرض وأرجلها الطويلة ممدودة وراءها في صورة تبعث على الضحك، وكانت قوائم الخيل تغوص في الأرض، وتَعْجِزُ عن إخراجها، ويحاول الفارس تخليصها من الأرض فترتمي عليه الفرس. وساد الاضطراب وعمت الفوضى، وعرقل كل ذلك من سيرهم [٨] .
стр. 11448
والمدد على هذا النحو مدد مزدوج مادي وروحي فالماء في الصحراء مادة الحياة فضلاً عن أن يكون أداة النصر، والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يفقد حياته، والتحرج من أداء الصلاة على غير طهور بالماء لعدم وجود الماء، ولم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم، ويدخل الشيطان من باب الإيمان، ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب، والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها.
وهنا يجيء المدد والنجدة ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ (الأنفال آية،١١) .
ذلك أن فوق ما أوحى الله إلى الملائكة؛ ليثبتوا الذين أمنوا فوق وعدهم بإلقاء الرعب في قلوب الكفار.
وكان النوم قد جافى عيون المؤمنين من شدة الخوف حينما بلغهم أنهم سيقاتلون جيشاً يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غداً وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة، فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد ويضربون أخماسا في أسداس، ويفكرون فيما سيلاقونه في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه. ولكن محمداً ﷺ بقي متيقظا مستغرقا في الصلاة ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ.....﴾ (الأنفال آية ١١) .
стр. 11449
وجاءت الساعة التي سيتقرر فيها مصير الإسلام، وكان ذلك يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وكان الحباب بن المنذر مشهوراً بجودة الرأي وإخلاص النصيحة، فخاطب الرسول ﵊ قائلاً: "يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ ". فقال رسول الله ﷺ : "لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. امض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوِّر (نطمس ونردم) ما وراءه من القلب (الآبار) ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : "أشرت بالرأي" ثم أخذ رسول الله ﷺ ينفذ النصيحة خطوة فخطوة، فلم يجئ نصف الليل [٩] حتى تحولوا كما رأى الحباب وامتلكوا مواقع الماء.....
وتحدد بذلك مكان الموقعة، فسيضطَرُّ المشركون بلا شك إلى الحضور، لينازعوا المسلمين على الماء فليس في الوادي غيره.
وبنى المسلمون عريشا للنبي ﷺ ؛ ليجلس فيه بناءً على اقتراح سعد ابن معاذ، وكان رسول الله ﷺ يتفقد الرجال، وينظم الصفوف، ويُسْدِي النصائح، ويذكر بالله والدار الآخرة، ثم يعود إلى العريش الذي هيء له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن.....
ووقف أبو بكر بجوار الرسول ﷺ وهو يكثر الابتهال والتضرع بعد أن شاهد قوة المشركين وكثرة عددهم، وينشد الله ما وعده به، وأخذ يردد "اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض".
وما زال يدعو ربه حتى سقط رداؤه, وجاء أبو بكر يرد الرداء على منكبيه ويقول له: "يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك" [١٠] .
стр. 11450
والتقى الجمعان، وبدأ الهجوم من قبل المشركين إِذ برز الأسود المخزومي وكان معجبا بقوته، وصرخ بحيث يسمعه المسلمون والمشركون قائلاً: "وحق اللات والعزى لأشربن من حوضهم أو لأهْدِمَنَّه، أو لأموتن دونه". وخرج له من صفوف المسلمين حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة ضربةً أطاحت بنصف ساقه، ووقع على ظهره والدم يسيل من رجله، ثم حبا إلى الحوض في مهارة مدهشة، وأسرع نحوه يريد أن يشرب منه، ولكن حمزة أدركه فقضى عليه.
وخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد فدعا للمبارزة فخرج له ثلاثة إخوة من الأنصار هم: معوذ ومعاذ وعوف.فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار, فقال لهم: مالنا بكم حاجة نريد قومنا، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
وقيل: إِن الرسول ﷺ نفسه هو الذي استرجع أولئك الأنصار رغبة منه أن تكون عشيرته أول من يواجه العدو في مثل هذا الموقف. فقال: "قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة بن عبد المطلب، وقم يا علي بن أبي طالب ,قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إِذ جاءوا ببطلانهم؛ ليطفئوا نور الله..".
فبارز عبيدة عتبة، وحمزة شيبة وعلي الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وكذلك فعل علي مع خصمه، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الآخر فكرَّ حمزة وعلي على عتبة فأجهزا عليه، واحتملا صاحبهما فجاءوا به إِلى رسول الله ﷺ فأفرشه الرسول ﵊ قدمه، فوضع خده على قدمه الشريفة، وقال يا رسول الله: لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:
ونذهل عن أًبنائنا والحلائل ونسلمه حتى نصرع دونه
فقال له الرسول ﵊: "أشهد أنك شهيد" ثم أسلم الروح [١١] .
следующие страницы →