Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12566–12605 · переход к 12571.
стр. 12566
(٤) وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﵊ قال: "من حلف بالأمانة فليس منا" رواه أبو داود.
وهذه الأحاديث كما ترى صريحة الدلالة في عدم جواز القسم بغير الله، وأما حديث ابن عمر فصريح الدلالة على أن القسم بغير الله شرك.
ولتكون الفائدة أكمل أفيدكم بأن الحلف بغير الله من أنواع الشرك الأصغر الذي لا يخرج مرتكبه عن الملة إلا بضميمة معان أخرى، ويطلق عليه أهل العلم والفقه في الدين شرك دون شرك كما يقال كفر دون كفر وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.. ومعرفة هذه الأمور بالتفاصيل المذكورة في مواضعها مع أمثلتها أمر له أهميته ومن لم يعرف ذلك يغلب عليه التخبط والاضطراب كما رأيت.
والنوع الثاني: الشرك الأكبر الذي يخرج مرتكبه عن ملة الإسلام، وحقيقته، صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى أو بعبارة أخرى اتخاذ غير الله نداً ومعبوداً مع الله، لأن هذا التصرف يتنافى وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) كما لا يخفى على طالب علم.
ومن أنواع العبادة الاستغاثة وهي دعاء المضطر والذبح لغير الله تقربا ومن ذلك التشريع من التحريم والتحليل كما تقدم، وأرجو أن تعتبر هذه القطعة ملحقا للهدية وبالله التوفيق.
والبحث معروف في موضعه لدى طلاب العلم، وهو باب هام جدا ومع ذلك قد يخفى على كثير من المنتسبين إلى العلم والله المستعان.
وأما الحديث الذي فهم الشطي منه أن الرسول حلف بغير الله وحاشاه وهو الذي نهى عنه كما علمت، فالحديث في صحيح مسلم، وقد استشكل أهل العلم معناه ومراده، وموقفهم من مثل هذه النصوص التي ظاهرها التعارض أن يوفقوا بينها بما لديهم من الفقه في الدين، بالطريقة المعروفة عندهم في مادة (أصول الحديث) .
فالحديث الذي نحن بصدده صحيح، والأحاديث التي خالفها صحيحة أيضا، فكيف التوفيق بينها وبينه؟!!.
стр. 12567
يجيب على هذا الاستشكال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري شرح صحيح البخاري) وقد قيل في حقه (لا هجرة بعد الفتح) تعبيرا عن مكانته ومنزلته العلمية.
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
فإن قيل ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء، أجيب بأن ذلك كان:
(١) قبل النهي، قلت: وعلى هذا القول يكون الحديث منسوخا ومعرفة الناسخ والمنسوخ أمر له أهميته لدى طلابا العلم.
(٢) أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف، كما جرى على لسانهم (عقرى- حلقى) يقال ذلك للمرأة إذا كانت مؤذية أو مشئومة، أي عقرها الله وحلقها حلقا، هذا أصل المعنى وجعلوا بعد ذلك يطلقون هذه الألفاظ دون قصد للمعنى الأصلي.
(٣) أو فيه إضمار (اسم الله) كأنه قال - (ورب أبيه) - وهذا النوع من الإضمار أو
الحذف معروف عند أهل اللغة ولا إشكال فيه، هذه هي أوجه التوفيق التي ارتضاها الحافظ ابن حجر مع ذكره لأوجه أخرى لم يرتضيها [٣] .
إسلام الخميني ليس بإسلام
وأخيرا أدركت من مناقشة الأخ الشطي للمتطرفين من الخوارج والشيعة وفروعهما حرصه الشديد على الدعوة إلى ما يراه صالحاً ونافعا كما هو حريص على إنكار ما يراه منكراً يجب إنكاره، وعلى الرغم من ذلك فقد فاته- ولست أدري سبب ذلك - أن يوجه نصيحته وتوجيهاته إلى أولئك الذين تطرفوا تطرفا متطرفاً - لو صح التعبير - والذين لو تركوا وما أرادوا ولم يؤخذ على أيديهم أوقعوا عوام المسلمين وأشباه العوام من المثقفين السذج الذين لم يدرسوا الإِسلام كما يجب في حيرة ولبس في مفهوم الإسلام ذاته لأنهم كثيراً ما يتحدثون عن الإسلام ومفهوم الإسلام وهم لا يفقهونه كما يتحدثون عن حقيقة الإسلام والجهاد في الإسلام وهم بحاجة إلى من يشرح لهم ما يريدون شرحه لغيرهم لأنهم من جملة الأنصاف الذين تحدثنا عنهم سابقاً، وقد ينزلون أحيانا إلى الأرباع.
стр. 12568
وعلى سبيل المثال أخذوا يتحدثون في الآونة الأخيرة عن الخميني وإسلامه وكثيراً ما يمجدون إسلامه، وإسلام الخميني ليس بإسلام في نظرنا ولا يلتقي مع إسلامنا الحق الذي أنزله الله في كتابه وفيما أوحى به إلى خاتم رسله محمد ﵊، لا يلتقي معه إلا في (اللفظ) فقط أما في حقيقته وجوهره، أما في عقيدته وكثير من أحكامه فهو في واد والإسلام في واد آخر، فلا يلتقيان كما قلت، يدرك ذلك كل من درس الإسلام وفهمه جيداً ثم أطلع على ما جاء به الخميني من وحي أئمته وفهمه أيضاً، وتمجيد هذا الإسلام الوضعي وتحبيذه بل دعوة الناس إليه يعتبر في نظرنا تضليلا للناس وإبعاداً لهم عن الإسلام الحق وتزيينا لهم بالباطل، لأن الحق لا يتعدد كما هو معلوم. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [٤] .
وإسلامنا الذي ندعو إليه هو الاستسلام لله بالطاعة، وعبادته عبادة خالصة بعيدة عن شوائب الشرك وتجريد المتابعة لرسوله، وهذه المعاني معدومة أو ضعيفة في إسلام الخميني، وإذا كان ذلك كذلك، فتمجيد هذا الإسلام دعوة إلى الباطل، وإبعاد للخلق عن الدين الحق ضرورة عدم اجتماع الشيء مع نقيضه.
ولو أخذنا نسوق أدلة مادية لا تقبل جدلا لندلل على بطلان إسلام الخميني لاحتاج الأمر إلى تأليف كتاب مستقل بالموضوع، فلنقتصر على ذكر ما لا بد من ذكره، فنوجز ذلك في الآتي:
стр. 12569
(١) إن الله اصطفى لتبليغ دينه إلى الناس نبيه محمداً ﵊ وختم به الرسالة، فبلغ ﵊ رسالة ربه كما أمر ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [٥] وعندما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى - بعد أن أكمل الله لنا الدين وأتم لنا النعمة - ترك لأمته كتاب الله وسنته ﵊ في أيدي رجال أمناء قد رضي لهم أن يكونوا خلفاءه من بعده على هذه الأمانة العظيمة، فخلفوه فعلا وحافظوا على الأمانة كما يجب، وبلغوها لمن بعدهم بكل إخلاص وأمانة وفي مقدمتهم أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي رضى الله عنهم، وسماهم الرسول "الخلفاء الراشدين المهديين من بعده". وتعتبر أفعالهم وأقوالهم (سنة متبعة) عند أهل السنة. كما تقدم.
وهل تعلمون موقف الخميني من هؤلاء الراشدين؟ يعتبر هؤلاء الخلفاء الراشدون في إسلام الخميني خونة وكفاراً، إذا استثنينا علياً وأولاده عند بعض أتباعه، ويلقب أهل السنة أبا بكر وعمر (بالشيخين) وأما عند الروافض قوم الخميني فهما (صنما قريش) قاتل الله الروافض ومن يشايعهم.
وهل يعلم هؤلاء الروافض وشيعتهم ماذا يقول علي رضى الله عنه في أخيه أبي بكر الصديق "رضيك رسول الله لديننا وكيف لا نرضاك لدنيانا". يعني إذا كان الرسول قد قدمك لتصلى بالناس إماماً في حياته والصلاة عمود الدين فكيف لا نرضى أن تتولى شئون الخلافة فينا؟ ﵃ جميعاً [٦] .
стр. 12570
هذا موقف علي بن أبي طالب من أبي بكر الصديق، بالاختصار أما الخميني ففي إسلامه لا يقبل أي حديث يأتي من طريق أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، اللهم إلا ما كان من طريق علي بن أبي طالب وأولاده عند بعضهم، وأما عند بعض غلاة الروافض من قوم الخميني فلم يقف الأمر عند هذا الحد بل خطأوا جبريل ﵇ أمين الله على وحيه (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) حيث زعموا فيما زعموا وما أكثر مزاعمهم أن الوحي كان في الأصل لعلي بن أبي طالب ﵁، إلا أن جبريل أخطأ فأتى به إلى محمد ﵊، فكان الواجب على الإمام علي أن يطالب بهذا الحق فحيث لم يطالب بحقه فضاع الحق بسبب إهماله، فهو كافر، وبقية الصحابة كفار لأنهم لم يؤمنوا بنبوة علي، وهذا الباطل المركب من القول والإعتقاد هو الذي ورطهم في رد أحاديث رسول الله ﷺ كلها، بدعوى أنها كلها رواية قوم كفار.
وبعد: فهل بعد هذا الكفر من كفر؟ وهل لأحد أن يقول بعد هذا أن أصولنا وأصول الروافض واحدة؟ !! وإن فعل ذلك أحد فتلك مكابرة ومغالطة كما لا يخفى، ومن أراد مزيد البحث في هذه النقطة فعليه مراجعة (مفتاح الجنة في الإحتجاج بالسنة) للسيوطي والكتاب من مطبوعات الجامعة الإسلامية للتوزيع.
وهاك نص كلام الإمام السيوطي وهو يتحدث عن الرأي الفاسد الذي يرى عدم الإحتجاج بالسنة.
стр. 12571
قال ﵀: "وأصل هذا الرأي الفاسد أن الزنادقة وطائفة من غلاة الرافظة ذهبوا إلى إنكار الإحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن، وهم في ذلك مختلفوا المقاصد، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلي وأن جبريل ﵇ أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين ﷺ ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ومنهم من أقر للنبي ﷺ بالنبوة ولكن قال: إن الخلافة كانت حقاً لعلي فلما عدل بها الصحابة عنه إلى أبي بكر ﵃ أجمعين قال هؤلاء المخذولون- لعنهم الله- كفروا حيث جاروا وعدلوا بالحق عن مستحقه وكفروا لعنهم الله علياً ﵁ أيضاً لعدم طلبه حقه، فبنوا على ذلك رد الأحاديث كلها لأنها عندهم بزعمهم من رواية قوم كفار، فإنا لله وإنا إليه راجعون وهذه آراء ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذي كان الناس في راحة منه من أعصار" [٧] .
(٢) إن موقف الخميني وأتباعه من الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها معروف لدى طلاب العلم في قصة الإفك وهم لا يؤمنون ببراءتها، وقد زعموا فيما زعموا أنها الشجرة الملعونة في القرآن، وموقفهم ذلك من الصديقة المبرأة يعتبر تكذيباً للآيات القرآنية التي نزلت من فوق سبع سماوات في براءتها وبالثناء عليها رغم أنف الخميني وأنوف أتباعه من الآيات والحجج في طهران، وتكذيب كلام الله كفر لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح حوله كبشان، كما يقولون.
(٣) يعتقد الخمينيون أن أئمتهم أفضل من الأنبياء والمرسلين حتى من أفضلهم وخاتمهم محمد ﵊ ومن الملائكة الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، هذا ما صرح به الخميني نفسه (في كتابه الحكومة الإسلامية) راجع الكتاب المذكور لتجد النص التالي: ص ٥٢.
(الولاية التكوينية)
стр. 12572
"وثبوت الولاية والحاكمية للإمام (ع) لا تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند الله، ولا تجعله مثل من عداه من الحكام، فإن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإنما من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم (ص) والأئمة (ع) كانوا قبل هذا العالم أنواراً فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله، وقد قال جبريل-كما ورد في روايات المعراج-: لو دنوت أنملة لاحترقت وقد ورد عنهم (ع) : إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل"أ. هـ.
جرأة لا تقف عند حد وافتراء صارخ وكفر سافر ليس على وجهه غطاء.
(٤) إن ولاء آل البيت لا يتم في إسلام الخميني إلا بعداء بقية الصحابة وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر ﵄، أما صدور أهل السنة فقد وسعت لمحبة جميع الصحابة من أهل البيت وغيرهم، ولله الحمد والمنة.
وبعد: فإن تمجيد إسلام الخميني والحالة ما ذكر يتنافى وواجب النصح لعامة المسلمين، وتسمية حركته الفوضوية (ثورة إسلامية) نوع آخر من تضليل العوام وأشباه العوام، لأن ذلك يوهم أن سبيل الوصول إلى الولاية في الإسلام يكون بطريقة ثورة مسلحة ومدمرة التي تأكل الأخضر واليابس وتقضي على البريئين قبل المجرمين، ولا ترى إلا الوصول إلى الكرسي بأي وسيلة على أساس (أن الغاية تبرر الوسيلة) وهو أسلوب المستغلين للفرص الحاجة في أنفسهم.
стр. 12573
وأما سبيل الوصول إلى الولاية في إسلامنا إنما يكون بالشورى والتفاوض، ثم الاختيار، فإذا تم اختيار الوالي الصالح فتولى أمور المسلمين وجبت طاعته ما لم يأمر بمعصية الله ولا يجوز الخروج عليه ما لم يظهر كفراً بواحاً عليه دليل من الكتاب والسنة. هذا هو نظام الإسلام في أمر الولاية بالاختصار. ثم إن الإسلام ينهى عن الفساد في الأرض وعن تقتيل النساء والأطفال والشيوخ العاجزين حتى في الحروب التي بين المسلمين والكفار ما لم يحارب هؤلاء كغيرهم.
وإذا فتح المسلمون بلداً ما عنوة وخضع أهل البلد لأحكام الإسلام وأعطوا الذمة يحرم الإسلام دماء أهل الذمة وأموالهم، ولا يحقد الإسلام على ما قد يحصل من الأعداء في حالة الحرب، بل يعفو ويصفح، والجميع يعرفون موقف رسول الإسلام من أهل مكة يوم الفتح. أما إسلام الخميني يخالف هذه التعليمات الرحيمة كلها، فيخرب ويدمر ويقتل النساء والأطفال والشيوخ وهم مسلمون في الجملة، إذا خولف شيء من تعليمات الثورة المزعومة ونظامها.
وهؤلاء المتطرفون إذا قيل لهم لماذا هذا التضليل ولماذا هذا التمجيد العاطفي لإسلام الخميني؟ ولماذا هذا التخبط؟ قالوا: نحن نريد خلق مجتمع إسلامي عام لا يتخلف عنه أي فرد ينتمي إلى الإسلام ولو بالاسم. سنياً أو رافضياً. أو أو.
стр. 12574
فمثلهم كمثل الذي دخل سوقاً غاصة بالناس رجالاً ونساءً ليدعوهم إلى الصلاة فجعل يناديهم قائلا: أيها الناس إننا أنشأنا لكم مسجدا في غاية السعة فهلموا جميعا لأداء الصلاة فيه ولا يتأخرن أحد وليأت كل واحد على ما هو عليه، المتوضئ بوضوئه، والمحدث بحدثه، والجنب بجنباته، بل حتى الحائض والنفساء، لأننا لا نرد أحداً، إذ قصدنا خلق مجتمع إسلامي عام شامل وكلنا إخوان مسلمون، ولا داعي للتشدد لأن التشدد يفرق بين صفوف المسلمين، وبينما هو يرفع عقيرته بهذا الهذيان فوجئ بداعية ناصح ممن رزق الفقه في الدين وهو يقول للناس: أيها الأخوة المسلمون حان وقت الصلاة فقوموا فتوضأوا ثم صلوا صلاتكم حيث ينادي لها، فأخذ يعلمهم الطهارة، وأنها شرط لصحة الصلاة فصاحب المجتمع المزعوم يستمع إليه بدهشة وهو يفكر ليستحضر الأسلوب الذي يستعمله ضد هذا الداعية. إنه فكر وقدر ثم صرخ صرخة شيطانية قائلاً "أيها الأخوة المسلمون لا تسمعوا لهذا الكلام والغوا فيه لعلكم تغلبون على هذا المتشدد وتسكتونه"إلى آخر تلك الصيحة اليائسة.
أيها القراء الكرام، أنشدكم الله أيّ صاحبي السوق على الحق؟!!
أما أحدهما فقد دعا الناس إلى أداء الصلاة بوضوء وبطهارة كاملة وبيّن للناس أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وقد نصح، وأما الآخر فقد أوهم الناس أن المهم والمطلوب اجتماع الناس في صعيد واحد تحت اسم (المسلمين) فيؤدون الصلاة على ما هم عليه قائلا:
لأننا نهينا عن التكلف، والدين يسر ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وهلم جرا إلى آخر تلك الفتوحات الجديدة.
هكذا أترك الحكم على صاحبي السوق للقراء وهم الحكم العدل إن شاء الله لأنهم من طلبة العلم في الجملة، ولأن الحق أبلج والباطل لجلج فهما لا يتشابهان. وبالله التوفيق.
يا سبحان الله!
стр. 12575
كم يخجل أو يحزن أن يتبع المرء هواه أو هوى جماعة معينة يريد إرضاءها فيسوق ما يشاء من الآيات والأحاديث محرفاً للنصوص ومحملاً لها ما لا تتحمل من المعاني!!، وهو نوع من السخرية بالنصوص وهو بالتالي دليل واضح على ضعف إيمان صاحب هذا التصرف لأنه لو كان يؤمن بالله حق الإيمان ويقدره سبحانه حق قدره ويحب رسوله حق المحبة ويقدره، لما تجرأ على هذا النوع من الإستدلال والتحريف والتضليل.
والله نسأل وباتباع نبيه نتوسل، أَن يعصمنا من الانحراف والإلحاد ويمسكنا هدى نبيه حتى نلقاه، إنه سميع قريب مجيب.
وبعد:
في نهاية هذه المناقشة التي قد تبدو حادة أحياناً بالنسبة لبعض الناس أرى لزاما على أن أوجه كلمة موجزة أرجو أن أكون فيها ناصحاً وصادقاً.
أوجه هذه الكلمة إلى إخواننا الدعاة في كل مكان، وتحت أي عنوان طالما يدعون إلى الله جميعا ويعملون لإظهار الحق والنصح لعامة المسلمين.
على كل داعية إذا كان ناصحا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم أن يسعى في أسباب توحيد صفوف الدعاة إلى الله بعيداً عن الأنانية وحب الزعامة وعشق المناصب، كما يسعى في منع أسباب التحزبات التي تؤدي إلى الخلافات والنزاعات الداخلية فتعرقل سير الدعوة، بل تؤدي إلى بلبلة العوام وأشباه العوام الذين يجهلون موقع الحق، ولا يمكن بحال من الأحوال تحقيق الوحدة المنشودة والتي لا بد منها لنجاح الدعوة إلا بأمرين اثنين:
(١) وحدة المصدر في معرفة (العقيدة الإسلامية) واعتماد ذلك المصدر وحده في بحث أي معنى من معاني العقيدة الإسلامية وعدم إغفاله، وبذلك تسلم عقيدة المسلم من الزيف والإلحاد والضلال وهذا المصدر هو الوحي، لا شيء ينافسه، وأما العقل فلا يكون، أساسا ولا يعطل، هكذا بالاختصار.
стр. 12576
نقول هذا القول إستناداً إلى قوله ﵊ "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي"، وقوله ﵊ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور" الحديث.
فالخروج على هذا المصدر في معرفة العقيدة وأحكام الشريعة والتماس الحق والهدى والفلاح في غيره ضلال بيّن لأن من سنة الله التي خلت في عباده أن من التمس الهدى في غير كتابه فإن الله يضله ولا يهديه سبيلا، وقد ورد في هذا المعنى أثر عن علي بن أبى طالب رضى الله عنه وهو يتحدث عن القرآن إذ يقول: "من التمس الهدى في غيره أضله الله".
(٢) توحيد منهج العمل في سبيل الدعوة إلى الإسلام ولا يوجد منهج أمثل وأصلح، بل لا يوجد منهج صالح غير منهج سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن اقتفى أثرهم وعمل عملهم، لأن واضع هذا المنهج هو رسول الهدى ﵊ والرغبة عن منهجه تتنافى والإيمان به قطعاً، والذين نقلوه هم أولئك السادة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وأهلهم للخلافة عنه ﵊، أَبو بكر وعمر وعثمان وعلي وإخوانهم رضوان الله عليهم.
فهل يوجد مسلم يعتقد عدم صلاحية هذا المنهج؟!!.
стр. 12577
من هنا نعلم أن بض التصريحات التي يدلي بها بعض المفتونين بالغرب أو بالشرق وقوانينهم (بأن الإسلام ليس فيه ما يحل المشاكل المعاصرة) لا يفسر إلا بالكفر بالإسلام وبرسول الإسلام ﵊، ضرورة أنه لا يكون اليوم دينا وهدى وصلاحاً وبراًَ ما لم يكن كذلك في عصر الوحي وقد صدق الإمام مالك، حيث يقول: "لا يصلح أخر هذه الأمة إلا ما أصلح أَولها". وكلنا نعلم أنما صلح أول هذه الأمة بالتمسك بهدى نبيهم دون تغيير أو تبديل، لأن الله قد أكمل الدين وأَتم النعمة على المسلمين قبل أن يقبض إليه نبيه محمداً ﵊ إذ يقول سبحانه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾
وهؤلاء السادة الذين حملوا إلينا هذا الدين هم خير هذه الأمة بشهادة رسول الله لهم ﵊ "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
ولو وافق الدعاة جميعا للرجوع إلى هذا المنهج الأصيل والتقيد به في دعوتهم وعملوا به في أنفسهم أولا عقيدة وعبادة وسلوكاً، لكان خيراً وبركة على الأمة، ووقاية لهم من كل شر. وقد صدق من قال:
وكل شر في ابتداع من خلف)
(وكل خير في اتباع من سلف
ويوم أن تلتقي دعوة الدعاة عند هذين العنصرين بتوفيق الله، يومئذ يتمتع المجتمع الإسلامي المعاصر ببركة اتباع السنة التي كان عليها سلف هذه الأمة لتغيير حياتهم وليعيشوا حياة غير هذه الحياة وليس ذلك على الله بعزيز.
والتاريخ خير شاهد لما قلت، ولست أتكلف لضرب الأمثلة لما ذكرت أَكثر من أن أشير إشارة إلى تلك الدعوة الفتية والتي نستظل اليوم بظلها ونرى أثرها واضحاً في هذا البلد والتي جددت للناس دينهم وعقيدتهم في القرن الثاني عشر، ناهجة منهج السلف الصالح.
стр. 12578
وقد هاجمت تلك الدعوة الجاهلية بألوانها وأشكالها في باب العقيدة والعبادة والأحكام، ودعت إلى إخلاص العبادة لله وحده وتجريد المتابعة لرسول الله ﵊، وأن يكون الحكم لله وحده في أرضه وبين عباده، فعلت الدعوة كل ذلك دون إلتفات إلى ما يترتب على ذلك من عداء عالمي إيماناً من حملة تلك الدعوة بأن الله معهم وسوف يجعل العاقبة لهم، لأن العاقبة للمتقين دائماً. بدأت الدعوة عملها في شرقي شبه الجزيرة ثم شملتها كلها حتى شع نشرها على أنحاء العالم شرقاً وغرباً، وقد هاجت الدنيا فقامت وقعدت وصرخت في وجه الدعوة الجديدة والمجددة زاعمة أنها جاءت بدين جديد يخالف دين الآباء.
وأصحاب الدعوة الجديدة لا يلتفتون إلى هذا الهيجان والصراخ بل هم ماضون في دعوتهم، وكأني بهم وهم يقولون: "ليس كل من ينبح عليه الكلب لصا"كما يقولون: وهذه الدعوة الشجاعة والفريدة في ذلك القرن وما بعده قد بارك الله فيها حتى قامت بها دولة إسلامية في قلب الجزيرة واتخذت القرآن دستوراً لها، إيماناً منها بأنه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ألا (وهي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مجدد القرن الثاني عشر. وذلك من بركات اتباع ذلك المنهج السلفي المبارك.
فعلى الدعاة الصالحين في الوقت الحاضر، أن يحذوا حذو هذه الدعوة المباركة، وأن يتأسوا بذلك الداعية في غيرته على دين الله وحرصه على نصح عباد الله، وصبره فيما لاقاه في سبيل الدعوة إلى الله سبحانه وفي وضوحه وصراحته، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجازي به المصلحين الصابرين.
أيها الدعاة سيروا على بركة الله في أداء واجب الدعوة لعباد الله مقتدين برسول الله ﷺ ، ومقتفين آثار أصحابه دون تبديل أو تغيير للخطة الأصلية، اللهم إلا ما كان من أسلوب يتطلبه الوقت والمكان- والله المستعان-.
стр. 12579
والخير أردت، والنصح قصدت، والله من وراء القصد.
وصلى الله وسلم وبارك على إمام الدعاة الصالحين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
سلامة الإسلام
قد قلت لكم بالأمس: إن الإسلام اليوم -بصفته عقيدة- موجود ومعمول به، لكنه جرد من مدنيته، وكانت هذه مؤامرة خطيرة نسجها الغرب، إنها رأت أن المسلمين ليس بالإمكان تجريدهم من العقيدة، وأن شعورهم أرق فيما يتصل بهذا الجانب، لأنهم قد مروا في هذا الصدد بتجارب مريرة جداً، واكتووا بنارها منذ الحروب الصليبية إلى سحق الكيان الإسلامي وتصفيته في إسبانيا، فلجأت إلى استراتيجية أخرى، وقررت أن تجردهم من مدنيتهم، وتسلخهم من نظامهم الإجتماعي، وتحملهم على قبول مدنية أخرى أجنبية، وأعتقد أن أوربا قد كسبت في ذلك نجاحاً باهراً.
والحمد لله لم يقع تحريف فيما يتصل بالعقائد الإسلامية، كما وقع في المسيحية حيت حادت عن خطها الصحيح تماماً، وصارت تعدو على الخط الذي رسمه (سينت بال) - القديس بولس -.
(من محاضرة بعنوان: (المرحلة الانتقالية للعالم الإسلامي)
للشيخ أبي الحسن الندوي)
--------------------------------------------------------------------------------
[١] هذه العبارة منقولة عن الإمام أبي حنيفة ﵀.
[٢] وهو الحافظ بن عبد الهادي في كتابه العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية.
[٣] فتح الباري الجزء الأول ص ١٧ حديث رقم ٤٦.
[٤] سورة آل عمران آية ٨٥.
[٥] سورة المائدة آية ٦٧.
[٦] تعليق: ما ذكره فضيلة صاحب المقال إنما هو رواية بالمعنى ونص القصة التي فيها قول علي ﵁ كالآتي:
стр. 12580
(وقال علي والزبير- ولعل ذلك بعد المعاتبة التي جرت بين أبي بكر وعلي. ما غضبنا إلا أن أخرنا عن المشورة، وإنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ . وإنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعرف له شرفه ومنه، ولقد أمره رسول الله ﵊ وهو حّي. وذكر غير (ابن عقبة) أن أبا يكر قام في الناس بعد مبايعتهم إياه يقيلهم من بيعته ويستقيله ما تحمله من أمرهم.
كل ذلك يقولون له: والله لا نقيلك ولا نستقيلك. وروي عن الحسن البصري عن علي ﵁ قال: (قدم رسول الله ﵊ وأمر أبا بكر ﵁ فصلى عنه بالناس، وإني شاهد غير صائب، صحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدمني لقدمني، فرضينا لدنيانا من رضي الله ورسوله لديننا) – ا. هـ من مختصر سيرة الرسول ﷺ لمجدد القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب ﵀ – ص ٤٠٨ (في ذكر سقيفة بني ساعدة) ((المجلة)) .
[٧] مفتاح الجنة للسيوطى ص ٣- ٤ طبعة المطبعة السلفية بالقاهرة.
стр. 12581
حقيقة العبادة بين شريعة الله وشطط التصوف
للدكتور عبد الفتاح إبراهيم سلامة
أستاذ مساعد بكلية الحديث
نشرت إحدى المجلات الإسلامية مقالاً بعنوان: ((الحب الإلهي في الشعر النسائي المعاصر)) .
وحرصاً منا على عرض حقائق الإسلام المشرقة الهادية عرضاً يلتزم منهج الكتاب وهدي السنة المطهرة، هادفاً إلى تنقية أفكار مما علق بها من خرافات وأوهام تسيء إلى حقائق الإسلام، وتشوه جلاله الخالدة.
ونظراً لما وجدته في المقال من (تهويمات شعرية وفلسفة صوفية) يجب عرضهما على الميزان الذي لا يبخس ولا يحيف، وهذا الميزان هو الوحي المنزل في نبعيه الصافيين: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، فإن قضى هذا الميزان الأقوم بأمر فقضاؤه هو القضاء العدل، وإن حكم بحكم فحكمه هو كلمة الفصل.
بدأ الكاتب حديثه: (عن رابعة العدوية) فقال: "أقبلت رابعة العدوية على الله وأحبته، والتمست القرب منه، والفناء في ذاته، والأنس بمطالعة جمالها الأزلي"أ. هـ..
هذه أول فقرة من مقاله، نبدأ بعدها المناقشة متسائلين:
ما هو الفناء في ذات الله؟! هل ورد هذا التعبير في القرآن الكريم؟ وهل حث رسول الله ﷺ أصحابه على الفناء في ذات الله تعالى؟! وأين هذا النص الذي يحضنا على هذا الفناء؟
وما معنى كلمة الفناء في لغة العرب؟ وما دلالة الحرف (في) في هذا السياق؟!!.
وما معنى الفناء كمصطلح صوفي دخيل على الإسلام.
أسئلةٌ كثيرةٌ، وإجاباتها أكثر وأكثر ...
إنّ كلمة الفناء تدل في لغة العرب على العدم والهلاك، أو مقاربة العدم والهلاك، ولذلك تطلق كلمة الفاني على الشيخ الكبير الذي قارب الموت.
стр. 12582
ولم تستعمل كلمة الفناء في القرآن الكريم إلا في الدلالة على هلاك الشيء وزواله، كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام﴾ ٢٦، ٢٧: الرحمن، ويؤيد تفسير الفناء بالهلاك قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَه﴾ ٨٨ القصص، وأما قوله: "والأنس بمطالعة جمالها الأزلي"فلنا أن نسأل الكاتب: ما معنى هذا الكلام؟ هل تريد رابعة أن تأنس بمطالعة (جمال الذات الإلهية الأزلي) في الدنيا أم في الآخرة؟.
إننا إذا فسرنا هذه العبارة بمعنى الرغبة في مشاهدة ذات الله العلية في الدنيا، فإنّ رابعة بهذا المطلب تكون قد طلبت أمرا لم يجب إليه كليم الله موسى ﵇، كما دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ ... قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً ... ﴾ ١٤٣: الأعراف.
وإن كان المقصود بهذه العبارة رؤية اللهِ في الآخرة، فهذا أمرٌ قد وعد الله به المؤمنين من عباده في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ ٢٢،٢٣: القيامة، وفي قوله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ..﴾ ٢٦: يونس، والحسنى هي الجنة، والزيادة هي رؤية وجه الله الكريم، كما ورد ذلك عن كثير من السلف في تفسير هذه الآية.
على أن: "الأنس بمطالعة الجمال الأزلي"تعبيرٌ لا يسلم من المآخذ، مع إيماننا بأن الله سبحانه متصف بالجمال على النحو اللائق بذاته العلية.
стр. 12583
ثم قال الكاتب: "وجعلت من حبها لذاته مذهبا لها في حياتها الروحية تأخذ به نفسها أخذاً، وتروضها عليها"وهذا التعبير يدل على أن لها مذهبها في (الحب الإلهي) ، وأن لغيرها من الناس مذاهب، فما هو مذهبها؟ وما هي مذاهب الناس في هذا الحب؟
وما الفرق بين مذهبها ومذاهب الناس؟ أسئلة لم يتعرض لها الكاتب للإجابة عليها، مع أنه أقام بنيان بحثه على أساس من (مذهب رابعة) الذي لم يوضحه، ربما لظنه أنه أشهر من أن يعرف، والسؤال الذي يرد حتما هنا هو: ما هو منهج الوحي الذي أنزله الله هدى للناس في هذه القضية؟ وهل حب الله ﷻ مسألةٌ خاضعَةٌ للمذاهب والأهواء؟ وهل الدين هو مذاهب الناس وآراؤهم وأهواؤهم؟ أمْ هو وحي الله الذي أنزله بياناً وشفاء وهدايةٌ ونوراً كما قال جل ذكره: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ... ﴾ ٥٢، ٥٣: الشورى. لا شك أنّ دين الله هو وَحْيه المنزل على خاتم الأنبياء ﷺ ، وليس أهواء الناس.
ونعود بعد هذا إلى إيضاح القول في المسألة الرئيسية في هذا الموضوع وهي: "مذهب رابعة في الحب الإلهي"هذا المذهب الذي نسجَ على منواله الناسجون، أو ((تأثروا)) به على حد تعبير ((الدكتور)) كاتِب المقال، وهذا المذهب يعبر عنه قولها:
. ويرون النجاة حظاً جزيلا
كلهم يعبدوك من خوف نار
بفردوس ويشربوا سلسبيلا.
أو ليسكنوا الجنان ليحظوا
هذا هو مذهب الناس في نظرها.
أما مذهبها هي فهو كما عبرت عنه: ... أنا لا أبتغي بربي بديلا.
أو كما روي عنها أيضاً: "إن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها".
وكما روي عنها أيضا:
أحبك حبين حبَّ الهوى
стр. 12584
وحباً لأنك أهل لذاك.
فأما الذي هو حب الهوى
فشغلني بذكرك عمن سواك
وأما الذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتما أراك.
تأمل: إن الله - تعالى علواً كبيراً - أهل لحب رابعة!! لماذا؟ لأنه سبحانه كشف لها الحجب التي لم تكشف لموسى ﵇!! أو لم تزعم أنها كشفتْ لها الحجبْ حتى رأت الذات العلية!! وليس هذا أدعاءً منا عليها، وإنما هذا ما تقوله الأبيات السابقة.
فهذه هي وجازة القول في مذهب (رابعة) الذي فتن به المفتونون، وهو يقوم على دعوى أن عبادة الله عِشقاً له خيرٌ من عبادة الذين يعبدون ربهم خوفاً وطمعاً، ونظراً لأن هذه الدعوى فتنة خطيرةٌ تردَّى فيها من لم يعتصم بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، فإن واجب البيان يملي علينا أن نضع هذه الدعوى في ميزان الكتاب والسنة، لنرى مبلغها من العلم، ووزنها من اليقين.
إن رابعة تزدري عبادة الذين يعبدون ربهم خوفاً وطمعاً، فهل نسمع إلى قول رابعة؟ أم نستمع إلى حكم الله الحكيم العليم؟
- بدهي أنّ الجواب هو: إن حكم الله تدين له القلوب، وتعنو له الوجوه ولنسمع إلى وصف الله جل ذكره لعبادة هؤلاء الخائفين من جلاله، الطامعين في جنانه، وهو في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فلا نفسٌ ما أخفى لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾ ١٥- ١٧: السجدة.
стр. 12585
وأمر ربنا سبحانه عباده أن يدعوه خوفاً وطمعاً، وبين أن الدعاء بهذه الصورة سبيل إلى رحمته، وسببٌ إلى جنته فقال جل ذكره: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥٦: الأعراف، وتأمل كيف رتبت الآية الكريمة الأمر بدعاء الله، بعد النهي عن الإفساد في الأرض. فهذا ترتيب يبين لنا أن الأرض إذا خلت من عباد الله الذين يخشونه بالغيب امتلأت بالمفسدين في الأرض. وقد مدح الله أهل الخوف منه ﷻ في غير موضع من كتابه واصفاً لهم بصفات الخير - على النحو التالي:-
أولاً- أهل الخوف هم أهل الاستجابة للحق:
وقد بين ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ ١١: يس.
وقال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ٤٥:ق.
ثانياً- أهل الخوف هم الذين يتقون ربهم:
قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ٥١: الأنعام.
ثالثا- أهل الخوف هم عمار المساجد:
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ... ﴾ ٣٦- ٣٨: النور.
رابعاً- أهل الخوف هم الذين يتعظون بما وقع للمكذبين:
стр. 12586
وقد بين هذه المسألة قوله سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٣٧ الذاريات.
خامساً- أهل الخوف هم أهل البر والإحسان:
وفي هذا المعنى ورد قول الله جل ذكره: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ ٧- ١١: الإنسان.
سادساً- الذين يخافون مقام ربهم لهم جنة المأوى:
لم يمدح الله الخائفين من جلاله فقط بل وعدهم بجزيل الأجر، وجميل الثواب، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ٤٠: النازعات.
سابعاً: الخائفون من مقام ربهم لهم ثواب الضعف:
ولم يعدهم الله الجنة فقط بل وعدهم أن يتبوؤا من الجنة في منزلين وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ٤٦: الرحمن.
ثامناً- الخائفون من الله هم أهل التمكين في الأرض:
كما دل عل ذلك قوله تعالى: ﴿ ... فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ١٣- ١٤ إبراهيم.
تاسعاً- مقام الخوف من الله هو من مقامات الأنبياء:
стр. 12587
قد يرد على خاطر بعض القراء أن الخوف من الله هو مرتبة من مراتب عوام المؤمنين، وأما خواصهم فليست هذه مرتبتهم، بل لهم مرتبة هي أسمى من ذلك، وهذا ظن مبتوت الوشائج بالحق، فلا مقام أسمى من مقام الخوف من رب العالمين، إذ هو مقام سادات الموحدين وكرام النبيين، ولنسمع في ذلك إلى قول رب العالمين: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٨٩-٩٠: الأنبياء، ومعلومٌ أنّ الرهب هو الخوف.
عاشراً- الذين لا يخافون من الواحد القهار هم الأشرارُ الفجار:
وكما بَيَّنَ الله أن الخوفَ من جلاله وعقابه هو صفة الأبرار الأخيار، بَيَّنَ أنّ عَدَمَ الخوف هو صفة الأشرار الفجار، فقال سبحانه: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ ٦٠: الإسراء. وقال سبحانه في صفة الكافرين: ﴿كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ ٥٣: المدثر.
الرغب والرهب دعامتا العبادة:
وربما قال قائل قد أكثرتم الحديث عن الرهب، وصورتم العبادة خوفاً محضاً، فهل على الخوف وحده ينهض بناء العبادة؟!
стр. 12588
ونقول له: ما إلى هذا قصدنا، ولا إلى هذا الفهم توجهنا، فإن الرغب والرهب دعامتان: عليهما يقيم العابدُ بناء عبادته، فإذا كان العابد راهباً لا يرغب: فهو إلى الخوارج أقرب، فإن الخوارج (الحرورية) جعلوا الخوف دينهم، والرهب ديدنهم فخافوا وأخافوا، وفزعوا وأفزعوا، وإن العابد إذا جعل دينه رغبة فقط مبرأة من الرهب، فقد أخطأ الطريق، وسلك سبيلا غير سبيل الحق، وإذا كنا نلتمس دائماً وأبداً السبيل الحسنى عند سيد الأنبياء ﷺ ، فلنعلم أنّ الله ﵎ قد مدح إمام أنبيائه، بالخوف منه جل ذكره، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿ ... قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١٤: ١٥ الأنعام.
ولنستمع أيضاً متدبرين قول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١٥: يونس.
وحتى تزداد القضية وضوحاً فلنتدبر قول العلي الحكيم الذي أمر به نبيه الكريم عليه الصلاة والتسليم: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ١١- ١٣: الزمر.
стр. 12589
فهذه الآيات البينات دلتنا على أن النبي الكريم كان أخوف الناس أجمعين لله العظيم، بل لقد وصَفَ ﷺ نفسه بذلك في حديثه للذين أرادوا أن يتخذوا الرهبانية منهجاً حين قال لهم: "إني لأتقاكم لله، وأخوفكم له" وفي رواية "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي" [١] .
ولنسمع إلى رَغَبِهِ ﷺ إلى ربه حتى تكتمل الحقيقة أمامنا، ذلكم أن الله قد مَدح نبيه الكريمَ بالرغب إليه والرهب منه، وما دمنا قد أسلفنا حديثَ الرهب فلنصْغ إلى حديث الرغب، وذلك في قول الله تعالى أمراً نبيه ﷺ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٧، ٨: الانشراح.
والمؤمنون أيضاً ممدوحون بالرغبة إلى الله:
وكما أمر الله نبيه الكريم ﷺ بالرغبة إليه، وامتدح عبده زكريا وله ﵈ بهذه الصفة الكريمة، فكذلك أثنى الله على التائبين المذكورين في سورة القلم بهذه الصفةِ، وذلك في قوله سبحانه: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ٣٢: القلم.
كما بين سبحانه أن هذه الصفة يجب أن يتصف بها من أراد أن يسلك سبيل المهتدين الراشدين، وذلك ما ورد في قول الله : ﴿ ... وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ٥٩: التوبة.
- ولسائلِ أن يسأله فيقول: حدثتنا عن الرغب، فهلا عرفتنا بمعناه في لغة العرب؟ ونقول له هذا سؤال يسير الطلب، فالرغب والرغبى- بفتح الراء أو ضمها- والرغباء والرغبة- بفتح الراء أو ضمها أيضا- والرغبوت: كلماتٌ متقاربات المعنى تدل على توسع في الإرادة، وعلى حرص على نيل مطلوب، وقصارى القول إن الرغبة إلى الله سَعي إلى عطائه، وحرْصٌ على رضائه، وضراعة إليه لنيل جنته.
стр. 12590
لكل شيء قلبَ، والحب قلب العبادة:
وقد يقول قائلٌ: أغفلتم جانب الحب، وأهملتم شأنه ونقول له: ما أغفلنا ولا قصرنا، فإذا كنا قد ذكرنا من قبل أنّ الرغبَ والرهب دعامتا العبادة، فلنذكر أن الحبَّ قلبها، وأن العبادة بلا حب كالجسد بلا قلب، ومن الناس من هدِيَ في أمر الحب إلى صراط مستقيم، ومنهم من ضلّ الطريق القويمَ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ذلكم أن حب الله نوعٌ من العبادة، ولهذا بين لنا ربنا سبحانه أن حب المؤمنين له تعالى: هو آية الإيمان، وأن حب المشركين لآلهتهم هو غاية الكفران، وذلك في قوله جل ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٦٥: البقرة.
والحب لله طاعة لأوامره، واجتنابٌ لنواهيه، واتباع لرسوله ﷺ ، واقتداء بهديه وقد أمر ربنا سبحانه رسوله الكريم أن يعلمنا هذا الهدى القويم، وذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣١: آل عمران، وقد بينت هذه الآية الكريمة أنّ أهل الطاعة هم أهل المحبة وأهل المغفرة، ثم بينت الآية الكريمة التالية لها أن أهل المعصية هم أهل الكراهية، وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٣٢: آل عمران.
هذا بعض القول، في موضوع يحتاج إلى مزيد من القول، حتى تتضح الحقائق ناصعة، وتولي الشبهات مدبرة.
نسأل الله جل ذكره: أن يجعل قولنا سداداً، وعملنا رشاداً. وتوفيق الله خير الأرزاق.
هذه حضارتهم
أصدر مركز التوثيق والإعلام إحصائية عن الجرائم التي تقع في فرنسا، جاء فيها:
стр. 12591
في كل دقيقتين و ١٨ ثانية تتم عملية سطو على المنازل - وهذا يعني ضعفي عمليات السطو في (شيكاغو) .
- حدثت في باريس وحدها ٣٩٥٥٩ عملية سطو على المنازل عام ١٩٨٠ أفي بزيادة ٩٧ في المائة منذ عام ١٩٧٢.
- اللصوص الذين يدخلون البيوت من أبوابها يشكلون ٨٠ في المائة من حالات السطو.
- ٧٠ في المائة فقط ينفذون عملياتهم بكسر الأقفال والأبواب.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] رواه مسلم في صحيحه وورد بألفاظ أحرى.
стр. 12592
حُقوُقُ الإنسان بين مزاعم الحكام وشريعة القرآن
للشيخ محمد المجذوب
كلية الدعوة أصول الدين
بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على الإعلان الدولي لحقوق الإنسان تحدث الرئيس الأميركي عن موقف بلاده من هذه القضية مؤكداً أن (حقوق الإنسان) تؤلف جوهر السياسة الأمريكية الخارجية. وقد أعادت إذاعة (صوت أميركة) وغيرها هذه الفقرة من خطاب الرئيس أكثر من مرة في أكثر من فترة إذاعية، ومثل هذه الفقرة ينطق بها رئيس أمريكي من حقها أن تستوقف كل مفكر يُعنى بأحداث العالم، ويتابع مواقف الدول والشعوب، ومجاري السياسة العالمية. وإذا كان هذا شأن المفكر أيا كانت هويته، فهو أكثر إثارة للمفكر المسلم، لما يرى من المفارقات العجيبة بين الكلام عن حقوق الإنسان وبين الواقع الذي يعانيه الإنسان من أصحاب هذا الكلام.
لقد مرت البشرية خلال التاريخ بالكثير من أحقاب الشقاء، فقد الإنسان أثناءها قدرة الرؤية، فراحت تتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض، إذ قضي عليها أن تمارس لعبة الموت، ويسير بعضها على أشلاء بعض، دون أن يكون لها في ذلك أي مصلحة أو رأي، ولكنها إرادة الطواغيت الذين استحوذوا على أزمتها، فلم يدعوا لها فترة للتنفس، بل مضوا يستاقونها بالسياط إلى حيث تبنى لهم من جماجمها أقواس النصر منقوشة بأزاميل المعذَّبين، وتماثيل المجد الكاذب منحوتة بأظافر المستعبدين المذللين.
ويتخايل إلي وأنا في غمار هذه الصور الدامية من ماضي الإنسان، أنها لا تزال هي التي تتحكم في حياته، وإن اختلفت ألقاب السفاحين الذين ينيخون على صدره في كل مكان..
стр. 12593
إن مجرد (إعلان حقوق الإنسان) في العصر الحديث شاهد صارخ على أن هذه الحقوق لم تكن شيئاً مذكوراً عند طواغيته، فهم يريدون استحداثها للتخفيف أو لإِيهام التخفيف من أعباء الشقاء الذي تعانيه الإنسانية تحت كوابيسهم.. وقد فاتهم أن حقوق الإنسان أكبر من أن تكون منحة يتصدق بها (الطغاة) بل هي قيمة أساسية خلقت معه منذ أن أخرجه الله من عالم العدم إلى نطاق الوجود، ثم لم يهبطه إلى هذا الكوكب إلا بعد أن أسجد له ملائكته، تكريماً لنوعه، وتفضيلا له على سائر مخلوقاته الأرضية.. ولو استقام هذا الإنسان في الطريق الذي خطه له خالقه لما وجد إنسان نفسه في حاجة إلى من يلوّح له بهذا الحق. ولكن الشيطان الذي أعلن منذ ذلك اليوم ملاحقة الجنس البشري بالإفساد والتضليل، قد استطاع أن يضرب بين الإخوة فإذا هم بين ظالم ومظلوم، وقاتل ومقتول.. وهكذا استحالت الحياة التي ينبغي أن تكون جنة من المودة والرحمة، حلبة صراع لا يثبت فيها إلا المتفوق في القسوة والمكر وفنون التخريب ثم استحالت اللغة نفسها على ألسنة البغاة أداة للتزوير، فهم بها يسمون الأشياء بأضدادها، فالعبودية التي يفرضونها على الشعوب هي الحرية المفضَّلة، والتعاون بينهم على استنزاف طاقات محكوميهم هي الحقوق التي يجب أن يصفقوا لها؛ ويقيموا الحفلات لذكراها ... ولو هم صَدَقوا العمل، وآمنوا بخالق الإنسان الذي سوّاه وعَدَلَه وكرّمه لوسعهم أن يعيدوا إليه الكثير من حقيقته التي سلبها الطواغيت، ومسختها المناهج المفسدة التي يسوسون بها الشعوب، وإذن لاسترد هذا الإنسان إيمانه بخالقه، ومن ثم إيمانه بنفسه وبرسالته التي هي تحقيق ملكوت الله في هذا الكون.. ليس فقط في نطاق السيادة على عالم المادة بل على نطاق الحياة بأكملها، بكل ما في الحياة من حاجة إلى البر والعدالة والأخوَّة، حتى يكون (المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام) .
стр. 12594
ولنعد إلى مناقشة الرئيس الأميركي في زعمه الكبير بأن توكيد حقوق الإنسان هو جوهر السياسة الأميركية ... وحبذا لو أتيح لنا أن نصل إلى سمعه لنقول له: في وسع كل رئيس أن يردد مثل هذا القول، ولكنه قول سيظل يعوزه التجسيد حتى يحققه العمل، وما دام عمله يباين ادعاءه، فلن يجد من يصدقه، بل أن سامعَه سيزداد شكا في جدية هذا الضرب من التصريحات التي لا تغير من الواقع شيئاً.
* لقد خاضت أميركتكم يا سيادة الرئيس عدداً من الحروب خلال هذا القرن، وفي كل حرب كان هذا الزعم الكبير هو الشعار الذهبي الذي ترفعه جيوشها، حتى إذا انجلت الحرب لمصلحتها نسيت ما كانت تزعمه، واكتفت بمحاولة توجيه المسيرة البشرية في خدمتها وحدها ولو هلك العالم كله، وهل أنا بحاجة إلى تذكيركم بهيروشيما وناجاساكي، اللتين جعلتم منهما مخبراً فنياً لتجارب علمائكم في مدى قدرتهم على التدمير فكانت حصيلة التجربة مئات ألوف الضحايا ممن لا ناقة له ولا جمل في ميادين القتال.. ومع ذلك فلم تسمع البشرية كلمة تعزية من أي رئيس أميركي في هذه الكارثة العالمية.. فليت شعري.. أين كانت حقوق الإنسان من سياسة أميركية يومئذ ... ؟ أم أنكم لا تعتبرون المخلوق إنساناً إن لم يكن أميركياً أو يهودياً!!..
ثم جاءت مجازر كمبودية وفيتنام ولاوس وأخواتها اللاتي أحلتم بهن الأرض بحاراً من الدماء.. ولما رأيتم مصلحة أميركة في مغادرتها تركتم شعوبها للجزارين الحمر يصَفّونها على الطريقة الماركسية، التي تعتبر الرحمة أبشع ألوان الضعف، دون أن تعتذروا ولو بكلمة واحدة لهذه الملايين من القرابين.. فأين كانت مبادئ أميركة في احترام حقوق الإنسان..؟ أم أن هؤلاء بنظر السياسة الأميركية من غير نوع الإنسان الذي يستحق الإحترام أو الإحسان..؟
стр. 12595
ويا سيادة الرئيس.. لعلكم لم تنسوا بعد جريمة أميركة التاريخية في اقتلاع ملايين العرب من الأرض التي جبل ترابها من أشلاء آبائهم وأجدادهم، منذ عهود العرب الكنعانيين قبل آلاف السنينِ لتزرعوا مكانهم عصائب الشذاذ، الذين ضاقت بمفاسدهم أكناف الأرض، ثم مازلتم بهذه العصائب تسميناً وتعزيزاً وإغْراء حتى جعلتم منها غابة من الضواري، لا يشبع نهمها شيء مثل البغي والعدوان على حقوق الإنسان.. فقل لي بالله كيف غابت عن أميركة يومئذ فكرة الإنسانية..؟ فوقفت بجانب الغاصبين، ولم تكتف حتى نصبت منهم دولة تهدد الأمن وتروع الآمنين.. ثم مضت تستغل كل مناسبة لتضخيمها بآلاف الملايين ولتسليحها بأحدث ما اكتشفه الفكر الإبليسي من وسائل التدمير والتتبير والتمكين حتى هذه الصرخات الجديدة التي تواجهون بها العالم في المؤتمرات الدولية والمناسبات القومية حول (حقوق الإنسان) لا تكاد تُسمع إلا حين يكون الأمر متعلقا باليهود، فأنتم من أجلهم تساومون روسية حتى على الحنطة وتحديد الأسلحة، فلا تجيبون لها مطلباً إلا بمقدار ما تفتح لهم من أبواب الهجرة لتكثير سواد القتلة في فلسطين السليبة.
ثم هاأنتم هؤلاء تشهدون اليوم عدوان صنيعتكم هذه على بقية أهلها بالقتل والتشريد، واجتياح المقدسات، واغتصاب الأرض لإِقامة المستوطنات المنذرة بزواله الجنس العربي من فلسطين.. حتى إذا تحرك الضمير البشري باستنكار هاتيك الجرائم في مجلس الأمن لجأتم إلى قذائف النقض- الفيتو- فأبطلتم مفعول الإستنكار دون أن تأخذكم هزة الحياء، إذ تقفون وحدكم إلى جانب المعتدين بوجه العالم كله.. وقد نسيتم شعاراتكم التي تتبجحون بها في كل مناسبة تستدعي الكلام عن حقوق الإنسان.
وها هي ذي بورمة البوذية الشيوعية تجتاح ديار المسلمين، وتفتك بجموعهم لتقذف ببقاياهم إلى بنغلادش المختنقة بسكانها ...
стр. 12596
وغير بعيد من بورمة مذابح المسلمين في جزر الفيلبين، حيث تغتال العصبية الصليبية حشودهم في بيوت الله، وتجليهم عن منازلهم وأراضيهم، دون ذنب سوى تشبثهم بهويتهم الإسلامية ...
ولطالما لقي إخوانهم مسلمو الهند من أمثال تلك المجازر بأيدي عتاة الهندوس، حيث تحرق المئات من قراهم، ويباد الألوف من أبريائهم حتى الأطفال والنساء ...
وما أحسبك بناس بعد مذابح الأوغادين، التي دفعتم بها لقمة سائغة لدبابات منغستو تسحق العزل من سكانها المسلمين، فتطمس معالم الديار، وتمزق أشلاء الكبار والصغارِ إلى جانب مذابحه الأخرى في ربوع الأرتيرية حيث تزحف قوى الشيوعية الدولية لتدمر فيها بقايا الحياة..
وكل ذلك على مرأى ومسمع من أهل الأرض.. ومع ذلك لا يذكر أحد أن رئيساً أو كبيراً في أميركة رفع صوتاً أو أطلق كلمة في الإحتجاج على الظالمين أو الإنتصار للمظلومين ...
فأين كانت رحمة أميركة بالإنسان؟.. أم أن هؤلاء وأولئك من غير الجنس الذي تطلقون عليه اسم الإنسان؟!..
وهل أنا بحاجة إلى تذكيركم يا سيادة الرئيس بذلك البلد العربي العريق، الذي صبت عليه صواعق المهلكات من الجو والبر فأحالته مقبرة كبيرة ينطوي تحت أنقاضه الآلاف من الرجال والنساء والأطفال.. وذلك على مسمع من الدنيا كلها، وعلى مشهد من أجهزتكم الفضائية، التي بلغت من الدقة (أن تصور كرة لا يتجاوز قطرها أربعة سنتيمترات عن ارتفاع ستة عشر ألف متر) ومع ذلك لم تجدوا في هذه المأساة العالمية ما يستحق منكم كلمة إشفاق، أنتم الذين أقمتم الدنيا ولم تقعدوها انتصاراً للكلبة (لايكا) أن تنتهك الحكومة السوفياتية حقوقها بإرسالها إلى الفضاء في تجربة علمية!..
أفكانت دماء آلاف المسلمين أرخص في معياركم (البراغمي) من إنزعاج كلبة؟.. أم هو المنطق الخاص الذي يسقط من حقوق الإنسان كل آدمي ينتمي إلى عالم الإسلام!!..
стр. 12597
الحق يا سيادة الرئيس أني عاجز عن ملاحقة مواقفكم المتضاربة في هذا الموضوع، الذي أطلتم وأطنبتم في الحديث عنه، لتوهموا العالم أن أميركة هي الحامية لكرامة الإنسان دون منازع.. في حين تكشف الصحف الأميركية عن ضروب المؤامرات الأميركية على حقوق الشعوب، سواء عن طريق الرشاوي التي تشترى بها الحكام، أو عن طريق المخابرات المركزية التي تقف وراء كل انقلاب يراد به فرض العملاء البغاة على الشعوب التي تتطلع إلى الحرية والحياة.. وماذا أقول يا سيادة الرئيس عن (المعونات) التي (تتبرعون) بها سنوياً لغوث البلاد المتخلفة بعد أن أعلنت مراكز القوى في أمريكة أنها ليست سوى (طعوم) لاصطياد المحتاجين، فليس لمعارض سياستكم الدولية واليهودية حظ في أي شيء منها.
لقد ظل هدف هذه (المعونات) سراً مستوراً حتى كشفه الكونغرس الذي قرر أن ليس لحكومة أي نصيب فيها إن لم تدفع ثمنها من كرامتها وحقوق رعاياها، وهكذا اتضح لكل ذي عينين أن معونتكم ليست سوى وسيلة لإخضاع الدول التي قضي عليها أن تكون في صفوف المتخلفين..
وما أظنكم تنسون موقف مندوب (تاهيتي) في هيئة الأمم عام/ ١٩٤٨/ يوم حشدتم العملاء لتقرير التقسيم الظالم فأبى عليه ضميره أن يشارك حكومة (ترومان) في هذه الجريمة، وأعلن موقفه بجانب الحق العربي إلا أن عاتق (تاهيتي) الضعيف لم يستطع الصمود أمام الضغط الأميركي أو الإغراء الأميركي، فأصدرت أمرها إلى مندوبها بوجوب التصويت لصالح الغاصبين، فلم يسعه إلا الخضوع، وأدلى بصوته في طاعة أميركة وهو يعلن احتجاجه عليها بدموعه النبيلة..
يا سيادة الرئيس: من حقك أن ترد على هذه التساؤلات بحجة أنك لم تشارك عملياً في معظم هذه الجرائم، لأن أكثرها إما سابق على عهدك، أو مفروض عليك بقوة الإستمرار، ولكن ما تعليلك لموقفك الراهن من موضوع القنبلة النيوترونية، التي يعتبر تبنيك لها من ثمار رئاستك وحدها في هذه الأيام.. ..؟.
стр. 12598
لقد أعلنت دوائركم في مختلف المناسبات أن قنبلتكم هذه فاقت كل ما تقدمها من أدوات الفتك.. وأن أبرز مميزاتها كونها تقتل الأحياء وحدهم دون أن تمس الأبنية بأي سوء..
فأي قيمة بعد هذا لكل ادعاء يريد أن يوهم الأغبياء بأنكم تقيمون أي وزن للإنسان!. إنها لمعادلة تفوق كل عجائب العقلية (البراغماتيزمية) إذ تجعل الحجر أحق بالرحمة من البشرية!. ولعمر الحق.. لقد بات أفضل من ادعائكم الإنتصار لحقوق الإنسان أن ترفعوا شعاراً جديداً آخر أليق بعصر النيوترون، هو (المادة أولاً وآخراً) .. وألاَّ حق في البقاء لإنسان إلا إذا كان من اليهود أو الأميركان!
يا سيادة الرئيس، لقد أفسدت المكيافيلية الغربية عقلية البشر حتى استساغت تسمية الأشياء بأضدادها، وحتى بات مثل هذا النقاش الذي أواجهك به من غرائب الوقائع في مقاييسها الزائغة، ولكن استغرابك قمين بأن يزول عندما تعلم أنني أناقشك بمنطق الإسلام الذي استعصى على مكيافيلية الغرب وشيوعية الشرق جميعاً، فبضوئه نرى، وبمعايره نحكم، وبذلك نرتفع على التضليل الذي يفرض نفسه اليوم على معظم البشر، فنقرر أنكم ومن ورائكم من ورثاء الميكيافيلية والماركسية إنما تهزءون بعقول الناس حين تنسبون إلى أنفسكم وأممكم فضيلة الإيمان بكرامة الإنسان، ذلك لأننا نحن المسلمين الأمة الوحيدة التي جعلت ولا تزال تحمل للبشرية دعوة السماء إلى احترام الإنسان انطلاقاً من إيماننا الراسخ بقول خالق الإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾
стр. 12599
فقضية (حقوق الإنسان) التي ترتبط عندكم بالمصلحة المتقلبة، هي بالنسبة إلينا نحن المسلمين قضية دين لا يقبل التغيير ولا التبديل، وأمامكم شواهد التاريخ فاستنطقوها تؤكد لكم أننا لم نعرف على مر القرون مثل الإستعمار الذي لوثتم به ضمائر البشرية، ولا مثل التمييز العنصري الذي مزقتم به أرحام الإنسانية ...
ولا جرم ولا غرابة ... فأنتم تنظرون بعين المادة الصماء إلى كل شيء من هذه الحياة، ونحن ننظر إلى الكون كله بنور الله.. وشتان بين النظرتين والمعيارين..
ولعلك أخيراً يا سيادة الرئيس قد قرأت شيئاً عن أسلاف المسلمين وأصغيت ذات يوم لتلك الصيحة العمرية التي لا تبرح تدوي في مسامع العالمين: متى استعبدتم الناس.. وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.؟
تذييل
ولقد شاء الله جلت حكمته أن يتأخر موعد هذا العدد من (مجلة الجامعة الإسلامية) حتى نشهد هجمة العدوان الجديد، الذي سجلت به لقيطتكم - إسرائيل- قمة الهمجية، التي توشك أن تمحو من ذاكرة التاريخ أسماء جنكيز وهولاكو وتيمورلنك، وأشباههم من أعداء الإنسانية في القديم والحديث.
стр. 12600
وإني لأكتب هذا التذييل العجلان في غمرة من أنباء التدمير المبير، الذي تنشره أسلحتكم الشيطانية على امتداد لبنان بعامة، وفي أحياء المسلمين من بيروت الغربية بخاصة، حيث يدك المجرمون من حلفائكم عديد المستشفيات على أجساد نزلائها من المرضى والأطباء، وآلاف المنازل الآمنة على رؤوس المئات من ضحاياها البرآء.. وقد قطعوا الماء وموارد الغذاء والضياء عن كل مكان من ذلك البلد المنكوب، كي لا يدعوا لأهله موضعاً للأمل بالبقاء.. وكل ذلك على مرأى ومسمع منكم يا سيادة الرئيس، دون أن يحرك فيكم ساكناً، أو يطلق لسانكم بكلمة حاسمة تقف وحوش الغاب عن اندفاعها المجنون.. هذا مع يقينكم التام بأن أولئك السفاحين ما كانوا ليقدموا على جرائمهم الجهنمية لولا ثقتهم بتأييدكم المطلق، سواء في مجلس الأمن الذي تنسفون كل مقرراته المنصفة بقذائف النقض، أو في فنون الهلاك من المبيدات العنقودية والإنشطارية والفوسفورية والفراغية، التي تمدون بها أولئك السفاكين للإجهاز على بقية الأبرياء المساكين..
ولم كل هذا الإجرام بحق الإنسانية، التي تنادون بوجوب الحفاظ على حقوقها؟!.
ستقلون حتماً: إنه حق إسرائيل في الأمن على حدودها من غارات الفلسطينيين! ...
ولكن.. هل بلغ تحجر الضمير الأميركي إلى حد أن يتناسى حق هؤلاء المشردين في الدفاع عن وجودهم؟!.
هل بلغ الفساد في ذلك الضمير إلى حد ألاَّ يفرق بين ظالم زحف بقضه وقضيضه من مختلف أرجاء العالم، ليقتلع شعبا من وطن ورثه عن عشرات الأجيال من آبائه، وبين هذا الشعب المظلوم الذي اغتصب القتلة وأنصارهم أرضه ودياره، فبات شريداً في المجاهل، حتى لم يجد مناصاً من اللجوء إلى السلاح للدفاع عن حقه في الحياة؟!!.
стр. 12601
وليت أصحاب هذا الضمير المتحجر قد اكتفوا بالسكوت عن الظالم، والتصامّ عن المظلوم، فلم يزودوا القاتل الغاصب بالعون على ضحيته، ولكنهم أبوا إلا أن يرفدوه بكل أسباب القوة التي تمكنه من القضاء عليها، ولو أدى ذلك إلى تحويل معالم الحضارة إلى مقابر يغَيَّب تحت أنقاضها آلاف الأبرياء من الشيوخ والأطفال والنساء..
فيالها محنةً جنيتم بها على ثقة الإنسان بنوعه!..
ولكن.. رب محنة أعقبتها منحة ...
وحسب هذه المحنة العالمية أنها حرَّكت مشاعر الغافلين المأخوذين بمدَّ عياتكم نحو حقوق الإنسان، فإذا هم يشهدون ما وراءها من مخاز تشمئز من فظائعها حتى أنفس الحيوان!.
ولا جرم سيكون لذلك أثره البعيد في تاريخ أميركة كله، وفي موقف الضمير الإنساني المستيقظ من صنيعتها، التي أزالت بوحشيتها الضارية آخر الستور عن وجهها الكالح الكريه..
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ .
стр. 12602
الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
الرئيس العم لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يطلع عليه من المسلمين حفظهم الله بالإسلام، وأعاذنا وإياهم من شر مفتريات الجهلة الطغاة، آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد فقد اطلعت على كلمة منسوبة إلى الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف بعنوان (هذه وصية من المدينة المنورة عن الشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف) قال فيها: كنت ساهراً ليلة الجمعة أتلو القرآن الكريم وبعد تلاوة قراءة أسماء الله الحسنى فلما فرغت من ذلك تهيأت للنوم فرأيت صاحب الطلعة البهية رسول الله ﷺ الذي أتى بالآيات القرآنية والأحكام الشريفة رحمة بالعالمين سيدنا محمد ﷺ فقال يا شيخ أحمد قلت لبيك يا رسول الله يا أكرم خلق الله.
стр. 12603
فقال لي أنا خجلان من أفعال الناس القبيحة ولم أقدر أن أقابل ربي ولا الملائكة لأن من الجمعة إلى الجمعة مات مائة وستون ألفاً على غير دين الإسلام ثم ذكر بعض ما وقع فيه الناس من المعاصي ثم قال فهذه الوصية رحمة بهم من العزيز الجبار ثم ذكر بعض أشراط الساعة إلى أن قال فأخبرهم يا شيخ أحمد بهذه لأنها منقولة بقلم القدر من اللوح المحفوظ ومن يكتبها ويرسلها من بلد إلى بلد ومن محل إلى محل بني له قصر في الجنة ومن لم يكتبها ويرسلها حرمت عليه شفاعتي يوم القيامة ومن كتبها وكان فقيراً أغناه الله أو كان مديوناً قضى الله دينه أو عليه ذنب غفر الله له ولوالديه ببركة هذه الوصية ومن لم يكتبها من عباد الله اسود وجهه في الدنيا والآخرة وقال والله العظيم ثلاثاً هذه حقيقة وإن كنت كاذباًَ أخرج من الدنيا على غير الإسلام ومن يصدق بها ينجو من عذاب النار ومن كذب بها كفر) هذه خلاصة ما في هذه الوصية المكذوبة على رسول الله ﷺ ولقد سمعنا هذه الوصية المكذوبة مرات كثيرة منذ سنوات متعددة تنشر بين الناس فيما بين وقت وآخر وتروج بين كثير من العامة وفي ألفاظها اختلاف وكاذبها يقول إنه رأى النبي ﷺ في النوم فحمله هذه الوصية وفي هذه النشرة الأخيرة التي ذكرناها لك أيها القارئ زعم المفتري فيها أنه رأى النبي ﷺ حين تهيأ للنوم لا في النوم فالمعنى أنه رآه يقظة زعم هذا المفتري في هذه الوصية أشياء كثيرة هي من أوضح الكذب وأبين الباطل سأنبهك عليها قريباً في هذه الكلمة إن شاء الله، ولقد نبهت عليها في السنوات الماضية وبينت للناس أنها من أوضح الكذب وأبين الباطل. فلما اطلعت على هذه النشرة الأخيرة ترددت في الكتابة عنها لظهور بطلانها وعظم جرأة مفتريها على الكذب وما كنت أظن بطلانها يروج على من له أدنى بصيرة أو فطرة سليمة.
стр. 12604
ولكن أخبرني كثير من الإخوان أنها راجت على كثير من الناس وتداولوها بينهم وصدقها بعضهم، فمن أجل ذلك رأيت أنه يتعين على أمثاله الكتابة عنها لبيان بطلانها وأنها مفتراة على رسول الله ﷺ حتى لا يغتر بها أحد. ومن تأملها من ذوي العلم والإيمان أو ذوي الفطرة السليمة والعقل الصحيح عرف أنها كذب وافتراء من وجوه كثيرة ولقد سألت بعض أقارب الشيخ أَحمد المنسوبة إليه هذه الفرية عن هذه الوصية فأجابني بأنها مكذوبة على الشيخ أحمد وأنه لم يقلها أصلاً والشيخ أحمد المذكور قد مات من مدة ولو فرضنا أن الشيخ أحمد المذكور أو من هو أكبر منه زعم أنه رأى النبي ﷺ في النوم أو اليقظة وأوصاه بهذه الوصية لعلمنا يقيناً أنه كاذب أو أن الذي قال له ذلك شيطان ليس هو الرسول ﷺ لوجوه كثيرة: منها أن الرسول ﷺ لا يُرى في اليقظة بعد وفاته ﷺ ومن زعم من جهلة الصوفية أنه يرى النبي ﷺ في اليقظة أو أنه يحضر المولد أو ما أشبه ذلك فقد غلط أقبح الغلط ولبسه عليه غاية التلبيس ووقع في خطأ عظيم وخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم لأن الموتى إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة لا في الدنيا. ومن قال خلاف ذلك فهو كاذب كذباً بيناً أو غالط ملبس عليه لم يعرف الحق الذي عرفه السلف الصالح ودرج عليه أصحاب رسول الله ﷺ ومن اتبعهم بإحسان.
стр. 12605
الوجه الثاني: أن الرسول ﷺ لا يقول خلاف الحق لا في حياته ولا في وفاته وهذه الوصية تخالف شريعته مخالفة ظاهرة من وجوه كثيرة كما يأتي- وهو ﷺ قد يُرَى في النوم ومن رآه في المنام على صورته الشريفة فقد رآه لأن الشيطان لا يتمثل في صورته كما جاء بذلك الحديث الصحيح الشريف ولكن الشأن كل الشأن في إيمان الرائي وصدقه وعدالته وضبطه وديانته وأمانته وهل رأى النبي ﷺ في صورته أو في غيرها ولو جاء عن النبي ﷺ حديث قاله في حياته من غير طريق الثقات العدول الضابطين لم يعتمد عليه ولم يحتج به أو جاء من طريق الثقاة الضابطين ولكنه يخالف رواية من هو أحفظ منهم وأوثق مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الروايتين لكان أحدهما منسوخاً لا يعمل به والثاني ناسخ يعمل به حيث أمكن ذلك بشروطه وإذا لم يمكن ذلك ولم يمكن الجمع وجب أن تطرح رواية من هو أقل حفظاً وأدنى عدالة والحكم عليها بأنها شاذة لا يعمل بها فكيف بوصية لا يعرف صاحبها الذي نقلها عن رسول الله ﷺ ولا تعرف عدالته وأمانته فهي والحالة هذه حقيقة بأن تطرح ولا يلتفت إليها وإن لم يكن فيها شيء يخالف الشرع فكيف إذا كانت الوصية مشتملةً على أمور كثيرة تدل على بطلانها وأنها مكذوبة على رسول الله ﷺ ومتضمنة لتشريع دين لم يأذن به الله، وقد قال النبي ﷺ : "من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" وقد قال مفتري هذه الوصية على رسول الله ﷺ ما لم يقل وكذب عليه كذباً صريحاً خطيراً، فما أحراه بهذا الوعيد العظيم وما أحقه به إن لم يبادر بالتوبة وينشر للناس أنه قد كذب هذه الوصية على رسول الله ﷺ لأن من نشر باطلاً بين الناس ونسبه إلى الدين لم تصح توبته منه إلا بإعلانها وإظهارها حتى يعلم الناس رجوعه عن كذبه وتكذيبه لنفسه لقول
следующие страницы →