Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12181–12220 · переход к 12186.
стр. 12181
كلمة التحرير
لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه.
أما بعد. فإن الخير والشر ضدان لا يجتمعان، والخير حق والشر باطل، وهما في الضدية في صراع لا يهدأ، وتصير الغلبة لأحدهما على الآخر دوليك، وإنما تحصل هذه الغلبة على أيدي البشر أنفسهم لكن الحق يمتاز بالغلبة على الباطل بأن الله ﵎ يكون مع أهله ما صدقوا معه، فلا يخضع النصر للقوة المادية بالمقاييس البشري، بخلاف الباطل فإنه لابد لتفوقه من أمرين: القوة المادية الكاسحة وغفلة أهل الحق عن الأخذ بما أمر به الله من الأسباب الإيمانية والقوة المادية التي أمر الله عباده أن يهيئوا لأعدائهم بالإعداد لهم بحسب الاستطاعة.
وبهذه المقدمة يتبين أن واقع المسلمين اليوم مع أعدائهم إنما هو محصلة لهذين السببين.
وما حصل من خلل في بنية المجتمع البشري إنما المسؤول عنه غيبة الإسلام عن حكم واقعهم.
إن الإسلام لا يقر الظلم بجميع صوره وأشكاله يمارس ضد أحد، فالظلم حرام سواء كان ذلك بطريق مباشر أو بغير طريق مباشر، ومن أجل ذلك تأسست الحدود الشرعية لمنع الظلم وكبح جناح الظالمين الذين يزاولون الظلم ضد أمن البشرية في دينها وفي كيانها وفي عقولها وفي كل ما يتصل بحياتها.
стр. 12182
ومن ذلك أن الله ﵎ خمر الخمر تحريما قاطعا بحيث لا يقرب الإنسان حماها، لأنها فضلا عن إصابتها العقل – مناط الإدراك في الإنسان – بالشلل بحيث يعيش منقادا لغيره عديم الإرادة كالحيوان، فإنها توقع العداوة والبغضاء بين الذين سقطوا في تعاطيها، وتصدهم عن الله صدا كبيرا، يقول جل ذكره ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وبينت السنة النبوية المطهرة العقوبة الواجبة التي يستحقها من يشرب الخمر حماية لعقول الأمة وتجنيباً للعلل والأسقام عن الفتك بصحة أجسامها وأخلاقها بل إن رسول الله ﷺ كل من ساهم في إبراز الخمر إلى حيز الوجود وإعدادها لتكون في متناول الشاربين، فلعن عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها، ومعنى هذا أن كل من يسهم بنصيب في تيسير أمر تعاطيها تنسحب عليه لعنة الله التي تتضمن طرده من رحمته.
وإن أخطر من ينالهم شر هذه الخمر المتوهج، إنما هو الشباب الذي تعلق عليه الأمة عريض أمالها وتعهد إليه فيما بعد جسام مسؤولياتها، إذا لو أن الخمر ملكت عليه نفسه وأصرت لبه وتمكنت من قلبه لأفسدت عليه حياته وقوضت عليه أركانه ومن ثم ضاعت ما كانت الأمة تأمله فيه من خير.
ويلحق بالخمر في حكمها وآثارها الخطيرة كافة المخدرات والمفترات ومشتقاتهما من بيرة وحشيش وأفيون وكوكايين وقات وما شاكل ذلك بأي اسم وبأي لون مما يعد من أكبر المعاول في تدمير صرح الأمة والقضاء على كيانها.
стр. 12183
والله ﵎ حين كلف المكلفين خاطب فيهم العقل الواعي، فإذا أهلك هذا العقل فبأي شيء يعي الإنسان ويعقل عن الله؟ ألا إنه يصير في تلك الحال كالحيوان الأدنى ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ .
ويجب أن يعلم أن إقامة الحد واجب الدولة الإسلامية، ولا ريب أنه يجب على العلماء والمفكرين بيان شرع الله في الحل والحرمة المتعلقين بحياة الناس مما تكفل كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بإيضاح أحكامها وإنما مؤتمر مكافحة المخدرات والمسكرات التي تقيمه الجامعة الإسلامية في ٢٧/٥/١٤٠٢هـ إن شاء الله بالتعاون مع مقام وزارة الداخلية إنما هو تكريس لأفكار العلماء والباحثين المسلمين وغيرهم في بيان حكم الله في هذه الجرثومة الضارة للعقل والبدن وإقتصاد الأمة وأخلاقها والكشف عن هذا الخطر الداهم الذي يجعل من أفراد الأمة دمى لا روح فيها ولا حياة، فيسهل حينئذ على أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة وأعوانهم أن يملكوهم ويلتهموا ثرواتهم ويسخروهم كالآلات في خدماتهم ويشكلوهم أشكالا منوعة حسب ما يريدون مع الإستفادة بالاستشهاد بما توصل إليه إنسان هذا القرن بما هيأ الله له من وسائل التقنية (والتكنلوجيا) في تقرير حقائق هذه المسكرات والمخدرات، عسى أن يكون في ذلك مساهمة نافعة يفيئ بها الإنسان المنهمك في تناول هذه الأوبئة إلى رشده ويعرف موضع الخطر ويدرك عمق الهاوية التي يتردى فيها من ينزلق إلى حمأة هذه الرذيلة، فلعله أن يرعوي، ويقلع عن مقارفة هذه الجريمة التي تنطلق منها الجرائم جميعا.
стр. 12184
وإذا كانت الجامعة الإسلامية تقيم هذا المؤتمر فإنها إنما تؤدي واجباً هو من طبيعة وظيفتها في الدعوة والتبصير، فقد حدد نظامها الأساسي أنها مؤسسة علمية ودعوية كذلك وأن عليها أن تتخذ كافة الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف على هدي من الكتاب والسنة، وهي في ذلك تتأسى بالداعي الأول، إمام الهدى رسولنا محمد ﷺ ، الذي أمره ربّه أن يعلن على العالمين منهج دعوته بقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
بيد أنها بما تشتمل عليه من قدرة بشرية وإمكانات معنوية ومادية مؤهلة للقيام بهذا الواجب أصلاً، الذي يعد من صميم ما نيط بها لتقوم به نحو العالم الإسلامي خاصة، ونحو العالم بأسره عامة، فرسالة رسولنا الكريم محمد ﷺ إنما هي للناس جميعاً ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ، وما كانت كذلك إلا رحمة لهم لاستنقاذهم من وهدات الضلال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
هذا وقد دعت الجامعة لحضور هذا المؤتمر الهام حشدا من العلماء والمفكرين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي الذين نهلوا من علوم الشريعة، وجمعوا من خبرات الحياة ما يمكنهم من الإسهام في التوجيه في هذا المؤتمر، ليتوفر للبحث الذي يقوم عليه المؤتمر ما يجعله جديراً بالوفاء بكل مقومات البيان والإقناع بإذن الله .
стр. 12185
وإنني بهذه المناسبة لأتقدم بالشكر لله ثم لقادة هذه المملكة المسلمة، فقد توفر على أيديهم للمسلمين في كل مكان كل أسباب التمكين والنماء لجامعتهم الإسلامية، ولا نستطيع أن نفيهم حقهم كفاء ما قدموا للمسلمين في هذه الجامعة العتيدة سوى الدعاء بأن يديم الله على هذه البلاد عزها وأمنها في ظل عقيد الإسلام وشريعته بقيادة جلالة الملك المعظم وصاحب السمو الملكي ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الأعلى للجامعة الإسلامية حفظهما الله وأيدهما ونصر بهما الحق وأهله.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
стр. 12186
المُسْكرُ والمُخَدَّرُ جنَايةٌ على العقلِ
للشيخ سعد ندا
المدرس بكلية الحديث الشريف بالجامعة
العقل جوهرة يتميز بها الإنسان عن الحيوان، وهو مناط الإدراك فيه، فبه يفرق بين الخير والشر، ويميز به الخبيث من الطيب، ومن ثم حرص الإسلام أعظم الحرص على المحافظة عليه، وجعله محل التكاليف الشرعية، إذ قد أسقطها عمن فقده فقال رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم " (رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر) .
وحين نستقرئ آيات القرآن الكريم نجد أن الإشارة إلى العقل قد تكررت في صيغ مختلفة _ تسعاً وأربعين مرة [١]_ ورد فيها الاستفهام التقريعي التوبيخي بصيغة "أفلا تعقلون؟ "خمس عشرة مرة [٢] في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة آية ٤٤) .
وكذلك في الآيات رقم ٧٦ البقرة، ٦٥ آل عمران، ٣٢ الأنعام، ١٦٩ الأعراف، ١٦ يونس، ٥١ هود، ١٠٩ يوسف، ١٠ الأنبياء، ٦٧ الأنبياء، ٨٠ المؤمنون، ٦٠ القصص، ٦٢، ٦٨ يونس، ١٣٨ الصافات [٣] .
والاستفهام بقوله جل وعلا "أفلا تعقلون؟ "يوبخ أولئك المخاطبين، لأن الله منحهم قولا تدرك، ومع ذلك أبوا إلا أن يطمسوها طمساً تعطل به ولا تستعمل فيما أعدَّها الله تعالى له، فبدلوا هذه النعمة الجليلة التي أنعم الله بها عليهم كفراً، فلم ينتفعوا بها شيئا.
стр. 12187
وسوف يدركون هذه الحقيقة في الدار الآخرة فيقولون وهم يتلظون بالنار، كما أشار إليهم الله تعالى في قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك آية ١٠) فهؤلاء أعطاهم الله أسماعاً، وأعطاهم عقولاً، ولكنهم لم يستعملوا أسماعهم ولا عقولهم في إدراك الحق الذي أنزله الله تعالى، فكانوا بمثابة الذين انعدمت أسماعهم وعقولهم ولم تغن عنهم شيئا.
* وجاءت الإشارة إلى العقل بصيغة "لعلكم تعقلون "ثماني مرات [٤] وذلك في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة آية ٧٣) ، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة آية ٢٤٢) ، وكذلك في الآيات رقم ١٥١ الأنعام، ٢ يوسف، ٦١ النور، ٦٧ غافر، ٣ الزخرف، ١٧ الحديد [٥] .
وفي هذه الصيغة يتبين أن ما سبقها علة لكي يعقل الإنسان ويتدبر، ليفهم عن الله ما يلفته إليه.
* وجاءت الإشارة كذلك إلى العقل بصيغة "لا يعقلون "إحدى عشرة مرة [٦] في قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة آية ١٧٠) ، وفي قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة آية ١٧١) ، وفي الآيات رقم ٥٨ المائدة، ١٠٣ المائدة، ٢٢ الأنفال، ٤٢ يونس، ١٠٠ يونس، ٦٣ العنكبوت، ٤٣ الزمر، ٤ الحجرات، ١٤ الحشر [٧] .
وقد نعى الله تعالى على من عناهم في هذه الآيات أنهم لا يستعملون عقولهم بل عطلوها تماما فلم يستفيدوا بوجودها لديهم، فكأنها منعدمة لا قيام لها فيهم، ومن ثم لم يفهموا ولم يدركوا عن الله شيئا.
стр. 12188
* وجاءت الإشارة كذلك إلى العقل بصيغة "يعقلون "ثماني مرات [٨] ، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة آية ٦٤) .
ونرى في هذه الصيغة أن الله تعالى ساق قبلها آيات كونية بثها في أرجاء الكون، أو عبرا من صور الناس، ثم يجعل هذه الآيات محلا لتسليط العقل عليها للتدبر والاعتبار لمن استخدم عقله للاستفادة مما لفت إليه ﵎.
وقد كررت هذه الصيغة في الآيات رقم ٤ الرعد، ١٢، ٦٧ النحل، ٤٤ الفرقان، ٣٥ العنكبوت، ٢٤ الروم، ٢٨ الروم، ٥ الجاثية [٩] .
* وجاءت الإشارة إلى العقل بصيغة "إن كنتم تعقلون "مرتين [١٠] الآية الأولى هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران آية ١١٨) _ ومعنى (إن كنتم تعقلون) هنا أي إن كنتم عقلاء، وهذا على سبيل الهزَّ والتحريك للنفوس كقولك: إن كنت مؤمنا فلا تؤذ الناس. وقال ابن جرير: المعنى: إن كنتم تعقلون عن الله أمره ونهيه [١١] .
стр. 12189
والآية الثانية: هي قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الشعراء الآية ٢٨) ومعنى (إن كنتم تعقلون) هنا: أي إن كان عندكم عقول لأدركتم أن شروق الشمس وغروبها في المغرب _ وهو أمر يبصره العاقل والجاهل _ أمر لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين [١٢] .
* وجاءت الإشارة إلى العقل بصيغة (عقلوه) مرة واحدة [١٣] في قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة آية ٧٥) والمراد أن اليهود غيروا آيات التوراة بالتبديل والتأويل بعد أن عقلوها أي بعد أن أدركوها بعقولهم أي فهموها وعرفوها [١٤] .
* وجاءت الإشارة إلى العقل بصيغة (يعقلها) مرة واحدة [١٥] في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت آية ٤٣) ، والمراد أن الأمثال التي يبينها الله للناس في القرآن الكريم لتقريبها إلى أذهانهم لا يدركها ولا يفهمها إلا العالمون الراسخون الذين يعقلون عن الله مراده [١٦] .
* أقول: هذه لمحة موجزة عن الآيات التي وردت فيها الإشارة إلى العقل في القرآن الكريم. وإذا كانت الإشارة إلى العقل قد تكررت بهذا العدد الوفير، فإن ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على الأهمية العظمى للعقل لأنه مناط الإدراك في الإنسان، ومحل التكاليف الشرعية التي كلفه الله تعالى بها.
وإذا كان العقل بهذه المثابة، وله هذه المكانة، وهذه الأهمية، فقد أمر الشارع بالمحافظة عليه ضمن الكليات الخمس (الدين _ والنفس _ والعقل _ والمال _ والنسل) التي بحفظها يجمع الخير لحياة الإنسان.
стр. 12190
ومن ثم فإن اعتداء الإنسان عليه لتعطيله ووقف عمله، يُعدُّ جريمة يرتكبها الإنسان على بعض نفسه، وعلى إحدى كلياته وهو العقل، دون أن يجْرم هذا العقل في حق صاحبه شيئا، وعلى ذلك يستحق هذا المعتدي أن يعاقب تأديباً له على إجرامه. وحين ننظر إلى المسكرات والمخدرات التي يتعاطاها الإنسان نجد أنها من صور الاعتداء البشعة على عقله، لأنها تخامره وتخالطه، فتذهب وعيه، وتبدد إدراكه، ويصبح صاحبه المعتدي على نفسه، كالحيوان أو أضل، لا يفرق بين الخير والشر، لأن أداة التفريق قد أفسدت وعطلت، وانعدمت فيها قدرة التمييز.
والسكر بالخمر يخامر العقل، ويتخلل جوانبه، فيفسده، والتخدير بالمخدر يشل العقل، ويوقف عمله.
فهل لعاقل أن يقدم _ باختياره _ على تعطيل آلة غاية في الدقة وهي عقله تسجل له الماضي تسجيلاً دقيقا، وتساير له الحاضر مسايرة منتظمة، وتتصور له المستقبل تصوراً معقولا؟ هل لعاقل أن يفسد مثل هذه الآلة في روعة دقتها؟ وقد فطرها على هذا الإبداع الفريد الخلاق العظيم؟
إن الذي يقدم على إفساد عقله يدل بفعله هذا على أنه مستغن عن عقله، وليس في حاجة إليه، وأنه يريد أن يكون هكذا بدون عقل كالحيوان الذي لا يميز، أو كالجماد الذي لا يدرك مما حوله شيئا.
стр. 12191
وبين يدي هذه الصورة البشعة تتضح وقفة الشرع الحاسمة في منع هذا الاعتداء على العقل بالأمر الجازم بعدم قربان حمى المسكر ولا الاقتراب منه، فقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا، فإن وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة آية ٩٠ _ ٩٢) ، وقد ذكر المفسرون أن هذه الآيات هي جزم قاطع بتحريم الخمر _ وكل مسكر خمر _ واستدلوا على التحريم القاطع بما يأتي:
١ _ تصدير الآيات بلفظ (إنما) وهي تدل على التخصيص والحصر.
٢ _ قرن الخمر والميسر بعبادة الأصنام وهي (الأنصاب) .
٣ _ جعل الخمر والميسر رجسا أي نجسا _ مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ .
٤ _ جعل الخمر والميسر من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت.
٥ _ الأمر بالاجتناب _ أقول: والاجتناب معناه أن يكون المؤمن في جانب، والمأمور باجتنابه في جانب آخر، ومفهوم هذا أنه لا يأتي قريبا من حماه.
٦ _ جعل الاجتناب من الفلاح. ومفهوم المخالفة أن عدم الاجتناب خيبة وخسارة.
٧ _ ناتج الوقوع في الخمر والميسر التعادي والتباغض بين الواقعين فيهما، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
стр. 12192
٨ _ قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهو استفهام تقريع وتوبيخ، فيه زجر بليغ يؤكد التحريم. لهذا لما سمع عمر وغيره من الصحابة ﵃ قالوا: (انتهينا) .
٩ _ قوله تعالى بعد هذا الاستفهام ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ .
وهذا الأمر وإن كان أمراً مطلقاً، فإن المجيء به في هذا الموضع يفيد تأكيد التحريم، وقوله تعالى (احذروا) أي احذروا مخالفة الله ورسوله فيما جاء عنهما.
١٠ _ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ، معناه: إن أعرضتم عن الامتثال، فقد فعل الرسول ﷺ الواجب عليه من البلاغ الذي فيه رشادكم وصلاحكم، ولم تضروا بالمخالفة إلا أنفسكم، وفي هذا من الرجز ما لا يقدرُ قدره ولا يبلغ مداه [١٧] .
والخمر يأخذ حكمه كل مسكر بأي اسم كان، فقد روى البخاري _ بسنده عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "كل شراب أسكر فهو حرام ".
* شبهة أولى وردها:
أقول: وقد يعترض بعضهم بأنه يشرب زجاجة من الخمر أو النبيذ أو البيرة ولا يسكر، ويبني على ذلك أنه يصير _ بعدم إسكاره _ غير محرم. والجواب عن ذلك: أن هذه النظرة قاصرة جاهلة، لأن هذا الذي يشرب زجاجة واحدة فلا يسكر، لو أنه شرب زجاجتين أو ثلاثا أو أربعا أو خمسا فإنه يسكر قطعا، وما دام أنه قد سكر من كمية كثيرة، فإن أقل كمية تكون محرمة. فقد أخرج الترمذي وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام " [١٨] .
ومن ثم فإن أي شراب يسكر الكثير منه، يكون القليل منه حراما، وحكم القليل حكم الكثير.
* شبهة ثانية وردها:
أقول: وقد يعترض البعض بأن المخدرات لم يرد في القرآن النهي عنها، وكذلك الدخان لم يرد النهي عنه كذلك.
стр. 12193
وهذا الاعتراض مردود على صاحبه لما يأتي:
أ _ المخدرات: تتخلل العقل وتخدره، بل إنها تشله وتذهبه تماما إذا كثرت الكمية المتناولة، وما دام أنها خامرت العقل وأذهبته، فإن حكمها حكم الخمر، وتكون حراما.
فقد أخرج الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵃ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مسكر حرام ".
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة ".
رواه البخاري ومسلم (في باب الأشربة) ، وغيرهما.
ومن ثم فإن الحشيش والأفيون والهروين والقات وغير ذلك مما يذهب العقل كليا أو جزئيا حرام قطعا، حكمه حكم الخمر.
ب _ أما الدخان: فهو وإن كان غير مسكر إلا أنه مفتر للجسم، والمفتر هو ما يرخي الجسم، ويضعف الجفون، ويكسر الطرف. وهو منهي عنه شرعاً.
فعن أم سلمة _ زوج رسول الله ﷺ _ رضي الله تعالى عنها قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومُفتِر " [١٩] .
وبعض الناس يفتون بكراهية الدخان، ولكنه _ فيما يبدو لي _ أنه حرام للأدلة الآتية:
أن الله تعالى قال في وصف رسول الله ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف آية ١٥٧) .
стр. 12194
أقول: والمأكولات والمشروبات في نظر الإسلام إما طيبة وإما خبيثة، والطيبات حلال، والخبيثة حرام.
ونحن إذا سألنا شارب الدخان: هل هو خبيث أو طيب؟ ما وجد جوابا إلا أن يقول: إنه خبيث. ما يختلف في هذا الجواب عاقلان.
حقاً إن الدخان خبيث:
١ _ خبيث لأنه يفسد الأسنان فيحطم أساسها وشكلها.
٢ _ خبيث لأنه يضر الفم وينشر فيه الالتهابات الخبيثة.
٣ _ خبيث لأنه يضر بالحلق فينشر فيه التقرحات المتنوعة.
٤ _ خبيث لأنه يفسد الجهاز التنفسي.
٥ _ خبيث لأنه يفسد الجهاز الهضمي.
٦ _ خبيث لأنه يفسد الجهاز الدموي.
٧ _ خبيث لأنه يفسد الجهاز العصبي.
٨ _ خبيث لأنه يؤثر في محتويات الرأس فيفسد التفكير ويضعف الإدراك.
٩ _ خبيث لأنه يؤدي إلى أمراض خطيرة أعظمها السرطان والعياذ بالله.
١٠ _ وفوق ذلك فهو خبيث لأنه يؤدي إلى قتل النفس وإهلاكها وقد أمرنا الله تعالى بأن لا نقتل أنفسنا، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ (النساء آية ٢٩) ، كما أمرنا بأن لا نهلك أنفسنا فقال سبحانه: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة آية ١٩٥) . وسواء قتل الإنسان نفسه حالا أو على مراحل، كمن يمسك السكين ويطعن نفسه طعنة واحدة قاتلة، أو من يطعن نفسه عدة طعنات في مواضع مختلفة من جسمه ثم في النهاية تكون الطعنة القاتلة، فإن النتيجة أنه قاتل لنفسه. وشارب الدخان مثله في قتل نفسه كمن يطعن نفسه عدة طعنات مرة في ساقه ومرة في ذراعه، ومرة في يده ومرة في قدمه، والطعنه الأخيرة في صميم قلبه. فهو على أي الأحوال قاتل لنفسه، وملقٍ بها إلى التهلكة.
١١ _ فضلا عن ذلك فإن الدخان خبيث لإتلافه المال، فهذا الذي يشتري علبة الدخان بريال مثلا ويحرقها كأنه أشعل في الريال وأحرقه _ وقد نهينا عن إضاعة المال وإتلافه.
стр. 12195
١٢ _ زيادة على ما ذكرت فإن الدخان خبيث في رائحته، فنتن رائحته التي تنبعث من فم المدخن خبيثة للغاية. وإذا كان الرسول ﷺ قد منع آكل البصل والثوم والكراث _ وهذه شجرات غير محرمة _ من قربان المسجد واعتزاله لخبث رائحتها، فما بالنا بمدخن الدخان ورائحته أشد نتنا وأكثر خبثاً، مما ينبغي معه أن يعتزل المسجد ويمنع من دخوله؟
وبناء على ما ذكرت فإنه يبدو لي أن الدخان حرام قطعاً لأنه من الخبائث، والخبائث كلها (محرمة) وليست مكروهة كما يزعم بعض الذين لا يعلمون.
خطورة المسكرات والمخدرات على الفرد والأمة:
بعد هذه العجالة، أحب أن أتساءل، لأبرز مدى خطورة المسكرات والمخدرات على الفرد والأمة.
هب أن حريقا شب في منزل مجاور لك، وأحسست بلهبه، فعجلت إلى جيرانك لتنبههم إلى شبوب الحريق واندلاعه في منزلهم، فوجدت أفراد المنزل سكارى، ففتح أحدهم لك بابه ثم أغلقه في وجهك، والنار تشتعل في داخل المنزل _ فماذا تكون النتيجة.؟
النتيجة أن النار تلتهم المنزل بما فيه من السكارى، فلا تبق على أحد منهم ولا تذر.
وبالمثل لو أن حريقا هائلا شب في منازل الأمة، وحاولت أن تنبه إليهم أفرادها، فإذا هم جميعا سكارى؟ فماذا تكون النتيجة.؟
النتيجة أيضا أن الحريق يقضي على الأمة بأسرها لا يبقى منها على شيء.
وهكذا إذا سكرت العقول وتخدرت، تعطلت، وشُلت، فزحفت عليها زواحف الشر والطغيان، فأهلكتها وقضت عليها، وأفرادها لا يدرون ولا يحسون، بل يتحركون كالأنعام حركات آلية، عديمة الإدراك، يلقون حتفهم بأظلافهم.
إن الأمر جد خطير، وينبغي أن يوضع لتلك المبيدات حد من أولى الأمر في كل دولة، فالله يزع بالسلطان مالا يزعُ بالقرآن.
اللهم أرشدنا إلى الحق، وخذ بنواصينا وقلوبنا إليه، إنك جواد كريم، وأنت ولينا وأنت نعم النصير، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 12196
زيادة نسبة الأمراض بسبب التدخين
أهم الأمراض التي تزيد نسبتها في التدخين هي سرطان الرئة، أمراض الشرايين الإكليلية، أمراض تضيق الشرايين، سرطان الشفة واللسان والفم والحنجرة واللهاة والمرئ والمثانة والقرحة والإنثي عشرية.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] المعجم المفهرس.
[٢] المرجع السابق.
[٣] المرجع السابق.
[٤] المعجم المفهرس.
[٥] المرجع السابق.
[٦] المرجع السابق.
[٧] المرجع السابق.
[٨] المرجع السابق.
[٩] المعجم المفهرس.
[١٠] المعجم المفهرس.
[١١] صفوة التفسير المجلد الأول ص
[١٢] المرجع السابق المجلد الثاني ٣٧٧.
[١٣] المعجم المفهرس.
[١٤] صفوة التفسير المجلد الأول ص ٧.
[١٥] المعجم المفهرس.
[١٦] صفوة التفسير.
[١٧] فتح القدير الجزء الثاني ص ٧٣ _ ٧٤ _ ببعض تصرف.
[١٨] رواه الترمذي في الأشربة باب ما أسكر كثيره فقليله حرام، ورواه أبو داود في الأشربة باب النهي عن المسكر: ورجال إسناده ثقات، وحسنه الترمذي.
[١٩] أخرجه أبو داود في الأشربة باب (النهي عن المسكر) وفي سنده ضعف. وقد حسنه الحافظ في الفتح _ انظر: جامع الأصول ج٥ ص ٩٣.
стр. 12197
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
وجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام
بقلم: أحمد محمد جمال
جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام.. التي منحت لسماحة العلامة المجاهد بقلمه ولسانه الشيخ عبد العزيز بن باز – كانت تحية طيبة لسماحته من لجنة الجائزة، وإشعاراً للمجتمع الإسلامي بإدراك اللجنة الموقرة لمقام سماحته الكبير، مقام العلم النافع، والعمل الرائع، مقام الجهاد بالقلم واللسان والمال، مقام الناصح الأمين، الذي يعلن كلمة الحق، بين أيدي الرعاة والرعية، وبين الخاصة والعامة.
* أجل.. إن الشيخ عبد العزيز فريد في ميدانه علما وعملا، ونادر في مقامه جهادا بالقلم واللسان والمال..
كل أيامه في بيته، وفي مقر عمله – مشغولة بالزوار من طلاب الحاجات، وحملة المشكلات، وطارحي المسائل، وهو بينهم يقضي لهذا حاجته، ويحل لذلك مشكلته، ويجيب الآخر على مسألته، ويبذل للرابع شفاعته ليقبل في معهد أو كلية، أو ليعطي عونا ماليا لبناء مسجد، أو إنشاء مدرسة، أو إقامة مركز للدعوة الإسلامية.
وزوار سماحته متعددو الجنسيات، مختلفو الألوان والأوطان.. من البلاد العربية، ومن إفريقيا وآسيا، ومن أمريكا وأوروبا – لم يجدوا بابا غير بابه مفتوحا، ولا صدرا غير صدره متسعا لاستقبالهم، والترحيب بهم، ثم إمدادهم بما يريدون من عون مادي، أو فتوى دينية، أو شفاعة لدى مسؤول كبير لقضاء حاجة من حاجات الدنيا الكثيرة.
* ثم هو لا يسمع بمنكر يحدث في جماعة أو مجتمع، أو حتى من فرد صغير أو كبير – إلا سارع فكتب لولاة الأمر ينبه إلى مخاطر هذا المنكر، ويوجه إلى ضرورة القضاء عليه لئلا يفشو فيزداد وباؤه في المجتمع، فتسوء العاقبة والمصير.
стр. 12198
وإلى جانب ذلك: المؤلفات والأحاديث والمقالات عبر الصحف والمجلات والإذاعة: تعليما وتذكيرا، وأمرا بالمعروف، ونهيا عن المنكر، وتوجيها إلى الخير، ودحضا للباطل، وانتصارا للحق.
والمؤتمرات والندوات العلمية والدينية لا تخلو من محاضراته وأحاديثه القيمة.. مذكرا بماضي الإسلام، مطالبا بالعودة إلى سيرة السلف الصالح، وقبل ذلك العودة إلى كتاب الله الكريم، وسنة رسوله الرءوف الرحيم، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
* إن جائزة الملك فيصل – ﵀ – التي منحت لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ليست إلا مجرد تذكير بجهاده العلمي والاجتماعي والديني رمزاً لتقديره، والتعريف بمقامه الجليل.
وسماحته – أمده الله بعونه وتوفيقه – يمثل علماء السلف الصالح.. الذين كانوا يجمعون إلى العلم العمل، وإلى الجاه التقوى، وإلى السلطة الشفاعة الحسنة لأصحاب الحاجات، وحملة المشكلات، وذوي المظالم.
ولو كان علماؤنا – في كل منطقة من مناطق المملكة الخمس – على مثل علم الشيخ عبد العزيز بن باز وعمله.. لكان المجتمع السعودي اليوم – طولا وعرضا – غير ما نرى.. في مجالات الثقافة والتعليم والتربية، والسلوك الاجتماعي، والعلاقات العامة بين السادة والعامة.
وبعد.. فهذه تحية سريعة لسماحة العالم العامل، الناصح الأمين: الشيخ عبد العزيز، وأهم منها أنني أسأل الله مخلصا أن يمده بعونه وتوفيقه وتيسيره، ويجزيه على ما يبذل من علم ونصيحة أعظم الجزاء وأكرمه.
стр. 12199
دورُ الأدبِ
في مكافحة الخمر بين الجاهليّة والإسلام
للشيخ محمود محمد سالم
المحاضر بكلية اللغة العربية بالجامعة
ابتليت الأمم قديمها وحديثها في الشرق والغرب بآفة الخمر يحرك بها الشيطان في نفوس البشر نوازع الشر، ودوافع الفساد، ليضلهم عن ذكر الله، وعن الصلاة، ويوقع بينهم بسببها العداوة والبغضاء، ذلك أنها تغتال العقل الإنساني الذي فضل الله به الإنسان على سائر مخلوقاته، فتسلبه الحكمة والرشاد، وتحرمه القدرة على التدبر والتفكير، ثم ما تلبث بعد اغتيال العقل والفضل أن تفتك بقوة الجسم والنفس، فتترك شاربها مسلوب الإرادة، مشلول القدرة، سقطاً لا نفع فيه. ويصبح مذموماً مدحوراً، تكرهه الأرض كما تلعنه السماء.
- وقد شاع شرب الخمر في جاهلية العرب، واقترن بها في حياتهم كثير من الرذائل مثل استباحة النساء، ولعب الميسر أو القمار، مما فرض على مُقارفي هذه الرذائل حرصهم على جمع المال. لا يبالون من أين أتاهم من حرام أو حلال، فانتشر بينهم الربا والبغاء واستحلال الدماء والأموال من نهب الغارات، وما يجري فيها من انتهاك الأعراض والحرمات، وأقتات وأثْرى على ذيوع هذه الرذائل بعض الطبقات الطفيلية في ذلك المجتمع الجاهلي، فانتشرت الحانات، وصاحبات الرايات الحمر اللواتي يوفرن اللذائذ الرخيصة، والمتع التافهة لأولئك المخمورين التافهين الذين لا وزن لهم ولا قيمة في مجال القوة والفضائل.
أدب الإسلام في حرب هذه الرذائل:
стр. 12200
وحين أراد الله بهذه الأمة خيراً بنزول الإسلام فيها حارب هذه الآفات والرذائل في حياة الفرد والجماعة، فشدد عليها النكير، ووضع لها العقاب الصارم الرادع ليجعل من هذه الأمة قوة بناءة قادرة على حمل رسالة الله إلى الناس كافة، فقد وصف الله الخمر في القرآن بأنها رجس ومن عمل الشيطان، ونهى رسول ﷺ عنها، ولعن عاصرها ومعتصرها وشاربها، وجعل لشاربها حداً أربعين جلدة، وكذلك فعل أبو بكر ﵁، وحين رأى عمر ﵁ بعض العرب ما يزال يتورط في شربها جعل حدَّها ثمانين جلدة بعد أن استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أخف الحدود ثمانون جلدة [١] .
الأدب العربي وآفة الخمر:
ويجد الباحثون في تاريخ الأدب العربي دوراً بارزاً للأدب وبخاصة الشعر في انتشار آفة الخمر، والولع بها وذلك بما صوروه في شعرهم من النشوة واللذة التي تصاحب شربها ومن جمال المجالس التي تضم الندمان، وقد أحاطت بهم صور من الترف في لذيذ المطاعم والمشارب، ونعيم الملك وأبهة السلطان.
ذلك أن كثيراً من شعراء العرب الجاهليين الذين اشتهروا بشعر الخمر، كانوا ينتجعون ملوك الحيرة والغساسنة، فيلقون عندهم صنوفا من التكريم والعطاء ما يطلق ألسنتهم بالمدح والثناء، وتصوير ما يحيط بهم من ألوان المتعة وصنوف البهاء.
ومع وفرة النصوص الأدبية التي تشيد بالخمر في وصف محاسنها والإعجاب بنشوتها قديما وحديثا، فإن الباحث لا يعدم أن يجد النصوص الكثيرة التي تذمها وتزري بشاربيها، وتصور مضارها ومفاسدها وتبرز خطرها على العقل والدين.
الشعر الجاهلي وحرب الخمر:
стр. 12201
ففي الشعر الجاهلي نجد نصوصاً كثيرة. وإن كانت متناثرة – تصور ما أحدثته الخمر بشاربيها، وما نالت من كرامتهم، وما تعرضوا له بسببها من مهانة واحتقار، فطرفة بن العبد – وهو من أشهر واصفيها والمولعين بها والمدمنين عليها – يصور في معلقته ما ناله بسببها من تحامي عشيرته له، وإبعاده عنها حتى اجتنب منهم، وعزل البعير الأجرب الذي يعزل عن الإبل الصحاح حتى لا يصيبها بعداوه، وذلك حيث يقول:
وما زال تشرابي الخمور ولذتي
وبيعي وإتلافي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعير المعبد
ومع شيوعها في الجاهلية وفقدان الوازع الديني الذي يحرمها لم يكن معاقروها مثلا أعلى يحتذي به بين الرجال، ولا كانوا قدوة صالحة بين الناس، لأنهم ساقطو الهمة لا يرجيهم الناس لدفع ضرر أو جلب منفعة، وذلك ما يصوره قول أحد شعراء الجاهلية:
وليس فتى الفتيان من جلُّ همه
صبوح وإن أمسى ففضل غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح أو غدا
لضر عدو أو لنفع صديق
وواضح من هذا النص أن المثل الأعلى للفتوة والرجولة هو الشجاع القادر على منازلة الأعداء، الكريم القادر على نفع الأصدقاء، وليس المثل الأعلى للرجال ذلك المدمن على الشراب في صباحه ومسائه، فهو منعدم المروءة، ساقط الهمة، لا يرجى في حرب ولا سلم لأنه جعل همه هواه.
стр. 12202
وفي سير شعراء الجاهلية ما يقدم لنا دليلا على أن الذين أولعوا بها واشتهروا بها بين قومهم وذويهم كانوا يدمنونها في مرحلة من مراحل طيش الشباب، وعرامة الفتوة، ألهاهم الغنى والترف عن التعلق بمعالي الأمور، وعن الانشغال بجلائل الأعمال، ففي حياة امرئ القيس لمحات دالة على أن انغماسه في اللذات وانهماكه في اللهو والشراب كان في الفترة الأولى من حياته وقد طرده أبوه حجر الكندي الذي كان ملكا على بني أسد، وبلغه مقتل أبيه وهو في مجلس شرابه، وقال قولته المشهورة التي صارت مثلاً: ضيعني صغيرا، وحملني دمه كبيراً اليوم خمرٌ، وغداً أمرٌ، لا صحو اليوم، ولا سكر غداً ". وكان ذلك الحادث فاصلاً بين عهدين وحداً بين مرحلتين في حياته.
وقد مدح زهير بن أبي سلمى حصن بن حذيفة الفزاري، فكان مما امتدح من فضائله أنه لا يشرب الخمر، ولا يهلك فيها ماله وإنما يذهب بماله كثرة عطاياه للمحتاجين، وذلك حيث يقول:
أخي ثقة لا تهلك الخمرُ مالهُ
ولكنه قد يهلك المال نائله [٢]
من حرموا الخمر في الجاهلية:
وحرصت أمهات كتب الأدب العربي [٣] على أن تفرد أبواباً وفصولاً تذكر فيها من حرموا الخمر في الجاهلية تكرماً وصيانة لأنفسهم، وتورد قصصهم وأشعارهم التي تصور ذهابها للعقل والمال، وزرايتها بمروءة ذوي المروءة، وذهابها بالنخوة والنجدة.
وممن اشتهروا بتحريم الخمر في الجاهلية عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن بكر بن عدوان، ومن شعره في ذم الخمر وبيان ضررها على العقل والمال، وتحريمها على نفسه ما دام حياً قوله:
سآلة للفتى ما ليس في يده
ذهابة بعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربها
حتى يُفرَّق تربُ القبر أوصال
مورثة القوم أضغانا بلا إحن
مُزْرِيةٌ بالفتى ذي النجدة الحالي [٤]
стр. 12203
وممن اشتهروا بتحريم الخمر على أنفسهم في جاهليتهم قبل إسلامهم قيس بن عاصم المنقري الذي وفد على رسول الله ﷺ في وفد بني تميم فأسلم وقال عنه رسول الله ﷺ : هذا سيد أهل الوبر [٥] ، ومما روى في سبب تحريمه الخمر في جاهليته أن تاجر خمر في الجاهلية كان يأتيه فيبتاع منه، ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفد ما عنده، فشرب قيس ذات يوم فسكر سكراً قبيحاً، فجذب ابنته أو أخته، وتناول قرنها، فلما أصبح سأل عنها فقيل له: أو ما علمت ما صنعت البارحة فأخبر بالقصة فحرم الخمر على نفسه، كما روى أنه شرب ذات ليلة فجعل يتناول القمر، ويقول والله لا أبرح حتى أُنزله. ثم يثب الوثبة ويقع على وجهه، فلما أصبح وأفاق قال: مالي هكذا فاخبروه بالقصة فقال والله لا أشربها أبداً [٦] .
ومن المشهور قول قيس بن عاصم في تحريمه الخمر في جاهليته وتصوير أخطارها:
لعمرك إن الخمر ما دمت شارباً
لسالبةٍ مالي ومذهبةٍ عقلي
وتاركتي من الضعاف قواهم
ومورثتي حرب الصديق بلا نبل [٧]
وروى له ما يصور قصته مع التاجر وهو قوله:
من تاجرٍ فاجرٍ جاء الإله به
كأن لحيته أذناب أجمال
جاء الخبيث ببيسانية تركت
صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال [٨]
وقالوا: حرم صفوان بن أمية بن محرث الكناني الخمر على نفسه في الجاهلية وروى عنه قوله:
رأيت الخمر مَنْقُصَةً وفيها
مناقبُ تفسد الرجل الكريما
فلا – والله – أشربها في حياتي
ولا أشفي بها أبداً سقيما [٩]
وهي – حتى عند الجاهليين – أم الخبائث – ترتبط بكثير من الرذائل والفواحش فهي دافعة إلى الزنا، وداعية إلى لعب الميسر، وممن صور هذا الارتباط الوثيق بين هذه الرذائل التي أصلها الخمر الشاعر الجاهلي المشهور: عفيف بن معد يكرب عم الأشعث بن قيس، ومما روى عنه في ذلك قوله:
وقائلةٍ: هلُمَّ إلى التصابي
فقلت: عففت عما تعلمينا
стр. 12204
وَودَّعْتُ القِداحَ وقد أراني
بها في الدَّهر مشغوفاً رهينا
وحرَّمت الخمور عليَّ حتى
أكون بقعر ملحود دفينا
وقوله:
فلا والله لا أْلفى وشرباً
أُنازعُهم شراباً ما حييتُ
أبى لي ذاكَ آباءٌ كرام
وأخوالٌ بِعِزَّهمُ رُبيتُ [١٠]
وممن حرمها في الجاهلية عبد الله بن جدعان وكان سيداً جواداً من سادات قريش من بني تميم. وروى في سبب تحريمه الخمر أنه شرب يوماً مع أمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر الجاهلي المشهور، فضربه على عينه، فأصبحت عين أمية مُخْضَرَّةً يُخاف عليها الذهاب، فقال له عبد الله: ما بال عينك؟ فسكت، فألحَّ عليه، فقال: أوَلَسْتَ ضاربها بالأمس؟ فقال: أو بلغ مني الشرابُ ما أبلغ معه إلى هذا الحد، ثم دفع إلى أمية عشرة آلاف درهم. وقال: الخمر عليَّ حرام لا أذوقها بعد اليوم أبداً، وهو القائل:
شربت الخمر حتى قال صحبي
ألستُ عن السَّفاهِ بِمُسْتَفيق
وحتى ما أوَسَّدُ في مبيتٍ
أنام به سوى التُّرْب السحيق
وحتى أَغْلقَ الحانُوتَ صحبي
وآنَسْتُ الهوانَ من الصديق [١١]
قال أبو الفرج وهو يورد قصة عبد الله بن جدعان وتحريمه الخمر على نفسه في الجاهلية "إنه ما مات أحد من كبراء قريش في الجاهلية إلا ترك الخمر استحياء مما فيها من الدنس ".
--------------------------------------------------------------------------------
[١] كتاب عمدة الأحكام للإمام تقي الدين المقدسي في باب حد الخمر.
[٢] شرح ديوان زهير صنعة أبي العباس أحمد بن يحي ثعلب. ط الهيئة العامة للكتاب بمصر ص ١٤١.
[٣] مثل كتاب العقد الفريد الجزء السادس وأمالي القالي الجزء الأول والمستطرف للأبشيهي وكتاب الأشربة لابن قتيبة، والإصابة لابن حجر في تراجم كثير من الصحابة.
[٤] أمالي القالي ج١ ص ٢٠٧.
стр. 12205
[٥] الإصابة لابن حجر ج٣ ص ٢٥٣ رقم ٧١٩٤.
[٦] المستطرف للأبشيهي ج٢ ص ١٦١.
[٧] أمالي القالي ج١ ص ٢٠٨.
[٨] البداية والنهاية لابن كثير ج٨ ص ٣١.
[٩] العقد الفريد ج٦ ص ٣٤٦ – ويروي في بعض المصادر: "رأيت الخمر صالحة ""ولا أسقي بها أبدا نديما ".
[١٠]- خزانة الأدب للبغدادي تحقيق هارون ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ج ٥ ص ٣٣٠.
[١١]- الأغاني أبي الفرج الأصفهاني ط دار الكتب ج ٨ ص ٣٣٢ ومجموعة المعاني ط الجوائب ص ١٩٨.
стр. 12206
السكران
للشيخ محمد المجذوب
كلية الدعوة
عندما يقع بصرنا على شيء يسترعى الانتباه نلاحظ أنه يترك صورته ماثلة في خيالنا بعض الوقت، وأكثر ما يكون ذلك حين نغلق أعيننا عقب رؤيته فإذا هو منطبع على خلفية البصر بكل ما يميزه إلا تفصيلات الملامح. على أن بعض هذه المرئيات طويلة الأجل، فلا تكاد تفارق الذاكرة إلا ريثما تعود.؟. ومن أبرزها في أعماق نفسي صورة ذلك الكهل الأروادي التي ما زالت مخيلتي تحتفظ بها منذ خمس وستين سنة في وضوح يباين ما يتركه غيرها من الصورة العابرة.
ها أنا ذا أنظر إليه من خلال ركام الذكريات، وأوشك أن أميز كل ظاهرة في هيكله الضئيل الذي ما أحسبه يتجاوز صورة ابن الرومي، الذي يحدد حجم شخصه بقوله:
أنا من خفّ واستدقَّ فما يُثقل
أرضاً ولا يَسُدَّ فضاء
وقد عُبِئ هذا الهيكل في سروال صغير متوسط السعة، أحاط أعلاه بأسفل قميص متواضع من أرخص الأقمشة، وبرز فوقه ذلك الوجه الأسمر المنمنم، الذي استقرت عليه سمة غامضة يضيع تحديدها بين العبوس والابتسام، وتُطل من خلالها عينان لطيفتان لا أستطيع تحديد رؤيتهما لأنه قلما يوجههما إلى أحد من الناس.. حتى اسمه لا يخلص من ذلك الغموض، فهو في علمنا نحن الصغار على الأقل يوسف، أما من أمه وأبوه وأسرته فوراء مدركاتنا المحدودة. وما أحسب أحداً حتى من الكبار يُلِمُّ من تعريفه بغير هذا الاسم، ولا من هُويته بغير تلك الصفة المشتقة من صناعته اليومية (الكعَّاك) .
* كان المنزل الذي يسكنه أشبه بغار صغير مستطيل لا يتخلله الضوء إلا من مدخله الذي لا يتسع لأكثر من اثنين بمثل حجمه، ففيه يبيت ويأكل ويصنع الكعك، الذي يطوف به أسواقَ طرطوس وأزقتها عصر كل يومٍ وهو ينادي بصوته الأجش الهزيل.
كعك سخن.... سخن يا كعك
стр. 12207
ولقد ألفت منظر ذلك الكهل الأروادي إذ لا أكاد أفقد رؤيته في أي يوم، فإذا غدوت إلى حانوت والدي أو رحت منه إلى البيت، عبرت به فأقف قليلا مقابل مدخله أتطلع إلى يديه وهما تمارسان عمل الكعك، وبنفسي رغبة في أن أسرق هذه الصنعة لأعلمها والدتي، التي كانت قليلة الخبرة بصناعة الطعام، وبخاصة المشوقات التي لا تعرف منها سوى رصف الحمص على وجه العجين المرسل إلى المخبز، حيث تُغير النار من طعمه فتجعله أقرب القضامة، وكانت تلك هي المكافأة المغرية التي تُحبِب إلي حمل أقراص الخبز إلى الفرن، لآخذ بحظي منها في كل نوبة.؟.
وكان لهدوء ذلك الكهل الأروادي أثره في تطلعي إلى عمله، إذ قلما يضيق صدره بمشهد الصغار أمام مصنعه فلا ينفرهم كما يفعل أكثر الرجال الآخرين، وبخاصة ذلك النجار الأخرس الذي ما أن يكاد يرى إنساناً يحك رأسه حتى يثب نحوه مُعْملاً به كفيه، وهو يرسل مثل مواء الهر المهتاج. وأكثر ما يقع عدوانه على الصغار الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
وكان لهدوئه كذلك وبعده عن العنف أثر آخر في نفسي إذ كنت كثيرا ما أستشعر الأسى عليه فأتساءل: أليس لهذا الكعَّاك من أم أو أب؟ أليس له من زوج تنفض عنه غبار الوحشة؟. وكيف يستطيع العيش مع هذا الظلام الرهيب الذي يحتشد في جوف هذا الغار، ولاسيما حين يستحكم الليل؟! .
стр. 12208
* وأعود إلى حانوت والدي كشأني بعد كل عصر لأقرأ عليه ما تلقيته من دروس اليوم في المدرسة التركية، وألتقي الكعاك الكهل في الطريق، وهو يحمل فوق رأسه ذلك الطبق المصنوع من قش الحنطة، وقد نُضدت عليه أطواق الكعك المحمار، وانتشر من خلاله الأريج المحرك للرغبة، وجعلتْ حبوب السمسم تلتمع على جوانبه كالعيون الصغيرة تطل عليك ضاحكة من كل مكان.. وعلى دأب الرجل يعرج على حانوتنا ليضع لي الكعكة التي لابد منها ويُردفُها بالصرة الممتعة التي تحتوي مسحوق السُّماق الشهي، فيأخذ ثمنها القطعة النحاسية الصغيرة، ثم يمضي لغايته دون أن ينبس ببنت شفة، وأمضي أنا في قضم كعكتي في نهم مهذب، ومن ثم أفرغ للتدرب على تحسين الخط بمشاكلة القاعدة التي يكتبها لي والدي برسمه الأنيق، وقلما تتجاوز الأبيات الثلاثة التي تركت طابعها عميقاً في حياتي وجاهدت طويلا للتحرر من إيحائها:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي
فطاب الأنسُ لي ونما السرورُ
وأدَّبني الزمان فلا أبالي
هُجرت فلا أزار ولا أزور
ولستُ بسائلٍ ما دمتُ حياً
أسار الجيشُ أم ركب الأميرُ
ويتابع الكعاك مسيرته ويستمر صوته في نغمه المتشابهة: (كعك سخن... سخن يا كعك) .
стр. 12209
وما هي إلا ساعة أو بعضها حتى يخفت ذلك الصوت، لأن الكعك كله قد أتت عليه أيدي المشترين حتى لم يبق منه شيء.. ومن ثم تبدأ المرحلة الجديدة من يوميات صاحبه في موعدها، الذي قلما يعدو مطلع الساعة الأخيرة من النهار، وإذا هو مقبل من أعماق الحي الجنوبي المغلق على سكانه من النصارى، وقد سمّر بصره في الأرض كالكلب الذي استحكم فيه السُّعار ففقد خاصة الانتباه، وأخذ طريقه كالسهم الذي لا يلوي على شيء ولا يسلم من إصابته شيء صادفه، إلا أنه يختلف عنه في اضطراب مسيرته، فهو يترنح ذات اليمين وذات الشمال، ويحرك يديه في استرخاء كأنه يدفع عن نفسه شيئا يخشاه... وما هي سوى خطوات حتى يحدق به العفاريت الصغار وهم يهتفون:
السكران.. السكران... الله يلعن السكران.
ولكن الكعاك لا يُغير وجهته ولا يرد على الهتاف بكلمة، بل يستمر في انطلاقته المترنحة، على حين يتنامى موكب الهتافين من حوله، ويأخذ الصياح في التعالي، ثم يقبل الفارغون من هنا وهناك ليزيدوا في كثافة الموكب، ولا يكتفون بالهتاف يزفونه به، بل إن صمته ليغريهم بالمزيد من إيذائه، فهم يرمونه بالحصى، وبالأتربة، وبالأوساخ يجمعونها من قمامة الطريق، ولا يَضنُّ عليه بعضهم بالنعل يقذفه به، وبالبصاق يلطخ به رأسه ووجهه، فلا يملك إلا أن يضاعف من تحركه ابتغاء الخلاص، ولكن أنَّى له الخلاص وقد أحيط به من كل جانب، وما كان له أن يستمر في صمته فإذا هو يعمد إلى الصياح بصوت متشنج لا يفهم منه سوى زعيق الاستغاثة ولا من مغيث.
وهكذا يتواصل خط السير بالمسكين إلى أن يجد نفسه على شاطئ البحر فلا يتمالك أن يقذف فيه بجسده المنهوك، ولكن مشّيعيه يأبون أن يكفوا عنه عبثهم، فإذا هم يرجمونه بالحجارة، ثم لا يدعونه حتى يبعد عن مرمى أيديهم، وتحول بينه وبينهم طلائع العتمة فيفترقون عنه وهم يتصايحون: السكران... السكران... الله يلعن السكران.
стр. 12210
وبذلك تنتهي المرحلة الثانية من يوميات الكعاك ليستأنف مسيرته الجديدة المزدوجة في يومه التالي.
* وتكر الأيام والسنون ويسجل الزمن عامة التاسع عشر بعد المئة التاسعة والألف، ويكبر العفاريت الصغار ويتغير واقع الناس بعد زوال شمس الخلافة وانتشار ظلمات الاحتلال الفرنسي لديار الشام، ويغيب وجه السكران الوحيد الذي كان الملهاة اليومية لأولئك الأشقياء في طرطوس، فلا يعلم أحد منا مصيره ولا يدري من أمر هويته شيئاً غير الذي عرفناه من قبل.
ومن ذلك العهد دخل الناس مرحلة جديدة من الحياة فقد جاء جنود غورو، المتحدي لقبر صلاح الدين، بالسكر والأرز والأمتعة التي ما كان الناس ليحملوا بها أثناء سني الحرب، وكان أبرز هداياهم لذلك البلد وإخوته البنطال وربطة الرقبة (الكرافات) وألوان الخمور التي لم تعرفها طرطوس من قبل، إذ لم ينقص سوى أشهر قليلة على ذلك الاحتلال حتى شرعت حوانيت الخمارين تطل برأسها هنا وهناك، بعد أن كانت الخمور أيام الكعاك من الأسرار التي لا يعرف مزظانها، ولا يقدم على تناولها إلا المغامرون بأنفسهم وإنسانياتهم.. وتستمر الأحداث في التطور فإذا الحشيش والأفيون والكوكائين وما إليها من ضروب المخدرات تأخذ سبيلها إلى أبناء الأعيان الذين وافتهم الحظوظ بالمزيد من المال، فراحوا يشترون به أصناف المتع التافهة والمدمرة، ويجرون إلى مزالقهم الآخرين من الشباب الذين فُرغوا مثلهم من كل وعي إسلامي، وسلبوا كل شعور بالمسئولية، فأصبحوا وليس لهم من صفات الأحياء إلا أنهم يأكلون ويدخنون ويسكرون ويحششون ولا يستحيون أن يتسكعوا في الشوارع وهم متعتَعون ومقهقهون.
إلا من رحم الله ... وقليل ما هم.
стр. 12211
قَاتِلٌ.... وَنَشتَريهِ!!
للشيخ محمد رجب حميدو
المدرسة الفيصلية المتوسطة – أبها
مدخنة تمشي على أرجل
يحذيك من دخانه القاتل
من قَطِران التّبغ أسنانُهُ
صفراءُ ذاتُ منظرٍ هائلِ
ورأسُهُ مشتعلٌ شيبُهُ
ناهيكَ عن هيكله الناحلِ
سعالُه حشرجةٌ مرةٌ
وأنفُه كالجدولِ السائلِ
لفافَةٌ تذيبه مثلما
يذيبها في زمنٍ عاجل
لا كان من يسعى إلى حتفه
بظلفه، أو عاش للباطل
فمنْ بلاياها وأدوائها
ما لم يَعُدْ يخفى على عاقِل
كالسُّم والسلَّ وآلامِهِ
وكل داءٍ بالفتى نازلِ
كم تتلفُ الأمةُ من مالها
في نزوةِ الأحمقِ والثاملِ
لو أنفقتْ في العلمِ ما أحْرَقَتْ
لم يبق بين الشعبِ من جاهلِ
أو كان في البرّ وأبوابهِ
ما وقعتْ عينٌ على عائلِ
لكنهُ التقليدُ قد جرَّناَ
إلى إتباع سَنَنٍ مائلِ
ومحنةٍ عمياءَ من شرَّها
لماَّ نَزَلَّ في شُغُلٍ شاغلِ
قد حار أهل الرشد في أمرها
واختلط الحابل بالنابلِ
لِفاَفَةٌ لَفَّتْ بأكفانها
قوافلاً من جيلها الهازلِ
أَنصارُها في الفتكِ (نرجيلةٌ)
و (بيبة) ، و (جوزة الخامل)
أربعةٌ تغتالُ أجسادَنا
تحت دخانِ لِيلِها اللاَّئلِ
كم من أبٍ مدخنٍ قاتلٍ
أبناءهُ ومجرمٍ غافلِ
وكم جنينٍ موتُهُ كائنٌ
من عادةِ التدخينِ للحاملِ
والأمُّ تسقي سُمَّ ما دخنتْ
رضيعَها من ثديِها الحافلِ
لِفافَةٌ من بعض إجرامهَا
إفسادُهَا للصالِح الفاضلِ
كأنَّها والنارُ في رأسِها
كنايةٌ عن شرَّها الماثلِ
وكل ما يأتيك عن ضُرّها
فرملةٌ من معظم الساحلِ
ولا يرى المتعةَ في شربِها
إلا وريثُ الحُمْقِ عن باقلِ
стр. 12212
يَا ضحَايَا الكيف ...
للشيخ يوسف الهمذاني الشافعي
المدرس بالمعهد الثانوي بالجامعة
أَمِن الدنيا وغَرَّته رؤاها
وأبى إلا التردي في هواها
فإذا النور أراه زيفها
حطم المصباح كبراً وسفاها
ومضى يَخْبِطِ في عشوائها
ضَيَّع النور فأعماه دجاها
وإذا العقلِ تولى نوره
أضحت الدنيا ظلاماً ومتاها
أي نور بعد هذا يُرتَجَى
أي هَدْيٍ يُبلغ النفس هداها
هذه الدنيا كفينا شرها
كم أناس أسكرتهم بطلاها
كم حديث تكتم النفس إذا
فضحته الخمر شاهت ثم شاها
كم فِعالٍ قُبَّحَتْ تَأنَفُها
رُفِعَ الستر بها واسوأتاها
حرمات قد أبيحت جهرة
لم تجد من وازع يحمي حماها
أين عهدٌ توثق النفس به
وأماناتٌ أضيعت لهواها
أي مسخ يسخر الناس به
شاءه الله كريما فأباها
ضاق بالنعمةٌ والفضل كما
ضاق إبليس فأرداه شقاها
جعلوا الخمر دواء سفها
هل ترى الأنفس في حَتْفٍ شِفاها
كل يوم تخرج الدنيا لنا
مُلهيات تفقد النفس هداها
نفث الشيطان فيها كيده
فهي سم ليس ينجو من حساها
وترى الأفواج تهوى نحوها
ويباري كهلها فيها فتاها
أمَّل المفتون فيها سَلْوةً
ما الذي يُسليه عن مُرَّ شقاها
وترى الشيخ على شيشته
أو على السيجار لا يسلو هواها
إنها الدنيا أضلت أهلها
فتمادوا كلهم يبغي رضاها
ما لهم همٌّ سوى أن ينهلوا
عللا من لهوها أو من جناها
إنه داء الأولى قد جعلوا
من هواهم ومن (الكيف) إلها
لا يبالون بشيء بعدها
ضُبطَ الأمر أو انحلت عراها
وعلى التدخين كم من أمة
أقبلت من سمه تحسو رداها
فقد الناس إذن وَعْي الهدي
لم يعد من وازع.. من يتناهى.؟
كلما ازداد هوى شعب ذو سعة
زاد بُعْداً عن هدى الله وتاها
стр. 12213
فالعلاج الدين هل من صحوة
يا ضحايا الكيف ينجيكم هداها.؟!
стр. 12214
أَيُّها المدَخِنُ ...
للشيخ محمد المجذوب
كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
يا من يُريدُ دَمارَ ويَهْوى
الموتَ منتحراً بلا سكين
لا تيأسنَّ فإن مثلَك واجدٌ
كل الذي يرجوه في التدخين
وبفضلِ جهلِك قد غدوتَ لصانعي
تلك السمومِ السودِ خيرَ مُعين
تحبوهمُ المالَ الذي لولاه لم
يجدوا السبيلَ لِكيدِ هذا الدين
وتخون حق الله في الجسد الذي
لا يستبيح أذاه غيرُ خئون
فاهنأ بما حققتَ للأعداء من
نصر وللشيطان من تمكين
ما كان إبليسٌ ليدرك غايةً
لولا غباوةُ حزبه المأفون
وبمن ينالُ مُناه إن هو لم يَجدْ
عوناً بكل مضلَّل مفتون!
стр. 12215
نظرات الطب الحديث في المسكِراتِ والمُخدَّراتِ
للدكتور إسماعيل صبحي حافظ
طبيب باطني بالجامعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وبعد:
فأقدم في هذا الموضوع ما توصل إليه الطب الحديث من كتاب هاريسون لعام ١٩٨٠م (نظرات في المسكرات والمخدرات) حيث أصبح الطب ينقض بعض نظرياته السابقة التي يقول فيها ببعض الفوائد، مع أننا نحن المسلمين نصدق ونؤمن بما قاله أصدق القائلين سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ صدق الله العظيم في جميع ما قاله جل شأنه.
ونحن كذلك نؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ : "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر".
ولنا وقفة في هذا المجال حيث يجب علينا نحن المسلمين أن لا ننخدع بما يظهر به علينا العلم الحديث أحياناً من بعض الفوائد للأشياء المحرمة، حيث ما يقولونه اليوم، ينقصونه بعد فترة من الزمن، وما يكون لديهم اليوم حقيقة علمية ذات فوائد خفيت عنهم مضارها، تنكشف لهم مضارها في يوم آخر.
فالمشكلات الرئيسية في المجتمع الحديث تنصب على المسكرات والمخدرات، وإنما المشكلة النفسية الرئيسية هي: لماذا يستمر الإنسان على تعاطي هذه المواد مع علمه التام بما تسبب من أذى وضرر؟.
والمشكلة الطبية هي ما تولده من أمراض.
والمشكلة الاجتماعية هي ما تتضمنه من تأثير سيء على الفرد والأسرة والمجتمع والعالم بأسره.
والعدد الحقيقي لمدمني الخمر في الولايات المتحدة (١٠) مليون.
وعدد شاربي الخمر في الولايات المتحدة (٦٠) مليون.
وفي بريطانيا يوجد مليون مدمن خمر.
وفي فرنسا يوجد ٤ مليون مدمن خمر.
стр. 12216
وبالاستقراء يمكن إدراك ما يحدثه الكحول من دمار ونقص في الإنتاج وما يسببه من حوادث وجرائم، وأمراض عقلية وجسمية، وما ينجم عنه من تفكك عائلي.
"الكحول "أو الخمر:
ثبت في الطب الحديث أن الكحول الأثيلي هو الجزء الفعال في الخمر في جميع أشكاله فكل شراب يحوي الكحول الأثيلي أو الكحول المثيلي له صفة الإسكار وإن تفاوتت النسبة حيث إن بعضها يحوي ٦٠% وبعضها الآخر يحوي ٤% فكلها مواد مسكرة.
وقد ثبت أن البيرة والمشروبات الأخرى لا تعتبر ذات قيمة غذائية.
نظرات في التأثيرات الفيزيولوجية والنفسية للخمر:
١ – قالوا سابقا إن للخمر فوائد في توسيع شرايين وأوعية القلب ثم ثبت بأن الخمر تنكس ألياف العضلة القلبية بتثبيط خمائري، وتحدث الجلطة القلبية بشكل مباشر وغير مباشر.
٢ – وقالوا سابقا إن الخمر تدفئ الجسم ثم أثبت الطب الحديث بأنها توسع الأوعية المحيطية، وشعور الإنسان بالحرارة الخارجية يكون على حساب امتصاص الحرارة المركزية، وقد يحدث الموت المفاجئ في المناطق الباردة.؟
٣ – وقالوا إن الخمر يزيد الشهية ثم أثبت الطب اليوم أن الخمر يزيد الإفراز المخاطي بالمعدة وينبه أعضاء الذوق الإنتهائية، ومنه يثبط إفراز الحمض الضروري للهضم فيحدث عسر الهضم والتهاب حاد بالمعدة.
٤ – والتأثير المنعش في حالات التعب ظاهرة فيها الرحمة وباطنها فيه العذاب، حيث إن هذا التأثير من شعور دماغي، ولكن على حساب العضلات المجهدة المنهكة.
٥ – وأثبت الطب الحديث بأن الخمر تحدث إما نقصاً في سكر الدم أو الداء السكري وذلك بإصابة أماكن تولد الفليكوجين. وقد يحدث الحماض اللاكتائي حيث يتأكسد الكحول الإثيلي وبتحولات كيماوية يحدث الحماض.
стр. 12217
٦ – والرأي الحديث يقول بأن الكحول مثبط للجملة العصبية وليس منشطا.؟ وبعض التأثيرات الظاهرة من التنبيه تعود لتثبيط بعض النوى تحت القشرية من الثرثرة والفعالية الشديدة. حيث يبدأ تثبيط القشر الدماغي. ويؤثر الكحول عكسياً على كل أشكال الأداء الحركي ووضعية الوقوف وضبط الكلام، وحركات العين.
ويقلل الكحول من كفاءات الأعمال العقلية، وينقص قوة الانتباه والتركيز، ويقلل من ملكات المحاكمة والتمييز، ويفقد القدرة على التفكير والتعقل بوضوح.
نظرات في الأمراض الناتجة عن الخمر:
أصبح ما ينتج عن الخمر من أمراض:
١ – التهاب المعدة ومنه عسر الهضم والألم الدائم بعد الطعام.
٢ – تليف الكبد وهو سبب للموت المحقق.
٣ – التهاب البنكرياس وهو سبب كذلك للموت المحقق.
٤ – فقر الدم.
٥ – مرض القلب الكحولي وهو سبب للموت المحقق.
٦ – الذبحة الصدرية وتؤدي إلى الوفاة.
٧ – السبات وفقد الوعي الكامل الذي يؤدي إلى الوفاة.
٨ – التهاب الأعصاب وألم الأطراف المستمر.
٩ – الخبل العقلي والشلل التشنجي.
نظرات الطب الحديث في الأخطار الناتجة عن شرب الخمر:
١ – التحلل الأخلاقي والجنون.
٢ – انتشار الجرائم الجنسية وتفشي الشذوذ الجنسي بأنواعه المختلفة.؟
٣ – انتشار الأمراض الجنسية كالسيلان والزهري خاصة في البلاد الغربية من مخلفات الإدمان المفرط.
٤ – إيجاد الاستعداد الوراثي للإدمان حيث إن بذرة الإدمان تنمو بسرعة في تربة الإدمان العائلي.
٥ – الخمر سبب مباشر وغير مباشر في ٥٠% من حالات الوفاة في معمل الطب الشرعي في إحدى الولايات الأمريكية.
٦ – فقد القدرات الدقيقة على الحكم والملاحظة والانتباه لدى السائق والطيار والبحار نتيجة تناول الخمر مما يعرضه وغيره للموت المحقق عند شربه قبل العمل أو أثناءه.
стр. 12218
٧ – البطالة فيصبح المدمن عالة على غيره هو وأسرته.
٨ – نقص الإنتاج والدخل القومي.
٩ – قد يحدث سلوك مخرب غير معقول بسبب تناول كمية صغيرة من الكحول تغري بالشرب وتؤدي إلى الاستعداد للتحسس بالكحول بما يعرف بالحالة الزورية الكحولية الحادة فيقتل الكحولي بدون أن يشعر بأنه قام بهذا الفعل.
فهل هناك بعد ذلك شك في أن "ما أسكر كثيره فقليله حرام "؟ .
نظرات الطب الحديث في معالجة الإدمان وشرب الخمر:
طالعنا الطب الحديث بأن أساس المعالجة الناجعة للإدمان على شرب الخمر هو الانقطاع الكامل المطلق عن الشرب، الذي يمثل عملياً الحل الوحيد الدائم. ومن المتفق عليه طبياً أن أي محاولة لكبح عادة الشرب بالتقليل أو بالتدرج أو بالمناسبات ستفشل إذا استمر المريض على الشرب.
وهكذا فلن يكون هنالك لا حاضراً ولا ماضياً ولا مستقبلاً أفضل مما قاله الله سبحانه ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ .
وهل هناك أفضل علاج من قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
يقرأ منادي رسول الله ﷺ قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فيقول الصحابة ﵃: ربنا انتهينا.
وقد فشلت وسائل الإعلام في أمريكا الشمالية - في إبعاد الناس عن الخمر رغم ما كفلت الحملة الإعلامية عام ١٩٢٠م من أموال بلغت حوالي ٦٥ مليوناً من الدولارات، ورغم قانون منع المسكرات الذي يجعل عقوبة السكر السجن والغرامة من عام ١٩٢٠ حتى ١٩٣٦م ولم يُجْدِ هذا كله شيئاً - والذي يجدي فعلاً هو الوازع الديني يوجده هذا الإسلام العظيم.
стр. 12219
وقد فكرت جمعية الكحوليين المغفلين (AA) في أمريكا الشمالية وهي تتكون من الكحوليين السابقين الذين تركوا الكحول - وقدمت الأسس التي ترشد المدمن إلى الإقلاع عن الشرب – ولكن دون فائدة - والحقيقة أن الامتناع الكامل عن الشرب إنما يكون بالاستعانة بالله ثم الجم في ترك الشرب نهائياً.
نظرات في طرق مكافحة الخمر الوقائية:
١ – تدريس أضرار الخمر الطبية حيث يجب أن تكون جزءاً من المواد الدراسية التي يدرسها الطالب في الابتدائي والثانوي والجامعات.
٢ – عرض أفلام تلفزيونية طبية عن أضرار الخمر.
٣ – إلقاء محاضرات إذاعية قصيرة يشرح في كل محاضرة منها مرض من الأمراض التي تنتج عن شرب الخمر.
٤ – عرض لقطات قصيرة وصغيرة عن كل ضرر من الأضرار الناتجة عن شرب الخمر.
٥ – تزويد خطباء المساجد أو مدرسي العلوم الشرعية ببعض المعلومات الطبية لإضافتها على النواحي الشرعية عن أضرار الخمر ليكون وقعها في المسامع أفضل وأقوى.
٦ – التدقيق في بعض المشروبات المستخرجة من التفاح والشعير المستوردة من الخارج، والتحقق من أنها غير مسكرة.
٧ – عدم التساهل في بيع الكولونيا والعطورات التي تحوي الكحول لأن بعض ضعاف النفوس يشربونها بقصد السكر.
٨ – إعداد جهاز مقياس الشرب يحمله شرطي المرور ليعرف السائق المخمور وذلك بهواء الزفير من السائق، فيمنع السكران من القيادة.
٩ – يجب أن تعرض على الناس النتائج الطبية والاجتماعية السيئة التي تنجم عن الشرب المستمر، كما يُفَهَّم الناس أن الشرب باعتدال لا يمكن أن يتحقق لأسباب منها مثلا مرض السكر، فمريض السكر لا يستطيع الامتناع عن المواد السكرية.
١٠ – القيام بطرق شخصية تقدمها المستشفيات والمراكز الخاصة كأن تبغض الخمر لشاربيها مستعملة أدوية مقيئة.
стр. 12220
١١ – الاستعانة بالطب النفسي لإقناع المريض بالمنطق والمحاكمة بأن الامتناع عن الشرب أفضل من السكر المقيئ.
"المخدرات "
١ – إن أكثر المدمنين من الشباب والأحداث المنحرفين الذين يعيشون في الأوساط الفقيرة وفي المدن الكبيرة.
ويبدأ تعاطي المخدرات في سن المراهقة بين ١٧ – ١٨ سنةً وثلثا المدمنين للمخدرات هم ممن دون ٢١ عاماً. والسبب الرئيسي هو معاشرة المدمنين، واستعمال الأدوية لغرض دوائي.
٢ – يجب ملاحظة الأدوية التي لها تأثير مخدر، خاصة الأدوية التي تستعمل لأمراض عضوية. فمثلا دواء لوموثيل للإسهال له خاصة مشابهة للأفيون.
٣ – يلاحظ أن ٩٠% من المدمنين على الأفيون يشاركون في عمليات إجرامية.
٤ – الاستعمال الدائم والذاتي لمتعاطي المخدرات هو أنه تطلب زيادة الجرعة ليحصل على نفس الشعور من الهيمنة والسعادة والتيه بعد استعماله الجرعة البدئية.
٥ – المريض المدمن يحاول إخفاء إدمانه عن طبيبه.
٦ – هنالك طريقة مخبرية تكشف المورفينات في البول، وتكشف أي جرعة مأخوذة قبل ٢٤ ساعة.
٧ – يمكن معالجة الإدمان بنوع من المخدرات أخف يحدث إدماناً من نوع آخر.
٨ – يجب أن يعالج المدمن في بيئة خالية من المدمنين.
الجزء الفعال في المخدرات:
كل مادة نباتية أو تركيبية تؤخذ بطريق الحقن، أو الفم، أو الاستنشاق، أو الشيشة، أو السيجارة ولها صفة مفترة.
والمخدرات أنواع:
١ – مسكنات (كالأفيون ومشتقاته) .
٢ – منومات (كالباربيتوريات) .
٣ – مهدئات (كالفاليوم) .
٤ – مهلوسات (كالحشيش والماريوانا والقات) .
٥ – منبهات (كالامفاتامين والكوكائين) .
следующие страницы →