Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12496–12535 · переход к 12501.
стр. 12496
وتم فتح الإسكندرية يوم الجمعة مستهل شهر محرم سنة ٢١ هـ وبلغ عدد شهداء المسلمين اثنين وعشرين رجلا [٣٣] .
وبعث عمرو بن العاص معاوية بن خديج إلى عمر بن الخطاب يبشره بفتح الإسكندرية، وقال معاوية لعمرو: ألا تكتب معي؟ فقال عمرو: ألست رجلا عربيا تبلغ الرسالة، وما رأيت وحضرت؟ فما أصنع بالكتاب؟ ولما قدم معاوية على عمر، وبشره بالفتح خر عمر ساجداً شكراً لله، وقال: الحمد لله [٣٤] .
قال معاوية بن خديج: بعثني عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية، فقدمت المدينة في الظهيرة فأنخت راحلتي بباب المسجد، فبينا أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب، فرأتني شاحبا على ثياب السفر، فأتتني فقالت: من أنت؟
قلت: معاوية بن خديج رسول عمرو بن العاص.
فانصرفت عني، ثم أقبلت تشد، أسمع حفيف إزارها على ساقها حتى دنت مني.
فقالت: قم فأجب، أمير المؤمنين يدعوك، فتبعتها، فلما دخلت فإذا عمر بن الخطاب يتناول ردائه بإحدى يديه، ويشد إزاره بالأخرى، فقال: ما عندك؟
قلت: خير يا أمير المؤمنين، فتح الله الإسكندرية.
فخرج معي إلى المسجد، فقال للمؤذن: أذن في الناس، الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، ثم قال لي: قم فأخبر أصحابك، فقمت فأخبرتهم.
ثم صلى، ودخل منزله، واستقبل القبلة، فدعا بدعوات، ثم جلس. فقال:
ياجارية، هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت.
فقال: كل. فأكلت على حياء.
ثم قال: ياجارية، هل من تمر؟ فأتت بتمر في طبق.
فقال: كل، فأكلت على حياء.
تم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟
قال: قلت: أمير المؤمنين قائل.
قال: بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت، لئن نمت النهار لأضيعين الرعية، ولئن نمت بالليل لأضيعين نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟؟ [٣٥] .
стр. 12497
ولما فتح الله الإسكندرية، وهرب الروم في البر والبحر، أخذ عمرو يتعقب الهاربين في البر ليقضي عليهم خشية أن يتجمعوا ويكيدوا للمسلمين، وكان قد ترك بالإسكندرية حامية ترابط فيها لئلا ينقض الروم، ولكن تلك الحامية لم تكن كافية للدفاع عن المدينة، حيث كان تعدادها ألف رجل [٣٦] ، ولهذا لما أحس الروم بمطاردة عمرو للهاربين في البر، عاد الهاربون في البحر إلى الإسكندرية، وقتلوا من كان فيها من المسلمين إلا من استطاع الهرب [٣٧] .
وعلم عمرو بما حدث للمسلمين على يد الروم، فعاد على الفور، واقتحم المدينة، وفتحها بالسيف وكتب إلى عمر بن الخطاب، أما بعد، فإن الله فتح علينا الإسكندرية عنوة قسراً بغير عهد ولا عقد [٣٨] .
وبعث برسالة أخرى يصف فيها الإسكندرية، فقال: أما بعد، فإني فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية وأربعمائة ملهى للملوك [٣٩] .
ومن هذا الوصف المختصر لوضع الإسكندرية نقف على مدى ما كان فيها من التقدم العمراني والحضاري، وما كانت تزخر به من ألوان الفنون والمعارف، وما كانت تمتاز به من الوضع الاقتصادي المزدهر.
لقد كان في الإسكندرية سوى ما جاء في خطاب عمرو اثنا عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر ورحل منها قبل فتحها سبعون ألف يهودي، وكان يسكنها من الروم مائتا ألف رجل، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، استعملها الروم في الهرب بحراً، فحملوا فيها ثلاثين ألف شخص مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وأحصى من بقى فيها بعد فرار الفارين ممن ضربت عليهم الجزية فبلغوا ستمائة ألف رجل سوى النساء والصبيان [٤٠] .
وأراد عمرو أن يتخذ الإسكندرية مقراً للحكم، وقال: "مساكن قد كفيناها".
стр. 12498
وكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، يستأذنه، فسأل عمر الرسول، هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل.
فكتب عمر إلى عمرو، إني لا أحب أن تنزل المسلمين منزلاً يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف.
فتحول عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط [٤١] .
ولما هم عمرو بمغادرة الإسكندرية استخلف عليها عبد الله بن حذافة السهمي، ومعه جماعة من المسلمين لحمايتها، ورد العدو عنها إذا حاول غزوها، ولكن الروم الذين كانوا بالإسكندرية نظروا إلى المسلمين فإذا هم قلة لا يستطيعون دفعا ولا نصرا.
فأغرتم قلة المسلمين، وأثارت الحماس في نفوسهم حياة الذل التي يعيشونها في الإسكندرية بعد أن ضربت عليهم الجزية، فكتبوا بذلك كله إلى قسطنطين بن هرقل الذي تولى أمر الروم بعد وفاة أبيه.
ولم تكد رسالة أهل الإسكندرية تصل إلى قسطنطين حتى عبأ ثلاثمائة مركب بالرجال والسلاح، وأسند قيادة تلك الحملة إلى منويل الخصي، واتجه منويل بجيشه نحو الإسكندرية وانضم إليه من كان مقيما بها من الروم [٤٢] ، وقتل من بها من المسلمين إلا من استطاع الهرب [٤٣] .
стр. 12499
وبلغ عمرو ما حدث فرجع من فوره، فلما بلغ الإسكندرية وجد جيش الروم قد خرجوا منها يعيثون في القرى المجاورة لها فسادا، وهناك التقى الفريقان ورشق الروم المسلمين بالنشاب، وتترس المسلمون منهم، ثم التحمت الحرب بينهما، وشد عليهم المسلمون شدة رجل واحد، فاقتتلوا قتالا شديداً، فانهزم الروم وولوا الأدبار، فلم يكن لهم ناهية ولا عرجة دون الإسكندرية، فتحصنوا بها، ونصبوا العرادات، وقاتلهم عمرو على أبواب الإسكندرية، ونصب المجانيق، وضرب بها أسوارها حتى نال منها، ولا زال يقصفها حتى وهنت قوة الروم، وألح عليها حتى دخلها عنوة بالسيف فقتل المقاتلين، وسبى الذرية، وهرب بعض رومها إلى الروم، وقتل عدو الله منويل وهدم عمرو أسوارها، وكان قد نذر لئن فتحها ليفعلن ذلك [٤٤] .
وكتب عمرو إلى الخليفة، إن الله فتح علينا الإسكندرية عنوة بغير عقد ولا عهد، فرد عليه عمر يقبح رأيه، ويأمره ألا يجاوزها [٤٥] .
وألح المسلمون على عمرو ليقسمها بينهم، وأبى عمرو حتى يستشير الخليفة ورفض الخليفة التقسيم، وقال لعمرو: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين، وقوة لهم على جهاد عدوهم [٤٦] .
وكانت هناك قرى ظاهرت الروم، وأعانوهم على المسلمين، وتلك القرى هي: سلطيس ومصيل وبلهيب، والخيس وقرطسا وسخا، فلما انتصر المسلمون استحلوا أهل هذه القرى، وقالوا، هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية [٤٧] .
وكتب عمرو إلى أمير المؤمنين يخبره بما أراد المسلمون بأهل القرى، وعلم أمير المؤمنين بأن للقوم عهدا سابقا، فأمر عمرا بأن يجعل هذه القرى ذمة للمسلمين كما فعل بالإسكندرية، ونهى أن يتخذ أهلها فيئا وعبيدا [٤٨] ، وأمر كذلك برد سباياهم وبتخيير أهلها بين الإسلام وبين دينهم، فمن أسلم فهو من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن اختار دينه خلى بينه وبين قريته، وكتب الخليفة بذلك كتاباً إلى عمرو بن العاص قال فيه:
стр. 12500
(أما بعد، فإنه جاءني كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصيب من سبايا أرضه، ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلي من فيء يقسم، ثم كأنه لم يكن، فاعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية على أن تخيروا من في أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه، فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه، فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردهم، ولا نحب أن نصالحهم على أمر لا نفي لهم به) .
وبعث عمرو إلى صاحب الإسكندرية يخبره بما أمر به أمير المؤمنين، فأجاب، قد فعلت.
فجمع عمرو ما بأيدي المسلمين من الأسرى، وحضر النصارى ليشهدوا التخيير، وأخذ المسلمون يخيرون الأسرى واحدا واحداً، فإذا اختار أحدهم الإسلام كبر المسلمون، وحازوه إليهم، وإذا أختار دين قومه نخرت النصارى، وحازوه إليهم، ويحزن المسلمون لذلك حزنا شديدا، ويضربون عليه الجزية، وظل ذلك دأبهم حتى انتهوا من الأسرى، وكان ممن اختار الإسلام أبو مريم أحد رؤساء النصارى [٤٩] .
وأحصى عمرو أهل مصر ممن وجبت عليهم الجزية والخراج فكان مجموع ما جبي منها ألفي ألف دينار [٥٠] أي بلغ مليونين من الدنانير، وقد تم ذلك في عام ٢٣ من الهجرة في نهاية خلافة عمر بن الخطاب – ﵁ وقد بلغ من حرصه على الإسكندرية بعد الفتح الثاني أنه كان يبعث في كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط في الإسكندرية، وكان يوالي ذلك دائما، فلا يغفل عنها، ولا يأمن الروم عليها وظل الأمر كذلك حتى انتقل إلى مثواه الأخير ﵁ وأرضاه في جنات النعيم-.
من آداب الداعية
جملتها ثلاث صفات:
العلم، والورع، وحسن الخلق.
стр. 12501
أما العلم: فليعلم مواقع الأمر والنهي ليقتصر على حد الشرع فيه.
وأما الورع: فليردعه عن مخالفة فعله لقوله، ولا يحمله على مجاوزة الحد المأذون شرعاً غرض من الأغراض، وليكون كلامه مقبولا.
وأما حسن الخلق: فليتمكن به من اللطف والرفق، وهو أصل الباب وأساسه.
وبوجود هذه الصفات الثلاث يصير الإرشاد من القربات، وبه تندفع المنكرات.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البلاذري ص ٢٢١.
[٢] الطبري (٤/١١٠) وابن عبد الحكم يسوق القصة بطريقة أخرى ويقول: إن عمرا أجاب القبط حين سألوا فأين الذين كانوا أتونا قبل بقوله: أولئك أصحاب المشورة وهؤلاء أصحاب الحرب.
[٣] الطبري (٤/١١٠) .
[٤] نفسه والعض الداهية.
[٥] ابن عبد الحكم (١/١٠٧) .
[٦] هيكل (٢/١١٩) .
[٧] ابن عبد الحكم (١/١٠٨) .
[٨] حاشية فتوح مصر والمغرب (١/١٠٨) .
[٩] هيكل: الفاروق عمر (٢/١٢١) .
[١٠] ابن عبد الحكم (١/١٠٩) .
[١١] نفسه.
[١٢] ابن عبد الحكم (١/١٠٩) .
[١٣] المقريزي (١/١٦٣،١٦٤) .
[١٤] البلاذري ص ٢٢٢.
[١٥] ابن عبد الحكم (١/١١٠) .
[١٦] نفسه.
[١٧] نفسه (١/١١١) .
[١٨] ابن عبد الحكم (١/١١١) .
[١٩] البلاذري ص ٢١٨.
[٢٠] ابن عبد الحكم (١/١١٢) .
[٢١] ابن عبد الحكم (١/١٣) .
[٢٢] هيكل الفاروق عمر (٢/١٢٦) .
[٢٣] البلاذري ص ٢٢٢.
[٢٤] المقريزي (١/١٦٥) .
[٢٥] ابن عبد الحكم (١/١١٥) .
[٢٦] البلاذري ص ٢٢٢.
[٢٧] ابن عبد الحكم (١/١١٧) .
[٢٨] المقريزي (١/١٦٥) .
[٢٩] ابن عبد الحكم (١/١١٥) .
[٣٠] ابن عبد الحكم (١/١١٦، ١١٧) .
[٣١] نفسه.
[٣٢] ابن عبد الحكم (١/١١٨) .
[٣٣] المقريزي (١٦٥، ١٦٦) .
[٣٤] نفسه.
стр. 12502
[٣٥] ابن عبد الحكم (١/١١٩، ١٢٠) .
[٣٦] ابن عبد الحكم (١/١١٨) .
[٣٧] نفسه.
[٣٨] البلاذري ص ٢١٧.
[٣٩] ابن عبد الحكم (١/١٢١) .
[٤٠] نفسه.
[٤١] ابن عبد الحكم (١/١٣٢) .
[٤٢] المقريزي (١/١٦٧) .
[٤٣] البلاذري ص ٢٢٣.
[٤٤] نفسه.
[٤٥] ابن عبد الحكم (١/١١٨) .
[٤٦] ابن عبد الحكم (١/١٢٢) .
[٤٧] نفسه (١/١٢٢، ١٢٣) .
[٤٨] نفسه.
[٤٩] الطبري (٤/١٠٥_١٠٦) .
[٥٠] البلاذري ص ٢١٧.
стр. 12503
الحملات الحربية في عهد سليمان القانوني
للدكتور محمد حرب
أستاذ زائر بكلية الدعوة وأصول الدين
تولى السلطان سليمان القانوني عرش الدولة العثمانية بعد موت والده السلطان سليم الأول، وكانت سنة تولية سليمان عام ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) وحكم الدولة العثمانية مدة ست وأربعين سنة وهي أطول مدة حكم فيها سلطان عثماني.
كان عهد القانوني قمة العهود العثمانية سواء في الحركة الجهادية أو في الناحية المعمارية والعلمية والأدبية والعسكرية، كان هذا السلطان يؤثر في السياسة الأوربية تأثيرا عظيما وبمعنى أَوضح كان هو القوة العظمى دوليا في زمنه، نعمت الدولة الإسلامية العثمانية في عهده بالرخاء والطمأنينة.
ابتلي سليمان في السنوات الأولى من عهده بأربع تمردات شغلته عن حركة الجهاد، إذ أتاح موت سليم الأول وكان متصلبا، ثم جلوس ابنه على العرش وهو صغير السن، أتاح هذا الفرصة لكي يظن الولاة الطموحون للاستقلال أنهم قادرين على ذلك، فلما وصل خبر تولية سليمان العرش، إلى الشام وكان جان بردى الغزالي واليا عليها من قبل الدولة العثمانية، تمرد وأشهر العصيان على الدولة.
جان بردى الغزالي هذا، قائد مملوكي كان تعاون مع سليم الأول في حربه ضد المماليك، كان هذا أَميراً طموحا وأودى به طموحه إلى أن ينقلب على المماليك ويتعاون مع سليم، حتى أن بعض المؤرخين العثمانيين يرون أن معركة غزة التي قادها ضد طلائع الجيش العثماني الزاحف على مصر إنما كان بالدرجة الأولى لعبة سياسية قصد منها إخفاء دوره في التعاون مع الجيش العثماني.
стр. 12504
من الثابت في المصادر العثمانية المسماه سليم نامه لر تعاون جان بردي الغزالي – وهو تعاون مبكر- مع سليم. ومن الثابت أيضا في هذه المصادر أن سليم الأول أقطع الغزالي، وكان هذا يخاف كثيرا من سطوة سليم، وكان واليا لسليم على الشام، فلما تولى سليمان أرسل الغزالي من الشام رسالة إلى خاير بك النائب العثماني على مصر أوضح فيها الأول للثاني أن حان الوقت لإعادة الدولة المملوكية وبعثها من جديد، إلا أن والي مصر العثماني أرسل الرسالة هذه إلى العاصمة العثمانية ليطلع عليها السلطان سليمان، وهذه الرسالة موجودة الآن في متحف طوبقبو سرايي - قسم الأرشيف.
جان بردى الغزالي، كان - وهو وال للدولة على الشام- يراسل أكبر عدو للدولة العثمانية، ألا وهي الدولة الشيعية في إيران وكان يتزعمها الشاه إسماعيل الصفوي والوثيقة رقم ٥٤٦٩ بقسم الأرشيف بمتحف طوبقبو عبارة عن رسالة من جان بردى الغزالي إلى الشاه إسماعيل الصفوي تقول بأن جان بردى كان على تعاون سري بعيد المدى مع الفرس وأن الغزالي طلب من الصفوي حضوره شخصيا إلى بلاد الشام أو تقديم مساعدة عسكرية ضخمة له – أي إلى الغزالي- ولم يكن سليم على علم بهذا إذ أن رسول الغزالي كان وصل بهذه الرسالة سراً إلى كاشيان لمقابلة الشاه إسماعيل، وفى هذه الرسالة عرض من الغزالي بتقديم تبعيته وخالص عبوديته للشاه إسماعيل الصفوي.
فإذا ما مات سليم وتولى سليمان العرش إذا بالغزالي يفور ويثور وقام للاستيلاء على حلب وفشل في ذلك، وأمر السلطان سليمان بقمع الفتنة فقمعت وأرسل رأس الثائر إلى استانبول دلالة على انتهاء التمرد.
стр. 12505
أما التمرد الثاني فقام به أحمد باشا الخائن في مصر وكان هذا عام ٩٣٠ هـ= ١٥٢٤ م. وكان هذا الباشا يطمح أن يكون صدرا أعظما ولم يفلح في هذا، لذلك طلب إلى السلطان أن يعينه واليا على مصر فقبل السلطان، وما أن وصل مصر حتى حاول استمالة الناس وأعلن نفسه سلطانا مستقلاً، لكن أهل الشرع في مصر وكذلك جنود الإنكشارية لا يعرفون إلا سلطانا واحدا خليفة لكل المسلمين هو السلطان سليمان القانوني، لذلك ثار أهل الشرع والجنود ضد هذا الوالي المتمرد وقتلوه، وظل اسمه في كتب التاريخ مقرونا باسم الخائن.
والتمرد الثالث ضد خليفة المسلمين هو تمرد شيعي علوي قام به بابا ذو النون عام ١٥٢٦ م في منطقة يوزغاد حيث جمع هذا البابا ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف ثائر وفرض الخراج على المنطقة، وقويت حركته حتى أنه استطاع هزيمة بعض القواد العثمانيين الذين توجهوا لقمع حركته، وانتهت فتنة الشيعة هذه بهزيمة بابا ذو النون وأرسلت رأسه إلى استانبول.
والتمرد الرابع ضد الدولة العثمانية في عهد سليمان القانوني كان تمرداً شيعيا علويا أيضا، وكان على رأسه قلندر جلبي في منطقتي قوينه ومرعش وكان عدد أتباعه ٠٠٠ر٣٠ شيعي قاموا بقتل المسلمين السنيين في هاتين المنطقتين، ويقول بعض المؤرخين أن قلندر جلبي جعل شعاره أن من يقتل مسلماً سنيّاً ويعتدي على امرأة سنية يكون بهذا قد حاز على أكبر ثواب.
توجه بهرام باشا لقمع هذا العصيان فقتله العصاة، ثم نجحت الحيلة معهم إذ أن الصدر الأعظم إبراهيم باشا قد استمال بعض رجال قلندر جلبى، فقلت قواته وهزم وقتل.
بعد هذا هدأت الأحوال في الدولة العثمانية وبدأ السلطان سليمان في التخطيط لسياسة الجهاد في أوربا.
стр. 12506
بدأ العثمانيون في عصر سليمان فتوحاتهم في أوربا بفتح أهم مدن البلقان وهي بلغراد، التي كان المجريون يتولون حمايتها، وكانت علاقة العثمانيين بالمجريين في هذا الوقت متوترة إذ كان سليمان قد أرسل إلى ملك المجر رسولا يعلنه بتولي سليمان عرش العثمانيين، فقتل الملك المجري رسول سليمان ويدعي بهرام جاووش، فأعلن السلطان العثماني الحرب على المجر، وحاصرت القوات العثمانية بلغراد من البر ومن النهر وسلّمت بلغراد بعد شهر واحد من الحصار (عام ١٥٢١ م) واتخذها العثمانيون قاعدة حربية تنطلق منها قواتهم في فتوحاتهم الأوربية، وأثناء حرب بلغراد هذه استولى العثمانيون أيضا على قلاع هامة في منطقة بلغراد مثل صاباج وسلانكامن وزملين.
وبعد خمس سنوات فقط من هذه الحرب التي أخذ فيها العثمانيون بلغراد أخذ ملك المجر لايوش يجمع القوى الأوربية لقهر العثمانيين، كتب ملك المجر إلى كل من شرلكان الإمبراطور الألماني وإلى فرديناند الأرشيدون النمسوي يطلب منهما التحالف معه لقهر العثمانيين، وفي ذلك الوقت كان سليمان يعد العدة للحرب ضد المجر.
стр. 12507
في تلك الفترة أيضاً قامت حرب محدودة بين شرلكان وبين ملك فرنسا فرانسوا الأول، انتصر شرلكان وأخذ فرانسوا أسيراً، فقامت أم الملك الفرنسي ثم ابنها بعد ذلك بإرسال خطابات نجدة إلى سليمان العثماني يطلبان منه تأييده ضد أعداء فرنسا، فوعد سليمان خيرا، وفي ربيع ١٥٢٦ تحرك الجيش العثماني في أكثر من ستين ألف جندي من استانبول حتى وصل إلى سهول المجر، وفي صحراء موهاج بالمجر دارت معركة ضخمة من المعارك الإسلامية المسيحية دارت في يوم ٢٩ أغسطس من نفس العام واستمرت ساعتين، وبخطة موفقه من العثمانيين هزم الجيش المجري وكان من أرقى الجيوش الأوربية ومشهور بفرسانه المدرعين، ولعبت المدفعية العثمانية المتقدمة تكنولوجيا دورها في هذا النصر السريع الخاطف الذي أحرزه الجيش العثماني بعد قطعه لمسافات طويلة، مات من الجنود المجريين الكثير، وفر أيضا عدد كبير من ميدان المعركة، وكان من ضمن هؤلاء الذين فروا إلى المستنقعات ملك المجر القائد الأعلى للقوات المسيحية لايوش وهو نفسه الملقب بالملك لويس الثاني ملك بلاد المجر، وإن كان الملك المجري لم يلق حتفه عل على يد سيف عثماني، فقد لاقاه عند هربه إلى المستنقعات إذ قد مات غرقا فيها، ورفعت الرايات العثمانية فوق العاصمة المجرية بشت ولم تكن قد صارت بعد باسمها المعروف الآن بودابست.
من بودابست أعلن السلطان سليمان القانوني خضوع مملكة المجر للحماية العثمانية، ثم أصدر أمراً بتعيين أحد المجريين ملكا عليها وكان هذا الملك هو جون زابوليا أمير منطقة أردل وهو الذي تعرفه المصادر الشرقية باسم الملك يانوش، وعاد سليمان إلى استانبول بجيوشه.
стр. 12508
بعد ثلاث سنوات من الحملة العثمانية لفرض الحماية الإسلامية على مملكة المجر جاءت رسالة إلى سليمان من يانوش ملك المجر يقول فيها بأن أرشيدوق النمسا فرديناند يستعد لأخذ المجر منه بعد أن قام الكثير من أمراء المجر بتأييده ملكا على المجر بدلا من يانوش، واستولى فرديناند بالفعل على مدينة بودين من الملك المجري التابع للعثمانيين.
وفى مايو من عام ١٥٢٩ م تحركت الجيوش العثمانية من استانبول إلى المجر واستعاد سليمان القانوني مدينة بودين مرة أخرى وفي احتفال مهيب توّج القانوني جون زابوليا ملكا على المجر.
ورغم حماس كل من فرديناند وشرلكان ورغم توقع أن يتحركا للحصول على بودين من العثمانيين وإنزال ضربة بالقوات العثمانية، إلاّ أن شيئا من هذا لم يحدث فقد استولى عليهما الرعب والخوف من سليمان.
أصر السلطان سليمان القانوني على محاربة فرديناند، فحاصرت القوات العثمانية في سبتمبر ١٥٢٩ م مدينة فيينا عاصمة النمسا، واشترك في الحصار مائة وعشرون ألفا جندي وثلاثمائة مدفع، وقبل الحصار خرج ملك النمسا من عاصمته وانسحب بعيدا عنها، وقامت معارك كبيرة في أمام أسوار فيينا لكن الجيش العثماني لم يتمكن من فتحها، إذ جاء الشتاء وبدأت المواد الغذائية تنقص، وأثناء حصار فيينا أرسل العثمانيون قوات (المغيرين) وهي وحدات خاصة في الجيش العثماني، إلى داخل ألمانيا حيث شنوا الغارات وأخذوا الغنائم وأسروا الكثير وعادت القوات العثمانية جميعا دون التمكن من فتح فيينا.
وبعد ثلاث سنوات من بداية الحملة على المجر وحصار فيينا، بدأ السلطان سليمان القانوني القيام بحرب ألمانيا (١٥٣٢ م) .
стр. 12509
سبب حملة سليمان على ألمانيا هو أن أرشيدوق النمسا فرديناند أرسل إلى السلطان العثماني سفيرا يطلب منه الإعتراف به ملكا على المجر، ولم يكتف فرديناند بذلك بل جرّد حملة وحاصر بها مدينة بودين، وقامت الحامية العثمانية في هذه المدينة مع القوات المجرية المحلية بالدفاع عن المدينة. على هذا كان قرار سليمان بحملته على ألمانيا، أما لماذا سمّيت بالحملة العثمانية على ألمانيا فذلك لأن سليمان كان يقصد بها دحر قوات شرلكان الألماني أكثر منها حملة على فرديناند.
وصل السلطان العثماني إلى النمسا مارا بيوغوسلافيا والمجر، كانت القوات العثمانية المشتركة في هذه الحملة تقدر بمائتي ألف، لم يحاصر العثمانيون فيينا هذه المرّة بل توجه لتأديب أسرة هابسيرج العريقة لكن آل هابسيرج وقوادهم خافوا عندما علموا بوصول سليمان العثماني وخشوا مواجهته، ولما لم يتحركوا للحرب، أرسل سليمان إلى فرديناند رسالة كلها احتقار دفعاً لحماسه إلى الحرب، لكن آل هابسبرج لم يتحركوا وصدرت للمغيرين أوامر بالقيام بعمليات عسكرية سريعة في داخل ألمانيا غنموا فيها وأسروا وانتصروا، وعندما حل الشتاء عادت الحملة العثمانية بأكملها إلى استانبول.
أسفرت الحملة العثمانية على ألمانيا عن خوف فردياند وإيمانه بأن لا قوة في أوربا تستطيع التصدي لسليمان العثماني، فاضطر فرديناند إلى طلب الصلح وهو صاغر، ووافق السلطان القانوني على الصلح بشرط أن يعترف فرديناند بأنه ليس نداً للسلطان العثماني وأنه مجبر في معاهدة الصلح هذه على الإعتراف بيانوش ملكا على المجر تحت الحماية العثمانية، ووافق فرديناند صاغرا على دفع ٠٠٠ر٣٠ دوقا ذهبية جزية للدولة العثمانية.
стр. 12510
وفى الجبهة الأوربية: مات يانوش عام ١٥٤٠م ولم يكن له إلا ولداً طفلاً فقامت الملكة إيزابيلا بالكتابة إلى السلطان العثماني تقول له أنها تريد أن يكون ابنها هو الملك بديلا عن أبيه، وكانت تدرك أن فرديناند ارشيدوق النمسا يطمع في ملك المجر بل وتحرك وحاصر بودين فعلا، وسريعا ما تحرك جيش العثمانيين بقيادة السلطان سليمان القانوني نحو بودين، وما أن سمع النمساويون بقرب القوات العثمانية حتى تركوا حصار المدينة وهربوا، وعند أنسحابهم كانت بعض وحدات العثمانيين بقيادة الوزير محمد باشا تلحق بهم الخسائر الفادحة أثناء انسحابهم.
وفى عام ١٥٤١ دخل السلطان بودين وأمر بتحويل أضخم كنائسها إلى جامع للمسلمين كما أمر بإلحاق هذه المنطقة الهامة من المجر بالدولة العثمانية تحت اسم ولاية بودين، وأمر بتعيين سيجسموند الابن الطفل لملك المجر يانوش، أميرا على إمارة أردل التي كان يحكمها أبوه قبل أن يصبح ملكا على المجر، ثم عاد السلطان إلى العاصمة.
لكن فرديناند لم يسكت فقد أقنع البابا بول الثالث بضرورة تكوين حملة صليبية قوية لكي تستريح أوربا من العثمانيين بالتخلص منهم والقضاء عليهم. وتحركت هذه الحملة إلى بودين عام ١٥٤٢، وحاصرتها حصارا محكما، لكنها فشلت في الاستيلاء عليها، ولما وصلت أخبار هذه الحملة إلى السلطان سليمان، تحرك مرة أخرى عام ١٥٤٣ إلى أوربا واستولى على أهم القلاع المجرية التي كانت في يد النمسويين وهما استركون، واستولني بلغراد.
стр. 12511
توسل الملكان المرموقان في أوربا في ذلك الوقت إلى السلطان سليمان عن طريق السفراء أن يعفوا عنهما، وسامحهما سليمان بشرط أن تدفع النمسا سنويا مبلغ ... ,.٣ ذهبا عن أراضي المجر التي في يدها، ولم تستمر هذه المعاهدة طويلاً إذ اعتدى النمساويون على أردل، لذلك قام الوزير قره أحمد باشا مع أمير أمراء الروملي صقوللو محمد باشا عام ١٥٥٢ م بحصار قلعة طمشوار وكانت في أيدي النمسويين وأخذها فتحا، وتحرك علي باشا الخادم من بودين ودخل الأراضي المجرية التي تسيطر عليها النمسا وفتح كثيرا من قلاعها وغنم وأسر، وحاول أحمد باشا بقواته أن يستولي على قلعة أيرى فلم يوفق.
اجتمع مجلس شعب إمارة أردل ورفض الحكم النمسوي ووقع المجلس مع العثمانيين معاهدة وطلبوا من سليمان أن يصبح سيجسموند بن يانوش والموجود في بولنده ملكا عليهم فقبل العثمانيون هذا وأصبحت أردل مملكة يحكمها سيجسموند تحت الحماية العثمانية عام ١٥٥٩ م، ولم يكن مناص من أن ترسل النمسا سفارة إلى سليمان العثماني ترجوه فضّ حالة النزاع وعقد معاهدة سلام، ولما وافق سليمان العثماني على ذلك وقعت المعاهدة عام ١٥٦٢ م إعترفت فيها النمسا بعدم أحقيتها في أردل وأنها تقبل دفع مبلغ ٠٠٠ , ٣٠ ذهبا وسار الحال هادئا حتى مات فرديناند وخلفه مكسميليان الذي اعتدى على الأراضي العثمانية فخرج سليمان العثماني ليؤد به، إلاّ أن السلطان توفي وهو يحاصر إحدى القلاع في هذه الحرب.
أما في جبهة الدولة العثمانية مع عدوها الدولة الصفوية فنذكر عنها ما يلي:
في عام ١٥٢٤ تولى الحكم في الدولة الصفوية الشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل وكان طهماسب عدو للعثماني السنيين. بدأ طهماسب نشاطه ضد الدولة العثمانية بأن رغب في التحالف مع القوى الأوربية لحصر العثمانيين بين القوتين والقضاء على دولتهم، فأرسل طهماسب إلى شرلكان سفيرا يطلب منه التحالف بين الاثنين.
стр. 12512
إن البداية الحقيقية للنزاع هذه المرة بين العثمانيين والصفويين فقد كان من بغداد.
طلب ذو الفقار خان حاكم بغداد الدخول تحت الحماية العثمانية فأرسل له الشاه من يقتله عام ١٥٢٩ م ودخلت القوات الصفوية بغداد، وعلى الجانب الآخر قام شرف خان حاكم بتليس بخيانة العثمانيين وتحالف مع الصفويين، عند هذا أعلنت الدولة العثمانية الحرب على الصفويين وتحرك الصدر الأعظم إبراهيم باشا فدخل تبريز دون مقاومة تذكر، ومن خلفه كان السلطان سليمان القانوني يقود الجيوش العثمانية إلى نفس الهدف ودخل تبريز عام ١٥٣٤ م ثم اتجه إلى بغداد فسلّمت القوات الصفوية عام ١٥٣٤ م. وكان سليمان قد استولى على آذربيجان وعبر جبال زاغروس الإيرانية ومنها إلى بغداد؛ وسميت هذه الحملة حملة العراقين أي العراق العجمي وهو آذربيجان والعراق العربي. وبهذه الحملة دخلت العراق في كنف الدولة العثمانية، وعندما انسحب العثمانيون من تبريز وجوارها ثم فتحوا بغداد استرجع الصفويون المنطقة مما سبب عزم السلطان على تأديب الصفويين مرة في أخرى وهذا ما سمي باسم الحملة الثانية على إيران وكانت عام ١٥٤٨ م واسترجع فيها تبريز وأضاف أليها قلعتي وان وأريوان لكن انسحاب العثمانيين وعودتهم جعل الإيرانيين بعد أن انتهزوا انشغال الدولة في أوربا وعادوا مرة أخرى فقام سليمان بحملته الثالثة ولم يحصل على نتيجة مباشرة إذ أن طهماسب خاف من مجابهة الجيوش العثمانية، فلما عاد سليمان إلى بلاده، وعند وصوله إلى آماسيا، وصلت إليه رسل طهماسب للصلح فقبل السلطان توقيع معاهدة آماسيا عام ١٥٥٥ م وبموجبها تقررت أحقية الدولة العثمانية في كل من أريوان وتبريز وشرق الأناضول.
أما ما كان من أمر السلطان مع فرنسا فقد بدأت أول ما بدأت أثناء حروب القانوني في المجر، فقد لبى السلطان طلب الدعم الذي تقدم به فرانسوا الأول ملك فرنسا وأمه، وأنقذ السلطان فرانسوا من ضغوط شرلكان عليه.
стр. 12513
أما لماذا قبل السلطان سليمان القانوني أن يساعد فرنسا، فذلك لأن الأوربين كانوا ينظمون حملات صليبية على الدولة العثمانية وعلى العالم الإسلامي ولا يكلّون من هذا رغم هزائمهم المتكررة فانتهز القانوني النزاع بين شرلكان وبين فرانسوا ملك المجر وفكر في نزع فرنسا من أوربا بمعنى أبعادها عن المعسكر المسيحي واتخاذها مانعا أوربيا ضد أي تجمع صليبي ضد العثمانيين.
كان سليمان القانوني في حملته البغدادية فتقدم إليه السفير الفرنسي جون دي لافوريت ليهنئ السلطان بانتصاراته، وعندما عاد القانوني إلى استانبول وقع مع فرنسا معاهدة ١٥٣٥ م منح بموجبها السلطان لفرنسا بعض الإمتيازات التجارية مثل إعطاء تخفيض جمركي خاص للسفن الفرنسية التي تصل الموانئ العثمانية، وتم الإتفاق على أن هذه المعاهدة تسرى طالما الحاكمين على قيد الحياة، لكن الفرنسيون نجحوا في تجديدها كلما جد
سلطان جديد حتى وصل الأمر على تثبيت هذه الإمتيازات رسميا عام ١٧٤٠ م.
كان القانوني معوانا لفرنسا فقد أمدها بمعونات عسكرية فقد أرسل قباطنته العظام مثل خير الدين برباروس وطورغود رئيس، وتحت إمرتهما الأساطيل العثمانية إلى فرنسا لمؤازرتها.
في عهد القانوني تم فتح جزيرة رودوس عام ١٥٢٢ م. ورودوس ذات موقع استراتيجي هام بالنسبة للأناضول والدولة العثمانية، وكان انتصاراً باهراً على فرسان القديس يوحنا، انتصاراً كلف الدولة كلف الدولة كثيرا واشترك الأسطول العثماني مع تدعيم بحري من مصر، قلعة رودوس كانت أقوى قلعة بحرية في العالم في ذلك الوقت، لكنها خضعت للمسلمين العثمانيين.
стр. 12514
ومن المواقع البحرية الخالدة في التاريخ الإسلامي الحديث معركة برَوَزَة البحرية، وقد حدثت عام ١٥٣٨ م، وقصتها أيضا مرتبطة بالصراع الإسلامي المسيحي في القرن السادس عشر الميلادي، فقد دعا البابا بول الثالث، الجيوش الأوربية للإتحاد ضد العثمانيين، وتكون تحالفا صليبيا بحريا ضم ثلاثمائة قطعة بحرية مسيحية، كان يقودها أشهر قائد بحري عالمي في هذا القرن وهو أندريا دوريا، أما أسطول العثمانيين فقد كان يتكون من ١٢٠ قطعة بحرية يقودها خير الدين برباروس. والتقى الأسطولان في يوم ٢٨ سبتمبر عام ١٥٣٨ م أمام بروزه.
وضع خير الدين برباروس أسطوله على شكل هلال عين على رأس جناحه الأيمن صالح رئيس، وعلى رأس جناحه الأيسر سيدي علي رئيس، وقاد خير الدين بنفسه الجناح الأوسط وأمر طورغود رئيس بأن يقود احتياطي الأسطول ويبقى في الخلف.
بدأ برباروس بإطلاق نيران مدفعيته على سفن العدو، وعلى حين غرة وعندما لم يكن أسطول الصليبيين يتوقع الهجوم إذا بخير الدين برباروس ينطلق إلى مقدمة الأسطول المسيحي الذي أختل نظامه بفعل المباغته وما لبث أن تفرق وإذا بالقائد أندريا دوريا يهرب نجاة بحياته، ولقد كان انتصار العثمانيين في هذه المعركة انتصارا يدين للمباغته والهجوم الغير متوقع من خير الدين برباروس، وجعل هذا النصر، العزة في البحر المتوسط للعثمانيين.
ولم يستطع شرلكان تحمل أنباء هذه الهزيمة الأوربية، فقاد بنفسه أسطولا أوربيا قويا وهجم به على الجزائر العثمانية عام ١٥٤١ م، ولكن حسن أغا المسؤول عن أمن الجزائر والذي كان خير الدين باشا يتبناه، دافع بشجاعة عن الجزائر أجبر بها شرلكان على الإنسحاب خاسرا.
стр. 12515
كانت طرابلس الغرب في هذا العهد تحت حكم فرسان مالطة وهم من المسيحيين، ونظرا لأن أهل طرابلس الغرب من المسلمين فقد وجه السلطان سليمان القانوني أمره إلى قبطان البحر العثماني طورغود رئيس بتخليص طرابلس الغرب من النفوذ المسيحي، فقام هذا القبطان بأسطوله بمحاصرة طرابلس الغرب حصاراً شديدا إلى أن اضطر حاميتها المسيحية إلى التسليم وكان ذلك عام ١٥٥١ م، وعين القانوني طورغود رئيس عينه واليا على طرابلس الغرب، وكان طورغود بطلا مسلما بحريا كبيرا، وقد استشهد بعد ذلك عام ١٥٦٥ م أثناء حصار العثمانيين لجزيرة مالطة.
ثم اتجهت أنظار العثمانيين إلى استخلاص جزيرة صاقير وهي جزيرة هامة في بحر ايجه في مواجهة إزمير، وكانت في يد البنادقة وبالفعل فتحها العثمانيون عام ١٥٦٦ م على يد بياله باشا.
ولم تقتصر أعمال العثمانيين الجهادية ضد الأوربيين في أوربا والبحر المتوسط فقط بل أخذ العثمانيون يناضلون ضد البرتغاليين في المحيط الهندي.
عندما فتح العثمانيون مصر في عهد والد سليمان، كان البرتغاليون قد اكتشفوا طريق رأس الرجاء الصالح ووصلوا إلى الهند، وما لبثوا أن قاموا باعتداءات وحشية على مسلمي الهند، فاستنجد حاكم كجرات بالخليفة العثماني سليمان القانوني، وكان طبيعيا أن يلبي الخليفة هذا الإستنجاد فقامت القوات البحرية العثمانية بأربع حملات بحرية لتأديب البرتغاليين كانت الأولى عام ١٥٣٨ م وكانت بقيادة سليمان باشا الخادم والي مصر العثماني وكانت نتائجها: الإستيلاء على عدن وأجزاء من اليمن ومحاصرة قلعة ديو في الهند، والثانية عام ١٥٥١ م وكان قائدها هو بيري رئيس صاحب بحرية، والثالثة عام ١٥٥٢ وكانت بقيادة مراد رئيس، والرابعة بقيادة سيدي علي رئيس صاحب كتاب مرآة الممالك.
وتأتي أهمية هذه الحملات إلى أهمية مضيق باب المندب وسواحل البحر الأحمر بالنسبة للإستراتيجية العثمانية.
стр. 12516
ظهر في عهد القانوني شخصيات هامة في التاريخ العثماني ففي التشريع ظهر الشيخ أبو السعود الذي نظم قوانين البلاد على أساس الشرع الإسلامي وترجع شهرة سليمان القانوني إلى ما في اجتهادات الشيخ أبو السعود.
وفي مجال العمارة ظهر في عهد القانوني أكبر شخصية معمارية في التاريخ الإسلامي وهو المعمار سنان، كما ظهر في عهده أعظم القواد الحربيين وأبرزهم خير الدين باشا الملقب بلقب برباروس.
ومات السلطان سليمان القانوني مريضا في ٢٠ صفر سنة ٩٧٤ هـ الموافق الخامس من سبتمبر ١٥٦٦ م وعمره أربع وسبعون سنة وكانت مدة حكمه ثمان وأربعين سنة قضاها في الحرب والتقنين والإعمار، مات عندما كان يقود الجيوش العثمانية أثناء حصارها قلعة سكتوار، مات السلطان العثماني سليمان القانوني بين طلقات المدافع وأخفى وزيره نبأ وفاة السلطان، وفى اليوم التالي للوفاة فتحت القلعة.
***
أهم المراجع التركية:
سليمان نامه لر، مخطوطات متفرقة، متحف طوبقبو، والمكتبة السليمانية، استانبول.
سليم نامه لر، مخطوطات متفرقة، المكتبة السليمانية استانبول.
علي رشاد، عصر حاضر توركيا تاريخي، استانبول.
مطر قجى نصوحى، سفر عراقين، مخطوط بجامعة استانبول.
رسالة عصيان جان بردى غزالي، متحف طوبقبو استانبول.
رسالة من جان بردى غزالي إلى الشاه إسماعيل الصفوي، متحف طوبقبو استانبول.
يلماز أوزطونه، توركيا تاريخي، ١٢ جزء، استانبول ١٩٨٠.
محمد حرب، حملة سليم الأول على الشام ومصر، دراسة مقارنة بين ابن إياس وسليم نامه لر، كلية الآداب جامعة استانبول، ١٩٨٠. (بالتركية) .
أهم المراجع العربية:
إسماعيل اوزدينج، أبو السعود، رسالة ماجستير بجامعة الإسكندرية غير منشورة.
محمد حرب، محاضرات في تاريخ الدولة العثمانية، محاضرات بآداب عين شمس سنة ١٩٨١.
стр. 12517
محمد حرب، المعمار سنان، أعظم البنائين في الإسلام، مجلة العربي مجلد ١٩٨٠.
تربية الأبناء
جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ يشكو إليه عقوق ابنه فأتى عمر بالولد وأنّبه على عقه أبيه.
فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوقاً على أبيه؟ قال: بلى. قال: فما هي يا أمير المؤمنين! قال عمر: أن ينتقي أمّه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب (أي القرآن) .
قال الولد: يا أَمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي. وقد سماني جُعْلاً (أي خنفساء) ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً.
فألتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إلي تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك..!
فتربية الأبناء.. تبدأ باختيار الأم الصالحة والاسم الحسن ثم المداراة والتوجيه برفق، والموعظة الحسنة المستقاة من كتاب الله وسنه رسوله.. تلك هي منطلقات الحياة الفاضلة والخلق النبيل لرجال الغد، وبناة المستقبل ورحم الله ولداً أعان ولده على برّه.
стр. 12518
رسائل لم يحملها البريد
للشيخ عبد الرؤوف اللبدي
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية
أختي العزيزة هل:
أريد اليوم أن أحدثك عن صيغة جديدة من هذه الصيغ التي أدخل فيها على لم النافية الجازمة للفعل المضارع هي: "ألم أقل ... "وهي الصيغة الثالثة عشرة في سلسلة هذه الصيغ.
جاءت هذه الصيغة في ست آيات من آيات القرآن الكريم:
الآية الأولى من هذه الآيات هي الآية الثالثة والثلاثون من سورة البقرة، ولأن مضمون هذه الآية يتصل اتصالا وثيقا بمضمون الآيات الثلاث التي قبلها كان أوضح للمعنى وأبين للاستفهام أن أذكر هذه الآيات جميعا:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون﴾ .
الآيات (٣٠-٣٣) من سورة البقرة
стр. 12519
الآية التي اشتملت على صيغة الاستفهام ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ تتضمن أمره تعالى آدم أن ينبئ الملائكة بالأسماء التي علمه الله إياها بعد أن عجزوا هم عن الإنباء بها، فلما أنبأهم بتلك الأسماء قال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون﴾
والاستفهام في ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يفيد التقرير على معنى الإخبار، أي قد قلت لكم، والقول الذي سبق أن قاله تعالى لهم هو: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون﴾ ويفيد أيضاً التنبيه، تنبيه الملائكة على ما كان قد غاب عنهم من علم خص الله به آدم حين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.
ومما ينبغي أن تلاحظيه أيتها الأخت أن المقول الأول ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون﴾ جاء على وجه من الإبهام والإجمال، ثم أعيد على وجه من الإيضاح والتفصيل والبسط: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون﴾ . ولا شك أن أسلوب الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس، وأثبت في الذهن، وأنصر وأنق في التعبير.
ولا يتسنى يا أخت أن تتذوقي جمال هذا الطباق بين الإبداء والكتم في قوله تعالى: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون﴾ .
و (لكم) في قوله تعالى ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ تنبه المخاطبين لما يلقى إليهم تنبيها قويا، وتهزهم إلى سماعه هزاً شديداً.
ومعنى قوله تعالى ﴿مَا تُبْدُون﴾ هو ما سبق أن أبداه الملائكة بقولهم ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾ . والتعبير عنه بالمضارع مع أنه قد مضى لاستحضار المخاطبين صورته.
стр. 12520
ومعنى قوله تعالى ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ هو ما كانوا يضمرونه في أنفسهم من أن الله لن يخلق أعلم منهم وأكرم.
ومجيء ﴿تَكْتُمُونَ﴾ خبرا لكان يدل على أن الكتمان قد وقع فيما مضى ثم انتهى أمره، فقد هجس في أنفس الملائكة شيء لم يظهر بعضهم بعضا عليه وربما كان ذلك ظنهم أنهم أعلم الخلق وأكرمهم على الله، فلما عجزوا عن الإنباء بتلك الأسماء وأنبأهم بها آدم تلاشي ذلك الظن وانقضى عمره.
وللعلماء في تفسير ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ آراء أخرى أقربها أن يحمل اللفظ على ظاهره فيكون عاما فيما أبدوه وما كتموه من أمروهم كلها.
وأعيد ذكر الفعل (وأعلم) في قوله تعالى ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مع أن معموله وهو اسم الموصول (ما) مندرج تحت ما قبله، أعيد اهتماماً بشأن هذا المعمول، ولبيان أنه جدير بأن يفرد بجملة مستقلة.
أختي العزيزة هل
أحب أن أنبهك على شيئين قبل أن أنتقل بك إلى الآية الثانية:
الأول: قال العكبري في كتابه (إملاء ما من به الرحمن) [١] " ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ مستأنف وليس وليس بمحكي بقوله ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ ويجوز أن يكون محكياً أيضا". أ. هـ.
وقال أبو السعود في تفسيره [٢] : " ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عطف على جملة ألم أقل لكم لا على أعلم إذ هو غير داخل تحت القول". أ. هـ.
стр. 12521
وترجيح الاستئناف عند العكبري، والحكم بالعطف على جملة ألم أقل عند أبي السعود، كلاهما يقتضي أن ما ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غير داخل تحت عموم غيب السماوات والأرض وغير محكي بألم أقل لكم، ولا أدري لم ذهبا هذا المذهب مع أنه يخالف ما يبدر إلى الذهن من معنى، وما يدل عليه سياق اللفظ والأسلوب، ويخالف أيضا ما ذهب إليه جمهور المفسرين.
أما الشيء الثاني فقد جاء في تفسير الجلالين [٣] : "قال تعالى موبخا ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ".أهـ.
أبان جلال الدين السيوطي بكلامه هذا أن الاستفهام في ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ للتوبيخ، توبيخ الملائكة الذين قال الله تعالى فيهم ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٢٦ الأنبياء) ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤٩، ٥٠) النحل ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين﴾ (١٧٧- البقرة) .
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ (١٣٦- النساء) .
لقد نسى السيوطي حين أبان معنى هذا الاستفهام أن هؤلاء الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم مكرمون وأنهم لا يستكبرون، وأنهم يفعلون ما يؤمرون، وأن الإيمان بهم بر، وأن الكفر بهم ضلال بعيد، نسي أنهم أكرم على الله من أن يوبخهم.
стр. 12522
ثم إنه ليس في الآيات القرآنية ما يدل على أنهم فعلوا أو قالوا ما يستحقون به التوبيخ، فسؤالهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كان سؤال استرشاد - وسوف يأتي بيانه مفصلاً في موضعه-. وليس في قوله تعالى لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ولا في قوله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ليس فيه ما يفيد التوبيخ.
الآية الثانية من الآيات التي وردت فيها هذه الصيغة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ ....﴾ هي الآية الثانية والعشرون في قوله تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ الآيات (١٩- ٣٥) من سورة الأعراف.
стр. 12523
تتضمن هذه الآيات الكريمة قصة آدم في الجنة وخروجه منها:
فقد أنعم الله على آدم وزوجه أن يسكنا الجنة وأباح لهما أن يأكلا من ثمار أشجارها وأن يتمتعا بنعيمها ولم يحظر عليها مكانا من أماكنها، ولم يحرم عليهما ثمراً من ثمارها إلا شجرة كانت على مقربة منهما عينها الله تعالى بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا يعني ألا يأكلا منها أيضا، فإن اقتربا وأكلا فالظلم والخسران، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.
ويبدو أن الشيطان قد أعجل آدم وزوجه عن أن يذوقا شيئا من ثمار الجنة، وأن يتمتعا بشيء من نعيمها، فبادر يحاور ويوسوس ليسوءهما بكشف عوراتهما، وليحط من مرتبتهما بمخالفتهما ما نهاهما الله عنه، وفال لهما مانهاكما ربكما عن الاقتراب من هذه الشجرة والأكل منها إلا من أجل أن يحول بينكما وبين أن تكونا ملكين، أو تكونا من الذين يسكنون الجنة خالدين فيها لا يموتون.
وعاد الشيطان يعزز وسوسته ويؤكد مقالته فأقسم إنه لهما لمن الناصحين.
واستطاع الشيطان بهذا الإغراء والغرور والخداع أن ينزلهما من مرتبة عالية ومقام حميد، فيقربا الحجرة ويأكلا منها، فلمَّا ذاقاها ووجدا طعمها، تطايرت عنهما ملابس الجنة وظهرت لهما عوراتهما، فجعلا يلصقان عليهما من ورق الجنة يستران تلك العورات، فناداهما الله : ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ، فاعترفا بأنهما قد خالفا نهيه تعالى وكانا من الظالمين لأنفسهما وطلبا منه تعالى أن يغفر لهما وأن يرحمهما وإلا كانا من الخاسرين، ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ .
стр. 12524
قوله تعالى في الآية الثانية والعشرين المتقدمة: ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا﴾ عطف على ﴿أَنْهَكُمَا﴾ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ فهو داخل في حيز الاستفهام والنفي اللذين تدل عليهما ﴿أَلَمْ﴾ ، والتقدير وألم أقل لكما..
والاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا﴾ معناه العتاب على ما صدر منهما والتنبيه على موضع الغفلة، فقد قال تعالى لهما: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ . (١٩- الأعراف) . فخالفا النهي وقرباها وذاقاها، وقال تعالى يحذرهما من الشيطان: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِك﴾ . (١١٧- طه) ، فاغترا بقول الشيطان وقبلا ما عرض عليهما حين قاسمهما إني لكما لمن الناصحين.
أختي العزيزة: هل:
قال الزمخشري في تفسيره الكشاف [٤] :" ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ حيث لم يحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس" أ. هـ.
وقال أبو السعود في تفسيره [٥] :" ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا﴾ عطف على أنهكما أي ألم أقل لكما ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وهذا عتاب وتوبيخ على الاغترار بقول العدو"أهـ.
ما ذهب إليه الزمخشري وأبو السعود من أن الاستفهام للتوبيخ توبيخ آدم ﵇ بعيد عن الحق فيما أحسب وأرى، وما كان ينبغي أن يقال.
فآدم ﵇ نبي مكلّم، وقد فضله الله على الملائكة، فعلمه الأسماء كلها على حين جهلوها، وأمرهم بالسجود له فسجدوا، فهو أكرم على الله من أن يوبخ.
الآية الثالثة من الآيات التي وردت فيها صيغة (ألم أقل) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ . الآية (٩٦) من سورة يوسف.
الاستفهام هنا للتذكير، تذكير يعقوب أبناءه بما كان قد قاله لهم من قبل:
стр. 12525
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الآية- ٨٦- يوسف) ولتنبيههم أيضاً على أن قوله من قبل: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ . (٨٧ يوسف) لتنبيههم على أن قوله هذا كان عن علم من الله .
الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (الآية- ٧٢- الكهف) .
الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ . (الآية- ٧٥- الكهف) .
الضمير المستتر في قال في هاتين الآيتين يعود على (عبدا) الوارد في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ . (الآية ٦٥ من سورة الكهف) .
والجمهور على أن المراد بـ ﴿عَبْداً﴾ هو الخضر.
والمراد بضمير المخاطب في ﴿إِنَّكَ﴾ وفي ﴿تَسْتَطِيعَ﴾ في هاتين الآيتين هو موسى.
وقد قال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط [٦] : "ولم يذكر الله في كتابه غيره"أ. هـ.
ولكي يكون معنى الاستفهامين في هاتين الآيتين واضحاً أذكر ما جاء قبلهما وما جاء بينهما من الآيات الكريمة:
стр. 12526
﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً. قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً. قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ الآيات (٥٦- ٧٥) من سورة الكهف) .
معنى الاستفهام في ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ الوارد في الآية الثانية والسبعين المتقدمة، معناه التذكير، تذكير الخضر لموسى بما سبق أن قاله الخضر لموسى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ .
ومعناه أيضا العتاب، عتاب الخضر لموسى أن لم ينفذ موسى ما وعد به من قبل حين ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ (٦٩) الكهف) .
стр. 12527
والاستفهام الثاني ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ الوارد في الآية الخامسة والسبعين المتقدمة يفيد التذكير أيضا بالمعنى الذي قد تقدم في الاستفهام قبله، ويفيد أيضا العتاب، ولكن على وجه أشد وأغلظ، وقد دلّ على شدة العتاب واللوم الزيادة التي وردت في هذا الاستفهام وهي (لك) وكأنها تعني: قلت لك من قبل إنك لنا تستطيع معي صبرا، قلت هذا لك أنت! ألم تسمع؟! ألم تع؟! لقد اعتذرت فيما مضى بالنسيان، فبأي عذر تعتذر الآن؟!.
الآية السادسة قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ (٢٨- القلم)
هذه الآية الكريمة التي اشتملت على هذا الاستفهام جاءت مع آيات قبلها وآيات بعدها تحكي قصة أصحاب الجنة، ولكي تفهمي - يا أخت - معنى الاستفهام هنا على وجه أدق وأوضح أقص عليك قصتهم ملخصة مما نصت عليه الآيات القرآنية ومما ذكره أبو حيان في تفسيره البحر المحيط [٧] .
وهذه هي الآيات أذكرها أولا:
стр. 12528
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ. وَلا يَسْتَثْنُونَ. فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ. فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ. أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ. فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ. وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ. فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ. قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ. قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ. قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ. عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ . الآيات (١٧- ٣١) من سورة القلم.
يراد بالجنة هنا البستان، ويقال إنها كانت لرجل يؤدي منها حق الله تعالى، ويفتح أبوابها للمساكين أيام القطاف وجني الثمر، فينالون منها خيراً كثيراً مما تخطئه أعين القاطفين ولا تناله أيديهم، ومما يتناثر هنا وهناك بعيداً عن البسط الممدودة من تحت الأشجار.
ومات هذا الرجل، وصارت الجنة إلى أبنائه من بعده، فقالوا نحن أولو عيال وسوف يضيق علينا الرزق إن دخل علينا الجنة هؤلاء المساكين على عادتهم أيام أبينا، فأقسموا ليقطفْنّ ثمرها في الصباح الباكر قبل أن يجيء المساكين على عادتهم مع أبيهم، عزموا على ذلك عزم من يملك أمره، لا ينثنون عما عزموا عليه، ولا يقولون إن شاء الله.
стр. 12529
وبينا هم نائمون أتاها أمر ربك فأصبحت كالرماد الأسود أو الليل البهيم، وأصبحوا ينادي بعضهم بعضاً أن اغدوا على جنتكم إن كنتم عازمين على قطافها، وكانوا يخافتون في أصواتهم وهم يقولون لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين، كانوا يخافتون خشية أن يسمعهم مسكين أو يحس بهم أحد.
غدوا على جنتهم وهم يظنون في أنفسهم أنهم قادرون على قطافها وعلى منع المساكين من خيراتها، حتى إذا جاءوها ورأوها سوداء لاتحمل الثمر ولا تلبس الورق الأخضر أنكروها أول وهلة، وقالوا لقد ضللنا الطريق إليها، فهذه ليست جنتنا، ثم يتبين لهم أنها هي وأنها قد أصابها من أمر الله ما أصابها، ويثوب إليهم ما كان قد ضل عنهم من صواب ويقولون بل نحن الذين حرمنا خيراتها جزاء غفلتنا عن ذكر الله وعن امتثال ما أمر به من مواساة المساكين.
فقال أرجحهم عقلاً وأفضلهم رأياً ألم أقل لكم لولا تسبحون، قال ذلك تأنيباً لهم وتوبيخاً على تركهم ما كان حضهم عليه من قبل من ذكر الله وتنزيهه عن السوء، ولو ذكروا الله وذكروا إحسانه إليهم لامتثلوا ما أمر به من مواساة المساكين، ولا قتفوا سنة أبيهم في ذلك، فلما غفلوا عن ذكر الله وعزموا على منع المساكين ابتلاهم الله فأحرق جنتهم وحرمهم ثمارها.
ولما أنّبهم أوسطهم رجعوا إلى ذكر الله تعالى، وأقروا بأنهم كانوا ظالمين، وأخذ بعضهم يلوم بعضاً، فقد كان منهم من زيّن، ومنهم من قبل، ومنهم من أمر بالكف، ومنهم من عصى الأمر، ومنهم من سكت راضياً، ثم اعترفوا بأنهم كانوا طاغين، وأخذوا يطلبون من الله أن يفرج عنهم، وأن يبدلهم بهذه الجنة خيراً منها ويقولون إنا إلى ربنا راغبون في أن يجيب رجاءنا، وألاّ يخيّب آمالنا، فقد تبنا إليه ونسأله الغفران والرحمة.
стр. 12530
وبهذا تنتهي قصة أصحاب الجنة وقد تبين فيها معنى الاستفهام، تبين أن معناه التأنيب والتوبيخ، التوبيخ على تركهم ما كان حضهم عليه أوسطهم من قبل من ذكر الله تعالى وتنزيهه.
وإعراب هذه الصيغة (ألم أقل) سهل واضح لا يحتاج إلى بيان.
أختي العزيزة هل:
بقي في هذه الرسالة أن أحدثك عن الصيغة الرابعة عشرة وهي الصيغة التي دخلت فيها على لم النافية الجازمة لمضارع (جعل) ، وقد وردت هذه الصيغة في أربع آيات من آيات القرآن الكريم:
الآية الأولى وردت في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً. وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاًً. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ . الآيات (٢٥- ٢٨) من سورة المرسلات.
والهمزة في ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ . تفيد التقرير والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار، أي قد جعلنا الأرض تجمع الأحياء على ظهرها، وتضم الأموات في بطنها.
وتفيد التوبيخ أيضاً توبيخ المكذبين على تكذيبهم بالبعث وعلى كفرهم بعذاب يوم القيامة مع أن قدرة الله تعالى على خلق هذه المخلوقات تدل دلالة واضحة على قدرته أن يعيد خلقهم مرة ثانية، وأن يبعثهم من قبورهم ليوم الحساب.
و (نجعل) في قوله تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتاً﴾ بمعنى نصيّر، فالفعل قد تعدى إلى مفعولين: (الأرض) مفعول أول، و (كفاتاً) مفعوله ثان.
و (كفاتاً) اسم للموضع يكفت فيه الشيء أي يضم ويجمع، فلا يعمل فيما بعده، و (أحياء) و (أمواتاً) منصوبان على المفعولية بفعل محذوف يدل عليه (كفاتاً) ، والتقدير يكفت أحياء وأمواتاً.
ويجوز أن يكون (كفاتاً) مصدراً، فأحياءً وأمواتاً منصوبان به على المفعولية.
الآية الثانية التي وردت فيها هذه الصيغة جاءت في قوله تعالى:
стр. 12531
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ. عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ. الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ. كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ. أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً. وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً. وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاًً. وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً. وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً. وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً. وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً. وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً. وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً. إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾ . الآيات (١- ١٧) من سورة النبأ.
الهمزة في قوله تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً﴾ تفيد التقرير والتوبيخ:
التقرير على معنى الإخبار أي قد جعلنا الأرض مهاداً والجبال أوتاداً، وتفيد التوبيخ أيضاً توبيخ كفار مكة على تساؤلهم عن البعث مستهزئين، وعلى اختلافهم فيه جاحدين، مع أنهم لو أنعموا النظر في آيات الله الباهرة العجيبة، وأحسنوا التأمل في مخلوقاته العظيمة الغ ٢ يجة، وهي أمامهم مشاهدة محسوسة، يرونها صباحاً ومساء، صيفاً وشتاءً، ويبصرونها غدوّاً ورواحاً، وسباتاً ومعاشاً، لو فعلوا ذلك بتفكر وتدبر واعتبار لآمنوا بأن الله الذي خلقها قادر على أن يبعثهم يوم القيامة، وهو عليه هين.
و (نجعل) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً﴾ بمعني نصيّر، فالفعل متعد إلى مفعولين: (الأرض) مفعول أول، و (مهاداً) مفعول ثان.
стр. 12532
الآية الثالثة التي وردت فيها هذه الصيغة جاءت في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ. أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً. أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ. وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ. فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ . الآيات (٤- ١٧) من سورة البلد.
تتضمن هذه الآيات الكريمة أن الله قد خلق الإنسان يعاني متاعب ومشاق لا تكاد تنحصر، وأن هذا الإنسان يحسب لاغتراره بقوته وكثرة عدده وعدده ألا يقدر عليه أحدا ويقول مرائياً مفاخراً بكثرة ما أنفق في سبيل المكارم في الدنيا، ومن جراء أن يحمده الناس فيها، يقول أهلكت مالاً كثيراً، ويحسب أن أعماله التي لم يبتغ بها الدار الآخرة، وأن مقاصده التي لم يرد بها مرضاة الله تظل خافية لا يطلع عليها أحد، وقد غاب عنه أن عليه حفظة يكتبون عنه كل صغيرة وكبيرة إلى يوم الجزاء.
وتتضمن هذه الآيات أيضاً أن الله قد أنعم على هذا الإنسان بنعم جليلة فقد جعل له عينين يبصر بهما المرئيات، ويستعين بهما على كسب القوت وحاجات الحياة، وينعم النظر بهما في آيات الله المبثوثة في جنبات الأرض وفي آفاق السماء.
وقد جعل له لساناً وشفتين يستعين بهن على مضغ الطعام الذي هو قوام حياته في الدنيا، وعلى النطق بلغة هي من أعظم النعم التي وهبها الله لهذا الإنسان، وقد هداه الله النجدين، طريق الخير وطريق الشر، فكل نفس بما كسبت رهينة.
стр. 12533
ولكن هذا الإنسان الذي أنعم الله عليه بهذه النعم الجليلة غمط هذه النعم فلم يشكر، وكفر بمن أنعم بها عليه فلم يؤمن.
والشكر على نعم الله تعالى عقبة كؤود، لا يقتحمها إلا الذين يؤمنون بالمنعم بها ﵎ فيشكرونه على ما أنعم به عليهم بالإنفاق فيما يرضيه من فك الرقاب، وإطعام اليتامى الأقرباء الفقراء، والمساكين الجياع الأباعد، ويتواصون بالصبر على الإيمان به ، وبالصبر على طاعاته، وعلى ما يصيبهم من ضراء وبأساء، وبالصبر عما تهواه الأنفس ويزينه الشيطان من فساد وفسوق وعصيان، ويتواصون أيضاً بالتعاطف والتراحم وبما يؤدي إلى رحمة الله تعالى.
ومما تقدم تستطيعين أيتها الأخت أن تتبيني أن الهمزة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ تفيد التقرير والتوبيخ: التقرير على معنى الإخبار أي قد جعلنا لهذا الإنسان عينين ولسانا وشفتين، والتوبيخ توبيخ هذا الإنسان على غمطه هذه النعم الجليلة، وعلى كفره بالمنعم ﵎.
و (نجعل) في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ بمعنى نخلق، فالفعل يتعدى إلى مفعول واحد هو (عينين) و (له) جار ومجرور يتعلقان بـ (نجعل) .
وقد ذهب صاحب تاج العروس [٨] إلى أن الجعل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ بمعنى التسوية والتهيئة، وإلى أن الجعل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَة﴾ بمعنى الخلق والإيجاد، ولا أرى وجهاً واضحا في التفرقة بين معنى الجعل في الآيتين.
الآية الرابعة التي وردت فيها هذه الصيغة جاءت في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ . الآيتان (١- ٢) من سورة الفيل.
والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ للتقرير بمعنى الإخبار، أي قد جعلنا كيدهم في تضليل.
стр. 12534
و (يجعل) هنا بمعنى يضع، فهو يتعدى إلى مفعول واحد، و (كيد) المضافة إلى ضمير الجماعة هي هذا المفعول، والجار والمجرور (في تضليل) يتعلقان بيجعل.
أختي العزيزة هل:
لقد آن لهذه الرسالة أن تنتهي، وأسأل الله تعالى أن يعين على رسالة قادمة نلتقي فيها عما قريب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أختك
همزة الاستفهام
-المراجع-
مراجع الصيغ:
أ- مراجع صيغة (ألم أقل) وهى الصيغة الثالثة عشرة:
١- تفسير البحر المحيط المتقدم ذكره:
جـ ١ ص ١٥٠/ جـ ٤ ص ٢٨٠/ جـ ٥ ص ٣٤٦/ جـ ٦ ص ١٤٩/ جـ ٦ ص ١٥١٥١/جـ ٨ ص ٣١٣.
٢- تفسير أبي السعود المتقدم ذكره/ جـ ١ ص ٨٦/ جـ ٣ ص ٢٢١/ جـ ٥ ص ٢٣٥/ جـ ٥ ص ٢٣٦/ جـ ٩ ص ١٦.
٣- تفسير ابن كثير: جـ ١ ص ٧٤/ جـ ٢ ص ٤٩٠. الناشر: الحلبي بمصر.
٤- تفسير الكشاف المتقدم ذكره: جـ ١ ص ٢٧٣/ جـ ٢ ص ٧٣/ جـ ٢ ص ٣٤٣/ حـ ٢ ص ٤٩٤/ جـ ٤ ص ١٤٥.
٥- تفسير الجلالين (هامش الفتوحات الإلهية) المتقدم ذكره: جـ ١ ص ٤٠/جـ ٢ ص ١٣١.
٦- الفتوحات الإلهية المعروفة بحاشية الجمل على الجلالين: الناشر: الحلبي بمصر: جـ ١ ص ٤٠/ جـ ٤ ص ٣٨٧.
ب: مراجع صيغة (ألم نجعل) وهي الصيغة الرابعة عشرة:
١- تفسير البحر المحيط المتقدم ذكره: جـ ٨ ص ٤٠٨/ جـ ٨ ص ٤١١/ ج٨ ص٤٧٦
٢- تفسير أبي السعود المتقدم ذكره: جـ ٩ ص ٢٠١.
٣- تفسير الجلالين المتقدم ذكره: جـ ٤ ص ٤٧١/ جـ ٤ ص ٥٣٨/ جـ ٤ ص ٥٨٩.
٤- حاشية الفتوحات الإلهية المتقدمة الذكر: جـ ٤ ص ٥٨٩.
٥- تفسير البيضاوي: جـ ٣ ص ٥٦٠/ طبعة الحلبي الجامعة بين تفسير البيضاوي وتفسير الجلالين.
стр. 12535
٦- تاج العروس، المجلد السابع: مادة (جعل) ص ٢٥٧.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] إملاء ما منّ به الرحمن للعكبري جـ ٠١ ص ٣٠/الطبعة الأولى – الناشر: الحلبي بمصر.
[٢] تفسير أبي السعود: جـ ١ ص ٨٦ / الناشر: مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد – القاهرة.
[٣] تفسير الجلالين: (هامش الفتوحات الإلهية. جـ ١ ص ٤٠/ الناشر: الحلبي بمصر.
[٤] تفسير الكشاف للزمخشري: جـ ٣ ص ٧٣/ الناشر: الحلبي بمصر.
[٥] تفسير أبي السعود المتقدم ذكره: جـ ٣ ص ٢٢١.
[٦] تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي: جـ ٦ ص ١٤٣/ الناشر: مكتبة ومطابع النصر الحديثة/الرياض.
[٧] تفسير البحر المحيط المتقدم ذكره: جـ ٨ ص ٣١١- ٣١٣- ٣١٣.
[٨] تاج العروس، المجلد السابع، مادة (جعل) ص ٢٥٧.
следующие страницы →