← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فإن معنى قوله: "والأمر بعد النواهي"أن ما دل على الأمر بعد ما دل على النهي فالدال على النهي هو المقدم وقوله: "ثم هذا الآخر على إباحة"يعني أن النص الدال على الأمر مقدم على الإباحة كما ذكرنا فتحصل أن الأول النهي فالأمر فالإباحة فظهر تقديم النهي عما أهل به لغير الله على إباحة طعام أهل الكتاب. واعلم أن العلماء اختلفوا فيها حرم على أهل الكتاب كشحم الجوف من البقر والغنم المحرم على اليهود هل يباح للمسلم مما ذبحه اليهودي فالجمهور على إباحة ذلك للمسلم لأن الذكاة لا تتجزأ وكرهه مالك ومنعه بعض أصحابه كابن القاسم وأشهب واحتج عليهم الجمهور بحجج لا ينهض الاحتجاج بها عليهم فيما يظهر وإيضاح ذلك أن أصحاب مالك احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالوا المحرم عليهم ليس من طعامهم حتى يدخل فيما أحلته الآية فاحتج عليهم الجمهور بما ثبت في صحيح البخاري من تقرير النبي ﷺ لعبد الله بن مغفل ﵁ على أخذ جراباً من شحم اليهود يوم خيبر وبما رواه الإمام أحمد ابن حنبل عن أنس أن النبي ﷺ أضافه يهودي على خبز وشعير وإهالة سنخة أي ودك متغير الريح وبقصة الشاه المسمومة التي سمتها اليهودية له ﷺ ونهش ذراعها ومات منها بشر بن البراء بن معرور وهي مشهورة صحيحة قالوا أنه ﷺ عزم على أكلها هو ومن معه ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أو لا وقد تقرر في الأصول أن ترك الاستفصال بمنزلة العموم في الأقوال كما أشار له في مراقي السعود بقوله: ونزلن ترك الاستفصال منزلة العموم في المقال

стр. 1227

والذي يظهر لمقيدة عفا الله عنه أن هذه الأدلة ليس فيها حجة على أصحاب مالك أما حديث عبد الله بن مغفل وحديث أنس ﵄ فليس في واحد منهما النص على خصوص الشحم المحرم عليهم ومطلق الشحم ليس حراماً عليهم بدليل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ فما في الحديثين أعم من محل النزاع والدليل على الأعم ليس دليلاً على الأخص لأن وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص بإجماع العقلاء ومثل رد هذا الاحتجاج بما ذكرنا هو القادح في الدليل المعروف عند الأصوليين بالقول بالموجب وأشار له صاحب مراقي السعود بقوله: والقول بالموجب قدحه جلا وهو تسليم الدليل مسجلا من مانع أن الدليل استلزما لما من الصور فيه اختصما

стр. 1228

أما القول بالموجب عند البيانيين فهو من أقسام البديع المعنوي وهو ضربان معروفان في علم البلاغة وقصدنا هنا القول بالموجب بالاصطلاح الأصولي لا البياني وأما تركه ﷺ الاستفصال في شاة اليهودية فلا يخفي أنه لا دليل فيه لأنه ﷺ ينظر بعينه ولا يخفي علية شحم الجوف ولا شحم الحوايا ولا الشحم المختلط بعظم كما هو ضروري فلا حاجة إلى السؤال عن محسوس حاضر وأجرى الأقوال على الأصول في مثل الشحم المذكور الكراهة التنزيهية لعدم دليل جازم على الحل أو التحريم لأن ما يعتقد الشخص أنه حرام عليه ليس من طعامه والذكاة لا يظهر تجزؤها فحكم المسألة مشتبه ومن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه وأما البحث الثاني: وهو الجمع بين قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ مع قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فيما إذا لم يذكر الكتابي على ذبيحته اسم الله ولا اسم غيره فحاصله أن في قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وجهين من التفسير أحدهما وإليه ذهب الشافعي وذكر ابن كثير في تفسيره لها أنه قوي أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه هو ما أهل به لغير الله وعلى هذا التفسير فمبحث هذه الآية هو المبحث الأول بعينه لاشيء آخر.

стр. 1229

الوجه الثاني: أنها على ظاهرها وعليه فبين الآيتين أيضاً عموم وخصوص من وجه تتفرد آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فيما ذبحه الكتابي وذكر عليه اسم الله فهو حلال بلا نزاع وتنفرد آية ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فيما ذبحه وثني أو مسلم لم يذكر اسم الله عليه فما ذبحه الوثني حرام بلا نزاع وما ذبحه المسلم من غير تسمية يأتي حكمه إن شاء الله ويجتمعان فيما ذبحه كتابي ولم يسم الله عليه فيتعارضان فيه فيدل عموم ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ على الإباحة ويدل عموم ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على التحريم فيصار إلى الترجيح كما قدمنا واختلف في هذين العمومين أيضاً أيهما أرجح فذهب الجمهور إلى ترجيح عموم ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية وقال بعضهم بترجيح عموم ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال النووي في شرح المهذب: "ذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله عليها أم لا لظاهر القرآن العزيز هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وحكاه ابن المنذر عن علي والنخعي وحماد بن سليمان وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم فإن ذبحوا على صنم أو غيره لم يحل"انتهى محل الغرض منه بلفظه. وحكى النووي القول الآخر عن علي أيضاً وأبي ثور وعائشة وابن عمر. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يظهر والله تعالى أعلم أن لعموم كل من الآيتين مرجحاً وأن مرجح آية التحليل أقوى بالاعتبار أما آية التحليل فيرجح عمومها بأمرين:

стр. 1230

الأول: أنها أقل تخصيصاً وآية التحريم أكثر تخصيصاً لأن الشافعي ومن وافقه خصصوها بما ذبح لغير الله وخصصها الجمهور بما تركت فيه التسمية عمداً قائلين أن تركها نسياناً لا أثر له وآية التحليل ليس فيها من التخصيص غير صورة النزاع إلا تخصيص واحد وهو ما قدمنا من أنها مخصوصة بما لم يذكر عليه اسم غير الله على القول الصحيح وقد تقرر في الأصول أن الأقل تخصيصاً مقدم على الأكثر تخصيصاً كما أن ما لم يدخله التخصيص أصلا مقدم على ما دخله وعلى هذا جمهور الأصوليين وخالف فيه السبكي والصفي الهندي وبيّن صاحب نشر البنود في شرح مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروى في شرح قوله: تقديم ما خص على ما لم يخص وعكسه كل أتى عليه نص أن الأقل تخصيصاً مقدم على الأكثر تخصيصاً وأن ما لم يدخله التخصيص مقدم على ما دخله عند جماهير الأصوليين وأنه لم يخالف فيه إلا السبكى وصفي الدين الهندي. والثاني: ما نقله ابن جرير ونقله عنه ابن كثير عن عكرمة والحسن البصري ومكحول أن آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ناسخة لآية ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وقال ابن جرير وابن كثير أن مرادهم بالنسخ التخصيص ولكنا قدمنا أن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ لأن التخصيص بيان والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل. ويدل لهذا أن آية ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ من سورة الأنعام وهي مكية بالإجماع وآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من المائدة وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة. وأما آية التحريم فيرجع عمومها بما قدمنا من مرجحات قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ لأن كلتاهما دلت على نهي يظهر تعارضه مع إباحة وحاصل هذه المسألة أن ذبيحة الكتابي لها خمس حالات لا سادسة لها.

стр. 1231

الأولى: أن يعلم أنه سمى الله عليها وهذه تؤكل بلا نزاع ولا عبرة بخلاف الشيعة في ذلك لأنهم لا يعتد بهم في الإجماع. الثانية: أن يعلم أنه أهل بها لغير لله ففيها خلاف وقد قدمنا أن التحقيق أنها لا تؤكل لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ . الثالثة: أن يعلم أنه جمع بين اسم الله واسم غيره وظاهر النصوص أنها لا تؤكل أيضاً لدخولها فيما أهل لغير الله. الرابعة: أن يعلم أنه سكت ولم يسم الله ولا غيره فالجمهور على الإباحة وهو الحق والبعض على التحريم كما تقدم.

стр. 1232

الخامسة: أن يجهل الأمر لكونه ذبح حالة انفراده فتؤكل على ما عليه جمهور العلماء وهو الحق إن لم يعرف الكتابي بأكل الميتة كالذي يسل عنق الدجاجة بيده فإن عرف بأكل الميتة لم يؤكل ما غاب عليه عند بعض العلماء وهو مذهب مالك ويجوز أكله عند البعض بل قال ابن العربي المالكي: "إذا عايناه يسل العنق الدجاجة بيده فلنا الأكل منها لأنها من طعامه والله أباح لنا طعامه" واستبعده ابن عبد السلام قال مقيده عفا الله عنه: هو جدير بالاستبعاد فكما أن نسائهم يجوز نكاحهن ولا تجوز مجامعتهن في الحيض فكذلك طعامهم يجوز لنا من غير إباحة الميتة لأن غاية الأمر أن ذكاة الكتابي تحل مذكاة كذكاة المسلم وما وعدنا به من ذكر الحكم ما ذبحه المسلم ولم يسم الله عليه فحاصله أن فيه ثلاثة أقوال. أرجحها وهو مذهب الجمهور أنه إن ترك التسمية عمداً لم تؤكل لعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وإن تركها نسياناً أكلت لأنه لو تذكر لسمّى الله. قال ابن جرير: "من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول الحجة وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ "قال ابن كثير: "أن بن جرير يعني بذلك ما رواه البيهقي عن ابن عباس عن النبي ﷺ المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله"ثم قال ابن كثير: "أن رفع هذا الحديث خطأ أخطأ فيه بن عبيد الله الجزري والصواب وقفه على بن عباس كما رواه بذلك سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي ومما استدل به البعض على أكل ذبيحة الناسي للتسمية دلالة الكتاب والسنة والإجماع على العذر بالنسيان ومما استدل به البعض لذلك حديث رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله رأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي"فقال النبي ﷺ : "اسم الله على كل مسلم" ذكر ابن كثير هذا الحديث

стр. 1233

وضعفه بأن في إسناده مروان بن سالم أبا عبد الله الشامي وهو ضعيف. القول الثاني: أن ذبيحة المسلم تؤكل ولو ترك التسمية عمداً وهو مذهب الشافعي ﵀ كما تقدم لأنه يرى أنه ما لم يذكر اسم الله عليه يراد به ما أهل به لغير الله لا شيء آخر وقد ادعى بعضهم انعقاد الإجماع قبل الشافعي عل أن متروك التسمية عمداً لا يؤكل ولذلك قال أبو يوسف وغيره: "لو حكم الحاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفته الإجماع"واستغرب ابن كثير حكاية الإجماع على ذلك قائلاً: "إن الخلاف فيه قبل الشافعي معروف". القول الثالث: أن المسلم إذا لم يسم على ذبيحته لا تؤكل مطلقاً تركها عمداً أو نسياناً وهو مذهب داود الظاهري وقال ابن كثير: "ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي ومحمد بن سيرين أنهما كرها متروك التسمية نسياناً والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيراً"ثم ذكر ابن كثير أن ابن جرير لا يعتبر مخالفة الواحد أو الاثنين للجمهور فيعده إجماعاً مع مخالفة الواحد أو الاثنين ولذلك حكى الإجماع على أكل متروك التسمية نسياناً مع أنه نقل خلاف ذلك عن الشعبي وابن سيرين. مسائل مهمة تتعلق بهذه المباحث:

стр. 1234

المسألة الأولى: اعلم أن كثيراً من العلماء من المالكية والشافعية وغيرهم يفرقون بين ما ذبحه أهل الكتاب لصنم وبين ما ذبحوه لعيسى أو جبريل أو لكنائسهم قائلين أن الأول مما أهل به لغير الله دون الثاني فمكروه عندهم كراهة تنزيه مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ . والذي يظهر لمقيده عفا الله عنه أن هذا الفرق باطل بشهادة القرآن الكريم لأن الذبح على وجه القربة عبادة بالإجماع فقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ الآية فمن صرف شيئاً من ذلك لغير الله فقد جعله شريكاً مع الله في هذه العبادة التي هي الذبح سواء كان نبياً أو ملكاً أو بناءً أو شجراً أو حجرً أو غير ذلك لا فرق في ذلك بين صالح وطالح كما نص عليه تعالى بقوله: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً﴾ ثم بين أن فاعل ذلك كافر بقوله تعالى: ﴿أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ . وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. فإن قيل قد رخص في كل ما ذبحوه لكنائسهم أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي والعرباض بن سارية والقاسم بن مخيمرة وحمزة ابن حبيب وأبو سلمة الخولاني وعمر بن الأسود ومكحول والليث بن سعد وغيرهم، فالجواب: أن هذا قول جماعة من العلماء من الصحابة ومن بعدهم وقد خالفهم فيه غيرهم وممن خالفهم أم المؤمنين عائشة ﵂ والإمام الشافعي ﵀ والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ

стр. 1235

فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية فنرد هذا النزاع إلى الله فنجده حرم ما أهل به لغير الله وقوله: ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يدخل فيه الملك والنبي كما يدخل فيه الصنم والنصب والشيطان وقد وافقونا في منع ما ذبحوه باسم الصنم وقد دل الدليل على أنه لا فرق في ذلك بين النبي والملك وبين الصنم والنصب فلزمهم القول بالمنع وأما استدلالهم بقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ فلا دليل فيه لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ليس بمخصص لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ لأنه ذكر فيه بعض ما دل عليه عموم ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ .

стр. 1236

وقد تقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصص على الصحيح وهو مذهب الجمهور خلافاً لأبي ثور محتجاً بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام، فإذا حققت ذلك فاعلم أن ذكر البعض لا يخصص العام سواء ذكرا في نص واحد كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ أو ذكر كل واحد منهما على حدة كحديث الترمذي وغيره "أيّما إهاب دبغ فقد طهر" مع حديث مسلم أنه ﷺ مر بشاة ميتة فقال: "هلا أخذتم إهابها " الحديث فذكر الصلاة الوسطى في الأول لا يدل على عدم المحافظة على غيرها من الصلوات وذكر إهاب الشاة في الأخير لا يدل على عدم الانتفاع بإهاب غير الشاة لأن ذكر البعض لا يخصص العام وكذلك رجوع ضمير البعض لا يخصص أيضاً على الصحيح كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فإن الضمير راجع إلى قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ وهو لخصوص الرجعيات من المطلقات مع أن تربص ثلاثة قروء عام للمطلقات من رجعيات وبوائن وإلا هذا أشار في مراقي السعود مبيناً معه أيضاً أن سبب الواقعة لا يخصصها وأن مذهب الراوي ر يخصص مرويه على الصحيح فيها أيضاً بقوله: ودع ضمير البعض والأسبابا وذكر ما وافه من مفرد .................................... ومذهب الراوي على المعتمد وروي عن الشافعي وأكثر الحنفية التخصيص بضمير البعض وعليه فتربص البوائن ثلاثة قروء مأخوذ من دليل آخر أما عدم التخصيص بذكر البعض فلم يخالف فيه إلا أبو ثور وتقدم رد مذهبه ولو سلمنا أن الآية معارضة بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فإنا نجد النبي ﷺ أمر بترك مثل هذا الذي تعارضت فيه النصوص بقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".

стр. 1237

المسألة الثانية: اختلف العلماء في ذكاة نصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة ونحوهم فالجمهور عل أن ذبائحهم لا تؤكل قال ابن كثير: "وهو مذهب الشافعي"ونقله النووي في شرح المذهب عن على وعطاء وسعيد ابن جبير ونقل النووي أيضاً إباحة ذكاتهم عن ابن عباس والنخعي والشعبي وعطاء الخرساني والزهري والحكم وحماد وأبي حنيفة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وصحح هذا القول ابن قدامة في المغنى محتجاً بعموم قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وحجة القول الأول ما روي عن عمر ﵁ قال: "ما نصارى العرب بأهل كتاب لا تحل لنا ذبائحهم"وما روي عن علي ﵁: "لا تحل ذبائح نصارى بنى تغلب لأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدل فصاروا كالمجوس لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تؤكل ذبائحهم"ذكر هذا صاحب المهذب وسكت عليه النووي في الشرح قائلاً: "إنه حجة الشافعية في منع ذبائحهم"ويفهم منه عدم إباحة أكل ذكاة اليهود والنصارى اليوم لتبديلهم لا سيما فيمن عرفوا منهم بأكل الميتة كالنصارى.

стр. 1238

المسألة الثالثة: ذبائح المجوس لا تحل للمسلمين قال النووي في شرح المهذب: "هي حرام عندنا وقال به جمهور العلماء ونقله ابن المنذر عن أكثر العلماء"وقال: "وممن قال به سعيد بن المسيب وعطاء بن أبى رباح وسعيد ابن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وعبيد الله بن يزيد ومرة الهمذاني والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وقال ابن كثير في تفسير قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ : "وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعاً وإلحاقاً لأهل الكتاب فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم خلافا لأبى ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد ابن حنبل ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء حتى قال عنه الأمام أحمد: "أبو ثور كاسمه"يعنى في هذه المسألة وكأنه تمسك بعموم حديث روى مرسلاً عن النبي ﷺ أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ولكن لم يثبت بهذا اللفظ وإنما الذي في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف "أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر" ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل"انتهى كلام ابن كثير بلفظه واعترض عليه في الحاشية الشيخ السيد محمد رشيد رضا بما نصه فيه "أن هذا مفهوم لقب وهو ليس بحجة"، قال مقيده عفا الله عنه: الصواب مع الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى واعتراض الشيخ عليه سهو منه لأن مفهوم قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مفهوم علة لا مفهوم اللقب كما ظنه الشيخ لأن مفهوم اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما علق فيه الحكم باسم جامد سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع وضابطه أنه هو الذي ذكر ليمكن الإسناد إليه فقط لا لاشتماله على صفة تقتضي تخصيصه بالذكر

стр. 1239

دون غيره أما تعليق هذا الحكم الذي هو إباحة طعامهم بالوصف بإيتاء الكتاب صالح لأن يكون مناط الحكم بحلية طعامهم وقد دل المسلك الثالث من مسالك العلة المعروف بالإيماء والتنبيه على أن مناط حلية طعامهم هو إيتاؤهم الكتاب وذلك بعينه هو المناط لحلية نكاح نسائهم لأن ترتيب الحكم بحلية طعامهم ونسائهم على إيتائهم الكتاب لو لم يكن لأنه علته لما كان في التخصيص بإيتاء الكتاب فائدة ومعلوم أن ترتيب الحكم على وصف لو لم يكن علته لكان حشوا من غير فائدة يفهم منه أنه علته بمسلك الإيماء والتنبيه قال في مراقي السعود في تعداد صور الإيماء: وذكره في الحكم وصفا قد ألم كما إذا سمع وصفا فحكم ومنعه مما يفيت استفد إن لم يكن علته لم يفد ...................... ترتيبه الحكم عليه واتضح ومحل الشاهد منه قوله: "استفد ترتيبه الحكم عليه"وقوله: "وذكره في الحكم وصفا أن لم يكن علته لم يفد"ومما يوضح ما ذكرنا أن قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ موصول وصلته جملة فعلية وقد تقرر عند علماء النحو في المذهب الصحيح المشهور أن الصفة الصريحة كاسم الفاعل واسم المفعول الواقعة صلة أل بمثابة الفعل مع الموصول ولذا عمل الوصف المقترن بأل الموصولة في الماضي لأنه بمنزلة الفعل كما أشار له في الخلاصة بقوله: وغيره إعماله قد ارتضي وإن يكن صلة أل ففي المضي

стр. 1240

فإذا حققت ذلك علمت أن الذين أوتوا الكتاب بمثابة ما لو قلت وطعام المؤتين الكتاب بصيغة اسم المفعول ولم يقل أحد أن مفهوم اسم المفعول مفهوم لقب لاشتماله على أمر هو المصدر يصلح أن يكون المتصف به مقصودا للمتكلم دون غيره كما ذكروا في مفهوم الصفة فظهر أن إيتاء الكتاب صفة خاصة بهم دون غيرهم وهى العلة في إباحة طعامهم ونكاح نساءهم فادعاء أنها مفهوم لقب سهو ظاهر وظهر أن التحقيق أن المفهوم في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مفهوم علة ومفهوم العلة قسم من أقسام مفهوم الصفة فالصفة أعم من العلة وإيضاحه كما بينه القرافي أن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة تامة كوجوب الزكاة في السائمة فإن علته ليست السوم فقط ولو كان كذلك لوجبت في الوحوش لأنها سائمة ولكن العلة ملك ما يحصل به الغنى وهي مع السوم أتم منها مع العلف وهذا عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة وظهر أن ما قاله الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى هو الصواب وقد تقرر في علم الأصول أن المفهوم بنوعيه من مخصصات العموم أما تخصيص العام بمفهوم الموافقة بقسميه فلا خلاف فيه وممن حكى الإجماع عليه الآمدي السبكي في شرح المختصر ودليل جوازاه أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ومثاله تخصيص حديث "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" أي يحل العرض بقوله مطلني والعقوبة بالحبس فإنه مخصص بمفهوم الموافقة الذي هو الفحوى في قوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ﴾ لأن فحواه تحريم إذاهما فلا يحبس الوالد بدين الولد وأما تخصيصه مفهوم المخالفة ففيه خلاف والأرجح منه هو ما مشى عليه الحافظ ابن كثير تغمده الله برحمته الواسعة وهو التخصيص به والدليل عليه ما قدمنا من أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما وقيل لا يجوز التخصيص به ونقله الباجي عن أكثر المالكية وحجة هذا القول أن دلالة العام على ما دل عليه المفهوم بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم ويجاب بأن المقدم عليه منطوق خاص لا ما هو من

стр. 1241

أفراد العام فالمفهوم مقدم عليه لان إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما واعتمد التخصيص به صاحب مراقي السعود في قوله في مبحث الخاص في الكلام على المخصصات المنفصلة: وقسمي المفهوم كالقياس واعتبر الإجماع جل الناس ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة تخصيص قوله ﷺ : "في أربعين شاة" الذي يشمل عمومه السائمة لا زكاة فيها فيخصص بذلك عموم في أربعين شاة شاة والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة: ما صاده الكتابي بالجوار ح والسلاح حلال للمسلم لأن العقر ذكاة الصيد وعلى هذا القول الأئمة الثلاثة وبه قال عطاء والليث والأوزاعيث وابن المنذر وداود وجمهور العلماء كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب وحجة الجمهور واضحة وهى قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وخالف مالك وابن القاسم ففرقا بين ذبح الكتابي وصيده مستدلين بقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ لأنه خص الصيد بأيدي المسلمين ورماحهم دون غير المسلمين قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر لي والله أعلم أن هذا الاحتجاج لا ينهض على الجمهور وأن الصواب مع الجمهور وقد وافق الجمهور من المالكية أشهب وابن هارون وابن يونس والباجي واللخمي ولمالك في الموازية كراهته قال ابن بشير: "ويمكن حمل المدونة على الكراهة". المسألة الخامسة: ذبائح أهل الكتاب في دار الحرب كذبائحهم في دار الإسلام قال النووي: "وهذا لا خلاف فيه"ونقل ابن المنذر الإجماع عليه. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ..﴾ الآية، هذه الآية الكريمة تدل على أن النبي ﷺ إذا تحاكم إليه أهل الكتاب مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهى قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ..﴾ الآية.

стр. 1242

والجواب أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ناسخ لقوله: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن اسلم وعطاء الخراساني وغير واحد قاله ابن كثير. وقيل معنى ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي إذا حكمت بينهم فاحكم بما أنزل الله لا باتباع الهوى، وعليه فالأولى محكمة والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أو آخران من غيركم﴾ الآية: هذه الآية تدل على قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون﴾ وقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ ، أي فالكافرون أحرى برد شهادتهم وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ، وقوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء..﴾ الآية والجواب عن هذا على قول من لا يقبل شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر أنه يقول إن قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾ منسوخ بآيات اشتراط العدالة والذي يقول بقبول شهادتهما يقول هي محكمة مخصصة لعموم غيرها وهذا الخلاف معروف ووجه الجواب على كلا القولين ظاهر وأما على قول من قال أن معنى قوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾ أي من قبيلة الموصي وقوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾ أي من غير قبيلة الموصي من سائر المسلمين، فلا إشكال في الآية ولكن جمهور العلماء على أن قوله ﴿من غيركم﴾ أي من غير المسلمين وأن قوله ﴿منكم﴾ أي من المسلمين وعليه فالجواب ما تقدم والعلم عند الله تعالى.

стр. 1243

قوله تعالى: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب﴾ . هذه الآية يفهم منها أن الرسل لا يشهدون يوم القيامة، على أممهم وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أنهم يشهدون على أممهم كقوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ وقوله تعالى: ﴿ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء﴾ . والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: وهو اختيار ابن جرير وقال فيه ابن كثير: "لاشك أنه حسن"، أن المعنى لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا فلا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شئ فنحن وإن عرفنا من أجابنا فإنما نعرف الظواهر ولا علم لنا بالبواطن وأنت المطلع على السرائر وما تخفي الضمائر فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم. الثاني: وبه قال مجاهد والسدي والحسن البصري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره أنهم قالوا لا علم لنا لما اعتراهم من شدة هول يوم القيامة ثم زال ذلك عنهم فشهدوا على أممهم. الثالث: وهو أضعفها أن معنى قوله: ﴿ماذا أجبتم﴾ ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا بعدكم؟ قالوا لا علم لنا ذكر ابن كثير وغيره هذا القول ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن. قوله تعالى: ﴿قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين﴾ . هذه الآية الكريمة تدل على أن أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة وقد جاء في بعض الآيات ما يوهم خلاف ذلك كقوله: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ وقوله: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ . والجواب أن آية ﴿أدخلوا آل فرعون﴾ وآية ﴿إن المنافقين﴾ لا منافاة بينهما لأن كلا من آل فرعون والمنافقين في أسفل دركات النار في أشد العذاب وليس في الآيتين ما يدل على أن بعضهم أشد عذابا من الآخر وأما قوله: ﴿فإني أعذبه﴾ الآية فيجاب عنه من وجهين:

стр. 1244

الأول: وهو ما قاله ابن كثير أن المراد بالعالمين عالموا زمانهم وعليه فلا إشكال ونظيره قوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ كما تقدم. الثاني: ما قاله البعض من أن المراد به العذاب الدنيوي الذي هو مسخهم خنازير ولكن يدل على أنه عذاب الآخرة ما رواه ابن جرير عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أنه قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون". وهذا الإشكال في المائدة لا يتوجه إلا على القول بنزول المائدة وأن بعضهم كفر بعد نزولها أما على قول الحسن ومجاهد أنهم خافوا من الوعيد فقالوا لا حاجة لنا في نزولها فلم تنزل فلا إشكال لكن ظاهر القول تعالى: ﴿أني منزلها﴾ يخالف ذلك وعلى القول بنزولها لا يتوجه الإشكال إلا إذا ثبت كفر بعضهم كما لا يخفى.

стр. 1245

رسائل لم يحملها البريد بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي أمّاه لقد تركت الجامعة, وتركت الدراسة في كلية الحقوق, وأصبحت فدائيا, نعم ... فدائيا! أقول هذا وأنا أعلم أي نبأ أسوقه إليك, وأية مصيبة ستحل بك, ولكن ماذا أصنع؟! ماذا أصنع يا أماه؟! علي أن أقوم بعمليات الفدائية, وأخشى أن تقضي عليك المفاجأة المروعة, حين تجدينني بين يديك جثة خرساء, جثة غارقة في التراب والدماء, وظنك أني أسرح وأمرح في أفناء الجامعة, وأفياء الحدائق. حاولت في بداية هذا الأمر أن أكتب إليك ما أنا عازم عليه, وقضيتها ليلة تائهة النجوم, ضائعة القمر, أثبت وأمحو, وأمحو وأثبت, كم مرة كتبت إليك هذا النبأ ثم انثنيت, وكم مرة وضعت الرسالة في الغلاف ثم مزقتها, يا لله لتلك الليلة! لقد تنفس صباحها, ولكن الرأي عندي لم يتنفس. أما اليوم فلا تردد ولا كتمان, ولا حيرة ولا تخوف, لقد برح الخفاء, وآن له أن يبرح, تدريباتي العسكرية قاربت النهاية, وعملياتي الفدائية في الأرض المغصوبة أوشكت أن تبدأ, والعام الدراسي يطوى أخريات لياليه وأيامه, وأبناء بلدتي الذين كنت زميلا لهم في الجامعة يحزمون أمتعتهم, ويطوفون بالأسواق يشترون الهدايا. سوف يعودون إلى البلدة كما كنت أعود في السنوات الخالية, وسوف يطرقون الأبواب على أهليهم, فتتفتّح لهم ضاحكة مستبشرة, سوف تغمر الفرحة بيوتاً كثيرة هنا وهناك على مقربة منك ومبعدة, وسوف تغصّ هذه البيوت بالمهنئين مع النهار, وبالسامرين مع الليل.

стр. 1246

أما أنت أيتها ألام الرائم, فلن يطرق الباب عليك ذلك الطارق الذي تتوقعين, إنه لن يعود مع هؤلاء العائدين, هذه الرسالة التي أكتبها إليك اليوم, هي التي ستعود هذا العام, وتقرع عليك الأبواب، لك الله يا أماه! لك الله! كم تحمّلتِ في سبيلي من متاعب ومصاعب, عشرون عاما تتابعت آخذاً بعضها بعناق بعض, وأنا أتقلب في أحضانك العاطفة، تحت أجنحتك الوارفة, دون أن يعينك على الحياة زوج, أو يقف إلى جانبك فيها البنون, إنما هي عشرات من غراس الزيتون لا يكاد جناها يفي بحاجات الحياة. كم وفرت لي لذيذ الطعام والشراب, وحرمت منه جسمك الغرثان, لم يكن ليصدق من يراك ويراني صغيرا أمشي خلفك تارة, وأثب عن يمينك ويسارك تارة أخرى, ما كان ليصدق أن هذا الطفل الذي تسيل أعطافه صحة وحياة, ويطفح وجهه رفاهاً ونعمة -أنه ابن هذه المرأة الطاوية البطن, المعروقة العظام, العارية الأشاجع. هذا الطفل الذي ربيته وأنفقت عليه من شبابك عشرين ربيعا, صابرة تنتظرين فيه العزاء والعوض عن أبيه, صادفة عن الخاطبين وهناء الزواج حرصا عليه وإبقاء على حب والدة, هذا الطفل الذي أوشكت أن تبلغي به ما كنت تؤملين، هذا الطفل الذي كنت تتوقعين أن يؤوب إليك هذه الأيام حاملاً شهادته العالية بدلا من أن يبعث إليك بهذه الرسالة يخيل إليك اليوم أنه قد ضاع من بين يديك, وأنك قد فقدته أبدا, أو أن يعود إليك كما عاد أبوه من قبل عشرين عاماً محمولاً من المعركة, قد نزفت دماؤه, ولمّا يمض على زواجكما سنه كاملة. كنت تريدينني ذا مكانة تتيهين بها على سائر الأمهات, نسكن بيتاً جميلاً مطلاً على القرية من فوق رابية الزيتون, نغدو ونروح في سيارة فارهة كيفما نشاء وأنّى نريد, كنت تريدين أن تثأري لسنوات الحرمان الطويلة, كنت تريدين ... وتريدين ... وأريد ... وأريد ...

стр. 1247

أحلام جميلة طالما رأيناها, وأمال حلوة طالما عشناها, وهاهي ذي اليوم تتقشع كما يتقشع ضباب الصباح مع أشعة الشمس المشرقة. يا إله السموات والأرض غفرانا ورحمة!! ويا أيتها الأم الصابرة معذرة إليك, وحنانا من لدنك!! كان عليّ أن أبقى إلى جوارك براً بك وإحساناً, ولكن هذه المصيبة الحطوم التي حطمت داراً من ديار المسلمين لم يكن في مقدوري أن أقف حيالها متفرجاً من بعيد, أقرأ الصحف, وأسمع الإذاعات, ثم أصيح ملء شدقيّ: مرحى لهذا, وتعساً لذاك. لم يعد في استطاعتي بعد هذا أن أقرأ كتاباً, أو أصغي إلى محاضر, أو أفهم شيئاً من هذه القوانين التي تتحدث عن حقوق الناس والشعوب والدول, هذه القوانين التي يخيل إلي أنها لم تكتب إلا لتدرس في الجامعات, وتنال بها الشهادات, ويتبارى فيها الخطباء على منابر هيئة الأمم المتحدة, أمّا التطبيق والعمل فله قوانين أخرى يعرفها وحش الغاب وحيوان البحر، تعرفها الدول القوية التي تقول للدول الضعيفة والشعوب الغافلة وهي تفترسها نريد أن نمدّك بأسباب الحياة, ونهديك سبيل الحضارة والتقدم. يعرفها أناس في الشرق والغرب يتباكون علي الضحايا والفرائس, وهم الذين أحلوها دار البوار. أية حقوق أدرس, وقد ضاعت حقوقي في الحياة باسم الحق والعدالة؟! وأي قانون أتعلم, قد ضاعت بلادي من فوق الأرض باسم قانون الأمر الواقع؟! يا لله من كيد الظالمين! ! ويا لله من خداع الأقوياء!!

стр. 1248

كان لزاما أن أمضي قدما في الطريق الذي اختاره الله لي, وهداني إليه, وان أتنكب هؤلاء الناس: هؤلاء الشباب الذين يجوبون الشوارع تصيداً للفتيات, وبحثاً عن السوءى, ويقضون لياليهم في دور الخيالة والملاهي عابثين معربدين, أو على المقاهي يتساقون ما لذ وطاب من ألوان الشراب, يمضون الأحاديث الماجنة, ويتثاءبون من فراغ وكسل, ثم يهربون كما تهرب الفئران إلى جحورها كلما سمعوا هدير طائرة, أو دوي مدفع, أو طلقات رصاص. شكراً لله رب العالمين الذي لم يعجل لي بالزواج, فأصبح ذا بنات وبنين, أتعلل بالسعي عليهم, والكسب لهم, والخوف على مستقبلهم من اليتم والفقر والضياع, كأنما اطلعت على الغيب, أو اتخذت عند الرحمن عهداً. أحمدك يا إلهي حمداً كثيراً أن لم تجعلني ذرب اللسان, واسع الحيلة, ذا خلابة أخدع الناس بما أتلمس من معاذير, وأدلس في العلل, لأنجو من أداء الحقوق, وألقي عن كاهلي أثقال الواجبات. لقد وضعت أصابعي العشر في آذاني وأنا أمر بأولئك الذين يثبطون العزائم صائحين! أنريق الدماء, ونكدس الجثث, لتكون منابر المجد لفلان وفلان؟! أنضحي بحياتنا في سبيل أناس لا يستحقون الحياة؟! مررت بهم وأنا أقول: إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى. أمّاه: إذا كان في الناس من يقاتلون من وراء مبادئ حزبية, أو زعامات سياسية, فلست منهم في شئ, لست قنبلة من هذه القنابل التي يطلقها أناس آمنون وراء الجدران راتعون في لذات النعيم. لم يستخفني إلي الموت سراب مجد, ولا أماني الشهرة, ولا ضلالة عمياء من هذه الضلالات التي يتيه في ظلماتها شباب الضياع, وإنما هو الجهاد, أسير في طريقه, ولا أبتغي به غير الله, ولكل امرئ ما نوى.

стр. 1249

تركت مسارح اللهو ومراتع الصبا, تركت فراشي الوثير, يغطيه الصوف والحرير, تركت الطعام الهنيء والشراب المريء, تركت أسمار الصيف الغافية على أضواء القمر ونسمات الليل المتبردة, تركت مجالس الشتاء الهادئة الدافئة على أنفاس المواقد, وتركت المحاضرات والمحاضرين ودراسة القانون, وكم تركت وتركت ... تركت هذا كله غير آسف, تركته مسرعا إلى مسارح الوحش ووكنات الطير, أتنقل في الجبال, وأهبط الأودية, دون أن تضل بي الشعاب والثنايا, أو تتنكر لي المغاور والكهوف, لا أبالي أن افترش الثرى, وأن أتوسد الحجر, وأن أبيت على الطوى, أعدو في صبيحة كل يوم سبعة أميال أو تزيد, دون أن أشكو أو يسمح لي بالشكوى, لم أعد أعرف الكنّ في زمهرير الشتاء, ولا القيلولة في هواجر الصيف, وسيّان لديّ أن أسير في غسق الليل وأن أسير في وضح النهار. لعلك تتساءلين من إشفاق وعجب, وأنت تضعين كفّاً على خد, وتقولين: أني لك هذا -يابنيّ- وأنت على ما أنت عليه؟! ما أسرع ما تغيرت يا أمّ عمّا تعهدين!! إن فتاك الذي كان يمور في الشحم واللحم كخراف العيد المعلوفة قد سقط عنه شحمه ولحمه وأصبح عوداً صليبياً من عيدان السنديان, هيهات أن ينثني أو يتكسر. لا شئ يستهويني هذه الأيام مثل إطلاق الرصاص, وضرب المدافع, وتفجير القنابل, والفتكات الخاطفة بالسلاح الأبيض. ما أكثر ما أحتضن السلاح وأقلبه بين يدي! ثم أقبله بلهفة وحنان, وأنا أقول: غداً غداً سترسل المنايا إلى كل معتد كفّار, إلى أولئك الذين في آذانهم وقر, وعلى أبصارهم غشاوة، أولئك الذين لا يفهمون الكلمات المطبوعة, ولا الألفاظ المسموعة, غداً غداً ستكتب لهم سطوراً من الجثث وحروفاً من الأشلاء مغموسة بالدماء, ستكتبها على القمم والسفوح وفي بطون الأودية, على التلال والسهول وجوانب الطرق. غداً غداً أيها السلاح ستريني ما وعدتني, وأريك ما وعدتك. أمّاه:

стр. 1250

كم تمنيت أن تكوني على مقربة, فتملئي عينيك وقلبك مني, وأملأ قلبي وعيني منك قبل أن أغادر أرض التدريب والتجارب. أغلب الظن أني سأجتاز الحدود إلى أرض الصراع والعراك في خلال أسبوعين, ما أجملها صورة حين أرى الأعداء يتساقطون صرعى رصاصاتي, وأشاهد الأشلاء تطير بين السماء والأرض مما أقذفهم به من قنابل!! لا تخافي عليّ من الموت, بل اسأليه تعالى أن يكتبه لي, أو أن يكتب لي النصر. لم يبق لي في الحياة بعد هذه الهزيمة عزة, ولن يغسل العار إلا السيف, لماذا أخادع نفسي، وأخادع الناس, وثياب الخزي تجلّل جسدي كله؟! إذا كنت من المؤمنين حقاً فهذا حق الله علي, وإذا كنت من الموقنين بالآخرة, فلم التعلق بهذه الدنيا على ذل وهوان, وحرق مساجد وتحريف قرآن, وهتك عرض, واغتصاب أرض؟! وإذا لم يحق علي الجهاد اليوم فمتى يكون حقا؟! لا تجزعي علي أيتها الأم, واحتسبيني عملاً صالحاً تقدمينه بين يديك عند الله, وذخرا تدخرينه ليوم يقول فيه الإنسان: يا ليتني قدمت لحياتي. لا تعدي نفسك في الثواكل, ولا تخالي ابنك قد ضاع سدى, دعي الناس يحسبون كيف يشاءون, ما عليك من حسابهم من شئ, فلله الأمر من قبل ومن بعد ويوم يقوم الحساب. لا تنظري إلى الخلف يا أماه! فيطول ليلك، ويطول همك, وتذهب نفسك حسرات, ولكن انظري إلى الأمام, فذلك خير وأهدى سبيلا, انظري إلى الأمام بعيدا ... بعيدا ... انظري إلى ما بعد الموت ... انظري إلى الدار الآخرة, انظري إلى جنات الله وإلى جوار الله, هنالك ستلاقين أبي هنالك ستلاقين ابنك الوحيد, هنالك سنلتقي جميعاً إن شاء الله. ابنك الفدائي ما على عثمان

стр. 1251

خطب النبي ﷺ فحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان ﵁: "عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها", قال ثم نزل ﷺ مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: "عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها"فحرك رسول الله ﷺ يده كالمتعجب وقال: "ما على عثمان ما عمل بعد هذا". أحمد والبيهقى وأبو نعيم في الحلية

стр. 1252

في ظلال سورة الأنفال للشيخ أبي بكر الجزائري المدرس بكلية الشريعة والواعظ بالمسجد النبوي الشريف ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . هذه السورة أيها الإخوة الصالحون تسمى سورة الأنفال، لذكر لفظ الأنفال فيها، وسماها بعض السلف بسورة بدر لاشتمالها على ذكر جوانب عديدة من غزوة بدر. وهي السورة الثامنة من الكتاب، وسابعة الطّوال إذا أخذنا برأي من يقول: إنها مع التوبة تكمل السبع الطوال، وذلك لاتحاد موضوعهما تقريبًا، ولعدم الفصل بينهما بالكلمة الشريفة، ولأن سورة يونس إلى المئين أقرب منها إلى الطول، وإن عدها بعضهم أو جمهورهم ﵏ من السبع الطوال. والمواضيع التي تعالجها هذه السورة الكريمة هي إجمالا: العقيدة بتركيزها وتعميقها في النفوس المؤمنة. والسلوك بتهذيبه، وإصلاحه حتى يتلاءم مع العقيدة الإسلامية، ويكون دليلها، وبرهانا عليها. الجهاد بذكر قوانينه وطرف من آدابه. الغنائم وحكم قسمتها وطريق توزيعها بين المجاهدين الأبرار. المعاهدات الحربية والسلمية وكيفية إبرامها وحلها.

стр. 1253

هذه السورة، أيها الإخوة الصالحون مفتتحة بكلمة: يسألونك عن الأنفال، وهي جملة متضمنة لسؤال وجه إلى الرسول ﷺ بخصوص ملكية غنائم بدر، واستحقاقها: أهي للشبيبة أم للشيوخ؟ للأنصار هي أم للمهاجرين؟ حيث وقع النزاع، ذلك كما سيذكر بعد. وهذا السؤال الذي تضمنته هذه الجملة في قائمة هذه السورة ليس هو الأول ولا الأخير، مما كان يوجه إلى الرسول ﷺ من أسئلة مختلفة يحكيها الله بلفظ يسألونك عن كذا.... ويلقن رسوله ﷺ الإجابة عنها. وأعظم هذه الأسئلة كان يوجه من المؤمنين طلباً لشرح حكم، أو تفسيراً لإجمال، أو كشفاً لشبهة وذلك كسؤالهم عن القتال في الشهر الحرام، وعما ينفقون من أموالهم، وعلى من ينفقون، وعن حكم الخمر والميسر، وحكم خلط أموالهم بأموال يتاماهم، وعن مخالطة الحائض أيام حيضها إلى غير ذلك من التساؤلات والاستفسارات التي كان يتطلبها واقع المسلمين وهم في كل يوم يتلقون الجديد والمزيد من الأحكام والتشريع تكميلاً لهم وإعداداً للخلافة في الأرض والوصاية على البشر وقيادتهم. كما كانت بعض الأسئلة توجه من المشركين تكذيباً لمضمونها، أو استبعاداً لوقوعه كسؤالهم عن الساعة، وعن موعد العذاب الموعدين به. كما كان البعض الآخر يوجه من اليهود تحدياً للرسول وتعجيزاً له، أو كشفاً عن حقيقة دعواه النبوة، ومدى صدقه فيها وذلك كسؤالهم إياه - فداه أبي وأمي - عن الروح، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، وعن قرى أهل الجنة: أول طعام يقدم لهم عند دخولهم الجنة. وعما يكسب الولد شبهاً بأمه، أو أبية، إلى غير ذلك من الأسئلة المعروفة في الكتاب الكريم، والمعلومة في السنة الشريفة.

стр. 1254

وكون الحق ﵎ يتولى الإجابة عن رسوله ﷺ في هذه الأسئلة وفي غيرها تبياناً للأحكام، وإنارة الطريق، وإدحضا للباطل، ودفعاً للشبهات هو تحقيق ولايته تعالى لأوليائه. ومصداق قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ . إنه ما عرضت شبهة لولي من الأولياء، ولا لنبي من الأنبياء إلا وأزالها الله ولي المؤمنين من قلوب أوليائه، وأحل محلها نور المعرفة واليقين. ولا عورضت دعوة الحق بحجة باطلة، أو طريقة ماكرة إلا ودحض الله حجة المبطلين، وأحبط كيد الماكرين. يشهد لهذا ما ذكر برهاناً على كونه تعالى يخرج أولياءه من الظلمات إلى النور وذلك في مواقف ثلاثة: أولها: موقف إبراهيم ولي الرحمن، مع النمرود ولي الشيطان حيث حاج الثاني بباطله إبراهيم في حقه، فدحض الله الباطل بالحق فزهق، وبهت الذي كفر. وأخرج إبراهيم من ظلمة الباطل إلى نور الحق، وهو ظافر منتصر. وثانيها موقف النبي أو الولي الذي مر بقرية وهي خاوية على عروشها؛ متهدمة البنيان خالية من السكان، فغين على قلبه ما قال معه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؟ فأخرجه الله من تلك الظلمة التي عرضت لقلبه بأن أماته ثم أحياه، وأراه من آيات قدرته ما أشبعه يقيناً ورواه، وهكذا جميل الله تعالى الولي مع من يتولاه.

стр. 1255

وثالثها موقف الخليل مع ربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ، وكان الخليل لم يكتف في إيمانه بعلم اليقين فأراد الوصول به إلى عين اليقين. فكان كمن عرضت له شبهة في ظاهرة الحياة كيف تكون، وما كان أبداً من أهل الظنون أو الفتون بل سؤاله دال صراحة على صدق إيمانه بقدرة ربه إذا قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ، ولم يقل كيف تقدر على إحياء الموتى. وأجابه الله وليه ومولاه. وأراه من مظاهر قدرته ما طمأن قلبه، ودفعه إلى مقام عين اليقين. وسلام على إبراهيم في المرسلين، وكذلك يجزي الله المحسنين. ووجه العبرة من هذا أيها الإخوة المسلمون أن العبد متى حقق ولايته لله بإيمانه الصادق، وتقواه لله، وتجرد لدعوة الخلق إلى الخالق ليعبدوا ربهم ويوحدوه ويسلموا له قلوبهم ووجوههم ويطيعوه. متى كان العبد هكذا لن يعدم من الله تعالى نصره ولا تأييده، ولا إرشاده، ولا توفيقه، إن تصدى له مبطل نصره عليه وهزمه بين يديه، وإن عرضت له شبهة كشفها له وأعقبه نوراً في قلبه، إن واجهته مشكلة ومهما كانت صعبة أو عويصة وفقه لحلها، وأخرجه منها معافى سليماً، وعزيزاً كريماً. والحمد لله ولي المؤمنين، ومنزل الكتاب ومتولي الصالحين هذا وأما الأنفال التي كانت مثار النزاع، والتي اقتضت مصلحة الجماعة المؤمنة في حكم الله وليهم ومتوليهم أن يرد شأنها إلى الله ورسوله، فيحكم الله فيها بما يريد. ولن يريد إلا الحق والخير ويقسمها الرسول حسب أمر ربه ووحيه إليه. فإن قول المفسرين فيها مختلف غير أن المعنى لا يخطئ.

стр. 1256

إن الرسول ﷺ في بداية المعركة شجع المجاهدين بقوله من قتل كذا فله كذا ... ومن أسر كذا فله كذا ... ولما انتهت المعركة بنصر حاسم للمسلمين حاول بعض الغانمين الاستئثار بما غنموه دون غيرهم من إخوانهم المجاهدين مما أثار بعض الخصومة. والنزاع الأمر الذي لا يمكن أن تقر عليه جماعة الإيمان بحال من الأحوال من أجل ما قد يؤدي إليه من الفوضى والخلاف، وذلك مما لا يليق بهم، ولا يتفق وحقيقة جماعة تؤمن بالله، وتقاتل طول الحياة لحماية دين الله، وأولياء الله، ولتأمين دعوة الحق بين الخلق. فلذا لما اختلفوا وتساءلوا أجيبوا برد القضية لله ورسول الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . وأمروا بتقوى الله ، وإصلاح ذات بينهم، وطاعة ربهم ونبيهم وهذه من مقتضيات إيمانهم وهم مؤمنون. وأما الغنائم وقسمتها وقد ردت إلى الله فسيحكم الله فيها بما هو الحق والعدل. وبما يحقق الخير للجميع. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . قد اشتملت هذا القدر من الآية على الأمر بثلاثة أشياء هي في غاية الأهمية بالنسبة إلى حياة الجماعة المسلمة وسعادتها في الدنيا والآخرة، تلك هي الأمر بتقوى الله ، وإصلاح ذات بين الجماعة عند وجود فساد فيها بالفرقة والخلاف بين أصحابها، وطاعة الله ورسوله ﷺ بعد الإيمان بالله واليوم الآخر المهيأ لذلك والمعد له، والمساعد عليه.

стр. 1257

أما التقوى فإن عليها مدار كل إصلاح يراد للفرد أو للجماعة، وبدونها لا يتحقق أي خير أو إصلاح أبداً، ومن هنا قدم الأمر بها على غيرها، وكانت هذه الآية وصيه الله الثابتة لهذه الأمة المسلمة، ولمن سبقها من أهل الكتاب قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ . ومعنى التقوى العام: خشية الله تعالى المالئة للقلب، المسخرة لجوارح العبد في طاعة الرب ﵎ فعلاً وتركاً. وقد تطلق ويراد بها معنىً خاص، فتكون في كل مقام بحسبه، ومن ذلك أنها هنا بمعنى توقي سنة الله تعالى في الإقبال على الدنيا، والتنافس فيها، والجري وراء حطامها الفاني، وما يجر ذلك من تحاسد وتقاطع، وخلاف يفضي بالجماعة إلى الهلاك والدمار. وأما إصلاح ذات البين وبعد إصابتها بما أفسدها من الخلاف والنفرة، فإن الأمر به من أوجب الواجبات وألزم اللازمات، إذ لو يسمح لمرض الخلاف أن ينتشر في صفوف الجماعة، ولداء الحسد والبغضاء أن يستشري في جسمها. لأودى قطعاً بحياتها، وأفضى بها إلى هلاك محتم، وخسران مبين ومن هنا أمر الله تعالى الجماعة المسلمة على الفور ولأول خلاف بدر منها أمرها بإصلاح ذات بينها، وإحلال الوئام بين أفرادها محل الخلاف، والود والصفاء محل العداوة والبغضاء.

стр. 1258

وأما طاعة الله والرسول ﷺ فإنها شعار الجماعة المؤمنة التي لا يمكن أن تتخلى عنه، أو تعيش بدونه، إذ منه تستمد نظامها وقوتها، وكامل مقوماتها في الحياة. إن الجماعة المؤمنة بدون الطاعة الكاملة لله ورسوله لا يمكن أن تكون شيئاً في الوجود، أو تحقق لها خيراً ما في الحياة. ولعل هذا هو السر في الأمر بها في هذا المقام بعد الأمر بالتقوى، والطاعة لله والرسول بعد الأمر بالتقوى مشعراً بأهمية الطاعة للجماعة المؤمنة، ومهيجاً لها على الاستعداد وتوطين النفس عليها لتؤديها كاملة في المنشط والمكره، والعسر واليسر. وأخيراً قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإن هذه الجملة الشرطية ذات مدلول خاص في هذا السياق من الكلام، فإنه يؤتى بها بعد الأمر أو النهي للتهييج على الطاعة والحمل المؤكد على الامتثال، لأن الإيمان هو الطاقة المحركة للمؤمن، والإرادة الموجهة له، فبدون الإيمان لا يتأتى للعبد أن يطيع ويخلص، أو يعمل ويصدق بحال من الأحوال، حتى صار في عرف قانون الإيمان لا يعرف إيمان حقيقي بلا عمل صالح، ولا عمل صالح بلا إيمان. ومن هنا حسن أن تذكر هذه الجملة بعد الأمر بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول، تذكيراً بالإيمان، وتهييجاً للنفوس على العمل، وتهديداً لها بسلب الإيمان الذي هو خاصيتها وأغلى ما تملك، إذا هو لم يوجد له أثره في الطاعة والسلوك. ولذا يقدر جواب هذا الشرط محذوفاً استغني عن ذكره بذكر ما سيقت لتأكيده من امتثال الأمر، والتسليم بالطاعة. والتقدير: إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله.

стр. 1259

هذا.. وموجز القول في هذه الآية الكريمة: أن المجاهدين من أهل بدر لما انتهت المعركة بنصرهم على أعداء لا إله إلا الله وأعدائهم اختلفوا في شأن قسمة الغنائم المعبر عنها في الآية بالأنفال حيث أراد الشبان الاستئثار بها دون الشيوخ بدعوى أن أثرهم في المعركة كان أكبر. ولم يرض لهم الشيوخ بذلك فرفع النزاع إلى الرسول ﷺ ونزلت الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ الخ ... فرد الله ملكيتها إليه وإلى رسوله حسماً للخلاف وقطعاً لشجرته، وأمر المتنازعين فيها بتقواه ، وإصلاح ذات بينهم، وبطاعته وطاعة رسوله مذكراً إياهم بالإيمان الذي هو أصل كل خير ومفتاح كل سعادة. وبعد تسع وثلاثين من هذه الآية نزلت آية أربعين تبين قسمة ما اختلفوا فيه من الأنفال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية. فجعلت الغنيمة خمسة أقسام، قسماً لله ورسوله.. وأربعة أقسام للمجاهدين عموماً من كان له أثر في المعركة كبير أو لم يكون له سوى وجوده فيها بنية الجهاد. ما في الآية من الهداية القرآنية: نختم درس هذه الآية الشريفة ببيان بعض ما اشتملت عليه من الهداية القرآنية وذلك: ١- الجماعة المؤمنة إذا اختلفت في شيء ترد أمره إلى الله ورسوله للحكم فيه بما هو الحق والخير قال تعالى في توجيه هذه الجماعة المؤمنة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ، ولهذا ردوا أمر خلافهم إلى الرسول وحكم الله فيه بما هو الحق والخير لهم.

стр. 1260

٢- الميل إلى الدنيا والرغبة فيها طبع هذا الإنسان، وعليه فإنه إذا لم يجد من التربية الإلهية والتوجيه النبوي ما يقوِّم به طبعه، ويخفف من حدته، ويقلل من تأثيره على سلوكه، أودى به طبعه وأهلكه، والعياذ بالله تعالى. فلولا عناية الله بأهل بدر، وما أولاهم من تربية وتوجيه لهلكوا بخلافهم أو لأفضى بهم إلى مشارف الهلاك على الأقل. ٣- الجماعة المسلمة المهيأة لقيادة البشر لا ينبغي لها أن تتورط في حب المال وجمعه، ولا الانغماس في الترف والشهوات، فإن ذلك يقعد بها قطعاً عن بلوغها أهدافها وغاياتها في إصلاح الخلق. ٤- تقوى الله خير ما يوصف من دواء لعلاج النفوس وتطهير القلوب ولذا لما بدا من أهل بدر ما قد يرى أنه ناجم عن مرض الشهوة في حب المال والرغبة فيه، أمرهم الله بالتقوى، وحثَّهم على الطاعة لله والرسول ﷺ . ٥- الجماعة المسلمة لا بد لها من قيادة عليا تجمعها إليها عند كل خلاف، أو تصادم في أي أمر من الأمور الدنيوية والدينية على حد سواء. ٦- المبادرة إلى القضاء على كل سبب للفرقة أو الخلاف بين الجماعة المؤمنة إبعاداً لها من ورطة العداوات والبغضاء. ٧- إعداد أفراد الجماعة المؤمنة بطاعة الله والرسول لأن يكونوا أسرع إجابة لنداء الواجب، وأكثر تلبية لصوت الحق كلما قال هلم لجهاد ونصرة.

стр. 1261

فلا تدعو مع الله أحداً بقلم الشيخ: عبد الله محمد الغنيمان المدرس في المعهد الثانوي قرأت في إحدى المجلات الإسلامية قريباً قصيدة مما يسمى بالشعر الحر تحت عنوان: (يا سيدي) ولاحظت فيها كلاماً لا يتناسب وعقيدة الإسلام حيث أن الدعاء هو مخ العبادة كما في الحديث الذي يرويه الترمذي وغيره, وهذا قد وجه نداءه وشكايته إلى الرسول طالباً أن يدعوا لنا وأن يبارك لنا كما يقول: "يا سيدي يا مصطفى الإله ادع لنا"وكرر هذا المعنى ويقول: "يا سيدي شكاية الأتباع للمسود", وهذه شكوى إلى رسول الله فيما لا يملكه إلا الله, ودعاء له, ومعلوم أن الدعاء من أخص العبادة التي لا يجوز صرفها إلى غير الله, لا لرسول الله ﷺ ولا لغيره. وقد ذكر الله في كتابه كفر الذين يدعون من دون الله من يزعمون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى مع اعتقادهم أن الله هو الخالق المتصرف بالكون وحده, كما ذكر تعالى دعاء الميت والغائب ونهى عنه وتوعد عليه قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ والظلم هنا هو الشرك الذي ذكر تعالى أنه لا يغفره, ومن مات عليه فقد حرم الله عليه الجنة, ولم يستثن أحداً من المدعوين, والرسول ﷺ هو المبلّغ عن الله وقد حذّر عن هذا كل التحذير بل نهى عمّا هو أقل من ذلك بكثير لما قال له رجل: "ما شاء لله وشئت"قال: "أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده", وقد قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . ومعروف ما فعله ﷺ حين نزل عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وقوله: "يا بني فلان أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني من الله شيئاً" حتى قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً",

стр. 1262

فكيف يجوز بعد هذا أن يجعل ﷺ واسطة بين الله وعباده في ما لا يقدر عليه إلا الله من دعاء وغيره, وقد خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ , فليتأمل هذا الوعيد المرتب على دعوة غيره وخاطب به تعالى نبيه ليكون أبلغ في التحذير أفيظن بالنبي ﷺ أن الله ينهاه عن هذا ويذكر الوعيد عليه ثم يرضى أن يفعله أحد معه أو مع غيره؟ , كلا، ودعوة غير الله تنافي الإخلاص الذي هو دينه ولا يقبل سواه ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ , وقد ذكر الله تعالى اختصاصه بالدعاء في قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ فأخبر أن دعوة الحق له خاصة وما ليس بحق فهو باطل لا يحصل به نفع لمن فعله بل هو ضرر في العاجل والآجل لأنه ظلم في حق الله وفي حق المدعو, يبين هذا توعده تعالى من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ نزلت في الذين يدعون عيسى ﵇ وأمه وعزيراً والملائكة باتفاق أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين والأئمة فلا يظن عاقل أن الرسول ﷺ يرضي بشيء قد توعد الله من فعله مع عيسى وأمه والعزير والملائكة, وكونه ﷺ أفضل الرسل لا يلزم أن يختص دونهم بأمر نهى الله عنه عباده عموماً وخصوصاً بل هو مأمور أن ينهى عنه ويتبرأ منه كما تبرّأ منه المسيح ابن مريم ﵇ كما في الآيات في آخر سورة المائدة (١١١) إلى (١١٨) وكما تبرأت منه الملائكة في الآيات في سورة سبأ (٣٩) إلى (٤١) . وليعلم أن الدعاء قسمان:

стр. 1263

أ- دعاء الحي الحاضر ما هو في مقدوره واستطاعته, كسؤال الدعاء من الغير والنصر والإعانة بما يقدر عليه, فهذا جائز باتفاق المسلمين بهذه الشروط, والأدلة عليه كثيرة وظاهرة. ب- دعاء الميت والغائب ما لا يقدر عليه إلا الله, مثل سؤال قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة الملهوف وهداية القلوب وإصلاح الشأن وما أشبه ذلك, فهذا من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين ولم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان لا مع الرسول ولا مع غيره وهذا مما يعلم بالضرورة أنه ليس من دين الإسلام وبهذا يعلم خطأ القائل: "يا سيدي يا مصطفى الإله ادع لنا", وقوله: "يا سيدي شكاية الأتباع للمسود"وأن هذا وما أشبهه مناف لدعوة الرسول, والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 1264

محب الدين الخطيب لمحات من حياته وقبسات من أفكاره بقلم الشيخ: ممدوح فخري المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في بقعة من أجمل بقاع القاهرة، في جزيرة الروضة السابحة في النيل الهادئ، كان يقيم ذلك الراحل العظيم محب الدين الخطيب الذي تناقلت الصحف نعيه في الأسبوع الماضي, أجل لقد مات محب الدين ذلك الكاتب الكبير والمفكر الجليل والعالم المحقق. والمسلم الغيور على عقيدته وتراثه وأمته، فرحمه الله وطيب ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه.

стр. 1265

في تلك الجزيرة الجميلة وفي الأعوام الأخيرة من عمره المبارك الميمون كان لي الشرف التعرف على ذلك المسلم العظيم الذي كنت قد قرأت له وعنه قبل لقائه فعظم في عيني وسما في نفسي ووجدت لدي الرغبة العظيمة في التعرف عليه والالتقاء به، وكان ذلك أثناء دراستي في الجامع الأزهر حيث تشرفت بزيارته في مكتبته الكبيرة في شارع الفتح في الروضة في ذلك الحي الهادئ الحالم، وبين أكداس وتلال من الكتب وخلف نظارته الساقطة على أنفه وتحت طربوشه الأحمر وفي جلبابه الأبيض كان يجلس محب الدين وعلى محياه معالم الثمانين التي قضاها في جهاد دائم بقلمه ولسانه وقلبه ويده. وكانت زيارة مباركة تلك التي تلتها زيارات شبه دورية لسنوات أقمتها هناك. وكان على أثر ذلك أن توثقت به صلاتي وكثرت له زياراتي، وعدت من ذلك كله بحصيلة مباركة من توجيهاته القيمة وإرشاداته السديدة وتجاربه الكثيرة خلال عمره المديد أضف إلى ذلك مجموعه من الكتب النادرة التي وجدتها في مكتبته الكبيرة التي كانت تعلوها طبقة سميكة من الغبار لأنها لم تمسسها يد منذ سنين، لقد تعرفت على محب الدين ﵀ في الوقت الذي تنكر له فيه المجتمع الذي كان يعيش فيه وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت بأني كنت الوحيد الذي كان يقصده في أيامه الأخيرة ولكني في كل مرة كنت أحرص على أن أصحب معي مجموعه جديدة من الشباب المسلم الذين كنت أحرص على أن يتعرفوا به ويأخذوا عنه، لقد كان يعيش أيامه الأخيرة ﵀ في غربة قاتلة ولم يكن يتصل بالمجتمع الذي يعيش فيه إلا عن طريق بعض الصحف التي كان مشتركاً فيها. وحتى أصحاب المكتبات لم يكونوا على صلة به وبمطبوعاته القيمة التي كان يصدرها, وأذكر أني قد أحضرت كثيراً من مطبوعاته لبعض المشايخ والطلاب وأصحاب المكتبات التي كانوا يطلبونها مني لصلتي به.
следующие страницы →