Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
لقد أدخلت الفتاة كلية الزراعة والهندسة والعلوم في بعض البلدان، فما جنت؟ لم تجن إلا خروجها من مشاعر الأنوثة إلى السترجال الخشن والمرأة امرأة مهما بلغت لا تستغني عن أن تكون زوجة, وأما لهذا تهدف فطرتها وتهفو نفسها في حنان بالغ إلى تعيم البيت والأمومة.
إن المدارس التي تعلم الطبيب كيف يحارب العلل وينقذ المرضى، وتعلم التاجر كيف يروج بضاعته ويحسنها، والزارع كيف يجود حاصلاته وتسلم من الآفات، والصانع كيف يتقن صناعته يرقى بفنه، والأديب كيف يجني ثمار الأدب وينتفع بها.
إن المدارس التي تعد كلا من هؤلاء لوظيفته ومركزه الخاص جدير بها أن تعد الفتاة، ووظيفتها تختلف عن وظيفة الرجل للقيام بدورها الخطير.
فمما لا شك فيه أن الفتاة أحوج إلى دراسة نفسية الطفل في مراحل نموه، ومعرفة طرق العناية به خلقا وجسميا، وإلى دراسة قواعد حفظ الصحة والنظام منها إلى دروس في الميكانيك، وأحوج إلى علم التدبير المنزلي والتفصيل منها إلى الهندسة والفراغية وحساب المثلثات، وأحوج إلى دروس الدين الذي يهذب نفسها ويسمو بعواطفها، وينقي سريرتها ويطبعها طابع الأمومة الصحيحة والخلق القويم، ويعرفها بما لها وما عليها تجاه زوجها وأولادها.
وعلى أي حال فقد كان للغرب ظروفه، وقد أعفانا الله من هذه الظروف المدمرة، أفلا نحمد الله بالرجوع إليه والسير في الطريق الذي ارتضاه.
стр. 1157
لقد نسيت المرأة أو تناست في كثير من بلدان العالم أن البيت هو المقر الأساسي لها، ونسيت مهمتها الرئيسة التي خلقت لها، نسيت أن استقرارها في بيتها وأدائها لواجبها لهو أكبر وأجل خدمة تؤديها لوطنها، ألا ليتها تدرك ما لوظيفتها من أهمية، وأثر حياة الشعوب والأمم، إنها أخطر من عمل المعامل الذرية والهيدروجينية ألا ليتها تعلم مقدار ما يعود على البلد من عظيم النفع والمجد إذا قامت المرأة بواجبها في إعداد الجيل القادم وتنشئته تنشئة طيبة صالحة، وإعداده إعدادا قويا سليما فالمرأة الناضجة هي القادرة في هذه الأيام على تحمل المسؤولية في إدارة شؤون البيت، وما يتبعه من التزامات وفي رعاية الأولاد والإشراف على تربيتهم وتهذيبهم فكيف توفق المرأة بين ما ذكرت وبين ما عليه حالتها الآن في كثير من البلدان من إهمال لبيتها وأولادها حتى أصبح الوقت الذي تمضيه خارج البيت أكثر منه داخله.
وإن هنالك من يظن أن في استطاعة المرأة الجمع بين أداء واجباتها العائلية والعمل الخارجي، ولست أدري كيف يمكن الجمع بين هذا وذاك مع وجود ما سبق إيضاحه وتحديده من المسؤوليات؟ كيف توفق بين هذه الواجبات التي تطلب استقرار في البيت وبين ما هو حادث الآن من قضائها أغلب وقتها خارجه؟ تاركة للخدم مسؤولية البيت والأولاد وهم طائفة يعلم الله أنهم لا يفهمون مسؤولية أنفسهم لما هم عليه من جهل مطبق وإهمال شنيع!؟ وحادثة المربية التي استعانت بمادة الأفيون في تخدير الطفل ليريحها من بكائه أثناء غياب والدته الموظفة ليست ببعيدة.
стр. 1158
ثم لماذا تصر بعض النساء على فكرة الخروج من البيت والعمل في ميدان الرجل؟ ألا يمكن أن تتم المساواة كل في حيز الذي أعده الله له؟ وبدون أن يطغى أحدهما على اختصاص الآخر! وهل حينئذ تصبح دعوى المساواة أم دعوى تخريب حين يقال للجندي على الحدود: ما هذا الظلم؟ حيث تعيش بعيدا عن أهلك معرضا للخطر، والمرأة لا تخرج من البيت؟ إن المساواة تقضي أن تذهب إلى البيت وأن تخرج المرأة إلى خط النار؛ وأن يقال للعامل: ما هذا التخلف؟ حيث تقف وراء الآلة على قدميك ساعات بينما الموظف والمدير ورئيس الدائرة والوزير يقعد ست ساعات وراء الطاولة، إن المساواة تقضي أن يصبح العامل مديرا ورئيسا وأن يحشر الموظفون والرؤساء والقواد والمدراء إلى المعامل ليعملوا وراء الآلات، هل هذه دعوى مساواة أم دعوى تخريب؟
إن الدكتور محمد عوض يعلل هذه الظاهرة بقوله: "يقول علماء النفس إن هذه الظاهرة مردها إلى شيء يسمونه مركب نقص، وهو عبارة عن حالة نفسية تجعل صاحبها في سخط على عمله ووظيفته يرى أنه لم يعط العمل الذي يتفق مع كيانه وأنه لو قلد الأمر الذي يشتهيه لنبغ وأبدع".
وسواء ما يزعمه علماء النفس هو التعبير الصحيح أو لم يكن، فإن مهمة المرأة الحقيقة الرئيسية داخل بيتها وإذا تبقى للمرأة بعد ذلك شيء من الفراغ فتستطيع أن تستغله في الإصلاح لبنات جنسها، ولقد ثبت بالتجربة العلمية أن المشكلات الاجتماعية التي نشأت عن هدم المرأة لعرشها كثيرة أهمها:
١- هدم التوازن الاقتصادي والانتهاء إلى أزمة اقتصادية ذلك لأن المرأة حينئذ تصبح منافسة للرجل والأصل في الرجل أن يكون مسؤولا عن عائلته وأولاده.
٢- انتشار العزوبة.
٣- هدم الحياة العائلية وإفساد العلاقات الزوجية وإهمال تربية الأولاد.
بهذه المناسبة أكرر العجب أيضا!
стр. 1159
ولماذا تتطلع المرأة لكل ما هو من اختصاص الرجل ومن واجباته؟ ترى هل عقمت البلاد من الرجال؟ من يرشدني إلى ميدان من ميادين الرجل تنقصه الأيدي العاملة، ولا يوجد من الرجال من يملؤه ويسد الفراغ فيه؟
إن البلاد وخصوصا التي تزاحم المرأة فيها الرجل في حيرة شديدة كيف توجد أعمالا لهذا الجيش من العاطلين الذي يعول كل واحد منهم عائلة تتكون من زوجة وأولاد وأحيان أمهات وأخوات، يحدث هذا في الوقت الذي نجد فيه عددا ضخما من الفتيات والعاملات يشتغلن في الوظائف والمحلات وأغلبهن لهن من يقوم برعايتهن والصرف عليهن وبرغم ذلك يعملن وينافسن الرجل ولا دافع لهذا إلا التقليد والاستزادة ثم يصرفن الأجور في الترف وعلى ما تتطلبه منهن تلك المدنية الزائفة، من كماليات متعددة، وتبرج فاضح، وقد ثبت بما لايدع مجالا للشك أن توظيف المرأة في وظائف الدولة يزاحم الرجال في ميدان عملهم وفي الوقت الذي تزدحم فيه دوائر الدولة عندهم بالموظفات نرى العديد من المتعلمين حملة الشهادات يتسكعون في الطرقات لا يجدون عملا.
إن توظيف المرأة بدلا من الرجل عمل لا يبرره المنطق والمصلحة، حيث نخرج المرأة من بيتها ونأتي بها إلى دواوين الدولة والمعامل والمؤسسات، ثم نطرد الشباب من مكانه ونرده إلى البيت والشارع، فهذا قلب للأوضاع، وإفساد للمجتمع، وسير بقافلة البلاد إلى طريق الفوضى والأزمات.
لقد تولت الفطرة السليمة تقسيم العمل بين الرجل والمرأة على نحو عادل، فالزوجة تحمل الجنين تسعة أشهر في بطنها ثم ترضعه، وتقوم على مهده ومدارج طفولته، وجعلت القدرة الإلهية ذلك وقفا عليها وحدها وأعدتها إعدادا خلقيا له لا خيار لها في تقبله أو الفكاك منه، وهي في أثناء ذلك تتعرض لكثير من الضعف والألم والسقم وغيره مما يوهن عزمها ويضعف صحتها فلا تكون قادرة على اليسير من العمل.
стр. 1160
أما الرجل فقد أعفى مما أعدت له المرأة، وأعفي تبعا لذلك من موجبات السقم والألم، فكان عليه أن يقوم بالعمل الخارجي ويسعى في جلب قوته وقوت عياله؛ فهو لا يقدر على حمل الجنين في بطنه وولادته وحضانته وإرضاعه وخدمته، والحنان عليه كما تحضنه الأم وتشفق عليه، وذلك هو حكم الفطرة، فليست المرأة إذن خادما ذلولا مسخرا لخدمة الرجل، وليس الرجل معفيا من التكاليف، ولكنهما في تعاون معا على أداء مسؤوليات الحياة لكل منهما نصيبه، وفي ذلك بعض معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [٤] ، ومن ثم ندرك حكمة إعفاء المرأة من النفقة على نفسها وجعل ذلك من واجبات الرجل، فإنه ما كان يسوغ في منطق العدالة أن يثقلها بالحمل والوضع والرضاعة دون أن يقوم من جانبه بما يقابل ذلك من توفير النفقة لها.
فنحن إزاء سياسة فاضلة تقوم بتوزيع العمل بين الزوجين على أساس من العدالة التامة والمساواة والشورى.
أهذه قيمة الإنسان في حضارة المادة ووثنية المال؟
стр. 1161
إن كثيرين عندنا يغالطون حين يزعمون أن مساواة المرأة لا تتم إلا أن تقوم بعمل الرجل، وأن سر قوة الغربيين واختراعاتهم في أن المرأة تعمل عمل الرجل وأنّه لا يجوز للمرأة أن تكون عالة على أبيها أو زوجها أو أخيها؛ وإنني أقول: إن هذه الادعاءات ليست إلا مغالطة، ولا وزن لها في ميزان المنطق السليم، فليس الموظف الذي يقبض راتبه من خزينة الدولة يشعر أنّه عالة على الدولة بل يقبض راتبه بكل كرامة واعتزاز لأنّه يؤدي واجبا اجتماعيا نبيلا، والمرأة حين تكون في بيت أبيها قبل الزواج إنما تتمرس على شؤون البيت وأعماله وإداراته، فهي في عمل اجتماعي نبيل ثم إذا تزوجت بعد ذلك فهي في عمل يستغرق كل وقتها، فهل هي حينئذ تكون عالة على زوجها؟ أم أنها ستقوم بأعمال مرهقة قد تكون أكثر إرهاقا من عمل الزوج؟ وحينئذ هل تترك عملها في البيت لتعمل في خارجه؟ أم تقوم بالعملين معا؟!
إن ترك عملها في البيت لتعمل في الخارج إخلال بنواميس الحياة وخيانة للأمانة التي أوكلت بالمرأة، وفي قيامها بالعملين معا إرهاق لجسمها، وهو ظلم منها لنفسها ما بعده ظلم، وظلم من المجتمع لها، فالإسلام حين أراد منها أن تتفرغ لأعبائها وألزم زوجها أو وليها الإنفاق عليها إنما جعل هذا حقا لها؛ والإسلام بذلك صانها من الابتذال، وكفاها مشقة العمل فوق عملها المرهق، فهل انقلبت العناية بالمرأة في نظرها وفي نظر من عميت بصائرهم إلى احتقار وازدراء.
стр. 1162
إن على المرأة أن تتحمل كل ما تحملته المرأة الغربية، في خروجها من البيت وعملها خارجه، وعليها أن تقبل بكل النتائج في هذا الأمر، فعليها أن تتكفل بنفقات حياتها ودراستها منذ تجاوز الخامسة عشرة، وعليها أن تعمل كثيرا لتدخر ما تقدمه لمن ترغب في الاقتران به من مال يرضيه، وعليها أن تشارك الزوج بعد ذلك في نفقات البيت والأولاد، وعليها أن تستمر في العمل لكسب قوتها، ولا يحق لها أن تطالب أبا أو أخا أو زوجا بأي معونة، وعليها أن تفتش عن عمل لها أينما كان في المكاتب التجارية، في المخازن الكبرى، في بيع الجرائد، في الأحذية، في جمع القمامة، في حراسة الأبنية الكبيرة، في حمل الأثقال لتنظيف المراحيض، في كل ما يشتغل فيه الرجل، وهذه أعمال نرى أو نسمع أن المرأة عند غيرنا أنها تقوم بها في جميع بلاد أوروبا، وفي بلاد الاتحاد السوفياتي حيث اقتحمت المرأة في تلك البلاد كل عمل لتعيش.
هذه هي حالة المرأة في البلاد التي يريد تقليدها بعض الذين فسدت ضمائرهم على حين أن المرأة عندنا تبقى في بيتها يكد الرجل ليرعاها، فإذا كانت المرأة عندنا اليوم ترغب في العمل خارج بيتها، ولا تتعرض إلا لأعمال السهلة لا مشقة فيها فيجب عليها أن تنتظر الأعمال الشاقة المرهقة كالمرأة الغربية، فمساواة المرأة بالرجال على ما يزعمون من شأنها أن تجعلها تقوم بكل ما يقوم به كما هو الأمر عند من تريد أن تقلده.
وأهم ما في الأمر من خطورة أن فسح المجال أمام المرأة للعمل خارج البيت ينشأ عنه تفكك الأسرة، وتشرد الأطفال، وهذا من أكبر العوامل في انحلال المجتمع وانهياره، وهو ما وقع فيه الغرب ودفع بالمفكرين منهم إلى الشكوى والإعلان عن قرب انهيار حضارتهم نتيجة لذلك.
стр. 1163
يقول أوجست كونت مؤسس علم الاجتماع الحديث في كتابه النظام السياسي: "لو نال النساء يوما من الأيام هذه المساواة المادية التي يتطلبها لهن الذين يزعمون الدفاع عنهن فإن ضمانتهن الاجتماعية تفسد على قدر ما تفسد حالتهن الأدبية لأنهن في تلك الحالة سيكنّ خاضعات لمزاحمة قوية بحيث لا يمكنهن القيام بها".
ولما كتبت زوجة هيركور الشهيرة بالمدافعة عن حقوق النساء إلى الفيلسوف الاشتراكي برودون تسأله عن رأيه في مسألة النساء؟ أجابها كما يقول في كتابه ابتكار النظام: "بأن هذه الجهود المبذولة من النساء لا تدل إلا على علة أصابت جنسهن"، ثم يقول: "إن حالة المرأة إذا جرت على النسق الذي تريدينه كما هو حالة الرجل فيكون أمرها قد انتهى لأنها تصير مستعبدة مملوكة".
ويقول الفيلسوف الاقتصادي جول سيمون في مجلة المجلات المجلد/١٧/ كما ينقل الدكتور مصطفى السباعي في كتابه المرأة بين الفقه والقانون: "النساء قد صرن الآن نساجات طباعات وقد استخدمتهن الحكومة وبهذا فقد اكتسبن بضعة دريهمات ولكنهن في مقابل ذلك قد قوضن دعائم أسرهن تقويضا، نعم إن الرجل صار يستفيد من كسب امرأته ولكن بإزاء ذلك قل كسبه لمزاحمتها له في عمله".
ويقول: أوغست كونت أيضا: "يجب أن تكون الحياة النسوية منزلية على قدر الإمكان ويمكن تخليصها من كل عمل خارجي ليمكنها على ما يرام أن تحقق وظيفتها الحيوية".
ويقول جيوم فربرو الشهير في أحوال الإنسان وتطوراته في مجلة المجلات المجلد/١٨/ما يلي: "يوجد في أوروبا كثير من النساء اللواتي يتعاطين أشغال الرجال ويلجئون بذلك إلى ترك الزواج بالمرة وأولاء يصح تسميتهن بالجنس الثالث".
ويقول جول سيمون أيضا: "المرأة التي تشتغل خارج البيت تؤدي عمل عامل بسيط ولكنها لا تؤدي عمل امرأة".
стр. 1164
هذه بعض أقوال الغربيين ولا يتسع المجال لأكثر من هذا، وأنا لنذكر أن هتلر في آخر أيامه قد بدأ بمنح الجوائز لكل امرأة تترك عملها خارج البيت وتعود إلى بيتها، وكذلك فعل موسوليني يومئذ.
إن أهم حجة يستند إليها المتحمسون لاشتغال المرأة خارج بيتها هو أن اشتغالها يزيد في الثروة القومية وأن البلاد تخسر كثيرا يقصر عمل المرأة على أعمال البيت عدا ما فيه من تعويد على الكسل وقتل وقتها بما لا يفيد وتقويض هذه الحجة سهل إذا تذكرنا الحقائق التالية:
١- أن اشتغال المرأة يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيرا سيئا باعتبار أن اشتغالها فيه مزاحمة للرجل في ميدان نشاطه الطبيعي مما يؤدي إلى نشر البطالة في صفوف الرجال كما وقع في جميع البلاد التي أخذت المرأة فيها طريقها إلى العمل خارج البيت في السوق والمصنع ووظائف الدولة.
٢- إذا ثبت أن اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة الرجل كان من المحتمل أن يكون ذلك الرجل الذي زاحمته أباها أو أخاها فأي ربح اقتصادي للأسرة إذا كان اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة عميدها والمكلف بالإنفاق عليها.
٣- إن مصالح الشعوب لا تقاس دائما بالمقياس المادي فلو فرضنا أن اشتغال المرأة يزيد في الثروة القومية إلا أنّه من المؤكد أن الأمة تخسر بذلك خسارة معنوية واجتماعية ومادية لا تقدر فأي الخسارتين أبلغ ضررا؟ الخسارة المادية أم الخسارة المعنوية والاجتماعية.
إن النظر إلى كل فرد في المجتمع كآلة منتجة تهتم الدولة بزيادة إنتاجها هو رجوع بالإنسان إلى الوراء إلى عهود العبودية والسخرة وهذا ما لا ترضاه الإنسانية الكريمة.
стр. 1165
على أن هذه النظرة المادية لا تنطبق على واقعنا وواقع المجتمعات الأخرى حتى الشيوعية نفسها، فهنالك في كل مجتمع فئات معطلة عن الإنتاج المادي للتفرغ لأمور هامة خطرة، فالجيوش والموظفون لا يزيدون في ثروة الأمة المادية، وقد رضيت كل الأمم أن يتفرغ الجيش لحماية البلاد، والموظفون لإدارة الشؤون دون أن تلزمهم الكسب، فهل يقال: إن هذا تعطيل للثروة القومية في البلاد؟
إن خوض الأمة معارك الدفاع عن حياتها وانتزاع حقها واستقلالها من أيدي الغاصبين ترحب به كل أمة، بل لا تستطيع أي أمة أن تفعل غيره، فكم تلحق الأمة من خسائر بشرية ومادية في سبيل الدفاع المشروع وهل يجرؤ أحد أن يدعو الأمة إلى تسريح جيشها، وعدم شراء الأسلحة والذخائر وصنعها وعدم مقاومة المغيرين بحجة أن في ذلك كله خسارة مادية وإضرار بالإنتاج القومي والثروة العامة.
لاشك بأن هؤلاء المنادين باشتغال المرأة خارج بيتها لا يوافقون على حرمان الأمة من جهود أفراد الجيش والموظفين من الناحية الاقتصادية في سبيل مصلحة أغلى وأثمن من المنفعة الاقتصادية، إذا كان ذلك كذلك فهل يكون التفرغ لشؤون الأسرة أقل فائدة من تفرغ الجيش لحماية البلاد!؟، أم يريدون أن ترهق المرأة بالعملين معا، ثم أي عاقل يعرف خطورة رسالة المرأة في البيت يعتبر تفرغها لأداء هذا الواجب سجنا، فلم لا نقول: إن الموظف في ديوانه والزارع في مزرعته بأنه في سجن، ثم أي معنى لقول من يقول: إن وجود المرأة في البيت يعودها الكسل، إن أمثال هؤلاء لا يعرفون متاعب البيت وأعماله، وكيف تشكو المرأة من عنائه، فما يمسي المساء إلا وهي منهوكة القوى هذا إذا قامت بواجبها كما يجب.
стр. 1166
ومن هنا ندرك أن الخطر الذي يحدق اليوم بالحضارة الغربية كما أحدق من قبل بالحضارتين اليونانية والرومانية نتيجة عمل المرأة واختلاطها بالرجال سيحدق بنا نحن مع فارق واضح وهو أن هذه الحضارات جميعا التي كان تبرج المرأة وخروجها واختلاطها وعملها خارج البيت مرضا من أمراضها القاضية عليها، قد بلغ أصحابها ذروة الحضارة عندهم، بينما يحدق بنا الخطر ونحن في بداية طريق النهوض.
ومن العجيب أن يريد لنا البعض أن نبدأ من حيث انتهى غيرنا وأن نساير غيرنا في أمر أخذ يعلن أنه سيقضي على حضارته، وليس للأمة مصلحة في استجلاب هذا الخطر إلى بيوتها وأسرها هانئة تنعم بالاستقرار والتماسك والحب والثقة، الأمر الذي لا يعرفه غيرنا بعد أن تفشت فيهم تلك الأمراض بل بدأوا يحنون إليه ويعلنون عن أسفهم للحرمان منه وخلاصة القول في هذا الموضوع: إننا لا بد أن نختار أحد طريقين: طريق إسلامنا الذي يصون كرامة المرأة ويفرغها لأداء رسالتها كزوجة وأم، وفي سبيل ذلك يتكفل المجتمع ضمان حاجتها المعاشية، وليس في ذلك غضاضة عليها ما دامت تتفرغ لأهم عمل فالمرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بشمالها.
стр. 1167
أو بين طريقة الغرب التي ترهقها بمطالب الحياة وتجبرها على أن تكدح وتعمل لتأمين معيشتها مع وظيفتها كزوجة وأم، وبذلك تخسر نفسها، ويخسر المجتمع استقرار حياة الأسرة وتماسكها ولهذا علينا أن نختار، ونحن المسلمين ما رأينا خيرا من طريق الإسلام لأنه نظام الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [٥] ، فجدير بنا أن نتمسك بإسلامنا لأننا لم نر نساء خيرا من نسائنا ما تمسكن بحجابهن وتقيدن بأحكام الإسلام وآداب ذلك المجتمع الفاضل الذي أخرج عائشة وأسماء وخولة ورابعة، وألافا من المربيات الفضليات، اللاتي ولدن أولئك الرجال الذين كانوا فرسان الميادين والمنابر، وكانوا سادة الدنيا وقادة العالم، وكانت النساء أمهات أولئك السادة والقادة.
ولنذكر جميعا قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [٦] ، هذا هو الحق وما بعد الحق إلا الضلال.
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [٧] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة النساء آية:٧.
[٢] سورة الأحزاب آية ٣٣.
[٣] سورة الروم آية٢١.
[٤] سورة البقرة آية٢٢٨.
[٥] سورة المائدة آية٥٠.
[٦] سورة الأحزاب آية٣٦.
[٧] سورة فصلت آية٥٣.
стр. 1168
التراويح أكثر من ألف عام في المسجد النبوي
بقلم الشيخ عطية محمد سالم
القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة
الحلقة الثانية
عهد عثمان وعلي ﵄
أما في عهد عثمان ﵁ فإن عليا بنفسه كان يؤم الناس في التراويح أكثر ليالي الشهر، كما في سنن البيهقي ﵀ عن قتادة عن الحسن قال: "أمّنا علي بن أبي طالب في زمن عثمان بن عفان ﵁ عشرين ليلة، ثم احتبس، فقال بعضهم: قد تفرغ لنفسه، ثم أهم أبو حليمة معاذ القارئ، فكان يقنت".
ففي هذا العهد تولى علي ﵁ بنفسه إمامة الناس عشرين ليلة، وفيه أيضا كان القنوت في العشر الأواخر.
أما مسألة القنوت فكان كذلك "أبيّ" يقنت في النصف الأخير من رمضان رواه البيهقي.
ولم نجد جديدا في عدد الركعات، وأغلب الظن أنها كانت على ما كانت عليه زمن عمر ﵁، لما سيأتي من عدد ركعاتها في عهد علي ﵁.
الدعاء في ختم القرآن:
غير أننا وجدنا هنا في عهد عثمان ﵁ عملا يكاد يكون جديدا في التراويح وهو الدعاء بختم القرآن في نهاية الختمة، وذلك لما ذكره ابن قدامة ﵀ في المغني ج٢ ص١٧١ قال: "فصل في ختم القرآن، قال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله فقلت: أختم القرآن، أجعله في الوتر أو في التراويح؟، قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام، قلت بما أدعو؟ قال: بما شئت، قال: ففعلت بما أمرني، وهو خلفي يدعو قائما ويرفع يديه".
стр. 1169
قال حنبل: "سمعت أحمد يقول: في ختم القرآن إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة"، قال العباس بن عبد العظيم: "وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا شيئا وذكر عن عثمان بن عفان".
فقوله رأيت أهل مكة يفعلونه وفعل سفيان بن عيينة معهم، ثم قول العباس بن عبد العظيم أدركنا الناس بالبصرة وبمكة وبروي أهل المدينة في هذا شيئا وذكر عن عثمان بن عفان يدل أنّه كان عملا عاما في تلك الأمصار مكة والبصرة والمدينة، ويشير إلى أنّه لم يكن قبل زمن عثمان.
كما يدل على أنّه من عمل عثمان ﵁ إن صحت عبارته، ويروي أهل المدينة في هذا شيئا...الخ.
وعلى كل فقد فعله أحمد ﵀ مستدلا بفعل أهل الثلاثة المذكورة ومستأنسا بما يروي أهل المدينة في هذا عن عثمان ﵁، مما يدل على أنّه كان موجودا بالمدينة عمل دعاء الختم الذي يعمل اليوم في التراويح مع طول القيام، وسيأتي نصه في سياق مذهب أحمد رحمه الله تعالى إن شاء الله.
العباس بن عبد العظيم:
أما العباس بن عبد العظيم الذي أسند إليه القول سابقا: أدركنا الناس بالبصرة ومكة ويوي أهل المدينة في هذا شيئا وذكر عن عثمان بن عفان؛ فإنّ العباس هذا قد ترجم له في التهذيب ج٥ ص١٢٢ مستهلا يقول: "عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن توبة العنبري أبو الفضل البصري الحافظ"، وعدّ من روى عنهم نحو العشرين، ثم قال: "وجماعة، وعند الجماعة ولكن البخاري تعليقا"، ثم عدّ عشرة أشخاص ممن أخذوا عنه ثم قال وغيرهم.
ثم قال: قال أبو حاتم: "صدوق"، وقال النسائي: "مأمون"، وذكر ثناء العلماء عليه، وأخيرا قال: قال البخاري والنسائي: "ومات سنة٢٥٦"ثم قال: "قلت - أي صاحب التهذيب - وقال مسلمة: "بصري ثقة".
стр. 1170
وقال عنه في التقريب: "عباس بن عبد العظيم بن إسماعيل العنبري أبو الفضل البصري ثقة حافظ من كبار الحادية عشرة مات سنة٤٠ - حث م عم".
ورمزه بحرف: (خت) أي للبخاري تعليقا، وحرف (م) أي لمسلم، وحرف (عم) أي للجماعة سوى الشيخين.
فتبين بذلك أن نقله عن أهل المدينة نقل ثقة حافظ، والله تعالى أعلم.
فيكون الجديد في التراويح في عهد عثمان ﵁ أنّ عليا بنفسه كان يؤم الناس فيها عشرين ليلة، وأنّه وجد دعاء ختم القرآن.
عهد علي ﵁:
أما عهد علي ﵁ فجاء في سنن البيهقي أنّه ﵁ جعل للرجال إماما وللنساء إماما، ولكنه كان يؤمهم بنفسه في الوتر؛ فعن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ قال: "دعا القراء في رمضان فأمر منهم رجلا أن يصلي بالناس عشرين ركعة، قال وكان علي ﵁ يوتر بهم"، قال البيهقي: "وروى هذا من وجه آخر عن علي".
فقد وجدنا هنا تجديدا في زمن علي حيث أنّه كان في عهد عثمان ﵁ يصلي بهم التراويح وفي العشر الأخير يقتصر لنفسه، وهنا نجد عليا ﵁ يصلي بهم الوتر.
أما إمام النساء في زمن علي ﵁ فهو عرفجة الثقفي كما عند المروزي، قال عرفجة الثقفي: "أمرني علي ﵁ فكنت إمام النساء في قيام رمضان".
ففي زمن علي ﵁ كانت التراويح عشرين والوتر ثلاث، وهذا أغلب الظن كما كانت في عهد عثمان ﵁، وعهد عمر ﵁، وأن الزيادة إنما أحدثت بعد عهد علي ﵁ أي الست والثلاثين المتقدمة.
وفي زمنه أيضا تولى هو الإمامة في صلاة الوتر على خلاف عثمان وعمر ﵄.
ما بين عمر وعثمان وعلي ﵃ إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
стр. 1171
مما تقدم يظهر للمتأمل أن عدد ركعات التراويح كان مستقرا إلى ثلاث وعشرين، منها ثلاث ركعات وترا كما في رواية يزيد بن الرومان عند مالك كما تقدم، قال: "كان الناس يقومون زمن عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة؛ وهو كما قال عنه في التقريب: يزيد بن الرومان المدني مولى آل الزبير ثقة من الخامسة، مات سنة ثلاثين أي بعد المائة، فيكون قد عني بزمن عمر فقط، وإلا لقال: "وعثمان وعلي".
وعليه تكون الزيادة التي وردت في روايات كل من معاذ القارئ وصالح مولى التوأمة أنها وجدت بعد عمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، لأنها محددة بما قبل الحرة، ولم تعين أي وقت كان قبلها.
فإذا كانت النصوص تحدد بثلاث وعشرين زمن عمر، وتظل تنص على ثلاث وعشرين أيضا من فعل علي في عهد علي فيكون من البين أن هذا العدد كان مستقرا وثابتا إلى زمن علي ﵁، وأن الزيادة إنما جاءت بعده، وقد استمرت إلى عمر بن عبد العزيز فيما بعد.
تحديد الزيادة التي طرأت على عهد علي ﵁:
١- أولا: جاءت رواية نافع مولى ابن عمر ﵁ كما تقدم عند الباجي أنّه قال: "أدركت الناس يصلون بسبع وثلاثين ركعة يوترون منها بثلاث".
أي أن التراويح زادت من عشرين إلى ست وثلاثين ماعدا الوتر ثلاث؛ ونافع مات سنة ١١٧ أي بعد وفاة عمر بن عبد العزيز ﵀ بست عشرة سنة، لأنّ عمر مات سنة ١٠١.
وقوله: أدركت الناس، يشير إلى أنّ ذلك من قبل خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد صرح بهذا العدد في عهد عمر بن العزيز ﵀ أبان بن عثمان أيضا، وداود بن قيس عند المروزي؛ قال: "أدركت المدينة في زمن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز يصلون ستا وثلاثين ركعة يوترون بثلاث، وفي بعض الروايات ويوترون بخمس".
وبالنظر في رواية داود بن قيس وإحدى روايتي نافع يتبين أن التروايح كانت في عهد عمر بن عبد العزيز ستا وثلاثين ركعة.
стр. 1172
وبالنظر في رواية معاذ القارئ وإحدى روايتي نافع الأخرى يتبين لنا أن تلك الزيادة وجدت قبل عمر بن عبد العزيز، لأنّ فيها أنّه كان يصلي إحدى وأربعين ركعة..
وإحدى روايتي نافع أنّه أدرك الناس يصلون ستا وثلاثين ويوترون بخمس ومجموعها إحدى وأربعون، فتتفق روايات كل من نافع وداود بن قيس وصالح مولى التوأمة على وجود إحدى وأربعين ركعة، منها الوتر بخمس، وأن ذلك من قبل عهد عمر بن عبد العزيز ﵁، وأنّه أقرها على ذلك.
وقد استمرت إلى ما بعده كما سيأتي من رواية وهب بن كيسان.
وقد قال الشافعي ﵀ في كتابه الأم: ج١ص١٤٢ ما نصه: "ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين، وأحب إلى عشرين لأنّه روي عن عمر، وكذلك يقومون بمكة، ويوترون بثلاث".
عهد الأئمة الأربعة ﵏
أولا: عهد مالك ﵀ إمام دار الهجرة:
لقد أدرك مالك ﵀ عمر بن عبد العزيز، وأدرك من حياته ثمان سنوات لأنّ عمر ﵀ مات سنة١٠١، ومالك ولد سنة٩٣، فكانت وفاة عمر بعد ولادة مالك بثمان سنوات أي حين كان مالك في أوائل طلب العلم، وقد جاءت النصوص أنّ عدد ركعات التراويح ستا وثلاثين أثناء وجود مالك؛ بل كانت موجودة وعمره أربع وثلاثون سنة كما في رواية وهب بن كيسان، قال: "ما زال الناس يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث إلى اليوم في رمضان"وقد مات وهب سنة١٢٧.
وقد نص مالك ﵀ بما هو أصرح من ذلك حيث جاء عن ابن أيمن عند المروزي قال مالك: "أستحب أن يقوم الناس في رمضان بثمان وثلاثين ركعة ثم يسلم الإمام والناس، ثم يوتر بهم بواحدة"، وهذا العمل بالمدينة قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة؛ فيفهم من قول مالك هنا: "وهذا العمل قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة"، أنّ التسع والثلاثين بما فيها الوتر كانت قبل عمر بن عبد العزيز، وأنّه العدد الذي أقره واستحبه مالك وأخذ به.
стр. 1173
ولذا كان يكره أن ينقص عن هذا العدد، كما روى ابن القاسم عنه قال: "سمعت مالكا يذكر أن جعفر بن سليمان أرسل عليه يسأله أننقص من قيام رمضان فنهاه عن ذلك، فقيل له: قد كره ذلك؟ أي قيل لابن القاسم قد كره مالك ذلك، قال: نعم..."راجع المدونةج١ص٢٢٢.
وقد قام الناس هذا القيام قديما، قيل له: فكم القيام؟ فقال: تسع وثلاثون ركعة بالوتر، وسيأتي نص مذهب مالك مفصلا في ذلك على حدة إن شاء الله، مع نصوص المذاهب الأربعة بعد، والمراد هنا ذكر حالة التراويح في عصره في المسجد النبوي.
وقد أدرك الشافعي مالكا وأخذ عنه، وجاء عن الشافعي أيضا هذا العدد في المدينة المنورة، قال الزعفراني عن الشافعي: "رأيت الناس يقومون بالمدينة تسعا وثلاثين ركعة".
أما مذهبه فأشار عليه بقوله عقب ذلك "وأحب إلي عشرون"، قال: "وكذلك يقومون بمكة"أي بالعشرين، قال: "وليس في شيء من هذا ضيق، ولا حد ينتهي إليه لأنّه نافلة فإن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وهو أحب إلي، وإن أكثروا السجود فحسن".
وسيأتي تفصيل مذهبه إن شاء الله عند ذكر المذاهب الأربعة في المسألة، وعليه فلا جديد في عدد الركعات، ولكن قد وجد جديد في نواح أخرى منها:
١- منها كيفية القراءة أي مقدارها، فقد كانت بعشر آيات في كل ركعة كما في رواية عبد الرحمن بن القاسم عند المروزي: "سئل مالك عن قيام رمضان بكم يقرأ القارئ؟ قال: بعشر عشر، فإذا جاء السور الخفيفة فليزد مثل الصافات، وطسم، فقل: له خمس، قال: بل عشر آيات".
ونص ابن وهب في المدونة الكبرىج١ص٢٢٣: "أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء يقومون بست وثلاثين ويوترون بثلاث، ويقرأ بعشر آيات في كل ركعة".
стр. 1174
بينما نجد في زمنه من يقرأ القرآن كل ليلة، قال مالك: "كان عمر بن جعد من أهل الفقه والفضل، وكان عابدا، ولقد أخبرني رجل أنّه كان يسمعه في رمضان يبتدئ القرآن في كل يوم، قيل له: كأنه يختم! قال: نعم، وكان في رمضان إذا صلى العشاء انصرف، فإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين قامها مع الناس، ولم يكن معهم غيرها"، فقيل له: "يا أبا عبد الله فالرجل يختم القرآن كله في ليلة؟ قال: ما أجود ذلك إن القرآن إمام خير أو إمام كل خير".ا. هـ
الجهر بالبسملة:
٢ـ ومنها أنّه وجد في زمنه هيئة افتتاح القراءة لم تكن من قبل، وهي الجهر بالبسملة والاستعاذة.
قال ابن وهب: "سألت مالكا قلت: أيتعوذ القارئ في النافلة؟ قال: نعم، في شهر رمضان يتعوذ في كل سورة يقرأ بها يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قيل له: ويجهر بذلك؟ قال: نعم؛ قيل له: ويجهر في رمضان بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: نعم".
وعن ابن القاسم: "سئل مالك عن القراءة إذا كبر الإمام افتتح بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟ قال: لا أعلمه يكون إلا في رمضان، فإن قراءنا يفعلون ذلك، وهو من الأمر القديم".
وقوله: هو من الأمر القديم يشهد له ما جاء عن أبي الزناد قال: "أدركت القراء إذا قرءوا في رمضان تعوذوا بالله السميع من الشيطان الرجيم ثم يقرؤون"، قال المروزي: "وكان إذا قام في رمضان يتعوذ حتى لقي الله لا يدع ذلك".
وأبو الزناد مات سنة ١٣٠هـ أي بعد عمر بن عبد العزيز وقبل مالك.
وجاء أنّ قراء عمر بن عبد العزيز كانوا لا يدعون التعوذ في رمضان، ولعل هذا هو مراد أبي الزناد بقوله أدركت القراء، يعني قراء عمر بن عبد العزيز، لأنّ بين وفاته ووفاة عمر بن عبد العزيز تسعة عشر سنة فقط.
стр. 1175
وظل هذا الأمر بعد أبي الزناد إلى سعيد بن إياس قال: "رأيت أهل المدينة إذا فرغوا من أم القرآن ولا الضالين، وذلك في شهر رمضان يقولون: "ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم".
أما حكم المسألة عند ملك فكما قال الباجي في شرح الموطأ: "مسألة: ولا بأس بالاستعاذة للقارئ في رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، وروى عنه أشهب في العتبية: "ترك ذلك أحب إليّ".
وقد وجه الباجي كلا الروايتين، والواقع أن البسملة كما قيل: إنها حرف أي جاءت رواية في القراءات السبع بإثباتها، وراية بإسقاطها، وهما عن نافع ﵀.
فرواية ورش ترك البسملة، وراية قالون عنه إثباتها وعليه البيت الآتي في القراءات:
قالون بين السورتين بسملا
وورش الوجهان عنه نقلا
ونافع هو قارئ المدينة، وعنه أخذ مالك، ومالك في ذلك رجح قراءة قالون، والرواية عن ورش التي فيها الإثبات.
أما ما يبدأ به القراءة في أول ليلة من رمضان فقد قال المروزي قال أبو حازم: "كان أهل المدينة إذا دخل رمضان يبدءون في أول ليلة بـ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ .
وأخبرني الشيخ حماد الأنصاري المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة أنّ هذا هو عمل البلاد إلى اليوم وقد تركهم يفعلونه قبل أن يهاجر إلى المدينة، وقد باشر هذا بالفعل حينما كان إماما في بلاده في التراويح، وأهل تلك البلاد كلهم على مذهب مالك.
مقارنة بين قيام أهل المدينة وأهل مكة في ذلك الوقت:
مما تقدم من كلام مالك أنّه يستحب أن يقوم الناس بثمان وثلاثين ويوترن بواحدة أي تمام تسع وثلاثين، مع ما تقدم من كلام الشافعي أنّه أدرك الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين؛ فإنّ ذلك كله يبين ما كان عليه القيام بالمدينة زمن مالك والشافعي.
ولكن الشافعي قال فيما تقدم: "وأحب إليّ عشرون"، وقال: "وكذلك يقومون بمكة"، ثم قال: "إنّه نافلة وليس في ذلك حد ينتهي إليه".
стр. 1176
ومن مجموع هذه الأقوال يثار سؤال وهو:
لم كان أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ويستحبه مالك، في الوقت الذي لا يقوم فيه أهل مكة إلاّ بعشرين وهو أحب إلى الشافعي؟
أما قول الشافعي ﵀: "وأحب إليّ عشرين، وأنّه قيام مكة"؛ فإنّ الظاهر والله تعالى أعلم أنّ الأصل أي ما كان عليه العمل زمن الخلفاء الثلاثة: عمر وعثمان وعلي ﵃، وعليه إجماع الصحابة أنهم قاموا بذلك العدد في المسجد، وقام به علي بنفسه في زمنه، أي أمر القارئ أن يصلي بعشرين وكان هو يوتر لهم، وقال أبو زرعة في طرح التثريب ج١ص١٩٨: "والسر في العشرين أن الراتبة في غير رمضان عشر ركعات فضوعفت فيه لأنّه وقت جد وتشمير".
وعلى كل فهو عمل يدخل في سنة الخلفاء الراشدين المهديين رضوان الله عليهم.
فكان أهل مكة عاملين بالأصل، وليس هناك موجب للزيادة على العشرين، وإن كانت كما قال الشافعي: "إنّه تطوع وليس في ذلك حد ينتهي إليه".
أما قيام أهل المدينة بست وثلاثين فهو زائد عن ذاك الأصل، وهو وإن كان تطوعا فلم يستحبه مالك؟ ثم ولم زاد أهل المدينة على ما كان الأصل مع أنّ المتوقع أن يكونوا هم أولى بالوقوف عند ما هو الأصل: عشرين ركعة.
والجواب عن ذلك ما حكاه النووي في المجموع شرح المهذب، وحكاه غيره من أن المسألة من باب الاجتهاد في الطاعة، والمنافسة في الخير، وأنّ الموجب الأساسي لذلك هو أن أهل مكة كانوا إذا تروحوا ترويحة قاموا إلى البيت فطافوا سبعا، وصلوا ركعتي الطواف، ثم عادوا إلى الترويحة الأخرى.
ومعلوم أنّ الترويحة أربع ركعات بتسليمتين وكانت الاستراحة تقع بين كل أربع ركعات فيكون لديهم فرصة للطواف أربع مرات بين التراويح، فأراد أهل المدينة أن يتعوضوا عن الطواف فجعلوا ترويحة مقابل كل طواف.
стр. 1177
قال النووي في المجموع ما نصه: "وأما ما ذكروه من فعل أهل المدينة فقال أصحابنا سببه أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين طوافا ويصلون ركعتين، ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة، فأرد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات فزادت ست عشرة ركعة، وأوتروا بثلاث فصار المجموع تسعا وثلاثين والله أعلم".
قال الزركشي وهو من أعلام المائة الثامنة في كتابه: (إعلام الساجد بأحكام المساجد) ص٢٦٠: ما نصه: "قال الماوردي والروياني: اختلفوا في السبب في ذلك على ثلاثة أقوال: أي سبب الزيادة على العشرين المذكورة:
أحدها: أن أهل مكة كانوا إذا صلوا ترويحة طافوا سبعا إلاّ الترويحة الخامسة فإنهم يوترون بعدها، ولا يطوفون فتحصل لهم خمس ترويحات وأربع طوافات فلما لم يكن لأهل المدينة مساواتهم في أمر الطواف الأربع، وقد ساووهم في الترويحات الخمس، جعلوا مكان كل أربع طوافات أربع ترويحات، زوائد فصارت تسع ترويحات، فتكون ستا وثلاثين ركعة لتكون صلاتهم مساوية لصلاة أهل مكة وطوافهم.
والثاني: السبب فيه أن عبد الملك بن مروان كان له تسعة أولاد فأراد أن يصلي جميعهم بالمدينة فقدم كل واحد منهم فصلى ترويحة فصارت ستا وثلاثين.
والثالث: أن تسع قبائل من العرب حول المدينة تنازعوا في الصلاة، واقتتلوا فقدم كل قبيلة منهم رجلا، فصلى بهم ترويحة فصارت سنة والأول أصح"، انتهى منه.
والظاهر أن السبب الحقيقي إنما هو الأول فقط لأنّ الثاني وإن كان يعطينا فكرة عن أبناء الأمراء والخلفاء ومنازل الشرف وميادين المنافسة بالتقدم إلى الصلاة بالناس في مسجد رسول الله ﷺ ، إلاّ أنه كان من الممكن حصول ذلك لهم بالتناوب لكل واحد ليلة، ويبقى العدد على ما هو عليه.
стр. 1178
أما الثالث: فهو فضلا عن أنّ فيه صورة العصبية فإنّه أبعد أن يكون في الصدر الأول، ولا سيما للمسجد إمام مسؤول عنه، وقد صلوا جميعا بصلاته فريضة العشاء، فكيف يتنازعون عليه في النافلة.
إختصاص أهل المدينة بهذا العدد:
وهل هذا العمل خاص بأهل المدينة أم لغيرهم لمن أراد المنافسة في الخير؟.
فقد ناقش العلماء هذه المسألة: فأكثر الشافعية يقولون هو خاص بهم.
قال الزركشي الشافعي في كتابه إعلام الساجد: في خصائص المدينة في المسألة العشرين: قال ما نصه: "قال أصحابنا وليس لغير أهل المدينة أن يجاوروا أهل مكة ولا ينافسوهم"انتهى.
وقال ولي الدين العراقي في طرح التثريب ج١ص٩٨ ما نصه: "وقال الحليمي من أصحابنا في منهاجه فمن اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين أيضا لأنهم إنما أرادوا بما صنعوا الاقتداء بأهل مكة في الاستكثار من الفضل لا المنافسة كما ظن بعض الناس".
والظاهر من مذهب المالكية أنفسهم أنها ثلاث وعشرون ركعة، أي في غير المدينة.
وجاء عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المجموع ج٢٢ص٢٧٢ في كلامه على قيام رمضان ما نصه: قال: "ثم كان طائفة من السلف يقومون أربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث وهذا كله سائغ فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن".
وعلى هذا فلا يقوم دليل على خصوصية هذا العدد بأهل المدينة إلاّ بالعمل وبالنقل على مدى الزمن إلى القرن السابع ومن ثم إلى أواخر عهد الأشراف وقبل العهد السعودي.
وقد تقدم أن سبب زيادة أهل المدينة على أهل مكة أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل ترويحتين سبعا ويصلون ركعتين سنة الطواف فجعل أهل المدينة مكان كل طواف ترويحة زائدة حتى بلغ عدد تراويحهم ستا وثلاثين.
стр. 1179
وهذا على إطلاقه يفيد أن هذا العمل أي الطواف كان لجميع أهل مكة، ولكن الواقع خلاف ذلك، وهو أنّ أهل مكة كانوا يصلون بأربعة أئمة للمذاهب الأربعة، ولم يكن يفعل ذلك أي الطواف بين التراويح إلا إمام الشافعية فقط، وهذا بناء على ما ذكره ابن جبير في رحلته وقد كان في مكة سنة٥٧٩ قال: "والشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهادا، وذلك أن يكمل التراويح المعتادة التي هي تسليمات ويدخل الطواف مع الجماعة، فإذا فرغ من السبع وركع عاد لإقامة تراويح آخر وضرب بالفرقعة الخطيبة ضربة يسمعها كل من في المسجد لعلو صوتها كأنها إيذان بالعودة إلى الصلاة فإذا فرغوا من تسليمتين ثم عادوا للطواف هكذا إلى أن يفرغوا من عشر تسليمات فيكمل لهم عشرون ركعة ثم يصلون الشفع والوتر وينصرفون، وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئا".
ومعلوم أن الشافعية في غير مكة لا يزيدون على ثلاث وعشرين ركعة، والعلم عند الله تعالى.
وبهذا العرض تنهي المائة الثانية ثم قد استهل عصر التأليف والتدوين والاجتهاد والاستنباط والأئمة الأربعة ﵏، وفي أوائل المائة الثالثة بدأ تميز المذاهب الأربعة، وسنفرد لهم فصلا نورد فيه مذاهبهم ﵏ كل مذهب على حدة وذلك في نهاية البحث إن شاء الله بعد الفراغ من العرض المسلسل تاريخيا، ونعقد مقارنة بين أقوال المذاهب في حكم التراويح وعددها والقراءة فيها وعمل الختم، وختم أهل مكة وختم أهل المدينة.
ثم نعقبه بمتنوعات عن التراويح مما يتم به العرض وبالله التوفيق وإلى المائة الثالثة.
стр. 1180
التقدم والرجعية (٢)
بقلم الدكتور تقي الدين الهلالي
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين
الرجعية في نظر الدول التي لا تدين بدين:
عبرت بالدول ولم أعبر بالشعوب، لأنّ حرية الفرد في شعوبها أمر مستهجن لا قيمة له، فلا سبيل إلى معرفة مقدار تمسك شعوبها بالدين أو عدمه، فلا نستطيع أن نحكم على حكامه فهم يزعمون أنّ الدين (أفيون) الشعوب؛ قالوا: "لأنّ الدين شيء لا تفهمه العامة فهو منحصر في رؤساء الكنائس وهؤلاء الرؤساء يستحوذون على الشعب بالترغيب والترهيب، ويتصرفون فيه وفي رؤسائه وأمرائه وسوقته حسب أهوائهم ويوجهونه إلى أي وجهة شاءوا كما تسوق الرعاة الأغنام".
ولو أنّ هؤلاء الحكام طالبوا بالتحرير من سلطان رجال الكنيسة ليختار الشعب الوجهة التي يريدها في عقيدته ونظامه وحكمه وعلمه ومعيشته وتعليمه وشؤونه الاجتماعية كما فعل الخارجون على الكنيسة البابوية لربما كان قولهم مفهوما؛ ولكنهم يدعون إلى محو سلطان الكنيسة الذي يخوف الناس بعذاب الله ويبشرهم بالسعادة الروحية بعد الموت، ليقيموا بدله سلطاننا ماديا تحت لمعان السيوف والنفي والقتل والتعذيب وكتم الأنفاس وكبت الحريات ومضايقة الناس في أرزاقهم وأعمالهم وتعليمهم ومساكنهم وأطعمتهم وإقامتهم.
والطامة الكبرى أنّهم يفرضون عليهم دينا آخر وعقيدة أخرى لا يقولون لهم أنها جاءت من الله ولا من الرسل ولا من الأنبياء، ولكن من أشخاص مثلهم من أبناء جلدتهم ومن يتجرأ على رفض شيء من تلك العقائد فالويل له ماذا ينتظره من العذاب المهين أو الموت الزؤام فهم ينقلونهم من ضيق إلى أضيق ومن دين غير مفهوم بادعائهم إلى عقائد غير معقولة يجزمون ببطلانه ويكرهونها ولا يجدون عنها محيصا فهم كما قال الشاعر:
المستجير بعمرو عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنار
стр. 1181
وإن كان القسيسون يبشرون أتباعهم بنعيم الفردوس فتمتلئ أرواحهم سعادة وغبطة، ولا يأخذون من أموالهم إلاّ ما تبرعوا به عن طيب نفس؛ فإنّ الحكام التقدميين يسلبونهم كل شيء، ولا يبيحون لهم أن يملكوا شيئا: لا مسكنا، ولا حيوانا، ولا شبر أرض يزرعونه، ولا تجارة، ولا صناعة يستغلونها، ولا يتعلم الطلبة من العلوم إلا ما يشتهون أعني الحكام، ولا يلقي مدرسا درسا في علم من العلوم الاجتماعية أو يكتب كلمة في كتاب أو صحيفة أو رسالة في البريد، بل لا يتكلم بكلمة أمام رفاقه بل أمام أهل بيته إلاّ إذا وزنها بميزان الذهب خوفا من أن تكون مخالفة للتعليم والقوانين والعقائد الاشتراكية فتخطفه الزبانية.
وإذا أراد الحكام تسلية عامتهم وتبشيرهم حدثوهم بمتخيلات لا يمكنهم تصديقها أبدا يقولن لهم:
نحن الآن في البداية، وكل بداية صعبة كما يقول المثل الألماني، فاصبروا على قلة الغذاء، وضيق المسكن، وخشونة الملبس، وكثرة ساعات العمل وقسوته وصعوبته، فسيأتي زمان هو المقصود بالذات إن لم ندركه نحن فستدركه الأجيال المقبلة، وحينئذ لا يشتغل العامل إلاّ خمس ساعات في اليوم والليلة، ولا توضع أقفال على مخازن الطعام والثياب، وتكون الأموال مشاعة بين أبناء الشعب كل واحد يأخذ لنفسه منها ما شاء ويشتغل إذا شاء، وينام إذا شاء، ويسافر أين شاء، ويلبس ما شاء، ويركب ما شاء.
وهذا التبشير من السادة الحاكمين وأذنابهم وأبواقهم يجب على المحكومين وهم عامة الشعب أن يتلقوه بالتصفيق والهتاف والتمجيد، وإلاّ توجه إليهم تهمة خطيرة وهي الرجعية والبرجوازية والميل إلى الرأسمالية وما أشبه ذلك، ولو كان أولئك العامة يستطيعون التعبير عما في ضمائرهم لأنشدوا قول ابن فراس:
معللتي بالوصل والموت دونه
إذا مت ظمآنا فلا نزل المطر
стр. 1182
فالتقدم عند هؤلاء الحكام ينحصر في إمامين مقدسين معصومين من الخطأ، جميع آرائهما حق، وليس لأحد أن يفسر هذه الآراء إلا الحكام الحاضرون، ولو فرضنا أنّ هؤلاء الحكام استبدلوا بحكام آخرين لم يبق لهم صلاحية للتفسير، وما فسروه من قبل لا تلزمه العصمة من الخطأ، وقد ينسخ كله دفعة واحدة، والقول ما يقوله الحكام الحاضرون، وكل شيء يخالف آراء الإمامين حسب تفسير الحكام الحاضرين فهو رجعية تتنافى مع التقدم.
ولو فرضنا أنّ حاكما فسر شيئا من آراء الإمامين اليوم لوجب على الشعب كله بعلمائه وحكمائه وكتابه أن يتلقى تفسيره بالقبول والتقديس؛ وإلاّ كان رجعيا، وإن لم ينته يكون خائنا، فلو عزل ذلك الحاكم غدا لأصبح تفسيره عديم القيمة مرغوبا عنه، بل قد يكون منكرا وضلالا، وهذا كله شاهدناه بأعيننا وسمعناه بآذاننا، ولكننا لم نفهمه والله المستعان.
كنت في برلين الغربية أتيمم للصلاة، لأنّي كنت مريضا لا أقدر على استعمال الماء، فرآني شاب من برلين الشرقية، فقال لي: "ماذا تصنع؟ "فقلت: "هو ما ترى"، فقال: "وهل هذا من الدين؟ "، قلت: "نعم"؛ قال: "هذا شكلي لا معنى له ولا فائدة، أما الوضوء ففيه تنظيف للأعضاء المغسولة، وأما المسح بالتراب فليس فيه إلاّ التلويث".
فقلت: "سمعتك تذكر أن - ستالين - ألف كتابا في التربية وتثني على ذلك الكتاب مع أن ستالين رجل عسكري، قضى عمره كله في المراتب العسكرية، ولم نسمع أنّه كان يوما ما معلما ولا مدير مدرسة ولا مشتغلا بالتربية، فمن أين جاءه علم التربية حتى ألف فيه كتابا نفيسا!؟؛ فثناؤك عليه شكلي وتقليد، وإنما أثنيت على كتابه الذي ألفه في علم التربية لأنّه رئيس دولة وزعيم حزب، فشهادتك له تملق محض.
أما معنى التيمم فهو معنى الصلاة، فإنّ الله غني عن العالمين، فإذا عظموه بالصلاة والدعاء والتمسح بالتراب فإنّما ذلك لتزكية نفوسهم وتكملتها".
стр. 1183
وبعد موت ستالين أسقطه خلفه من درجة التقديس، وظهرت له ذنوب، وأخطاء كثيرة، وهذا الخلف نفسه شرب بالكأس نفسها.
وحاصل ما تقدم أن الدول التي لا تدين بالنصرانية تقدس نحلتها وتعدها تقدما، وتعد كل ما خالفها رجعية أو برجوازية، وتذم كل مخالف، ونحن لا نستطيع أن نفهم أن سويسرا مثلا رجعية أو ناقصة التقدم.
الرجعية عند الشعوب العربية في العصور الأخيرة:
اعلم أنّ العرب في هذا الزمان أعني دولتهم منقسمون إلى قسمين:
قسم يسمون أنفسهم تقدميين واشتراكيين فإذا قيل لهم: هذا لفظ مبهم، فأي اشتراكية تعنون؟ يقولون: نعني الاشتراكية العربية.
فيقال لهم: إن العرب كانوا بعد جاهليتهم لا يعرفون إلا الإسلام، ولا يدعون إلاّ إليه ولا يتبعون إلاّ القرآن وسنة النبي ﷺ ، ولفظ الاشتراكية غير موجود في الكتاب والسنة، ولم نر لهم تعريفا جامعا لهذه النحلة، ولا حدا يحد بها.
أما الأعمال التي يقومون بها ويعلنون أنّها من مفاهيم الاشتراكية فإنهم يختلفون فيها، أما إن كانوا يعنون بالاشتراكية المستوردة من أوروبا ففي أوروبا نوعان من الاشتراكية:
الاشتراكية التي هي مقدمة الشيوعية، كما في شرق أوروبا وفي يوغوسلافية والصين ماعدا فرموزة وألبانيا والأحزاب الشيوعية في الشعوب الأوروبية.
والاشتراكية الديمقراطية: كاشتراكية حزب العمال في بريطانيا وألمانيا وبلجيك وفرنسا وغيرها.
стр. 1184
وهناك اشتراكية انقرضت وهي الاشتراكية الوطنية التي كان عليها هتلر وموسوليني، وأظن أن هذه الاشتراكية هي التي تلهج بها بعض الدول العربية فهي إلى اشتراكية هتلر أقرب وأشبه، مع فارق عظيم وهو أن الشعب الألماني الذي كان من وراء هتلر شعب عظيم في مقدمة شعوب الحضارة والعلم والمدنية العصرية، بخلاف شعوب تلك الدول؛ فإنها لم تبلغ في ذلك نصيبا يذكر، فهي مما يسمى على سبيل التفاؤل بالشعوب النامية، كما يسمى اللديغ سليما، ولذلك كان لاشتراكية هتلر نجاح مؤقت في جميع الميادين بخلاف هذه الدول فإننا إلى الآن لم نشاهد لها شيئا من النجاح الذي كان للحزب الناتسي، أما الحرية والديمقراطية بمعناهما الصحيح فإنّ نصيب هذه الدول منهما أقل من نصيب الحزب الناتسي.
والقسم الثاني: ممالك وإمارات وهذه الممالك والإمارات سائرة على ما كانت عليه من قبل لم تتخذ لنفسها اسما جديدا، وكلها تأخذ بأسباب الحضارة على حسب ما تسمح لها أحوالها ومقدراتها، وكلها تدعو إلى التعاون والتآخي بين العرب، ولا تنكر الوحدة إذا سارت في طريقها الطبيعي مرحلة بعد مرحلة، وإنما تنكر العدوان والتدخل في الشؤون الداخلية أن يقع من دولة في شؤون دولة أخرى، وهذا هو المعقول الممكن، على أنني لا اهتم كثيرا بهذه الوحدة إلا إذا كانت مبنية على قواعد الإسلام، وكذلك لا أهتم بالعرب إلاّ إذا كانوا مسلمين قولا وفعلا.
وآية ذلك أن يتبعوا القرآن وما صح من سنة النبي ﷺ ، ويكونوا أمة واحدة كما كانوا في دولة النبي ودولة الخلفاء.
стр. 1185
ولا فرق بين عربي وغير عربي عندما قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ, إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ، ولم يقل: وإن طائفتان من العرب اقتتلوا، ولا قال: إنّما العرب إخوة.
وليس مقصودي غمط حقوق الجماعات العربية التي تدين بالإسلام؛ فإنّ ذلك ظلم، والله لا يحب الظالمين، بل نعامل المواطنين من العرب غير المسلمين بالعدل والإحسان إلى أن يطمئنوا على حقوقهم ويثقوا بمواطنيهم المسلمين كل الثقة ويأمنوا بآرائهم؛ لأنّ الإسلام دين الرحمة والمحبة والعدل قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، وبحكم الاقتداء بالنبي ﷺ يجب على أمته أن يكونوا رحمة للعالمين.
ثم إنّ للعرب غير المسلمين على العرب المسلمين حق القرابة وصلة الرحم، والمخالفة في الدين لا تسقط هذا الحق ولو طبق العرب المسلمين مع العرب غير المسلمين ما جاء به الإسلام لما احتاجوا إلى أن يوجسوا في أنفسهم خيفة أو يطلبوا حماية من الدول النصرانية الأجنبية، أو أن يؤلفوا أحزابا على أسس تنقض عرى الإسلام وتقضي على الإخوة الإسلامية ليشغلوا المسلمين بها ويشتتون شملهم ويفرقوا جمعهم كما هم الواقع في بعض الأقطار العربية، وهذه الدول التي تسمي نفسها تقدمية اشتراكية تظهر عداوة شديدة للمالك والإمارات لا لشيء إلاّ لأنها لم توافقها على مذهبها الجديد.
стр. 1186
ومن عداوتها لها أنّها تسميها رجعية تريد أنها بمجرد تسميتها نفسها تقدمية واشتراكية وجدت طريق السعادة وسلكته، وهي تريد من تلك الممالك أن تجد هذا الطريق وتسلكه معها، فإن لم تفعل استحقت القطيعة والهجران والمكايد وتربص الدوائر زيادة على الشتائم التي تصب عليها ليل نهار.
وحجة هذه الممالك في رفضها لما عرض عليها من هذا المذهب الجديد أنّها ليست كاليتامى القاصرين أو الصبيان السفهاء حتى تطمع الدول الاشتراكية أن تضع نفسها في مقام الوصاية والتربية والتأديب والإشراف والنظر في مصالحها.
ثم إنّ هذه الممالك والإمارات لم تر شيئا من التقدم والتحسن على تلك الدول ولا على شعوبها بعد انتحالها للنحلة الجديدة، لا في العقائد، ولا في الأخلاق، ولا في الاقتصاد، ولا في السياسة، ولا في القوة الحربية، ولا في الروابط الاجتماعية، بل عكس ذلك هو الواقع، وهي مع ذلك تدعو إلى روابط الأخوة والصداقة، وتبادل المصالح والمنافع، وتنشد قول طرفة:
فمالي أراني وابن عمي مالكا
متى أدن منه ينأى عني ويبعد
ولما كان الاستطراد من طبعي الذي لا أنفك عنه، وأعلم أنّ أكثر المستمعين يصعب عليهم فهم هذه الأبيات التي هي من الأدب الجاهلي العالي، أردت أن أشرحها لهم ليتمكنوا من فهما ويلتذوا بإنشادها.
يقول في هذا البيت: ما بال ابن عمي مالكا كلما أردت أن أتقرب إليه وأتودد إليه يجفوني ويبعد عني؟
وآيسني من لك خير طلبته
كأنا وضعناه إلى رمس ملحد
يقول: قنطني ابن عمي هذا من كل خير طلبته حتى كأنّه ميت لا يرجى خيره.
على غير شيء قلته غير أنني
نشدت ولم أغفل حمولة معبد
يقول: ثم إنّ الجفاء هذا الذي وقع من ابن عمي لم يكن له سبب فإنني لم أسيء إليه لا بقول ولا بفعل، ولكني طلبت إبل أخي معبد وبحثت عنها حتى وجدتها ولم أهملها، ولا يعقل أن يكون هذا سببا للعداوة والجفاء.
وقربت بالقربى وجدك أنه
стр. 1187
متى يك أمر للنكيثة أشهد
يقول: ولم أقصر في مراعاة واجبات، وأقسم بحظك وحقك أيها المخاطب أنّه لا يصيب ابن عمي أمر يجهده ويكربه إلاّ حضرت ونصرته ودافعت عنه.
وإن أدع للجلى أكن من حماتها
وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد
يقول: متى دعوتني إلى الأمر العظيم الذي ينزل بك أبادر إلى حمايتك من مكروه وإن جاءك الأعداء يبغون قتالك بجهدهم وقوتهم أبذل كل جهد في دفعهم عنك.
وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم
بشرب حياض الموت قبل التهدد
يقول: وإن طعن الأعداء في عرضك وأرادوا أن يخدشوا شرفك وأساءوا إليك بقول الفحش أذيقهم الموت وأباغتهم به قبل التهديد والوعيد، أو الإنذار والتحذير.
بلا حدث أحدثته وكمحدث
هجائي وقذفي بالشكاة ومطرد
يقول: إن ابن عمي مالكا يعاملني بهذه المعاملة القاسية بدون ذنب فعلته كأنني مذنب فيهجوني ويذمني ويشكوني ويصيرني طريدا بعيدا.
فلو كان مولاي امرءا هو غيره
لفرّج كربي أو لأنظرني غد
يقول: فلو كان ابن عمي رجلا آخر من أهل المروءة لكشف عني المكروه كما أكشفه عنه أو لأمهلني على الأقل إلى المستقبل حتى يتبين لي صدقي في مودتي ولم يقابل إحساني بالإساءة.
ولكن مولاي امرؤ هو خانقي
على الشكر والتسآل أو أنا مفتدى
يقول: ولكن ابن عمي رجل يضيق علي مع شكري له والسعي في إرضائه وابتغاء الإحسان منه يعاملني معاملة العدو الذي يعمد إلى خنق عدوه إلاّ أن يفتدي نفسه بمال أو نحوه.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند
والظلم وإن كان يؤلم من القريب والبعيد فإنّه من القريب أشد إيلاما وأكثر مرارة من الضرب من السيوف القواضب.
فذرني وخلقي أنني لك شاكر
ولو حل بيتي نائيا عند ضرغد
стр. 1188
يقول: فاتركني يا ابن عمي على طبيعتي وحسن عشرتي فإني لا أقابل إساءتك بمثلها، وهذا هو الواجب عليك وسأشكرك عليه كأنه نعمة أسديتها إليّ، ولو كنت بعيد الديار أسكن في جبل ضرغد.
ألفاظ يتبجح بها كثير من الناس في هذا الزمان كالثورة والجمهورية والديمقراطية والحرية:
وقد شرحتها في مقال: (أيها العرب لا تتخذوا التفرقة وسيلة إلى الوحدة) .
وقد نشر في صحف كثيرة منها مجلة البعث، ومجلة الإيمان المغربية؛ ولذلك لا أطيل القول في شرح هذه الألفاظ.
فالثورة: هي خروج الشعب على حاكمه أو حكامه إذا أساءوا التصرف وجاروا وظلموا، أو لم يكونوا أهلا للأمانة التي جعلت في أيديهم كما وقع في الثورة الفرنسية وفي ثورة سكان الولايات المتحدة الأمريكية على حكامهم البريطانيين؛ فإذا توفرت أسباب الثورة، وكان القائم بها هو الشعب، وكان قادتها مخلصين مصلحين لا يريدون بثورتهم رئاسة ولا مالا، وإنما يريدون رفع الجور وإزالة الفساد وتحرير الشعب، فإن الثورة يكتب لها النجاح وتؤتي أكلها.
أما إذا كان القائمون بها عصبة لهم مآرب وأغراض قد أوغر صدورهم الحسد وتراءت لهم الأماني فأوقدوا نيران الثورة وأعملوا السلاح في شعبهم وسفكوا الدماء ليتوصلوا للمراتب التي لم يزالوا يمتنونها؛ فقد يتفطن لهم القابضون على زمام الحكم ويخمدون أنفاسهم ويصيرون مسخرة للساخر ويخسرون كل شيء، وقد لا يتفطنون لهم فتنجح الثورة نجاحا مؤقتا إلى أن تسنح الفرصة لعصبة أخرى فيقبضوا عليهم ويسقونهم بالكأس التي سقوا بها غيرهم، فيقال فيهم ما قيل في أبي مسلم الخرساني:
ظننت أن الدين لا يقتضي
فاستوف بالكيل أبا مجرم
أشرب بكأس كنت أنت تسقي بها
أمر في الحلق من العلقم
стр. 1189
ويستمتع أصحاب الثورة الثانية بالحكم ما شاء الله أن يستمتعوا حتى تتمكن منهم عصابة أخرى فتثب عليهم وثبة الأسد الذي كان مريضا فجاءه الثعلب بالحمار للمرة الثانية فلم يفلته وهكذا دواليك.
فبشر الشعب الذي أصيب بمثل هذه الثورات بعذاب أليم، ومن يمدح مثلها أو يتمنى حدوثها في وطنه فهو غاش لقومه ساع في هلاكهم.
الجمهورية:
أما الذين يمدحون الجمهورية لذاتها، فليسوا أقل ضلالا من الذين يمدحون الثورة لذاتها بقطع النظر عن العواقب والنتائج، إذا كان الشعب جاهلا منحطا في أخلاقه ليس له رابطة متينة تربط بين أفراده وطوائفه، قد ساد فيه الغش وقل فيه الإخلاص وخربت الذمم؛ فإنّ لا يصلح للحياة السعيدة لا بالنظام الملكي ولا بالنظام الجمهوري لأنّ الرؤساء الذين كانوا يحكمونه في العهد الملكي هم أنفسهم الذين يحكمونه في العهد الجمهوري؛ ولا يعقل أن يكونوا في العهد الملكي ذئابا يعيثون فسادا ثم ينقلبوا في العهد الجمهوري ملائكة أبرارا.
وأنا أظن أن الملكية إذا كانت ثابتة الأساس قد أذعن لها الشعب وانخرط في سلكها منذ زمان طويل، وكان ذلك الشعب منحطا في أخلاقه جاهلا أنّ الملكية خير له من الجمهورية، لأنّ الملك يجمع كلمته ويوحد صفوفه، ويحفظ أهله من أن يصيروا فوضى كغنم بلا راع.
أما إذا كان الشعب رشيدا، وكان رؤساؤه ذوي علم وحكمة ونزاهة وإخلاص وأخلاق سامية، فإنهم ينجحون، سواء أصاروا على النظام الملكي أم على النظام الجمهوري؛ والواقع يشهد بهذا.
стр. 1190
فبريطانيا بنظامها الملكي تتمتع بسعادة اجتماعية ورفاهية واستقرار، تحسدها عليه كثير من الجمهوريات، ولا يفكر أحد من حكمائها وقادتها باستبدال النظام الملكي، والانتقال إلى الجمهورية، وهذا الرضا والاطمئنان لا يختص بالبريطانيين فقط، بل هناك شعوب راقية سعيدة في حياتها، ديمقراطية في سلوكها حرة في تصرفاتها قد ربطت مصيرها بهذه الدولة الملكية شعوب (كمونويلث) ككندا واستراليا ونيوزيلندا وغيرها ممن يدور في فلكها، وهناك ممالك أخرى قد ذكرتها من قبل في غاية الاستقرار والرفاهية.
ومن زعم أنّ الجمهورية مرغوبة لذاتها أو ضرورية لكل شعب فإنّ زعمه باطل لا يثبت أمام النقد إلاّ كما يثبت الثلج في السهول إذا أشرقت عليه شمس الربيع؛ إذا فالشأن كل الشأن أن يكون رؤساء الشعب علماء حكاما، مخلصين صالحين فعلى أي نظام كانوا فإنّهم يقودون سفينة شعبهم إلى شاطئ السلامة.
ونحن نرى الشعوب المختلفة في نظام الحكم متعاونة متصافية بغاية الإخلاص كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فقد مضى على تعاونهما في السلم والحرب زمن طويل، ولم تحاول إحداهما أن تقلب الأخرى إلى نظامها.
إذا فهذه الحزازات التي توجد في نفوس الحكومات العربية والجمهورية وما يعتريها من الاشمئزاز والكراهية للنظام الملكي حتى ربما أنّها تسعى في إسقاطه وتبالغ في شتمه وتصفه بالرجعية كل ذلك خطأ فاحش لم يعالجه طبيب ولا راق، والاستمرار فيه يتنافى مع المصلحة العامة لتلك الشعوب ويفضي إلى عواقب وخيمة.
الديمقراطية:
الإسلام نظام كفيل بسعادة كل من تمسك به من جماعات وأفراد ودول، ولا يحتاج أن يستعير من غيره شيئا، وهو لا يتفق مع نظام رأس المال، ولا مع الشيوعية، ولا مع الاشتراكيات بأنواعها.
стр. 1191
وقد سبق إلى كل خير يوجد في هذه النظم، وتجنب كل شبر فيها، فإذا وصفت الأمة بأنها ديمقراطية فقد جهلتها وجهلت عليها؛ فالإسلام مبني على العدل والإحسان وفيهما سعادة البشر أجمعين.
أما دعاة الديمقراطية في هذا الزمان فإنهم يصفونها بأن يحكم الشعب نفسه بنفسه بواسطة الانتخاب العام، فكل جماعة من الناس تختار نائبا يمثلها أو ينوب عنها في مجلس يسمى: البرلمان؛ وهذا المجلس هو الذي يختار رئيس الوزراء ويعينه، ورئيس الوزراء يختار نوابه من أولئك النواب أو من غيرهم بموافقة المجلس، وكل فرد من أفراد الشعب له الحق أن ينتقد النواب والوزراء ورئيسهم في حدود القانون الذي يمنع التعدي والظلم، وهذا القانون يضعه علماء إختصاصيون ويقره المجلس.
قالوا: وهذا أرقى ما وصل إليه العقل البشري في الحرية والمساواة فكل من وقع عليه الظلم يستطيع أن يدفعه عنه بواسطة نائبه، وكذلك من تعسر عليه الوصول إلى حق يستعين بنائبه على الوصول إليه.
وحرية الاعتقاد والانتقاد في ضمن القانون وإبداء الرأي وسائر الحريات مكفولة فلا يعاقب أحد بحبس أو غرامة إلاّ إذا خالف القانون المتفق عليه.
وتوزع الحقوق والواجبات بالتساوي، فلا يعفى من الواجبات أحد كيف ما كان مركزه، فيكون كل فرد آمنا مطمئنا على نيل حقوقه لا يحتاج إلى تملق ولا تعلق، فلا يخاف الإنسان إلا مما قدمت يداه.
ومع هذا التحري كله فقد يقع الغش في الانتخاب، فإن مالك المزرعة ومالك المعمل إذا رشح نفسه للنيابة يشعر الفلاحون والمزارعون بأنّ من اللياقة أن ينتخبوا مالك مزرعتهم ويشعر العمال كذلك أنّه ينبغي عليهم أو يجب عليهم أن ينتخبوا مالك معملهم فيختل ميزان المساواة.
стр. 1192
وهناك سبب آخر لامتعاض الناس في البلدان (الديمقراطية) وهو وجود الأحزاب المختلفة كالمحافظين والعمال والأحرار؛ فالمحافظون يرون إعطاء الحرية أفراد الشعب كيف ما كانت كسكك الحديد والمعدن والمصانع الكبرى ويقولون: إن ذلك هو الأصلح لشعبهم ليتنافس أفراده وجماعاته، كالشركات مثلا في العمل لتكثير المنتوجات واستثمار البلاد واستخراج كنوزها، وبذلك يقع الازدهار والتقدم في جميع الميادين.
ويقول العمال الاشتراكيون: إن البلاد كلها بثمراتها ومعادنها وكنوزها ملك للشعب كله؛ فيجب أن تكون منابع الثروة الكبرى في يد الحكومة لئلا يستولي عليها أفراد قليلون يحتكرونها ويستحوذون على الأرزاق خصوصا مع إباحة الربا فتصير جماهير الشعب الكادحة التي بعرق جبينها استخرجت تلك الأموال والأرزاق خدما وعبيدا لفئة قليلة من ذوي رؤوس الأموال المحتكرين.
وتتهم الأحزاب بعضها بعضا بعدم النزاهة في الانتخاب، ولكن لما كانت الأحزاب متعددة يكون من السهل على كل حزب أن يكتشف ويفضح دسائس الحزب الآخر، فيزول الحيف ويقع التوازن.
فحزب العمال يبذل جهده في تأميم المنابع الكبرى، وحزب المحافظين يبذل جهده في ترك الناس أحرارا في المضاربة والاستثمار، وكل منهما يرى أن وجهته أفضل لشعبه؛ وقد ساروا على هذا منذ زمان طويل ورضوا به واعتقدوا أنّه أفضل ما يقدم البشر عليه من العدالة.
стр. 1193
وهناك استعمال آخر للديمقراطية وهو استعمالها لفظا مرادفا لاشتراكية الشيوعية، وهذا الاستعمال دعاية مجردة غير معقولة، لأنّ كل شعب يحكم بنظام الحزب الواحد لا يمكن أن يكون ديمقراطيا، وحتى ذلك الحزب الواحد لم ينتخبه الشعب، وإنما طائفة تسلطت عليه بالقهر والغلبة وأسرته واستعبدته شر استعباد وصارت تتكلم باسمه، وتستخدمه بلا رحمة ولا شفقة، وقد سبته جميع الحريات: حرية الكلام، حرية الاعتقاد، وحرية العمل وحرية الإضراب عن العمل وحرية المطالبة بزيادة الأجور، أو بزيادة الطعام أوالكسوة أو التدفئة، وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ما تقاسيه هذه الشعوب المخنوقة المستعمرة شر استعمار.
الحرية:
ومن العجب أنّ هؤلاء الجبابرة الذين يحكمون شعوبهم بالحديد والنار حكما كله دماء ودموع، وقهر وكبت، وإذلال وإهانة، ومع ذلك يتغنون بالديمقراطية والحرية وهم يعلمون أنهم أبعد الناس عن الحرية والديمقراطية، ولكن كما قيل في المثل وهو مأخوذ من الحديث الصحيح: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وعليه يقال: إذا لم تستح فقل ما شئت، ونظمه بعضهم فقال وأجاد:
إذا لم تخش عاقبة الليالي
ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير
ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
ومن أراد زيادة الاطلاع على ما كان عليه الأوروبيون إلى زمان قريب جدا من الانحطاط والهمجية، وما كان عليه المسلمون في الأندلس في زمن العلم والحضارة والرقي الحسي والمعنوي؛ فليقرأ كتاب: (مدنية العرب في الأندلس) ، الذي ترجمه كاتب هذه المحاضرة بالعربية لمؤلفه الذائع الصيت (جوزيف مكيب) ، ولا تزال عندي منه بعض مئات، وهذا ما بدا لي إيراده في بيان ما يسمى بالرجعية والتقدم، كتبته تبصرة لإخواننا المسلمين الذين لا يعرفون ما ينطوي تحت هاتين الكلمتين من الغش والتضليل؛ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
إستدراك:
стр. 1194
لما فرغ القارئ من قراءة محاضرتي، قام صاحب الفضيلة الأستاذ المرشد العربي الموفق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله فأشار بتلطفه المعهود وأدبه السامي إلى أنّه قد يفهم مما قلته في عموم المسلمين الذين يعملون السيئات وغيرها كالحكم بغير ما أنزل الله، وقد عذبهم الله في الدنيا كما أوعدهم في كتابه وسيعذبهم في الآخرة أكثر مما عذبهم في الدنيا، ولم أستثن في ذلك شعبا من الشعوب ولا دولة من الدول حتى كأنهم متساوون في الجريمة.
وكان ينبغي لي أن استثني من قام منهم بشيء من الواجب على قدر استطاعته؛ وهذا حق فإن الشعب السعودي والمملكة السعودية بقيادة ملكها الإمام المصلح جلالة الملك فيصل والأئمة السابقين من أسلافه ﵏ لم يزالوا يحكمون شريعة الله، ويتخذون القرآن إماما والسنة سراجا، يضيئان لهم ظلمات الحياة الدنيا بانتشار الأمن على الأنفس والأموال والأعراض في بلادهم إلى حد لا يوجد له نظير في الدنيا، حتى إني لما كنت في ألمانيا قبل الحرب وقبل تقسيمها وهي في عنفوان قوتها، وحدثت الناس هناك بالأمن الذي يتمتع به سكان المملكة السعودية تفصيلا سألوني: أين يتخرج رجال شرطة هذه المملكة رؤساؤها؟ فقلت: يتخرجون في مدرسة القرآن في المسجد؛ فأبدوا شكهم في ما أخبرتهم به، وقالوا: لا يوجد في الدنيا أحسن من الشرطة الألمانية ومع ذلك لا يوجد عندنا مثل ما ذكرت من الأمن!
وهذا الثواب المعجل في الدنيا يدل دلالة قطعية على أنّ الله الذي لا يخلف الميعاد سيثيب إمام هذه الدولة وأسلافه ورجال دولته وأعوانه المخلصين في الدار الدنيا كما قال تعالى في سورة النحل٣٠: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ, جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ﴾ .
стр. 1195
وأشهد بالله أني لما دعاني سمو الأمير مساعد بن عبد الرحمن إلى الحج سنة سبع وخمسين بتاريخ النصارى، وأظنه يوافق سنة ست وسبعين للهجرة، كنت راكبا في طائرة سويسرية من بغداد إلى الظهران، وكانت المضيفة من القسم المتكلم بالألمانية من سويسرا؛ فأخذت تدور على ركاب الطائرة، لما أرادت أن تدخل في سماء المملكة العربية السعودية وتقول لهم لا يطلب أحد منكم خمرا حتى نجتاز المملكة السعودية، ولا يجوز لأحد منكم أن يمسك زجاجة خمر ولو فارغة؛ فإنّ الحكومة السعودية تعاقبنا على ذلك، وتكلمت معي باللغة الألمانية لأنها عرفت من قبل أني أتكلم بها، وشرحت لي خوف قائد الطائرة وجميع الموظفين من رجال المملكة السعودية، وأنهم لا يتساهلون مع أي طائرة يجدون فيها شرابا مسكرا ظاهرا؛ قالت: فنحن نخبئ جميع الأشربة المسكرة حتى القوارير الفارغة إلى أن نخرج من هذه المملكة، فأخبرتها أني مسلم وأن عقيدتي والحمد لله مطابقة لهذا الحكم، وأنا أحمد الله على وجود مملكة في الدنيا تنفذ هذا الحكم.
ونحن نشاهد شريعة القرآن تنفذ على رؤوس الأشهاد، في هذه المملكة الفذة، فيقتل القاتل المتعمد، ويرجم من الزناة من يستحق الرجم، ويجلد من يستحق الجلد مع التغريب، وتقطع يد السارق، ويقام الحد على الشارب، ولا يحكم حاكم في جميع أرجائه إلاّ بشريعة القرآن، فكيف يستطيع مسلم أو منصف أن يسوي بينهما وبين من يحل ما حرم الله، ويحكم بغير ما أنزل الله.
следующие страницы →