Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.
стр. 11446
ولقد بقي المسلمون يودون أن لو كانت غير ذات الشوكة هي التي كتب الله عليهم لقاءها: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (الأنفال آية٧) [٦] .
هذا ما أراده المسلمون لأنفسهم يومذاك. أما ما أراده الله لهم فكان أمرا آخر ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال آية ٧،٨) .
أراد الله أن تكون ملحمة لا غنيمة وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. نعم أراد الله للفئة المؤمنة أن تصبح أمة وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها سلطان وقوة، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها، وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد، وليس بالمال والخيل والزاد، وليس بالعدة، وإنما هو بمقدار اتصالها بالقوة الكبرى التي لا تقف لها في الأرض قوة، وأن يكون هذا عن تجربة واقعية لا كلاماً واعتقادا، لتزود الفئة المؤمنة من هذه التجربة لواقعها كله.
بعد أن استشار النبي ﷺ أصحابه وعرف مقدار استعدادهم للقاء عدوهم. وجد أنه يجب على المسلمين- مهما كان الثمن- أن يسبقوا إلى آبار بدر فاخذوا في السير حتى وصلوا إِلى أعلى الوادي، وكان الوادي من الجدب بحيث لم يجدوا فيه قطرة ماء- ونَفِدَ ما كان مع المسلمين من الماء، فلما كان الغد بلغ بهم الظمأ حداً أليماً من العذاب، وانتهز الشيطان هذه الفرصة فوسوس إليهم: "انظروا إلى ما قادكم إِليه ذلكم الذي يزعم أنه رسول الله القادر.
стр. 11447
هاهم أولاء الأعداء لا يحصيهم العَدُّ يحيطون بكم، ولا ينتظرون إلا أن تخور قواكم من شدة الظمأ، فليلتهموكم التهام الفريسة السهلة التي لا تجد من يحميها"، وأخذت وسوسة الشيطان تدور برءوسهم، ومن حسن الحظ أن تعودهم على الظمأ في صيام شهر رمضان قوّى من صبرهم، وفي الوقت الذي بلغت فيه الحرارة أشُدَها، وأرسلت الشمس شعاعها كشواظ من نار وكاد ينفد الصبر، أرسل الله إليهم السحب تتوج القمم والآكام، وتفجرت عن الغيث المنعش، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة فجعل الله في ذلك طهوراً وثبت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطار فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام، ولم تمنعهم من السير ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ (الأنفال آية ١١) .
وعلى العكس كانت هذه العاصفة ضرراً على المشركين فقد أصابهم منها ما أعجزهم [٧] عن التحول فقد كانوا في أرض سبخة، وكانت إبلهم تنزلق، وتخر على الأرض وأرجلها الطويلة ممدودة وراءها في صورة تبعث على الضحك، وكانت قوائم الخيل تغوص في الأرض، وتَعْجِزُ عن إخراجها، ويحاول الفارس تخليصها من الأرض فترتمي عليه الفرس. وساد الاضطراب وعمت الفوضى، وعرقل كل ذلك من سيرهم [٨] .
стр. 11448
والمدد على هذا النحو مدد مزدوج مادي وروحي فالماء في الصحراء مادة الحياة فضلاً عن أن يكون أداة النصر، والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يفقد حياته، والتحرج من أداء الصلاة على غير طهور بالماء لعدم وجود الماء، ولم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم، ويدخل الشيطان من باب الإيمان، ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب، والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها.
وهنا يجيء المدد والنجدة ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ (الأنفال آية،١١) .
ذلك أن فوق ما أوحى الله إلى الملائكة؛ ليثبتوا الذين أمنوا فوق وعدهم بإلقاء الرعب في قلوب الكفار.
وكان النوم قد جافى عيون المؤمنين من شدة الخوف حينما بلغهم أنهم سيقاتلون جيشاً يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غداً وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة، فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد ويضربون أخماسا في أسداس، ويفكرون فيما سيلاقونه في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه. ولكن محمداً ﷺ بقي متيقظا مستغرقا في الصلاة ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ.....﴾ (الأنفال آية ١١) .
стр. 11449
وجاءت الساعة التي سيتقرر فيها مصير الإسلام، وكان ذلك يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وكان الحباب بن المنذر مشهوراً بجودة الرأي وإخلاص النصيحة، فخاطب الرسول ﵊ قائلاً: "يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ ". فقال رسول الله ﷺ : "لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. امض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوِّر (نطمس ونردم) ما وراءه من القلب (الآبار) ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : "أشرت بالرأي" ثم أخذ رسول الله ﷺ ينفذ النصيحة خطوة فخطوة، فلم يجئ نصف الليل [٩] حتى تحولوا كما رأى الحباب وامتلكوا مواقع الماء.....
وتحدد بذلك مكان الموقعة، فسيضطَرُّ المشركون بلا شك إلى الحضور، لينازعوا المسلمين على الماء فليس في الوادي غيره.
وبنى المسلمون عريشا للنبي ﷺ ؛ ليجلس فيه بناءً على اقتراح سعد ابن معاذ، وكان رسول الله ﷺ يتفقد الرجال، وينظم الصفوف، ويُسْدِي النصائح، ويذكر بالله والدار الآخرة، ثم يعود إلى العريش الذي هيء له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن.....
ووقف أبو بكر بجوار الرسول ﷺ وهو يكثر الابتهال والتضرع بعد أن شاهد قوة المشركين وكثرة عددهم، وينشد الله ما وعده به، وأخذ يردد "اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض".
وما زال يدعو ربه حتى سقط رداؤه, وجاء أبو بكر يرد الرداء على منكبيه ويقول له: "يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك" [١٠] .
стр. 11450
والتقى الجمعان، وبدأ الهجوم من قبل المشركين إِذ برز الأسود المخزومي وكان معجبا بقوته، وصرخ بحيث يسمعه المسلمون والمشركون قائلاً: "وحق اللات والعزى لأشربن من حوضهم أو لأهْدِمَنَّه، أو لأموتن دونه". وخرج له من صفوف المسلمين حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة ضربةً أطاحت بنصف ساقه، ووقع على ظهره والدم يسيل من رجله، ثم حبا إلى الحوض في مهارة مدهشة، وأسرع نحوه يريد أن يشرب منه، ولكن حمزة أدركه فقضى عليه.
وخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد فدعا للمبارزة فخرج له ثلاثة إخوة من الأنصار هم: معوذ ومعاذ وعوف.فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار, فقال لهم: مالنا بكم حاجة نريد قومنا، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
وقيل: إِن الرسول ﷺ نفسه هو الذي استرجع أولئك الأنصار رغبة منه أن تكون عشيرته أول من يواجه العدو في مثل هذا الموقف. فقال: "قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة بن عبد المطلب، وقم يا علي بن أبي طالب ,قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إِذ جاءوا ببطلانهم؛ ليطفئوا نور الله..".
فبارز عبيدة عتبة، وحمزة شيبة وعلي الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وكذلك فعل علي مع خصمه، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الآخر فكرَّ حمزة وعلي على عتبة فأجهزا عليه، واحتملا صاحبهما فجاءوا به إِلى رسول الله ﷺ فأفرشه الرسول ﵊ قدمه، فوضع خده على قدمه الشريفة، وقال يا رسول الله: لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:
ونذهل عن أًبنائنا والحلائل ونسلمه حتى نصرع دونه
فقال له الرسول ﵊: "أشهد أنك شهيد" ثم أسلم الروح [١١] .
стр. 11451
بعد هذه المبارزة الفردية التي أثارت العواطف الحربية بين جوانح المحاربين لا يمكن أن يطول انتظار الغزاة، وأخذ الرسول ﷺ يعدل جيشه كتفا بكتف في صفوف متلاصقة كالبنيان المرصوص. وأخذ يكبح شكيمة هؤلاء المتعجلين الذين يريدون أن يتقدموا الجميع إلى القتال فيلاقوا مصرعهم دون فائدة تعود على المسلمين، ومن هؤلاء سواد بن غزيَّة، فقد برز من صفه فضربه رسول الله ﷺ بقدح (سهم) كان في يده وقال: "استو يا سواد". فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فَأقِدْني, فقال رسول الله ﷺ : "اقتصً مني" فقال سواد كيف وقد ضربتني على بطني العريان.
- وهنا يتجلى حرص الرسول ﷺ على إقامة العدل بين أمته، ليبين أنه لا فرق بين حاكم ومحكوم ولا بين الرسول ﷺ وواحد من قومه في ميزان العدل لنأخذ منه ﵊ الأسوة الحسنة:
فيكشف له الرسول ﷺ عن بطنه ويقول: "استقد يا سواد"؟ فاعتنقه سواد فقبل بطنه. فقال ﷺ : "ما حملك على هذا يا سواد"؟ فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك"فدعا له رسول الله بخير [١٢] .
стр. 11452
واستشاط الكفار غضبا للبداية السيئة التي صادفتهم فأمطروا المسلمين وابلاً من سهامهم ثم حمي الوطيس، وتهاوت السيوف وتصايح المسلمون أحد أحدٌ. وأمرهم الرسول ﷺ أن يكسروا هجمات المشركين وهم يرابطون في مواقعهم وقال: "إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنّبل ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا". فلما اتسع نطاق المعركة واقتربت من قمتها كان المسلمون قد استنفدوا جهد أعدائهم وألحقوا بهم خسائر جسيمة. والنبي ﷺ في عريشه يدعو الله ، ويرقب بطولة رجاله وجلدهم قال ابن إسحاق: "خفق النبي خفقة في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع" [١٣] .
لقد انعقد الغبار فوق رءوس المقاتلين وهم بين كرٍّ وفرٍّ، جند الحق يستبسلون لنصرة الرحمن، وجند الباطل قد ملكهم الغرور، فأغراهم أن يغالبوا القدر.
فلا عجب إِذا نزلت ملائكة الخير تنفث في قلوب المسلمين روحَ اليقين وتحضهم على الثبات والإقدام.
ونزل قول الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال آية ١٣) .
وخرج رسول الله- ﷺ من مكانه إِلى الناس فحرضهم قائلاً: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً إِلا أدخله الله الجنة". وأخذ الرسول- ﷺ حفنة من حصباء فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه".
ثم قال لأصحابه: "شدُّوا" [١٤] , فشدُّوا فنزل قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال آية ١٧) .
стр. 11453
ولما دنا المشركون قال الرسول ﷺ لأصحابه: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض"والتأميل في الآخرة هو بضاعة الأنبياء. وهل لأصحاب العقائد، وفداء الحق من راحة إلا هناك، وعمل هذا التحريض عمله في القلوب المؤمنة.
فقال عمير بن الحمام الأنصاري: "لا يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض: قال: "نعم". قال: بخ بخ. قال رسول الله- ﷺ : ما يحملك على قول: بخ بخ، قال: لا والله يا رسول الله إلاّ رجاء أن أكون من أهلها؟. فقال الرسول- ﷺ : "فِإنك من أهلها".
فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن. ثم قال: "لئن أًنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إِنها حياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم وهو يقول ﵁:
إلا التقى وعمل المعاد ركضا إلى الله بغير زاد
وكل زاد عرضة النفاد والصبر في الله على الجهاد
غير التقى والبر والرشاد [١٥]
فما زال حتى قتل ﵀ [١٦] .
واشتد القتال، وقتل سادات قريش، لأن المسلمين كان هَمُّهم الأكبر هو استئصال سادات قريش، فقد عذبوهم بمكة، وصدوهم عن المسجد الحرام. وقُتل من قُتل، وفرّ من فر, وانتصر جيش المسلمين وكانت معركة بدر في صالح محمد- ﷺ ورجاله وولى أهل مكة الأدبار كاسفا بالهم، خاشعة من الذل أبصارهم لا يكاد أحدهم يلتقي بنظر صاحبه حتى يواري وجهه خجلاً من سوء ما حل بهم جميعا.
ثالثا: تسجيل لمواقف الخزي والعار بالنسبة لقريش ورجالها
قال الله : ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال آية ١٩) .
стр. 11454
حينما خرج المشركون من مكة إلى بدر- أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله قائلين: "اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين وخير القبيلتين".
وروي أن أبا جهل قال يوم بدر "اللهم أينا كان أقطع للرحم وآتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة".
وأنه قال عندما التقى الجمعان في ذلك اليوم: "اللهم ربً ديننا القديم ودين محمد الحديث فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم" [١٧] .
وتحقق طلب قريش وأبي جهل، فجعل الله الدائرة عليهم تصديقاً لاستفتاحهم؛ لأنهم طلبوا من الله أن يفتح عليهم وأن يهلك الضالين, وهذه حقيقة فقد دارت الدائرة على الفريق الضال الصاد عن سبيل الله وهزموا هزيمة منكرة.
وهذا نموذج للإجابة لا يسر ولا يشجع على إعادة الاستفتاح من جديد.
ولقد كان أبو جهل أشد المشركين عداوة للإسلام ولما وجد سيل الهزيمة النازل بقومه من المشركين- أقبل يصرخ فيهم، وغباوة الغرور لا تزال ضاربة على عينيه "واللات والعزى لا نرجع حتى نفرِّقهم في الجبال ... خذوهم أخذاً" [١٨] .
ولقد كان أبو جهل تمثالاً للطيش والعناد إلى آخر رمق، وكان يقاتل في شراسة وغضب وهو يقول:
بازل عامين حديث سني ما تنقم الحرب الشموس مني
لمثل هذا ولدتني أمي
وكان المسلمون يعلمون أن أبا جهل هو المحرك لكل المؤامرات التي تحاك ضد رسول الله- ﷺ فاخذوا يبحثون عنه، وتمكن معاذُ بن عمرو من الوصول إِليه وضربه ضربةً أطارت قدمه بنصف ساقه، وأسرع عكرمة بن أبي جهل لإنقاذ أبيه، فضرب معاذاً على عاتقه فطوحت يده....
стр. 11455
ثم مر بأبي جهل فتيان من الأنصار وهما ولدا عفراء وهو على فرسه فطعناه حتى هوى عن فرسه واهتم الرسول- ﷺ بالبحث عن مصير أبي جهل وأمر أن يلتمس في القتلى فذهب عبد الله بن مسعود للبحث عنه فوجده بآخر رمق، فوضع رجله على عنقه كما يضع الإنسان رجله على أفعى يريد أن يقضي عليه، وتحرك أبو جهل يسأل عن الدائرة اليوم؟. قال: "لله ورسوله", ثم استتلى عبد الله قائلا له: "هل أخزاك الله يا عدو الله؟ "قال: وبماذا أخزاني هل أعمد من رجل قتله قومه؟ وتفرس في عبد الله ثم قال له: "لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم"، فجعل عبد الله يهوي عليه بسيفه حتى خمد. وجزّ رأسه وجاء بها رسول الله- ﷺ وحينما رأى رسول الله- ﷺ وجه عدوه الدامي قال: "الله الذي لا إله غيره" ثم قال: "هذا فرعون هذه الأمة" [١٩] .
ولقي مثل هذا المصير المفجع أمية بن خلف وغيره من صناديد قريش حتى بلغوا سبعين صنديداً من رؤوس الكفر بمكة دارت عليهم الدائرة، وتجرعوا كؤوس الردى صاغرين, وسقط في الأسر سبعون كذلك, وفر بقية التسعمائة والخمسين يرددون لمن خلفهم أن الظلم مرتعه وخيم، وأن البطر يجر في أعقابه الخزي والعار، وهذا جزاؤهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ويقال لهم: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ (الأنفال آية ١٤) .
وانتصرت القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، والقلة الضعيفة على الكثرة القوية المستعدة.
وسيحدث ذلك في كل معركة بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، لأن الله مع المؤمنين بمعونته وولايته وتوفيقه فمن ذا الذي ينتصر على من كان الله معينه وناصره؟ من يهزم جمعا معه الله.
الجواب على هذا لا أحد إن شاء الله ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد آية٧) .
стр. 11456
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أبو الفداء عن ابن إسحاق ٣/٢٦٦، ابن هشام ١/٦١٨-٦١٩.
[٢] صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٥، مسند أحمد رقم ٩٤٨، ابن هشام ١/٦١٨،أبو الفداء ٣/٢٦٥
[٣] ابن هشام١/٦١٨، أبو الفداء ٣/٢٦٥.
[٤] ابن هشام ١/٦١٤ – ٦١٥،أبو الفداء ٣/ ٢٦٤،فتح الباري٧/٢٨٧.
[٥] فتح الباري ٧/٢٧٨-٢٨٨.
[٦] أبو الفداء ٣/٢٦٤.
[٧] الروض الآنف ٥/٩٧، فقه السيرة ص ٢٣٦، أبو الفداء ٣/٢٦٦.
[٨] الروض الآنف ٥/٩٧، فقه السيرة ص ٢٣٦، أبو الفداء ٣/٢٦٦.
[٩] ابن هشام ١/٦٢٠، أبو الفداء ٣/٢٦٧ عن ابن إسحاق.
[١٠] أبو الفداء ٣/٢٧٢، ٢٧٥. فتح الباري ٧/٢٧٨، الروض الأنف ٥/٩٨-١٣٠.
[١١] أبو الفداء ٣/٢٧٩،الروض الأنف ٥/١٠٣، فقه السيرة ص ٢٣٧.
[١٢] أيو الفداء٣/٢٧١،الروض الأنف ٥/١٠٤.
[١٣] ابو الفداء ٣/٢٧٦.فقه السيرة ص٢٣٨، الروض الأنف ٥/١٠٥.
[١٤] أبو الفداء ٣/٢٨٤.
[١٥] أبو الفداء ٣/٢٧٧، الروض الأنف ٥/١٠٥-١٠٦،فقه السيرة ص٢٣٩.
[١٦] أبو الفداء٣/٢٧٧.
[١٧] أبو الفداء ٣/٢٨٢-٢٨٣.
[١٨] أبو الفداء ٣/٢٨٣.
[١٩] أبو الفداء٣/٢٨٧-٢٩٠ ورواه أبو داود والنسائي بإسنادهما والبخاري ومسلم عن أنس بن مالك. الروض الأنف ٥/١١٣-١١٥ ١٤٢-١٤٥.
стр. 11457
جيش العسرة
يحمي المدينة ... ويؤَمِّن حدود الجزيرة
للدكتور عبد العظيم حامد خطاب
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
ألقت الهجرة على المدينة المنورة عبء الدفاع عن الإسلام والتكلم باسمه، إذ أصبحت مقر الحكومة الإسلامية, وملاذ المهاجرين بدينهم، والقلعة الأولى من قلاع التوحيد.. منها تخرج السرايا والجيوش لحماية الإسلام. ولبثِ الرهبة في قلوب أعدائه لكي يأخذ الإسلام مساره إلى كافة الأرجاء دون معارضة أو صدود..
ألا يكفي أن الإسلام خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة؟ هل يسكت حتى يخرج من المدينة أيضا؟.. لم يكن بوسع الرسول ﷺ القائد النابه أن يسكت على الضيم، أو يدعْ رسولا من رسله يقتل، أو مبشراً بدعوة الإسلام يغتال أو قافلة من قوافل المسلمين تصادر, أو عهداً من عهوده ينقض بلا عقاب رادع، وجزاء فوري، يرد للمسلمين هيبتهم، وللمدينة كلمتها العزيزة المنيعة.
بل لابد للمهاجرين- المصادَرةُ أملاكهم في مكة, المطرودين من ديارهم فرارا بدينهم- أن يستردوا حقهم.. أو يثأروا للظلم الذي وقع عليهم.. ولا بد للدولة الناشئة الفتية الجديدة أن تثبت وجودها، في وسط هذا البحر الهائج بوحشية الكفر وبربرية الوثنية الباقية على الأرض العربية.
وإذا كانت الغلبة في مثل هذا الجو للقوة المسلحة وقلوب الرجال وسواعدهم، فلا بد من أن يتخذ الإسلام جانب القوة حتى يتغلب على الكفر والبربرية, ليمكن أن ينشر بين الناس فيح تعاليمه العبقة وينشر أزاهيره النضرة، ويضيف إلى المجتمع أسمى تعاليم، لبناء الحياة خضوعا لله ذي القوة والجبروت. فالإسلام هنا اتخذ أهبته الحربية بالإضافة إلى سمو تعاليمه وقوة رجاله وفدائيتهم. وأخذ بأسباب النصر.. ومن هنا كان دفاع الرسول ﷺ عن المدينة..
стр. 11458
يمكن القول بأن أول الغزوات التي استهدفت حماية المدينة من ناحية الشمال والمحافظة على تجارتها القادمة من الشام.. تلك الحملة التي خرج فيها رسول الله ﷺ في أواخر شهر ربيع الأول من السنة الرابعة من الهجرة النبوية إلى منطقة عرفت (بدومة الجندل) [١] وبينها وبين دمشق خمس ليال.. وكان بهذه البلدة عصابة تعرضت لتجارة المدينة، وأضرت بها ضررا بليغا.. بل بلغ من فسادها أن فكرت في الإغارة على المدينة ذاتها.
أما عن أخبار هذه الغزوة المباركة فقد ذكر مؤرخو السيرة أن الرسول ﷺ خرج في ألف من المسلمين. كانوا يسيرون ليلا ويكمنون نهارا, حتى وصلت بعد خمس عشرة ليلة إلى (دومة الجندل) وفاجأ الرسول أهل هذه البلدة الظالمة فاستاق النّعَم والشاء وهرب أهل البلدة ورجال حربها وتفرقوا. فأقام ﷺ أياما وبث السرايا في أنحاء المناطق المجاورة, ثم رجع الرسول بعد أن أقام أياما بما غنم, وقد خلع القلوب رهبة من فدائية رجاله.. وهيبة جلاله.. ولعل هذا الامتداد إلى الشمال هو الذي دفع الأحزاب أن تتماسك وتتعاهد على محاربة الرسول في المدينة مرة أخرى بعد غزوة أحد.
стр. 11459
وكان لمشروع مهاجمة المدينة والقضاء على دولة التوحيد أنصار ودعاة. فأول الدعاة لهدم هذه المدينة المناضلة هم اليهود. ومن الغريب العجيب في غزوة الأحزاب أن اليهود وهم أهل كتاب منّزل تحالفوا مع قريش الوثنية على محاربة الرسول والقضاء على دعوته مع أنهم يعرفون صدقها ويجدون ذلك في كتابهم ولكنه الغل والحسد والتكبر. ويروى أن قريشا قالت: "يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم.. أخبرونا عما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد ... أديننا خير أم دين محمد؟. فنحن نعمر البيت وننحر الإبل ضيافة ونسقي الحجيج ونعبد الأصنام "فماذا كان رد اليهود؟ قالوا: "لا اللهم أنتم أولى بالحق منه" فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [٢] .
وتحصن المسلمون بالخندق الذي أشار بحفره سلمان الفارسي. رغم ما في مشروعه من الجهد والمشقة. وسلمت المدينة من الحصار؛ حصار الأحزاب للمدينة المنورة ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾ وتفرقت الأحزاب, وانهار آخر أمل للكفار في القضاء على المدينة وسيادتها وزعامتها, بل ازدادت قوة ... ففي شعبان من السنة السادسة خرج الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف إِلى (دومة الجندل) أميراً على سبعمائة رجل، ويقال إِن الرسول ﷺ نقض عمامته [٣] بيده الكريمة، وعممه بعمامة سوداء وأرخى له ذؤابة (عذبة) بين كتفيه منها ثم قال له: "هكذا فاعتم يا ابن عوف" وزوده بنصيحة، أو إن شئت بأمر فقال له: "اغزُ باسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغُل ولا تغدر، ولا تقتل وليداً، فهذا عهد الله وسيرة نبيه فيكم".
стр. 11460
وخرج ابن عوف مقلدا بعمامة الرسول مزودا بأمره متوكلا على ربه فلما بلغ الجيش (دومة الجندل) مكث عبد الرحمن بها يدعوهم إِلى الإسلام ثلاثة أيام, فأسلم ملكهم (الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة) فتزوج عبد الرحمن بابنته تماضر، تنفيذا لوصية الرسول له حين وجهه إليه, وأسلم بإسلام الأصبغ ناس كثيرون من قومه, وأقام من أقام على إعطاء الجزية التي كانت أقل من ضرائب الروم وإتاواتهم.
الفرس والروم
كانت القوى المسيطرة على شمال الجزيرة العربية في العراق والشام تتمثل في الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) وكان بينهما نزاع طويل حول السيطرة على الشام ومصر. وكان الفرس قد استولوا في الفترة بين (٦١٥- ٦٢٦ م) على بيت المقدس ومصر جميعا. مع ما لبيت المقدس من مركز مرموق في الدولة البيزنطية المسيحية، فكان استلاب الأماكن المقدسة المسيحية ضربة قاسية أثارت الروم. فأرسلوا عدة حملات استهدفت إعادة الأرض المقدسة ومصر إِلى أًقاليم وسيطرة الدولة. وبالفعل تمكن الإمبراطور هرقل الأول إمبراطور الروم (٦١٠- ٦٤١ م) من إِعادة مصر والشام إِلى الحكم البيزنطي.
وفي الوقت الذي ارتقبت فيه الدولتان فترة هدوء حقيقي تستردان فيها قوتهما، وتعيدان تعمير بلادهما بعد الصلح الذي تم بينهما في (٧ هـ/ ٦٢٨ م) وصل إلى كليهما رسول نبينا محمد ﷺ يدعوهما إِلى الإسلام، ونبذ ما يعبدان من دون الله.
لم يكن العرب من قبل خطرا يهدد الدولتين وبخاصة أن أحلافا قد عقدت بين هاتين الدولتين والقبائل العربية المنتشرة في الشمال الشرقي والغربي للجزيرة العربية. ولم يكن يدور بخَلَد أي من الدولتين أن قبائل العرب المشتتة المتفرقة قد تتحد يوما، فضلا عن أن تصبح خطرا جديدا يعمل له حساب....
стр. 11461
في هذا الوقت كان الرسول ﷺ قد عمل على توحيد شبه الجزيرة العربية بعد فتح مكة ونزل قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ . ودانت أغلب قبائل الجزيرة العربية بالإسلام.
كان المسلمون يتحرقون شوقا إلى حمل رسالة السماء إلى أنحاء الأرض ولم يكن المنفذ الطبيعي للدعوة والمكان المرتقب للامتداد البشري للجزيرة العربية، إلا أرض هاتين الدولتين الفرس والروم في بلاد العراق والشام. وكان على هؤلاء المسلمين أن يقوموا في وجه أكبر قوتين حربيتين في العالم في ذلك الوقت، مع ما توافر لكل منهما من الخبرة الحربية والعدة والأموال الضخمة والبراعة العسكرية.
اتجهت حملات الرسول ﷺ صوب القبائل العربية المتعاقدة مع الفرس والروم بهدف إِخضاع تلك القبائل وعرض الإسلام عليها، لعلها تحمل رسالة الإِسلام إلى ما وراءها من هذا العالم. فقد وجه الرسول قبل فتح مكة عدة غزوات في هذا الاتجاه، منها الحملة العسكرية ضد دومة الجندل التي أشرنا إليها. ثم غزوة مؤته [٤] التي لاقت جموعا كبيرة من الروم. وتحرف خالد بن الوليد فاستنقذ المسلمين من عدوهم وعاد بهم ظافرين. وغزوة ذات السلاسل [٥] التي استنفر فيها الرسول أصحابه نحو الشام لحرب قضاعة بأرض جذام، وجعل أمير جيش المسلمين عمرو بن العاص السهمي، وأمده بجيش جعل أميره أبا عبيدة بن الجراح ومعه كبار المهاجرين كأبي بكر وعمر وكبار الأنصار.
وقد حققت تلك الغزوات أهدافها من حيث إظهار القوة الإسلامية، وتمزيق الأحلاف مع غير الإسلام. كما أذاعت الإسلام على حدود دولتي الفرس والروم، وأجبرت القبائل التي بقيت على المسيحية على التعاقد مع الإسلام والخضوع لقوته.
جيش العسرة
стр. 11462
علم الرسول ﷺ أن الروم قد جمعوا جيوشهم مرة أخرى على الحدود المتاخمة لجزيرة العربية. وقد اجتهد هرقل إمبراطور الروم المنتصر على الفرس بالأمس القريب، أن يجمع جيشا أراد به أن يتوج حياته بنصر كبير يحفظ للإمبراطورية البيزنطية هيبتها.
لم يكن أمام المسلمين اختيار بين السلم والحرب، وإنما فرضت الحرب نفسها عليهم وعزم الرسول ﷺ على مواجهة جيوش الدولة البيزنطية والاصطدام معها, بل والانتصار لمعركة مؤتة والأخذ بثأر جعفر بن أبي طالب وشهداء الإسلام.
ولكن.. في أي ظروف اختار الرسول وقت المعركة.. لم ينتظر عليه السلم، خشية أن تهاجم جيوش الروم أرض الإسلام, فأسرع فأمر بتجهيز الجيش وأمر بالجهاد يقول ابن إسحاق: "كانت غزوة في زمن عسرة من الناس وجدب من البلادِ والناس في شدة" [٦] . وحين أمر بالجهاد كانت الثمار قد طابتْ فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص لأن السفر طويل ومرهق، والعدو قوي وله ماض في الحروب طويل.
المبادرة لأمر الرسول
كان الرسول ﷺ إذا أراد الخروج لغزوة ورىَّ [٧] بغيرها، إلا في هذه المرة فإِنه ذكر أنه يعتزم إخضاع الروم ومنازلتهم. وما فعل ذلك إلا لقوة العدو، وبُعد الطريق، وبذل غاية القوة. فحضَّ ﵇ على الجهاد ورغب فيه وبعث إلى قبائل الجزيرة وإلى مكة يستنفر أهلها على عدوهم، فوفد المسلمون يتسابقون إلى مرضاته وطاعته, وأمر بالصدقة وتجهيز الجيش. فحملت الصدقات الكثيرة إليه ﷺ .
стр. 11463
فأول من حمل صدقته أبو بكر الصديق جاء بماله كله: أربعة آلاف درهم وما أبقى لأهله شيئا وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر ﵁ فقال: "ما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه" [٨] . وحمل العباس بن عبد المطلب تسعين ألف درهم, وعبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية من الذهب, وجهز عثمان بن عفان ثلث الجيش, ثم جاء بألف دينار ففرغها في حجر النبي ﷺ فجعل يقلبها ويقول: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم". وتبادر المسلمون في النفقة، حتى كان الرجل يأتي بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، ويأتي أحدهم بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: "هذا بينكما تعتقبانه" [٩] . وتبرعت النساء بكل ما قدرن عليه فكن يلقين في ثوب مبسوط بالمعاضد والخلاخل والخدمات والأقرطة والخواتيم [١٠] .
وأنفق ﷺ كل ذلك على الجيش حتى فرغت النفقة، وجاءه رجال يطلبون منه أن يجهزهم للحرب، فاعتذر عن ذلك, والمشهور من بينهم سبعة رجال وهم من يقال لهم: (البكاؤون) , جاءوا يستحملون رسول الله ﷺ وكانوا أهل حاجة فقال لهم: "لا أجد ما أحملكم عليه"فتولوا يبكون قائلين: "ليس عندنا ما نتقوى به على الخروج ونحن نكره أن تفوتنا غزوة في سبيل الله".
ولقد حقق الله أملهم فحمل العباس ﵁ رجلين، وحمل يامين بن عمرو ابن كعب رجلين منهم، فأعطاهما بعيرا يرتحلانه، وزود كل منهما صاعين من تمر, وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة رجال [١١] .
стр. 11464
وفي الوقت الذي يتبادر فيه المسلمون إلى تنفيذ أمر الرسول ﷺ جاء بعض الأعراب يعتذرون، فلم يأذن لهم الرسول. وجاء المنافقون يستأذنون من غير علة فأذن لهم. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول قد عسكر وحده عند جبل ذباب [١٢] ، أسفل معسكر المسلمين عند ثَنية الوداع [١٣] فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه في طائفة من المنافقين وأهل الرِّيَب [١٤] . وأراد أن يوهن قلوب المؤمنين فرجع قائلا: "يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد، أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ وقال: والله لكأني أنظر إلى أصحابه غدا مقرنين في الحبال" [١٥] .
خرج الرسول في رجب من السنة التاسعة للهجرة على طريق التصميم والجهاد وحوله المسلمون؛ ثلاثون ألف جندي وعشرة آلاف فرس اثنا عشر ألف بعير, وقيل عدد الجيش سبعون ألفا [١٦] . وأمر الرسول بأن لا يخرج رجل إلا ومعه دابة قوية ذلول. وحدث أن خرج رجل على بعير صعب القياد فعدا به فصرعه في الطريق، فقال الناس: "الشهيد.. الشهيد" فبعث الرسول مناديا ينادي "لا يدخل الجنة إلا مؤمن أو إِلا نفس مؤمنة، ولا يدخل الجنة عاص" [١٧] فمخالفة أمر الرسول عصيان ويحبط العمل. وفي الطريق إِلى تبوك جهد المسلمون جهدا شديدا، ولكنهم رأوا ما يثّبت قلوبهم على الحق، من علامات النبوة ورعاية الله لرسوله وللمجاهدين في سبيله، فقد تقَوَّل المنافقون على الرسول، فأظهره الله على مقالتهم وأعلمه ما يقولون.. وجمع الرسول بين الظهر والعصر. فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر ثم يجمع بينهما حتى رجع من تبوك [١٨] .
стр. 11465
وعارضه في مسيره حية عظيمة، فأقبلت حتى رافقت رسول الله ﷺ وهو على راحلته طويلا، والناس ينظرون إليها ثم التوت حتى اعتزلت الطريق.. فأقبل الناس حتى لحقوا رسول الله، فقال لهم: "هل تدرون من هذه..؟ " قالوا: "الله ورسوله أعلم"، قال: "هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إليّ يستمعون القرآنس [١٩] ، فرأى عليه من الحق حين ألم رسول الله ببلده أن يسلم عليه، وهاهو ذا يقرئكم السلام، فسلموا عليه, فقال الناس جميعا: وعليه السلام ورحمة الله" [٢٠] .
الثمرات السبع: كما ظهرت معجزات للرسول كثيرة منها: البركة في الطعام القليل.. والمثل لذلك ما ذكر من أن العرباض بن سارية [٢١] كان يلزم باب رسول الله ﷺ في الحضر والسفر, فترك الباب قليلا ليقضي حاجة له، ثم عاد وقد تعشى الرسول ومن معه من أضيافه، وهو يريد أن يدخل قبته على أم سلمة أم المؤمنين, فلما رأى العرباض سأله عن غيبته فأخبره, ثم جاء جعال بن سراقة، وعبد الله بن مغفل المزني وثلاثتهم جياع، فطلب ﵊ في بيته شيئا ليأكلوه فلم يجدْ فنادى بلالا:"هل من عشاء لهؤلاء النفر؟ " فقال لا.. والذي بعثك بالحق لقد نفضنا جرُبَنَا وحُمُتَنَا [٢٢] قال: "انظر عسى أن تجد شيئا", ورغم أن بلالا يعلم تماما أنه ليس بالجرب شيء من التمر, ولكن امتثالا لأمر الرسول أخذ الجرب ينفضها جرابا جرابا.. فتقع من بعض الجرب التمرة والتمرتان حتى اجتمع له سبع تمرات, فوضعها ﵇ في صحفة وسمى الله تعالى تم قال: "كلوا باسم الله" فأكلوا ... وأحصى العرباض أربعا وخمسين تمرة أكلها، يعدها بيده, وأكل كل واحد من الآخرين خمسين تمرة, ورفعوا أيديهم فإذا التمرات السبع كما هي.. فقال الرسول: "يا بلال، ارفعها في جرابك فانه لا يأكل منه أحد إِلا نهل شبعا".
стр. 11466
وبات الثلاثة حول قبة رسول الله ﷺ وقام يتهجد على عادته, فلما صلى بالناس الصبح جلس بفناء قبته، وحوله عشرة من الفقراء فقال: "هل لكم في الغداء؟ " فقال عرباض في نفسه: أيُ غَذَاء؟ فدعا بلالا بالتمر فوضع يده عليه في الصحفة ثم قال: "كلوا باسم الله" فأكلوا حتى شبعوا، وإذا التمرات كما هي فقال ﵊: "لولا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نرد المدينة عن آخرنا". فلما رجع إلى المدينة طلع غليم من أهل المدينة فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يلوكهن [٢٣] .
стр. 11467
واستطرادا لمعجزات الرسول ﷺ التي ظهرت في هذه الغزوة, نذكر أنه حدث في عودتهم من تبوك أن فرغ الزاد فاستأذن المسلمون في نحر ركائبهم من الإبل، فأذن لهم رسول الله، وعلم عمر بن الخطاب بذلك فطلب إلى الناس أن يمسكوا ولا يفعلوا حتى يراجع رسول الله, ودخل عمر فقال للرسول: "أذنت للناس في حمولتهم يأكلونها؟ "فقال: "أذنت لهم أن تنحر الرفقة البعير والبعيرين ويتعاقبون فيما فضل من ظهر, وهم قافلون إلى أهليهم" فقال: "يا رسول الله، لا تفعل فإن يَكُ في الناس فضل من ظهر يكن خيراً، ولكن ادع بفضل أزوادهم، ثم اجمعها فادع الله فيها بالبركة كما فعلت في منصرفنا من الحديبية فإن الله سيستجيب لك ... "فنادى مناديه: "من كان عنده فضل زاد فليأت به"، وأمر الأنطاع [٢٤] فبسطت، فجعل الرجل يأتي بالمد من الدقيق والسويق أو التمر، أو القبضة من الدقيق أو الكسر، فيوضع كل صنف على حدة، وكل ذلك قليل. ... ثم توضأ ﷺ وصلى ركعتين ودعا الله تعالى ثم نادى مناديه: "هلموا إلى الطعام خذوا منه حاجتكم ". فأقبل الناس، فجعل كل من جاء بوعاء ملأه, فقال بعضهم: لقد طرحت يومئذ كسرة من خبز وقبضة من تمر, ثم رأيت الأنطاع تفيض، فجئت بجرابين فملأت أحدهما سويقا والآخر تمراً، وأخذت في ثوبي دقيقا كفانا إلى المدينة, فجعل الناس يتزودون حتى اكتفوا عن آخرهم، والرسول ﷺ واقف يقول: "أشهد أن لا اله إلا الله وأني عبده ورسوله, وأشهد أنه لا يقولها أحد من حقيقة قلبه إلا وقاه الله حر النار" [٢٥] .
نبع الماء من بين أصابع الرسول
стр. 11468
وحديث آخر يثير الدهشة والعجب في هذه الغزوة، ومع جيش العسرة التي كانت آخر غزواته ﷺ ، إذ افتقد المسلمون الماء فأغاثهم الله بفضل وضوئه ﷺ ، فقد كان مع أبي قتادة أداوة ماء توضأ منها رسول الله وفضلت فضلة, فقال الرسول: "يا أبا قتادة، احتفظ بما في الأداوة والركوة, فإن لهما شأنا" ثم صلى الفجر بعد طلوع الشمس [٢٦] فقرأ بالمائدة، فلما انصرفنا بعد الصلاة قال: "أما إنهم لو أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا"، وكان الجيش قد سبق سائرا نحو المدينة فأراد كل من أبي بكر وعمر أن ينزل الجيش في موضع الماء فأبوا عليهما, ولكنهم فقدوا الماء بعد ذلك فنزلوا على غير ماء بفلاة من الأرض.
ركب رسول الله فلحق بالجيش عند زوال الشمس، فوجد الجيش قد لحقه عطش شديد، حتى كادت تنقطع أعناق الرجال والخيل عطشا. فلما أبصر الرسول حالهم وما هم عليه من الشدة، دعا بالركوة من أبي قتادة فأفرغ ما في الاداوة فيها. ثم وضع أصابعه عليها فنبع الماء من بين أصابعه، وأقبل الناس فاستقوا وفاض الماء حتى ترووا وأرووا خيلهم وركابهم وإن كان في العسكر اثنا عشر ألف بعير، والخيل عشرة آلاف، والناس ثلاثون ألفا, فظهر سر قول رسول الله لأبي قتادة "احتفظ بما فيهما فإن لهما شأنا" [٢٧] .
وقد دعا ﷺ لراوية ماء اشتراها أُسيد بن حضير من امرأة من (بَلّى) [٢٨] . في الطريق فأتى بها إلى الرسول فقال للناس: "هلموا أسقيتكم".. فلم يبق معهم سقاء إلا ملأوه, ثم دعا بركائبهم وخيولهم فسقوها حتى نهلت وانبسط الماء حتى يصف عليه المئة والمئتان [٢٩] . وهكذا تحول العسر يسرا، وكأن الله سبحانه أراد أن يُثَبِّتَ المؤمنين ويلزم المنافقين الحجة، ويؤيد رسوله في آخر غزواته بما لا يسع أحداً إنكاره.
على مشارف الشام
стр. 11469
فلما بلغ رسول الله ﷺ تبوك جمع الناس فخطب فقال: "أيها الناس.. أما بعد.. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عواقبها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى". وختم بقوله: "ومن يصبر يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي " (قالها ثلاثا) ثم قال: "استغفر الله لي ولكم" [٣٠] .
علم الروم بأمر هذا الجيش الذي خرج لمواجهتهم بقيادة الرسول الكريم وعلموا قوته وعدده وحماسته فآثروا الانسحاب إلى حمص، ورجعت قوة الحدود لتتحصن داخل بلاد الشام وحصونها.. وعرف الرسول بأمر الانسحاب، ونمى إليه ما أصابهم من خوف.. فلم ير محلا لتتبعهم داخل الشام.
وقد يكون الروم قد قصدوا أن لا يسيروا إلى المسلمين لقتالهم، لأن تبوك في الجنوب الأقصى من بلاد الشام, أو لأن هرقل إمبراطورهم اعتقد بأن النبي محمد رسول من الله حقا, وتُورد بعض الصادر الإسلامية أن هرقل أرسل رجلا من غسان لينظر في صفة النبي وعلامته [٣١] ، فجاء الرجل إلى النبي وهو في تبوك فوعى أشياء ذكرها لهرقل. ولذا لم يتحرك من موضعه لمقابلة جيش المسلمين الواصل إلى تبوك بقيادة الرسول نفسه.
أقام جيش العسرة المتعطش لمدافعة الأخطار الخارجية في تبوك: وهي مدينة على الطريق بين المدينة ودمشق على مسيرة اثني عشر يوما من المدينة. (الطرق الحديثة الحالية تبلغ ٦٨٦ كيلو مترا) وتقع على الحدود الشمالية للجزيرة العربية، وعلى حدود الإمبراطورية البيزنطية.
стр. 11470
ويذكر المؤرخون أن سكان تبوك من الروم وعاملة وجذام هربوا عندما بلغهم وصوله ﷺ . وذلك راجع إلى ما ظهر عند أول احتكاك فعلي بين الروم والمسلمين العرب في غزوة مؤتة, فقد حدث بعد مقتل أمرائها الثلاثة أن أخذ الراية خالد بن الوليد, وكان الله قد جَلّى لنبيه ميدان المعركة فقال: "ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، اللهم إنه سيف من سيوفك أنت تنصره". ثم قال: "الآن حمي الوطيس". فقتل المسلمون من الروم وحلفائهم من العرب مقتلة لم يقتلها قوم، وهزم الله العدو وأظهر المسلمين [٣٢] .
فقد شهد الروم أن المسلم يريد أن يموت في سبيل الله ولا يعنيه كيف مات ما دام قد قتل عددا قبل استشهاده. ولأن المسلم كان في ذروة حماسته لدينه على حين كان الرومي ولو أنه محارب مدرب، إلا أنه لم يكن متحمسا دينيا وذلك للنزاع بين المذاهب المسيحية، فضلا عن أن الحرب مع الفرس كانت قد قضت على خيرة المحاربين الرومان، بالإضافة إلى أنهم لا يقاتلون إلا في قرى محصنة أو من وراء جُدُر.
أقام الرسول ﷺ وجيش العسرة على حدود الإمبراطورية البيزنطية [٣٣] ، عشرين يوما على أرجح الأقوال، يتحدى من يشاء أن ينازله أو يقاومه، وقصد من بقائه هذه المدة الطويلة أن يعمل على كفالة وضمان حدود الجزيرة العربية في الشمال، حتى لا يتخطاها من بعد ذلك أحد [٣٤] .
وكان يوحنا بن رؤبة صاحب أيله (العقبة) أحد الحكام الموالين للروم على حدود الجزيرة العربية, فأنذره الرسول ﷺ بأن يذعن أو يغزوه، فاقبل يوحنا، وعلى صدره صليب من ذهب, وقدم والهدايا معه، وتقدم بالطاعة، فصالح الرسول وأعطاه الجزية [٣٥] . كما صالح الرسول أهل جرباء وأذرح ومقتا فقدموا الجزية رمزا للخضوع والإذعان وكتب لهم الرسول كتبا بالأمان [٣٦] .
أسر أكيدر ومصالحته
стр. 11471
لم يكن بعد انسحاب الروم خوف من هجومهم المباشر, ولكن خشي الرسول انتقاض أكيدر بن عبد الملك الكندي النصراني أمير دومة الجندل، ومعاونة جيوش الروم إذا جاءت من ناحيته, وتأتي أهمية دومة الجندل، أن حولها جموع القبائل الكثيرة العدد والمسلحة بأسلحة الرومان, فكان لا بد من إخضاعه لتأمين منطقته.
لذا بعث الرسول ﷺ خالد بن الوليد من تبوك ومعه أربعمائة وعشرون فارسا إلى أكيدر وأمره بأن يعتقله ولا يقتله ويأتي به أسيرا. ومن أعلام نبوته ﷺ أن خالدا قال: يا رسول الله كيف لي به وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في عدد يسير فقال له: "إنك ستجده يصيد البقر فتأخذه فلا تقتله وائت به إلي" [٣٧] . وما يظن أحد إلا أن الصيد يكون بعيداً عن الحصون والعمران, ولكن خيل السرية المسلمة الممتثلة لأمر رسوله الله، المجاهدة في سبيل إعلاء كلمة الله، سارت بقيادة خالد نحو الحصن, إذ أين يبحث عنه في مسارح الصيد ومشاربه ووهاد الصحراء؟.
قَدم خالد حتى إذا كان من حصن دومة بمنظر العين، ربض ينتظر غِرّة فيهجم، وكان من عادته أن لا يبيت إلا على تعبئة, وأعطاه الله بصيرة بالحرب نافذة, لَبِث حتى مضى جزء من الليل، فإذا بقول رسول الله يتحقق!..ِ
كانت ليلة مقمرة مضيئة، وكان أكيدر على سطح قصره وحصنه ومعه امرأته، فأقبلت البقر الوحشية إلى قصر أكيدر جماعة تحك بقرونها باب الحصن تستنزل صاحبه ... فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك هذه؟ قال: لا أحد.
стр. 11472
فنزل فأمر بفرسه فاسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته، منهم أخ له يقال له حسان، فركب وخرجوا معه، ففرت البقر أمامهم فطاردوها, وبينما هم كذلك، تلقتهم خيل رسول الله بقيادة خالد, فأسرت أكيدر وقتلت أخاه, فلما صار في أيدي المسلمين صالح خالد، ودخل به الحصن فافتتحه ومن معه من الفرسان, وكان صلحه على ألفي بعير وثلاثمائة رأس من الرقيق، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح. وتوجه خالد ومعه أكيدر يطلبان الرسول، الذي كان قد انصرف عن تبوك عائدا إلى المدينة, فقدم إليها خالد ومعه أسيره، وما صالح عليه أهل الحصن فأقرّ الرسول ما أمضى خالد [٣٨] .
وعجب الناس لهذه الحادثة وقول رسول الله "ستجده يصيد البقر" فقال رجل من طيء: "وما صنعت البقر تلك الليلة حتى استخرجته"، لتصديق قول رسول الله ﷺ . وذُكر أن أكيدر قال عن البقر: "والله ما رأيتها قط جاءتنا إلا البارحة. وقد كنت أضمر لها اليومين والثلاثة، ولكن قَدَّر الله". فقال صاحب طيء:
رأيت الله يهدي كل هاد [٣٩]
تبارك سائق البقران إني
وأطلق رسول الله أكيدر وكتب له أمانا كما كتب لغيره [٤٠] . ولعل إصدار هذه الكتب من الرسول يدل على سيادة المسلمين على هذه المناطق. أي السيطرة على حدود الجزيرة العربية في الشمال. وبهذا حقق الرسول هدفه من تأمين حدود شبه الجزيرة، وأقام من هذه البلاد والحصون معاقل متقدمة بينه وبين الإمبراطورية البيزنطية، حتى يأتي دور إخضاعها نهائيا.
المنافقون والتآمر
стр. 11473
أشرت فيما مضى أن قطاعا من المنافقين رجع من ثنية الوداع [٤١] . ولكن صحب المجاهدين أفراد من المنافقين, فكانوا قوة هدامة، اشتد عداؤها للرسول رغم ما ظهر أمامهم من آيات واضحة لكل ذي قلب أو ألقى السمع. ولكن النفاق غلف قلوبهم، وعشى أبصارهم فلا وَعْي ولا بصيرة, بل حدث في هذه الغزوة جريمة كبيرة، حين تاَمروا على قتل الرسول ﷺ نفسه، ولكن لم يشأ ﷺ وهو يعرفهم أن يقتلهم عندما كشف مؤامرتهم.
كان المنافقون قد تآمروا على أن يطرحوا الرسول عندما يبلغ إحدى العقبات على الطريق فلما بلغ ﷺ تلك العقبة أراد المنافقون أن يسلكوها معه, فاعلم الله نبيه نبأ هذه المؤامرة, فأمر الناس أن يسلكوا بطن الوادي، وسلك ﷺ العقبة فكان مناديه حين أنذرهم بأمره قد قال لهم: "إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد" [٤٢] .. وأمر عمار بن ياسر بأن يأخذ زمام الناقة, وأمر حذيفة بن اليمان أن يسوق خلفه.
وبينما رسوله الله ﷺ يسير في العقبة إذ سمع حِسَّ القوم قد غَشوه فغضب وأمر حذيفة بأن يردهم، فرجع إليهم فجعل يضرب وجوه رواحلهم، فانحطوا مسرعين من العقبة حتى خالطوا الناس, وأتى حذيفة فِساق به, فلما خرج من العقبة سأله الرسول: "هل عرفت أحداً من الركب الذين رددتهم؟ " قال: "يا رسول الله .... عرفت راحلة فلان وفلان وكان القوم ملثمين فلم أعرفهم من أجل ظلمة الليل؟ [٤٣] .
قال ابن اسحق: إن النبي ﷺ أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان. وذكر الحافظ البيهقي أنهم كانوا أربعة عشر رجلا أو خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد, وعَذَر ثلاثة منهم أنهم قالوا ما سمعنا المنادي، ولا علمنا ما أراد القوم [٤٤] .
стр. 11474
وكانوا قد أسرعوا برسول الله فسقط بعض متاع رحله ... يقول حمزة بن عمرو الأسلمي: "فنور لي في أصابعي الخمس فأضاءت حتى كنا نجمع ما سقط ... السوط ... والحبل وأشباهها، حتى ما بقي من المتاع شيء إلا جمعناه" [٤٥] .
هذا موقف عدائي للرسول أطلعه الله عليه, ومع ذلك لم يأذن له لأن يقتدهم. فلما أصبح الرسول قال أسيد بن حضير: ما منعك يا رسول الله من سلوك الوادي فقد كان أسهل، فقال: "يا أبا يحي أتدري ما أراد البارحة المنافقون, وما هموا به؟ , قالوا نتبعه في العقبة فإذا أظلم الليل قطعوا أنساع راحلتى ونخسوها، حتى يطرحوني عن راحلتي ". قال أسيد بن حضير الأوسي الأشهلي وهو أحد النقباء يا رسول الله: قد اجتمع الناس ونزلوا فمر كل بطن أن تقتل الرجل عشيرتُه ... وإن أحببت فنبئني بهم, فوالذي بعثك بالحق لا تبرح حتى آتيك برؤوسهم، فإن مثل هؤلاء لا يتركون ... يا رسول الله، حتى متى نداهنهم وقد صاروا اليوم في القلة والذلة, وقد ضرب الإسلام بجرانه، فما نستبقي هؤلاء، فقال ﷺ "يا أسيد إني أكره أن يقول الناس إن محمدا لماّ نقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه" ... قال يا رسول الله ليسوا بأصحابِ ... قال: "أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله ... " قال: "بلى ولا شهادة لهم". قال: "أو ليس يظهرون أني رسول الله"، قال: بلى. ولا شهادة لهم.... قال الرسول ﷺ : "وقد نهيت عن قتل أولئك" [٤٦] .
والملاحظ أن الرسول اشتد بعد ذلك في معاملته للمنافقين-. وقد بدأ بأن أمر بإحراق مسجد الضرار، وتقويض أركانه وفضح بناته ورواده؛ ذلك لأنه بني ضرارا لمسجد رسول الله بالمدينة أو لمسجد قباء، بني كفراً بالله وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله, وهو أبو عامر الفاسق. وكان المنافقون مجتمعين فيه بين المغرب والعشاء فاحرقه رسولا النبي ﷺ وهدماه حتى وضعاه في الأرض [٤٧] .
стр. 11475
وقد ارتعدت فرائص المنافقين بعد هذا الحادث, وأدركوا- أنه قد انكشف أمر نفاقهم وأن الرسول يعرفهم تماما، من تخلفهم ومن رجوعهم ومن مؤامراتهم. وفقد المنافقون بعد العودة من تبوك شيخهم عبد الله بن أبي بن سلول، فمات بعد شهرين من عودة الرسول من تبوك، وبوفاته انهار ركن المنافقين ونزل قول الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [٤٨] . ويبدو أن من بقي آثر السلامة، بعد أن اعتبر بما سلف منهم والله أعلم بالسرائر.
المتخلفون عن جيش العسرة
كان قد تخلف عن رسول الله نفر من المسلمين أخطأت بهم النية من غير شك أو ارتياب كما تخلف رهط من المنافقين, وبعد عودة الرسول إلى المدينة جاء المخلفون إليه يعتذرون، فقبل منهم علانيتهم وإيمانهم. وحلَفوا فصدقهم. واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.
وكان ممن تخلف ثلاثة نفر هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيعة وهلال بن أمية. فأما كعب فقد قدم على رسول الله وهو جالس في المسجد فسأله: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " [٤٩] . قال:
"بلى يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر.. ولقد أعطيت جدلا. ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضى عني، ليوشكنّ الله أن يسخط عليّ. ولئن حدثتك اليوم حديثا صادقا، تَجِدُ عليّ فيه. إني لأرجو عقبى الله فيه.. والله ما كان لي عذر. والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك". فقال ﵇: " أما أنت فقد صدقت. فقم حتى يقضي الله فيك" [٥٠] .
стр. 11476
وقام إليه رجال من قومه يقولون له: "أما كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله لك". وظلوا به حتى كاد أن يرجع فيكذب نفسه, فلقيه معاذ بن جبل وأبو قتادة فقالا له: "لا تطع أصحابك، وأقم على الصدق فإن الله سيجعل لك فرجا ومخرجا إن شاء الله ".
فقال لهما: "هل أتى هذا أحد غيري؟ "، قالا له: "نعم، مرارة بن الربيع وهلال بن أمية " [٥١] يقول: "فذكرا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً ولي فيهما أسوة". ومضى حتى يقضي الله فيه.
ونهى رسول الله عن كلام الثلاثة فاجتنبهم الناس، وتغيروا لهم، حتى تنكرت لهم أنفسهم، فلبثوا على ذلك أربعين ليلة. ثم بعث رسول الله بأن يعتزلوا نساءهم. فلما انقضت خمسون ليلة. أنزل الله توبته عليهم التي فرح بها المجتمع الإسلامي كله وهو قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة ... ﴾ الآية.
وهكذاِ.. كان من نتائج هذه الغزوة تأمين الجزيرة العربية ضد القوى المسيحية والوثنية في الشمال، وكشف العناصر المخادعة من المنافقين في الداخل، والضرب على أيديهم، وتنقية المجتمع الإسلامي من الشوائب الضارة.
ولا ريب أن هذه الغزوة إلى الحدود الشمالية تشير إلى الاتجاه الذي أراده الرسول للفتوحات الإسلامية من بعده. وضرورة إخضاع دولتي الفرس والروم لإزالة سيطرتهما عن العراق والشام، حتى ينطلق الإسلام إلى ما وراءهما, بل كان آخر عمل للرسول ﷺ ، إعداده جيش أسامة بن زيد لقتال الروم, ووصيته للصحابة بأن لا يتخلفوا عنه. والتي ساهم فيها كبار الصحابة وكان لها آثار طيبة على مستقبل الإسلام.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 11477
[١] بضم الدال وفتحها من أعمال المدينة. سميت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وهي بلدة وحصن بين الشام والمدينة أنظر: ياقوت: معجم البلدان، العباسي، أحمد بن عبد الحميد: عمدة الأخبار في مدينة المختار ص ٢١٠.
[٢] انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج ٢ ص ٢١٤، ٢١٥.
[٣] يذكر ابن هشام أنه كان قد اعتم بعمامة من كرابيس (من قطن) سوداء: انظر السيرة النبوية ج ٢ ص ٦٣٢.
[٤] مؤتة قرية من قرى البلقاء من أرض الشام. وكانت الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان: ابن هشام: السيرة النبوية ٢/٣٧٣.
[٥] ماء بأرض جذام وراء وادي القرى على عشرة أيام من المدينة. وهي أرض بني عذرة: انظر العباسي، أحمد بن عبد الحميد: عمدة الأخبار ص ٢٢٤، ابن هشام: السيرة النبوية ج ٢ ص ٦٢٣.
[٦] ابن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥١٦؛أبو الحسن الندوي: السيرة النبوية ص ٤١٢-٤١٦.
[٧] اظهر أنه يريد غير الوجه الذي يتجه إليه.
[٨] المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج١ ص ٤٤٦.
[٩] يعتقبانه أو يعتقبان عليه أي يتناوبانه وفي الحديث: فكان الناضح يعتقبه منا الخمسة أي يتداولون في الركوب عليه (لسان العرب) .
[١٠] انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج١ ص ٤٤٦.
[١١] انظر: المرجع السابق ج١ ص ٤٤٩.
[١٢] جبل بالمدينة وهو الذي عليه مسجد الراية: انظر: العباسي: عمدة الأخبار في مدينة المختار ٢١٢.
[١٣] تقع شمال المدينة خلف سوقها القديم بين مسجد الراية على جبل ذباب ومشهد النفس الزكية قرب سلع: المرجع السابق ص١٨٦.
[١٤] انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥١٩: ابن سيد الناس: عيون الأثر ج٢ ص ٢١٨.
стр. 11478
[١٥] انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع ج ١ ص ٤٥٠: ابن هشام: السيرة النبوية ٢ ص ٥٢٥.
[١٦] انظر: المقريزي: المرجع السابق ج ١ ص ٤٥٠.
[١٧] المرجع السابق ص ٤٤٩.
[١٨] انظر: ابن كثير. أبو الفداء، إسماعيل: السيرة النبوية تحقيق مصطفى عبد الواحد ج ٤ ص ٢٢.
[١٩] استشهد ابن إسحاق على ذلك بقوله تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ وإن ذلك كان بوادي نخلة على ليلة من مكة منصرف النبي من الطائف وذكر أنهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين قاعدة ديار ربيعة: انظر: ابن هشام السيرة النبوية ج١ص٤٢٢.
[٢٠] المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع تحقيق محمود محمد شاكر ج١ ص ٤٥٩.
[٢١] ذكر حديث العرباض أيضا ابن كثير: شمائل الرسول ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه ص٢٢٣، ٢٢٤.
[٢٢] الجرب واحده جراب وهو الوعاء لحفظ الزاد. والحمت جمع حميت وهو وعاء من جلد لا شعر عليه يحفظ فيه السمن. المعجم الوسيط ج١ ص ١١٤، ١٩٥.
[٢٣] انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٧٢: ابن كثير: شمائل الرسول ودلائل نبوته ص ٢٢٤.
[٢٤] الأنطاع جمع نطع وهو البساط من الجلد. المعجم الوسيط ج٢ ص٩٣٨.
[٢٥] راجع: المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص٤٧٤: راجع أيضا ابن كثير: السيرة النبوية ج٤ ص ١٨ ولكنه يذكر أن الرسول قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة ".
[٢٦] كان الرسول قد عرس ومعه أبو قتادة وثلاثة من المسلمين فلم يوقظهم إلا حر الشمس: انظر المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٧٥
[٢٧] المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٧٦.
[٢٨] بلّى بطن من قضاعة.
[٢٩] المقريزي: إمتاع الأسماع ج ٤ ص ٢٤، ٢٥: المقريزي: إمتاع الأسماع ج ١ ص ٤٦٠.
стр. 11479
[٣٠] ابن كثير السيرة النبوية ج٤ ص ٢٤، ٢٥: المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٦٠.
[٣١] أورد ابن كثير خبر رسول قيصر الروم ورسالته التي حملها إلى النبي ﷺ وأن من حمل الرسالة رجل من تنوخ وهي إحدى القبائل الغسانية المتحالفة مع الروم: انظر البداية والنهاية ج٥ ص ١٥، ١٦.
[٣٢] وقد ذكر ابن إسحاق من أن خالد إنما حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم (ابن هشام: السيرة ج٢ ص ٣٨٠) أما موسى بن عقبة والواقدي فصرحا بأنه هزم جمع الروم والعرب الذين معهم وهو ظاهر حديث أنس مرفوعا ورواه البخاري: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه " (ابن كثير: البداية والنهاية ج٤ ص ٢٤٨) .
[٣٣] تسمى الإمبراطورية الرومانية الشرقية كما أسلفنا أو دولة الروم أيضا.
[٣٤] انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٧٣.
[٣٥] انظر: المرجع السابق ج١ ص ٤٦٨.
[٣٦] كتب الأمان يمكن الرجوع إليها في مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة لمحمد حميد الله الحيدر أبادي وانظر أيضا: ابن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥٢٥، ٥٢٦: ابن كثير: السيرة النبوية ج٤ ص٣٠: المقريزي إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٦٦_٤٦٩.
[٣٧] انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج١ ص ٤٦٣.
[٣٨] راجع: ابن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥٢٦: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٦٤-٤٦٥.
[٣٩] راجع: ابن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥٢٦/٥٢٧.
[٤٠] انظر: ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ج٢ ص ٢٢١: المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٦٦.
[٤١] انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥١٩: ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ج٢ ص ٢١٦.
[٤٢] راجع: ابن كثير: السيرة النبوية ج٤ ص ٣٧.
стр. 11480
[٤٣] المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج١ ص ٤٧٧، ٤٨٨.
[٤٤] ابن كثير: السيرة النبوية ج٤ ص ٣٥- ٣٧، المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٧٩.
[٤٥] انظر: المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع ج١ ص ٤٧٨.
[٤٦] انظر: المقريزي: المصدر السابق ج١ ص ٤٧٩.
[٤٧] في عودة الرسول إلى المدينة عندما اقترب منها أعلمه الله بأمر مسجد الضرار فأمر مالك بن الدخشم السالمي وعاصم بن عدي العجلاني فانطلق مالك فخرج بنار من عند أهله فحرقاه وهدماه (راجع: ابن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥٣٠.المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٨٠/٤٨١.
[٤٨] انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥٥٢، ابن كثير، البداية والنهاية ج٥ ص ٣٤.
[٤٩] أي اشتريت ما تركبه للسفر معنا، والخروج مع الجيش.
[٥٠] انظر: لبن هشام: السيرة النبوية ج٢ ص ٥٣٣: المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٨٥.
[٥١] راجع: المقريزي: إمتاع الأسماع ج١ ص ٤٨٥/٤٨٦.
стр. 11481
من أعلام الدعوة الإسلامية في الهند
السيخ زين العابدين بن علي المعبري المليباري
للدكتور محيي الدين الألوائي
أستاذ مساعد بالجامعة
كان الشيخ زين الدين بن علي من جلة العلماء الهنود في القرن التاسع الهجري (القرن الخامس عشر الميلادي) وصاحب مؤلفات عديدة باللغة العربية في العلوم الإسلامية والدعوة والإرشاد والفقه والتاريخ والنحو والصرف والعروض وغيرها. ولعائلة الشيخ زين الدين يد طولى في نشر العلوم الإسلامية واللغة العربية وآدابها في الهند. ولا تزال عائلته معروفة في بلدة (بوناني) في (مليبار) بولاية (كيرالا) الهندية، عائلة علم وأدب ودعوة، ويطلق عليها أهالي مليبار (عائلة المخدومين) ويدعى كل فرد منها بلقب (مخدوم) .
موطنه ومولده:
ولد زين الدين بن علي عام ٨٧٣هـ _١٤٦٨م في منطقة (معبر) الواقعة في الجنوب الشرقي لساحل مليبار بشبه القارة الهندية. ومنطقة (كورا مندال) في أقصى جنوب الهند كان يسميها العرب المؤرخون (معبر) لأن الموانئ المنتشرة في هذه المنطقة الممتدة بين مدينة (كويلون) في جنوب كيرالا وبين مدينة (نلّور) بمقاطعة مدراس، وكانت مركزا لارتياد السفن التجارية للعرب في السواحل الهندية، كما كانتا بمثابة معبر رئيسي للسفن القادمة من سواحل جزيرة العرب والخليج العربي في طريقها إلى سيلان والصين وجاوا وغيرها من بلاد الشرق الأقصى. وكذلك استوطنت في شواطئها جاليات عربية منذ عصور قديمة.
معبر (مفتاح الهند)
стр. 11482
ونظرا لمركز (معبر) الجغرافي والاقتصادي، عرف ملكها باسم (ديور) أي الغني، وكانت لها علاقات تجارية وثقافية مع جهات الهند والبلدان المجاورة، حتى اشتهرت معبر بين التجار العرب وغيرهم باسم (مفتاح الهند) . وكان ملكها (سوندرا بانديا) يحب التجار العرب كثيرا لما لهم من دور كبير في تنمية اقتصاد البلاد ورخائها، فقد اختار الملك مسلما عربيا وهو (تقي الدين بن عبد الرحمن بن محمد الطيب) المولود في المدينة المنورة ليكون مستشارا له في الشئون التجارية والاقتصادية، ثم عينه واليا على مقاطعة- كايل باتنام- إحدى الموانئ الرئيسية في (معبر) .
ارتحاله إلى مليبار:
وفي بداية القرن العاشر الهجري ارتحل الشيح زين الدين بن علي وأسرته من مسقط رأسه بمعبر إلى مليبار (كيرالا) التي نزلت في مدينة (كوتشين) ، ثم انتقلت إلى مدينة (بوناني) إحدى المراكز الأولى للمستوطنين العرب في شواطئ جنوب غربي الهند على بحر العرب. ثم بنى الشيخ مسجدا جامعا كبيرا في بوناني ليكون مركزا لنشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية بين أهالي مليبار.
مركز (بوناني) العلمي:
стр. 11483
وبعد وصول الشيخ زين الدين بن علي إلى بوناني وبناء مسجده المدرسي فيها، أصبحت هذه المدينة منار النور والعرفان ومحط رجال العلم والأدب القادمين من أرجاء الهند ومن مصر وسوريا، فكان من بين المدرسين في هذا الجامع الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي (المتوفى سنة ٩٠٩ هـ) . ووضع الشيخ تصميم هذا المسجد الجامع، بحيث يصلح لأن تعقد فيه حلقات الدروس، ويقيم في زواياه وأروقته طلبة العلم الذين يفدون إليه من خارج المدينة. وقام بالتدريس فيه كبار أساتذة العلوم الإسلامية والعربية مثل الشيخ (ابن حجر الهيتمي) المذكور. وتخرج من هذا المركز العلمي عدد كثير من العلماء الأعلام في علوم الإسلام واللغة العربية، منهم نجل الشيخ زين الدين وحفيده، الشيخان عبد العزيز بن زين الدين، وزين الدين بن عبد العزيز المعروف بزين الدين الثاني، فكانوا من جلّة العلماء الهنود في الفقه والتوحيد والتاريخ الإسلامي في الهند، وأصحاب مؤلفات عديدة باللغة العربية في هذه المواضيع.
وكان من العلماء الدعاة الذين درسوا العلوم الإسلامية في هذا الجامع المدرسيّ الشهير والدي المرحوم الشيخ مقار المولوي- المتوفى سنة ١٩٦٩م- الذي قضى سنوات عمره كله في الدعوة إلى الله بالوعظ والإرشاد. وبتوجيه من والدي، قضيت فترة من الزمن, في الثلاثينات من هذا القرن، في مدينة (بوناني) أتلقى العلوم الإسلامية والعربية في جامع الشيخ زين الدين، حسب النظام القديم المتبع فيه جيلا بعد جيل.
مؤلفاته العربية:
стр. 11484
من مؤلفات الشيخ زين الدين بن علي في اللغة العربية، (مرشد الطلاب) في الوعظ والإرشاد، و (تحفة الأحباء) في السيرة النبوية، و (إرشاد القاصدين) وهو مختصر لكتاب (منهاج العابدين) للإمام الغزالي، و (شعب الإيمان) وهو ترجمة عربية لكتاب فارسي بهذا الاسم للسيد (نور الدين أيجى) و (كفاية الفرائض) في علم الميراث، وكتب أيضا هي شروح قيمة باللغة العربية لبعض كتب العروض والنحو، ومنها كتاب (القافية) لابن حاجب، و (الألفية) لابن مالك، و (تحفة) لا بن الوردي، و (الإرشاد) لابن المقري.
مؤلفاته المنظومة:
وصنف الشيخ زين الدين بن علي بعض الكتب منظومة باللغد العربية منها (أرجوزة) بالعربية باسم: (تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان) . وهو في بيان قصد احتلال البرتغاليين لسواحل مليبار ومظالمهم للمسلمين، وفيها يحث الهنود على الجهاد لطرد المستعمرين.
وفيما يلي مقتطفات من شعره:
حمدا يوافي برّه المتكاملا
الحمد لله المفوق للعلا
وتباع أهوا رأس شرّ حائلا
تقوى الإله مدار كل سعادة
وقال مشجعا الناس على التمسك بالورع والعزيمة للوصول إلى السعادة الأبدية:
ويغوص بحرا ثم درا حصلا
من رام دراً للسفينة يركب
ثم يقول في التوبة:
وبعزم ترك الذنب فيما استقبلا
أطلب متابا بالندامة مقلعا
ولهذه الأركان فَارْع وكملا
وبراءة من كل حق الآدمي
تنهاك تقصيرا جرى وتساهلا
وأقم دواما بالمحاسبة التي
الأ عضا جميعا فأجهدن ولا تكسلا
وبحفظ عين واللسان وسائر
ويقول في التوكل:
عن مكسب لعياله متوكلا
أما المعيل فلا يجوز قعوده.
في ما لهم أو جاههم متذللا
لا تبذلن للناس عرضك طامعا
وفي الإخلاص:
الدنا
стр. 11485
لماذا أسلم هؤلاء..؟
عرفت الإسلام بالمراسلة ثم هربت إلى بلد إسلامي لتعلن إسلامها
مازال بعض المغرضين الكارهين للدين الإسلامي يحاولون بكل جهودهم أن يلصقوا بالإسلام تهمة الانتشار بحد السيف.
والإسلام من هذا الاتهام بريء تماما.
والدليل على ذلك، أننا في القرن الخامس عشر الهجري، لا نجد إلا ازدياد الداخلين بالأفواج في دين الله.
ولا سبيل لحصر الجنسيات التي تجد نفسها وملاذها الحقيقي، في اعتناق الدين الحنيف، والعمل بتعاليمه، وشريعته التي لا تقهر.
والداخلون في دين الله، يوميا، يعدون بعشرات المئات، في مشارق الأرض ومغاربها وهنا تقع على الكارهين الكوارث حيث أن كل داخل إلى الدين بلا سيف أو عصا يشكل أمامهم قوة حقيقية في أن الإسلام قوي وأن الإسلام باق رغم كراهتهم العمياء له.
وتجيء الردود على كارهي الإسلام، من ذويهم الذين يعملون على قمعه والتشهير به، منذ أوحاه الله تعالى على محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه. وقد قدمنا في عدد ماض قصة اثنين اعتنقا الإسلام وكان أحدهما من النمسا والآخر من ألمانيا.
ونزف في هذا العدد هذه الصورة المشرفة لفتاة عرفت الإسلام وآمنت به، بعد دراسة عميقة متأنية، بعدها لم تستطع أن تخفي إسلامها، فأشهرته، وأعلنته رغم كراهية أبويها اللذين يعملان في بعثات تبشيرية تحرض على الإسلام وتعمل بكل قوتها على استكراه الناس فيه، واعتناقهم الدين الذي يدعون إليه، ويبشرون به.
ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن الإسلام قوي في حجته وبراهينه فهو بلا وسيط إلى الخالق يدعو، وبلا وساوس يؤكد وجود الإنسان الذي هو امتداد حقيقي لكرامة الإنسان حرا في هذا العالم رغم التيارات المناوئة التي قتلت في الإنسان حياته.
следующие страницы →