Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12146–12185 · переход к 12151.
стр. 12146
وذكر صاحب صفوة التفاسير أن المعنى هو أن ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ أي ملكا وخلقا وعبيدا، وأنه سبحانه وصى الأولين والآخرين وأمرهم أجمعين بامتثال الأمر والطاعة، ووصاهم جميعا بتقوى الله وطاعته، وإن يكفروا فلا يضره تعالى كفرهم، لأنه مستغن عن العباد، وهو المالك لما في السماوات والأرض، فهو غني عن خلقه، محمود في ذاته، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين [١٠] .
فالحمد لله أولا وآخر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الكواشف الجلية: ص١١، ١٢ ببعض تصرف.
[٢] المعجم المفهرس.
[٣] تفسير القرآن الكريم الجزء الأول ص٣٢٠، ٣٢١
[٤] فتح القدير الجزء الأول ص٢٨٩
[٥] تيسير الكريم الرحمن الجزء الأول ص١٥٩
[٦] صفوة التفاسير الجزء الأول ص ١٧٠
[٧] تفسير القرآن الكريم الجزء الأول ص٥٦٤
[٨] فتح القدير الجزء الأول ص٥٢٣.
[٩] تيسير الكريم الرحمن –الجزء الثاني ص٨٩
[١٠] صفوة التفاسير المجلد الأول ص٣٠٩
стр. 12147
الرّاغب الأصفهاني وموقفه من الفرق الإسلامية
للدكتور عمر عبد الرحمن الساريسي
أستاذ بكلية اللغة العربية بالجامعة
مقدمة:
إن من يبحث في حياة أبي القاسم، الحسين بن مفضل المعروف بالراغب الأصفهاني [١] ، وفي جهوده المختلفة في اللغة والأدب وفي موقفه من الفرق وعلماء الكلام يجد عنتا شديدا. فبينا هو يرى أن معجمه في مفردات ألفاظ القرآن لم يستغن عنه مفسر أم معجمي جاء بعده، ويلحظ أن كتابه في ((محاضرات الأدباء)) لا يجهله أديب، وبينا هو يطالع قول بعضهم من أن أبا حامد الغزالي (٥٠٥ هجري) كان يعجب بكتابه ((الذريعة إلى مكارم الشريعة)) ويستحسنه لنفاسته؛ [٢] إذا هو لا يكاد يجد له ترجمة في كتب الطبقات والتراجم [٣] !!
وربما نتج عن هذا أن الرجل لم ينل حظه من الدراسة والكشف في الأبحاث المعاصرة، فلم تقرر له دراسة مستقلة بل لم تعن به الدراسات التي تناولت آداب العصر العباسي وأدباءه [٤] .
أما المشكلة الثانية التي تجابه المتصدي للكشف عن آثاره هذا الرجل وأثره فهي تحديد عصره وذكر تاريخ وفاته وشيء عن نشأته. فكل مل قيل عنه لا يعدو ذكر ميلاده في أصفهان واختلافه إلى بغداد، وأنه إمام في اللغة الأدب والتفسير وأنه مات عام ٥٠٢هجري.
وقد رجح لي أنه قد توفى قبل هذا التاريخ بقرن كامل من الزمان!!! وهو فرق ليس باليسير في معرفة رجال التراث.
وقد وقفت على جهود ومخطوطات للراغب في اللغة والأدب والتفسير والتربية والسلوك والموقف من الفرق الإسلامية وعلماء الكلام تستحق أن أفرد لكل منها بحثا مستقلا. وها أنا أحاول هنا أن أرصد جهوده في الفرق والله الموفق.
موقفه من الفرق الإسلامية
стр. 12148
إن انتماء الراغب الأصفهاني إلى إحدى الفرق الإسلامية لم يكن واضحا، لذا نحاول أن نوضح هذا الانتماء عن طريق محاولة بسط موقفه من كل هذه الفرق. ولعل مما يسهل الوصول إلى هذا الهدف وصف آثار الراغب ذات العلاقة بالعقيدة والفرق الفكرية والسياسية.
آثاره:
لقد اطلعت على ثلاث مخطوطات له في هذا الصدد، هي رسالة في الواحد الأحد [٥] ورسالة في تحقيق البيان [٦] ورسالة في الاعتقاد [٧] . وقد يجد الباحث أنه كان ينفذ بين الحين والحين أحينا لموضوع العقيدة والفرق في كتابيه المنشورين والمشهورين في موضوع الأخلاق والسلوك وأعني الذريعة إلى مكارم الشريعة، وتفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين.
ففي الرسالة الأولى، وتقع في ست ورقات، وأراد الراغب أن يميز بين معنى كل من لفظي واحد وأحد، لما كان يدور على ألسنة الناس من جدل وكلام في موضوع التوحيد. وكان يحجم في بعض الأحيان عن إتمام ما يخطر بباله لئلا يظل غامضا فيصبح سبب فتنة بين العوام، ولعل الراغب في هذه الرسالة يثبت قدما راسخة في اللغة وفي الدين.
стр. 12149
وأما رسالة ((تحقيق البيان في تأويل القرآن)) فقد ذكرها الراغب في مقدمة أحد كتبه، وذكر بروكلمان [٨] أنها موجودة في إحدى مكتبات مشهد بإيران. فطلبتها من هناك فأرسلها لي صديق. وهي تقع في ١٦٩ ورقة وقد فقد منها سبع عشرة ورقة من بدايتها، فلم نجد المقدمة ولم نجد الفصول الثلاثة الأولى وجزءا من الرابع الذي يبدو أنه قصره على الحديث عن الملائكة وفيه معها أحاديث عن الجن والشياطين والعفاريت والمردة وعن السحر، وقد قصر الفصل الخامس على كتاب الله الكريم وعلى علومه وعلى ما نشأ حوله من كلام الفرق وبسط في قول المعتزلة في مخلوقيته وبين أنه لا يراها مناسبة. أما الفصل السادس فقد أداره حول موضوع القدر والقضاء وحكمة الله منهما وما نشأ فيهما لدى الفرق من أقاويل. وفي الفصل الأخير تناول موضوعات في الإيمان والإسلام والوعد والوعيد. وإنه ليبدو أن الرسالة تهدف إلى التعرض لموضوعات الإيمان في العقيدة الإسلامية وإثباتها من وجوه العقل والنقل واللغة. وكثيرا ما كان يرد فيها على الفرق ويأتي بآراء أهل السنة والجماعة.
أما الرسالة الثالثة فقد عقد لها عنوان رسالة في الاعتقاد، وهي تقع في ٣٥ ورقة، ذكر في مقدمتها أنه قد صنفها للتفصيل في الاعتقادات التي تحكم للمرء بالإيمان أو بالكفر، وقد تعرض للكفر والإيمان قبل الإسلام بذكر الديانات السماوية وذكر غيرها من الديانات التي أتى بها بشر وابتعدوا عن التوحيد، ثم تعرض بتفصيل أكثر لجميع الفرق الإسلامية، من داخل الشرع، وبين أخطاء كل فرقة من هذه الفرق، بأدلة مستنبطة من كتاب الله، ثم انتصر بوضوح لآراء أهل السنة والجماعة.
стр. 12150
نحاول بعد هذا الوصف الموجز لآثاره الراغب في العقيدة أن نقف على موقفه من الفرق وعلماء الكلام. فقد ذكر البيهقي، الذي كان أول من ذكره، "أنه من حكماء الإسلام" [٩] أي أنه من رجال الفكر الإسلامي الذين رسخت لديهم أصول هذا الفكر الديني، وأضاف البيهقي "وكان حظه من المعقولات أكثر" [١٠] أي أن الرجل كان يصغي لصوت العقل في تثبيت أركان الإيمان إضافة إلى ما يستخدم من أدلة نقلية فيه، وفيها إشارة إلى غلبة الجانب العقلي في الدراسات الدينية.
ثم إننا نجد النص التالي لدى جلال الدين السيوطي "وقد كان في ظني أن الراغب معتزلي حتى رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي (٧٩٤) ....ذكر الإمام فخر الدين الرازي (٦٠٦) .... أن أبا القاسم من أئمة السنة...."وهو قول لا نستطيع إلا أن نحترمه، ثم يضيف السيوطي: "وهي فائدة حسنة، فإن كثيرا من الناس يظنونه معتزلي [١١] ". أفهل يكون هذا التعليق ردا على ما ورد في حديث البيهقي من تغليب الجانب العقلي لدى الراغب؟ ربما كان كذلك ولكنه لا يكفي في إصدار حكم.
وترد إشارة ثالثة في هذا الصدد، فيقول الخوانساري في ((روضات الجنان)) ، وهو من مصنفي الشيعة: "إن الراغب كان من الشافعية"وهذا حكم واضح أما سببه فـ"كما أستفيد لنا من فقه محاضراته" [١٢] ويعني مناقشة الأمور الفقهية في كتاب محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء المعروف للراغب. غير أن هذا المصنف لا يلبث أن يورد حكما آخر غير مطمئن إليه فيقول عن الراغب: "وفي بعض الكتب أنه اختلف في تشيعه"ولعل هذا المصنف قد كان يتوخى الموضوعية فلم يفد من هذا الاختلاف فيحاول أن ينسب للراغب اتجاه التشيع.
ومع ذلك كله فإن هذه الأقوال تظل بحاجة إلى براهين أقوى لتوضيح هوية الراغب الفكرية بين الفرق. وهذه قد لا تتأتى إلا من آثار الراغب نفسه.
الفرق غير الناجية:
стр. 12151
إن الأمر سيطول لو أشرنا إلى كل رأي رآه الراغب في أشهر الفرق التي عاصرها من مرجئة وقدرية ومعتزلة وخوارج وشيعة، فكثيرا ما كان يعلق على مفردات آرائهم ومواقفهم بآراء ومواقف تلتقي، إذا ما قورنت، بآراء أهل السنة والجماعة [١٣] ولكننا نكتفي، لضيق المجال، بنصوص محددة يرد فيها على هذه الفرق بوضوح لا يدع مجالا للنقاش. إنه يقول: "الفرق المبتدعة الذين هم كالأصول للفرق الاثنين والسبعين سبعة [١٤] المشبهة ونفاه الصفات والقدرية والمرجئة والخوارج والمخلوقية والمتشيعة....."ولا يخفى ما في كلمة ((المبتدعة)) من إدانة واتهام بالابتداع وهو الاختلاق والإتيان بالبدع، كما لا يخفى إشارته للفرق الاثنتين والسبعين من حديث الرسول الكريم المشهور بتعدد الفرق وأن واحدة منها فقط هي التي على صواب الجادة. أما لفظ المتشيعة فهي أيضا واضحة الاتهام بالتكلف والتصنع. وبعد ماعدا هذه الفرق وسلكها في تهمة الابتداع بين السبب الذي وقعت كل من هذه الفرق في الخطأ وفي البدعة..... فالمشبهة ضلت في ذات الله ونفاه الصفات ضلت في صفات الله والقدرية في أفعاله والخوارج في الوعيد والمرجئة في الإيمان والمخلوقية في القرآن والمتشيعة في الإمامة" [١٥] .
الفرقة الناجية:
ولكي نختصر الطريق أيضا، طريق الوصول إلى ما استقر عليه الراغب، بعد تخطيئته لهذه الفرق جميعا نعرض النص التالي من المخطوطة نفسها: "والفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة الذين اقتدوا بالصحابة، فمعلوم أن الله تعالى رضي عنهم حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ومعلوم أنه لم يرض عنهم إلا بعد صحة اعتقادهم وصدق مقالهم وصلاح أفعالهم" [١٦] .
стр. 12152
يتبين لنا من هذا النص أن صاحب المفردات لا يرى في غير أهل السنة والجماعة صلاحا والتزاما بما عليه صحابة رسول الله، ﷺ وهاهنا يصح أن نتساءل إذن، عن أسباب ما قيل من أن فريقا من الناس كانوا يعتقدون بأنه معتزلي، وما قيل مرة أخرى من أنه قد اختلف في تشيعه.
هل هو معتزلي:
أما عن الأولى فربما كان سببها ما تردد من أن الراغب من الحكماء في الإسلام، والحكمة قد تقترن في نظر بعض الناس بالفلسفة، وليست مواقف الناس منها في عصر الإسلام جميعها تنبئ بالرضا [١٧] ، أما قول القائل: "إن حظ الراغب من المعقولان أكثر" [١٨] فربما وجدنا تفسيرا له في أنه يعتبر الوحي هو السبيل الأول للإيمان بالله ثم يعتبر العقل السبيل الثاني، وهكذا حتى يأتلف منهما الإيمان الكامل"إنه يقول: "العقل قائد والدين مسدد ولو لم يكن العقل لم يكن الدين باقيا، ولو لم يكن الدين لأصبح العقل حائرا واجتماعهما كما قال تعالى: "نور على نور" [١٩] . وفي مكان آخر يقول: "العقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده" [٢٠] . وفي ثالث يقول: "إن العقل بنفسه قليل الغناء " [٢١] أي إنه لا يكفي لهداية البشرية. وقد مر بنا رأيه الصريح في تخطيء المعتزلة حينما سماهم المخلوقية.
هل هو متشيع؟
стр. 12153
أما الثانية فلعل مردها إلى ما يبدي من تعاطف في ذكر ألقاب الخليفة الراشدي الرابع وذكر أسرته وأبنائه. لقد كثر دعاؤه له برضى الله عنه وكثر تسميته له بأمير المؤمنين وكذلك أبناؤه وأهل بيته. ولم يبد مثل هذا التعاطف عند ذكر سائر الخلفاء الراشدين. ولأول وهلة يخطر في بال القارئ اتهامه بالتشيع. ولكن هذا الاتهام لا يثبت أن يتزلزل إذا ما ذكرنا النص السابق الذي يضع الشيعة أو المتشيعة على حد قوله، في الفرق غير الناجية، ولزيادة التأكيد نضع للراغب، في هذا الصدد، نصا آخر يقول: "مما يجب أن يكون عليه كافة أهل السنة من الأصول الواجبة على كل مسلم.... أن يعتقد في الإمامة أن الله وعد المؤمنين أن يجعل منهم خلقا مخصوصين، وعد الله تعالى بها بعد خروج رسول الله ﷺ من الدنيا، وذلك يقتضي أن كل من تولى أمر المسلمين بعد، كان خليفة.... فيجب أن يقطع بصحة من تولاها بعد النبي ﷺ ، ويفوض أمورهم إلى الله تعالى، ويصحح أحكامهم وعقولهم ويوجب إظهارها عنهم لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يخص (أي لم يخص أحدا دون غيره بالملك) وقوله ﵇: "اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي مجد ع" [٢٢] . (يريد أنه علينا أن نمتثل لما قال الله تعالى في تلك الآية الكريمة والرسول ﵇، في هذا الحديث) .
وبإزاء نفي التشيع عن الراغب فإننا لا نستطيع أن ننفي من قلبه حب آل البيت، وهو فيما يبدو مقيم على حبهم من جهة الوجدان، ولكنه لا يلتقي مع ما يقول الشيعة في الإمامة والوصايا وغيرها. وهذا أمر لا يستحيل حدوثه، فلقد كان الكميت بن زيد الشاعر شاعر الهاشميات في حب آل البيت لكنه لم يقل بما يقولون في الإمامة، وها نحن أولاء نرى الناس في أقطار عربية وإسلامية يتعلقون بالحسن والحسين والسيدة زينب دون أن يدينوا بأقوال الشيعة في الإمامة.
стр. 12154
هذا كله فيما يتصل بموقف الراغب من الفرق السياسية كالشيعة والدينية الفكرية كالمرجئة والمعتزلة. إما فيما يتصل بأثر الراغب في الفكر الديني فإننا لا نكاد نجد له ذكرا في فكر من نغلب أنهما كانا معاصريه، ونعني بهما ابن مسكويه (٤٢١) وأبي حيان التوحيدي (٤٢٨) . وقد ذكر هو الأول أكثر من مرة. لكننا نكرر هنا ما كثر قوله من أن أبا حامد الغزالي كان يستحسن كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب ويستصحبه لنفاسته [٢٣] . وهو أمر ربما استطعنا فيه الإشارة إلى بعض الأمثلة مما تأثره حجة الإسلام من هذا الكتاب.
بينه وبين الغزالي:
فبعد أن يقسم الغزالي العلوم العقلية إلى ضرورية لا يدري من أين حصلت، ومكتسبة وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال (ويسميها الراغب غريزية ومستفادة) ، بعد هذا يورد الأبيات الشعرية التالية لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
العقل عقلان
مطبوع ومسموع [٢٤]
فلا ينفع مسموع
إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس
وضوء العين ممنوع
وكان الراغب قد أورد أيضا هذه الأبيات ونسبها إلى أمير المؤمنين على بن أبي طالب، ثم يقول أبو حامد: والأول (عن العقل المطبوع) هو المراد بقوله، ﷺ لعلي: "ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل"والثاني هو المراد بقوله ﷺ لعلي ﵁: "إذا تقرب الناس إلى الله تعالى بأنواع البر فتقرب أنت بعقلك" [٢٥] .
أما عبارة الراغب فهي: "وإلى الأول أشار النبي ﷺ ، بقوله لعلي ﵁: "إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأبواب البر فتقرب أنت إليه بعقلك تسبقهم بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة" [٢٦] . أليس بين هذين الخبرين قرابة ما؟.
стр. 12155
ثم يقول أبو حامد: "إن البصيرة الباطنة هي عين النفس التي هي اللطيفة المدركة. وهي كالفارس والبدن كالفرس، وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس" [٢٧] .أما عبارة الراغب فهي: "وقد تقدم أن البدن بمنزلة فرس والنفس بمنزلة راكبه، وضرر عمى الراكب نفسه أشد عليه من عمى فرسه" [٢٨] . يبدوا أنه من المرجح أن التأثر والتأثير واضح هنا.
وقد وقعدت على مثال ثالث صريح نقله أبو حامد، على الأغلب، من كتاب الذريعة للراغب إلى مصنفه الكبير إحياء علوم الدين" [٢٩] . وزاد أن نقل فقرات أربعا في هذا الباب إلى ذلك المصنف من ذلك المرجع.
وإن أبا حامد ليتصرف في نقله، كما رأينا، فيضيف أو يختصر، ولكنه يضل مع هذا تأثرا واضحا يسوغ ما قيل من استحسانه لهذا الكتاب واستصحابه له.
وإنني مع شعوري أن العلاقة الفكرية بين الغزالي والراغب الأصفهاني لم تزل بحاجة إلى المزيد من البحث والاستقصاء [٣٠] . إلا أنني أشعر أن الراغب لا يقل إن لم يفق سائر المفكرين الذين أرخوا للفكر الإسلامي وللفرق الإسلامية من أمثال الشهرستاني وابن حزم وأبي الحسن الأشعري والفخر الرازي [٣١] . يبدو ذلك في مخطوطته ((رسالة في الاعتقاد)) أعان الله على تحقيقها، ومخطوطة ((تحقيق البيان في تأويل القرآن)) .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] راجع بروكلمان ١/٢٦٩ والإعلام ٢/٢٧٩ ومعجم المؤلفين ٤/٥٩.
[٢] بغية الوعاة ٣٩٦ وكشف الظنون ١/٥٣٠.
[٣] فلم يترجم له معجم الأدباء ووفيات الأعيان وسير أعلام النبلاء وتاريخ بغداد مثلا.
[٤] مثل أبحاث أحمد أمين وزكي مبارك وآدم ميتز وكتب تاريخ الأدب العربي.
[٥] رقم ٣٦٥٤ بمكتبة أسعد أفندي بالسليمانية /استنبول.
[٦] رقم ٥٦٩٧ بمكتبة العتبات المقدسة الرضوية: بمشهد (كتاب خانة استانه قدسي رضوى) .
стр. 12156
[٧] رقم ٣٨٢/٢ مكتبة سعيد علي باشا / بالسليمانية /استنبول.
[٨] المجلد الثالث، في تاريخ الأدب العربي، المبسط، ص٥٥.
[٩] تاريخ حكماء الإسلام، تحقيق محمد كرد علي، دمشق ١٩٤٦ ص١١٢، ١١٣.
[١٠] تاريخ حكماء الإسلام، تحقيق كرد علي، دمشق ١٩٤٦ ص ١١٢،١١٣.
[١١] بغية الدعاة في طبقات اللغويين والنحاة، الخانجي، ١٣٢٦، ص٣٩٦.
[١٢] روضات الجنان، طبع إيران، ٣/١٩٧.
[١٣] فقد رد على المرجئة في مخطوطة تحقيق البيان ص٨٠ ورسالة في الاعتقاد ورقة ٠، وعلى المعتزلة في الأولى ص١١١ وفي الثانية ص٠، وفي تحقيق البيان يرد على قول المعتزلة بخلق القرآن ويورد سبب هذه الفتنة وما كان لليهود من أثر في تأسيسها "وقد حكى أن أول من حدث هذه المسألة حدثت بالكوفة من جهة بنان بن سمعان الرافضي، وكان قاصا حسن لأقاصيص أخبار اليهود ولتخصصه بهم وقيل هو الذي أوقع الشبهة بين الناس"، الصفحة١٦.
[١٤] يريد الحديث الشريف القائل: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين (وقيل اثنتين وسبعين) فرقة، الناجية منها واحدة والباقون هلكى. قيل ومن الناجية؟ قال: أهل السنة والجماعة. قيل ومن أهل السنة والجماعة؟ قال ما أنا عليه اليوم وصحابتي"الشهرستاني، الملل والنحل ١/٨.
[١٥] مخطوطة رسالة في الاعتقاد رقم ٣٨٢ مكتبة سعيد علي باشا، السليمانية، استنبول.
[١٦] المصدر السابق.
[١٧] الشيخ مصطفى عبد الرزاق، تمهيد لدراسة الفلسفة الإسلام ص ٨٦.
[١٨] البيهقي، تاريخ حكماء الإسلام تحقيق محمد كرد عاى، دمشق ١٩٤٦ ص١١٢.
[١٩] الذريعة إلى مكارم الشريعة، للراغب مكتبة الكليات الأزهرية ١٩٧٣، ص٩٩.
[٢٠] المصدر السابق ص ٦٤.
[٢١] تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، للراغب، طبع حلب، بلا تاريخ، ص ٦٤.
[٢٢] مخطوط رسالة في الاعتقاد، مكتبة سعيد على باشا رقم ٣٨٢، السلسمانية، استانبول.
стр. 12157
[٢٣] حاجي خليفة في كشف الظنون ١/٥٣٠.
[٢٤] هكذا ورد البيت ولعل صوابه: فإن العقل عقلان فمطبوع ومسموع.
[٢٥] إحياء علوم الدين. لجنة الثقافة الإسلامية، القاهرة، ١٣٥٧، ٨ /٢٩.
[٢٦] الذريعة إلى مكارم الشريعة، للراغب، مكتبة الكليات الأزهرية،١٩٧٣ ص٧٥.
[٢٧] إحياء علوم الدين ٨ /٢٩.
[٢٨] الذريعة إلى مكارم الشريعة ص٧٦.
[٢٩] إحياء علوم الدين ٨ /٣١.
[٣٠] فقد لاحظ الدكتور محمد يوسف موسى، في كتابه تاريخ الأخلاق ص١٩٤ وهامش ١٩٥ أن الغزالي قد أخذ في كتابه معارج القدس ط١،١٣٤٦ ص٥٣ ٥٩ ٦١، من تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين للراغب طبعة حلب ص٦٤ ٦٥.
[٣١] للأشعري مقالات الإسلاميين وللرازي اعتقادات فرق المسلمين تحقيق د: علي سامي النشار.
стр. 12158
بيان خطأ من جعل جدة ميقاتا لحجاج الجو والبحر
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أما بعد:
فقد اطلعت على ما كتب في التقويم القطري بإملاء فضيلة الشيخ عبد الله ابن إبراهيم الأنصاري صفحة ٩٥_٩٦ حول المواقيت للوافدين إلى مكة بنية الحج أو العمرة فألفيته قد أصاب في مواضع وأخطأ في مواضع خطأ كبيرا، فرأيت أن من النصح لله ولعباده التنبيه على المواضع التي أخطأ فيها راجيا بعد اطلاعه على ذلك توبته عما أخطأ فيه ورجوعه إلى الحق لأن الرجوع إلى الحق شرف وفضيلة وهو خير من التمادي في الباطل بل هو واجب لا يجوز تركه لأن الحق واجب الاتباع فأقول:
أولا: ذكر وفقه الله في الفقرة الثالثة من كلمته ما نصه: "القاصدون عن طريق الجو لأداء الحج والعمرة إذا كانت النية منهم الإقامة بجدة ولو يوما واحدا ينطبق عليهم حكم المقيمين بجدة والنازلين بها فلهم أن يحرموا من جدة"انتهى. وهذا كلام باطل وخطأ ظاهر مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة في المواقيت ومخالف لكلام أهل العلم في هذا الباب ومخالف لما ذكره هو نفسه في الفقرة الأولى من كلمته المشار إليها آنفا لأن النبي ﷺ وقت المواقيت لمريدي الحج والعمرة من سائر الأمصار ولم يجعل جدة ميقاتا لمن توجه إلى مكة من سائر الأمصار والأقاليم وهذا يعم الوافدين إليها من طريق البر أو البحر أو الجو.
стр. 12159
والقول بأن الوافد من طريق الجو لم يمر عليها قول باطل لا أساس له من الصحة لأن الوافد من طريق الجو لابد أن يمر قطعا بالمواقيت التي وقتها النبي ﷺ أو على ما يسامتها فيلزمه الإحرام منها وإذا اشتبه عليه ذلك لزمه أن يحرم في الموضع الذي يتيقن أنه محاذيا أو قبلها حتى لا يجاوزها بغير إحرام ومن المعلوم أن الإحرام قبل المواقيت صحيح وإنما الخلاف في كراهته وعدمها ومن أحرم قبلها احتياطا خوفا من مجاوزتها بغير إحرام فلا كراهة في حقه أما تجاوزها بغير إحرام فهو محرم بالإجماع في حق كل مكلف أراد حجا أو عمرة لقول النبي ﷺ في حديث ابن عباس المتفق عليه لما وقت المواقيت: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة"ولقوله ﷺ في حديث ابن عمر المتفق عليه: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ويهل أهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن" وهذا اللفظ عند أهل العلم خبر بمعنى الأمر فلا تجوز مخالفته وقد ورد في بعض الروايات بلفظ الأمر وذلك بلفظ "ليهل"والقول بأن من أراد الإقامة بجدة يوما أو ساعات من الوافدين إلى مكة من طريق جدة له حكم سكان جدة في جواز الإحرام منها، قول لا أصل له ولا أعلم به قائلا من أهل العلم فالواجب على من يوقع عن الله ويفتي عباده في الأحكام الشرعية أن يتثبت فيما يقول وأن يتقي الله في ذلك لأن القول على الله بغير علم خطره عظيم وعواقبه وخيمة. وقد جعل الله سبحانه القول عليه بلا علم في أعلى مراتب التحريم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . وأخبر سبحانه في آية أخرى أن ذلك مما يأمر به الشيطان فقال سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَلا
стр. 12160
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وعلى مقتضى هذا القول الباطل لو أراد من توجه من المدينة إلى مكة بنية الحج والعمرة أن يقيم بجدة ساعات جاز له أن يؤخر إحرامه إليها، وهكذا من توجه من نجد أو الطائف إلى مكة بنية الحج أو العمرة وأراد الإقامة في لزيمة أو الشرائع يوما أو ساعات جاز له أن يتجاوز قرنا غير محرم ويكون له حكم سكان لزيمة أو الشرائع. وهذا قول لا يخفى بطلانه على من تأمل النصوص وكلام أهل العلم والله المستعان.
стр. 12161
ثانيا: ذكر الشيخ عبد الله الأنصاري في الفقرة الخامسة ما نصه: "يجوز لمن يقصد أداء العمرة أن يتجه إلى التنعيم فيحرم منها حيث أنها الميقات الشرعي" انتهى. وهذه العبارة فيها إجمال وإطلاق فإن كان أراد بها سكان مكة والمقيمين بها فصحيح ولكن يؤخذ عليه قوله أن التنعيم هو الميقات الشرعي فليس الأمر كذلك بل الحل كله ميقات لأهل مكة والمقيمين بها فلو أحرموا من الجعرانة أو غيرها من الحل فلا حرج وكانوا بذلك محرمين من ميقات شرعي أمر النبي ﷺ عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة إلى الحل لما أرادت العمرة، وكونها أحرمت من التنعيم لا يوجب ذلك أن يكون هو الميقات الشرعي وإنما يدل على الاستحباب كما قاله بعض أهل العلم لأن في بعض الروايات من حديثها أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن يعمّرها من التنعيم وذلك والله أعلم لكونه أقرب الحل إلى مكة جمعا بين الروايات، أما إن أراد بهذه العبارة أن كل من أراد العمرة له أن يحرم من التنعيم ولو كان في جهة أخرى من الحل فليس بصحيح لأن كل من كان في جهة من الجهات خارج الحرم ودون المواقيت فإن ميقاته من أهله للحج والعمرة جميعا لقول النبي ﷺ في حديث ابن عباس المتفق عليه: "ومن كان دون ذلك "يعني دون المواقيت "فمهله من أهله "وفي لفظ:"فمهله من حيث أنشأ "وقد أحرم النبي ﷺ من الجعرانة عام الفتح لما فرغ من تقسيم غنائم حنين فلم يذهب إلى التنعيم والله ولي التوفيق.
стр. 12162
ثالثا: ذكر الشيخ عبد الله في الفقرة السادسة والسابعة ما نصه: "لا حجة لمن يقول بأن القاصد إلى جدة بالطائرة يمر بالميقات لأنه لا يمر بأي ميقات من المواقيت بل هو هائم أو طائر في الجو ولم ينزل إلا بجدة ونص الحديث "ولمن مر بهن"ولا يعتبر من كان طائرا بالهواء بأنه مار بأي ميقات انتهى كلامه. وهذا القول غير صحيح وقد مضى الرد عليه آنفا وقد سبق الشيخ عبد الله الأنصاري إلى هذا الخطأ الشيخ عبد بن زيد آل محمود في مقال وزعه زعم فيه أن الوافد من طريق الجو أو البحر إلى مكة لا يمر على المواقيت وزعم أن ميقاته جدة وقد أخطأ في ذلك كما أخطأ الشيخ عبد الله الأنصاري فالله يغفر لهما جميعا وقد كتب مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ردا على الشيخ عبد بن زيد آل محمود في زعمه أن جدة ميقاتا للوافدين إلى مكة من الحجاج، والعمار من طريق الجو أو البحر ونشر الرد في وقته وقد أصاب المجلس في ذلك وأدى واجب النصح لله ولعباده ولا يزال الناس بخير ما بقي فيهم من ينكر الخطأ والمنكر ويبين الصواب والحق. وما أحسن ما قال الإمام مالك ﵀: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر"يعني رسول الله ﷺ وأسأل الله أن يغفر لنا جميعا وأن يمنحنا وسائر إخواننا إصابة الحق في القول والعمل والرجوع إلى الصواب إذا وضح دليله إنه خير مسؤول.
رابعا: ذكر الشيخ عبد الله الأنصاري هداه الله في الفقرة الثامنة والتاسعة ما نصه: "على من يريد مواصلة سيره إلى مكة لأداء نسكه أن يجهز إحرامه من آخر مطار يقوم منه وينوي قبل جدة بمقدار عشرين دقيقة إذا كان قصده مواصلة السير بدون توقف أو إقامة في جدة أما الذي يقيم في جدة ولو لساعات يجوز له أن يحرم من جدة إن شاء الله وينطبق عليه حكم ساكن جدة"انتهى كلامه.
стр. 12163
وقد سبق أن هذا التفصيل والتحديد لا أساس له من الصحة وأن الواجب على من أراد الحج أو العمرة من الوافدين إلى مكة من طريق الجو أو البحر الإحرام بالنسك الذي أرادوا من حج أو عمرة إذا حاذوا الميقات الذي في طريقهم أو سامتوه ولا يجوز لهم تأخير الإحرام ولو نووا الإقامة بها يوما أو ساعات فإن شكوا في المحاذاة لزمهم الإحرام من المكان الذي يتيقنون فيه احتياطا للواجب وإنما الكراهة عند بعض أهل العلم في حق من أحرم قبل الميقات بدون عذر شرعي وأسأل الله أن يهدينا جميعا صراطه المستقيم وأن يوفقنا وجميع علماء المسلمين لإصابة الحق في القول والعمل وأن يعيذنا جميعا من القول عليه بلا علم إنه سميع قريب. ولواجب النصح للمسلمين جرى تحريره وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
العظمة الحقيقية
كم نمنح أنفسنا من الطمأنينة والراحة والسعادة، حين نمنح الآخرين عطفنا وحبنا وثقتنا، يوم تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف والخير!
حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحا. أو أطيب منهم قلبا، أو أرحب منهم نفسا أو أذكى منهم عقلا لا نكون قد صنعنا شيئا كبيرا ... لقد اخترنا أيسر السبل وأقلها مؤونة!
إن العظمة الحقيقية: أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح الحماسة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع!
إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقا.. إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد. هو العظمة الحقيقية!
стр. 12164
رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من الآثار
الدكتور أحمد طه ريان
أستاذ مساعد بجامعة الأزهر
وإتماما لما سبق نشره في حلقتين سابقتين في موضوع (رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليه من آثار) بسوق هذه الحلقة الثالثة فيما يلي:
رأي جمهور الفقهاء:
يرى جمهور الفقهاء وهو عدا من ذكرنا في الرأي السابق أن الفطر في السفر خلال شهر رمضان رخصة يجوز الأخذ بها ويجوز تركها والصيام عملا بالعزيمة..
وأهم الأدلة التي استند إليها هذا الفريق ما يلي:
الأول: قوله تعالى: ﴿.. وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .. الآية وقد تقدم أن تقرير الآية على رأي هذا الفريق: ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر..
كما سبقت الإشارة إلى أن الفريق الأول: يرى أن هذا التقرير من شأنه تخصيص الآية، وليس خناك دليل على التخصيص، بل يجب أن تبقى الآية عامة كما جاءت، وقد سبق الرد عليه مفصلا..
الثاني: حديث ابن عباس المتقدم في صيام رسول الله ﷺ في غزوة الفتح حتى بلغ الكديد ثم أفطر. ثم قول ابن عباس تعليقا عليه: "لقد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر"..
وجه الدلالة فيه من وجهين:
الوجه الأول: أن رسول الله ابتدأ السفر صائما واستمر كذلك حتى لم يبق من انتهاء الرحلة إلا مرحلتين، فلو لم يكن الصوم في السفر جائزا لما فعله رسول الله ﷺ من أول سفره حتى بلوغه عسفان أو ما حولها..
الوجه الثاني: أن السفر كان ديدنه ﷺ قبل هذه الرحلة وبعدها: ففي حديث أبي الدرداء المتقدم "..وما منا من أحد صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة" [١] ..
стр. 12165
وما قيل، من أن فطره في هذه الغزوة، كان ناسخا لجواز الصيام في السفر قبل ذلك.. استنادا إلى ما قيل: من أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الفطر، فغير مسلم. وقد تقدم الرد عليه مفصلا..
وما جاء من حديث أبي سعيد..من قوله: "ولقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر" [٢] واضح في حدوث الصوم بعد هذه الواقعة منه ﷺ أو من أصحابه مع اطلاعه عليهم وهم صائمون، وهو ما يستفاد من ذكر لفظ ((مع)) في الحديث.
كما هو واضح في بيان أن الفطر الذي حدث منه ﷺ في هذه الواقعة؟ إنما هو من قبيل أخذه بالرخصة، وليس من قبيل نسخ الجواز.
الدليل الثالث: بيانه ﷺ أن الفطر في السفر رخصة، وأن الرخصة يجوز الأخذ بها ويجوز تركها والأخذ بالعزيمة، وذلك في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي المتقدم.. حيث جاء فيه "..هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" [٣] .
ولقد جاء في رواية لهذا الحديث أخرجها الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى وأبي داود وسكت عنها عن طريق حمزة بن محمد بن حمزة حفيد السائل تبين أن السؤال كان عن صيام شهر رمضان في السفر، إذ جاء فيه "قلت يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر، يعني شهر رمضان وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون عليَّ من أن أؤخره فيكون دينا أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر، قال: أي ذلك شئت يا حمزة" [٤] . .
فهذا الحديث يوضح أن السؤال كان عن صيام شهر رمضان وهو وإن كان ابن حزم وابن حبان، قد ضعفا رواية حمزة بن محمد بن حمزة [٥] . إلا أن له شاهدا من حديث حمزة بن عمرو المخرج في الصحيحين وغيرهما..
стр. 12166
وأما على رأي من يقول: إن سؤال حمزة كان عن صيام التطوع فإنه ليس في الحديث ما يشير إلى تخصيص السؤال بذلك
وعلى فرض أن السؤال كان في صيام التطوع؟ فإن العبرة برد الرسول ﵊ الذي جاء بصيغة عامة تشمل جميع أنواع الصيام سواء كان صيام فرض أو تطوع.
وحتى لو كانت الإجابة تخصص بنوع السؤال وهذا على افتراض أن السؤال كان عن صيام التطوع، فإن هذا الحكم يشمل صيام شهر رمضان من باب أولى، لأنه إذا تكبد الإنسان صيام التطوع في السفر وليس عليه في تركه شيء فإن تكبده الصيام الواجب من باب أولى، لأنه إن تركه سيكون دينا عليه..
وقد نوقش هذا الحديث، بأن الرخصة المشار إليها فيه قد خرجت من باب التخيير للعبد، إلى وجوب الالتزام بها، إذ جاء في نهاية الحديث "ليس البر أن تصوموا في السفر" زيادة توجب قبولها، وهي قوله ﷺ : "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" [٦]
يجاب عن ذلك، بأنه جاء في صحيح مسلم ما يفيد أن هذه الزيادة غير محفوظة، إذ قال شعبة: "وكان يبلغني عن يحي بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث ليس البر.. الخ وفي هذا الإسناد أنه قال: عليكم برخصة الله الذي رخص لكم. قال: فلما سألته لم يحفظه [٧] .
وعلى فرض صحة هذه الزيادة، فإنه يجاب عنها بأن الأمر هنا خاص بمثل هذا الرجل الذي ترك الرخصة وفضل عليها إهلاك نفسه أو بمن ترك الرخصة رغبة عنها. ((والله أعلم)) .
الدليل الرابع:
عدم إنكاره ﷺ على من كان يصوم في سفره معه، فقد جاء في حديث أبي سعيد قوله: "كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره" [٨] .
ومعلوم أن القصد: من ذكر ما يفيد المعية هنا وإيراد: يعاب بصيغة، البناء للمجهول: تأكيد اطلاع الرسول ﵊ على حالهم وأنه مع ذلك لم يعب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره..
стр. 12167
ثم إن ذكر أبي سعيد هذا الحديث بلفظ كنا نشعر، بأن ذلك الحال كان دائما، حتى وفاته ﷺ لأنه صرح بهذا القول بعد وفاته ﵊..
الدليل الخامس: فهم الصحابة ﵃ رخصة الفطر في السفر وأنها تعني الإباحة لا الوجوب واستمرارهم على هذا الفهم، سواء في حياة الرسول ﵊ أو بعد وفاته، فمن ذلك:
حدي ث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله ﵃ قالا: "سافرنا مع رسول الله ﷺ فيصوم الصائم ويفطر المفطر فلا يعيب بعضهم على بعض.. " [٩] .
وحديث أبي خالد الأحمر عن حميد قال خرجت فصمت فقالوا لي أعد قال: قلت: "إن أنسا أخبرني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، فلقيت ابن أبي مليكة، فأخبرني عن عائشة ﵂ بمثله" [١٠] .
الدليل السادس: حديث عائشة ﵂ قالت: "خرجت مع النبي ﷺ في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت، فقال: أحسنت يا عائشة" رواه الدارقطني وقال هذا إسناد حسن وأخرجه النسائي ولم يذكر فيه: خرجت مع النبي ﷺ في عمرة رمضان ((وجاء في نهايته)) لفظ "وما عاب علي" [١١] . ونقله النووي في المجموع واحتج به [١٢] .
стр. 12168
وقد ضعف العلماء هذا الحديث: لأن في إسناده العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عنها، وقد قال ابن حبان في العلاء بن زهير: أولا أنه ثقة. ثم تناقض فيه بعد ذلك فقال: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات. وقال ابن حزم: مجهول وقال ابن معين: ثقة وقال عبد الحق: إنه ثقة مشهور والحديث الذي رواه في القصر صحيح، ورجح الذهبي توثيق ابن معين له وأما عبد الرحمن بن الأسود، فقد اختلف في سماعه منها، فقال الدارقطني: أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق. قال الحافظ ابن حجر: وهو كما قال، ففي تاريخ البخاري وغيرها ما يشهد لذلك. وقال أبو حاتم: أدخل عليها وهو صغير لم يسمع منها, وادعى ابن أبي شيبة الطحاوي ثبوت سماعه منها.
فظهر من أقوال رجال الجرح والتعديل: أن الحديث لا بأس به من جهة السند لأن العبرة كما قال الذهبي: بتوثيق ابن معين للعلاء بن زهير.
كما ثبت سماع عبد الرحمن بن الأسود من عائشة، إذ جاء في تاريخ البخاري أنه كان يدخل عليها وهو صغير دون استئذان فلما احتلم استأذن فعرفت صوته فقالت يا عدو نفسه؟ أفعلتها. قال: نعم يا أمتاه قالت ادخل [١٣] .
وقال البعض: إن حديث عائشة هذا فيه نكارة من جهة المتن، إذ فيه أن عائشة خرجت مع النبي ﷺ في عمرة رمضان مع أن الثابت أنه ﷺ اعتمر أربع عمر ليس منها في رمضان شيء..
وقد أجيب عن ذلك: بأن هذه العمرة لعلها حدثت في شوال وكان الخروج إليها في رمضان في غزوة الفتح [١٤] والله أعلم بالصواب.
ونكتفي بهذا القدر من الأدلة المأخوذة من السنة على رأي الجمهور في جواز الأمرين، الصوم والفطر في السفر خلال شهر رمضان.
أما الآثار عن الصحابة ﵃ فكثيرة نكتفي بأمثلة عنها:
стр. 12169
أ_ ما رواه البيهقي بسنده إلى أبي الفيض، قال: كنت في غزوة الشام فخطب مسلمة ابن عبد الملك، فقال: من صام رمضان في السفر فليقضه، فسألت أبا قرصافة رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "لو صمت ثم صمت حتى عد عشرا لم أقضه" [١٥] . .
ب_ ما نقله صاحب الفتح عن الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة: سألت أنس ابن مالك عن الصوم في السفر فقال: "لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال: قلت له فأين هذه الآية ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعا وننزل على غير شبع وأما اليوم فنرتحل شباعا وننزل على شبع"
قال الحافظ ابن حجر تعقيبا على ذلك: "أشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم" [١٦]
وأقول: إن أمر أنس لغلامه بالصوم، من أوضح الأدلة على جواز الصيام في السفر في شهر رمضان، لأن أنس أكثر الصحابة التصاقا برسول الله ﷺ ومعرفة بشأنه..
ج_ ما أخرجه البيهقي بسنده إلى ابن سيرين عن عثمان بن أبي العاص قال: "الصوم في السفر أحب إلي"كما روي عن ابن مسعود بمعناه [١٧] .
أما ما روي عن التابعين:
فقد روى النسائي عن حميد بن مسعدة عن سفيان عن العوام بن حوشب قال قلت لمجاهد: الصوم في السفر، قال: "كان رسول الله ﷺ يصوم ويفطر" [١٨] .
كما روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال: "إذا أهل الرجل رمضان في أهله وصام منه أيام ثم سافر فإن شاء صام وإن شاء أفطر" [١٩] ..
الرأي المختار:
بعد هذا العرض الموجز لأهم الأدلة التي استدل بها الفريقان، وما أثير حولها من المناقشات، نرى أن المختار هو رأي الفريق الثاني وأنه أقربها للسنة المحكمة وذلك لما يلي:
стр. 12170
أ_ إن العمل بالرأي الأول: يقتضي طرح العمل بكثير من النصوص الصحيحة الثابتة التي تفيد أن الفطر في سفر رمضان رخصة يترك العمل بها لاختيار المسلم، بخلاف العمل بالرأي الثاني فإنه يقتضي العمل بكل النصوص وذلك بإمكان الجمع بين أدلة الفريقين. والجمع بين الأدلة والعمل بها كلها واجب ما أمكن..
ب_إن القول بوجوب الفطر في السفر قد يكون فيه مشقة لمن كان دائم السفر كالسائقين والمضيفين في الطائرات وكل العاملين في مجال المواصلات من سيارات وطائرات وسفن وغيرها إذ هؤلاء وأمثالهم لو ألزموا بالفطر في سفرهم خلال رمضان لصار صوم الشهر دينا ثابتا يتراكم عليهم عاما بعد عام بل ربما يموتون وعليهم صيام سنين، وقد وضح ذلك من خلال قصة حمزة بن عمرو الأسلمي..
ج_ في هذا العصر وبعد التقدم الكبير في وسائل المواصلات والذي جعل السفر الآن لدى قطاعات كبيرة من المسلمين أقرب للمتعة منه إلى المشقة التي شرع الفطر من أجلها. فإن المسلم قد يرى الصائم أيسر عنده من الفطر، أولا: لعدم إحساسه بالمشقة التي تضعفه عن تحمل الصيام..، وثانيا: لأن الفطر سيترتب عليه أن تظل هذه الأيام دينا في رقبته ويطالب بقضائها بعد انتهاء السفر.. والله أعلم..
أيهما الأفضل: الصيام أم الفطر للمسافر القادر على الصيام دون مشقة؟
بعد أن بينا بوضوح حكم الصوم والفطر للمسافر خلال شهر رمضان وهو جواز الأمرين. نبين الآن، مدى هذا الجواز بالنسبة للشخص القادر على الصيام بدون ضرر عليه، وبمعنى أوضح، هل هذا الجواز يقف عند حده الأدنى، أي أن الصوم والفطر يستويان في الفضل بدون زيادة لأحدهما على الآخر فيه، أو أن أحدهما أكثر فضلا من الآخر، فينبغي المصير إليه، ندبا أو استحبابا؟ لبيان ذلك نقول:
من يرى أفضلية الصوم عن الفطر:
стр. 12171
نقلت أفضلية الصوم عن الفطر للمسافر القادر على الصوم بدون مشقة عن عدد كبير من الصحابة والتابعين وفقهاء الإسلام، نذكر منهم على سبيل المثال:
من الصحابة: حذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وعثمان بن أبي العاص، وابن مسعود، وأبو قرصافة.
ومن التابعين: عروة بن الزبير، والأسود بن يزيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث، وسعيد بن جبير، والنخعي، والفضيل بن عياض
ومن الفقهاء: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو ثور، وآخرون [٢٠] .
من أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:
١_ حديث أبي الدرداء المتقدم وفيه "خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة" [٢١] .
فإدامة الرسول ﷺ الصيام في السفر مع وجود الرخصة في الفطر، والتي أخذ بها أصحابه ﵃، إرشاد إلى أفضلية الصيام لمن قدر عليه بدون ضرر.
ويناقش هذا الاستدلال، بأن السفر المشار إليه في هذا الحديث، كان قبل غزوة الفتح التي ثبت أن رسول الله ﷺ أفطر فيها واستمر على الفطر في السفر بعدها، لحديث: "إنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ "والعبرة بما كان عليه ﷺ في آخر حياته..
وإنما قلنا إن هذا السفر كان قبل غزوة الفتح، لأن عبد الله بن رواحة، قتل في مؤتة وكان ذلك قبل غزوة الفتح، وإن كانتا في سنة واحدة كما يذكر ذلك كثير من أصحاب المغازي. ويجاب عن هذه المناقشة، بأنه يكفي في ثبوت الاستدلال: وجود الرخصة في الفطر التي أخذ بها كل الأصحاب ما عدا عبد الله بن رواحة ﵁.
стр. 12172
كما ثبت من خلال دراستنا للمسألة السابقة، أن فطر رسول الله ﷺ في غزوة الفتح، إنما كان عملا بالرخصة تشجيعا لأصحابه على الفطر بعد أن تردد أكثرهم فيه لما يرون من صيامه ﷺ وقد جاء ذلك واضحا في رواية لحديث جابر بن عبد الله عن طريق قتيبة بن سعيد عن الدراوردي عن جعفر "فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر" [٢٢] .
٢_ حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم وقد جاء فيه: "..لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر" [٢٣] .
يشير تصريح أبي سعيد باستئناف الصيام بعد غزوة الفتح، إلى أن الفطر في هذه الغزوة كان لظروف معينة، وهي شدة الحر وشعور الناس بمشقة الصيام، ثم للتقوى استعدادا لملاقاة الأعداء وأخيرا لإزالة الأحجام والتردد عن بعض النفوس التي توقفت عن الأخذ بالرخصة لعدم أخذه ﷺ بها واستمرار صيامه. أما بعد أن زالت هذه الظروف أو تغير أكثرها فإنهم رجعوا إلى الصيام في السفر، وما ذلك إلا لأفضليته على الفطر فيه..
٣_حديث عائشة ﵂ "قصرت وأتممت وأفطرت وصمت، فقال لها ﷺ أحسنت يا عائشة" وقد تقدم الحديث وما قيل فيه..
٤_ وقد أشار بعض العلماء هنا إلى دليل عقلي، مؤداه: إذا كان ولا بد من الصيام، أداء في رمضان أو قضاء في غيره، فأداؤه في رمضان أفضل من قضائه في غيره وذلك لأفضلية الأداء على القضاء بصفة عامة ولأن رمضان أفضل الوقتين، وحتى لا تشتغل ذمته به فترة من الوقت ولا يدري ما يطرأ عليه فيها [٢٤] .
من يرى أفضلية الفطر على الصيام:
من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر. ومن التابعين: ابن المسيب، والشعبي و. ومن الفقهاء: الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك بن الماجشون المالكي..
من أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:
стр. 12173
١_ حديث جابر المتقدم وفيه: "..ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له: بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة"..
فإن فطره ﷺ بمرأى من الناس ثم وصفه بعد ذلك للصائمين، بالعصاة، يشعر بأفضلية الفطر عن الصوم في السفر
ويناقش هذا الاستدلال بأن فطره ﷺ في هذه الواقعة بالذات وبمرأى من الناس كان لظروف خاصة بها وقد أشرنا إليها قريبا أما وصف الصائمين بالعصاة فإنما كان للمخالفة في تنفيذ أمر الفطر الذي أصدره ﷺ والذي أوضحه حديث أبي سعيد ﵁ "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال؟ إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا وكانت عزمة فأفطرنا" [٢٥] .
٢_ حديث جابر بن عبد الله أيضا "ليس البر أن تصوموا في السفر" فنفى الرسول ﵊ البر عن الصيام في السفر يريد أن الفطر أفضل منه.
ويناقش هذا الاستدلال بأن الصوم المنفي عنه البر: هو الذي يقوم به شخص لا يقدر عليه، وبالتالي يؤدي إلى إتلافه، فمثل هذا يكون الفطر في حقه أفضل. وليس المراد نفي البر عن عموم الصوم في السفر..
٣_ حديث ابن عباس ﵁ "أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر قال: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره" [٢٦] ..
فالفطر كان هو أحدث الأمرين من رسول الله ﷺ فاتباعه فيه أفضل من الصيام..
ويناقش، بأن فطره في هذه الغزوة كان لأسباب خاصة أوضحناها قريبا كما سلفت الإشارة إلى أن عبارة "وكان صحابة رسول الله ﷺ ..الخ" مدرجة في الحديث من كلام ابن شهاب..
стр. 12174
٤_ حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وقد جاء فيه قوله ﷺ : "هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"..
فتحسينه ﷺ لجانب الفطر، واكتفاؤه بنفي الجناح عن الصوم، إشارة واضحة إلى أفضلية الفطر على الصوم..
وقد نوقش هذا الاستدلال، بأن التحسين هو بالنسبة لمن كان لا يتيسر له الصيام بحيث يشعر معه بمشقة أو ضرر، فمثل هذا الفطر في حقه حسن. أما من كان يحتمله مع شيء من المشقة، ومع ذلك ترك الرخصة وصام فإنه لا جناح عليه..
٥_ ما جاء في حديث جابر "ليس البر أن تصوموا في السفر" من زيادة عن طريق يحي بن أبي كثير بلفظ: "عليكم برخصة الله الذي رخص لكم".
فهذا الأمر وإن لم يكن مقتضيا للوجوب، لكنه يعتبر إرشادا واضحا من الرسول ﵊، إلى أفضلية الأخذ بالرخصة التي تقتضي الفطر. وعليه فيكون الفطر أفضل من الصيام.
ويناقش هذا الاستدلال، بما قلنا سابقا نقلا عن الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه، من أن هذه الزيادة غير محفوظة.
ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة، بأن هذه الزيادة قد رواها النسائي عن طريق الأوزاعي عن يحي بن أبي كثير أيضا بلفظ "وعليكم برخصة الله الذي رخص لكم فاقبلوها" [٢٧] وقد قال ابن القطان: إسنادها حسن متصل، كما رواها ابن حزم واحتج بها [٢٨] فالله أعلم بالصواب.
من يرى أن أيسر الأمرين أفضلهما:
نسب إلى مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة القول: بأن الأفضل من الصيام أو الفطر هو الأيسر والأسهل، أي أن من وجد لديه قوة على الصيام ولم يتضرر منه، فإن الصيام في حقه أفضل.
ومن كان يشق عليه أو يترتب عليه ضرر منه، فإن الفطر في حقه أفضل. وقد اختار هذا القول ابن المنذر [٢٩] .
ومن أهم أدلة هذا الفريق ما يلي:
стр. 12175
١_ عن أبي سعيد الخدري ﵁: "كنا نغزو مع رسول الله ﷺ في رمضان، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فذلك حسن" [٣٠] .
واضح من الحديث: أن كلا الأمرين وصف بالحسن لكونه يتناسب مع حال فاعله.
٢_ عن أبي سعيد ﵁ قال: "أتى رسول الله ﷺ على نهر من ماء السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله ﷺ على بغلة له، فقال اشربوا أيها الناس، قال: فأبوا، قال: إني لست مثلكم إني أيسركم، إني راكب، فأبوا فثنى رسول الله ﷺ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب"رواه أحمد في مسنده [٣١] .
فقد علل ﷺ امتناعه عن الفطر أولا بكون الصيام كان ميسرا له كما علل أمره لهم بالفطر بوجود المشقة لديهم.
وإنما خالف ما يناسب حاله وأفطر مثلهم لإزالة ترددهم عن الفطر الذي كان يناسب حالتهم وذلك من قبيل رأفته ورحمته بأمته ﷺ .
٣_ قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [٣٢] .
فقد علل الله رخصة الفطر بالتيسير على المسلمين. وعليه: فمن كان الفطر أيسر له؟ فإن الأفضل له الفطر عملا بالرخصة، ومن كان الصوم أيسر له، فإن الأفضل له الصيام.
من يرى أفضلية الصوم إذا خلا من الآفات المحبطة لفضله:
ذهب بعض العلماء إلى أن الصوم أولى في السفر إذا لم تصحبه لآفة من الآفات المحبطة لفضله كالرياء والعجب والسمعة وقيام الناس على خدمته وإلا فإن خشي دخول شيء عليه من هذه الآفات فإن الفطر في حقه أولى [٣٣] .
стр. 12176
وقد استدل لهذا الرأي الذي لم يعرف من قال به من الفقهاء القدامى وإن كان قد حظي باختيار الشوكاني صاحب نيل الأوطار وقد استدل له بما يلي:
أ_ عن أنس ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر، قال فنزلنا منزلا في يوم حار أكثرنا ظلا صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده قال: فسقط الصوام وقال المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله ﷺ ذهب المفطرون اليوم بالأجر" [٣٤] .
ب_ نقل صاحب الفتح ما رواه الطبري عن طريق مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: "إذا سافرت فلا تصم فإنك إن تصم، قال أصحابك: اكفوا الصائم ارفعوا للصائم وقاموا بأمرك، وقالوا فلان صائم فلا تزال يذهب أجرك " [٣٥] .
فحديث أنس وأثر ابن عمر واضحان في دلالتهما على تأثير هذه الآفات على الصيام لكن من الممكن السلامة من ذلك: إذا خدم الإنسان نفسه وقام بما يجب عليه من المشاركة في الخدمات العامة للرفقة المسافرين معه وأخلص نيته في صيامه.
المختار من هذه الأقوال:
أرى أن الرأي الذي يذهب إلى أن أيسر الأمرين هو أفضلهما: هو الأولى بالاختيار لما يلي:
أ_ أنه يترتب على الأخذ بهذا الرأي تحقق الحكمة التي جاء الترخيص في الفطر من أجلها، وهي اليسارة والسهولة. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
ب_ يتجلى تحقق هذه الحكمة من مطابقة هذا الرأي لطبائع الناس واختلاف قدراتهم، فمنهم من يتيسر له الصوم ولا يرى فيه كلفة أو مشقة، بل ربما كان يرى فيه راحته وصحته فطلب الفطر من مثل هذا فيه مشقة له، ومنهم من لا يتيسر له الصوم إلا إذا كان مقيما مستريحا لا يقوم بأي عمل أو يقوم بأعمال يسيرة غير مجهدة وقد نفى رسول الله ﷺ البر عن صوم مثل هذا في السفر.
стр. 12177
ج_ المعيار في هذا الرأي، فيه مرونة حيث وكّل أمر الفطر أو الصوم إلى شعور الشخص نفسه، إذ هو المكلف وهو أمين نفسه، والتكليف أمانة، فإن وجد من نفسه القوة والقدرة على تحمل الصيام دون مشقة أو مشقة معتادة صام وإلا فلا.
د_ وأخيرا فإن هذا الرأي يتناسب مع ظروف المواصلات في هذا العصر وتنوعها فمن الناس من يتيسر له سبل مواصلات مريحة تخفف عنه كثيرا من معاناة السفر، فمثل هذا يكون الصوم أيسر له.
ومنهم من لم تتيسر له سبل مواصلات أصلا أو تتيسر له مواصلات مرهقة ومجهدة فمثل هذا يكون الفطر أيسر له.
ويجاب على استدلال الجمهور القائلين بأفضلية الصوم مطلقا لمن أطاقه بأن استمرار رسول الله ﷺ على الصوم، ربما كان هو الأيسر بالنسبة له، وكان يأمر أصحابه بالأخذ بالرخصة لأنه كان يرى أن الفطر هو الأيسر بالنسبة لهم، وحديث أحمد المتقدم من أوضح الأمثلة على ذلك حيث جاء فيه قوله ﷺ مبينا الحكمة من رغبته في استمرار صومه وأمره لهم بالفطر.. "إني لست مثلكم؟ إني أيسركم؟ إني راكب، فأبوا فثنى رسول الله ﷺ فخذه، فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب".
أما أدلة الفريق الذي يرى أفضلية الفطر مطلقا فقد أجيب عنها في مواضعها فلا حاجة إلى إعادتها مرة أخرى.
أما القول الذي يرى أفضلية الصوم إذا لم تصحبه آفة تحبطه؟ فيمكن أن نضيف إلى ما قلناه سابقا، إن هذه الآفات من الرياء والسمعة ونحوهما، أمور قلبية أي أن مدارها على نية الإنسان وقصده فإذا جرد الإنسان نيته، وكان صومه خالصا لله، فلا يضره ما قيل عنه.
стр. 12178
وأما قيام الغير بخدمته، فلا يخلو حال الصائم من أحد أمرين: إما أن يكون قادرا على خدمة نفسه والمشاركة بجهد فعال مع بقية رفاقه في الرحلة مع صومه، فينبغي له ألا يسمح للغير بالقيام بهذه الأعمال نيابة عنه. وإما ألا يكون قادرا على ذلك مع الصوم فينبغي له الفطر أخذا بالرخصة.
وعلى ذلك: فيمكن القول: بأن الفريق الذي كان مصاحبا لرسول الله ﷺ صائما وعجز عن القيام بالأعمال التي قام بها المفطرون، فإنه قد خالف مقتضى الرخصة، حيث ترك الأخذ بها مع أنه كان من أهلها، لذلك استحق المفطرون الأجر دونهم..
والله أعلم
--------------------------------------------------------------------------------
[١] صحيح مسلم ج٣ص١٤٥.
[٢] صحيح مسلم ج٣ص١٤٤.
[٣] صحيح مسلم ج٣ص١٤٥.
[٤] أبو داود ج ٧ص ٤٠ مطبوع مع شرحه عون المعبود والسنن الكبرى ج ٤ ص ٢٤١ والمستدرك ج١ ص ٤٣٣.
[٥] تهذيب التهذيب ج٣ص٣٢ دار صادر بيروت قال ابن حجر: ضعفه ابن حزم وقال عنه ابن حبان مجهول ولم أجد فيه كلاما لأحد المتقدمين. تهذيب التهذيب.
[٦] النسائي ج٤ص١٧٦ المحلى ج٦ص٣٨٤.
[٧] صحيح مسلم ج٣ص١٤٢.
[٨] صحيح مسلم ج٣ص١٤٣.
[٩] صحيح مسلم ج٣ص١٤٣.
[١٠] صحيح مسلم ج ٣ ص ١٤٣.
[١١] النسائي ج٣ص١٢٢ ومنتقى الأخبار مع شرحه نيل الأوطار ج٣ص٢٣٠.
[١٢] المجموع ج٦ص٢١٨.
[١٣] التاريخ الكبير للبخاري ج٥ص٦٣ دار الكتب العلمية بيروت، وتهذيب التهذيب ج٨ص١٨٠ مطبعة دار المعارف الهندية. والميزان للذهبي ج٣ص١٠١ طبعة دار المعرفة ببيروت.
[١٤] نيل الأوطار ج٣ص٢٣١.
[١٥] السنن الكبرى ج٤ص٢٤٤.
[١٦] فتح الباري ج٥ص٨٧.
[١٧] السنن الكبرى ج٤ص٢٤٥.
[١٨] سنن النسائي ج٤ص١٨٤ من المجتبى.
[١٩] المصنف ج٤ص٢٦٩.
стр. 12179
[٢٠] السنن الكبرى للبيهقي ج٤ص٢٤٤، ٢٤٥ وفتح القدير ج٢ص٣٥١ مصطفى الحلبي، والمجموع ج٢ص٢١٩، نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢، شرح عبد الباقي الزرقاني على مختصر خليل ج٢ص١٩٧.
[٢١] صحيح مسلم ج٣ص١٤٥.
[٢٢] صحيح مسلم ج٣ص١٤٢.
[٢٣] صحيح مسلم ج٣ص١٤٤.
[٢٤] أشار إلى هذا الدليل باختصار شديد صاحب فتح القدير ج٢ص٣٥١ وقد قمنا بتوضيحه وشرحه.
[٢٥] صحيح مسلم ج٣ص١٤٤.
[٢٦] صحيح مسلم ج٣ص١٤١.
[٢٧] النسائي ج٤ص١٧٦ من المجتبى.
[٢٨] المحلى ج٦ص٣٨٤’ نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢.
[٢٩] نيل الأوطار ج٤ص٢٥٢ والمجموع ج٦ص٢١٩.
[٣٠] صحيح مسلم ج٣ص١٤٣.
[٣١] نيل الأوطار ج٤ص٢٥٤.
[٣٢] سورة البقرة الآية رقم ١٨٥ وإنما أخرنا الاستدلال بهذه الآية الكريمة لأن الاستدلال بها غير مباشر بخلاف الحديثين قبلها فإنهما نص في الموضوع.
[٣٣] فتح الباري ج٥ص٨٦ ونيل الأوطار ج٤ص٢٥٣.
[٣٤] صحيح مسلم ج٣ص١٤٤.
[٣٥] فتح الباري ج٥ص٨٦.
стр. 12180
العدد ٥٤
فهرس المحتويات
١-كلمة التحرير: لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد
٢- فاجتنبوه لعلكم تفلحون: للشيخ أبي بكر الجزائري
٣- المسكرات والمخدرات وموقف الشريعة الإسلامية منها: للدكتور أحمد علي الأزرق
٤- الخمر جماعُ الإثمِ: للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
٥- مكافحة المُخدَّراتِ واجبٌ ديني وطني إنساني: للواء جميل محمد الميمان
٦- المخدَّرات أخطرُ مُعوَّقاتِ التنمِيةِ: للدكتور إبراهيم إمام
٧- عِتَابٌ من الكبدْ: للشيخ عبد الله إبراهيم الأنصاري والدكتور أحمد مصطفى زهرة
٨- سبيلُ الدَّعوة الإسلاميَّةِ للوقايةِ من المسكِراَت والمخدّرات: للدكتور جمعة الخولي
٩- المسْكرات مِنَ النَّاحيَةِ النفسيَّة: للدكتور ملك غلام مرتضى
١٠- المُسْكرُ والمُخَدَّرُ جنَايةٌ على العقلِ: للشيخ سعد ندا
١١- سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام: بقلم: أحمد محمد جمال
١٢- دورُ الأدبِ في مكافحة الخمر بين الجاهليّة والإسلام: للشيخ محمود محمد سالم
١٣- السكران: للشيخ محمد المجذوب
١٤- قَاتِلٌ.... وَنَشتَريهِ!! : للشيخ محمد رجب حميدو
١٥- يَا ضحَايَا الكيف ... : للشيخ يوسف الهمذاني الشافعي
١٦- أَيُّها المدَخِنُ ... : للشيخ محمد المجذوب
١٧- نظرات الطب الحديث في المسكِراتِ والمُخدَّراتِ: للدكتور إسماعيل صبحي حافظ
١٨- وقفة مع طب الفم والأسنان وعلاقته بالكحول والإدمان: للدكتور أحمد كرات
١٩- الخمْرُ وتَأثيرها على العيُونِ: للدكتور فكري السيَّد عوض
٢٠- التَّسمُّمُ الكُحُولّي: للصيدلي حمدي إبراهيم علي إبراهيم
٢١- التدخين والمسكرات
٢٢- أخبار الجامعة - في سبيل الدعوة إلى الله: إعداد: الشيخ محمود سالم
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 12181
كلمة التحرير
لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه.
أما بعد. فإن الخير والشر ضدان لا يجتمعان، والخير حق والشر باطل، وهما في الضدية في صراع لا يهدأ، وتصير الغلبة لأحدهما على الآخر دوليك، وإنما تحصل هذه الغلبة على أيدي البشر أنفسهم لكن الحق يمتاز بالغلبة على الباطل بأن الله ﵎ يكون مع أهله ما صدقوا معه، فلا يخضع النصر للقوة المادية بالمقاييس البشري، بخلاف الباطل فإنه لابد لتفوقه من أمرين: القوة المادية الكاسحة وغفلة أهل الحق عن الأخذ بما أمر به الله من الأسباب الإيمانية والقوة المادية التي أمر الله عباده أن يهيئوا لأعدائهم بالإعداد لهم بحسب الاستطاعة.
وبهذه المقدمة يتبين أن واقع المسلمين اليوم مع أعدائهم إنما هو محصلة لهذين السببين.
وما حصل من خلل في بنية المجتمع البشري إنما المسؤول عنه غيبة الإسلام عن حكم واقعهم.
إن الإسلام لا يقر الظلم بجميع صوره وأشكاله يمارس ضد أحد، فالظلم حرام سواء كان ذلك بطريق مباشر أو بغير طريق مباشر، ومن أجل ذلك تأسست الحدود الشرعية لمنع الظلم وكبح جناح الظالمين الذين يزاولون الظلم ضد أمن البشرية في دينها وفي كيانها وفي عقولها وفي كل ما يتصل بحياتها.
стр. 12182
ومن ذلك أن الله ﵎ خمر الخمر تحريما قاطعا بحيث لا يقرب الإنسان حماها، لأنها فضلا عن إصابتها العقل – مناط الإدراك في الإنسان – بالشلل بحيث يعيش منقادا لغيره عديم الإرادة كالحيوان، فإنها توقع العداوة والبغضاء بين الذين سقطوا في تعاطيها، وتصدهم عن الله صدا كبيرا، يقول جل ذكره ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وبينت السنة النبوية المطهرة العقوبة الواجبة التي يستحقها من يشرب الخمر حماية لعقول الأمة وتجنيباً للعلل والأسقام عن الفتك بصحة أجسامها وأخلاقها بل إن رسول الله ﷺ كل من ساهم في إبراز الخمر إلى حيز الوجود وإعدادها لتكون في متناول الشاربين، فلعن عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها، ومعنى هذا أن كل من يسهم بنصيب في تيسير أمر تعاطيها تنسحب عليه لعنة الله التي تتضمن طرده من رحمته.
وإن أخطر من ينالهم شر هذه الخمر المتوهج، إنما هو الشباب الذي تعلق عليه الأمة عريض أمالها وتعهد إليه فيما بعد جسام مسؤولياتها، إذا لو أن الخمر ملكت عليه نفسه وأصرت لبه وتمكنت من قلبه لأفسدت عليه حياته وقوضت عليه أركانه ومن ثم ضاعت ما كانت الأمة تأمله فيه من خير.
ويلحق بالخمر في حكمها وآثارها الخطيرة كافة المخدرات والمفترات ومشتقاتهما من بيرة وحشيش وأفيون وكوكايين وقات وما شاكل ذلك بأي اسم وبأي لون مما يعد من أكبر المعاول في تدمير صرح الأمة والقضاء على كيانها.
стр. 12183
والله ﵎ حين كلف المكلفين خاطب فيهم العقل الواعي، فإذا أهلك هذا العقل فبأي شيء يعي الإنسان ويعقل عن الله؟ ألا إنه يصير في تلك الحال كالحيوان الأدنى ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ .
ويجب أن يعلم أن إقامة الحد واجب الدولة الإسلامية، ولا ريب أنه يجب على العلماء والمفكرين بيان شرع الله في الحل والحرمة المتعلقين بحياة الناس مما تكفل كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بإيضاح أحكامها وإنما مؤتمر مكافحة المخدرات والمسكرات التي تقيمه الجامعة الإسلامية في ٢٧/٥/١٤٠٢هـ إن شاء الله بالتعاون مع مقام وزارة الداخلية إنما هو تكريس لأفكار العلماء والباحثين المسلمين وغيرهم في بيان حكم الله في هذه الجرثومة الضارة للعقل والبدن وإقتصاد الأمة وأخلاقها والكشف عن هذا الخطر الداهم الذي يجعل من أفراد الأمة دمى لا روح فيها ولا حياة، فيسهل حينئذ على أعداء الله من اليهود والنصارى والملاحدة وأعوانهم أن يملكوهم ويلتهموا ثرواتهم ويسخروهم كالآلات في خدماتهم ويشكلوهم أشكالا منوعة حسب ما يريدون مع الإستفادة بالاستشهاد بما توصل إليه إنسان هذا القرن بما هيأ الله له من وسائل التقنية (والتكنلوجيا) في تقرير حقائق هذه المسكرات والمخدرات، عسى أن يكون في ذلك مساهمة نافعة يفيئ بها الإنسان المنهمك في تناول هذه الأوبئة إلى رشده ويعرف موضع الخطر ويدرك عمق الهاوية التي يتردى فيها من ينزلق إلى حمأة هذه الرذيلة، فلعله أن يرعوي، ويقلع عن مقارفة هذه الجريمة التي تنطلق منها الجرائم جميعا.
стр. 12184
وإذا كانت الجامعة الإسلامية تقيم هذا المؤتمر فإنها إنما تؤدي واجباً هو من طبيعة وظيفتها في الدعوة والتبصير، فقد حدد نظامها الأساسي أنها مؤسسة علمية ودعوية كذلك وأن عليها أن تتخذ كافة الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف على هدي من الكتاب والسنة، وهي في ذلك تتأسى بالداعي الأول، إمام الهدى رسولنا محمد ﷺ ، الذي أمره ربّه أن يعلن على العالمين منهج دعوته بقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
بيد أنها بما تشتمل عليه من قدرة بشرية وإمكانات معنوية ومادية مؤهلة للقيام بهذا الواجب أصلاً، الذي يعد من صميم ما نيط بها لتقوم به نحو العالم الإسلامي خاصة، ونحو العالم بأسره عامة، فرسالة رسولنا الكريم محمد ﷺ إنما هي للناس جميعاً ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ، وما كانت كذلك إلا رحمة لهم لاستنقاذهم من وهدات الضلال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
هذا وقد دعت الجامعة لحضور هذا المؤتمر الهام حشدا من العلماء والمفكرين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي الذين نهلوا من علوم الشريعة، وجمعوا من خبرات الحياة ما يمكنهم من الإسهام في التوجيه في هذا المؤتمر، ليتوفر للبحث الذي يقوم عليه المؤتمر ما يجعله جديراً بالوفاء بكل مقومات البيان والإقناع بإذن الله .
стр. 12185
وإنني بهذه المناسبة لأتقدم بالشكر لله ثم لقادة هذه المملكة المسلمة، فقد توفر على أيديهم للمسلمين في كل مكان كل أسباب التمكين والنماء لجامعتهم الإسلامية، ولا نستطيع أن نفيهم حقهم كفاء ما قدموا للمسلمين في هذه الجامعة العتيدة سوى الدعاء بأن يديم الله على هذه البلاد عزها وأمنها في ظل عقيد الإسلام وشريعته بقيادة جلالة الملك المعظم وصاحب السمو الملكي ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الأعلى للجامعة الإسلامية حفظهما الله وأيدهما ونصر بهما الحق وأهله.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.
следующие страницы →