← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ومن علاج السحر أيضا وهو من أنفع علاجه بذل الجهود في معرفة موضع السحر في أرض أو جبل أو غير ذلك فإذا عرف واستخرج وأتلف بطل السحر. هذا ما تيسر بيانه من الأمور التي يتقى بها السحر ويعالج بها والله ولي التوفيق. وأما علاجه بعمل السحر الذي هو التقرب إلى الجن بالذبح أو غيره من القربات لا يجوز لأنه من عمل الشيطان بل من الشرك الأكبر فالواجب الحذر من ذلك وفق الله المسلمين للعافية من كل سوء وحفظ عليهم دينهم إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1122

أين القمر؟ للشيخ حماد بن محمد الأنصاري المدرس بكلية الشريعة أقوال السلف تومئ إلى أن القمر وغيره من الكواكب في فلك دون السماء الحمد لله وكفى، وصلى الله على المصطفى، وبعد: فعلى إثر الحادثة التي تناقلتها وكالات الأنباء العالمية وبلغت أخبارها أنحاء العالم وهي ما أشيع عن وصول الإنسان إلى سطح القمر، تساءل كثير من الناس عن القمر هل هو مغروز في السماء المبنية أو هو دون السماء؟ وانقسم الناس في ذلك إلى مصدق بهذا النبأ تصديقا كاملا وإلى مكذب به وربما تجاوز في ذلك إلى تفسيق القائلين بالصعود أو تكفيرهم بينما وقف فريق ثالث من أخبار هذه الحادثة موقف التثبت والإستبانة حيث أنه لا يمكنه إعطاء معلومات يقينية على الرحلة إلى القمر ولم يظهر لهم مقتضى النصوص الشرعية في ذلك لوجود ظواهر ألفاظ آيات يحسبونها تقتضي استحالة النزول على القمر ولوجد ما ذكر توقف هؤلاء عن التصديق والتكذيب.

стр. 1123

هذا وقد قام فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية في هذا المجال بجهد مشكور أبان فضيلته أنه لا يعلم نصا صريحا من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ يمنع من وصول الإنسان إلى القمر، وما أحب أن أضيف زيادة إلى ما ذكره فضيلته فقد وفى البحث حقه، غير أني سبق أن جمعت في هذا الموضوع بعض النقول عن أئمة الإسلام وعلماء التفسير بمعالجة الموضوع من زاوية غير التي تناولها بالبحث والتحقيق فضيلته، وذلك أن بحثي في خصوص ما قرره علماء التفسير على بعض الآيات القرآنية المتعلقة بالأفلاك مما يبين أن القمر والشمس وغيرهما من الكواكب كل يسبحون دون السماء المبنية، وقد تناوله علماء الإسلام بالبحث فأبدوا فيه وأعادوا مما يدل على اطلاعهم وعمق تفكيرهم، وبعد نظرهم، وأنهم حينما يدرسون النصوص القرآنية يدرسونها ككل، ويحاولون التوفيق بين نصوصها، وأنهم بذلك قد خلفوا لنا ثروة فكرية وعلمية لا يمكن تقديرها، وأن التقصير والإهمال وعدم متابعة البحث كان ممن جاء بعدهم، وهذا هو ما دفعني إلى نشر هذه النقول ليشاركني في العلم بها إخواني من القراء الذين يعتزون بتراثهم الإسلامي؛ فأقول مستعينا بالله فإنه خير مستعان به: إن الآيات التي تعرضت للقمر وغيره من الكواكب كثيرة أذكر منها خمس آيات وأقرنها بما روي عن السلف في تفسيرها مع ملاحظة أن مثل هذا التفسير ليس للرأي فيه مجال. فالآية الأولى - من سورة الأنبياء قال تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .

стр. 1124

ذكر ابن جرير في تفسيره الجليل بسنده إلى ابن زيد أنه قال - في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ -: "أي الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر"، وقرأ ابن زيد قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ ، وقال تلك البروج بين السماء والأرض وليست في الأرض ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال ابن زيد فيما بين السماء والأرض النجوم والشمس والقمر". وقال القرطبي (ج ١٥- ص٣٣) قال الحسن البصري: "الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة ولو كانت ملصقة ما جرت". قال القرطبي أيضا: "والأصح أن السيارة تجري في الفلك وهي سبعة أفلاك دون السماوات المطبقة التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت فالقمر في الفلك الأولى ثم عطارد ثم الزهرة ثم الشمس ثم المريخ ثم المشتري ثم زحل والثامن فلك البروج والتاسع الفلك الأعظم " (ج١١ـ ص ٢٨٦) . وقال البغوي في تفسيره المعروف عند الآية المتقدمة الذكر آنفا ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ : "وقال آخرون - يعني من علماء التفسير - الفلك موج مكفوف دون السماء تجري فيه الشمس والقمر والنجوم". وقال السيوطي في الدر المنثور في تفسير القرآن بالمأثور: "أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره وأبو الشيخ عن حسان بن عطية في قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال: "الشمس والقمر والنجوم مسخرة في فلك بين السماء والأرض".

стр. 1125

وأما آية سورة يس: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فقد ذكر ابن كثير في تفسيره المشهور أن عبد الرحمن بن زيد ين أسلم قال: "فيها يسبحون في فلك بين السماء والأرض"، وقال ابن كثير - بعد ذكره هذا الأثر - "ورواه بن أبي حاتم وهو غريب جدا بل منكر"، قلت: وليس بغريب ولا منكر لأنّ هذا الأثر روي عن عبد الرحمن بن زيد كما ذكره ابن كثير، وروي أيضا عن حسان بن عطية كما مرّ عند ابن أبي حاتم فانتفت الغرابة والنكرة، وأضف إلى هذا أن ابن جرير أسند هذا التفسير عن ابن زيد حيث قال: حدثني يونس قال أخبرني ابن وهب قال: قال زيد فذكره. وأما آية سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ الآية، فقد تقدم قريبا عند آية سورة الأنبياء أن ابن زهير قرأها وقال: "تلك البروج بين السماء والأرض وليس في الأرض". وأما آية سورة نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً, وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ الآية...فقد قال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف للزمخشري: أخرج ابن مردويه في تفسيره من رواية حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنّه قال: "إنّ الشمس والقمر ووجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض"، قلت: أخرجه الحاكم في مستدركه قال: أخبرنا محمد بن صالح بن هانئ حدثنا الحسين بن الفضل حدثنا عفان بن مسلم حدثنا حماد بن سلمة عن يونس عن يوسف بن مهران عن ابن عباس ﵁: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ ، قال ابن عباس: "وجهه إلى العرش وقفاه إلى الأرض"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ورمز له الذهبي في تلخيصه (م) يعني أنّه على شرط مسلم.

стр. 1126

وقال السيوطي في الدر عند هذه الآية: أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ قال ابن عباس ﵁: "وجهه يضيء السماوات وظهره يضيء الأرض". وقال السيوطي أيضا: "أخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب أنّه قال: اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص وكعب الأحبار وكان بينهما بعض العتب فتعاتبا فذهب ذلك فقال عبد الله بن عمرو لكعب الأحبار: "سلني عما شئت ولا تسألني عن شيء إلاّ أخبرتك بتصديق قولي من القرآن"، فقال له كعب الأحبار: "أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السماوات السبع كما هو في الأرض؟ ", قال: "نعم, قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً, وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ الآية. وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق وعبد حميد وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة واللفظ لابن جرير قال: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: "إنّ الشمس والقمر وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض وأنا أقرأ بذلك آية من كتاب الله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ ". وقال ابن جرير أيضا: حدثني محمد بن بشار قال ثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة في قوله : ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ الآية، قال قتادة: ذكر لنا أن عبد الله ابن عمرو بن العاص كان يقول: "إن ضوء الشمس والقمر في السماء اقرؤا إن شئتم: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ الآية". وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: عبد الله بن عمر في الآية المذكورة: "إن الشمس والقمر وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض".

стр. 1127

وروى ابن جرير من طريق هشام الدستوائي عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو بن العاص هذا التفسير كما مرّ - وهي أعني الواسطة - شهر بن حوشب فانتفى التدليس عن رواية قتادة فصار الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص متصل السند ولم يبق فيه إلاّ شهر بن حوشب، قال صاحب الخلاصة: "وثقه يحي بن معين والإمام أحمد"وقال يعقوب بن سفيان: "شهر وإن قال عنه ابن عون تركوه فهو ثقة"، وقال الحافظ في التقريب: "صدوق كثير الإرسال والأوهام"، قلت: قال الذهبي:"قد ذهب إلى الاحتجاج به جماعة"، قال حرب الكرماني عن أحمد: "ما أحسن حديثه ووثقه"، قال أبو عيسى الترمذي: "قال محمد - وهو الإمام البخاري - شهر حسن الحديث وقوى أمره"، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: "ثقة شامي"وروى عباس الدوري عن ابن معين: "ثبت". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبوالشيخ صاحب كتاب العظمة كما في الدر المنثور عن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ قال عطاء: "إن القمر يضيء لأهل السماوات كما يضيء لأهل الأرض". وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ قال: "وجوههما في السماء وظهورهما إليكم"، ويعني بقوله في السماء أي في العلو فالسماء تطلق على معاني كثيرة منها السحاب كقوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ يعني من السحاب، ومنها مجرد العلو، كقوله تعالى: ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي في العلو، ومنها السقف كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء﴾ الآية، أي إلى سقف البيت، ومنها المطر كقول الشاعر: ... إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا

стр. 1128

يعني إذا نزل المطر، وسمي المطر بالسماء لأنّه يأتي من علو، ومنها السماء المبنية كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ . وأخرج ابن المنذر كما في الدر المنثور عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ قال عكرمة مولى ابن عباس ﵄: "يضيء نور القمر فيهن كلهن كما لو كان سبع زجاجات أسفل منها شهاب أضاءت كلهن فكذلك نور القمر في السماوات كلهن لصفائهن". وأما آية سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ ، فقد أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس أنّه قال: "وجوههما إلى السماء وأقفيتهما إلى الأرض". قال القرطبي في تفسيره: "إن وجه القمر إلى السماء وإذا كان كذلك فنوره في السماوات"، وقال: "معنى (نورا) أي لأهل الأرض ولأهل السماء"، وقال أيضا (ج١١ص٢٨) : "قال ابن زيد الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر وهي بين السماء والأرض"، وقال القشيري: "إن الشمس وجهها في السماوات وقفاها في الأرض". قال الآلوسي في روح المعاني (ج١٧ص٣٧) عند آية سورة الأنبياء التي تقدمت في أول البحث قال: "قال أكثر المفسرين: الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر"، وكذلك قال أبو حيان في البحر المحيط (ج٦ص٣١٠) . وقال النسفي في تفسيره (ج٣ص٧٨) عند آية سورة الأنبياء ما نصه: "والجمهور على أن الفلك موج مكفوف تحت السماء تجري فيه الشمس والقمر". فهؤلاء ثلاثة من أئمة الصحابة في مقدمتهم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر ﵃ تومئ النقول المسند عنهم في تفسير الآيات المتقدمة إلى أنّ القمر والشمس وسائر الكواكب دون السماء المبنية في فلك يسبحون وليس مغروزة في السماء المبنية بل الذي في داخلها نورها لا جرمها.

стр. 1129

كما أن سبعة من أئمة التابعين وتابعيهم: الحسن البصري، وأبو العالية والرياحي وعكرمة وقتادة وعطاء وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وحسان بن عطية ـ تصرح تفاسيرهم للآيات السابقة بأنّ جميع الكواكب بما فيها القمر والشمس كل في فلك دون السماء المبنية يجرون، وقد نقل عنهم هذه الروايات بأسانيدها العلماء من أئمة التفسير منهم: أبو جعفر بن جرير في تفسيره، وأبو القاسم البغوي، وابن كثير الدمشقي، والقرطبي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والسيوطي في الدر، وأبو حيان في البحر المحيط والنسفي والآلوسي وغيرهم ممن يطول البحث بذكرهم. هذا وفي قول عكرمة وعطاء في قوله : ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ في قولهما: "يضيء نور القمر فيهن كلهن"، دليل صريح على أنّ (فيهن) متعلق بقوله (نورا) لا بـ (جعل) كما ظنه بعض المعاصرين، على أن تقديم المجرور على عامله في اللغة العربية وفي القرآن الكريم والسنة النبوية، من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ حيث تقدمت (فيها) على عاملها (خالدون) والتقدير والله أعلم بأسرار كتابه: هم خالدون فيها، هكذا (وجعل القمر فيهن نورا) أي وجعل القمر نورا فيهن، ولو استقصينا ما قيل في هذا الموضوع لطال بنا الكلام، ولكن نكتفي بهذا القدر وفيه الكفاية. وننتقل إلى إمكان الصعود على القمر وغيره من الكواكب فنقول: هذه المسالة قد وفاها حقها من البحث فضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية وبيّنها بيانا شافيا كافيا، إلاّ أنّه لا نصدق كل من ادعى الوصول إلى القمر حتى يثبت ذلك بخبر ثقات عدول، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية. هذا كل ما أستطيع أن أدلي به في مثل هذه الحادثة الغريبة في بابها وأقول كما قال الناظم: ... وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار

стр. 1130

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1131

أيها الشاعر مهلا بقلم الشيخ رمضان أبو العز كتب الأستاذ محمود غنيم كلمة رثاء عن أحمد حسن الزيات نشرتها له مجلة الوعي الإسلامي التي تصدر في الكويت وعنوان الكلمة ذكريات عن أحمد الزيات وذلك في عدد الوعي المؤرخ غرة صفر ١٣٨٩. والأستاذ محمود غنيم من شعرائنا النابهين، أجاد القول في كثير من أغراض الشعر وبوجه خاص في الإسلاميات فله فيها شعر جيد. وقد ضمن الأستاذ الشاعر كلمته عن محاسن الزيات ومدائحه الشيء الكثير لا من حيث أسلوب الزيات فحسب بل وفي النواحي الأخلاقية وما إليها وذلك كقوله: "انقطعت بموت الزيات آخر حلقة من سلسة كتاب النثر الفني أمثال المويلحي والمنفلوطي والسيد وتوفيق البكري ومصطفى صادق الرافعي وصادق عنبر وغيرهم". وكقوله: "وعندي أن أسلوب الزيات وأضرابه أجدر بأن يطلق عليه الشعر الحر". وهذا الذي ذكره الأستاذ الشاعر مما لا ينازعه فيه أحد بل أعتقد أن الأستاذ الزيات سامي في الأسلوب فرسان مدرسة ابن العميد التي يطلق عليها طبقة (الشعر المنثور) . ولكن الذي حز في النفس أن يتغاضى الشاعر عن الزلة الكبرى التي ختم بها صاحبه حياته تلك التي كادت أن تلحقه بالدرك الأسفل من النفاق والكفر البواح. أعاذك الله أيها الصديق من سرف الهوى ومن جموح العاطفة ومن جور الميزان ومن الانحراف عن قصد السبيل. لقد كنت أولى الناس ببيان الهاوية السحيقة التي تردى فيها الزيات بل بتجسيمها وتضخميها، وشدة حرصه عليها؛ فلو قد فعلت ما كان عليك أدنى ملام، بل كنت أحرى لأنه إنما وقع في أعز شخصية وفدت على الوجود أعز علينا من آبائنا وأبنائنا وأنفسنا التي بين جنبينا: شخصية خير البشر محمد ﷺ . كيف تغاضيت أيها الصديق عن كلمة الزيات المجرمة في حق وحدة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ثم في حق وحدة صلاح الدين الأيوبي ﵁.

стр. 1132

كيف تغاضيت عن قول الزيات: "كانت الوحدة المحمدية كلية عامة لأنها قائمة على العقيدة ولكن"، ثم انظر كيف استدرك على الوحدة المحمدية، استدرك بقوله: "ولكن العقيدة قد تضعف وقد تتحول"، قبح من استدراك وقبح من رضي به ... ثم يقول عن وحدة صلاح الدين: "وكانت الوحدة الصلاحية قائمة على السلطان"هكذا ثم استدرك استدراكا آثما بقوله: "ولكن السلطان قد يضعف وقد يزول". ثم جاء بالوحدة التي لا استدراك عليها في رأيه الخائب بقوله: "أما الوحدة الفلانية فلها ضمانات الاشتراكية في الرزق والحرية في الرأي والديمقراطية في الحكم". وبذالك فاقت هذه الأخيرة الوحدتين السابقتين وكانت أمكن منهما لقوله بعد ذلك: "وهذه الضمانات لها البقاء والخلود". لقد سخر القدر أيما سخرية من القزم الذي تطاول على أمثل وحدة بجعلها دون وحدة عبيد أو زيد بأن انفصمت ومزقت شر ممزق وحدة عبيد هذه بعد بضعة أيام من لوثة الزيات، ولكنه لم يرعو ولم يصحح خطأه بعد هذا الانفصام الشنيع. إن هؤلاء الذين قرنت الزيات بهم كانوا من متانة الخلق والدين بمكان؛ فهذا الشيخ علي يوسف والمنفلوطي وغيرهم رغم ظروفهم القاسية لم تزل بهم قدم كما زلت بصاحبك، أما الرافعي فلو كان حيا ساعة لوثة الزيات لصنع له سفودا أذاب به شحمه وورمه وكان جديرا بأن ينسيه وساوس الشيطان رحم الله الرافعي رحمة واسعة. أكانت تعاليم محمد ﷺ أقل حرية وديمقراطية من عبيد أو زيد، أيعقل هذا كبرت كلمة تخرج من فيه، ومع هذا وبعد هذا تجعله أيها الصديق من عباد الله المخلصين وتستمطر رحمة الله عليه بقولك: "رحم الزيات رحمة واسعة وجزاه على ما أسلفه من خير للعرب والأدب أحسن ما يجزي عباده المخلصين". أي إخلاص يا صديقي، إن كان ثمة إخلاص فهو إخلاص للمردة والشياطين، ولن يكون بحال إخلاصا لرب العالمين.

стр. 1133

أيها الشاعر: زن دعاءك كما تزن شعرك، ولا تخبط كما يفعل الذين لا يعلمون، فلقد هوى الزيات بسقطته إلى الدرك الأسفل من النفاق. ولا يجمل بمثلك أن تمر على هذه الزلة الشنيعة مر المتستر على الجريمة، أو مر من آوى محدثا، لكأني بك إنما أردت الوفاء للزيات بعد غيبه الثرى، ولكن يا صديقي إن هذا الوفاء في غير محله، إذ كيف توفى لرجل لم يوف هو لنفسه بل خان حياته وماضيه، فخسر نفسه ثم انظر كيف حط من قيمة صلاح الدين ﵀، وذلك بقوله: "أما الوحدة الصلاحية فقد قامت على السلطان ... الخ"، فكأنه يقول إنها قامت لمجرد السلطان وليس لله فيها شيء، ومن هذا الذي حط من شأنه، إنه قاهر أوربا الصليبية مجتمعة، ولكن هل يستغرب هذا من رجل حط من وحدة خير البشر جميعا. أو كأنك - يا صديقي - إنما أردت تعمل بقول بعضهم: "اذكروا محاسن موتاكم"وما هو إلا كلام عامي لا يزن بميزان الحقيقة شروى نقير؛ بل الواجب التبيان حتى لا ينخدع قارئ بمديحك له فكان الواجب أن تذكر بدلا من هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون َلا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ، ولا شك أن اعتباره وحدة الرسول ﷺ دون وحدة عبيد أو زيد تلك التي ولدت ميتة لهو أكبر استهزاء بالله ورسوله. كان الأولى بك أن تقذفه بشعرك التهكمي حتى بعد موته حتى لا ينخدع قراؤك ويمرون المسألة كأن لم يكن هناك شيء من مثل هذا الشعر الذي أنشدتنيه يوم أن كنا معا بالزقازيق الذي قلته في كفيف مصر: كفيف بمصر (طوى) المبصريـ ن وأمسى يقود زمام العلوم وسوف يعين عما قريب بحلوان يرصد فيها النجوم وسقطة الزيات طمت وزادت على زلة الكفيف. والأدهى والأمر ألا يعتنق الزيات الزيغ والضلال إلا عندما شارف أجله على الانتهاء في اللحظة التي يؤمن فيها الكافر ويتقي الفاجر ـ نعوذ بالله من سوء الخاتمة ـ

стр. 1134

كان الواجب ياصديقي أن تحذو حذو شاعر آخر أصاب المحز بل أن تسبقه وتكون أنت قدوته، قال الشاعر الأديب للزيات: رويدك قد جاوزت سبعين حجة ودوم في عينيك - لو تبصر - القبر أراك ركبت الصعب والصعب جامح وعظمك وهن والمدى مهمه قفر وصيدك ختال يلوح ليختفي ويقصر عنه السيف والقوس والصقر دع الغي للفتيان يرجى رشادهم ويرجى لهم من خبط عشوائها عذر لقد ذكرت أن الزيات ترجم (رفائيل) وهي لأكبر شعراء فرنسا (لامرتين) فكيف غاب عنه قول (لامرتين) في حق الوحدة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. قال لامرتين: "ضآلة الوسائل التي استخدمت مع عظم النتائج التي حصلت، إذا أردنا أن نحكم على هذا الرجل فمن في الوجود نستطيع أن نقرنه بمحمد؟ "، وهو لاشك استفهام إنكاري من أبرع ما يمكن. إنه لا أسلوب الزيات ولا شهرته ينفعان في زحزحة هذا الكفر البواح الذي نطق به. وكان لزاما عليك أيها الصديق حين مدحت خلقه وحياته أن تذكره بهذه الزلة ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ وأخيرا كلمة عتاب إلى الأخ عبد المنعم النمر رئيس تحرير (الوعي) : كيف تغاضيت عن التعليق الواجب بعد الكلمة مباشرة "فإلى متى يا قوم إلى متى نجامل على حساب الدين"، وعلى حساب سمعة نبينا ﵊، والبيان الواضح الجلي في هذا المقام حتم لزام.

стр. 1135

إحرص على ما ينفعك عبد الله بن أحمد قادري المدرس بالمعهد الثانوي في حالة واحدة فقط تستطيع أن تكون شجاعا شجاعة نادرة لا توجد إلا في شخص اتصف بصفتك التي بسببها اكتسبت تلك الشجاعة النادرة تلك هي أن تكون مسلما حقا. وإذا كان الأمر كذلك فيجب على المسلم ولا سيما الداعي إلى الله أن يتجلى بصفة عظيمة بها نجح الأنبياء والرسل وكل داع إلى الله. تلك الصفة التي تتلاشى أمام صاحبها كل الصعاب ويصغر في عينه كل جبار عنيد.. ويكون المتحلي بها دائما رابط الجأش هادئ البال لا يتزلل لحدوث مصيبة أو إرجاف مرجف، ولا يجبن عند لقاء عدو في معركة حرب مسلحة سافرة، ولا يتهيب من قول حق في أي مقام وفي أي مناسبة ولأي فرد أو جماعة، لأنه واثق من استعلائه واندحار عدوه.. لماذا! لأنه يتحصن بحصن منيع الجانب لا تهدده آلات الهدم عالي الأسوار، لا يتسلقها متسلق بسلمه، ولا يعلوها فضائي بقمره الصناعي، ولا تؤثر فيها قذائف مدفعي ماهر. إنها تلك الصفة العظيمة التي وقف بها هود ﵇ بمفرده أمام قومه عاد العتاة الأشداء الذين كانوا يتحدون عالم زمانهم ويقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة﴾ وقف هود أمامهم يتحدى جموعهم ويقلل من شأنهم ويحتقر قوتهم المادية، كما يسخر من آلهتهم التي كانوا يظنون أنها تصيب من تشاء بمكروه، كما قال تعالى في سورة هود عن قومه المكذبين: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ أي أصابك بعض معبوداتنا بمكروه من جنون ونحوه. فماذا كان جواب نبي الله هود ﵇؟

стр. 1136

قال ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ يا سبحان الله! شخص واحد من البشر ليس له نصير من البشر اشتد حقد قومه الطغاة مجتمعين عليه ثم يقول لهم: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ !؟ إن هذا الموقف في عرف الناس وطبيعتهم البشرية يعتبر لأول وهلة تهور أو إلقاء بالنفس إلى الهلاك، وتركا لما يجب من الاتزان والحكمة التي يحفظ الإنسان بها نفسه، وإذن فيحق للمرء عندما يرى هذا الموقف الذي وقفه هود أن يتساءل: لماذا وقف هذا الموقف الذي يظهر لأول مرة أنه في غير محله، لأن بعض القوم وليس كلهم في استطاعتهم أن يهجموا عليه فيقتلوه، أو يحبسوه، أو ينفوه من أرضه، فتنقطع بذلك دعوته التي يجب عليه أن يلتمس لها سبل النجاح! نعم يتساءل المرء هذا التساؤل عندما يقيس الأمور بمقاييسها الأرضية، ولذا أجاب ربنا على هذا التساؤل جوابا شافيا كافيا يلفت النظر البشري الأرضي إلى أن الأمر أعلى وأعظم من ذلك التصور الذي نشأ عنه هذا التساؤل، أنه أمر سماوي عظيم بعيد عن مقاييس البشر القاصرة، إنها تلك الصفة العظيمة تفويض العبد كل أموره إلى ربه تعالى واعتماده عليه اعتمادا كاملا، موقنا أن كل المخلوقين لا يقدرون أن يصيبوه بمكروه لم يرد الله إصابته به، كما أن كل المخلوقين لا يقدرون أن يؤتوه خيرا لم يرد الله إيتاءه إياه.. إنها صفة التوكل؛ ولذا قال بعد ذلك التحدي: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم﴾ أي خالقي وخالقكم المتصرف في وفيكم وفي العالم كله ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ وهو سبحانه حكيم عادل يضع الأمور في مواضعها وينصر من يستحق النصر ويخذل من يستحق الخذلان لا يحيف ولا يجور ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

стр. 1137

وكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يلجئون إلى هذا الحصن المنيع عندما تحيط بهم المصائب والمحن وتتآمر عليهم قوى الشر والعدوان بالحديد والنار وأنواع التعذيب، ومنهم خاتمهم وإمامهم نبينا محمد ﷺ ، الذي ضرب المثل الأعلى في الاعتماد على ربه أمام أعدائه سادة قريش العتاة الذين اشتد غيظهم عليه وتألبوا ضده وعملوا بكل جهد وبكل وسيلة يطيقونها على أن يقبروه ليقبروا معه دعوته، وآذوه بكل أنواع الأذية باللسان تارة وباليد أخرى في مكان سنحت لهم الفرصة فيه حتى بيت الله الحرام. ومع ذلك كله وقف ﷺ أمامهم صامدا صمود الجبال الراسية أمام الأعاصير، لا يزيده آذاهم إلا صلابة وبقاء على مبدئه وعقيدته، وشجاعته نادرة إذ كان يسب آلهتهم ويسفه أحلامهم وعقول آبائهم، غير مبال ولا مكترث بما حصل ويحصل من الأذى الذي لا يطيقه إلا من رزق الاعتماد على الله، وتبعه على ذلك أصحابه ﵃ القلة المستضعفون الذين يطول ذكر بلائهم في سبيل الله دون أن يتزلزلوا أو تخور قواهم ليتراجعوا قيد شبر عن مبدئهم الذي آمنوا به. قل لي بربك: لماذا كل ذلك؟ إنه وربي الاعتماد الكامل على خالقهم الذي سلموا له أنفسهم بقولهم (لا إله إلا الله) عن إيمان صادق به وبرسوله محمد ﷺ اعتمدوا عليه واثقين من وفائه بوعده بنصرهم وخذلان أعدائهم، كما قال تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ . ولنأخذ بعض الآيات القرآنية في هذا الباب لنرى تكيف رسل الله عليهم الصلاة والسلام ولا سيما خاتمهم محمد ﷺ وأصحابه الكرام بها.

стр. 1138

١ـ أخبر الله تعالى ورسوله وأصحابه بأنه وحده المالك المتصرف ينصر من يشاء ويخذل من يشاء، فإن أراد نصرهم لم يقدر أحد على خذلانهم وإن أراد خذلانهم لم يقدر أحد على نصرهم، ثم أمرهم بالاعتماد الكامل على ربهم دون من سواه لينالوا نصره إياهم على أعدائهم فقال: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ , ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . ٢ـ جعل الاعتماد عليه وحده دليل الإيمان فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . ٣ـ حصر المتصفين بالإيمان الكامل فيمن اتصف بخمس صفات هي: الخوف من الله عند ذكره، وزيادة الإيمان به عند سماع آياته، والاعتماد عليه، وإقام الصلاة، والإنفاق من رزق الله فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ, الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ, أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ الآية. ٤ـ أمر الله نبيه ﷺ وأتباعه المؤمنين بالاكتفاء به أي الاعتماد عليه وحده فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . ٥ـ أخبر سبحانه أن من اعتمد عليه كفاه فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .

стр. 1139

٦ـ أخبر الله تعالى أن النبي ﷺ وأصحابه تكيفوا بتلك الصفة التي حثها عليها وأمرهم بها في أحرج المواقف التي بلغت فيها القلوب الحناجر، حتى لقد ازدادوا بها إيمانا وثقة بربهم، وإن الذي يفقد هذه الصفة عند نزول الشدائد هم المنافقون والذين لم يدخل الإيمان قلوبهم فقال عن المنافقين: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وقال عن المؤمنين: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ . ٧ـ أخبر الله تعالى عن نبيه ﷺ وأتباعه المؤمنين أن إرجاف المرجفين وتجمع الأعداء ضدهم مهما كانت قوتهم وكثرتهم لا يزيدهم إلا إيمانا اعتمادا على ربهم، إذ جاء المرجفون يخوفون الرسول ﷺ وأصحابه بجموع الأعداء من قريش الذين يريدون القضاء عليهم وعلى عقيدتهم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . وهذه الكلمة نفسها: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم أيضا حينما ألقي في النار كما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄. ٨ـ أخبر الله عن مؤمن آل فرعون أنه عندما ألقى كلمته الأخيرة وأحس بالخطر منهم لجأ إلى ربه معتمدا عليه وحده ليخلصه من القوم، وقد خلصه الله من مكرهم وخذل أعداءه، وجازاهم بما يستحقون، حيث قال تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ, فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ . تصويب وتخطئة:

стр. 1140

علم مما مضى من البحث أن التوكل على الله من الأسس الهامة التي قام عليها دين كل رسول، وأن الإيمان لا يصح بدون توكل، وأن المراد بالتوكل تفويض العبد كل أموره الدينية والدنيوية إلى ربه تعالى، مع الأخذ بالأسباب، وهو أمر واضح لا لبس فيه ولا خفاء على من فهم دين الإسلام فهما صحيحا لا انحراف فيه.. غير أن هناك بعض من جنى على الإسلام ممن لا يفهموه على وجه العموم، كما لم يفهموا التوكل على الله على وجه الخصوص، كما أراد الله تعالى، ففرط بعضهم وأفرط آخرون؛ ولهذا رأيت أن أبين تفريط المفرط وغلو الغالي وصواب المصيب معتمدا في التخطئة والتصويب على نصوص الشريعة التي يسلك سبيلها العقل الصحيح والفطرة السليمة. فأقول وبالله تعالى توفيقي وعليه توكيلي واعتمادي: إن الناس في فهم التوكل ثلاثة أقسام: القسم الأول: أفرط وبالغ فرأى أن التوكل على الله المراد منه ترك الأسباب التي جعل الله مسبباتها مربوطة بها، فعمل هذا القسم بهذا الفهم الخاطئ حتى رأى بعضهم أن من التوكل على الله الإلقاء بالنفس في المفازات الخالية بدون حمل زاد ولا ماء، وأن من التوكل ترك التداوي مهما بلغ المرض من الخطر، ومعنى هذا أن التوكل أن يلقي الإنسان بنفسه في المهالك التي يترجح فيها عادة ضرر الموت فما دونه، دون أن يتخذ وقاية مباحة، وهو أمر عجيب يبرأ منه الدين وحاملوه الفاهمون لحكمه وأسراره كما يأتي بيان ذلك في القسم الثالث إن شاء الله تعالى. القسم الثاني: فرط وأساس تفريطه أنه فهم معنى التوكل ما فهمه القسم الأول، وقارن بين ذلك الفهم وبين السنن الكونية والأسباب المباحة الطبيعية فتعارض عنده الأمران، وصعب عليه التوفيق بينهما بمقتضى هذا الفهم، فرجح جانب الأسباب مستقلة بمسبباتها توجدها إذا شاءت وتعدمها إذا أرادت، وكلا الفهمين خطأ، وكلا الفريقين ضال والصواب الذي لاشك فيه هو: القسم الثالث:

стр. 1141

فهو التوكل على حقيقته وهو: تفويض الأمور الدينية إلى الله تعالى، وتفويضها إليه يستلزم كلا من الاعتماد عليه لأنه أمر به والأخذ بالأسباب لأنه هو الذي جعلها أسبابا، وطلب هذا هو مقتضى التفويض الكامل يعتقد صاحبه أن هناك أسبابا يجب أن تعمل لتوجد مسبباتها، كما يعتقد أن الأسباب والمسببات جميعا تحت تصرف القدرة الإلهية إذا شاء الله للأسباب أن تؤثر في مسبباتها أثرت، وإن شاء أن يبطل ذلك التأثير أبطله، ويعتقد أن عليه أن يأخذ بالسبب دون أن يتلكأ ما دام يعرف أنه غير محظور مع الاستعانة بالله والاعتماد عليه ولا يعتقد أن السبب - مجردا - كفيل بوجود المسبب، ويتضح المراد من البحث السابق بأمور كثيرة نذكر منها ما يلي: ١ـ أن الله جعل الأكل سببا في إذهاب الجوع، وهو أمر لا يستطيع أن يكابر فيه أحد، ومع ذلك قد يوجد من يأكل ولا يشبع إذا ما أراد الله ذلك، وقد أنبأ من أثق به أنه يعرف شخصا كان يأكل طوال الليل والنهار إذا استطاع وأنه لا يشبع، فكون الأكل مذهبا للجوع يوجب الأخذ بالسبب، وكونه قد لا يذهبه يوجب الاعتماد على الله في إذهابه. ٢ـ وجعل الله الشرب سببا في إذهاب العطش، وهو أمر واضح كذلك، ومع ذلك قد يوجد من يشرب ولا يروى، كالإبل التي تصاب بداء الهيام، فكون الشرب مذهبا للعطش يوجب الأخذ بالسبب، وكونه قد يوجد من لا يذهب الشرب عطشه يوجب الاعتماد على الله. ٣ـ وجربت كثير من الأدوية لشفاء كثير من الأمراض، ومع ذلك قد يوجد من يداوي بتلك الأدوية لتلك الأمراض ولا يشفى، فكون الدواء مذهبا للداء يوجب الأخذ بالسبب، وكونه قد يوجد من لا يفيده ذلك يوجب الاعتماد على الله.

стр. 1142

٤ـ والعادة في التفوق العسكري في العدد والعتاد والخبرة موجب لنصر من توفر ذلك له وهزيمة عدوه، ومع ذلك قد يوجد من هو متفوق عددا وعدة وخبرة ثم ينهزم أمام من هو أضعف منه في ذلك، فكون القوة موجبة للنصر موجب للأخذ بالسبب، وكونه قد ينهزم من توفر له ذلك يوجب الاعتماد على الله، والأمثلة لذلك لا تستطاع حصرا. ولنلقي نظرة خاطفة على موقف الأديان السماوية من فهم التوكل على الله متمثلا في أئمة الهدى وقادة الخير رسل الله عليهم الصلاة والسلام. ١ـ فهذا نوح ﵇ يأمره ربه الذي يقول للشيء كن فيكون أن يصنع سفينة لينجو فيها هو وأتباعه المؤمنون عندما يعم الطوفان الأرض فيهلك كل من لم يكن فيها، فأمره الله بصنع سبب طبيعي مع أنه قادر على أن ينجيه وقومه بدونها ولم ينس نوح ربه الاعتماد عليه حينما أراد الركوب في السفينة إذ قال لقومه: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وكذلك موسى حينما أراد الدخول ببني إسرائيل البحر بأمر ربه ليخلص بهم من فرعون وقومه الذين كتب هلاكهم، أمره ربه أن يضرب بعصاه البحر فضربه فانفلق، مع أن الله قادر على فلقه بدون العصا، وماذا كانت تفعل العصا لولا قدرة الله التي كانت وراءها. ٢ـ وهذا إبراهيم ﵇ يأخذ بالسبب الطبيعي لنجاته من قومه الذين ما كانوا ليدعوه لو بقي عندهم يدعوهم إلى دين الله الحق، فقرر الهجرة إلى أرض أمره الله بالهجرة إليها، وعندما ألقى في النار لم يتزلزل ولم يضعف لاعتماده على ربه الذي جعلها بردا وسلاما عليه.

стр. 1143

٣ـ وكذلك موسى ﵇ عندما قتل القبطي وتآمر القوم ليقتلوه فجاء من نصحه بالخروج لم يتلكأ بل خرج من فوره آخذا بالأسباب الطبيعية، ولم ينس ربه بل أظهر اعتماده عليه، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ, فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، فخروجه أخذ بالسبب، ونداؤه ربه ليسلمه من أعدائه اعتماد على الله. ٤ـ وهذا خاتم الرسل ﵊ يختفي في الغار ثلاثة أيام مع صديقه ﵁ ويقول له عندما يراه يخاف عثور القوم عليهم: ما ظنك باثنين الله ثالثهما! ويقول الله عنهما: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ ، فاختفاؤه ﷺ في الغار أخذ بالسبب الطبيعي وقوله: إن الله معنا، اعتماد على الله تعالى. ويقول النبي ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة"، حثاً على التوكل وعدم اعتقاد أن السبب مستقل بنفسه، ويقول: "فر من المجذوم"، حثا على الأخذ بالأسباب الطبيعية ... ومن أجمع الأحاديث النبوية وأكملها في الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله تعالى حديث أبي هريرة عند مسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان".

стр. 1144

فقد حث في هذا الحديث على الأخذ بالأسباب عموما دينية كان أو دنيوية بقول: "احرص على ما ينفعك"، وقوله: "ولا تعجز"، كما حث على التوكل والاعتماد على الله بقوله: "واستعن بالله"، وقوله: "وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل"؛ فما ينفعك شر أن تسعى في حصوله وما يضرك شر أن تسعى في دفعه؛ فإذا بذلت جهدك ثم لم يحصل لك المطلوب ولم يندفع عنك المكروه فعندئذ يجب عليك التسليم والصبر على قدر الله، فلا تقل قبل السعي في ذلك: قدر الله وتتقاعس عن مصالحك؛ فإن هذا عجز وقد نهاك الرسول ﷺ عنه ومن أين علمت أن ذلك قدر ولا دافع له، وما أدراك لعل النهاية تكون في صالحك، وأحب أن أضرب لك مثالين يوضحان المقصود: الأول: لو فرضنا أن مقاتلا مسلما أصيب من قبل العدو بجروح خطيرة والإسعاف على أتم استعداد لمعالجته فامتنع من العلاج وقال: قدر الله علي الموت بهذه الجروح فهل يجوز له ذلك؟ أقول لا يجوز ذلك لأمور: الأول: أن في ترك التداوي عندئذ تعريضا لتعذيب نفسه وازدياد آلامه وانبعاث الروائح الكريهة منه. الثاني: أنه لا يدري عن تقدير الله فلعل أجله يكون طويلا أكثر مما يتصور فهو عجز منهي عنه. الثالث: أن في معالجته عمل سبب قد يكون في صالح المسلمين في الوقت القريب ضد أعدائهم الكفار، ولو أخر التداوي طال وقت ضعفه الذي يمنعه من معاودة جهاد أعدائه. المثال الثاني: لو فوجئ أهل بلدة ما بهجوم شديد من أعدائهم الكفار، فهل يجوز لهم: قدر الله ويستسلموا للعدو يستحل دماءهم ويستبيح أموالهم ونساءهم ويعيث في أرضهم الفساد؟ لاشك من له أدنى مسكة من عقل فضلا عن المسلم أن ذلك لا يجوز وأنه يجب أن يعمل أهل البلد بالأسباب المستطاعة ضد عدوهم فإن نصروا حمدوا الله وقد عملوا جهدهم، وإن هزموا فعند ذلك يقولوا: قدر الله وما شاء فعل.

стр. 1145

وعند الترمذي وابن ماجة والحاكم عن عمر عن النبي ﷺ : " لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا"، رمز له السيوطي في الجامع الصغير بالصحة، وقال شارحه المناوي: "قال الترمذي: حسن صحيح وقال الحاكم صحيح وأقره الذهبي ورواه النسائي عنه أيضا" (٥-٣١١) مناوي. ولنقف قليلا متأملين في معنى هذا الحديث فالطير تعرف مصالحها ومضارها وتسعى لحصول الأولى ودفع الثانية، لكنها ليست كالآدميين تعرف الأشياء بالتفصيل، فهي تطير من أكنانها في أرض الله لا تدري ماذا تصيب في يومها، فيسهل الله أرزاقها وأرزاق أفراخها الصغار التي لا حول لها ولا قوة، فترجع وقد شبعت وتزودت، وكذلك الآدمي إذا سعى لحصول رزقه وتوكل على ربه سهل له رزقه؛ فالتوكل الحقيقي هو التفويض الكامل لجميع الشؤون الدينية والدنيوية إلى الله سبحانه مع فعل السبب والاعتماد على الله في حصول السبب بدليل ما في هذا الحديث. فالطير التي هي المشبه به لم تبق في أكنانها حتى يأتيها رزقها، وإنما تخرج منها جياعا متنقلة من مكان إلى آخر حتى يرزقها الله فترجع شباعا. ولنتأمل بعض آيات القرآن الكريم التي يحفظها العامي كالعالم، ويقرؤها كل منا مرارا في اليوم في كل ركعة من صلواتنا فرضا كانت أو نفلا لنجد أنه لابد من الجمع بين الأمرين: فعل السبب والاعتماد على الله والاستعانة به في حصول المسبب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾ الخ، فكل مصل يقصد من صلاته - بعد امتثال ربه - ثوابه بدخول الجنة فالعبادة سبب ودخول الجنة ورضا الله مسبب، ولكنه لا يعتمد على مجرد المسبب بل يعتمد على الله مع ذلك ويستعين به في ذلك ويسأله الهداية ولهذا يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم﴾ .

стр. 1146

ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كعادته في كل بحوثه - في هذا البحث بكلام قليل جامع بين فيه مواقف الناس من التوكل على الله والأخذ بالأسباب وثمرات تلك المواقف فقال:- يعني الله تعالى – "الذي خلق السبب والمسبب والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله وإذا كان كذلك: ١- فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ٢- ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل. ٣- والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. ٤- بل العبد يجب أن يكون توكله وداؤه وسؤاله ورغبته إلى الله والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيره ما شاء". (١-١٣) مجموع الفتاوى. وقال تلميذه ابن القيم ﵀: "وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها والأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضية لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها إن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا". (ص٦٩ فتح المجيد) . والخلاصة أن المتوكل الحقيقي من حرص على ما ينفعه فبذل الأسباب في حصوله واعتمد على ربه في ذلك، وعلى دفع ما يضر فبذل الأسباب لدفعه واعتمد على ربه في ذلك وصبر على قضاء الله الذي لا راد له، وعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه، وكان شجاعا لا يخاف إلا ربه .

стр. 1147

هذا وأرجو أن أكون قد وفقت لبيان جانب كبير لهذا البحث الهام، وأن يغفر الله خطئي إن كنت أخطأت فإن: " كل بني آدم خطاءون وخير الخطاءين التوابون"، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1148

الإسلام وعمل المرأة للشيخ إبراهيم السلقيني المدرس بكلية الشريعة لقد عني الإسلام أتم العناية بإعداد المرأة الصالحة للمساهمة مع الرجل في بناء صرح المجتمع على أساس من الدين والفضيلة، والخلق القويم، وفي حدود خصائص كل من الجنسين الرجل والمرأة، فرفع شأنها، وكون شخصيتها، وقرر حريتها، ثم أناط بها من شؤون الحياة ما يتلاءم مع طبيعتها، فإذا نهضت بأعبائها أصبحت زوجة صالحة، وإما مربية ودعامة قوية في صرح المجتمع إذا صلح المجتمع كله. لقد اعتبر الإسلام المرأة كائنا إنسانيا مكرما فحفظ عليها حريتها، وأجاز لها التصرف كما تشاء في أموالها ضمن الدائرة المشروعة، وجعل لها حقا في الميراث فقال ﵎: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [١] ، وجعل لها الحق في أن تملك وتبيع وتشتري، وتهب وتقبل الهبة، وترهن وتعقد باسمها العقود، دون حاجة إلى إذن زوجها أو ولي أمرها، ولا يوزن الإسلام في ذلك بأي تشريع حديث، فإن حالة المرأة في فرنسا إلى الآن أشبه بحالة الرق، فلا يجوز للمتزوجة مثلا بيع ولا شراء ولا هبة ولا عقد إلا بإذن زوجها، وفي أكثر النظم المبتدعة تقلب المرأة اسم أسرتها وتنسب إلى أسرة زوجها، وفقدان الاسم رمز وعنوان لفقدان الشخصية، ولو أردنا أن نعدد ما منحه الإسلام للمرأة وما خصها من مزايا لطال بنا المجال، وحسبنا أن نعلم أن المرأة قد تحررت في ظل الإسلام إلى درجة لم تبلغ ولن تصل إليها في ظل أي فلسفة أو نظام آخر، ويعرف كل إنسان ذلك، ولا ينكره إلا من ختم على قلبه، فحجب عن رؤية الحق والاعتراف به.

стр. 1149

كما اعتبر الإسلام المجتمع جهازا تؤلف المرأة نصفه، أو قل الرجل هو إحدى رئتي المجتمع والمرأة هي الرئة الأخرى، بكلتيهما يتنفس المجتمع ويحي؛ فالرجل والمرأة في خضم هذه الحياة كمؤسسي شركة أو مصنع وزعت أعماله المتعددة على العاملين فيه،، وكل يقوم بنصيبه، ولكل فيما يعمل علم وحكمة وتدبير، فلا ينكر أحد أن دور المرأة في المجتمع غير دور الرجل، ولو كانت مهمتها تشبه الرجل مهمة الرجل لكان المجتمع صالح للبقاء سواء أكان مؤلفا من الرجال وحدهم، أو من النساء وحدهن، أما ولكل من هذين الكائنين عمله واختصاصه فلابد من توفرهما معا ليحصل للمجتمع كماله. وهكذا فالمرأة نصف وجودنا الذي نزاحم به ونكاثر ونبني، وهي أيضا التي تصنع تاريخ النصف الآخر وتلهمه؛ فهل للمرأة رسالة أعظم من هذه الرسالة لو أديت على وجهها الصحيح لما وجدت المرأة متسعا من الوقت، ولا فراغا من الزمن. وخروج المرأة من البيت إحدى المشكلات الهامة في العصر الحاضر، والحقيقة أن خروج المرأة من بيتها أو عدم خروجها منه مرتبط بمهمة المرأة وواجباتها في هذه الحياة، وما ألقي على عاتقها من أعباء، ثم نرى صلة ذلك بخروجها من البيت. ما هي المهمة الرئيسة للمرأة في هذه الحياة؟ وما هي واجبات الرجل؟ لاشك أن الرجل والمرأة هما عماد البيت، ومما لا ريب فيه أيضا أن سعادة البيت وبالتالي المجتمع لا تتوفر إلا حينما يعرف كل منا لرجل والمرأة ماله وما عليه بغية تحقيق السعادة المنشودة، فالرجل بما وهبه الله من القوة الجسمية جعله قواما على المرأة يعتني بشؤونها وشؤون أطفالها، وينصرف إلى عمله ليكسب القوت له ولأفراد أسرته، ويؤمن لهم الحياة الكريمة، فمجال عمله إذن هو خارج البيت، وهذا لا يشك فيه أحد.

стр. 1150

وهنا يأتي دور المرأة حيث يتاح لها أن تنصرف إلى شؤون البيت الداخلية، والإشراف على تربية أطفالها وإشاعة الحبور والسعادة في بيتها، وقد وضع عنها الإسلام جميع الواجبات التي تتعلق بخارج البيت، فلا تجب عليها صلاة الجمعة، ولا يجب عليها الجهاد إلا في حالة النفير العام، ولم تطلب منها صلاة الجماعة ولا حضور المساجد، وإن كان قد رخص لها في حضور المساجد. صفوة القول: أن خروج المرأة من البيت لم يحمد، وخير الهدي في الإسلام أن تلازم المرأة بيتها كما تدل عليه الآية الكريمة: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ﴾ [٢] دلالة واضحة، ولكن الإسلام لم يشدد في هذا الباب لكون خروج المرأة من بيتها قد يكون من اللازم في بعض الحالات كخروجها لحج أو مداواة أو أداء شهادة؛ ولا يغير ذلك شيئا من القاعدة في نظام الاجتماع الإسلامي، وهي أنّ دائرة عمل المرأة هي البيت، وأن الدروس التي يتلقاها الطفل في حجر أمه سيكون لها أكبر الأثر في مستقبل حياته. وعلى هذا فإذا تجاوزت المرأة الحد، وأسرفت في الخروج من البيت فمن للأطفال ليرعاهم؟ ومن للبيت يشرف عليه إشرافا دقيقا؟ هل يترك ذلك للخادمة! وهل يهمها من شؤون البيت ما يهم صاحبته؟ وهل كل بيت فيه خادمة؟ وهل كل خادمة متعلمة عاقلة؟ وهل هي جديرة بما يلقى إليها من مهام تربوية، وهي على كل حال إمرأة من جنسها، وصدق من قال: ليس اليتيم من انتهى أبواه من همّ الحياة وخلفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له أما تخلت أو أبا مشغولا

стр. 1151

فسعادة البيت لا تتحقق إلا أن توجد زوجة، ولن يشيع الحنان إلا أن تتولاه أم، وفي سبيل الاستقرار البيتي، وقطعا لدابر الفوضى والنزاع جعل الإسلام القوامة للرجل تمشيا مع سياسة التنظيم التي يحرص عليها الإسلام حرصا شديدا، فتوحيد القيادة ضروري لأمن السفينة، وفي سفينة البيت لابد من قيادة تتحمل التبعة، ولكنها في الإسلام قيادة الرعاية والمسؤولية، وليست قيادة التحكم والاستعلاء؛ فمن هو أهل لهذه القيادة؟ المرأة المشبوبة العواطف، السريعة الانفعال، بحكم فطرتها التي تؤهلها لوظيفتها الأولى في رعاية الأطفال، وتعطير جو البيت بالجمال أم الرجل الذي كلفه الإسلام الإنفاق والقيام بأعباء التكاليف البيتية لتخلو المرأة إلى عبئها الضخم وتنفق فيه طاقتها ووسعها؟ ولهذا جعل الإسلام لكل من الرجل والمرأة وظيفة أساسية، فللمرأة اختصاصها ومواهبها وللرجل اختصاصه ومواهبه، ولابد أن يتوفر كل منهما على ما هيئ له، وهذا التباين الفطري في وضعهما ووظيفتهما هو سر تآلفهما وتعاطفهما، فإذا انحرفت أنوثة المرأة واتجهت إلى الرجولة، وانحرفت رجولة الرجل واتجهت إلى الأنوثة والتخنث كان في ذلك فساد المجتمع واضطرابه، وكلما اتجهت فطرة الرجل أو المرأة إلى كمالها الذي هيأه الله لها اتجه العالم إلى السعادة المنشودة والخير العميم، فإذا اكتملت رجولة الرجل اكتمل حلمه وجلادته، وشجاعته، وتساميه عن الريب، وتفانيه في سبيل الله. وإذا اكتملت أنوثة المرأة اكتملت معها الأمومة السامية، والزوجية السعيدة، وتناهت معها معاني الرحمة والحب، والوفاء والحنان، ولذلك توخى الإسلام المصلحة العامة حين لم يطلق للمرأة الخروج من البيت وقصر ذلك على ما يعود بالفائدة على المرأة أولا، وعلى المجتمع ثانيا.

стр. 1152

إن المرأة في البيت تصنع البطولات والفضائل، وهي بعد ذلك المصدر الروحي لإشعاع الرحمة والمودة كما ذكر القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [٣] ، وليست إشاعة المودة والرحمة في البيت بالأمر الرخيص الهين الذي يتصوره المحرومون، فإن الدنيا بما فيها من ذهب أو متاع لا تساوي في ميزان الحق مثقال ذرة إذا خلت من المودة والرحمة والاستقرار. ومن سر المرأة الصالحة في البيت أنها الجهاز الروحي الذي يلقي في روع الرجل اسرار القوة ومعاني الثقة، وأن كلمة واحدة منها وهو يشكو متاعب الزمان أو مكائد الرجال لكفيلة بأن تمده بطاقات عجيبة من الهمة والأمل والثقة، فإذا به إنسان جديد وبناء غير الذي يوشك أن ينهار. إن المرأة بقيامها على المهد، ورعايتها لأطفالها حق الرعاية إنما تصنع مستقبل وطنها، ولسنا ندري عملا في الحياة يفوق في شرفه وسمو غايته هذا العمل، وإذا كنا نقلد غيرنا في عمل المرأة وخروجها من البيت فللنظر إلى واقع المرأة عند غيرنا من الأمم.

стр. 1153

لقد كان من أفظع نتائج الحرب العالمية خطرا قتل ما يقدر على الأقل بعشرة ملايين شاب من أوروبا وأمريكا في ميدان القتال، فنتج عن ذلك مجموعة من النتائج الخطيرة، حيث ملايين من الأسر قد وجدت نفسها في نهاية الحرب بلا عائل، إما لأن عائلها قد قتل في الحرب، أو شوه بدرجة تعجزه عن العمل، أو فقد عقله وأعصابه بفعل الحياة الدائمة للخنادق والغازات السامة، والغازات المدمرة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الذين خرجوا من الشباب القادرين على العمل لم يكونوا كلهم على استعداد لأن يتزوجوا ويكفلوا أسرة، فإن حياة الحرمان الشنيعة التي عاشوها أربع سنوات كاملة في أثناء الحرب لم تترك في نفوسهم فسحة لتحمل التبعات، والكدح في سبيل الآخرين، لقد خرجوا منهومين يريدون الاستمتاع في الحياة، يريدون أن يطفئوا السعار الملهوف، فلا بأس بالمرأة كصديقة تستجيب للرغبة اللاهفة، أو جسدا يشتري بالنقود، ولكن لا مرحبا بها زوجة وأما. ومن ناحية ثانية فإن الدمار الذي أحدثته الحرب كان يستلزم طاقة إنتاجية هائلة للتعويض ولم يكن من تبقى من الرجال كافيا لحركة التعمير الشاملة المطلوبة في كل مكان. والتقى الأمران على شيء واحد يجب على المرأة أن تعمل في السوق والمصنع والمنجم، وفي كل مكان يمكن أن تعمل فيه وإلا هلكت جوعا هي ومن تعول واضطرت المرأة كارهة أو راغبة أن تترك حياة المنزل المستقرة، وتنزل إلى المعترك الصاخب الذي لا يرحم ولا يجير، وانتهزت المصانع والشركات فرصة الحاجة الملحة التي تعانيها المرأة فشغلت النساء بأجور أقل من أجور الرجال، وإن كن يقمن بنفس العمل ونفس القدر من الساعات، وأصبحت للمرأة عندهم قضية؟ هي قضية المساواة في الأجور.

стр. 1154

لقد استخدمت المرأة لقضيتها كل سلاح من الاحتجاج والإضراب والتهديد ومع ذلك لم تظفر بنتيجة، وبدا للمرأة أنها طالما بقيت بعيدة عن مصدر التشريع فلا فائدة ترجى من وراء الصياح، ولا بد أن يكون لها صوت في البرلمان وقامت المرأة والتي لم تكن تطالب سوى المساواة في الأجور في بادئ الأمر قامت تقول نحن سيان في الخليقة الرجل لا يفضلنا بشيء ولا مزية له علينا. نتساءل بعد كل هذا هل عندنا أسباب موضوعية لحدوث ما حدث عند غيرنا؟ هل حدث في تاريخنا القديم أو الحديث أن أعطينا المدرسات مثلا راتبا أقل من راتب المدرسين كما تصنع انكلترا إلى هذه اللحظة وكما يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه معركة التقاليد بحجة أن المرأة تأخذ إجازة حمل وولادة ورضاع بينما الرجل لا يأخذ مثل هذه الإجازات؟. هل حدث عندنا شيء غير الاستعمار الذي استعمر الأرض بجنوده واستعمر كذلك كثيرا من القلوب والأرواح والمشاعر والأفكار فنشأت طبقة تقلد المستعمر تقليد القرود. ليست المرأة في الإسلام لمجرد الولادة والحضانة والإرضاع، كما أن الولادة في الإسلام ليست السب والشتم، إنما هي تكوين فكري ونفسي وخلقي للأطفال، إنها جهد ضخم شاق يحتاج إلى ثقة واختصاص، لذلك حرص الإسلام كل الحرص على تهذيب المرأة وتقوية الإيمان في ضميرها وتوفير الضمانات المعيشية لها. إن الإسلام يبذل كل هذا لأنه يحسب دائما حساب الأجيال القادمة التي تقوم بتربيتها الأجيال الحاضرة، ويهذب الحاضر ليكون في الغد نتاج نظيف، وهو في هذا يعنى بالرجل والمرأة كليهما، ولكنه يعنى بالمرأة خاصة لأن الأم هي المنشئة لخلق الأجيال.

стр. 1155

وتقوم بأخطر مهمة في حياة البشرية ومهمة رعاية الإنتاج البشري، وصيانته من الفساد، والتحلل والانهيار، وليس كما يقول الفارغون والفارغات إننا نعطل نصف المجتمع عن العمل، إنها لحماقة ما بعدها حماقة في عصر التخصص أن تنزع المرأة من اختصاصها الذي لا يحسنه غيرها لكي تشترك في الإنتاج المادي الذي يملك الرجل أن يقوم به، وتملك أن تقوم به العدد والآلات. وإذا كنا في عصر الاختصاص والتخطيط فجدير بنا أن نعرف كيف خطط الإسلام ورسم لنا في هذا المجال إنه كما يفهم من نصوصه وقواعده يجيز للمرأة أن تعمل خارج البيت ضمن الشروط التالية: ١- ألا يتعارض عملها خارج البيت مع وظيفتها الأساسية التي خلقت لها. ٢- أن يكون العمل ضمن الدائرة التي تختص ببنات جنسها وتتفق مع تكوينها الجسماني وفطرتها وذلك كالأعمال النسوية من تدريس للنساء وتمريض وتطبيب لهن. ٣- أن تلتزم حدود الآداب الإسلامية وما فرضه الله عليها من حجاب وما حرم من اختلاط. أما العلم فهو فريضة، كل ما في الأمر أن تتعلم ما يناسب فطرتها ويعدها لمهمتها الكبرى ذلك لأن القدرة الإلهية حين فرقت هذا التفريق أرادت أن يكون للرجل اختصاص في الحياة غير اختصاص المرأة، وما اختلاف التكوين الجسماني إلا نتيجة ليتجه كل لما أعد له فأي المنهجين أصلح للمجتمع وأليق بفطرة الحياة أن تثقف المرأة في مهمتها وضمن دائرة وظيفتها أو تثقف فيما ليس لهذه المهمة بصلة. فإذا كانت الظروف تدعونا إلى أن يكون من الفتيات طبيبات لبنات جنسهن أو معلمات فلا بأس، أما تعليم الكيمياء والهندسة مثلا وأمثالهما من العلوم فضرب من الترف لا يكون إلا على حساب المهمة الأصلية التي أعدت لها الفتاة وعلى حساب مزاحمة الرجل.

стр. 1156

لقد أدخلت الفتاة كلية الزراعة والهندسة والعلوم في بعض البلدان، فما جنت؟ لم تجن إلا خروجها من مشاعر الأنوثة إلى السترجال الخشن والمرأة امرأة مهما بلغت لا تستغني عن أن تكون زوجة, وأما لهذا تهدف فطرتها وتهفو نفسها في حنان بالغ إلى تعيم البيت والأمومة. إن المدارس التي تعلم الطبيب كيف يحارب العلل وينقذ المرضى، وتعلم التاجر كيف يروج بضاعته ويحسنها، والزارع كيف يجود حاصلاته وتسلم من الآفات، والصانع كيف يتقن صناعته يرقى بفنه، والأديب كيف يجني ثمار الأدب وينتفع بها. إن المدارس التي تعد كلا من هؤلاء لوظيفته ومركزه الخاص جدير بها أن تعد الفتاة، ووظيفتها تختلف عن وظيفة الرجل للقيام بدورها الخطير. فمما لا شك فيه أن الفتاة أحوج إلى دراسة نفسية الطفل في مراحل نموه، ومعرفة طرق العناية به خلقا وجسميا، وإلى دراسة قواعد حفظ الصحة والنظام منها إلى دروس في الميكانيك، وأحوج إلى علم التدبير المنزلي والتفصيل منها إلى الهندسة والفراغية وحساب المثلثات، وأحوج إلى دروس الدين الذي يهذب نفسها ويسمو بعواطفها، وينقي سريرتها ويطبعها طابع الأمومة الصحيحة والخلق القويم، ويعرفها بما لها وما عليها تجاه زوجها وأولادها. وعلى أي حال فقد كان للغرب ظروفه، وقد أعفانا الله من هذه الظروف المدمرة، أفلا نحمد الله بالرجوع إليه والسير في الطريق الذي ارتضاه.

стр. 1157

لقد نسيت المرأة أو تناست في كثير من بلدان العالم أن البيت هو المقر الأساسي لها، ونسيت مهمتها الرئيسة التي خلقت لها، نسيت أن استقرارها في بيتها وأدائها لواجبها لهو أكبر وأجل خدمة تؤديها لوطنها، ألا ليتها تدرك ما لوظيفتها من أهمية، وأثر حياة الشعوب والأمم، إنها أخطر من عمل المعامل الذرية والهيدروجينية ألا ليتها تعلم مقدار ما يعود على البلد من عظيم النفع والمجد إذا قامت المرأة بواجبها في إعداد الجيل القادم وتنشئته تنشئة طيبة صالحة، وإعداده إعدادا قويا سليما فالمرأة الناضجة هي القادرة في هذه الأيام على تحمل المسؤولية في إدارة شؤون البيت، وما يتبعه من التزامات وفي رعاية الأولاد والإشراف على تربيتهم وتهذيبهم فكيف توفق المرأة بين ما ذكرت وبين ما عليه حالتها الآن في كثير من البلدان من إهمال لبيتها وأولادها حتى أصبح الوقت الذي تمضيه خارج البيت أكثر منه داخله. وإن هنالك من يظن أن في استطاعة المرأة الجمع بين أداء واجباتها العائلية والعمل الخارجي، ولست أدري كيف يمكن الجمع بين هذا وذاك مع وجود ما سبق إيضاحه وتحديده من المسؤوليات؟ كيف توفق بين هذه الواجبات التي تطلب استقرار في البيت وبين ما هو حادث الآن من قضائها أغلب وقتها خارجه؟ تاركة للخدم مسؤولية البيت والأولاد وهم طائفة يعلم الله أنهم لا يفهمون مسؤولية أنفسهم لما هم عليه من جهل مطبق وإهمال شنيع!؟ وحادثة المربية التي استعانت بمادة الأفيون في تخدير الطفل ليريحها من بكائه أثناء غياب والدته الموظفة ليست ببعيدة.

стр. 1158

ثم لماذا تصر بعض النساء على فكرة الخروج من البيت والعمل في ميدان الرجل؟ ألا يمكن أن تتم المساواة كل في حيز الذي أعده الله له؟ وبدون أن يطغى أحدهما على اختصاص الآخر! وهل حينئذ تصبح دعوى المساواة أم دعوى تخريب حين يقال للجندي على الحدود: ما هذا الظلم؟ حيث تعيش بعيدا عن أهلك معرضا للخطر، والمرأة لا تخرج من البيت؟ إن المساواة تقضي أن تذهب إلى البيت وأن تخرج المرأة إلى خط النار؛ وأن يقال للعامل: ما هذا التخلف؟ حيث تقف وراء الآلة على قدميك ساعات بينما الموظف والمدير ورئيس الدائرة والوزير يقعد ست ساعات وراء الطاولة، إن المساواة تقضي أن يصبح العامل مديرا ورئيسا وأن يحشر الموظفون والرؤساء والقواد والمدراء إلى المعامل ليعملوا وراء الآلات، هل هذه دعوى مساواة أم دعوى تخريب؟ إن الدكتور محمد عوض يعلل هذه الظاهرة بقوله: "يقول علماء النفس إن هذه الظاهرة مردها إلى شيء يسمونه مركب نقص، وهو عبارة عن حالة نفسية تجعل صاحبها في سخط على عمله ووظيفته يرى أنه لم يعط العمل الذي يتفق مع كيانه وأنه لو قلد الأمر الذي يشتهيه لنبغ وأبدع". وسواء ما يزعمه علماء النفس هو التعبير الصحيح أو لم يكن، فإن مهمة المرأة الحقيقة الرئيسية داخل بيتها وإذا تبقى للمرأة بعد ذلك شيء من الفراغ فتستطيع أن تستغله في الإصلاح لبنات جنسها، ولقد ثبت بالتجربة العلمية أن المشكلات الاجتماعية التي نشأت عن هدم المرأة لعرشها كثيرة أهمها: ١- هدم التوازن الاقتصادي والانتهاء إلى أزمة اقتصادية ذلك لأن المرأة حينئذ تصبح منافسة للرجل والأصل في الرجل أن يكون مسؤولا عن عائلته وأولاده. ٢- انتشار العزوبة. ٣- هدم الحياة العائلية وإفساد العلاقات الزوجية وإهمال تربية الأولاد. بهذه المناسبة أكرر العجب أيضا!

стр. 1159

ولماذا تتطلع المرأة لكل ما هو من اختصاص الرجل ومن واجباته؟ ترى هل عقمت البلاد من الرجال؟ من يرشدني إلى ميدان من ميادين الرجل تنقصه الأيدي العاملة، ولا يوجد من الرجال من يملؤه ويسد الفراغ فيه؟ إن البلاد وخصوصا التي تزاحم المرأة فيها الرجل في حيرة شديدة كيف توجد أعمالا لهذا الجيش من العاطلين الذي يعول كل واحد منهم عائلة تتكون من زوجة وأولاد وأحيان أمهات وأخوات، يحدث هذا في الوقت الذي نجد فيه عددا ضخما من الفتيات والعاملات يشتغلن في الوظائف والمحلات وأغلبهن لهن من يقوم برعايتهن والصرف عليهن وبرغم ذلك يعملن وينافسن الرجل ولا دافع لهذا إلا التقليد والاستزادة ثم يصرفن الأجور في الترف وعلى ما تتطلبه منهن تلك المدنية الزائفة، من كماليات متعددة، وتبرج فاضح، وقد ثبت بما لايدع مجالا للشك أن توظيف المرأة في وظائف الدولة يزاحم الرجال في ميدان عملهم وفي الوقت الذي تزدحم فيه دوائر الدولة عندهم بالموظفات نرى العديد من المتعلمين حملة الشهادات يتسكعون في الطرقات لا يجدون عملا. إن توظيف المرأة بدلا من الرجل عمل لا يبرره المنطق والمصلحة، حيث نخرج المرأة من بيتها ونأتي بها إلى دواوين الدولة والمعامل والمؤسسات، ثم نطرد الشباب من مكانه ونرده إلى البيت والشارع، فهذا قلب للأوضاع، وإفساد للمجتمع، وسير بقافلة البلاد إلى طريق الفوضى والأزمات. لقد تولت الفطرة السليمة تقسيم العمل بين الرجل والمرأة على نحو عادل، فالزوجة تحمل الجنين تسعة أشهر في بطنها ثم ترضعه، وتقوم على مهده ومدارج طفولته، وجعلت القدرة الإلهية ذلك وقفا عليها وحدها وأعدتها إعدادا خلقيا له لا خيار لها في تقبله أو الفكاك منه، وهي في أثناء ذلك تتعرض لكثير من الضعف والألم والسقم وغيره مما يوهن عزمها ويضعف صحتها فلا تكون قادرة على اليسير من العمل.

стр. 1160

أما الرجل فقد أعفى مما أعدت له المرأة، وأعفي تبعا لذلك من موجبات السقم والألم، فكان عليه أن يقوم بالعمل الخارجي ويسعى في جلب قوته وقوت عياله؛ فهو لا يقدر على حمل الجنين في بطنه وولادته وحضانته وإرضاعه وخدمته، والحنان عليه كما تحضنه الأم وتشفق عليه، وذلك هو حكم الفطرة، فليست المرأة إذن خادما ذلولا مسخرا لخدمة الرجل، وليس الرجل معفيا من التكاليف، ولكنهما في تعاون معا على أداء مسؤوليات الحياة لكل منهما نصيبه، وفي ذلك بعض معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [٤] ، ومن ثم ندرك حكمة إعفاء المرأة من النفقة على نفسها وجعل ذلك من واجبات الرجل، فإنه ما كان يسوغ في منطق العدالة أن يثقلها بالحمل والوضع والرضاعة دون أن يقوم من جانبه بما يقابل ذلك من توفير النفقة لها. فنحن إزاء سياسة فاضلة تقوم بتوزيع العمل بين الزوجين على أساس من العدالة التامة والمساواة والشورى. أهذه قيمة الإنسان في حضارة المادة ووثنية المال؟
следующие страницы →