← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12461–12500 · переход к 12466.

стр. 12461

ويشرح القاضي الفاضل في إحدى رسائله ما كان يؤديه به الحمام من دور فعال في هذا الشأن. ومما قاله في هذه الرسالة: "سرحت لإنزال أجنحتها محملة البطائق أجنحة، وتجهيز جيوش القاصد والأقلام أسلحة، وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر، وتطوي الأرض إذا نشرت الجناح الطائر، وتزوي به الأرض ما يبلغه ملك هذه الأمة، وتضرب من السماء حتى ترى ما لا يبلغه ولا همه وقد أخذت عهود الأمانة في رقابها أطواقا، وصارت خوافي من وراء الخوافي، وغطت سرحها المودع بكتمان سحبت عليه ذيول ريشها الضوافي، ترغم أنف النوى بتقريب العهود، وتكاد العيون بملاحظتها تلاحظ أنجم السعود، وهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتي به من الأنباء، وخطباؤها لأنها تقوم على الأغصان مقام الخطباء" [١٩] . رؤساء الدواوين: إذا كان التنظيم الإداري بمفهومه العلمي الحديث هو تحديد المسئوليات والسلطات والعلاقات بين الأفراد في الجهد الجماعي بقصد تحقيق أهداف محددة، فالدواوين الأيوبية كانت تنهج هذا السبيل في تحديد المسئوليات للعاملين، وتنظيم العلاقات بينهم وبين رؤسائهم. وعندما نستعرض الهيكل الوظيفي في عصر الدولة الأيوبية، ندرك أنه يوجد نظام إداري يتسم بالإحكام والتخطيط السليم. فالدولة يحكمها السلطان عن طريق وزير يمثل قمة السلطنة التنفيذية، ويلي الوزير في المرتبة رؤساء الدواوين المختلفة، وفي كل ديوان العاملون به، وهم على درجات عليا ودنيا، إذن فهم يتبعون التسلسل الإداري في السلطة. ولكل موظف اختصاصات محددة يسير على هداها، وصفات معينة يلزم توافرها فيه، وكانت هناك نظرية الإنابة في العمل فهذا الموظف يحل مكان فلان في وظيفته في حالة غيابه. وإذا نظرنا للتقسيمات الوظيفية بالمصطلح الحديث من وظائف إدارية أو قيادية، ووظائف فنية أو كتابية، ودرجات عمالية، وجدنا هذا النمط معمولا به في تلك الحقبة من الزمن.

стр. 12462

فنحن نعرف أن مصر بلد زراعي، وأن بها بعض الصناعات اللازمة لمواجهة الحروب الصليبية، وكانت بها دار الضرب المصرية لصك النقود. إذن كانت الوظائف بها أغلبها خاص إما بالزراعة أو بالصناعات الحربية مثل بناء السفن وغيرها، أو بالعمل في صك النقود، وماعدا ذلك فيتعلق بالشئون الاجتماعية العامة. الوزير: لم يرد تعريف للوزير في الكتب التي أرخت للدولة الأيوبية على رغم أن هذه الوظيفة كانت موجودة ومسندة إلى رئيس ديوان الإنشاء كالقاضي الفاضل، أو إلى وزير كصفي الدين بن شكر، وبين أيدينا تعريف لهذه الوظيفة، والصفات الواجب توافرها فيمن تسند إليه، كما جاء ذلك في كتاب صدر في عصر الدولة الفاطمية، إذ يقول مؤلفه [٢٠] : "يجب أن يكون الوزير قيما بجميع أنواع الكتابة وأقسامها، عالما بشروطها وأحكامها، لأن كل ناظر في فن من فنونها إليه يرفع ما ينظر فيه، فلا يجوز أن يكون جاهلا بشيء منه، وأن يكون نافذا في علوم الدين، لأن الدين أساس الملك الذي يبنى عليه أمره". ويشترط أبن خلف أن يتحلى لوزير بحميد الأخلاق، وأن يتسم بنبيل الصفات، وأن يظهر في سعة المنزل والطعام، والفرش والثياب، وما إلى ذلك، مما يليق بمقامه الخطير.

стр. 12463

كما يشترط أن يكون خبيرا محنكا في جميع ما يخص السلطان والرعية، فيقول: "يجب أن يكون الوزير متجنباً للغضب، قليل اللهو والطرب، مداوماً للتجارب، ملابساً للنوائب، عارفاً بتصرف الأحوال، عالماً بوجوه الأموال، ومصالح الأعمال، مستوفياً لحقوق السلطان، من غير حيف على معاملته ورعيته، معتمداً للإنصاف لهم والإنصاف منهم، مقدماً أهل الفضيلة والدين والغنى، مستكفياً للكفاة، عارفاً لذوي البيوتات والرتب أَقدارهم ومنازلهم، منزلاً لهم بحيث ما يستحقون منها، بصيراً بمكايد الحروب، ومعاجمة الخطوب، وتدبير الدولة، وسياسة الرعية، عارفاً بما يعتمد كل طبقة منها من عسف ولطف، وخشونة ولين، وما يصلح عليه من السير المتضادة، لا يشغله كبير أمر عن صغيره، مقدماً للحزم، عاملاً بالعزم، ناظراً في العواقب" [٢١] . نظار الدواوين: ونظار الدواوين في الدولة الأيوبية، كانوا يمثلون السلطة الإدارية العليا، وكانت تسند إليه من قبل الوزارة الأعمال الهامة الخاصة بشئون الدولة الداخلية والخارجية. ويسمى الناظر أَحياناً بصاحب الديوان أو بوالي الديوان وكان يطلق على ناظر ديوان الإنشاء صاحب الدست، وفى هذه التسميات دلالة على مدى السلطات الممنوحة له في مجال اختصاصه. ومن الصفات العامة لأعمال الناظر. أنه رأَس الديوان ويلزمه ضبط جميع جهات الديوان استخراجاً وخرجاً، وإقامة الجرائد بالجهات وخدمتها بما يستأدى منها لأنه يكتب على العمل الجامع لها، ويعين ما ينساق من الباقي في المعاملات [٢٢] . ويقول ابن مماتى: "ليس لأحد مستخدميه أَن ينفرد عنه بشيء من علم المنظور فيه، ومن لوازمه أن يكون علمه محوطا بضبطه، محفوظا بخطه، وإن كان ناظر مشارف، كتب خطه على ما يرفع من الحساب، ويخرج من الوصولات، وهو مخاطب على كل ما يتم في معاملته من خلل" [٢٣] . ناظر ديوان الإنشاء:

стр. 12464

ونقرأ شروط النابلسي في ناظر ديوان الإنشاء نثراً وشعراً إذ يقول: "يشترط أن يكون الناظر فيه مضطلعاً من العلوم لاسيما الأدب، له قدرة على صعود ذروتي النظم والنثر بل على ارتقاء درج البلاغة، إلى طبقة حل المنظوم ونظم المنثور والإستشهاد بما يحتاج إليه من الكتاب العزيز بآيات في المعنى الذي رسم له. وأحاديث الرسول ﷺ ، وسير الخلفاء وأخبار الملوك، وتواريخ العجم، وأيام العرب، ووقائعها وأمثالها، إلى غير ذلك من الفنون التي يطول شرحها ووصفها، وهو باب متسع، وعر المسلك، عزيز الوجود جداً". والظاهر أن وظيفة رئيس ديوان الإنشاء، وما ينبغي أن يكون حاصلاً عنده من العلوم والمعارف والأخلاق، قد حظيت بعناية كبيرة في العصر الفاطمي، وقد دون ابن منجب الصيرفي ذلك في كتابه قانون ديوان الرسائل، ولما كان كتاب الدواوين في العصر الأيوبي قد أشاروا إلى هذه الوظيفة في كلمات مقتضبة، إلا أنها تدل على خطورة مكانة صاحبها، وأهمية الدور الذي يؤديه في الجهاز الحكومي للدولة الأيوبية، فقد رأينا أن نذكر الشروط الأساسية الواجب توافرها في رئيس ديوان الإنشاء التي تعتبر من وجهة نظرنا قواعد عامة سارت عليها الدولة الأيوبية فيمن يتولون العمل بهذا الديوان، خاصة وأن القاضي الفاضل وزير السلطان صلاح الدين ورئيس ديوان الإنشاء في عصره، تربى في الدولة الفاطمية، وتولى رئاسة الديوان في أيام العاضد آخر خلفائها، واستمر في عمله حنى نهاية عمره في عهد الدولة الأيوبية.

стр. 12465

فهو إذن امتداد طبيعي لهذه الوظيفة التي يقول عنها ابن منجب الصيرفي ما فحواه: "أن يكون ذا دين وورع وأمانة، ونزاهة نفس، ويجب أن يكون دينه الإسلام، لأنه من الملك بمنزلة الوزير، وأن يكون متمذهباً بالمذهب الذي عليه الملك، ويجب أن يكون من يختار لهذه المرتبة ممكنا من عقله، ويجب أن يكون أصيلاً في قومه، رفيعا في حسبه، ويجب أن يكون صبيح الوجه، فصيح الألفاظ، طلق اللسان، ويجب أن يكون وقورا حليما، مؤثرا للجد على الهزل، محبا للشغل أكثر من محبته للفراغ، مقسما للزمان على أشغاله، كثير الأناة، قليل العجلة والحذق، نزر الضحك، مهيب المجلس، ساكن الظل، وقور النادي، حسن اللقاء، لطيف الإجابة، شديد الذكاء، متوقد الفهم، حسن الكلام إذا حدث، حسن الإصغاء إذا حُدث، سريع الرضا، بطيء الغضب، رؤوفا بأهل الدين ساعيا في مصالحهم محبا لذوي العلم والأدب، راغبا في نفعهم، يغلب هوى الملك على هواه ورضاه على رضاه، ما لم ير في ذلك خللا على المملكة، فإنه يجب أن يهدي النصيحة للملك، من غير أن يوجد أن فيما تقدم من رأيه فسادا أو نقصا، ولكن يتحيل لنقص ذلك وتهجينه في نفسه، وإيضاح الواجب فيه بأحسن تأن وأفضل تلطف، ويكون من كتمان السر بمنزلة لا يدانيه فيها أحد" [٢٤] . ما ذكرناه هو مجمل الصفات الشخصية الواجب توافرها في متولي هذا الديوان، فما هو نوع الثقافة اللازمة له؟ نجد أن العناصر الأساسية لهذا العمل أن يكون صاحب الديوان مثقفا، وأول ما يجب أن يعتني به حفظ كتاب الله تعالى. فهو أحوج الناس إلى الإستشهاد به في أثناء محاوراته، وفصول مكاتباته، والتمثل بنواهيه وأوامره، والذكر لقوارعه وزواجره، ويجب أن يكون من البلاغة والفصاحة في أعلى مرتبة وأسنى منزلة، بحيث لا يوجد أحد في عصره يفوقه في هذا الفن، وينبغي أن يكون مظطلعا بفنون الكتابة، عالما بأصولها وفصولها، مستقلا بأعبائها، يفوق في النهضة جميع المستخدمين معه والمعينين له.

стр. 12466

ويكون حافظا لأخبار الرسول والأئمة، راويا لأخبار الملوك وأيام العرب ووقائعهم، وأخبار العجم وسائر الأمم، وما جرى في أيام الملوك الماضين، وما حدث من وزرائهم وكتابهم وقوادهم وأخبارهم. ويجب أن يكون لديه شيء من معرفة الحلال والحرام، ليكون واجدا له متى دفع إلى أن يسأل عنه، ويجب أن يكون حافظا للأشعار راويا للكثير منها، ويجب أن يكون قد قرأ من العربية والتصريف واللغة أكثرها [٢٥] . وأخيراً نتحدث عن مجمل صفاته السلوكية تجاه الملك كما جاء في كتاب قانون ديوان الرسائل، وهو أن ينحل الملك صائب الآراء، ولا ينتحلها عليه، ومهما حدث من رأي صائب أو فعل جميل، أو تدبير حميد أشاعه وأذاعه وعظمه وفخمه وكرر ذكره، وأوجب على الناس حمده وشكره، وإذا قال الملك قولا في مجلسه أو بحضرة جماعة ممن يخدمه، فلم يره موافقا للصواب فلا يجبهه بالرد عليه واستهجان ما أتى به، فإن ذلك خطأ كبير بل يصبر لحين الخلوة ويداخل في أثناء كلامه ما يوضح به نهج الصواب من غير تلق برد، ولا يتبجح بما عنده، ويكون متابعا للملك على أخلاقه الفاضلة وطباعه الشريفة. وإن أحس منه بخلة تنافي هذه الخلال، وفعلة تخالف هذه الأفعال، نقله عنها بألطف سعي وأحسن تدريج، ولم يدع ممكنا في تبيين متجهها وإيضاح رداءة عاقبتها، وفضيلة مخالفتها إلا بينه وأوضحه، إلى أن يعيده إلى الفضائل، التي هي بالملوك النبلاء أليق.

стр. 12467

ثم يعقد ابن منجب الصيرفي فصلا فيما يختص متولي ديوان الرسائل بالنظر فيه من الأعمال التي لا يقوم بها غيره، وهو: أن يلازم مجلس الملك ما كان جالساً ليتأس به سائر المستخدمين معه، ولا يجدوا رخصة في الغيبة عن الديوان، ثم تأمل الكتب الواردة على الملك وتسليمها إلى أوثق كتابه، وأمنهم في نفسه، ليخرجها في ظاهرها، ثم يعيدها إليه، فيقابل بها، فإن وجده أخل بشيء منها، أضافه بخطه، وأنكر عليه إهمالها ليتنبه في المستأنف، وإن لم يكن فيها خلل عرضها على الملك، واستخرج فيها أمره، وسطر تحت كل فصل منها، ما يجب أن يكون جوابا عنه، على أحسن الوجوه وأفضلها، ثم سلمها إلى من يكتب الجواب عنها، ممن يعرف اضطلاعه بذلك، ثم قابل الجواب بالتخريج، وما وقع تحته، فإن وجد فيها خللا سده، أو مهملا ذكره، أو سهواً أصلحه، وإن علم أنه قد كتبها على أفضل الوجوه وأسدها، وأنه لم يغادر معنى، ولم يزد إلا ألفاظاً، ينمق بها كتابته، ويؤكد بها قوله، عرضها على الملك ليعلم ما فيها، ثم استدعى من يتولى الإلصاق فألصقها بحضرته، وجعل على كل منها بطاقة، يشير فيها إلى مضمونه، لئلا يسأل عنه بعد إلصاقه، فلا يعلم ما هو، ثم يسلمها إلى من يتولى تنفيذها، إلى حيث أهلت له، ويأخذ خطه بعدتها، منسوبا كل منها إلى من كتب إليه، ومشاراً إلى مضمونه، ويسلم النسخ المخرجة الملخصة إلى من يؤهله لحفظها وترتيبها. ويلزمه أن يتصفح ما يكتب من السجلات والمناشير والأمانات، وجميع ما يقع عليه اسم الإنشاء تصفحاً تاماً، يأمن معه أن يدخل على شيء مما يكتب من ديوانه زيغ ولا زلل ولا تحريف. ويلزمه أن يقيم حاجباً لديوانه، لا يمكن أحداً من سائر الناس أن يدخل إليه، ما خلا المستخدمين فيه [٢٦] .

стр. 12468

ثم يفصل بعد ذلك كيفية مباشرته لأعماله بقوله: "يوقع فيما أمكنه التوقيع فيه من رقاع المتظلمين، مما جرت العادة بمثله، وما كان لابد له من عرضه على السلطان واستطلاع رأيه فيه، سلمه إلى متولي ديوانه ليحضر به المجلس، ويستخرج فيه الأمر، أو يحضر الكاتب نفسه فيقرأ المهمات منها، ويستأذن عليها، ويوقع بما يؤمر فيها، فقد تحدث فيها الرقعة المهمة التي تنتفع الدولة بها، ويستضر بتأخير النظر فيها، ويفهم من على هذه الرقاع من جور بعض الولاة والمستخدمين، وامتداد أيديهم ما توجب السياسة صرفهم عما ولوه منها، وما كان منها مما يسأل السلطان في صحته، ندب من يثق فيه لكشفه مع رافعه، فإن صح قوله أنصف من خصمه، وإن بان تمحله قوبل بما يردع أمثاله على الكذب والتخرص، فيكون ذلك كافاً لمن يهم بشكوى أحد على سبيل المحال وقول الزور فيه" [٢٧] . ناظر ديوان الجيوش: ولما كانت الدولة الأيوبية تتبع نظام الإقطاع الحربي في توزيع الأرض على الأمراء والأجناد، فإنه نشأت وظيفة ناظر ديوان الجيوش لرعاية مصالح هذه الإقطاعات، ويوضح النابلسي الأعمال التي يباشرها صاحب هذا الديوان، فيقول: "إنه يسترفع كل سنة نسخة قوانين ري البلاد، ليعلم ما نقص وما زاد، وكذلك نسخ السجلات من البلاد ليعلم ما ترجح من ارتفاعها، وما هي عليه من أوضاعها، وما انتقل من مدن العين إلى الغلة، ومن الغلة إلى العين، ومن صنف إلى صنف، وما عمر فيها من الخراب الذي لا يعلوه النيل وغير ذلك. وترفع إليه أوراق زيادة النيل بعد انتهاء الزيادة، ليعلم بها قوانين الري ما روى من البلاد، ومن صفات الناظر في هذا الديوان، أن يكون كبير القدر في نفسه وعند سلطانه، له جلالة ووجاهة، فإن أمراء الدولة مع جلالة أقدارهم، يحتاجون إلى مخاطبته والتلطف لأجل إقطاعاتهم وأجنادهم وجلب مصالحهم، ودفع مضارهم" [٢٨] .

стр. 12469

وأما الصفات اللازمة له في أثناء الحرب، حتى يكون ناجحاً في تأدية مهمته القتالية على أحسن وجه، أن يأخذ لضعيفها من قويها، ويقيم الحدود فيها على من وجبت عليه، ويقوي يد ديوانها على استخراج الأموال، وتمشية الأشغال، وحفظ السبل إلى عمله من كل جهة، هي داخلة في حد عمله. ويحتاج أيضاً إلى أن يكون ذا سياسة ورياسة، وعقل رصين ونزاهة، وعفة فرج ويد ولسان، وحسن تدبير، وصدق لهجة، ويقظة وعزم، وتحل بهمة وعزم [٢٩] . ولما كانت المهمة المنوطة بناظر ديوان الجيش ذات أهمية بالغة في عصر الحروب الصليبية، أردنا أن نستعين بالصورة التي رسمها علي بن خلف في عصر الدولة الفاطمية، ففيها شيء من التفصيل، بخلاف ما عثرنا عليه في كتب الدواوين الأيوبية، خاصة وأن ظروف العمل الحربي ضد الصليبيين في العصرين واحدة. إذ يقول: "أن منزلته بمقتضى خطر ما ينظر فيه من أمور الرجال الذين هم أعضاء السلطان وأعوانه، وهو يحتاج إلى الإستقلال بجرد كثير من الحساب، وإلى معرفة صفات الخيل، والمعرفة بالأسلحة وأنواعها، والسيوف وجواهرها ومياهها، والرماح وأجناسها والمختار منها، والقسي والسهام والدروع وما يجاريها من الآلات وأن يطالب الأجناد بتحصيلها وعرضها في كل وقت، كما تعرض الخيول التي يثبت شياتها في ديوانه، ولا يفتح لأحد منهم في الإستبدال من جيد برديء، ولا من عيق بهجين، ولا من أسل بذقى [٣٠] ، ومن غير شيئاً ألزمه بتعويض ما غيره، ولذلك أوقع حزمه الملوك الوسوم على الخيول والعلامات على الأسلحة، ولا بأس بأن يكون قد تأدب بالفروسية، وأخذ بطرف من العمل بالسلاح" [٣١] .

стр. 12470

وكعادة كتاب الدواوين يذيل ابن خلف كتاباته بذكر الصفات الحميدة التي يجب أن يتحلى بها القائم بهذه الوظيفة الخطيرة، فيقول: "يجب أن يكون فيه حسن مداراة، وجميل ملقى، وصبر على أمر أخلاق من عامله، فإنه مدفوع إلى سياسة طوائف عدة من أهل الحمية وعزة النفس، وهو محتاج إلى رياضتهم، وحسن السيرة في معاملتهم، ليتمكن من حملهم على الحق، وأن يبني أمره على النزاهة عن الطمع، ليعتذر بذلك عما يرومه من تركهم منازلهم، وليحذر وضع الأعلى، ورفع الناقص وليأخذ بالحزم والأمانة" [٣٢] . صاحب ديوان الإقطاع: أما صاحب ديوان الإقطاع، فمرتبته دون صاحب ديوان الجيش، وإن اشتركا في العمل، ويلزمه ما يلزم ذلك من أحوال الأجناد والإحاطة بهاء وأن يكون درباً بعبرة البلاد وحواصلها وأسمائها وأثقالها. ويشترط فيه أن يكون حاضر الحس في الجمع درباً فيه، بحيث إذا سئل عن جملة مفصلة أجاب عنها في الزمن القريب. وصاحب الجيش يكتب على يمنة الورقة ليثبت في ديوان النظر على الجيوش المنصورة إن شاء الله تعالى، ويقول صاحب ديوان الإقطاع في الجانب الآخر: في ديوان الإقطاع العمراني إن شاء الله [٣٣] . الباب الثاني الرسائل الحربية هذه الرسائل كانت تحرر بقلم رئيس ديوان الإنشاء، إما عن لسان السلطان أو الملك. أو تكتب تعبيرا عما يقصده رئيس الديوان لنفسه. وقد ازدهرت وكثرت في عهد السلطان صلاح الدين، الذي أسس الدولة الأيوبية في مصر، ووصفت المعارك الحربية وصفا تفصيليا، في أسلوب يمتاز بالقوة والجزالة فيناسب المعارك وضراوتها، والإنتصارات والفرحة بها. وهذه الرسائل تعد من الناحية التاريخية وثائق بالغة الأهمية، وتعد من الناحية الإعلامية سلاحا رادعا يساعد على النصر ويؤازره، كما أنه يبث الرعب في نفوس الأعداء ويرهبهم، بل هو من العوامل الهامة في قهرهم والإطاحة بهم.

стр. 12471

فقد خاضت الجيوش العربية حروبا شرسة ضد الحشود الصليبية، وتم في هذه اللقاءات انتصارات حربية رائعة، توجتها معركة حطين، التي تطهر فيها بيت المقدس من دنس المغتصبين له. وتقل الرسائل الحربية في الفترة التي تلى حكم السلطان صلاح الدين إلى نهاية الدولة الأيوبية، حيث قامت المنازعات ببن أفراد الأسرة الحاكمة، كما أنه لم يكن لأحد ممن خلف السلطان صلاح الدين في الملك قوة في الشخصية مثلما كان له، وبالاختصار يعد عصر السلطان صلاح الدين العصر الذهبي في حكم هذه الأسرة، وهو أطولها مدة، وأدعمها قوة. منشور بخصوص كسر السلطان صلاح الدين عساكر حلب وحماة: هذا المنشور بقلم القاضي الفاضل، يبدأه بشكر الله على نعمه السابغة هكذا: "لله عندنا عوائد نعم، قد صارت كالأمر المعروف والواقع المألوف، والضياء اللازم للصباح، والعرف المتضوع مع الرياح، لا تستغرب غرائبها وإن كانت بديعة. ولا تبهر عجائبها وإن كانت وسيعة وشيعة" [٣٤] . ثم يأتي مباشرة إلى هدفه، وهو أن الحلبيين قد صاروا بنيانا مرصوصا في الخلاف، وعقدا واحدا في واحدا في الانشقاق والانحراف فعندما علم السلطان صلاح الدين بمسير عسكر المواصلة والحلبيين لقصد حماة، وهو وقتذاك بحمص، بعث إليهم في طلب الصلح، يشترط أن يسلم لهم حمص وحماة وبعلبك وجميع الحصون التي فتحها، مقابل اعترافهم بجنوب الشام، فأبوا عليه ذلك تحت ضغط غازي الطامع أن يخلف نور الدين في الشام كله والجزيرة كذلك [٣٥] . ولذا لم يجد صلاح الدين بدا من السير إلى قرون حماة وهناك عاود الكتابة إليهم دون جدوى، فاستعد حينئذ للحرب، ولقيهم في يوم ١٩ رمضان سنة ٥٧٠ هـ = ١٣ أبريل ١١٧٥ م [٣٦] .

стр. 12472

واستطاع السلطان صلاح الدين أن يحمل على العدو، ويزيلهم عن مواقفهم، ويجتاز معسكرهم، وهم يعدون أمامه صوب حلب، تاركين غنائم كبيرة وآلة وسلاحا عظيما، ودواب كثيرة، ولحق بهم السلطان صلاح الدين في حلب وحاصرها للمرة الثانية، وأشتد على الحلبيين الحصار وطال، فراسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، مضافا إليه المعرة وكفر طاب، وبارين، ولهم ما بأيديهم منها، واشترطوا كذلك أن يكون الدعاء للسلطان الطفل في جميع منابر البلاد التي تحت يد السلطان صلاح الدين وولاية أصحابها، وأن تكون السكة باسمه، وأن ينجد السلطان صلاح الدين بنفسه وجيشه السلطان إسماعيل عسكريا إذا قصده العدو. فأجابهم صلاح الدين إلى جميع ما طلبوه سياسيا وعسكريا، وأنتظم الصلح، ثم رحل السلطان صلاح الدين عائدا إلى حماة. والجانب الإعلامي من إذاعة هذا المنشور، هو تفهيم الناس أن السلطان صلاح الدين، لم يقصد في محاربته أحدا من المسلمين ألبتة، بل أراد توحيد كلمتهم بالتفاهم الودي والإتفاق السياسي أولا، حتى إذا أخفق في الإتفاق بالمفاوضة عمد إلى القتال في غير هوادة. وفيه يصف السلطان صلاح الدين هذا الفتح بأنه كان لفتوحه أميرا، وكان لبعده من سعادات الأيام بشيرا. -------------------------------------------------------------------------------- [١] النابلسي: لمع القوانين ص١٨. [٢] الدكتور أحمد بدوي، الحياة الأدبية في عصر الحروب الصليبية ص ٣٣٤. [٣] صبح الأعشى جـ ١ص١٣٥. [٤] السماع: الغناء والسماعات هنا أي أماكن الطرب واللهو، والظاهر أن الملك الصالح نجم الدين أيوب كان لا يسمح للعاملين بديوان الإنشاء بالتردد على أماكن اللهو والمجون، حفاظا على مهابة هذا الديوان العظيم. [٥] الخطط المقريزية جـ ٣ص١٥٨. [٦] ابن فضل الله، التعريف ص ٨٩.

стр. 12473

[٧] دكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص ١٧٤. [٨] دكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص ٢٧. [٩] دكتور نظير حسان سعداوي: جيش مصر ص ٢٩. [١٠] القلقشندي: صبح الأعشى جـ ٣ ص ٤٨٨:٤٨٩. [١١] الدكتور نظير حسان سعداوي: التاريخ الحربي ص ٢٤. [١٢] دكتور حسنين محمد ربيع: النظم المالية في مصر ص ٧١. [١٣] ذكر المقريزي في السلوك جـ١ ق ١ ص ١٠٧ أن تسليم أمر الأسطول للملك العادل كان في عام ٥٨٧هـ=١١٩٢م. [١٤] الخطط المقريزية جـ٣ ص١١٠،١١١ [١٥] ابن مماتي: قوانين الدواوين ص ٣٣٩. [١٦] ابن مماتي: قوانين الدواوين ص ٣٤٠. [١٧] الخطط المقريزية جـ٣ ص ١١. [١٨] الدكتور نظير حسان سعداوي، نظام البريد في الدولة الإسلامية ص ١١٢: ١١٥. [١٩] الدكتور نظير حسان سعداوي، نظام البريد في الدولة الإسلامية ص ١١٢: ١١٥. [٢٠] أبو الحسن علي بن خلف: مواد البيان ق ٢٣. [٢١] مواد البيان ق ٢٣. [٢٢] ابن شيث: معالم الكتابة ص ٢٩. [٢٣] قوانين الدواوين ص ٢٩٨. [٢٤] ابن منجب الصيرفي: قانون ديوان الرسائل ص ١٠٤: ١٠٥. [٢٥] ابن منجب الصيرفي: قانون ديوان الرسائل ص ٩٥: ١٠٣. [٢٦] ابن منجب الصيرفي: قانون ديوان الرسائل ص ١٠٦: ١١٥. [٢٧] ابن منجب الصيرفي: قانون ديوان الرسائل ص ١٥٣: ١٥٥. [٢٨] لمع القوانين ق ١٧: ١٨. [٢٩] النابلسي: لمع القوانين ق ١٧. [٣٠] الأسل: تستحب في الفرس الأسالة، وهي دليل الكرم، والذقي: رخو الأذن والأنف، ولعل ذلك دليل على رداءته (اللسان) . [٣١] علي بن خلف: مواد البيان ق ٢٦. [٣٢] علي بن خلف: مواد البيان ق ٢٦. [٣٣] ابن شيث: معالم الكتابة ص ٢٦: ٢٧. [٣٤] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ١٠٢. [٣٥] الدكتور سعداوي: التاريخ الحربي ص ٦٥. [٣٦] أبو شامة: الروضتين جـ ١ ص ٢٥٠.

стр. 12474

نصيحة للشيخ إبراهيم الراشد الحديثي رئيس محاكم منطقة عسير الحمد لله القائل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد القائل من شهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، والقائل إن الله حرم على النار من قال لا اله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، وقال رسول الله ﷺ قال موسى: "يا ربي علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال قل يا موسى لا اله إلا الله، قال يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا اله إلا الله في كفة مالت بهم لا اله إلا الله" ولا يسلم من الشرك إلا من حقق التوحيد وتحقيقه إنما هو بتصفيته وتخليصه من شوائب الشرك والبدع والمعاصي وذلك يقتضي كمال وما تقتضيه كلمة الإخلاص من العلم واليقين والصدق والإخلاص والمحبة والقبول والتوحيد هو تنزيه الباري ﵎. ومن المعلوم أن معرفة العبد لربه أسمى غايات المعرفة بما فيها من سعادة الدنيا والآخرة حيث يعبد ربه وحده ولا يشرك معه غيره وينزهه عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، وقد دل القرآن العظيم المنزل على محمد رحمة للعالمين على انقسام التوحيد إلى ثلاثة أقسام وهي توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

стр. 12475

أما الأول فهو الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو رب كل شيء وخالق كل شيء ومدبره لا شريك له، وقد انطبعت على الإقرار بهذا القسم جميع المخلوقين ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ . وأما الثاني فهو الاعتقاد أنه المعبود المقصود المختص وحده بجميع أنواع العبادات ولا يصرف منها شيء لغيره ولا يشرك معه أحد فيها وهو مضمون لا إله إلا الله وهذا القسم لازم للقسم الأول، وأما الثالث فهو إثبات جميع صفات الكمال والجلال والقدرة لله ﵎ وحده كما أثبت ذلك لنفسه في كتابه العزيز في قوله ﵎ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وأثبته له نبيه محمد ﷺ من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ونفى عنه رسوله كل ما لا يليق بجلاله وهذا مضمون قوله ﵎ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ولما منّ الله تعالى على أهل نجد بدعوة الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب إلى التوحيد مقتفياً بذلك آثار السلف الصالح والرعيل الأول قيّض الله له الأمير محمد بن سعود فبايعه بتاريخ ١١٥٧ هـ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الناس التوحيد الخالص وترك الشرك والبدع والخرافات فانتشرت دعوته ولله الحمد حتى عمّت نجداً واتسعت إلى أطراف البلاد المجاورة، وقام بعده أبناؤه وأحفاده وأبناء الإمام محمد بن سعود وأحفاده الذين قيضهم الله لنصر هذا الدين لإنقاذ نجد والجزيرة العربية من الخرافات والبدع وذلك بفضل الله ﵎ ثم بفضل قيام الشيخ وأولاده وأحفاده ومناصرة آل سعود لهم. وألف الشيخ ﵀ الكتب النافعة التي تهدف إلى تحقيق التوحيد وأنتفع بها أهل نجد والبلدان المجاورة لها وسرت سرى الليل ولازالت تتسع.

стр. 12476

ففي وقت جلالة الملك عبد العزيز الذي وحد الجزيرة وناصر الدعوة أسكنه الله الجنة وجزاه عن الإسلام أحسن الجزاء، وكذا أنجاله من بعده وكافة أسرة آل سعود وقد غبط أعداء الإسلام ما تنعم به المملكة من التمسك بالتوحيد والعقيدة السلفية حيث يقول المستشرق (أستورس الأمريكاني) مؤلف كتاب حاضر العالم الإسلامي إذ يقول بعد أن كتب ما كتبه عن انتقال الدين الإسلامي عن حقائقه النازلة من السماء على رسول الله ﷺ وعدم علم المسلمين بها لتغطية البدع والخرافات لها إلى أن قال: (ومن أراد أن ينظر إلى دين محمد ﷺ على حقيقته كيوم نزوله فليذهب إلى هضبات نجد ووديانها فيرى هذا الدين غضا طريا كيوم نزوله على محمد ﷺ . ومنذ أول دعوة الشيخ إلى يومنا هذا وهي تزداد نموا ولله الحمد فلهم على جميع المسلمين السمع والطاعة والدعاء لهم بالعز والتمكين حيث قاموا بنصر دين الله وتحكيم شرعه في أرضه ولا سيما جلالة الملك وولي عهده وقد قيل إن السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم ولهذا حث النبي ﷺ على السمع والطاعة لولاة الأمر بقوله "أطيعوا لمن ولاه الله عليكم..".

стр. 12477

فتح الإسكندرية للدكتور محمد السيد الوكيل وكيل كلية الحديث الشريف بعد أن تم لعمرو فتح حصن بابليون حمد الله بما هو أهله، وشكره - سبحانه - على منه وفضله، وتنفست الصعداء فقد طال حصار الحصن سبعة أشهر دون أن يرى في الأفق ما يبشر بالنصر والمسلمون وإن لم يكونوا في ضائقة تؤدي إلى تذمر، أو تصل إلى حد العنت، ولكنهم كانوا قد ملوا الوقوف، وخشي عمرو أن يدب الوهن في صفوفهم لتحصن عدوهم، وتوفر المئونات لدى خصمهم مما يوفر المناعة لدى المتحصنين، ويعطيهم فرصة أكبر للمقاومة والصمود. ولعل هذا هو الذي جعل الزبير بن العوام ﵁ يفكر في وسيلة يقتحم بها الحصن، ويقول لعمرو: لقد وهبت نفسي لله، تم يصعد أسوار الحصن المنيعة، ويكبر فيكبر المسلمون من ورائه ويفتح الله عليهم. وبدا لعمرو أن يزحف إلى الإسكندرية، ولاسيما وقد استتب الأمن في ربوع البلاد التي فتحها، ودان أهلها بالولاء للغزاة الفاتحين، فمنهم من دخل طوعاً في الإسلام، ومنهم من صالح على الجزية راضيا مقتنعاً، ولكن عمراً لا يستطيع الزحف على الإسكندرية مهما أغراه النصر الذي أحرزه في بابليون، ومهما شجعه استسلام القبط ورضاهم عما أنجز من الفتوحات حتى يستأذن الخليفة ويأذن له. فأرسل عمرو إلى أمير المؤمنين يبشره بفتح الحصن، ويستأذنه في الزحف على الإسكندرية [١] . وانتظر عمرو جواب الخليفة وأذنه وهو مقيم في الفسطاط، وعلم عمرو بما كان يدور على ألسنة أهل مصر من استصغار شأن العرب، واحتقار ملابسهم ومعاشهم، واستغرابهم من انتصارهم عليهم، فخشي عمرو أن يجر ذلك إلى الإستهانة بالمسلمين، وتشجيع عدوهم على الدخول معهم في معارك لا يعلم نتائجه إلا الله – سبحانه - وفكر عمرو، كيف يرد المصريين عن هذا التفكير؟ وكيف يقنعهم بجدارة الفاتحين واستحقاقهم لما أحرزوا من نصر؟؟

стр. 12478

وعزم عمرو على أن يرى قبط مصر ما يجعلهم يرهبون المسلمون، ويحذرون الدخول معهم في صراع جديد، فأمر بجزر فذبحت، وطبخت بالماء والملح، ودعا أمراء الجند فحضروا ومعهم الجنود، وأذن لأهل مصر بالدخول، وقدم الطعام للمسلمين، فأكلوا أكلا عربيا، ونهشوا اللحم واحتسوا المرق، وهم متدثرون بالعباء، وليس عليهم سلاح ورأى ذلك كله أهل مصر فازدادوا طمعاً وجرأةً بالمسلمين. وفي اليوم التالي دعا أمراء الجنود وأصحابهم، وأمرهم أن يحضروا في ثياب أهل مصر وأحذيتهم ففعلوا، وحضر الأمراء والجنود في هيئة المصريين، وأذن لأهل مصر بالدخول، فلما دخلوا رأوا شيئاً غير الذي رأوه بالأمس، لقد رأوا بالأمس بدواً متلفحين بالعباء، ينهشون اللحم بأفواههم، تتطاير قطعه على من بجوارهم، واليوم رأوا قوماً كأنهم ولدوا في مصر، وتربوا على موائدها، فهذه الأطعمة مصرية لا يعرفها العرب، والقوام يقومون عليهم بألوان من الطعام فيتناولونه بطريقة أهل مصر، فخرج المصريون من مجلس عمرو وقد ارتابوا في أمرهم، وقال بعضهم لبعضهم: كدنا. وأراد عمرو أن يرى المصريين قوته الحربية، فبعث إلى الأمراء أن يلبسوا السلاح وأن يستعدوا للعرض العسكري، فلبسوا وتأهبوا، وأذن للمصريين بالحضور، فحضروا، وأمر بالاستعراض فسار الأمراء على رؤوس الجند وهم جميعاً بالسلاح والعتاد [٢] . ورأى المصريون ذلك فانبهروا، إِنهم أمس الأول رأوا قوما يطمع فيهم من يراهم فهم من البداوة والسذاجة بحيث لا يرجى منهم نفع ولا ضر، وبالأمس رأوا قوما على جانب عظيم من الحضارة والذوق وحسن المصانعة حتى ليظن من يراهم أنه في قوم لهم ماض عريق في الحضارة والرقي، واليوم يرون جنوداً شاكي السلاح يرى فيهم من يراهم أسوداً كواسر لا تهاب الموت، ولا تخش المنون والقوم هم القوم لم يتغيروا ولم يستبدل بهم.

стр. 12479

ورأى القائد المسلم الداهية المحنك في أعين المصريين حيرة وعجباً فقال: "إني قد علمت أنكم رأيتم في أنفسكم أنكم شيء حين رأيتم اقتصاد العرب وهون تزجيتهم فخشيت أن تهلكوا، فأحببت أن أَريكم حالهم، وكيف كانت في أرضهم، ثم حالهم في أرضكم، ثم حالهم في الحرب، فظفروا بكم وذلك عيشهم، وقد كلبوا على بلادكم قبل أن ينالوا منها مارأَيتم ما رأيتم في اليوم الثاني، فأحببت أن تعلموا أن من رأيتم في اليوم الثالث غير تارك عيش اليوم الثاني. وراجع إلى عيش اليوم الأول". وبهذا الدرس العملي رأى المصريون العرب على حقيقتهم، فهم ليسوا العرب السذج الذين كانوا يعيشون على فتات الموائد قبل الإسلام، بل أصبحوا شيئا آخر حيث صاغهم الإسلام صياغة جديدة ففهموا الحياة على الشكل الذي ينبغي أن تفهم عليه، وعرفوا مكانتهم في العالم، فهم الأساتذة الموجهون، والساسة المدبرون، والقواد الفاتحون. لقد أعزهم الله بالإسلام فلن يذلوا وهم متمسكون به أبدا، وسودهم على الأمم فكانوا خيرها بالعمل لنشر الدعوة، أدرك المسلمون هذه الحقائق وليسوا مستعدين لتركها والانتكاسة إلى الوراء مرة أخرى. وضرب عمرو مثلا من الحياة التي يلمسها المصريون فكأنه يقول لهم: إن الذين تذوقوا طيب الحياة في مصر، وعاشوا أرغد العيش فيها، ليسوا مستعدين للعودة إلى حياة البداوة والتقشف بعد أن لمسوا الفرق بين الحياتين. عندئذ نظر المصريون بعضهم إلى بعض وقالوا في دهشة وعجب: لقد رمتكم العرب برجلهم [٣] . وبلغ أمير المؤمنين - عمر – ما صنع عمرو مع قبط مصر، فقال لجلسائه: "والله أن حربه للينة ما لها سطوة ولا ثورة كثورات الحروب من غيره، إن عمرا لعضن" [٤] . وجاء رد الخليفة على عمرو يأمره بالزحف على الإسكندرية، فاستعد عمرو واستخلف على مصر خارجة بن حذافة بن غانم.

стр. 12480

وعلم الروم القاطنون بين مصر والإسكندرية بتهيؤ المسلمين للزحف نحو الإسكندرية فأتمروا فيما بينهم، وعزموا على صد عمرو وجيشه عن وجهته وقدمت عليهم مراكب كثيرة من بلاد الروم تحمل الجنود والسلاح فقويت بذلك شوكتهم، وعظم أمرهم، وصاروا في منعة من قومهم. وخرج عمرو بن العاص من الفسطاط متوجها إلى الإسكندرية، واستعان بجماعة من رؤساء القبط في إصلاح الطرق، وإقامة الجسور والأسواق ليسهل على المسلمين السير في هذا الطريق. واختار ابن العاص الضفة الغربية للنيل، فعبر إليها وهي أهون في السير لقلة العوائق حيث تكثر في الدلتا فروع النيل الكثيرة التي تحول بين الجيش وبين غايته وتعوق مسيرته إلى الإسكندرية. وعلم عمرو بأن الطريق إلى الإسكندرية ليس سهلا فحصون الروم منتشرة على طول الطريق، وجيوشهم مبثوثة في كل مكان، في نقيوس وسلطيس، وفي كريون. وكان حصن نقيوس من أمنع حصونهم وأشدها رجالا، ورأى عمرو أنه إن تمكن من التغلب على نقيوس فسيفت ذلك في عضد الروم ويفل حدهم، ونقيوس تقع على الضفة الشرقية لفرع رشيد بالقرب من منوف، وبلغ الروم أن المسلمين يقصدون نقيوس فعزموا على ملاقاتهم قبل أن يعبروا إليها، وتصدى جنود الروم لجيش المسلمين عند (طرنوط) ودارت هناك معركة استبسل فيها الروم، ولكنه سرعان ما انهزموا وولوا مدبرين [٥] . معركة نقيوس. وفكر عمرو في أمره كثيرا، ماذا يفعل؟ هل يترك نقيوس بحاميتها القوية وحصنها المنيع ويستمر في سيره نحو الإسكندرية؟ ولكن ما يمنع الروم إن هو فعل ذلك أن ينقضوا على مؤخرة جيشه ويعكروا عليه صفوه، ويفسدوا خطته؟ وبعد هذا التفكير عزم على أن يعبر النهر، ويهاجم الحصن ومن فيه، وفي الوقت نفسه عزم الروم على المقاومة والدفاع عن نقيوس فخرج قائد الروم (دومنتيانوس) بجنوده وركبوا السفن المعدة للدفاع عن المدينة استعدادا لملاقاة المسلمين.

стр. 12481

كان المسلمون يعتقدون أن الروم لن يخرجوا إليهم، وسيدافعون عن نقيوس من داخل حصنها، ولكنهم فوجئوا بجموع الروم في السفن، فكانت الفرصة التي ينتظرها عمرو دائما، فأمر جنوده أن ينضحوهم بالنبل حتى ألجئوهم إلى ركوب السفن بعد أن تركوها ليواجهوا المسلمين، وظل المسلمون يرمونهم حتى اضطربت صفوفهم، ووهنت عزائمهم وظنوا أن المسلمين سيقتحمون عليهم، فسلموا أنفسهم، وفر القائد بسفينته إلى الإسكندرية لعله يجد فيها ما يمنعه من عدوه، واستولى المسلمون على نقيوس [٦] . وبعث عمرو شريك بن سمى مقدمة لجيشه ليتعقب الفارين، فالتقوا به، واشتبكوا معه، وألجئوه إلى مكان مرتفع من الأرض، فاعتصم به شريكا وأحاطت به الروم من كل جانب، فلما رأى شريك إحاطة الروم به أمر أبا ناعمة مالك بن ناعمة الصدفي - وكان له فرس يقال له أشقر صدف، وكان لا يجاري سرعة - أن يقتحم صفوف الروم وأن يذهب إلى عمرو فيخبره بموقف المسلمين وإحاطة العدو بهم. وركب أبو ناعمة فرسه الأشقر، وأنحط على الروم كالسيل الجارف، وحاولوا صده فلم يستطيعوا، وأخبر مالك بن ناعمة عمرا، فأسرع لنجدة شريك، ولما سمع الروم بقدوم عمرو ولوا مدبرين [٧] .وسمي المكان الذي اعتصم به شريك بعد ذلك باسمه وقيل له: كوم شريك، وهو الآن قرية من قرى مركز حماده. وأنقذ عمرو شريكا وسار بقواته كلها نحو الإسكندرية، وفي الطريق علم بأن الروم قد أعدوا للقائه عند سلطيس، وسلطيس قرية كبيرة تقع في منتصف الطريق بين كوم شريك وبين كريون، وعلى بعد تسعة كيلو مترات من مدينة دمنهور عاصمة البحيرة، واتجه عمرو ليلقى عدوه عند سلطيس، وهناك دارت معركة عنيفة انتهت بهزيمة الروم، وفرارهم إلى كريون. معركة كريون: كريون مدينة قديمة، وصفها ابن حوقل بأنها مدينة عظيمة وجميلة، تقع على ضفتي ترعة الإسكندرية، وكان التجار يركبون منها القوارب إلى الفسطاط صيفا إذا أرتفع ماء النيل.

стр. 12482

كانت مدينة كريون آخر حصن للروم من سلسلة الحصون التي كانت على طول الطريق بين بابليون والإسكندرية، وكان لها شأن عظيم في تجارة القمح، وخطر كبير في الحرب حيث كانت تشرف على الترعة التي تعتمد عليها الإسكندرية في جلب الطعام واستعمال مائها للشرب، ولكن حصونها لم تكن في منعة حصن بابليون أو نقيوس، وكان لكريون حاكم تحت إمرته قوة عسكرية من الفرسان والمشاة [٨] . كانت هزيمة الروم في سلطيس نذيرا يهدد بسقوط الإسكندرية، وكان سقوط الإسكندرية معناه زوال ملك الروم ونهاية أمرهم، من أجل هذا استنفر تيودور قائد الروم الأعظم في مصر قواته، وانضم إليه الشاردون من سلطيس فكانوا قوة لا ترام، وقد اطمأن تيودور إلى نتيجة المعركة لما رأى من قوة حصن كريون، وكان الروم قد رمموه وأعادوا ما انهدم منه، كما كانت ترعة الثعبان المارة غربي الحصن تعتبر تحصينا طبيعيا للمدينة، وهناك ما يزيد من قوة كريون، ويجعلها قادرة على المواجهة والصمود ذلك أن الإمدادات تصل إليها بسهولة من الإسكندرية، وتدفقت قوات الروم من كل جهة لتعزز قوات القائد تيودور فأقبلوا من سخا ومن خيس وبلهيب لتزيد من بأس قوات الروم، وتمكنها من مواجهة الفاتحين [٩] . التقى المسلمون والروم في كريون، ودارت المعركة قوية عنيفة بصورة لم تعرف في المعارك السابقة، واستمر القتال إلى الليل، ولم يعقد النصر لأحد الفريقين، ومع تنفس الصبح في اليوم التالي بدأت المعارك أشد منها بالأمس، وزاد في ضراوتها شعور الروم بانهيار دولتهم إذا هم انهزموا وخلص المسلمون إلى الإسكندرية، وزاد ثبات الروم من شعور المسلمين بوجوب مضاعفة همتهم وشد عزيمتهم، ولم تنته المعركة حتى جن الليل وحجز ظلامه بين المتقاتلين.

стр. 12483

ودامت المعركة على هذا النحو بضعة عشر يوما [١٠] ، تتراوح فيه المعارك بين الفريقين دون أن يتحقق نصر لأحدهما ينتهي به القتال، وأغلب الظن أن الروم قد أظهروا براعة وتفانيا في كريون لم يعرف عنهم من قبل، وقد داخل الخوف قلوب المسلمين من تلك النتيجة المجهولة طوال تلك الفترة التي دارت فيها المعركة حتى أضطر المسلمون لأن يصلوا صلاة الخوف، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمرو بن العاص صلى يومئذ صلاة الخوف [١١] . على أن ضراوة المعركة وشراستها لم توهن المسلمين، ولم تقلل من حماسهم، بل قد زادتهم قوة على قوتهم وحماسا فوق حماسهم حتى روى المؤرخون أن عمرو بن العاص كان قد سلم اللواء لوردان مولاه، وجعل على المقدمة ابنه عبد الله، وقد أصيب عبد الله ابن عمرو بن العاص يومئذ بإصابات بليغة حتى أخذ دمه يسيل من أنحاء جسمه، فلما اشتدت به جراحه قال: ياوردان لو تقهقرت قليلا نصيب الروح. قال وردان، وهو يتقدم: وقد هيجه الشوق إلى الجنة، فرأى أنها لا تنال إلا بالتقدم وكأنه تمثل قول الشاعر: لنفسي حياة مثل أن أتقدم تأخرت استبق الحياة فلم أجد لهذا قال لعبد الله: الروح تريد؟ الروح أمامك، وليس خلفك [١٢] . وهنا هزت هذه الكلمات قلب عبد الله، فاندفع يقاتل عدو الله غير عابئ بما ينزف منه من دماء، وما يلم به من آلام، إن ريح الجنة قد هبت نسماتها، وإن حورها قد تهيئن لإستقبال الشهداء، وولدانها قد استعدوا لاستقبال النزلاء فهل هناك روح غير هذا؟ إنه الروح الحقيقي الذي أخبر عنه القرآن الكريم ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ (الواقعة الآية: ٨٨،٨٩) وعلم عمرو بما أصاب ولده من الجراح فأرسل إليه رسولا يسأله عن جراحه، فقال عبد الله: رويدك تحمدي أو تستريحي أقول لها إذا جشأت وجاشت

стр. 12484

فرجع الرسول إلى عمرو ويحمل له إجابة ابنه، فسر عمرو وقال: هو ابني حقاً [١٣] . وشد المسلمون على الروم شدة أزالتهم عن مواقعهم، وحطمت معنوياتهما، وقضت على ما تبقى لديهم من الصبر، فولوا الأدبار لا يلوون على شيء وقتل منهم المسلمون مقتلة عظيمة [١٤] . وفر من نجى منهم من الموت إلى الإسكندرية يلتمس في حصونها النجاة من سيوف المسلمين. فتح الإسكندرية: لجأ المنهزمون في كريون إلى الإسكندرية، المعقل الأخير في مصر لدولة الروم وكانت حصون الإسكندرية لا ترام، حصن دون حصن، وكانت الإسكندرية نفسها روعة في الجمال، وآية من آيات الله في هذه الدنيا، فيها من القصور والمسلات، والكنائس والمعابد والعمائر والقلاع والمنارات والتماثيل ما يأخذ بلب كل من يراها، ولا يزيد الناظر إليها إلا سحراً وعجباً. لقد كانت الإسكندرية في ذلك العهد أجمل مدائن العالم وأبهاها، ولم يكن هناك من عواصم العالم ما يضارعها سحرا وفتنة، فليست دمشق بغوطتها وبساتينها وأنهارها إلا ضاحية من ضواحيها، وليست القدس وما حوت من مقدسات إلا معبدا من معابدها، وما إنطاكية بجبالها الشواهق، وبساتينها الفيحاء ومعابدها المقدسة إلا حيا من أحيائها، بل ما المدائن وأبيض كسرى يختال في ربوعها إلا نفحة من نفحات سحرها وجمالها. رأى المسلمون الفاتحون ذلك كله بأعينهم حين أشرفوا على أسوارها، فاستولى عليهم العجب وأخذتهم الدهشة، وشدهم الشوق إلى اقتحام تلك الأسوار الشاهقة، ومباغتة هذه الحصون المنيعة. أجال عمرو نظره في أطراف المدينة، ليضع خطته على أساس سليم، وليقدر للأمر ما يحتاج إليه من تدبير فوجد المدينة محصنة تحصينا طبيعيا يزيدها مناعة وصموداً، فالبحر المتوسط يحميها من الشمال، وبحيرة مريوط تقيها هجمات الغازين من الجنوب، وترعة الثعبان تلتف حولها من الغرب، وحصونها الشامخة تحيطها من الشرق.

стр. 12485

ولم تكن هذه التحصينات الطبيعية لتحول بين عمرو وبين ما عزم عليه من فتح الإسكندرية، فقد كان يرى أن انتصارات المسلمين المتوالية أكبر مشجع للمسلمين على اقتحام تلك الموانع، وتذليل هذه العقبات، كما كان يحس بفراسته أن هزيمة الروم في كريون لا بد أن تكون قد تركت في قلوب المحاربين من الهلع والفزع ما يجعلهم ينهارون لأول وهلة من الهجوم الذي يشنه المسلمون، لهذا كله أمر عمرو بالهجوم على المدينة، واقتحام أسوارها المكينة. ولكن الروم كانوا قد أعدوا للأمر عدته، وكأنهم كانوا يتوقعون هجوم المسلمين على مواقعهم فنصبوا المجانيق فوق الأسوار، ولم يكد المسلمون يقتربون منها حتى سقط عليهم وابل من الحجارة الضخمة التي ألقتها المجانيق على صفوف المهاجمين، فأوقعت فيهم إصابات خطيرة وعلى الفور أمر القائد بالتراجع إلى ما وراء مرمى المجانيق. وتراجع المسلمون إلى جهة الشرق، وهناك ضربوا معسكرهم ما بين حلوة إلى قصر فاروس [١٥] ، وكان هذا القصر قلعة بناها الفرس عندما حاصروا الإسكندرية، وأخذ رؤساء القبط الذين صحبوا المسلمين يمدونهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والعلوفة [١٦] . وأقام عمرو في هذا المكان شهرين [١٧] ، راجيا أن يخرج له الروم في معركة مكشوفة، حتى يستطيع منازلتهم والإيقاع بهم، ولكن أحدا لم يخرج إليه، بل لم يجرؤ جند الروم على مغادرة حصونهم. وانتقل المسلمون من مكانهم الذي اختاروه، وضربوا فيه معسكرهم إلى مكان آخر يسمى المقس حيث لا جدوى من المقام بمكان لا يستطيع المسلمون فيه الإلتقاء بعدوهم والدخول معه في معركة فاصلة، وكان هناك أمر آخر ينبغي على القائد مراعاته ذلكم هو ما يصيب الجنود من الملل والكسل حين يطول بهم الوقوف دون أن يدخلوا في معركة، أو ينشطوا في عمل جاد.

стр. 12486

لهذا وغيره فكر عمرو في التحول من مكانه الأول إلى المكان الجديد، وهو بهذه الحركة يضرب عصفورين بحجر واحد كما يقولون، فهو من جهة ينشط جنوده ويبعث في نفوسهم الأمل في ملاقاة عدو تأهبوا لقتاله، ومن جهة أخرى ينشر الرعب في القرى الواقعة بين قصر فاروس والمقس (أم دنين) حتى لا يفكروا في التمرد على الجيش الفاتح أو في مساعدة جيش الروم وإمداده بما يحتاج إليه. وأمام حصون الإسكندرية الرابضة شرقيها ترك عمرو حامية ليظل الحصار قائما ولئلا يظن الروم أن المسلمين عجزوا عن فتح الإسكندرية، وردوا عنها خائبين. وتوجه عمرو ببقية الجيش نحو الشمال يريد المقس، وبينما هو يسير خرجت عليه من ناحية البحيرة كتيبة من الخيالة، واتخذت الحصن لها ستارا، فأوقعت بالمسلمين على غرة فقتلت منهم أثنى عشر رجلا عند كنيسة الذهب [١٨] . واحتاط عمرو لأمثال تلك المباغتة حتى لا يلدغ مرتين، ومشى بالجيش حتى نزل عند المقس، ومن هناك قسم الجيش إلى كتائب، وجعل على كل كتيبة رجلاً من رجاله الشجعان، وبعث بهم إلى جهات مصر المختلفة ليفتحوها وتصير الأرض كلها أرض خراج. فوجه عبد الله بن حذافة السهمي إلى عين شمس فغلب على أرضها وصالح أهل قراها على مثل حكم الفسطاط، ووجه خارجة بن حذافة العدوي إلى الفيوم والأشمونين والبشرودات وقرى الصعيد ففعل مثل ذلك، ووجه عمير بن وهب الجمحي إلى تينس ودمياط وتونه ودميره وشطا ودقهلة وبنا وبوصير ففعل مثل ذلك، ووجه عقبة بن عامر الجهني، ويقال: وردان مولاه إلى سائر قرى أسفل الأرض ففعل مثل ذلك، فاستجمع عمرو ابن العاص فتح مصر فصارت أرضها أرض خراج [١٩] .

стр. 12487

وبذلك دانت أرض مصر كلها للمسلمين، وخضعت لسلطانهم، واطمأن أهل مصر للفاتحين الجدد وإن كانوا لا يزالون على حذرهم وحيطتهم، فكم جربوا قبلهم من الغزاة، ولم يجدوا عند أحد منهم ما يشجعهم على التفاؤل أو يشير إلى أنهم سيمنحون أصحاب البلاد حقهم في حكم أنفسهم والمشاركة في خيرات بلادهم، فقد غزاهم الهكسوس في القرن الثامن عشر قبل الميلاد واستأثروا بحكم البلاد وخيراتها وسخروا المصريين لخدمتهم، وفي عام ٣٣٢ قبل الميلاد غزاهم البطالسة (الإغريق) بقيادة الإسكندر المكدوني فقضى على الفراعنة، وأسس الإسكندرية واتخذها القائد بطليموس عاصمة، وانفرد بحكم البلاد هو ومعاونوه من الغزاة ونسوا أن للبلاد سكانا أصليين ينبغي أن يؤخذ رأيهم في حكم بلادهم، ثم جاء الرومان، وكرروا المأساة نفسها، وهاهم أولاء يسيمون الشعب المصري صاحب البلاد ألواناً شتى من الاضطهاد وتغلب الفرس على الروم واحتلوا مصر عشر سنوات فلم يكونوا خيراً ممن سبقهم، ثم عاد الرومان فساروا سيرتهم الأولى. فهل يكون العرب الفاتحون خيراً من هؤلاء جميعا، لم يخطر ببال المصريين وقد مروا بهذه التجارب كلها أن يكون هناك غزاة خيرا من غزاة أو محتلون أفضل من محتلين، ومن أين تأتي تلك الخيرية؟ وما الذي يفضل هؤلاء على أولئك؟ أليسوا جميعا غزاة يدفعهم إلى الغزو حب التسلط والغلبة؟ أوليسوا جميعا محتلين لم يخرجهم من بلادهم إلى الطمع فيما وراء الإحتلال من تسخير أصحاب البلاد التي احتلوها ليكونوا لهم عبيدا، واستغلال ثروات البلاد لمآربهم الشخصية ومطامعهم الذاتية؟. لا فرق إذاً بين عربي وعجمي فكلهم يسيرون في اتجاه واحد، وسائلهم واحدة الحرب والدمار، وغايتهم واحدة التسلط والاستغلال، ولا أمل في طائفة منهم يحقق للشعوب المغلوبة حريتها، ويثبت لها ذاتيتها.

стр. 12488

على أي حال كان على الشعب المغلوب على أمره أن يصبر حتى تنفرج الأزمة وتنكشف الغمة وتنتهي المعركة، وما أشق ساعات الانتظار على النفس، وما أطول ما تمضي دقائقها بطيئة متعثرة، وما أكثر الهواجس التي تلم بتفكير الإنسان في لحظات الانتظار. وكانت ساعات حرجة مرت بالشعب البائس الذي طالما استعبدته الشعوب المتغلبة، ولا يدري أحد ماذا كان يدور برؤوس الناس هناك، هل كانوا يتمنون انتصار الروم ولو أذاقوهم سوء العذاب إبقاء على دينهم، وعصبية لعقيدتهم؟ ولكن هل ترك لهم الروم دينهم حسبما آمنوا به؟ ألم يجبروهم على التخلي عن مذهبهم ليدخلوا في مذهب الملك الغالب؟ فلماذا إذاً يتمنون انتصار الروم؟ هل تظن أنهم كانوا ينتظرون انتصار المسلمين ليتخلصوا من ظلم الروم ولو حين؟ ولكن من يضمن لهم أن المسلمين سيكونون خيرا من غيرهم؟ فلا داعي كذلك لتمني انتصار المسلمين. لهذا كله وقف قبط مصر من المعركة موقف الحذر المتربص ينتظر، من سيكون سيد الموقف وعلى من تدور الدائرة، ورأى أن من الخير له ألا يظهر تأييده لأحد الفريقين فقد تأتي الرياح بما لا يشتهى السفن، وحينئذ لا ينفع الندم. استتب الأمر للمسلمين في الوجهين القبلي (مصر العليا) والبحري (مصر السفلى) كما استقر لهم في مصر الوسطى (الفسطاط) ، وفكر عمرو في العودة إلى الإسكندرية ليتمم فتحها، وفي الوقت نفسه فكر الروم في تزويد المدينة بكل ما تحتاج إليه لتستطيع التصدي لهجمات المسلمين المنتظرة، فكانت المراكب تفد إِلى الإسكندرية من قبل ملك الروم دون أن يمنعها مانع فقد كان البحر المتوسط يومئذ خاضعاً لسلطان الروم دون منافس حتى أطلق عليه مؤرخو تلك الفترة بحر الروم، وكانت تلك المراكب تحمل الجنود والعتاد، والمؤن والزاد، حتى أصبحت الإسكندرية وكأنها مستودع للرجال والتموين، وأصبح أهلها في منعة من عدوهم، فزادهم ذلك تشبثا بالدفاع عنها والتضحية لإنقاذها.

стр. 12489

وزاد الروم حماسا في الدفاع عن الإسكندرية أن هرقل نفسه قد عزم على الدفاع عنها، وأمر بإعداد ما يلزم ليسير إلى الإسكندرية ويباشر القتال بنفسه، كما أمر بألا يتخلف عنه أحد من الروم، وقال: ما بقاء الروم بعد الإسكندرية؟ [٢٠] . ووقف المسلمون أمام الإسكندرية يتحينون الفرصة لفتحها، ودارت أثناء ذلك مناوشات بين الفريقين لم تصل إلى درجة الحرب، ولا نستطيع أن نسميها معركة، فقد روى ابن عبد الحكم أن فريقا من الروم خرج من باب الحصن، وحمل على المسلمين، فقتل رجلاً من مهرة، واحتز رأسه، فغضب المهريون لذلك، وقالوا لا ندفنه إلا برأسه. فقال عمرو بن العاص: تتغضبون كأنكم تتغضبون على من يبالي بغضبكم، احملوا على القوم إذا خرجوا، فاقتلوا منهم رجلا، ثم ارموا برأسه، يرمونكم برأس صاحبكم، فلما خرج الروم للقتال، قتل المسلمون بطريقا من بطارقتهم، واحتزوا رأسه، فرموا به إلى الروم فرمت الروم برأس المهري إليهم. فقال عمرو: دونكم الآن، فادفنوا صاحبكم [٢١] . وظل الحال على ذلك بين المسلمين وحامية الإسكندرية، فكلما خرجت طائفة من الروم تصدى لها المسلمون، واشتبكوا معها حتى يردوها على أعقابها، ويجبروها على اللجوء إلى الحصون تمتنع بهاء، ويبدو أن الروم قد ضاقت صدورهم بهذا الحصار، وصمموا على فض هذا الموقف مهما كان الثمن ومهما كانت النتائج، وقد زادهم ثقة بأنفسهم، وأقنعهم بقدرتهم على التفوق على المسلمين تلك الإمدادات الهائلة التي كانت تتدفق على الإسكندرية من البحر، والتي أمر هرقل بجمعها ليسير بها إلى الإسكندرية.

стр. 12490

وقد بلغت قوات الروم خمسين ألف مقاتل [٢٢] مدججين بالسلاح، مستعدين للقتال وقد وقفوا ينتظرون قدوم هرقل ليقودهم في تلك المعركة الفاصلة ولكن الله كان في عون المسلمين، وقد سبقت مشيئته – سبحانه - بنصرهم، فهم جنوده الذين يحملون دعوته، وهم رسل الهداية للناس المدافعون عن دينه، وما كان الله ليتخلى عن عباده، ولم يكن - جل وعلا - ليتركهم لأعدائه. وبينما الروم في انتظار هرقل بفارغ الصبر لينهي هذا الحصار الذي ضاقت به نفوسهم وبينما هم ينظرون إلى الأفق البعيد من جهة الشمال لعلهم يبصرون ما يدل على قرب وصول الملك إذ رأوا رسولا قادما عليهم، فخرجوا به، وظنوا أنه مقدمة الملك الذي سبقه ليبشرهم بقرب وصوله، ويطمئنهم على النتيجة بما جلبه معه الملك مما يضمن لهم النصر الذي غاب عنهم في كل المعارك السابقة، ولم يكد جند الروم يلتفون حول الرسول ليتعرفوا منه أخبار هرقل حتى فاجأهم بنبأ وقع عليهم وقوع الصاعقة، ولم يجدوا عنده ما يشجعهم على الإستمرار في المقاومة والإصرار على الدفاع عن الإسكندرية. لم يكن هذا الرسول إلا ناعيا نعى إليهم ملكهم الذي كانوا يرجون النصر على يديه، فما عساهم يفعلون؟ لقد سقط في أيديهم، وانقطع الأمل الذي كانوا به يتعلقون، وخارت قوى القوم فلم يستطيعوا صبراً ولا نصراً، ولكنهم مع ذلك لم يستسلموا. وأراد المقوقس أن يعقد للإسكندرية صلحا كالذي عقده لأهل بابليون، ولعله أراد أن يظفر بذلك الصلح قبل أن يبلغ المسلمين نبأ وفاة هرقل، ولكن عمرا أحس بأن هذا العرض من المقوقس لا يكون إلا نتيجة تخاذل وشعور بالضعف، فرفض عمرو الصلح، وحينئذ حاول المقوقس أن يخدع المسلمين، فأمر النساء بلبس السلاح والوقوف على أسوار المدينة مقبلات بوجوههن إلى الداخل، وأقام الرجال في السلاح مقبلين بوجوههم إلى المسلمين، يريد بذلك أن يرهب المسلمين.

стр. 12491

ولعل عمراً أدرك بفراسته العسكرية أن من تكون له هذه القوة لا يطلب الصلح، ولعله كشف الخديعة بهذا الحس العبقري، ولو أضفنا إلى ذلك إدراك المسلمين دائما للحقيقة الني لا تغرب عن بالهم وهي أنهم لا يغلبون بقوة ولا كثرة، ولا ينتصرون بعدد ولا عدد، وإنما يغلبون عدوهم بنصر الله لهم مهما قل عددهم وكثر عدوهم. يمكننا أن نقوله إن عمرا رفض الصلح مع المقوقس في الوقت الذي كان المسلمون في حاجة ملحة إليه لتأكده أن الإسكندرية أصبحت في حالة لا يمكنها معها المقاومة والصمود، لهذا كتب إلى المقوقس "إنا قد رأينا ما صنعت، وما بالكثرة غلبنا من غلبنا، فقد ليقنا هرقل ملككم فكان من أمره ما كان"فقال المقوقس لأصحابه: قد صدق هؤلاء القوم، أخرجوا من دار مملكته حنى أدخلوه القسطنطينية، فنحن أولى بالإذعان، فأغلظوا له القول، وأبوا إلا المحاربة [٢٣] . كان الروم يعتقدون أن ما لديهم من السلاح والرجال والتموين كاف لصد المسلمين، بل كانوا يعتقدون أكثر من ذلك، كان يعتقدون أن القسطنطينية ستظل تمدهم بما يلزمهم من الذخيرة والرجال والطعام وهم لا يريدون أكثر من ذلك للتصدي لزحف المسلمين وإيقاف تحركهم نحو المدينة لهذا سفهوا رأي المقوقس، وأغلظوا له القول، وأبو إلا المحاربة. ولكن سرعان ما خاب أملهم، وفشلت خطتهم، حيث انقطعت الإمدادات، وكاد ما بأيديهم أن ينفذ، وراحوا يستمدون العاصمة دون جدوى، فقد كانت العاصمة في حاجة لمن يمدها ليخلصها من الفوضى التي أصابتها بعد موت هرقل، بل كان القصر نفسه في مسيس الحاجة إلى من ينقذه من الإضطراب المستعر في داخله، والدسائس التي كانت تحاك تحت سقفه.

стр. 12492

أحست حامية الإسكندرية بكل ذلك، وأدركت أنها أصبحت في موقف حرج لا تحسد عليه، ولعلها ندمت على خطئها حين رفضت ما عرض المقوقس عليها من أمر الصلح، ولا شك أنها أيقنت بما سيحل بها من الدمار والخراب نتيجة لإنقطاع المدد، وقلة الطعام، وتفش الأوجاع والآلام في الوقت الذي ينعم فيه المسلمون بحرية الحركة، وتوفر الميرة، وعظيم الثقة في نصر الله. كان ذلك كله يدور حول الإسكندرية في الوقت الذي كان الخليفة في المدينة ينتظر أخبار المعركة ويتلهف إلى استماع أنبائها، ولما لم يصل إليه شيء عن ذلك، واستبطأ الأمر، كتب إلى عمرو: "أما بعد فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، إنكم تقاتلون منذ سنتين وما ذاك إلا أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، فإن الله ﵎ لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف إلا أن يكون غيرهم ما غير غيرهم. فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس، وحثهم على قتال عدوهم، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعا أن يكون لهم صدمة واحدة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم" [٢٤] . إن كتاب الخليفة يدل دلالة صادقة على مدى ضيقه بتأخر النصر، إن هؤلاء الجنود هم هم الذين فتح الله على أيديهم أمنع الحصون وأقوى المعاقل، ودعم به الجهاد وقواه، وهم هم الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الله، وخرجوا من بلادهم لا يبتغون إلا وجه الله، وتركوا نسائهم وعيالهم لينصروا دين الله، فما بال النصر يتأخر عليهم هكذا؟ وما بال الإسكندرية تستعصي عليهم فلم يستطيعوا فتحها.

стр. 12493

وحق للخليفة أن يستبطئ النصر فقد مكث المسلمون أمام الإسكندرية أشهراً [٢٥] ، دون أن يستطيعوا اقتحامها، وقد طالت هذه الأشهر حتى بلغت عند البلاذري ثلاثة أشهر [٢٦] وأما ابن عبد الحكم فقد ذكر أن الحصار استمر أربعة عشر شهرا: خمسة أشهر قبل موت هرقل وتسعة بعده [٢٧] وبلغت مدة الحصار عند بتلر أربعة أشهر وأياما، وذلك لأنه ذكر أن الحصار بدأ في آخر شهر يونيو سنة ٦٤١ م وأن المدينة فتحت في ٨ نوفمبر سنة ٦٤١ م ويذكر القضاعي أن حصارها دام ستة أشهر [٢٨] . والذي يظهر أن رأي بتلر هو الصواب في تلك المسألة، ذلك لأن أمير المؤمنين كتب في كتابه إلى عمرو "إنكم تقاتلون منذ سنتين"فإذا لاحظنا أن عمرو بن العاص وصل إلى العريش في ديسمبر سنة ٦٣٩ م كما ذكرت سالفا وأن الإسكندرية فتحت في نوفمبر سنة ٦٤١ م كانت مدة الحصار تلك الأشهر الأربعة التي ذكرها بتلر مضافا إليها ما زاد من الأيام. وكان من حق الخليفة أن يستبطئ الفتح لأن جيوش المسلمين قد فتحت بلاد الشام كلها في سنتين، فكيف لا يستطيعون فتح مصر في سنتين، ويظهر لي أن الخليفة قد استبطأ النصر في تلك المدة التي ذكرها، ولم يكن استبطاؤه لفتح الإسكندرية وحدها ولذا قال لأصحابه يوماً وهو جالس بينهم: "ما أبطأوا في فتحها إلا لما أحدثوا" [٢٩] . تناول عمرو بن العاص كتاب الخليفة، وأطال التفكير فيه، وظل يفكر حتى استلقى على ظهره، ثم جلس فقال: إني فكرت في هذا الأمر فإذا هو لا يصلح آخره إلا من أصلح أوله، ثم دعا بعبادة بن الصامت فعقد له اللواء وأمره على الناس. ويبدو أن هذا التفكير من عمرو- ﵁ قد صادف موافقة المشورة من مسلمة بن مخلد فإن ابن الحكم يروي أن عمراً أستشار مسلمة بن مخلد، وقال له: أشر علي في قتال هؤلاء.

стр. 12494

فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله ﷺ فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيك. قال عمرو: ومن ذلك؟ قال مسلمة: عبادة بن الصامت. فدعا عمرو عبادة، فأتاه وهو راكب على فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك إن نزلت، ناولني سنان رمحك، فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه، وعقد له، وولاه قتال الروم [٣٠] . وجمع عمرو المسلمين وقرأ عليهم كتاب الخليفة ودعا الأربعة الذين أخبره عمر أنهم مقام أربعة آلاف، فقدمهم أمام الناس، وأمر الجميع بأن يتطهروا، ويصلوا ركعتين ثم يرغبوا إلى الله- ويسألوه النصر، ففعلوا [٣١] . وقاد عبادة المسلمين، ودار قتال عنيف بين الطائفتين انتهى بفتح الإسكندرية وهزيمة الروم في اليوم الذي تولى فيه عبادة أمر القتال. لا شك أن هزيمة الروم في الإسكندرية كانت آية من آيات الله أظهرها على يد أصحاب رسول الله- ﷺ وإلا فكيف يستطيع المسلمون اقتحام تلك الأسوار، وتخطي هذه الحصون، والتغلب على المتحصنين؟ إن المجانيق لا تنال منها أي منال، وإن ما يملك المسلمون من السهام والنبال لا تغني عن أصحابها شيئا أمام تلك الرواسي الشامخات، ولقد شاء الله – ﵎ – أن يموت هرقل في تلك اللحظات الحرجة، وأن يضطرب البلاط اضطراباً يعطل تفكير العاملين فيه حتى إنهم لا يفكرون إلا في أنفسهم، وما سيئول إليه أمرهم، فأين الإسكندرية من هذا التفكير؟ وماذا تكون حاميتها في معمعة تلك العواصف الهوج؟ فلتذهب الإسكندرية مع الريح، ولتمت حاميتها فليست عندهم أعز من أنفسهم. أفيظن أحد والبلاط يغلى غليان القدر، والمؤامرات تحاك في ظلام سراديبه، وذوو الرأي فيه يفكرون في مصيرهم، أفيظن أحد والحالة هذه أن تمد الإسكندرية بشيء من المدد مهما قل عدده، أو خف حمله وبخس ثمنه؟؟.

стр. 12495

لقد سبب موت هرقل انقطاع المدد عن الإسكندرية، فوهن عزم المدافعين عنها، وانهارت معنوياتهم فلم يعد هناك مجال للمقاومة والعناد، ولا شك أن هذه الأخبار تسربت إلى المسلمين ولو عن طريق حراس الأبواب الذين كانوا يتصلون بالمسلمين، ويتبادلون معهم الأحاديث، فألح المسلمون في القتال، ويئس المدافعون من النصر فالقوا بأيديهم، واستسلموا لسيوف المسلمين ولم تكن إلا جولة واحدة حتى تم النصر للمسلمين. كيف تم هذا النصر؟ بل كيف تمكن المسلمون من اقتحام الأسوار والحصون؟ هل استسلم الروم وفتحوا المدينة أمام ضغط الظروف والأوضاع السيئة التي أحاطت بهم أم فتح أحد الحراس بابه للمسلمين فدلفوا منه؟ لم يشر أحد من المؤرخين إلى شيء من ذلك وليس هناك من يستطيع أن يجزم بشيء منه. ولكننا نستطيع أن نستنبط استنباطا أن حماة الإسكندرية لما يئسوا من مجيء المدد، وهددتهم المجاعة وهم في حصونهم، لم يكن هناك دوافع تجعلهم يستمرون في المقاومة أو حوافز تغريهم بالصمود فآثروا السلامة، ودبروا للهرب، يقول ابن عبد الحكم: فلما هزم الله – تعالى - الروم. وفتح الإسكندرية هرب الروم في البر والبحر [٣٢] . ومما يؤيد هذا أن المؤرخين الذين اسهبوا في وصف الفتوحات الأخرى، وذكروا دقائق الأمور وجلائها وتحدثوا عن بطولات المسلمين وصمود أعدائهم، لم يتناولوا فتح الإسكندرية بشيء من التفصيل، ولم يتكلموا عن فتحها بأكثر من كلمات تكاد تكون واحدة جرت على ألسنتهم، ونقلها بعضهم عن بعض، وإذا دل ذلك على شيء فإنما يدل على أنه لم تدر معارك يمكن وصفها والإسهاب في نقل أحداثها، وإنما كانت جولة هرب بعدها الروم في البر والبحر، ولعل الروم خرجوا من حصونهم، وافتعلوا تلك المعركة ليجدوا سبيلاً للهرب، وإلا فكيف يهربون وهم محاصرون في داخل الحصون والأسوار؟

стр. 12496

وتم فتح الإسكندرية يوم الجمعة مستهل شهر محرم سنة ٢١ هـ وبلغ عدد شهداء المسلمين اثنين وعشرين رجلا [٣٣] . وبعث عمرو بن العاص معاوية بن خديج إلى عمر بن الخطاب يبشره بفتح الإسكندرية، وقال معاوية لعمرو: ألا تكتب معي؟ فقال عمرو: ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة، وما رأيت وحضرت؟ فما أصنع بالكتاب؟ ولما قدم معاوية على عمر، وبشره بالفتح خر عمر ساجداً شكراً لله، وقال: الحمد لله [٣٤] . قال معاوية بن خديج: بعثني عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية، فقدمت المدينة في الظهيرة فأنخت راحلتي بباب المسجد، فبينا أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب، فرأتني شاحبا على ثياب السفر، فأتتني فقالت: من أنت؟ قلت: معاوية بن خديج رسول عمرو بن العاص. فانصرفت عني، ثم أقبلت تشد، أسمع حفيف إزارها على ساقها حتى دنت مني. فقالت: قم فأجب، أمير المؤمنين يدعوك، فتبعتها، فلما دخلت فإذا عمر بن الخطاب يتناول ردائه بإحدى يديه، ويشد إزاره بالأخرى، فقال: ما عندك؟ قلت: خير يا أمير المؤمنين، فتح الله الإسكندرية. فخرج معي إلى المسجد، فقال للمؤذن: أذن في الناس، الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، ثم قال لي: قم فأخبر أصحابك، فقمت فأخبرتهم. ثم صلى، ودخل منزله، واستقبل القبلة، فدعا بدعوات، ثم جلس. فقال: ياجارية، هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت. فقال: كل. فأكلت على حياء. ثم قال: ياجارية، هل من تمر؟ فأتت بتمر في طبق. فقال: كل، فأكلت على حياء. تم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: أمير المؤمنين قائل. قال: بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعين الرعية، ولئن نمت بالليل لأضيعين نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟؟ [٣٥] .

стр. 12497

ولما فتح الله الإسكندرية، وهرب الروم في البر والبحر، أخذ عمرو يتعقب الهاربين في البر ليقضي عليهم خشية أن يتجمعوا ويكيدوا للمسلمين، وكان قد ترك بالإسكندرية حامية ترابط فيها لئلا ينقض الروم، ولكن تلك الحامية لم تكن كافية للدفاع عن المدينة، حيث كان تعدادها ألف رجل [٣٦] ، ولهذا لما أحس الروم بمطاردة عمرو للهاربين في البر، عاد الهاربون في البحر إلى الإسكندرية، وقتلوا من كان فيها من المسلمين إلا من استطاع الهرب [٣٧] . وعلم عمرو بما حدث للمسلمين على يد الروم، فعاد على الفور، واقتحم المدينة، وفتحها بالسيف وكتب إلى عمر بن الخطاب، أما بعد، فإن الله فتح علينا الإسكندرية عنوة قسراً بغير عهد ولا عقد [٣٨] . وبعث برسالة أخرى يصف فيها الإسكندرية، فقال: أما بعد، فإني فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية وأربعمائة ملهى للملوك [٣٩] . ومن هذا الوصف المختصر لوضع الإسكندرية نقف على مدى ما كان فيها من التقدم العمراني والحضاري، وما كانت تزخر به من ألوان الفنون والمعارف، وما كانت تمتاز به من الوضع الاقتصادي المزدهر. لقد كان في الإسكندرية سوى ما جاء في خطاب عمرو اثنا عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر ورحل منها قبل فتحها سبعون ألف يهودي، وكان يسكنها من الروم مائتا ألف رجل، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، استعملها الروم في الهرب بحراً، فحملوا فيها ثلاثين ألف شخص مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وأحصى من بقى فيها بعد فرار الفارين ممن ضربت عليهم الجزية فبلغوا ستمائة ألف رجل سوى النساء والصبيان [٤٠] . وأراد عمرو أن يتخذ الإسكندرية مقراً للحكم، وقال: "مساكن قد كفيناها".

стр. 12498

وكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، يستأذنه، فسأل عمر الرسول، هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل. فكتب عمر إلى عمرو، إني لا أحب أن تنزل المسلمين منزلاً يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف. فتحول عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط [٤١] . ولما هم عمرو بمغادرة الإسكندرية استخلف عليها عبد الله بن حذافة السهمي، ومعه جماعة من المسلمين لحمايتها، ورد العدو عنها إذا حاول غزوها، ولكن الروم الذين كانوا بالإسكندرية نظروا إلى المسلمين فإذا هم قلة لا يستطيعون دفعا ولا نصرا. فأغرتم قلة المسلمين، وأثارت الحماس في نفوسهم حياة الذل التي يعيشونها في الإسكندرية بعد أن ضربت عليهم الجزية، فكتبوا بذلك كله إلى قسطنطين بن هرقل الذي تولى أمر الروم بعد وفاة أبيه. ولم تكد رسالة أهل الإسكندرية تصل إلى قسطنطين حتى عبأ ثلاثمائة مركب بالرجال والسلاح، وأسند قيادة تلك الحملة إلى منويل الخصي، واتجه منويل بجيشه نحو الإسكندرية وانضم إليه من كان مقيما بها من الروم [٤٢] ، وقتل من بها من المسلمين إلا من استطاع الهرب [٤٣] .

стр. 12499

وبلغ عمرو ما حدث فرجع من فوره، فلما بلغ الإسكندرية وجد جيش الروم قد خرجوا منها يعيثون في القرى المجاورة لها فسادا، وهناك التقى الفريقان ورشق الروم المسلمين بالنشاب، وتترس المسلمون منهم، ثم التحمت الحرب بينهما، وشد عليهم المسلمون شدة رجل واحد، فاقتتلوا قتالا شديداً، فانهزم الروم وولوا الأدبار، فلم يكن لهم ناهية ولا عرجة دون الإسكندرية، فتحصنوا بها، ونصبوا العرادات، وقاتلهم عمرو على أبواب الإسكندرية، ونصب المجانيق، وضرب بها أسوارها حتى نال منها، ولا زال يقصفها حتى وهنت قوة الروم، وألح عليها حتى دخلها عنوة بالسيف فقتل المقاتلين، وسبى الذرية، وهرب بعض رومها إلى الروم، وقتل عدو الله منويل وهدم عمرو أسوارها، وكان قد نذر لئن فتحها ليفعلن ذلك [٤٤] . وكتب عمرو إلى الخليفة، إن الله فتح علينا الإسكندرية عنوة بغير عقد ولا عهد، فرد عليه عمر يقبح رأيه، ويأمره ألا يجاوزها [٤٥] . وألح المسلمون على عمرو ليقسمها بينهم، وأبى عمرو حتى يستشير الخليفة ورفض الخليفة التقسيم، وقال لعمرو: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين، وقوة لهم على جهاد عدوهم [٤٦] . وكانت هناك قرى ظاهرت الروم، وأعانوهم على المسلمين، وتلك القرى هي: سلطيس ومصيل وبلهيب، والخيس وقرطسا وسخا، فلما انتصر المسلمون استحلوا أهل هذه القرى، وقالوا، هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية [٤٧] . وكتب عمرو إلى أمير المؤمنين يخبره بما أراد المسلمون بأهل القرى، وعلم أمير المؤمنين بأن للقوم عهدا سابقا، فأمر عمرا بأن يجعل هذه القرى ذمة للمسلمين كما فعل بالإسكندرية، ونهى أن يتخذ أهلها فيئا وعبيدا [٤٨] ، وأمر كذلك برد سباياهم وبتخيير أهلها بين الإسلام وبين دينهم، فمن أسلم فهو من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن اختار دينه خلى بينه وبين قريته، وكتب الخليفة بذلك كتاباً إلى عمرو بن العاص قال فيه:

стр. 12500

(أما بعد، فإنه جاءني كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصيب من سبايا أرضه، ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلي من فيء يقسم، ثم كأنه لم يكن، فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية على أن تخيروا من في أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه، فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه، فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردهم، ولا نحب أن نصالحهم على أمر لا نفي لهم به) . وبعث عمرو إلى صاحب الإسكندرية يخبره بما أمر به أمير المؤمنين، فأجاب، قد فعلت. فجمع عمرو ما بأيدي المسلمين من الأسرى، وحضر النصارى ليشهدوا التخيير، وأخذ المسلمون يخيرون الأسرى واحدا واحداً، فإذا اختار أحدهم الإسلام كبر المسلمون، وحازوه إليهم، وإذا أختار دين قومه نخرت النصارى، وحازوه إليهم، ويحزن المسلمون لذلك حزنا شديدا، ويضربون عليه الجزية، وظل ذلك دأبهم حتى انتهوا من الأسرى، وكان ممن اختار الإسلام أبو مريم أحد رؤساء النصارى [٤٩] . وأحصى عمرو أهل مصر ممن وجبت عليهم الجزية والخراج فكان مجموع ما جبي منها ألفي ألف دينار [٥٠] أي بلغ مليونين من الدنانير، وقد تم ذلك في عام ٢٣ من الهجرة في نهاية خلافة عمر بن الخطاب – ﵁ وقد بلغ من حرصه على الإسكندرية بعد الفتح الثاني أنه كان يبعث في كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط في الإسكندرية، وكان يوالي ذلك دائما، فلا يغفل عنها، ولا يأمن الروم عليها وظل الأمر كذلك حتى انتقل إلى مثواه الأخير ﵁ وأرضاه في جنات النعيم-. من آداب الداعية جملتها ثلاث صفات: العلم، والورع، وحسن الخلق.
следующие страницы →