Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.
стр. 12426
وعقيدة التوحيد تفرض أن يطوع الحديد لإقامة العدل ونصرة الحق ومن وراء ذلك أعمال وأعمال تستوجب قيام المصنع، ووجود الغواص في البحر، والطيار في الجو، والباحث في المعمل، كما تطلب قلم الكاتب ودفتر المحاسب وفقه العالم، وتدبير الحاكم وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ففي سورة واحدة بل في آية واحدة نقرأ قول الله ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .
والقران الكريم عندما يتحدث عن آيات الله في الآفاق وفي الأنفس ويحث على النظر والتفكر فيها إنما يريد تفاصيل هذه العقيدة في النفس وجعلها مبنية على معرفة لا يعتريها شك ولا يحبط عمل صاحبها شرك.
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ الله مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
﴿الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 12427
إن جميع ما يذكر من مقومات هذه الأمة يستند إلى هذا الأصل ويقوم عليه فما ندعى إليه من توثيق روابط الأخوة والمودة، وما نأمر به أو ننهى، لا يثمر ولا يغني ما لم يكن الدافع إليه والغاية منه القصد لله وابتغاء مرضاته.
وإذا تسرب الشرك إلى شيء من عمل أحبطه ودمره.
هذا الأصل ثابت مستقر في رسالة الرسل جميعا لا يتغير مع أي شرعة ومنهاج ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
والحياة التي تقوم على التوحيد تصان فيها الفرائض وتؤدى الواجبات وهي متنوعة متعددة تحتاج إلى علم وجهد وكد يتساند فيها أهل التوحيد معتصمين بحبل الله غير متفرقين وتقوم نعم الله التي لا تحصى بين أيديهم لتكون عونا على إعلاء كلمة الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل ونصر المظلوم بإنصافه وتأمينه والظالم بالأخذ على يده وبهذا تحافظ الأمة الإسلامية على خيريتها، وتعز بإيمانها وأداء رسالتها، وتفلح بالدعوة إلى سبيل ربها ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
إنها أمة مجاهدة ذات رسالة خالدة، فرض عليها أن تحيا مرابطة في سبيل الله تجير المظلوم وإن كان من غيرها وتأخذ على يد الظالم وإن كان منها، وتعلي كلمة الله في كل شأن من شئونها.
والإسلام يعتبر المسلمين أمة واحدة تجمعها العقيدة ويشارك بعضها بعضا في الآلام والآمال.
وأي عدوان يقع على قطر من أقطارها أو على فرد من أبنائها فهو عدوان عليها جميعا، ولكي تستطيع هذه الأمة أن تنهض برسالتها وأن تؤدي ما أوجب الله عليها لابد أن تعمل دائما على تحقيق الأسباب التي تعينها على ذلك، وأن تحافظ على المقومات الأصيلة الثابتة التي تميز شخصيتها وتجعلها أمة دعوة ورسالة.
стр. 12428
وواقع الأمة الإسلامية الآن لا يحتاج إلى بيان ولكن من الخطأ أن نظن أن ما وصلت إليه يستحيل علاجه ومن الخطيئة أن ندع اليأس يتسرب إلى النفوس، وأن نترك أولئك الذين لا يريدون لأمتنا إلا مزيداً من الفشل وذهاب الريح، أن يفرضوا عليها الرضى بالواقع أو يجعلوها تؤمن بالتبعية لغيرها في شرق أو غرب.
فإن أمتنا تملك- بفضل من الله- أن تبدأ البداية الصحيحة دون حاجة لشرق أو غرب وعليها أن تدرك أن ما سلط عليها من أعدائها بسبب معاصيها وقعودها عن أداء رسالتها ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ .
ورب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً.
فعلى أمتنا أن تبدأ بما أمر الله به ﴿فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، عليها أن تكف شرها عن نفسها وأن تأخذ على يد العابثين الذين يفسدون في الأرض ويقطعون الأرحام.
في الجاهلية تداعت قبائل من قريش إلى حلف قال عنه الرسول ﷺ :
"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى إليه في الإسلام لأجبت".
وكانت هذه القبائل قد تعاهدت على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.
في الجاهلية تداعت قبائل من قريش لهذا الحلف الذي أثنى الرسول ﷺ عليه وقال لو أدعى إليه في الإسلام لأجبت.
стр. 12429
أفلا يتداعى المسلمون- وكتاب الله يتلى عليهم وفيهم رسوله - لما ينقذ حياتهم ويرد كيد أعدائهم ويدفع الشر والبلاء عنهم، أفلا يتداعى المسلمون لتحقيق أمر الله فيما بينهم والأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم، إن تحقيق معنى الأمة الإسلامية في أدنا صورة ممكنةٍ قد غاب كثيراً عن حياة المسلمين فغدت الأمة نهباً لكل طامع وتحقق ما حذر الرسول ﷺ منه في قوله: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها".
أي والله لقد تحقق ما حذر الرسول ﷺ منه وتداعى الأكلة من أمم الكفر في شراهة وضراوة لتمزيق الجسد الإسلامي وفصل أجزائه بعضها عن بعض.
ومنذ فترة قيل عن تركة الرجل المريض، وأخشى أن يكون الإصطلاح لديهم الآن تركة الرجل الميت، ولكنني أؤمن أن الأمة لن تموت مهما بدت مظاهر الضعف والسكون فيها.
وعلينا أن نبحث في غير يأس في وسائل النهوض بأمتنا الإسلامية فإنها أمة باقية بإذن الله إلى قيام الساعة.
أولاً: أسلوب التربية والثقافة والإعداد في عالمنا الإسلامي يحتاج إلى مراجعة وإصلاح فإنه فيه كثير متناقض ومتضارب ومختلف الإتجاهات والشعارات ولا يخفى ما يترتب على ذلك من صراع داخل الأمة الإسلامية نفسها وما يقع من شر بين أبنائها.
فكيف نخضع جميع وسائل التربية والإعداد والثقافة لتوحيد هذه الأمة وجمع كلمتها؟ وما السبيل لإعداد إنسان الغد بما يتناسب وأخطار الغد؟
стр. 12430
إن أصحاب المذاهب في شرق أو غرب يعملون على صياغة الإنسان في أمتنا الإسلامية ليكون لهم لا لأمته وينفقون في سبيل ذلك من الجهد والمال ما لا يخفى على أحد، وكلنا يعرف ما تفعله الشيوعية في سبيل نشر مذهبها وما يفعله الغرب وما يقدمه لمؤسسات التبشير لتكون طلائع له في صياغة إنسان الغد لصالحه، وكل ما وقع من اغتصاب أرض المسلمين في أي مكان أو زمان قد مهد له من قبل الإستيلاء على الإنسان. ومن هنا كان الحرص شديداً على تقديم المنح الدراسية وإغراء الدول الإسلامية بالبعثات التعليمية وهي تحقق جانباً كبيراً مما يريده أصحاب المذاهب في شرق أو غرب من صياغة الإنسان لما يريدون.
الإنسان هو الأساس الذي تقوم به ومن أجله الحضارة والنهضة والعناية به هي السبيل للنهوض بأمتنا من كبوتها ولا تصلح الأشياء إلاَّ بإيجاد الإنسان الصحيح، من أجل هذا أرسل الله الرسل وأنزلت الكتب.
والنعم في أيدي الناس مسخرة من الله وبالإنسان يتحدد اتجاهها إلى شكر أو كفر، ونتائج العلم أسلحة في يد الإنسان ينصر بها عدلاً وحقاً أو يبغي علواً وفساداً والسيف يمسك به لص يهدد أمن الناس ويحمله حارس أمين.
والأرض قد هبط إليها الإنسان بعد إصلاحها وما يقع فيها من إفساد هو مما كسبت أيدي الناس والله يعلم المفسد من المصلح.
ولكل شيء في الحياة وسائل وأسباب تحقق صلاحه، فإذا اتبعت الأسباب في كل شيء بما يناسبه استقام الإنسان وبرت النتائج، وكذلك فعل المصلحون في الأرض ومن أثنى القرآن عليهم وتلا على الناس ذكرهم ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً ... ﴾ .
стр. 12431
وتراه وهو يعالج قضايا الناس يأخذ بجميع الأسباب التي تحقق الإصلاح ومن وراء الأخذ بالأسباب صدق النية وشكر النعمة فهو لا يطلب جزاءً إلاَّ من ربه، من وراء الأخذ بالأسباب نفس مؤمنة لا تستغل حاجة الناس ولا تعمل عملاً يمكن أهل الفساد من تحقيق فسادهم بل تعمل وتحسن وتضع أمام الفساد سداً منيعاً لا يستطيع الباطل أن ينفذ منه أَو يعلو عليه ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ .
وأمتنا الإسلامية - وأمامها من التحديات - ما لا يخفى على أحد عليها أن تعد الإنسان بالإيمان الموجه للنفوس إلى الخير والإصلاح وبالعلم الذي تنشده النهضة في جميع شئون الحياة بحيث لا تكون الأمة الإسلامية في قبضة غيرها، فالأمة الإسلامية إذا احتاجت إلى مائة ألف طبيب عليها أن تعمل على إعداد هذا العدد بتخصصاته المتنوعة وأن تدرس في صبر وأناة وجد حاجتها في كل شأن وأن تعرف ما تملكه من طاقات وإمكانات قبل أن تطلب عوناً من أحد. وفي جميع الأحوال تكون مهمة الدين إعداد الإنسان لكي يصلح في الأرض ولا يفسد.
стр. 12432
والمهمل في عمله والمقصر فيه مفسد غير مصلح، والقعود عن الأخذ بالأسباب معصية ومفسدة تتيح للغير أن يتفوق، تفوق جاد أَمام قاعد، وعامل أمام خامل، والتنافس قائم بين الخلق، وأهل الباطل لن يسكتوا أبداً عن إضعاف أهل الحق ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ .
ويا له من ضياع ويا لها من مفسدة حين تظل أمة الحق عالة على أهل الباطل، لا تسل عن الأتباع والطواعية، أتباع أهل الحق لأهل الباطل حتى لو دخلوا جحر ضب وطواعيتهم فيما يريدون لأهل الحق من ردهم بعد إيمانهم كافرين.
والأمة الإسلامية إن هي قصرت في أن تصنع الضروري من وسائل حياتها احتاجت إلى غيرها من دول الكفر وقد يؤثر ذلك في مقومات حياتها من عقيدة وسلوك. والذين يتصورون أن العمل للدين يقف عند تعليم الناس بعض الفرائض التي لا تأخذ من حياة المسلم إلا دقائق معدودات يخطئون في فهم الدين ويعزلونه عن الحياة وهم يحسبون أنهم محسنون صنعا.
إن العقيدة وهي أَصل الدين تتحرك بموجبها الحياة كلها لتكون في صلاتها وتشكلها ومحياها ومماتها لله رب العالمين. ومن أجل العقيدة طولِبنَا بالنظر في خلق السماوات والأرض، وفي أنفسنا لنظفر بثبات العقيدة ووسائل حمايتها لذا فإن الإعداد والتربية لا يفصل فيهما مصنع عن مسجد فيقال هذا للدين وذاك للدنيا، لا يفصل كد وجهد عن تسبيح وذكر. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله وَاذْكُرُوا الله كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . وإعداد المسلم على هذا الفهم والعمل به يزيل من دنيانا نحن المسلمين كثيراً من التوتر الذي يقع بين الأفراد والجماعات ويقيم صراعاً في داخل الأمة الإسلامية يجني ثماره من يتربص بها ويضمر الشر لها.
стр. 12433
الإسلام شامل كامل منظم لشئون الحياة كلها، باعث للنهضة في جميع أجزائها بلا تفرقة والدين ليس إتباعا لأهواء الناس وليس خاضعاً لما يرغبون إنه تكليف ومسئولية ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
والذين يريدون الدين هوى لأنفسهم فيأخذون منه ما لا مشقة فيه ويدعون ما فيه كره ومشقة لم يحملوا ديناً وإنما حملوا عليه، وكم من ناس أفرزتهم المصالح والمشقات وألقت بهم في حظائر أهل النفاق ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا الله لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ .
وكم كان اللوم شديداً على من قيل لهم ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ .
وإعداد المسلم عملياً ليؤدي واجبه في الإصلاح في جميع شئون الحياة يحفظ للأمة دينها وكرامتها وعزتها ويجعلها في مأمن من تكالب الأعداء عليها.
стр. 12434
وإذا اتسع فهم المسلم لما يطلبه إسلامه انشرح صدره لكل من رغب في الإسلام وأقبل عليه لأن الساحة تسع الناس جميعاً بل تسع الإنس والجن وساحة الإسلام أرحب من عالمنا الذي نعيش فيه، وإسلام الناس أحب إلينا، ونبينا ﷺ بعث هادياً ورحمة.
وإذا ضاق الفهم لما يطلبه الإسلام وما ينشده للعالمين قصرت الجهود عن الوفاء بحقه وغدت عبئاً عليه مسيئة إليه وإن قنعت مع نفسها أنها تقوم بفرائضه وتفي بواجباته. إن الواجب قد ينشدك في لحظة لتركب البحر وتحلق في الفضاء وتقف أَمام نيران المصنع وطلقات المدفع فإذا أجبت هذا الواجب بمزيد من ركعات وسجدات غير ما فرض الله وسن رسوله وقعدت ولم تستجب قد يذهب مع القعود دينك وأنت تحسب أنك مستمسك به.
وهل ترك الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم إحسان صلاتهم والقيام بها؟ إذن لماذا قاطعهم الرسول ﷺ وأمر بمقاطعتهم؟ لأنهم لم يكونوا في لحظة ما حيث طلبهم الواجب وحثه النداء، ولما عاد الرسول ﷺ ومن معه من أداء ما وجب جاءه من لم يخرج معه فمن اعتذر كذبا هلك ومن صدق أمر الرسول ﷺ بمقاطعته حتى جاءت توبة الله عليه ولولا هذه التوبة لهلكوا مع الهالكين.
إن المسلم يكون حيث يدعوه واجب دينه لا حيث يرغب هو أو يجب. والتفريط في أداء ما يجب له عواقبه ومخاطره. ولقد تحولت في زمننا هذا بعض فروض الكفاية إلى فرض عين لتفريط المسلمين وإذا أردت أن تحصر ذلك وجدت أَمتنا الإسلامية تحتاج إلى تخطيط شامل في حياتها كلها لتسد كل جانب بما يكفيه ليسقط الفرض عن الباقيين.
فإذا ظللنا جميعا نأكل مما تنتجه أَرض غيرنا وأرضنا أخصب وأرحب فإننا نأثم جميعا ما لم تتحرك الحياة في أرضنا وتؤتي ثمارها بإذن ربها ولو استثمرت كما يجب أن يكون لأغنت عالمنا الإسلامي كله وسدت حاجة غيره من المحتاجين.
стр. 12435
قلت أولا: أسلوب التربية والثقافة والإعداد للإنسان في عالمنا الإسلامي يحتاج إلى مراجعة إصلاح بحيث تتوحد الغاية وتتسق الوسائل وتمضي لما يجب أن يكون.
إعداد الإنسان الصحيح هو الأصل فيما ننشده من نهضة وما نطلبه من إصلاح.
ثانيا: لابد من جهاز متخصص ذي إمكانات عصرية يقوم بمسح شامل لمعرفة الطاقات والإمكانات الهائلة في عالمنا الإسلامي، ويقدم الأسباب الصادقة لهجرة أبناء المسلمين من ديار الإسلام إلى غيرها وهي تمثل خطراً حقيقياً في تطوير عالمنا الإسلامي بما يتناسب وضرورات العصر.
وهؤلاء المهاجرون لم يهاجروا عقوقاً لأوطانهم وإنما هناك عوامل لا يجهلها كثير من الناس دفعتهم إلى الهجرة وأرغمتهم عليها وأكثر هذه العوامل تنتسب إلى الشعارات المنافية للإسلام التي رمي بها عالمنا الإسلامي في كثير من دياره والتي سحقت معها كرامة الإنسان وامتهنت آدميته وإنسانيته ووضع في غير موضعه باسم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وصعب التكامل أَو التفاهم في عالمنا الإسلامي لاختلاف الشعارات وتناقض الغايات، مع أن عالمنا الإسلامي يملك من التكامل فيما بينه ما يقنعه عن الحاجات إلى الغير ويملك من الطاقات البشرية المتخصصة ما يسد حاجته في كثير من ضروراته.
فهل من حصر لهذه الطاقات، وتهيئة الأسباب عودتها بل وتهيئة لأسباب الإستقرار في عالمنا الإسلامي بنبذ الشعارات المفرقة، والتمسك بالكلمة الطيبة الموحدة كلمة الإسلام الذي يجمعنا على إتباع صراط واحد ويجنبنا إتباع السبل المفرقة. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
ويخشى أن تستمر الهجرة من ديار الإسلام إذا ظلت الشعارات بشؤمها ولؤمها تأسر فريقا من أبناء المسلمين وتقتل فريقا وتعادي الإسلام في أَرض الإسلام.
стр. 12436
لابد للإسلام أَن يحكم على أَرضه ليؤمن أبناءه ويفتح أمامهم أَسباب النهضة الشاملة الكاملة ويجمعهم على كلمة سواء يكونون بها هداة ودعاة للإنسانية جمعاء.
نحتاج في كثير من ديارنا الإسلامية إلى تأمين الإنسان المسلم على أرضه كما نحتاج إلى قيام الأخوة الإسلامية وهي -الأصل- مقام الشعارات الدخيلة المفرقة، إن عالمنا الإسلامي يحتاج إلى نهضة شاملة كاملة في الزراعة والصناعة وجميع مرافق الحياة، إن أمتنا تعيش مشلولة الحركة حين البأس إذا لم يكن على أرضها المصنع الذي يمدها بما تحتاج إليه، كما تعيش منكسة الرأس إذا لم تتعلم كيف تستغني بما أعطاها الله وتجاهد عدو الله وعدوها، وأسلافنا من قبل قد نهضوا بالقليل الذي في أيديهم لأنهم عرفوا أن الإيمان حركة حياة لا قعود معه ولا تواكل ولا يأس ولا قنوط.
والرسول ﷺ لم يخش على أمته الفقر فيما استقبلت وتستقبل من أيامها فيقول فيما جاء في الحديث المتفق عليه "أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أَخشى عليكم ولكني أَخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم".
تنافسنا عليها وتقاتلنا وقتلنا بها أَنفسنا ولم نجاهد عدونا. بسطت الدنيا فهل استطعنا أن نحقق بها غنى حقيقيا لأنفسنا أم أَنها كثيرة في أيدينا ونحن معها فقراء، وديارنا الإسلامية مع كثرة ما سلب منها هي أوسط وأَخصب بلاد العالم ومعظمها يستورد ما يحتاج إليه من طعام وشراب ولباس وغير ذلك مما هو ضروري وغير ضروري.
ولقد وقع ما أخبر الرسول ﷺ به وحذر منه فاستفاد غيرنا وخسرنا وانتصر بباطله وهزمنا وشغل بتمزيقنا وشغلنا بأنفسنا.
стр. 12437
والرسول ﷺ يحذرنا من ذلك في آخر فترة من حياته وفي الحديث المتفق عليه عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى قتلى أحد فصلى عليهم بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع إلى المنبر فقال: "إني بين أيديكم قرط وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مكاني هذا وإني لست أَخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها"، قال (فكانت آخر نظرة نظرها الرسول ﷺ ، وفي رواية "ولكني أَخشى عليكم الدنيا أَن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة (فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر) .
كم فرقت الفرقة والتنازع على المسلمين من ايجابيات وجلبت عليه مع الشعارات المنافية للإسلام شعارات اللؤم والغدر والسلبيات المدمرة في أَخص شئونهم وفي علاقتهم بعضهم ببعض. ويخطئ من يظن أننا بغير الإسلام تجتمع لنا كلمة أَو يرتفع لنا بناء. إن ما صلح به ماضينا هو ما يصلح به حاضرنا ومستقبلنا، ولم تستطع القبيلة ولا روابط الجنس والدم أن تجمع الناس على رسالة خير إصلاح وإن جمعت فرقت. والعرب لماذا لم تجمعهم روابط الجنس من قبل؟. لماذا لم يجتمع الأوس والخزرج وبينهم من الصلة ما بينهم؟. إنها الحروب والدماء والقطيعة والبغضاء، أزيلت حين شع نور الإسلام على الديار فصفت النفوس والتقت القلوب وتعانقت الأرواح وأَصبحوا بنعمة الله إخوانا.
بالإسلام صاروا خير أمة أخرجت للناس وبالإسلام امتد نورهم وسما ذكرهم وعرف فضلهم وبالإسلام بطل كيد عدوهم الذي أراد أَن ينفذ إليهم عن طريق إعادتهم إلى عصبية الجاهلية وتناحرها، بالإسلام تتماسك الصفوف وتأتلف النفوس وتتحول الطاقات والإمكانات إلى بناء حضارة تصان فيها كرامة الإنسان.
بالإسلام تسقط جميع السلبيات التي حالت بيننا وبين التعاون على البر والتقوى.
стр. 12438
قد تظن أن كل بلد يستطيع أن يبني نفسه ويستصلح أرضه ويوفر حاجة أبنائه ويختار لنفسه من المذاهب ما شاء ولا تدخل لأحد في شئون غيره. وهل يطلب أعداؤنا أكثر من ذلك؟ إنه السبيل لإبتلاع كل فريسة على حدة يؤكل الأبيض والأحمر والأسود وأي تفريط في ترابطنا وتماسكنا وتداعي بعضنا البعض سيجعلنا نقول في حسرة أكلت يوم أكل الثور الأبيض أكلت يوم أكل الأندلس المفقود ويوم ابتلعت جزر البحر الأبيض المتوسط ويوم استعمرت روسيا الشيوعية ديار الإسلام واغتصبت أرضه ويوم ويوم ويوم.
стр. 12439
ولن يتوقف جشع الأكلة من الكفرة والفجرة ما لم تؤد أمتنا الإسلامية رسالتها مع نفسها ومع الناس وتحيا مرابطة في سبيل ربها قائمة بما أوجب الله عليها عندئذ تستطيع أن تجير المظلوم وإن كان من غيرها وأن تضرب على يد الظالم وإن كان منها، عندئذ تجيب نداء من قالت وامعتصماه بمائة ألف مقاتل لا بمائة ألف شكوى لمجلس الأمن وهيئة الأمم عندئذ تستطيع أن تصحح مفهوم السلام بإقامة الحق والعدل في الأرض. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ . عندئذ نستطيع أَن نتكلم بلغة ديننا لا في شعارات غيرنا وأن ننادي أهل الكتاب بما ناداهم الله به- ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . عندئذ نستطيع أن نقدم للإنسانية كلها أسباب الأمن والسلم وهي تعيش على بركان من النار يوشك أن يقضي عليها وعلى حضارتها، عندئذ نستطيع أَن نحافظ على أقوات الناس التي أخذت من أفواههم وحشرت في بطون المدافع في ظل حضارة صار فيها الإنسان أرخص شيء.
стр. 12440
إن تجارة السلاح قد روجها المفسدون في الأرض وهي تجارة خاسرة مهلكة مدمرة وعندما نقوم نحن المسلمين برسالتنا نستطيع أن نعلم الناس وأن ندلهم على تجارة لن تبور تنجيهم من عذاب أليم، فنصون أَنفسنا ونعلم الإنسانية من حولنا وهذا حقها علينا وسنسأل عنه بين يدي ربنا، لقد انتقل تجار الفساد وموقدو نار الحرب إلى أرضنا ولن يطفئ نارهم ويقتلع فسادهم إلا صدق ولائنا لديننا واعتصامنا بحبل ربنا ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ .
فإن أمتنا الإسلامية تملك من المقومات ما يحفظ شخصيتها وتملك من الأسباب ما يحقق نهضتها من نعم الله التي لا تحصى.
والأمر يتوقف على مدى المحافظة على المقومات والأخذ بالأسباب، وسنة الله لا تجامل أحداً ولا تحابي، والله لا يغير ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا.
إن الأخذ بالأسباب يرتبط بالمحافظة على المقومات فهل يتفاعل المسلمون بمقوماتهم مع الأسباب تفاعل شكر لا كفران له، فتنبت الأرض وينتج المصنع ويعمر المسجد ويشغل الفراغ وتذهب المفسدة.
إن الأمر جد لا هزل فيه وخطر محدق يحتاج إلى إعداد وحذر.
والميدان يتسع لكل جهد من كبير وصغير ورجل وامرأة وطالب وعامل.
ورجاؤنا في الله أن تكون الصحوة الإسلامية بارة راشدة، أن تكون على فقه بدينها ومعرفة لعصرها وحكمة وهي تدعو إلى سبيل ربها.
رجاؤنا في الله أَن تكون الصحوة على مستوى الأحداث التي تحيط بالأمة الإسلامية. وأن تعلم أن الأمور لا تدرك بالأماني ولا تطلب بالتمني.
وإنما هو الجد والكد والصدق والصبر والأخذ بالأسباب.
стр. 12441
ولقد وصف الله من يختارهم لنصره ومن يؤتيهم فضله ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
نسأل الله أن يجعلنا منهم.
إذا ما كساك الله سربال صحة
إذا ما كساك الله سربال صحة
ولم تخل من قوت يحل ويغرُبُ
فلا تغبطن المترفين فإنهم
بمقدار ما يكسوهم الدهر يسلب
(ابن الرومي)
стр. 12442
معجزات القرآن العلمية
للشيخ حامد حسين قدير
مكتبة كلية الحديث
وحدة الكون وسر الحياة..
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء آية ٣٠) .
التفسير القرآني للآية:
يقول سبحانه منبهاً في هذه الآية على قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات وهو يخاطب الجاحدين لألوهيته العابدين معه غيره.
ألم يروا أن السماوات والأرض كانتا شيئاً واحداً متصلاً بعضها ببعض متلاحقاً متراكماً بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففصل هذه من هذه فجعل السماوات سبعاً وجعل من الأرض مثلهن وفصل بين السماء الدنيا بالهواء فأمطرت السماء وأنبتت الأرض.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ فبواسطة هذا الماء وبسببه جعلنا كل شيء حي، جماداً كان أو نباتاً حيواناً أو إنساناً إذ لا حياة إطلاقاً بغير ماء ولذا فإن الكواكب التي تخلو منه كالقمر والزهرة لا يصلحان للحياة لانعدام الماء فيها.
وقد أشار هذه الإشارة الدقيقة بعد ذكر السماوات والأرض ليدل على انعدام الماء في كل السماوات أو بعضها وإذا ثبت في بعضها حياة: فإن وجود الماء في هذا البعض محقق أو لا حياة بدونه وكما أخبر المصطفى ﷺ في حديث له عن أبي هريرة ﵁ قال:
قلت يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء فقال ﷺ : "كل شيء خلق من ماء" الحديث.
ثم يختم سبحانه الآية بقوله ﴿أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أي أفلا يصدقون بما يشاهدون وإن ذلك لم يكن بنفسه بل لمكون كونه، ومدبر وحده ولا يجوز أن يكون ذلك الكون محدثا.
стр. 12443
الشرح العلمي:
هذه معجزة من معجزات القرآن يؤيدها العلم الحديث الذي قرر أن الكون كان شيئا واحدا من غاز ثم أنقسم إلى سدائم، وعالمنا الشمسي كان نتيجة عن تلك الإنقسامات ومما يؤيد هذا القول أن العلماء استدلوا على أن في الشمس ٦٧ عنصراً من عناصر الأرض البالغة نحوا من ٩٣ عنصراً وسيزيد المستدل عليه من العناصر في الشمس إذا ما ذللت الصعوبات التي تقوم في هذا الشأن.
والعناصر الشهيرة في الشمس شهيرة بيننا نحن معشر أهل الأرض وهي: الهيدرجين. الهليوم. الكربون. الآزوت. الأوكسجين. الفسفور. الحديد ... الخ استدل العلماء على كل ذلك بالتحليل الطبقي وهو الذي يستدل به الكيماويون اليوم في معاملهم على ما تحتويه المواد الأرضية من عناصر يكشفون عن نوعها ومقدارها.
والشمس نجم يتمثل فيه سائر النجوم، والنجوم هي الكون. وهذا يعني أن العناصر التي بني منها الكون على اختلافها عناصر واحدة.
ومن ناحية أخرى لاحظ العلماء أن النيازك والصخور والأتربة القمرية التي حصل عليها العلماء من الفضاء الخارجي تحتوي من العناصر ما هو مشائع في الأرض.
وأما الشطر الثاني من الآية ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ فهو من ابلغ ما جاء في القرآن في تقرير حقيقة علمية أدرك العلماء سرها فمعظم العمليات الكيماوية اللازمة للحياة والنمو تحتاج إلى الماء وهو العنصر الأساسي لاستمرار الحياة لجميع الكائنات والنباتات.
والماء يغطي نحو ثلاثة أرباع سطح الأرض وله درجة ذوبان مرتفعة ويبقى سائلا فترة طويلة من الزمن، وله حرارة تصعيد بالغة الارتفاع وهو بذلك يساعد على بقاء درجة الحرارة فوق سطح الأرض عند معدل ثابت ويصونها من التقلبات العنيفة ولولا كل ذلك لتضاءلت صلاحية الأرض للحياة إلى حد كبير.
стр. 12444
وللماء خواص أخرى تدل على أن مبدع الكون قد صممه بما يحقق مصالح مخلوقاته فالماء هو المادة الوحيدة التي تقل كثافتها ويزيد حجمها عندما تتجمد، ولهذه الخاصية أهميتها الكبيرة بالنسبة لحياة الأحياء المائية إذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عندما يشتد البرد بدلا من أن يغوص إلى قاع المحيطات والبحيرات والأنهار ويكون الثلج طبقة عازلة تحفظ الماء الذي تحتها في درجة حرارة فوق درجة التجمد، والماء يمتص كميات كبيرة من الأوكسجين عندما تكون درجة حرارته منخفضة وعندما يتجمد الماء تنطلق منه كميات كبيرة من الحرارة تساعد على صيانة حياة الأحياء التي تعيش في الماء من أسماك وغيرها.
فما أعجب حكمة القرآن الذي يبين بكلمات قليلة العدد سر الحياة على هذه الأرض [١] .
نشأة الكون:
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (فصلت آية ١١) .
التفسير القرآني للآية:
أي إن الله عمد إلى خلق السماء وقصد لتسويتها أو يعني صعد أمره إلى السماء وهي دخان والدخان هو كل ما ارتفع من لهب النار ويستعار لما يرق من بخار الأرض وقال أكثر المفسرين إن هذا الدخان هو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض والمراد إنها لم تكن شيئا مذكورا.
ثم خاطب سبحانه السماء والأرض بقوله ائتيا طوعا أو كرها أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي.
فما كان جوابها إلا أن قالا أتينا طائعين.
الشرح العلمي:
إن لعلماء الفلك تفسيرات شتى في بدء تكوين هذا الكون، فالعالم الفلكي سير جيمس جينز يقول: (الراجح أن مادة الكون بدأت غازاً منتشراً خلال الفضاء بانتظام وأن السدائم خلقت من تكاثف هذا الغاز) [٢]
стр. 12445
كما صرح أستاذ الطبيعة النظرية بجامعة واشنطن في كتابه الشموس وهو الدكتور جورج جامو: (إن الكون في بدء نشأته كان مملوءاً بغاز وزع توزيعاً منتظماً إنه غاز يبلغ من الكثافة ودرجة الحرارة حداً لا يمكن تصوره، وفي هذا الغاز حدثت عمليات التحول النووي في مختلف العناصر وتحت تأثير الضغط الهائل لهذا الغاز الساخن المضغوط بدأ الكون ينبسط ويتمدد وأخذت كثافة المادة ودرجة حرارتها تهبطان في بطء وفي مرحلة معينة من مراحل التمدد تكثف الغاز المنتشر إلى سحب مفردة غير منتظمة في شكلها ولا متساوية في أحجامها مكونة نجوم منفردة.
وكما ذكرنا أن القرآن صور مصدر خلق هذا الكون (بالدخان) وهو الشيء الذي يفهمه العرب من الأشياء الملموسة.
والعلماء اليوم يصورون نشأة هذا الكون (بالغاز) المنتشر في الفضاء أيكون في قدرة أمي- منذ أربعة عشر قرنا - أن يدرك هذا في وقت كان الناس لا يعرفون شيئا عن هذا الكون وخفاياه؟
تمدد الكون وسعته:
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات آية ٤٧) .
التفسير القرآني للآية:
يقول سبحانه منبها على خلقه العالم العلوي ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ أي جعلناها سقفا محفوظا رفيعا كما قال في آية أخرى ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة وقدرة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي قد وسعنا أرجاءها وجعلنا بينها وبين الأرض سعة ورفعناها بغير عمد استقلت كما هي بأي مدلول من مدلولات كلمة السماء سواء كانت تعني مدارات النجوم والكواكب، أم تعني مجموعة من المجموعات النجمية التي يطلق عليها اسم المجرة وتحوي مئات الملايين من النجوم، أم تعني طبقة من طبقات هذا الفضاء الذي تناثرت فيه النجوم والكواكب أم غير هذا من مدلولات كلمة السماء.
الشرح العلمي:
стр. 12446
هل هذه الآية تطرح وتصف سعة الكون أو أن نظرية تمدد الكون تتوافق مع هذه الآية؟
من الناحية الأولى نرى أن (أينستين) يتخيل سعة هذا الكون بأنه يتسع لبلايين من السدم وكل سديم منها يحتوي على مئات من النجوم المكهربة.
أما نظرية تمدد الكون، فقد لاحظ علماء الفلك في أقصى ما يدركه المنظار علامات تدل على حركة السدم الخارجية حركات نظامية، واستدلوا منها على أن جميع السدم الخارجية أو (الجذر الكونية) تبدو على أنها تتباعد عن مجموعتنا الشمسية بل إنها تتباعد عن بعضها البعض، وعلى هذا الأساس فإن الكون ليس ساكنا إنما يتمدد كما تتمدد فقاعة الصابون أو كما يتمدد البالون ولكن الأجسام المادية هي تحافظ على أحجامها.
وقد تقدم عدد من العلماء الكونيين بنظريات تشرح لغز الكون المتمدد منهم الدكتور هابل رائد الباحثين في السدم فقد لاحظ أن هناك نزعة واحدة تسود هذه المجموعات النجمية الواسعة الشاسعة البعد، وهي أنها أميل إلى الإدبار منها إلى الإقبال كما لاحظ أن سرعة الإدبار تزيد بازدياد أبعاد هذه الجزر الكونية [٣]
نقص الأوكسجين في الارتفاعات. أو (الضغط الجوي) :
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (الأنعام آية ١٢٥) .
التفسير القرآني للآية:
يشير في معنى هذه الآية: أنه من يرد الله هدايته للحق يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح أما من يرد الله إضلاله يجعل صدره ضيقاً أشد ما يكون الضيق ويتكلف مالا يطيقه مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء [٤]
الشرح العلمي:
للهواء ضغط؟
نعم إن له ضغطا مادام له وزن.
стр. 12447
وكلما ازداد وزنه أزداد ضغطه إذا ارتفعت إلى أعلى قل وزن الهواء عن سطح الأرض فضغط الهواء على قمة جبل أقل بكثير من ضغط الهواء عند قاعدته وأول من أكتشف أن للهواء ضغطا هو العالم ((تورشيلي)) ولكن متى كان ذلك؟
كان ذلك في منتصف القرن السابع عشر تقريبا: كشف أن للهواء ضغطاً قاسه وقدره بما يساوي وزن ستة وسبعين سنتيمتر من الزئبق.
وكان كشف تورشيلي هذا خطوة تلتها خطوات، إذ عكف العلماء على دراسة الهواء وغازاته، ثم حاولوا قياس ارتفاعه ومعرفة مقدار تخلخله واستعانوا أخيراً بأحدث وسائلهم -الصواريخ- لمعرفة الحقيقة كاملة ولكن الحقيقة لم تتكشف بكامل صورتها حتى الآن أمام أعينهم حتى بعد هذه الجهود المتتالية إنهم حاولوا تذليل الجو وتعبيد مسالكه فوقفت دونهم صعاب تغلبوا عليها بالعلم ومن بين الصعاب مسألتان أشار إليهما كتاب الله الأعظم.
الأولى - صعود الإنسان في السماء.
الثانية - ما يحدث للإنسان في أثناء هذا الصعود.
ويصحب الصعود في الجو أربع ظواهر:
١- قلة الضغط.
٢- قلة الأوكسجين.
٣- برودة الجو وتقلب درجة الحرارة.
٤- (انعدام) الوزن إذا تغلغل الإنسان في الفضاء
فكلما ارتفع الإنسان قل الضغط فتخلخل الهواء وهذا يسبب للإنسان ضيقاً في التنفس يمتد كلما زاد الارتفاع وقد يؤدي نقص الضغط إلى تمدد الغازات في معدة الطيار وأمعائه فيسبب له تقلصات عنيفة.
وهناك أيضاً حدوث انتفاخ يدفع الحجاب الحاجز إلى أعلى فيضغط على القلب والرئتين مما يسبب الإغماء للطيار أحيانا، وكذلك يكون الطيار معرضاً لنوبات حادة من السعال لأن الهواء في الارتفاع الشاهق تنقصه الكثافة الكافية لتنظيف قناة التنفس من المواد المهيجة لها وينتج عن قلة الضغط ظاهرة أخرى، فكلما ارتفع الإنسان إلى أعلى نقص الضغط الجوي، على حين يظل الضغط الداخل للجسم كما هو، فيختل التوازن بين الضغطين:
стр. 12448
أ- الضغط الداخلي للجسم الذي يظل دون تغير.
ب- الضغط الخارجي للهواء الذي يأخذ في التناقص تدريجيا.
فإذا وصل الإنسان إلى ارتفاع عظيم لم يصبح في الإمكان حفظ التوازن بين هذين الضغطين فينبثق الدم من فتحات الأنف والفم وتنفجر طبلة الأذن إلى الخارج ويصحب ذلك اختناق ثم وفاة أكيدة.
هذا إذا لم تتخذ الاحتياطات اللازمة، ومن بين ما اهتدى إليه العلماء لتجنب هذا (رداء الضغط العالي) الذي دخل عليه باستمرار تحسينات جديدة.
وهذه الظواهر هي التي حدثت في تجربة (تيسانيبه) عند صعود اثنين من رفقائه في بالون سنة ١٨٧٥ م- فقد ارتفع بهم إلى علو ( ... ر٢٩) قدم أي تسعة آلاف متر تقريباً: توفي رفقاؤه أما هو فإنه فقد شعوره عندما وصل البالون إلى ارتفاع ٢٥٠٠٠ قدم ولم يشعر قط بما حدث بعد ذلك.
وأشد ما يصيب الإنسان عند الصعود فقد قوة التمييز والإرادة وهذه الظاهرة تأتي بغتة وبدون سابق إنذار.
أما الأوكسجين وهو الغاز الذي لا يمكن للإنسان أن يحيا بدونه - فهو- يختفي تماماً من الجو على بعد ٦٧ ميلا وينتج من قلة الأكسجين عدم أكسدة الدم ومن ثم عدم حدوث حرارة في الجسم مما يسبب للجسم إعياء وضعفاً وتصيبه برودة ينقلص لها جسمه وتقشعر لها بدنه.
هذا فوق تقلب درجة الحرارة من برودة تفوق زمهرير المنطقة المتجمدة إلى في درجة حرارة أعلى بكثير جداً من درجة حرارة المدارين، ففي قمة طبقة التربوسفير تبلغ درجة الحرارة نحو ٦٧ درجة تحت الصفر، وترتفع درجة الحرارة في الأزونوسفير إلى حدود ٣٠ درجة فوق الصفر وتنخفض في ألايونوسفير إلى حدود ٩ درجة تحت الصفر على ارتفاع ٥٠ ميلاً إلا أنها ترتفع بعد ذلك بشكل غريب فهي على ارتفاع ١٠٠ ميل ٥٤٩ فوق الصفر.
стр. 12449
وهذه النظرية التي احتوتها الآية القرآنية لم يفطن إليها العلم إلا حينما جاب أجواء الفضاء ببالوناته وطائراته، ولذلك فالطائرات التي ترتفع إلى علو شاهق لابد أن تكون محكمة البناء يلبس طياروها ملابس مزدوجة بينها أجهزة كهربية لتدفئتهم فتدرأ عنهم برودة الجو كما لابد أن يلبس الطيار على فمه وأنفه قناعا ليمده بالأكسجين.
فكلمة العلم قد التقت هي والقرآن الكريم، نعم التقيا بعد أن ظل العلم تائها في بيدائه باحثا متقصيا يهتدي وقتا ويتعثر أوقاتاً حتى عرف الحق بعد أن قضى في تجاربه القرون الطوال [٥] .
تفجير الذرة:
قال تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ آية ٣) .
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (يونس آية ٦١) .
التفسير القرآني للآية:
يخبرنا الرب عن إحاطة علمه فيقول إنه لا يغيب عنه ولا يستتر عليه ولا يبعد عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر منه إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله سبحانه أي الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه فالعظام إن تلاشت وتفرقت وتمزقت فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت ثم يعيدها كما بدأها أول مرة فإنه بكل شيء عليم.
وقد لاحظت أن صاحب الفتح ومختصر ابن كثير قد توقفوا عن شرح معنى الذرة ولكن يورد القرطبي في تفسيره عن معنى الذرة فيقول هي نميلة حمراء صغيرة.
стр. 12450
وأقول والله أعلم ربما كان أصغر شيء معروف في زمن القرطبي من ناحية الذرات هو النميلة الحمراء ولكن مع المكتشفات العلمية وتطور علم الكيمياء وجد أن الذرة جزء صغير من المادة لا يرى بالعين المجردة فيكون معنى الذرة هو الذرة هذه.
الشرح العلمي:
إن أصغر جزء يمكن أن يوجد في عنصر ما يسمى (الذرة) وقد ظل هذا الإعتقاد سائدا إلى القرن التاسع عشر أن الذرة غير قابلة للتجزئة حتى كشف العلماء في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين إن ذرات بعض المواد كالراديوم واليورانيوم تتجزأ من تلقاء ذاتها وتخرج منها جسيمات ذات كهرباء موجبة تسمى ((ألفا)) وجسيمات ذات كهرباء سالبة تسمى ((بيتا)) وأشعة تسمى ((جاما)) ووقف أخيرا بعد تجزئة الذرة أنها تحتوي على الدقائق الآتية:
البروتون – البيترون – الإلكترون.
ومما أرى أن كلمة (أصغر) من الذرة في الآية القرآنية تصريح جلي بإمكان تجزئتها وفي قوله تعالى: ﴿فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ بيان صريح بأن خواص الذرات التي في الأرض هي نفس خواص الذرات الموجودة في الشمس والنجوم والكواكب.
كان ذلك الخبر الذي أخبر به القرآن في أوائل القرن السابع الميلادي حينما كان العالم يغط في جهله فهل درس محمد ﵊ خواص الذرة وإمكان تجزئتها والوقوف على خواصها في الأرض والسماء؟
لا! إن هذه الآية دليل قوي على صدق نبوته وإن القرآن وحي إلهي.
الزوجية في كل شيء:
يقول جل من قائل: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات آية ٤٩) .
التفسير القرآني للآية:
يخبرنا سبحانه في هذه الآية الكريمة على عظم قدرته فجعل جميع المخلوقات أزواجا أي من صنفين ونوعين مختلفين فمثلا:
стр. 12451
ليل ونهار، ذكر وأنثى، سماء وأرض، شمس وقمر، بر وبحر، ضياء وظلام، كفر وإيمان، موت وحياة، شقاء وسعادة، جنة ونار، حلو ومر، جن وإنس، سهل وجبل، حتى الحيوانات والنباتات كل ذلك لكي تتذكر وتعلم بأن الخالق واحد.
الشرح العلمي:
مما كان معروفا سابقا وظاهرا للعيان أن الزوجية للمادة كانت جلية تماماً في النباتات والحيوانات من ناحية الذكورة والأنوثة والجمادات من حيث الإجمال.
فأين الزوجية في الجمادات بالتفصيل؟
إن الجمادات مكونة من ذرات وهذه الذرات مكونة زوجية فمثلا ذرة الأيدروجين أبسط الذرات تركيبا تتكون من نواة يدور حولها كهرب وأحد (الكترون) النواة تحمل شحنة كهربية موجبة. والكهرب يحمل شحنة كهربية سالبة. أليست تتمثل الزوجية في هذه الذرة.
أما بقية الذرات فإن كلا منها يتركب من نواة وكهارب تدور حولها وبينهما فراغ أما النواة فتتكون من جسيمات مكهربة تحمل شحنة موجبة تسمى (بروتونات) وجسيمات غير مكهربة أي لا تحمل شحنة كهربية تسمى (نيوترونات) .
أما الكهارب التي تدور حول النواة فتحمل شحنة كهربية سالبة [٦] .
كل تلك الاكتشافات بعد مجيء القرآن بقرون كثيرة.
الأمواج الداخلية والسطحية:
قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (سورة النور آية ٤٠) .
التفسير القرآني للآية:
стр. 12452
في هذه الآية الكريمة يضرب لنا سبحانه مثلا للكافر ولأعماله ولقلبه الذي لا يعي شيئا فيقول سبحانه أو كظلمات جمع ظلمة في بحر عميق لا يدرك له مقر ويعلو ذلك البحر اللجي موج ومن فوق الموج موج ثم بعد ذلك أي فوق الموج الثاني سحاب فيجتمع فوق الموج وفوق الريح وفوق السحاب ثم يقول سبحانه ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ والمراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة الليل وظلمة البحر فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا ولا كوكبا وإذا أخرج الناظر يده لم يكد يراها من شدة الظلمة.
ويختم سبحانه هذه الآية بقوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي من لم يجعل الله له نوراً يهتدي به إذا أظلمت عليه الأمور فما له من نور [٧] .
الشرح العلمي:
стр. 12453
في هذه الآية إشارة إلى الأمواج الداخلية والسطحية (فأضخم أمواج المحيط وأشدها رعبا هي أمواج غير منظورة تتحرك في خطوط سيرها الغامضة بعيدا في أعماق البحرِ وقد كان من المعروف منذ سنين كثيرة أن سفن البعثات إلى القطب الشمالي كانت تشق طريقها بكل صعوبة فيما كان يسمى ((بالماء الميت)) والذي عرف الآن أنه أمواج داخلية. وفى أوائل عام ١٩٠٠ م لفت الأنظار كثيراً من مساحي البحار الاسكندنافيين إلى وجود أمواج تحت سطح الماء، والآن بالرغم من أن الغموض لا يزال يكتنف أسباب تكوين هذه الأمواج العظيمة التي ترتفع وتهبط بعيدا أسفل السطح فإن حدوثها على نطاق واسع في المحيط قد أصبح أمرا معروفا جدا فهي تقذف بالغواصات في المياه العميقة كما تعمل شقيقاتها السطحية على قذف السفن، ويظهر أن هذه الأمواج تنكسر عند التقائها بتيار الخليج وبتيارات أخرى قوية في بحر عميق فالآية القرآنية تقول ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ إشارة إلى الأمواج الداخلية والسطحية ويؤيد هذا ما وصفه القرآن للبحر بأنه (البحر) أي كثير الماء عميقة وفي هذا إشارة إلى المحيطات وليس الشواطئ والجدير بالذكر أن هذه المواضع يقل فيها وهيج الشمس فما بالك باجتماع السحاب الذي تكثر فيه الظلمة ويصبح الواقع.
﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . فهذه الآية لا علاقة لها بالوسط الجغرافي للبيئة التي نزل فيها القران فلو افترضنا أن محمدا ﷺ رأى في شبابه منظر البحر الأحمر فلن يعدو رؤية شواطئ البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وهي لا ينطبق عليها ما وصفه القرآن كل ذلك يعطينا دليلاً واضحا على أن القرآن وحي إلهي [٨] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] نقلا عن كتاب روح الدين الإسلامي صفحة ٤٩-٥٠.
[٢] نقلا عن كتاب (النجوم في مسالكها) .
стр. 12454
[٣] روح الدين الإسلامي.
[٤] كما أورده فتح القدير الشوكاني.
[٥] نقلا عن كتاب القرآن والطب صفحة ٣٥-٣٨.
[٦] كما أورده كتاب القرآن والطب صفحة ٢٧-٢٨.
[٧] القرطبي ج١٢ ص٢٨٥
[٨] روح الدين الإسلامي ص ٥٨.
стр. 12455
الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية (١)
للدكتور محمد نغش
أستاذ مساعد بكلية الشريعة بالجامعة
الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية تلقي الضوء على تاريخ أمتنا الإسلامية في فترة من فترات كفاحها المجيد ضد الصليبيين المعتدين، وتلك الحقبة تماثل ما نعانيه في عصرنا الحالي من الاحتلال لأراضينا المقدسة، وما سوف نخوضه إن شاء الله تعالى من جهاد مقدس من أجل تحرير الأرض الإسلامية من أيدي هؤلاء الكفرة الفجرة.
وقد قسمت البحث إلى ثلاثة أبواب:
الباب الأول: عن الدواوين وثيقة الصلة بالجيش الأيوبي، وهي: ديوان الإنشاء، وديوان الجيش وديوان الأسطول. وديوان الأسرى، وديوان البريد.
وقد ذكرت السمات الواجب توافرها في رؤساء الدواوين، والأعمال التي يباشرونها.
والباب الثاني: عن الرسائل الحربية في عصر مؤسس الدولة الأيوبية الملك المظفر صلاح الدين الأيوبي وابنه الملك العزيز، ثم الملك المعظم توران شاه، ثم الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وقد ذكرت الأسلوب الذي صيغت به تلك الرسائل في إيجاز، وطريقة إعداد الرسائل وتصديرها.
والباب الثالث: عقدت فيه موازنة بين الرسائل الحربية والشعر المعاصر لها، في تنافسهما في التعبير عن مشاعر المسلمين وفرحتهم بنصر الله المبين بفتح القدس وتطهيره من المغتصبين.
والله أسال أن يحقق النصر للمؤمنين، وأن يستردوا أرضهم السليبة من أيدي الصهاينة الآثمين.
الباب الأول
الدواوين وثيقة الصلة بالجيش الأيوبي
كانت الدولة الأيوبية دولة عسكرية، نشأت وترعرعت إبان الحروب الصليبية، وخاضت المعارك الحربية الواحدة تلو الأخرى في بسالة.
стр. 12456
وبرز في هذه الدولة ديوانان كبيران هما ديوان الإنشاء وديوان الجيوش، وكان عليهما المعول الأكبر في سياسة الدولة كلها في الداخل والخارج، يساعدهما في التنفيذ باقي الدواوين، وكان يضم هذه الدواوين جميعا دار الوزارة.
ديوان الإنشاء:
ظل ديوان الإنشاء طول عصر الحروب الصليبية رفيع المكانة، معنياً به أشد العناية، فهو ديوان عظيم المقدار، وهو خزانة الأسرار، شريف بمراسلة السلطان [١] .
كان ديوان الإنشاء يومئذ رأس الدولة المفكر، ووسيلة اتصال الحكومة بفروعها في داخل البلاد، وبغيرها من الحكومات في خارج حدودها، وقد استطاع النثر أن يفي بحاجة الأمة وأن يعبر عن مشاعرها وإحساساتها [٢] ، وقد أدرك صاحب صبح الأعشى قيمة ما يسجله ديوان الإنشاء، فقال: "إنه لو جمعت بعض دفاتره لاجتمع منها تاريخ كامل" [٣] .
وكان العاملون في ديوان الإنشاء في غاية الصيانة والنزاهة وقلة الخلطة بالناس، وأتفق أن الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير كان من جملتهم، فسمع الملك الصالح نجم الدين أيوب عنه أنه يحضر في السماعات [٤] ، فصرفه من ديوان لا يحتمل مثل هذا [٥] .
ديوان الجيش:
أشرف ديوان الجيش في عهد الأيوبيين على شئون الجيش، من تجنيد وعتاد وخلافة، وكان يطلق عليه أيضا ديوان الإقطاع [٦] وتسمية ديوان الجيش بديوان الإقطاع يدل في صورة
قاطعة على مبلغ اعتماد النظام الحربي الأيوبي أو معظمه على الأقل على التوزيع الإقطاعي [٧] ، فمن الطبيعي أن ينقل صلاح الدين عن مخدومه نور الدين نظام الإقطاع الحربي الوراثي والشخصي إلى مصر، غداة أن استتب له الأمر فيها، بعد وفاة العاضد سنة (٥٦٧ هـ= ١١٧٢ م) [٨] .
وكتب ابن مماتي فصلا في المقرر عن ميرة الإقطاعات في دولة صلاح الدين، مرتبة قيمتها حسب درجات الأجناد وجنسياتهم.
стр. 12457
فالأجناد من الأتراك والأكراد والتركمان دينارهم الإقطاعي دينار واحد كامل جنديا.. الكتابة والعاقلة من العربان ومن يجري مجراهم على عادة الأجناد المصريين، دينارهم نصف دينار ... والغزاة والقواد ومن هم في معناهم، دينارهم ربع دينار.. السعر الناقص عن كل دينار جندي ...
والمأمور بالحوالة به عن كل دينار واحد جندي أردب واحد الثلثان قمح والثلث شعير، والحوالة علا بيت المال في مستحق الأجناد، كل جندي ربع دينار عنباً على سبيل المصالحة.
على أن المراجع الأيوبية - فيما يعلم الباحث - خلت من ذكر تفصيلات عن تقييم تلك الطوائف إلى أقسام أصغر منها، ليعرف كل أمير وجندي رتبته ومركزه في الجيش [٩] .
وفي صبح الأعشى صورة لما كان عليه ديوان الجيش في عهد الفاطميين، وأعتقد أن الصورة العامة في عصر الأيوبيين لم تتغير كثيرا من الناحية الإدارية، فتقسيم هذا الديوان إلى ثلاثة أقسام أولها خاص بالشئون الحربية العامة، والثاني خاص بالرواتب. والثالث خاص بالإقطاعات.
فديوان الجيش مثلا في العصرين الفاطمي والأيوبي لا يكون صاحبه إلا مسلما، وله الرتبة الجليلة والمكانة الرفيعة، وبين يديه حاجب، وإليه عرض الأجناد وخيولهم، وذكر حلاهم ومعدات خيولهم. وكان من شرط هذا الديوان عندهم ألا يثبت لأحد من الأجناد إلا الفرس الجيد دون البغال والبراذين، وليس له تغيير أحد من الأجناد، ولا شيء من إقطاعهم إلا بمرسوم. وبين يدي صاحب هذا الديوان نقباء الأمراء، يعرفونه أحوال الأجناد من الحياة والموت والغيبة والحضور وغير ذلك، وكان قد فسح للأجناد في المقايضة بالإقطاعات لما لهم في ذلك من المصالح بتوقيعات من صاحب ديوان المجلس من غير علامة، ومن هذا الديوان كان يعمل أوراق أرباب الجرايات، وله خازنان.
стр. 12458
وإدارة الرواتب تشتمل على اسم كل مرتزق في الدولة وجار وجراية، والتعريفات واردة عليه من كل عمل باستمرار من هو مستمر. ومباشرة من أستجد، وموت من مات، وأما إدارة الإقطاع فقد كانت مختصة عندهم بما هو مقطع للأجناد [١٠] .
ديوان الأسطول:
وشرع صلاح الدين بعد وصوله القاهرة في النظر في الشئون البحرية والأسطول، وربما كان سر اهتمامه بالأمور البحرية مباشرة بعد إزالة الدولة الفاطمية، أنه كان يخشى مجيء حملة بحرية من ناحية أفريقية من المغاربة أو من ناحية الصليبيين وأحلافهم من البيزنطيين والصقليين، كما حدث قبلا، بحجة التدخل لإعادة الدولة الفاطمية، أو أنه رأى البحرية الفاطمية ودور الصناعة في حال تدعو إلى العناية، بعد أن نزل بها ما نزلت بسبب إحراق شاور الفسطاط ودور الصناعة بها غداة وصول حملة أمورى الثالثة في سنة ٥٦٣ هـ = ١١٦٨ م أو أنه أخذ في ترتيب شئونه الحربية عامة بمجرد أن صار صاحب الأمر في مصر بعد وفاة العاضد، وهذا الاحتمال الثالث هو الأرجح، بدليل اهتمامه بالجيش في السنة نفسها [١١] .
وولى صلاح الدين نظر ذلك الديوان وقتذاك صديقا من أصدقائه، لم تذكر المراجع اسمه أو شيئا عنه ماعدا أن صلاح الدين أفرد له إقطاعاً مخصوصاً وديواناً مفرداً هو ديوان الأسطول، وأنه كتب إلى جميع الأعمال المصرية والشامية يؤكد عليهم وجوب تلبية طلبات صاحب الأسطول، كلما وصلت إليهم، من حيث جمع الرجال الذين يأخذهم ناظر ديوان الأسطول للخدمة في السفن الأيوبية [١٢] .
стр. 12459
ويقول المقريزي: لما كان زوال الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب اعتنى أيضا بأمر الأسطول، وأفرد له ديوانا عرف بديوان الأسطول، وعين لهذا الديوان الفيوم بأعمالها والحبس الجيوش في البرين الشرقي والغربي، وهو من البر الشرقي بهتين والأميرية والمنية، ومن البر الغربي ناحية سفط ونهيا ووسيم والبساتين خارج القاهرة، وعين له أيضا الخراج، وهو أشجار من سنط لا تحصى كثرة البهناوية وسفط ريشين والأشمونين والأسيوطية والأخميمية والقوصية، لم تزل بهذه النواحي لا يقطع منها إلا ما تدعو الحاجة إليه، وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار.
وعين له أيضا النطرون وكان قد بلغ ضمانه ثمانية آلاف دينار، ثم أفرد لديوان الأسطول مع ذكر الزكاة التي كانت تجبى بمصر، وبلغت في سنة زيادة على خمسين ألف دينار، وأفرد له المراكب الديوانية وناحية أشناق وطنبوى، وسلم هذا الديوان لأخيه الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب [١٣] . فأقام في مباشرته وعمالته صفي الدين عبد الله بن شكر، وتقرر ديوان الأسطول الذي ينفق في رجاله نصف وربع دينار بعد ما كان نصف وثمن دينار، فلما مات السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب استمر الحال في الأسطول قليلا، ثم قل الاهتمام به وصار لا يفكر في أمره إلا عند الحاجة إليه، ثم لما انقرضت دولة بني أيوب وتملك الأتراك المماليك مصر أهملوا أمر الأسطول، إلى أن كانت أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداوى فنظر فما أمر الشوافي الحربية، وأستدعى رجال الأسطول، وكان الأمراء قد استعملوها في الحراريق وغيرها، وندبهم للسفر، وأمر بمد الشوافي. وقطع الأخشاب لعمارتها وإقامتها على ما كانت عليه، في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب [١٤] !
وأسماء المراكب الحربية في أسطول الدولة الأيوبية كما ذكرها ابن مماتي هي: (طريدة، حمالة، شيني، مسطح، حراقة، مركوس، شلندي، أعزازي) [١٥] .
стр. 12460
وكان في مصر حتى آخر القرن السادس للهجرة ثلاث دور للصناعة مشهورة ذكرها ابن مماتي صاحب قوانين الدواوين فقال:
صناعة العمائر فيها تنشأ المراكب المذكورة، ولها مستخدمون يستدعون ما يحتاج إليه، ويطلق لهم المال والأصناف ويسترفع منهم الحسبانات وفيها يباع من حطام وغيره، وترد حساباتهم، والصناعات الآن ثلاثة، بمصر، والإسكندرية، ودمياط [١٦] .
ديوان الأسرى:
قال القاضي محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في كتاب الدر النظيم في أوصاف القاضي الفاضل عبد الرحيم، ومن جمله بنائه دار التمر بمصر المحروسة، ولها دخل عظيم يجمع ويشترى به الأسرى من بلاد الفرنج، وذلك مستمر إلى هذا الوقت، وفي كل وقت يحضر بالأسارى فيلبسون ويطوفون ويدعون له، وسمعتهم مرارا يقولون: يا الله يارحيم أرحم القاضي الفاضل عبد الرحيم. وقال القاضي جمال الدين بن شيث: كان للقاضي الفاضل ريع عظيم يؤجره بمبلغ كبير فلما عزم على الحج ركب ومر به ووقف عليه. وقال: اللهم إنك تعلم أن هذا الخان ليس شيء أحب إلي منه، أو قال أعز علىّ منه، اللهم فاشهد أني وقفته على فكاك الأسرى من بلاد الفرنج [١٧] .
ديوان البريد:
من الترتيبات العسكرية العامة التي قررها السلطان صلاح الدين سنة ٥٦٧ هـ= ١١٧١ م استخدم البريد الحربي، نقلا عن مخدومه نور الدين، ورتب لذلك في كل ثغر رجالا، ومعهم حمام المدينة التي تجاورهم، فإذا رأوا أو سمعوا أمراً كتبوه لوقته وعلقوه على الطائر وسرحوه إلى المدينة التي هو منها في ساعته، فتنتقل الرقعة من الطائر إلى طائر آخر من البلد الذي يجاورهم، وهكذا إلى أن تصل الأخبار إليه [١٨] .
стр. 12461
ويشرح القاضي الفاضل في إحدى رسائله ما كان يؤديه به الحمام من دور فعال في هذا الشأن. ومما قاله في هذه الرسالة: "سرحت لإنزال أجنحتها محملة البطائق أجنحة، وتجهيز جيوش القاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر، وتطوي الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي به الأرض ما يبلغه ملك هذه الأمة، وتضرب من السماء حتى ترى ما لا يبلغه ولا همه وقد أخذت عهود الأمانة في رقابها أطواقا، وصارت خوافي من وراء الخوافي، وغطت سرحها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضوافي، ترغم أنف النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون بملاحظتها تلاحظ أنجم السعود، وهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتي به من الأنباء، وخطباؤها لأنها تقوم على الأغصان مقام الخطباء" [١٩] .
رؤساء الدواوين:
إذا كان التنظيم الإداري بمفهومه العلمي الحديث هو تحديد المسئوليات والسلطات والعلاقات بين الأفراد في الجهد الجماعي بقصد تحقيق أهداف محددة، فالدواوين الأيوبية كانت تنهج هذا السبيل في تحديد المسئوليات للعاملين، وتنظيم العلاقات بينهم وبين رؤسائهم.
وعندما نستعرض الهيكل الوظيفي في عصر الدولة الأيوبية، ندرك أنه يوجد نظام إداري يتسم بالإحكام والتخطيط السليم.
فالدولة يحكمها السلطان عن طريق وزير يمثل قمة السلطنة التنفيذية، ويلي الوزير في المرتبة رؤساء الدواوين المختلفة، وفي كل ديوان العاملون به، وهم على درجات عليا ودنيا، إذن فهم يتبعون التسلسل الإداري في السلطة. ولكل موظف اختصاصات محددة يسير على هداها، وصفات معينة يلزم توافرها فيه، وكانت هناك نظرية الإنابة في العمل فهذا الموظف يحل مكان فلان في وظيفته في حالة غيابه.
وإذا نظرنا للتقسيمات الوظيفية بالمصطلح الحديث من وظائف إدارية أو قيادية، ووظائف فنية أو كتابية، ودرجات عمالية، وجدنا هذا النمط معمولا به في تلك الحقبة من الزمن.
стр. 12462
فنحن نعرف أن مصر بلد زراعي، وأن بها بعض الصناعات اللازمة لمواجهة الحروب الصليبية، وكانت بها دار الضرب المصرية لصك النقود.
إذن كانت الوظائف بها أغلبها خاص إما بالزراعة أو بالصناعات الحربية مثل بناء السفن وغيرها، أو بالعمل في صك النقود، وماعدا ذلك فيتعلق بالشئون الاجتماعية العامة.
الوزير:
لم يرد تعريف للوزير في الكتب التي أرخت للدولة الأيوبية على رغم أن هذه الوظيفة كانت موجودة ومسندة إلى رئيس ديوان الإنشاء كالقاضي الفاضل، أو إلى وزير كصفي الدين بن شكر، وبين أيدينا تعريف لهذه الوظيفة، والصفات الواجب توافرها فيمن تسند إليه، كما جاء ذلك في كتاب صدر في عصر الدولة الفاطمية، إذ يقول مؤلفه [٢٠] : "يجب أن يكون الوزير قيما بجميع أنواع الكتابة وأقسامها، عالما بشروطها وأحكامها، لأن كل ناظر في فن من فنونها إليه يرفع ما ينظر فيه، فلا يجوز أن يكون جاهلا بشيء منه، وأن يكون نافذا في علوم الدين، لأن الدين أساس الملك الذي يبنى عليه أمره".
ويشترط أبن خلف أن يتحلى لوزير بحميد الأخلاق، وأن يتسم بنبيل الصفات، وأن يظهر في سعة المنزل والطعام، والفرش والثياب، وما إلى ذلك، مما يليق بمقامه الخطير.
стр. 12463
كما يشترط أن يكون خبيرا محنكا في جميع ما يخص السلطان والرعية، فيقول: "يجب أن يكون الوزير متجنباً للغضب، قليل اللهو والطرب، مداوماً للتجارب، ملابساً للنوائب، عارفاً بتصرف الأحوال، عالماً بوجوه الأموال، ومصالح الأعمال، مستوفياً لحقوق السلطان، من غير حيف على معاملته ورعيته، معتمداً للإنصاف لهم والإنصاف منهم، مقدماً أهل الفضيلة والدين والغنى، مستكفياً للكفاة، عارفاً لذوي البيوتات والرتب أَقدارهم ومنازلهم، منزلاً لهم بحيث ما يستحقون منها، بصيراً بمكايد الحروب، ومعاجمة الخطوب، وتدبير الدولة، وسياسة الرعية، عارفاً بما يعتمد كل طبقة منها من عسف ولطف، وخشونة ولين، وما يصلح عليه من السير المتضادة، لا يشغله كبير أمر عن صغيره، مقدماً للحزم، عاملاً بالعزم، ناظراً في العواقب" [٢١] .
نظار الدواوين:
ونظار الدواوين في الدولة الأيوبية، كانوا يمثلون السلطة الإدارية العليا، وكانت تسند إليه من قبل الوزارة الأعمال الهامة الخاصة بشئون الدولة الداخلية والخارجية.
ويسمى الناظر أَحياناً بصاحب الديوان أو بوالي الديوان وكان يطلق على ناظر ديوان الإنشاء صاحب الدست، وفى هذه التسميات دلالة على مدى السلطات الممنوحة له في مجال اختصاصه.
ومن الصفات العامة لأعمال الناظر. أنه رأَس الديوان ويلزمه ضبط جميع جهات الديوان استخراجاً وخرجاً، وإقامة الجرائد بالجهات وخدمتها بما يستأدى منها لأنه يكتب على العمل الجامع لها، ويعين ما ينساق من الباقي في المعاملات [٢٢] .
ويقول ابن مماتى: "ليس لأحد مستخدميه أَن ينفرد عنه بشيء من علم المنظور فيه، ومن لوازمه أن يكون علمه محوطا بضبطه، محفوظا بخطه، وإن كان ناظر مشارف، كتب خطه على ما يرفع من الحساب، ويخرج من الوصولات، وهو مخاطب على كل ما يتم في معاملته من خلل" [٢٣] .
ناظر ديوان الإنشاء:
стр. 12464
ونقرأ شروط النابلسي في ناظر ديوان الإنشاء نثراً وشعراً إذ يقول: "يشترط أن يكون الناظر فيه مضطلعاً من العلوم لاسيما الأدب، له قدرة على صعود ذروتي النظم والنثر بل على ارتقاء درج البلاغة، إلى طبقة حل المنظوم ونظم المنثور والإستشهاد بما يحتاج إليه من الكتاب العزيز بآيات في المعنى الذي رسم له.
وأحاديث الرسول ﷺ ، وسير الخلفاء وأخبار الملوك، وتواريخ العجم، وأيام العرب، ووقائعها وأمثالها، إلى غير ذلك من الفنون التي يطول شرحها ووصفها، وهو باب متسع، وعر المسلك، عزيز الوجود جداً".
والظاهر أن وظيفة رئيس ديوان الإنشاء، وما ينبغي أن يكون حاصلاً عنده من العلوم والمعارف والأخلاق، قد حظيت بعناية كبيرة في العصر الفاطمي، وقد دون ابن منجب الصيرفي ذلك في كتابه قانون ديوان الرسائل، ولما كان كتاب الدواوين في العصر الأيوبي قد أشاروا إلى هذه الوظيفة في كلمات مقتضبة، إلا أنها تدل على خطورة مكانة صاحبها، وأهمية الدور الذي يؤديه في الجهاز الحكومي للدولة الأيوبية، فقد رأينا أن نذكر الشروط الأساسية الواجب توافرها في رئيس ديوان الإنشاء التي تعتبر من وجهة نظرنا قواعد عامة سارت عليها الدولة الأيوبية فيمن يتولون العمل بهذا الديوان، خاصة وأن القاضي الفاضل وزير السلطان صلاح الدين ورئيس ديوان الإنشاء في عصره، تربى في الدولة الفاطمية، وتولى رئاسة الديوان في أيام العاضد آخر خلفائها، واستمر في عمله حنى نهاية عمره في عهد الدولة الأيوبية.
стр. 12465
فهو إذن امتداد طبيعي لهذه الوظيفة التي يقول عنها ابن منجب الصيرفي ما فحواه: "أن يكون ذا دين وورع وأمانة، ونزاهة نفس، ويجب أن يكون دينه الإسلام، لأنه من الملك بمنزلة الوزير، وأن يكون متمذهباً بالمذهب الذي عليه الملك، ويجب أن يكون من يختار لهذه المرتبة ممكنا من عقله، ويجب أن يكون أصيلاً في قومه، رفيعا في حسبه، ويجب أن يكون صبيح الوجه، فصيح الألفاظ، طلق اللسان، ويجب أن يكون وقورا حليما، مؤثرا للجد على الهزل، محبا للشغل أكثر من محبته للفراغ، مقسما للزمان على أشغاله، كثير الأناة، قليل العجلة والحذق، نزر الضحك، مهيب المجلس، ساكن الظل، وقور النادي، حسن اللقاء، لطيف الإجابة، شديد الذكاء، متوقد الفهم، حسن الكلام إذا حدث، حسن الإصغاء إذا حُدث، سريع الرضا، بطيء الغضب، رؤوفا بأهل الدين ساعيا في مصالحهم محبا لذوي العلم والأدب، راغبا في نفعهم، يغلب هوى الملك على هواه ورضاه على رضاه، ما لم ير في ذلك خللا على المملكة، فإنه يجب أن يهدي النصيحة للملك، من غير أن يوجد أن فيما تقدم من رأيه فسادا أو نقصا، ولكن يتحيل لنقص ذلك وتهجينه في نفسه، وإيضاح الواجب فيه بأحسن تأن وأفضل تلطف، ويكون من كتمان السر بمنزلة لا يدانيه فيها أحد" [٢٤] .
ما ذكرناه هو مجمل الصفات الشخصية الواجب توافرها في متولي هذا الديوان، فما هو نوع الثقافة اللازمة له؟
نجد أن العناصر الأساسية لهذا العمل أن يكون صاحب الديوان مثقفا، وأول ما يجب أن يعتني به حفظ كتاب الله تعالى. فهو أحوج الناس إلى الإستشهاد به في أثناء محاوراته، وفصول مكاتباته، والتمثل بنواهيه وأوامره، والذكر لقوارعه وزواجره، ويجب أن يكون من البلاغة والفصاحة في أعلى مرتبة وأسنى منزلة، بحيث لا يوجد أحد في عصره يفوقه في هذا الفن، وينبغي أن يكون مظطلعا بفنون الكتابة، عالما بأصولها وفصولها، مستقلا بأعبائها، يفوق في النهضة جميع المستخدمين معه والمعينين له.
следующие страницы →