Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13371–13410 · переход к 13376.
стр. 13371
ومن ناحية أخرى أثبتت آخر الإحصائيات أن عدد النساء الأمريكيات اللاتي يدمن الخمر بلغ نصف عدد المدمنين عموما في الولايات المتحدة الذي يبلغ ١٠ ملايين شخص [١١] .
وقد نشرت مجلة لواء الإسلام الصادر في القاهرة في شهر جمادى الأولى سنة ١٣٦٧هـ ١٢ من مارس ١٩٤٨م العدد التاسع:
يقول الدكتور محمد فخر الدين السبكي، صاحب البحث:
سأبدأ الآن بالتحدث عن أضرار الخمر الصحية وأقسمها إلى قسمين:
أولاً: تأثير جرعة واحدة.
وثانيا: تأثير الإدمان.
فأولا: ماذا يحصل لمن يشرب جرعة واحدة من الخمر؟
إن تأثير هذه الجرعة يختلف تبعا لعوامل كثيرة، منها سن الشخص ونوع الخمر، ودرجة نقاوتها من المراد الغريبة والكمية المشروبة، وكون المعدة خالية أو مملوءة بالطعام، وحالة الشخص الصحية، ودرجة حرارة الجو، وغير ذلك، كما أن التأثير أيضا يختلف تبعا لكون الشخص مدمنا أو غير مدمن.
فالتأثير يزداد كلما كان الشارب صغير السن، وتبعا لدرجة تركيز الكحول في الخمر؛ فجرعة من الويسكي الذي يحوي ٣٥% من الكحول يكون لها تأثير أقوى بالطبع من نفس الجرعة من النبيذ الذي يحوي نحو ١٥% من الكحول.
ويختلف التأثير أيضا تبعا لما تحتويه الخمر من مواد غريبة، وأخصها الكحول المثيلي الذي قد تسبب جرعة واحدة منه فقد البصر بالكلية.
كما يزداد تأثير الخمر سرعة واحدة إذا كانت المعدة خالية من الطعام.
كما أن تأثيرها يكون أسوأ إذا كان الشخص مصابا بأمراض خاصة.
وكذا إذا كانت درجة حرارة الجو منخفضة، أو كان الشخص غير متعود على الشرب.
وأودّ أن أذكر هنا أن تأثير الخمر لا يتوقف على السُّكر؛ إذ أن هذا التأثير يبدأ بمجرد وصول عشرة جرامات من الكحول إلى الدم للشخص البالغ، وهذا القدر يوجد في كأس واحدة من (الويسكي) أو (الكنياك) .
стр. 13372
وقد لا يصل بالشخص إلى درجة السكر، ولكن على كل حال له أثر ملموس في حالة الشخص الجسمية والعقلية.
ومما يذكر لهذه المناسبة أن الشخص إذا فحص في هذه الحالة نجد أن درجة إدراكه وتقديره قد تغيرت فعلا؛ فهو مثلا إذا كتب على الآلة الكاتبة زادت أخطاؤه عن المعتاد، وإذا قاد السيارة لم يتبع بالضبط قوانين المرور، ومع ذلك فهو نفسه لا يدرك أن حالته قد تغيرت، وهذا ليس غريبا بالنسبة له؛ فقلما نجد سكرانا يعترف أن عقله قد اختل، حتى وإن سار في الطريق عريانا أم الناس كما حدث كثيرا، بل إن السكيرين المدمنين قلما يعترفون أن عقلهم غاب مرة واحدة، حتى وإن كان غائبا ففلا وهو يقولون ذلك.
وعند وصول الخمر إلى المعدة تحدث عند غير المتعود عليها احتقانا فيها قد يسبب غثيانا أو قيئا، وإذا كانت الجرعة كبيرة سببت التهابا في المعدة وعسر هضم يمتد إلى بضعة أيام.
وبمجرد سريان الخمر في الجسم تسبب شعورا بالامتلاء في المخ مع شيء من الدوار أو الصداع، كما يسبب الكحول اتساعا في الأوعية الدموية التي بالجلد؛ فيجري فيه دم أكثر من المعتاد مما يسبب شعورا بالدفء، ولو أن درجة حرارة الشخص تكون في الواقع أقل من المعتاد.
والجرعة الواحدة من الخمر تحدث شيئاً من الارتفاع في ضغط الدم، وهذا الارتفاع وحده قد لا يكون له ضرر كبير، ولكن يتضاعف إذا كان الشخص مرتفع الضغط من نفسه، ثم إذا كانت كمية الخمر كافية لأن تحدث هيجانا يزيد في الضغط لدرجة ينفجر معها شريان في المخ يسبب شللا قد ينجو منه الشخص جزئيا أو لا ينجو كلية؛ إذ المعلوم أن الشخص الذي ضغطه الدموي مرتفع يجب أن يلتزم الهدوء في حياته؛ لأن أي هيجان يزيد في ارتفاع الضغط يعرضه لانفجار شرياني، والسكران لا يمكنه أن يضبط عواطفه وبالتالي لا يمكنه لنفسه هذا الهدوء.
ثانياً: تأثير الإدمان على الخمر:
стр. 13373
من المعروف عن الخمر أن الذي يشرب كأسا واحدة منها يكون عنده ميل لشرب ثانية وثالثة، حتى إذا تعود عليها بعض الشيء أصبح لا يمكنه أن يفارقها طويلا؛ فيحصل له تسمم من الكحول مزمن تنتج عنه حالة مرضية في جميع أعضاء الجسم المهمة.
وإن من يبحث كتب الطب يتولاه العجب عندما يقرأ باب مسببات الأمراض المختلفة؛ إذ يجد للخمر نصيب الأسد في ذلك، ولا عجب إذا كان لها الأثر الأكبر في ارتكاب الجرائم وانتهاك الحرمات، وخراب البيوت وإفساد الأخلاق؛ فلماذا لا يكون لها الأثر أيضا في إفساد أعضاء الجسم المختلفة وإصابتها بأمراض أو تعريضها للإصابة بأخرى.
يكفي أن نقول إن الإدمان على الخمر من أكبر أسباب تصلب الشرايين.
نحن نعلم أن الشرايين هي التي يجري فيها الدم إلى خلايا الجسم المختلفة يحمل إليها عوامل الحياة.
فتصلب الشرايين أولاً يضيقها فيقل ما يجري فيها من الدم، ويقل تبعا لذلك ما يصل لأنسجة الجسم من غذاء، وتصبح الشرايين غير مطاطة كما يجب، فعند انقباض القبض أو عند زيادة الضغط الدموي لأي سبب - كانفعال نفسي أو إجهاد جسماني - لا تلين الشرايين المتصلبة أماكم الضغط المتزايد بل يقاوم، وكثيرا ما تؤدي هذه المقارنة إلى انفجار أحد الشرايين، وكثيرا ما يكون الشريان في المخ فيحدث شللا، إما أن يترك الشخص عليلا بعد ذلك، وإما أن ينقله إلى الدار الآخرة فورا.
ليشكو ظلم الإنسان لنفسه وكفرانه بأثمن نعم الله، وهما الدين والصحة.
وإذا كان تصلب الشرايين يؤثر في تغذية أعضاء الجسم المختلفة فإن أهم هذه الأعضاء هو القلب، وفساد أوعيته يعرضه للذبحة الصدرية التي كثيرا ما تكون سببا في تنغيص عيش صاحبها.
стр. 13374
كما أن ضيق شرايين المخ يسبب ضعف الذاكرة، ويقلل من مقدرة الشخص على الإنتاج الذهني، ولا يقل كثيرا في الخطر عن تصلب الشرايين، تعرض خلايا الجسم المختلفة للتشحم، والتشحم هنا معناه تحول المادة الزلالية الحيوية للخلايا إلى نقط دهنية، وفي هذا فقدان لفائدتها الأصلية، وأهم الأعضاء التي تتأثر لذلك هو القلب أيضا.
ونحن نعلم أن القلب عبارة عن عضلة تشتغل كطلمبة كابسة ماصة؛ ينقبض فيخرج منه الدم، ثم يرتخي فيدخل فيه الدم، وهذا يستلزم قوة عضلاته ومتانتها.
فإذا تحولت الخلايا العضلية إلى دهن ضعف القلب وأصبح غير قابل لتحمل المجهود العادي، وعرضه للهبوط مع ما يتبع ذلك من شرح عام في الجسم، وجملة عوارض أخرى تنتهي بالشخص إلى الوفاة.
هناك عضو آخر ذو أهمية كبيرة وسريع التأثير بالكحول، وهو الكبد.
والكبد يقوم في الجسم بوظائف كثيرة.
فهو أولاً مخزن كبير تمر فيه الأوعية الدموية الآتية من الأمعاء، وتحمل الغذاء بعد هضمه وامتصاصه، فيأخذ منها الزائد عن استهلاك الجسم الوقتي من المواد النشوية ويخزنه ليخرج بعد ذلك تدريجيا وقت الحاجة.
كذلك يقوم الكبد بصنع الصفراء وإفرازها في الأمعاء لتساعد على الهضم.
وفي السكيرين يحصل عادة تليف في الكبد، أي تكاثر الأنسجة الليفية العديمة القيمة تكاثرا كبيرا على حساب خلايا الكبد المفيدة، وتكون نتيجة ذلك:
أولاً: فقدان جزء كبير من منافع الكبد.
ثانياً: ضغط الأنسجة الليفية على الأوردة القادمة من المعدة والأمعاء، وهذا يعوق سريان الدم فيها بسهولة إلى القلب، وينتج عن هذا بالتالي رشح مصل الدم في البطن وامتلاؤها بهذا السائل، فتكبر ويصبح الشخص كالمرأة الحامل، إلا أن هذه تحمل في بطنها جنينا من صنع الله، وذاك في بطنه أدرانا وأمراضا من صنع الشيطان.
стр. 13375
كما يحدث من معاكسة جريان الدم في الكد أن أوردة المعدة والأمعاء تتمدد وقد تنفجر وينتج من ذلك نزيف له أثره وخطره، ولعلكم تعلمون أن تمدد الأوردة في الجزء الأخير من الأمعاء هو ما يسمى (بالبواسير) ، والبواسير هذه التي هي إحدى هدايا الإدمان في الخمر لها من الأثقال والآلام ما يجعلها غنية عن التعريف، ويكفي أن تسأل عنها مريضا بهذا ليحدثنا عنها حديث المجرب الخبير.
ويحدث تليف الكبد أعراضا أخرى كثيرة، كتضخم الطحال، وتجمع مائي في الصدر، والتهاب في الكليتين، وغير ذلك مما لا يتسع المجال للتحدث عنه بالتفصيل.
والآن فلننتقل إلى عضو آخر ذي أهمية كبرى، وهو: الكليتان.
وقبل أن نتحدث عن تأثير الخمر على الكليتين أودّ أن أذكر شيئاً عن وظيفة هذا العضو الثمين في الجسم.
ذلك أن الدم عندما يمر فيهما تعمل خلاياهما على فرزه بما أوتيت من دقة في الحساسية، فتأخذ منه المواد الضارة التي تخرج في البول، وتبقى فيه المواد المفيدة التي يحتاج إليها الجسم.
والإدمان على الخمر يسبب في الكليتين التهابا حادا أو مزمنا، وتكون نتيجته اختلال وظيفة الكلية، فينزل في البول زلال الدم، وهو مادة غذائية ثمينة يجهد الجسم نفسه في هضمها بالأمعاء ثم امتصاصها في الدم، وبدلا من أن ينتفع الجسم منها في بناء خلايا جديدة تنزل في البول فتضيع سدى، وفي الوقت نفسه تبقى في الدم بعض المواد الضارة وأخصها (البولينا) .
وهذه إذا كثرت تسبب تسمما بوليا وخيم العاقبة، هذا فضلا عما يسببه التهاب الكليتين أيضا من حدوث ورم عام بالجسم، وضعف في البصر وارتفاع في ضغط الدم مع ما ينتج عن هذه الأعراض نفسها من أخطاء.. انتهى.
هذه صورة جلية واضحة لبعض أضرار الخمر التي بينها لنا أحد رجال الطب العباقرة، الذي لمسها عن تجربة من الواقع العملي والتحليلي لصرعى أم الخبائث.
стр. 13376
ويصر بعض الناس مع علمهم بحرمتها وأضرارها على تناولها؛ يقتلون أنفسهم بأيديهم، ويلقون بها في التهلكة دنيا وأخرى، دون خوف أو حياء من الذي يعلم السر وأخفى.
ويتضح لنا مما تقدم حكمة تحريم الخمر، وأن الله ﵎ لم يحرم شيئاً إلا لما يحتوي عليه من أضرار بالغة تؤدي بحياة الإنسان وكرامته.
حكم التداوي بالخمر:
أخرج مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا أن النبي r قال لرجلين: "أيكما أطَبّ؟ " قالا: يا رسول الله وفي الطب خير؟ قال: "أنزَلَنا الداء الذي أنزل الدواء" [١٢] .
وفي صحيح البخاري قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".
ولمسلم عن جابر رفعه: "لكل داء د واء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى".
ولأبي داود من حديث أبي الدرداء رفعه: "إن الله جعل لكل داء دواء؛ فتداووا ولا تتداووا بحرام".
من جملة هذه الأحاديث يعلم أن التداوي مطلوب شرعا، وأن الداء والدواء من قدر الله ، وعلى حد سواء.
وإذا كان التداوي مطلوبا فهل هو مطلوب بكل ما يظن أنه دواء، وسواء أكان هذا الدواء حلالا أم حراما؟
أما كون التداوي مطلوبا بدواء هو حلال فهذا أمر لا مرية فيه بمقتضى هذه الأحاديث التي تقدمت.
أما التداوي بمحرم فهذا ما يحتاج الأمر فيه إلى تفصيل.
فعن وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر، فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، قال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء". رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء؛ فتتداووا ولا تتداووا بحرام". رواه أبو داود.
стр. 13377
وقال ابن مسعود في المسكر: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ". ذكره البخاري.
وعن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث؛ يعني السم". رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي.
وهل الخمر إلا سم، كما أوضح الطب الحديث في التفصيل الذي أوردناه آنفا؟.
والناظر في هذه الأحاديث يجد التصريح بأن الخمر ليست بدواء، بل إن الأمر لا يقف عند هذا الحد ولكن جاوزه إلى التصريح كذلك بأنها داء.
إذن يحرم التداوي بها كما يحرم شربها، وكذلك سائر الأمور النجسة أو المحرمة.
وإلى هذا ذهب الجمهور الراسخ من أهل العلم.
ويقول الشيخ أبو زهرة في كتابه (العقوبة) ص١٨٥:
إن الخمر محرم لغيبته، فلا يباح ولو للتداوي؛ لأن الخمر لا تتعين طريقا للعلاج حيث غيرها من الدواء الطاهر يفي بالغرض، وما قال طبيب منذ نشأ الطب إلى اليوم أن في الخمر فائدة طبية لا توجد في غيرها.
وحقيقة فإن من يقرأ رأي الطب الحديث - الذي يقوم على البحث والاختبارات المعملية والاكتشافات العلمية - يرى أن محمداً ﷺ قال فيها كلمة الحق؛ كيف لا وهو الذي ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
يقول الدكتور أوبرلوس، رئيس قسم الأمراض النفسية في جامعة لندن، في أكبر وأشهر مرجع طبي بريطاني - مرجع برايس الطبي -: " إن الكحول هو السم الوحيد المرخص بتداوله على نطاق واسع في العالم كله، ويجده تحت يديه كل من يتصور أنه يهرب من مشاكله.
ولذا يتناوله بكثرة كل مضطربي الشخصية، ويؤدي هو إلى اضطراب الشخصية ومرضها، إن جرعة واحدة من الكحول تسبب التسمم وتؤدي إما إلى الهيجان أو الخمود، وقد تؤدي إلى الغيبوبة.
أما شاربو الخمر المدمنون فيتعرضون للتحلل الأخلاقي الكامل مع الجنون " [١٣] .
стр. 13378
وقد كان يعتقد قديما وإلى عهد قريب أن الخمر لها منافع طبية، ولكن الاكتشافات العلمية بينت أن هذا الاعتقاد وهم لا نصيب له من الصحة، وصدقت هذه الاكتشافات أنها حقا داء وليست بدواء [١٤] ، وبما شهدت به الأعداء كما يقولون.
ومنافع الخمر كلها موهومة؛ لأن هذه المنافع إما مادية بالنسبة لمن يبيعها ويتجر فيها فردا كان أو شركة أو دولة؛ فإن ما يعود إلى المجتمع أفدح وأعظم بكثير من هذا الكسب المادي، فالخسارة المؤكدة هي الخراب السلوكي والصحي مما لا يمكن أن يعوضه مال مهما بلغ.
أو منافع طبية وصناعية، وكلها أمر موهوم؛ فالواقعون في أسرها يعتقدون أنها تفتح الشهية، وعلى هذا الاعتقاد الكاذب استعملت قديما وحديثا في أغلب بلاد العالم تحت تأثير هذا المعتقد، فهي تفتح الشهية أول الأمر لأنها تزيد من إفراز حامض المعدة (كلور الماء) .
ولكنها بعد فترة تسبب التهاب المعدة الذي يترتب عليه بالتجربة المؤكدة فقدان الشهية، وكثيرا ما يعقبه القيء المتكرر، وآخرها سرطان المريء [١٥] .
وبعد، فإن من يتتبع موضوع التداوي بالمحرم يجد أن المتفيهقين الذين أباحوه بحجة الاضطرار لم يفهموا مطلقا معنى الاضطرار الدافع لاستعمال المحرم، فالاضطرار هو التيقن من هلاك النفس بانعدام ما يؤكل أو يشرب، فيصبح إنقاذا وقتيا من الفناء أن يأكل الميتة ويشرب الخمر، ولا يأثم بذلك، ولا حد يقام عليه عندئذ، وكذا إذا فعله جهلا أو بالشبهة التي تدرأ الحدود، إذاً فلا يجوز مطلقا التداوي بها؛ لقول الرسول الكريم ﷺ : "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها"، ولقوله في الخمر كما أسلفنا: "إنه ليس بدواء ولكنه داء"، فهل بعد قول الرسول وما ثبت به قوله الشريف من تجارب الواقع مجال لتقول بإباحة التداوي بالخمر؟
ننتقل بعد هذا العرض إلى بيان بعض الأحكام التي تتعلق بالخمر، والتي بينها الفقهاء، حتى يكون للناس حجة بعد هذا.
стр. 13379
أولاً: حكم من أنكر تحريم الخمر:
معلوم أنه لا خلاف بين العلماء في أن المتخذ من عصير العنب النيئ إذا غلا واشتد يكون خمرا، أما المتخذ من غير ذلك من المسكرات فهو محل خلاف بينهم، وهذا الاختلاف له أثره في الحكم بتكفير مستحل الخمر المتخذ من عصير العنب النيئ إذا غلا واشتد وقذف بالزبد؛ لإجماعهم على تحريمه وتسميته خمرا حقيقة وشرعا، وثبوت تحريمها بالدليل القطعي.
أما غيرها فيما اختلف العلماء في تسميتها خمرا وإن اتفق على حرمته؛ فإنه لا يحكم بكفر مستحلها وإنما يحكم بفسقه، وإن كان يستحق العقاب بالشرب عندهم.
انظر إلى قول الشافعي في شرح المنهاج [١٦] : " وحقيقة الخمر المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد، وتحريم غيرها بنصوص دلت على ذلك، ولكن لا يكفر مستحل قدر لا يسكر من غيره للخلاف فيه، أي من حيث الجنس لحل قليله على قول الجماعة، أما المسكر بالفعل فهو حرام إجماعا كما حكاه الحنفية فضلا عن غيرهم، بخلاف مستحله من عصير العنب الصرف الذي لم يطبخ ولو قطره؛ لنه مجمع عليه ". انتهى.
عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر، ويسمونها بغير اسمها". رواه ابن ماجه [١٧] .
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه". رواه أحمد وابن ماجه وقال: "تشرب" مكان "تستحل".
ومن هذا يتضح أن من استحل الخمر بعد تحريمها الذي تعددت نصوصه من الكتاب والسنة والإجماع - مهما تنوعت طرقه وقويت أساليبه وانتشر أمره انتشارا فاحشا بما في ذلك بلاد الإسلام - فهو مرتد عن دينه؛ لإنكاره معلوما من الدين بالضرورة.
ثانياً: تحريم بيع الخمر:
стр. 13380
من سنة الإسلام في الأحكام أنه إذا حرم شيئاً حرم ما يكون ذريعة إليه، ومن هنا حرم الإسلام بيع الخمر والانتفاع بثمنها، كما يحرم تمليكها وتملكها بسائر أسباب الملك، ولو لم يكن هؤلاء جميعا من شاربيها.
وقد ذكر ذلك صريحا في المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وهو السنة الصحيحة التي بلغت بمجموعها حد التواتر، وانعقد عليه المصدر الثالث، وهو الإجماع، وبذلك كان بيع الخمر باطلا عند جميع الأئمة، ولا يترتب عليه ملكها للمشتري، ولا ملك ثمنها للبائع، وكان ثمنها أكلا للأموال بالباطل، أي: بوسيلة محرمة غير مشروعة في ديننا إطلاقا.
وقد روى ذلك مسلم في صحيحه بقوله ﷺ : "يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا؛ فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به"، وما لبثوا إلا يسيرا حتى قال ﵊: "إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية - يريد ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ..﴾ وعنده منها شيء، فلا يشرب ولا يبع"، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسكبوها.
وكذلك ما رواه أحمد والنسائي: لقي رسول الله ﷺ رجلا يوم الفتح - برواية ابن حجر - فقال له: "أما علمت أن الله حرمها؟ " فأقبل الرجل على غلامه وقال له: اذهب فبعها، وكأنّ الرجل فهم أن التحريم قاصر على شربها، فقال له الرسول صلوات الله عليه: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها"، فأفرغت في البطحاء.
ثالثاً: تحريم إهدائها والانتفاع بذاتها:
وكما حرم الله بيعها على المسلم حرم عليه أيضا إهداءها إلى غير المسلم، وقد قيل للرسول ﷺ من أحدهم بعد أن بين حرمة بيعها أفلا أكارم لها اليهود؟ فقال: "إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود".
стр. 13381
ومن هذا الحكم - وهو حرمة بيعها والانتفاع بثمنها - تقررت حرمة الانتفاع بذاتها على أي نحو من أنحاء الانتفاع؛ من طريق الخلط بغيرها، أو عن طريق الاستغلال، فيحرم أن تدخل في الطعام بأي قدر كان، أو تصفيف الشعر بها كما تفعله بعض السيدات، ويحرم تقديمها على موائد المسلمين مجاملة لغير المسلم، أو بيعها في الفنادق للسياح، كما تفعل وزارت السياحة في معظم البلاد العربية والإسلامية، باسم ترويج السياحة وزيادة الدخل القومي مما حرم الله، وهو في الحقيقة نقص وخراب وليس زيادة، كما يحرم أيضا (الجمارك عليها) .
فكل ما يأتي عن طريق الخمر حرام لا مرية في حرمته، ولا يحل الانتفاع به في أي وجه من الوجوه، كالإعلان عنها على الجدران وفي الصحف كما في كثير من بلاد المسلمين أيضا مع بالغ الأسف، والأشد أسفا أن بعض الدول التي يدين أهلها بالإسلام وينتمون للعروبة، ويتكلمون العربية لغة القرآن الذي حرمت آياته الخمر، تتخذ من الخمر مصدرا من مصادر إنتاجها بمصانع الخمر عندها، وتقوم بتصديرها لشتى الدول، ومن عملائها دول مسلمة أيضا، وأصبح تبعا لذلك شرب الخمر مباحا للجميع، والقانون يحمي السكارى إذا تعرض لهم أحد غيور على دينه.
رابعاً: إهدار قيمتها:
ومن خلال حرمة بيعها وحرمة الانتفاع بها أيضا سقوط تقوّمها في حق المسلم، بمعنى أنها لا تضمن بالإتلاف.
ومما يجب معرفته هنا: أن حق إتلافها إنما أعطاه الإسلام للحاكم خاصة، ولم يعط شيئاً منه للأفراد، حسماً للخصومات ودفنا للفتن، وبذلك كان للحاكم حق تعزير الأفراد الذين يبيعونها، مهما بلغ التعزير، حتى إن عمر ﵁ كان يحرق على الخمارين بيوتهم، قطعا لمادة الإفساد، ومحافظة على الشخصية الإسلامية التي أعز بها المجتمع المؤمن في عصره الزاهر العظيم.
عقوبة شارب الخمر:
стр. 13382
وكما قرر الإسلام حق إتلاف الخمر وما يتصل به، قرر أيضا عقوبة شاربها، وقصرها على الحاكم كذلك، وقد أجمعت الأمة سلفا وخلفا على مشروعية العقاب لشارب الخمر، وعلى أنه حق واجب على الحاكم المسلم، وقد ثبت ذلك بالمصدر الثاني من مصادر التشريع، وهو السنة كما أسلفنا.
ومن ذلك ما روى مسلم وأبو داود وأحمد والترمذي عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ أت ى برجل قد شرب الخمر، فجلد بجريدتين نحو الأربعين"، وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس بعد انتشار شربها بانتشار الفتح الإسلامي واختلاف المسلمين بغيرهم، فقيل له: أخف الحدود ثمانون في كتاب الله؛ إشارة إلى حد القذف، فجعل عمر الحد ثمانين، وكان صاحب هذا الرأي عبد الرحمن بن عوف ﵁، ووافقت عليه الجماعة، وأصبح تشريعا منذ اليوم.
ومن ذلك ما روى أحمد والبخاري عن السائب بن زيد قال: كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله ﷺ ، وفي إمْرة أبو بكر، وصدْر من إمارة عمر، فنتقدم إليه فنضربه بأيدينا ونعلنا وأرديتنا، حتى إذا عَقّوا فيها وفسدوا جلد عمر ثمانين.
بهذا أجمعت الأمة على تقرر عقوبة شارب الخمر، ولا نعلم خلافا في تقرر المبدأ، وإنما الخلاف في قدرها، وكيفيتها، وآلتها، وبذلك كانت نوعا من التعزير الذي يلزم به الحاكم.
وقد انتقل به عمر إلى الزيادة والمضاعفة نظرا لاختلاف أحوال الناس، وعملا على أن تؤتي العقوبة الغرض منها، وهي الردع والزجر، وتطهير المجتمع الإسلامي من مادة الدمار هذه.
وقد بلغ الاعتداد بعقوبة شرب الخمر أن عمر بن عبد العزيز ﵁ لم يقف بها عند خصوص الشارب، بل أقام حدها على من شهد مجلس الشراب وإن لم يشرب.
стр. 13383
وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية: رفع إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ قوم يشربون الخمر، فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم فلانا، وقد كان صائما لله ولم يشرب معهم، فقال: به ابدءوا؛ أما سمعتم الله يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ الآية ١٤٠ من سورة النساء.
وعلى هذا القياس يصبح كل حاكم ومحكوم في الرقعة العربية والإسلامية شريكا مع السكارى ولو لم يسكر معهم، ما داموا قد أباحوا ذلك أو ارتضوه أو سكتوا عنه، وإقامة الحد عليهم أولى وأبْدَأ، بنص الآية التي نفذها الحاكم الحازم عمر بن عبد العزيز، فلم يأخذوا أنفسهم ولم يأخذوا على يد الظالم.
ولئن كانت الحدود الإسلامية الآن عندهم معطلة، لمّا أوقفوا حكم الله الذي أحكم لعباده، وراحوا ينفذون حكم أعدائه، فلينتظروا قارعة تحيق بهم لا محالة، طال يومهم معها أو قصر، تكون نهاية لما هم فيه من شتات الأمر وشقاء الحكم.
وآخرتهم أدهى وأسوأ؛ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ .
وقد فعلوا الثلاثة: نسيان الله، والإسراف في معصيته، وعدم تنفيذ آياته؛ فاستحقوا ما في هذه الآية من حكم الله عليهم، وعندئذ يعلمون أن الحرب التي أعلنوها على الله ورسوله في بلادهم المنسوبة كذبا إلى الإسلام، والخمر التي أباحوها صناعة وتجارة وشرابا هي من أعتى جوانب هذه الحرب، قد طحنتهم يوما برحاها وفي الآخرة يصطلون بلظاها.
стр. 13384
ويبقى دين الله سامقا شامخا، يذل كل طاغوت كل عنيد، إن لم يفيقوا من سكرهم الذي طال مداه.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] اللفظ الأول رواه العقيلي عن على وأعله بمحمد بن الفرات. ورواه النسائي والبزار والطبراني والدارقطني وأبو نعيم عن ابن عباس موقوفاً: (مجمع الزوائد ٥ / ٥٣) .
[٢] كتاب الخمر بين الطب والفقه ص ١٦.
[٣] نقل هذا من تقرير طبي عالمي.
[٤] كتاب الخمر بين الطب والفقه ص ٣٤.
[٥] الصافات ٤١ – ٤٧.
[٦] كتاب الخمر بين الطب والفقه. ص ٣٩ – ٤١.
[٧] نقلاً عن كتاب الخمر بين الطب والفقه ص ٤٢.
[٨] نفس المصدر.
[٩] كتاب الخمر بين الطب والفقه ص ٤٦.
[١٠] السياسة الشرعية لابن تيمية ص ٦٤: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية ص ١١٧.
[١١] جريدة الأخبار المصرية، الخميس ١٠ مارس ١٩٧٧ العدد ٧٧١٦ السنة الخامسة والعشرون.
[١٢] فتح الباري ج١٠ ص١٣٤، نيل الأوطار ج٨ س٢٢٥، زاد المعاد لابن القيم ص٢.
[١٣] كتاب الخمر بين الطب والفقه ص٢١.
[١٤] نفس المرجع.
[١٥] كتاب (الخمر بين الطب والفقه) ص٢٢.
[١٦] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ج٨/ص١١، نيل الأوطار ج٨ ص١٩٣، فتح الباري ج١٠ ص٥١.
[١٧] نيل الأوطار ج١٠ ص٥١.
стр. 13385
الرَّسَائِلُ الحَرْبيَّة في عصْر الّدوْلة الأيوبيَّة
ثلاث رسائل إلى الملك العادل عن انتصار الأسطول المصري في البحر الأحمر:
أرسل السلطان صلاح الدين رسالة بقلم القاضي الفاضل إلى أخيه الملك العادل أبي بكر , بشأن انتصار الأطول المصري بقيادة أميره حسام الدين لؤلؤ على الأسطول الصليبي , الذي جرؤ فعبر مياه البحر الأحمر , قاصدا مهاجمة مدينتي مكة والمدينة , وذلك في شوال سنة ٥٧٨ هـ = فبراير ١١٨٣ م.
تبتدأ هذه الرسالة هكذا: "وصل كتابك المؤرخ بخامس ذي القعدة المسفر عن المسفر من الأخبار , المتبسم عن المتبسم من الآثار , وهي نعمة تضمنت نعما , ونصرة جعلت الحرم حرما , وكفاية ما كان الله ليؤخر معجزة نبيه _ ﷺ _ بتأخيرها , وعجيبة من عجائب البحر التي يتحدث عن تسييرها وتسخيرها " [١] .
وقد راعى القاضي الفاضل في هذه المقدمة الالتزام بالجناس والسجع كعادته.
ثم يقول: "وما كان لؤلؤ فيها إلا سهما أصاب وحمد مسدده , وسيفا قطع وشكر مجرده ... ركب السبيلين: براً وبحراً , وامتطى السابقين: مركبا وظهرا , وخطا فأوسع الخطو , وغزا فأنجح الغزو [٢] " وهو يبدى إعجابه بالبسالة الحربية والتضحية المالية التي بذلها المسلمون.
ثم يتحدث عما يفعله مع الأسارى في هذه المعركة , فيقول: " وأما هؤلاء الأسارى فقد ظهروا على عورة الإسلام وكشفوها , وتطرقوا بلاد القبلة وتطوفوها , ولا بد من تطهير الأرض من أرجاسهم , والهواء من انفاسهم , بحيث لا يعود منهم مخبر يدل الكفار على عورات المسلمين" [٣]
وفي هذه الرسالة يحذر المسلمين بعد هذا الانتصار الباهر من مكر الصليبيين وغدرهم , وهنا يحل حديثنا لرسول الله ﷺ وهو: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ".. ويقول: "ان اللدغة الأولى تكفي لمن له في النظر تفقه ".
стр. 13386
ثم يرسل إليه كتاباً ثانياً , والذي بين أيدينا منه قطعة فيها تهنئة بالظفر , ثم يأمره بالإسراع بقتل الأسارى , ليتعظ غيرهم بما نالهم , فليس في قتل هؤلاء الكفار مراجعة , ولا للشرع في إبقائهم فسحة , ولا في استبقاء واحد منهم مصلحة [٤] . فالله قد أباح قتلهم لغدرهم , أن الغرض من ذلك تهديد غيرهم , فالجرم الذي اقترفوه كبير , لولا لطف الله العلي القدير.
ويلحق هذا الكتاب بثالث , ويستعجله فيه بضرورة القضاء عليهم ونصه "قد تكرر القول في معنى أسارى بحر الحجاز , فلا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [٥] , ولا توردهم بعد ماء البحر إلا نارا , فأقلهم إذا بقى جنى الأمر الأصعب ’, ومتى لم تعجل الراحة منهم , وعدت العاقبة بالأشق الأتعب " [٦]
وتنفيذ لأوامر السلطان صلاح الدين , تولى الصوفية والفقهاء قتلهم [٧] جميعا, وهذه الرسائل الثلاث في قصرها تشبه البرقيات في عصرنا الحالي , كما أنها تدل على حنكة عسكرية من السلطان صلاح الدين القائد المظفر , إذ يرى ضرورة القضاء على هؤلاء الأسارى ’ شارحا في إيجار الدواعي التي من أجلها يأمر بالقضاء عليهم , وألا يستثنى من هذا الحكم أحدا منهم.
وقد اهتم المؤرخون بالاحتفاظ بالرسالة الأولى كاملة تقريباً , أما الرسالتان التاليتان , فقد احتفظوا بقطعتين منهما.
وكان لهذه السرعة وهذا الإيجار أثرهما في أسلوب هذه الرسائل , فالمقدمة في الكتاب الأول قصيرة , وأرجح أن مقدمة الكتابين التاليين كانت تنهج نفس السبيل , ولم تسهب الرسالة الأولى في وصف سير المعركة , وكذلك بالنسبة لوصف الأسارى والانتصار عليهم , وطلب السلطان صلاح الدين القضاء عليهم.
стр. 13387
وفي الكتابين التاليين في القطعتين الباقيتين عبارات قصيرة. تنصب كلها على الهدف المباشر وهو التخلص من الا ساري في كلمات قليلة واضحة. ولم تلجا القاضي الفاضل فيها إلى إستعارة أو كناية. فالوقت لا يسمح بذلك. هذا تخلاف ما سنجده في كتبه إلى الخليفة في هذا الموضوع.
كتابان إلى الخليفة في بغداد بشأن الموقعة السابقة:
في كتاب الروضتين قطعتان من رسالتين. أرسلهما السلطان صلاح الدين إلى الخليفة في بغداد. بشان انتصار الأسطول المصري في البحر الأحمر.سنة ٥٧٨هـ=١١٨٣م. والذي قد سبق أن كاتب أخاه العادل عنه.
في القطعة الأولى: يذكر السلطان صلاح الدين للخليفة تفصيلات المعركة الحربية. ويكشف عن مخططات العدو الغادر. وما لحقه من هزيمة منكرة: (كان الفرنج قد ركبوا من الأمر تكراً، وافتضوا من البحر بكراً. وعمروا مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد، وضربوا بها سواحل اليمن والحجاز. واثخنوا وأوغلوا في البلاد) [٨]
فقد قطع ارناط غابات إقليم الكرك وأكثر نخيل العريش. وحمله إلى حصن الكرك.
وعهد إلى دير الرهبان بصنع بعض المراكب [٩] . كما عهد إلى صليبي عسقلان بصنع البعض الآخر، حتى توافر لديه خمس سفن حربية كبيرة. وعدد كبير من المراكب الخفيفة. ونقلها جميعها مفككة على جمال البدويين إلى الساحل بعد أن أغراهم بالمال [١٠] . ثم ركب المراكب ودهنها باللون الأسود وشحنها بالرجال وآلات القتال [١١] وأقف منها مركبين على جزيرة قلعة أيلية، تمنع أهلها استقاء الماء ومضى الباقون في مراكبهم إلى عيذاب [١٢] . وفي لبر سير ارناط عسكره إلى تبوك ليحول دون وصول أي مدد عسكري يطلبه نائب القلعة من الشام أو مصر
واتخذ أرناط سبيله في البحر سلباً ونهباً حتى وصل إلى عيذاب. وربما وصلت حملته جنوباً إلى باب المندب حتى عدن [١٣] .
стр. 13388
واشتدت مخافة المسلمين على مقدساتهم الدينية. خاصةً لما أحدثه الصليبيون في طريقهم من حوادث شنيعة.
فقد أحرق الصليبيون نحو ستة عشر مركباً للمسلمين. وأذوا عند عيذاب مركباً يأتي بالحجاج من جدة، ومركبين آخرين كانا مقبلين بتجار وبضائع من اليمن، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ساحل عيذاب. كانت معدة لمسيرة مكة والمدينة، هذا فضلاً عن حوادث القتل والأسر والتنكيل والإرهاب التي ارتكبوها في البر والبحر [١٤] .
وكان الأخ سيف الدين بمصر، قد عمر مراكب، وفرقها على الفرقتين، وأمرها ان تطوى وراءهم الشقتين [١٥]
فقد بعث السلطان صلاح الدين إلى أخيه ونائبه بصر الملك العادل ابي بكر بن أيوب بتعمير الأسطول في مصر والإسكندرية. وقام العادل على تنفيذ تعليمات السلطان صلاح الدين خير مقام. فسافر إلى السويس بعد أن عهد إلى قائد الأسطول الشيخ حسام الدين لؤلؤ بحل المراكب مفككة على الجمال إلى تلك المدينة. وهناك أشرف على تركيبها في رمضان ٥٧٨ هـ= يناير سنة١١٨٣ م وتعميرها بالرجال ذوي التجربة في شئون البحر وبخاصة المغاربة منهم.
ثم ي أتي وصف المعركة، فقد فرق لؤلؤ الأسطول إلى فرقتين. فصارت الأولى إلى قلعة أيلة’ واسولت على مراكب العدو برمتها، وقتلت اكثر مقاتلاتها إلا من تعلق بهضبة من الهضاب، أو دخل في شعب من الشعاب، وأولئك اقتفى العربان آثارهم، والتزموا إحضارهم، فلم ينج منهم الا القليل.
أما الفرقة الثانية فذهبت إلى عيذاب، وأطلقت المأسورين من المسلمين، وردت عليهم ما سلب منهم، ولم تجد الصليبيين هناك، ثم رجع لؤلؤ إلى رابغ، وأدرك بعض الصليبيين معتصمين بساحل الحوراء [١٦] , وكان عددهم ثلاثمائة ونيف رجل , انضم إليهم عدة من العربان , وعندما لحقهم لؤلؤ فرت العربان خوفا من سطوته , والتجأ الصليبيون إلى رأس جبل صعب المرتقى , وركب عشرة من المسلمين ورائهم خيل العرب [١٧] , يقتنصونهم أسرى وقتلى.
стр. 13389
وما زال لؤلؤ وأتباعه يتبعونه ليل نهار , حتى أدركهم بعد خمسة أيام على مسافة يوم من المدينة فأسلموا أنفسهم له , وعاد بهم لؤلؤ إلى مصر وفي أرجلهم القيود [١٨] .
وتدور القطعة الثانية حول وصف سير المعركة الحربية , وتنقلها من بلد إلى بلد , وهي تتعقب الأسطول الصليبي , موقعة به الهزيمة الواحدة تلو الأخرى.
تمتاز المكتبات إلى الخليفة بالطول بخلاف مكاتباته في هذا الشأن لأخيه الملك العادل , فالقطعتان اللتان بين أيدينا يجنح فيهما القاضي الفاضل إلى تفصيل الأمور , ويلجأ إلى المحسنات البديعية وعلى قمتها الاستعارة والكناية.
ويحلل كذلك الناحية النفسية للمسلمين تجاه هذه الحملة الغادرة , فيقول: "واشتدت مخافة أهل تلك الجوانب بل أهل القبلة لما أومض إليهم من خلل العواقب , وما ظن المسلمون إلا أنها الساعة , وقد نشر مطوى منشور بساطها. وانتظر غضب الله لفناء بيته المحرم , ومقام خليله الأكرم , وتراث أنبيائه الأقدم , وضريح نبيه الأعظم _ ﷺ _ ورجو أن تشحذ البصائر آية كآية هذا البيت , إذ قصده أصحاب الفيل , ووكلوا إلى الله الأمر , وكان حسبهم ونعم الوكيل " [١٩] .
وهو كما نرى يلجأ إلى القران الكريم وإلى الصور الدينية ليرسم لنا انتصار المسلمين بعون الله في معاركهم الحربية , وهاهو يختم هذه الفقرة بقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ (الزمر: آية ٧١) . يكنى بذلك عن قهر المسلمين لأعدائهم الصليبيين قتلا وأسراً.
رسالة تهنئة بفتح عسقلان [٢٠] :
стр. 13390
أرسل القاضي الفاضل هذه الرسالة إلى حسام الدين بن لاجين [٢١] , وهو يستهل الرسالة بآية يشكر فيها ربه ٠, على ما أنعم به من فتح هذه المدينة , وعلى أنها خلت من مشركيها وكفارها , الذين كانوا يحتلونها , فقد نصبت أعلام الإسلام على أبراجها وأسوارها, وكبر المكبرون والمؤذنون في أقطار أرجائها , وزالت سمة الصلبان عن جهاتها وأنحائها , ورحل الناقوس عن فنائها , وعوض جامعها منها بمنبره [٢٢] .
فقد اجتمع السلطان صلاح الدين بأخيه الملك العادل وولده العزيز عثمان على عسقلان في ١٦ جمادى الآخرة ٥٨٣ هـ = ١١٨٧ م , وضرب عليها الحصار , حتى سلمت يوم ٢٥ جمادى الآخر = ٧ سبتمبر , وخرج أهلها بأموالهم سالمين إلى بيت المقدس , بعد حصار دام أربعة عشر يوما [٢٣] .
ويشبه القاضي الفاضل فتحها على يد السلطان صلاح الدين , بفتحها على يد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين , فإنه لما دنت منها جيوش الإسلام الناصرية , فر الصليبيون فرار النمل خوفا وفزعا , ولجأوا إلى الانحصار خلف الجدار , فماذا حدث؟ ويقول: نصبنا عليهم حينئذ آلات القتال , وأذقناهم من طعم الطعن الشديد الوبال , وأنزلنا عليهم غاشية [٢٤] من عذاب الله لا تسترك ولا تستقال. [٢٥]
ثم أخذت جنود الملمين تثقب في عقبتها حتى هدمت وانمحت , وخربت الأبراج , واستباحت الحصن الذي كان حصينا , وطالما أعجز الأيام والأنام قهره.
وهنا يلجأ الصليبيون إلى المصالحة وطلب الأمان , ويقبل المسلمون الصلح صيانة للمدينة من تخريب الناهبين , وحفظا لأبناء المسلمين.
وكعادة القاضي الفاضل في رسائله عن الانتصارات الحربية يمدح الإسلام والمسلمين المنتصرين , ويذم الكفر والصليبيين المنهزمين , ويجنح إلى الاستعارة كقوله: "فما زالت سهامها تركع , وأحجارها تسجد " [٢٦] .
стр. 13391
كما أنه يلجأ إلى إثبات تواريخ تحرك الجيش والانتصارات التي يحرزها مثل قوله: "وجملة الأمر أن النزول عليها كان عشية الأحد السادس عشرة جمادى الآخرة.
ونصبت الآلات يوم الثلاثاء ثامن عشرة , ووقوع نقوب الباشورة الكبرى يوم الأربعاء تاسع عشرة. وتسلم المدينة ونصب الأعلام عليها يوم السبت التاسع والعشرين [٢٧] منها ".
وهذا يضيف إلى الرسالة أهمية تاريخية , ونلاحظ أنه تخلى عن السجع ليثبت هذه التواريخ.
وبعد هذا يقول: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [٢٨] . وهو يقتبس من القران الكريم ليضفي على رسالته قوة الإيمان وجمال الأسلوب.
الرسائل عن فتح القدس:
صدرت الرسائل عن فتح القدس , سواء قبل الفتح أو بعده، إذ أن المعركة التي خاضها المسلمون لفتح القدس , والتي تعرف بموقعة حطين المشهورة , تعد الموقعة الفاصلة , التي انتصر فيها السلطان صلاح الدين على الصليبيين.
وقد أرسل السلطان صلاح الدين إلى بعض إخوانه , وهو يجمع الجموع , ويحشد الحشود في سنة ٥٨٢ هـ = ١١٨٧ م , استعداد لهذه الموقعة , جاء فيها: "كتبت هذه المكاتبة من جسر الخشب ظاهر دمشق , وقد زود السلطان أعز الله أنصاره للغزاة إلى بلاد الكفر , في عسكر فيه عساكر , وفي جمع البادي فيه كأنه حاضر , وفي حشد يتجاوز أن يحمله الناظر , إلى أن يحمله الخاطر , وقد نهضت به همة لا يرجى غير الله لانهاضها , وحجبت به عزمة الله المسؤول في حسم عوارض اعتراضها , وباع الله نفسا يستمتع أهل افسلم بصفتها , ويذهب الله الشرك بهيبتها " [٢٩] .
стр. 13392
هذه الرسالة لم تصلنا كاملة , وهذه القطعة التي بين أيدينا جاء في نهايتها دعاء للقاضي الفاضل بأن تكون موقعة القدس الفاصلة في المعارك الدائرة بين المسلمين والصليبيين , وأن يستريح النفوس بهذا النصر.
ويرسل السلطان صلاح الدين في سنة ٥٨٣ هـ = ١١٨٨ م رسالى إلى الخليفة العباسي الناصر لدين الله يبشره بهذا الانتصار الرائع.
وهذه الرسالة تعد أهم الرسائل الديوانية في عصر الدولة الأيوبية , لأنها تحمل البشرى إلى الخليفة العباسي بفتح القدس , الذي كان لفتحه رنة فرح في العالم الإسلامي كله.
ولفتت هذه الرسالة نظر الباحثين في العصر الحديث , فاستشهدوا بها في كتاباتهم عن العصر الأيوبي , وعن أساليب الكتابة فيه , فمنهم الدكتور شوقي ضيف الذي يصف هذه الرسالة بأنها أروع أثر أدبي عنى القاضي الفاضل به وبتدبيجه [٣٠] . ومنهم الدكتور عبد اللطيف حمزة الذي تناول موضوع الرسالة بالتفصيل وركز تحليله بأنها تشتمل على وصف الحرب وآلاته وخاصة المنجنيقات , ثم ما ترتب عن هذه الموقعة من آثار , كما أنه اهتم بإظهار الصور البلاغية فيها [٣١] , وكذلك ركز الأستاذ أنيس المقدسي على شرح أسلوب القاضي الفاضل من الناحية البلاغية [٣٢] .
يصف القاضي الفاضل العدو في هذه الرسالة بأنه في خوف وفزع , وسلاحه أصبح بلا جدوى , سيفه كالعصا , وصرعت عدده وكان الأكثر عددا وحصى , وكلت حملاته , وعثرت قدمه , والقاضي الفاضل يشخص ضعف أسلحته , فالسيف قد نام جفنه , والرماح جدعت أنوفها , فتطهرت الأرض المقدسة من رجسهم , وأصبحت بيوت المشركين متهدمة , وأصبحت نيوبهم متكسرة , وقد أجمعت جيوشهم على تسليم البلاد , وأذعنوا لكل ما طمع المسلمون فيه من شروط , فلم تنجهم سيوفهم , ولا وسعتهم دورهم وأفنيتهم , وضربت عليهم الذلة والمسكنة.
стр. 13393
ويصف لقاء صلاح الدين الأعداء ونصر الله له , فقد أمكنه من تقتيلهم وأسر بعضهم , والاستيلاء على أسلحتهم , ففي هذه المعركة أصابت سيوف المسلمين التفلق , والرماح تكسرت , وانطلقت السهام من أقواسها لتنهش فرسان المشركين وشجعانهم.
وأسر ملكهم ومعه صليب الصلبوت , الذي كانوا يقاتلون تحته أصلب قتال وأصدقه , ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشد عقد وأوثقه. وكذلك أسر المسلمون ساداتهم , ولم يفلت منهم إلا القومص بحيلته ومكره , ولكن أدركته المنية بعد أيام من هربه.
ثم يلي هذا اللقاء الذي انكسرت فيه شوكة الأعداء , أن تسقط البلاد في يد السلطان صلاح الدين بلدا بلدا , ويرتفع الراية العباسية خفاقة عالية , وتبدل المذابح منائر والكنائس مساجد.
ويبقى القدس وقد اجتمع منهم وبعيد , وظنوا أنها من الله مانعتهم , وأن كنيستها إلى الله شافعتهم.
وبالرغم من استماتة الأعداء في القتال وتكاثرهم , واتخاذهم الأسوار المنيعة والأبرجة المنيفة , والودية العميقة , والأماكن الوعرة الحصينة , فقد نفذ السلطان برجاله إليهم , وأحاط بهم , فأخذوا يراسلونه بقصد مراوضته حتى تصلهم النجدة , ولكنه كشف حيلتهم , وأنزل الهزيمة الساحقة بهم , إذ أخذت المنجنيقات تضرب في جوانب السور , كما انطلقت سهامها تتخلل شرفاته كما يتخلل السواك ثنايا الفم , وكان المنجنيق في أثناء ذلك كله يعلو في السماء حينا , وينخفض إلى الأرض حينا كأنه النسر , واستطاع المنجنيق كذلك أن يشق فتحات الأبراج التي تتخلل السوار جميعها من الناس , كما خلا ميدان القتال نفسه من الجند , أما النقابون فقد استطاعوا أن يكشفوا النقاب عن هذه الحرب الزبون , يدكوا هذه الحصون حنى عادت سيرتها الأولى من الطوب والحجارة , ثم عاد المنجنيق إلى تلك الصخور التي أمامه بمعوله طحنا , وما زال يضربها ضربا حتى لم يعد لها أثر.
стр. 13394
وسمعت الصخرة الشريف لتلك الصخور أنينها واستغاثتها وحنينها , فرقت لها , وعجبت لخرابها , وعاد النقابون ففتحوا أبوابا أخرى في السور أيأست العدو من النجاة , وصاح الكاتب عندها: واحسرتاه [٣٣] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٦
[٢] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٦
[٣] نفس المرجع السابق.
[٤] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٦.
[٥] سورة نوح آية ٢٦.
[٦] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٦ , ٣٧.
[٧] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٥
[٨] أبو شامة: الروضتين جـ ص ٣٧.
[٩] ابن فضل الله: التعريف ص ١٩٣. والمقريزي: السلوك جـ ٢ ص ٧٤.
Lane poole: Saladin. p. ١٧٥ , Fuller: Deeisive Bettles. p. ٢٣٤٩
[١٠]
Lemb: The Flame of Islam. p. ٥٩
[١١]
Lemb: Op. cit. p. ٥٩
[١٢]
[١٣] المقريزي: السلوك جـ ١ ص ٨٨.
[١٤] المقريزى: الخطط جـ ٤ ص ١٣٩. والسلوك جـ ١ ص ٧٨.
[١٥] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٧.
[١٦] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٥. ابن خلدون: جـ ٥ ص ٢١٩.
[١٧] ابن ابيك: درر التيجان تحت أحداث سنة ٥٧٨ هـ. والخطط المقريزية جـ ٣ ص ١١٨.
[١٨] الخطط المقريزية جـ ٣ ص ١٣٩.
[١٩] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٣٧.
[٢٠] عسقلان مدينة واقعة على ساحل فلسطين جنوبا (ياقوت: معجم البلدان جـ ٢ ص ١٧٤) .
[٢١] حسام الدين ابن لاجين: محمد بن عمر بن لاجين , توفي سنة ٥٨٧ هـ =١١٩٢ م , والدته ست الشام بنت الأمير ناصر الدين محمد , صاحب حمى (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة جـ ٦ ص ٢٤٦) .
[٢٢] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٧٠.
стр. 13395
[٢٣] الحنبلي: شفاء القاضي ص ٣٤. King: The KNIGHTS Hospitallenp. ١٣٠.
[٢٤] الغاشية: العقوبة.
[٢٥] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٩١
[٢٦] من ترسل القاضي الفاضل اللوحة ٩١.
[٢٧] نفس المرجع السابق.
[٢٨] سورة النمل آية ٤٠.
[٢٩] أبو شامة: الروضتين جـ ٢ ص ٧٥.
[٣٠] الفن ومذاهبه في النشر العربي ص ٣٧١.
[٣١] الأدب المصري ص ١٨١ , ١٨٥.
[٣٢] تطور الأساليب النثرية ص ٢٩٣ , ٢٩٤.
[٣٣] الدكتور عبد اللطيف حمزة _ الأدب المصري ص ١٨٤ , ١٨٥.
стр. 13396
تحْريفاتُ اليَسُوعيَّين لكتُب التراث
قد لا يخطر في البال أن يعمد إنسان عاقل ينتمي للدين والعلم إلى تشويه النصوص الأدبية والتاريخية، ولكن ذلك واقع بالفعل، ووقع كثيراً من ((الأدباء اليسوعيين)) في بيروت، وهم قساوسة من الطائفة الكاثوليكية، أسسوا جامعة ((القيس جوزيف)) ولهم مطبعة تسمى ((المطبعة الكاثوليكية)) . وقد طبعوا منذ قرن من الزمان طائفة من كتب التراث الإسلامي وأحدثوا فيها تحريفات غريبة وعجيبة. تذل على شدة تعصبهم وحقدهم على الإسلام، وفقدانهم نزاهة العلماء، وأمانتهم في النقل، وقد كشف عن بعض هذه التحريفات أفاضل الباحثين، وقد رأيت أن أنبه لذلك، وأذكر بعض نماذج من هذه التحريفات:
١. فقه اللغة للإمام أبي منصور عبد الملك الثعالبي:
عندما طبع الآباء اليسوعيون هذا الكتاب استبدلوا عبارة المؤلف عند ذكر النصوص القرآنية (يقول القرآن) ! وهذا منتهى التعصب، فهم لا يريدون أن تمر أبصارهم أو تنطق ألسنتهم، وألسنة قرّاء مطبوعتهم بعبارة تتضمن حقيقة أن القرآن كلام الله، وأين هذا من تسامح علماء المسلمين الذين أدبهم القرآن الكريم على الأمانة في النقل والرواية لكلام المخالفين بنصه، مهما كان محتواه مخالفاً العقيدة الإسلامية، حتى صارت لديهم قاعدة مشهورة: ((ناقل الكفر ليس بكافر)) .
٢. كتاب ابن عبد البر الذي جمع فيه شعر أبي العتاهية في الزهد والحكم:
стр. 13397
يمتاز أبو اسحق إسماعيل بن القاسم المشهور بأبي العتاهية بغزارة شعره الذي أنشده في الزهد في الدنيا، وذكر الموت وما بعده من القبر والحساب في الآخرة والجزاء بالجنة أو النار، سوى ما نظمه في الأغراض الشعرية الأخرى. وقد اتهمه حساده بالزندقة، وحاولوا إثبات ذلك بإيراد روايات عن تهتكه في شبابه، وما كان بينه وبين أمثاله من شعراء العصر العباسي كأبي نواس وغيره. هذا ما حدا بالحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر بالعناية بجمع أشعاره الحكمية والدفاع عنه، وإثبات براءته مما وصم به، في كتابه: الابتهال بما في شعر أبي العتاهية من الحكم والأمثال [١] .
وكان القسيس الأب لويس شيخو اليسوعي قد طبع ديوان أبي العتاهية منذ ما يقرب من قرن في المطبعة اليسوعية في بيروت، وأعيد طبعها عدة مرات، وفيها تحريفات كثيرة، لفتت نظر الشيخ المحقق أحمد محمد شاكر ﵀، أثناء تحقيقه لكتاب: الشعر والشعراء لابن قتيبة. فعلق على ترجمة أبي العتاهية بقوله ((وديوانه معروف مطبوع، طبعة الآباء اليسوعيون.. وهم قوم لا يوثق بنقلهم لتلاعبهم وتعصبهم وتحريفهم، ولكن هذا الذي وجد بأيدي الناس)) .
стр. 13398
وقد لفت نظري مقال للدكتور آدم بيلو ((حول الشعر التعليمي)) المنشور في العدد ٥٢ من مجلة الجامعة الإسلامية، وفيه يقول: إن جامع ديوان أبي العتاهية لويس شيخو قد أورد من أرجوزة أبي العتاهية المعروفة بذات الأمثال ما يقارب من الخمسين بيتاً، وتذكر أن الدكتور شكري فيصل قد أورد منها ثلاثمائة وعشرين بيتاً، في كتابه: ((أبو العتاهية: أخباره وأشعاره)) المطبوع بجامعة دمشق سنة ١٣٨٤، وقد أماط مؤلف هذا الكتاب اللثام عن تحريفات الأب شيخو، وقام بجهد مشكور في توثيق شعر أبي العتاهية معتمداً على مخطوطتين إحداهما في الكتب الظاهرية بدمشق، والأخرى في مكتبة توبنجن بألمانيا، وهما نسختان مما جمعه ابن عبد البر، ولما كان ابن عبد البر لم يقصد إلى جمع شعر أبي العتاهية كله، فإن الدكتور شكري حرص على جمع أشعاره وأخباره من مختلف المصادر فجاء كتابه جامعا موثقاً فيه الأمانة في النقل، وإثبات الاختلاف في الرواية إن وجد.
وأما لويس شيخو فقد طمس عمل الحافظ ابن عبد البر، فكتب عنوان الكتاب هكذا: (الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية) ، وكتب تحته: ((نقلاً عن رواية النمري، وكتب مشاهير الدباء كالأصفهاني والمبرد وابن عبد ربه والمسعودي والماوردي والغزالي)) .
وحين شرع الدكتور شكري يقابل بين مخطوطة الظاهرية وبين ما في مطبوعة الأب شيخو استرعى نظره أمر خطير، يقول: " لفتني في شئ من عنف تحريفات غريبة وقعت عليها، فلما مضيت أستقصي، بدت لي هذه التحريفات وكأنها عمل مقصود " [٢] .
وتبيّن للدكتور أن الأمر تجاوز التحريف إلى بتر بعض الأبيات ذوات العدد من بعض القصائد، يقول: " وذكرت حديث الشيخ شاكر ﵀ وكنت أظن فيه بعض الحدة، فإذا حديثه دون أن ينهض لهذا التضليل الذي إليه طبعة الأب شيخو، والتي أرادت أن تسوق إليه الناس في شئ كثير من الاستخفاف بكل أمانة العلم وخلق العلماء " [٣] .
стр. 13399
نماذج من تحريفات الأب لويس شيخو:
ذكر الدكتور شكري فيصل عدة ملاحظات على مطبوعة شيخو: ((الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية)) ، ومنها:
١- طمسه معالم عمل ابن عبد البر حين سكت عنه وأغفل التعريف به، ولم يشر إلى ما أفاد منه، وتعمد ألا يذكره بشهرته ابن عبد البر واكتفى بنسبته (النمري) . والقارئ لا يدري أي نمري هو! .
٢- سكوته عن وصل الروايات والمقابلات بمصادرها، مكتفياً بهذه المقالات الصماء: روي له، وفي رواية، ويروي، وفي مخطوطة من باريس
٣- طيّه شعر أبي العتاهية الغزلي حيناً، وتحريفه لبعضه حيناً آخر، حذف القطعة خبر منه لأنه يجعل (الحب) (ودّاً) ، والهوى نوى والجارية نديماً، والوجه رأياً في مثل البيت التالي:
عزة الحب أرته ذلتي
في هواه وله وجه حسن
فيصبره إلى:
عزة الود أرته ذلتي
في نواه وله رأي حسن
٤- ولكن أعظم من ذلك إنما كان في هذه التحريفات التي تعتمدها وهي تتنوع: فتتناول الكلمة حيناً والجملة حينا، والشطر أو البيت كله مرة والأبيات ذوات العدد في بعض الأحايين.
وهذه نماذج من كل نوع:
١- في قول أبي العتاهية:
شهدنا لك اللهم أن لست والدا
ولكنك المولى ولست بمولود
فقد حرف (والداً) فجعلها (محدثا) .
٢- وقوله:
ليت شعري كيف حالك يا نفس
غداً بين سائق وشهيد
فقد حرف التعبير القرآني سائق وشهيد إلى سابق وشهيد.
٣- وقوله:
أسقام ثم موت نازل
ثم قبر ونشور وجلب
فقد حرف نشور إلى نزول.
٤- وقوله:
إن العقول عن الجنان
وحورهن لساهية
وقد حرف حورهن إلى دورهن.
٥- وقوله:
وإذا ذكرت محمدا ومصابه
فاذكر مصابك بالنبي محمد
فقد حرف البيت هكذا:
وإذا ذكرت العابدين وذلهم
فاجعل ملاذك بالإله الأوحد
فهو لا يطيق أن يرى لفظة (محمد) ﷺ
٦- قوله:
стр. 13400
الحمد لله الواحد الصمد
هو الذي لم يولد ولم يلد
فقد غير الشطر الثاني مع عقيدته القائلة بأن المسيح ابن الله _ إلى
فهو الذي به رجائي وسندي
٧- وإليك أيها القارئ الكريم تحريفاته في هذه القطعة:
يا بنى ادم صونوا دينكم
ينبغي للدين ألاّ يطرَح
واحمدوا الله الذي أكرمكم
بنبي قام فيكم فنصح
غير بنبي إلى بنذير
بنبي فتح الله به
كل خير نلتموه وشرح
غير بنبي إلى بخطيب
مرسل لو يوزن الناس به
في التقى والخير شالوا ورجح
غير مرسل إلى ابن من
فرسول الله أولى بالعلا
ورسول الله أولى بالمدح
غير البيت هكذا:
فنذير الخير أولى بالعلا
ونذير الخير أولى بالمدح [٤]
٨- وعندما لا يستقيم للأب لويس شيخو تغيير البيت يعمد إلى إسقاطه وحذفه، ومما حذفه الأبيات التالية:
وهو الذي بعث النبيّ محمدا
صلى الإله على النبيّ المصطفى
الحمد لله لا شريك له
حاشا له أن يكون مشتركا
أين أين النبي ّ صلى عليه الله
من مهتد رشيد وهادى
بل هو يحذف الأبيات ذوات العدد، كصنيعة في حذف الأبيات السبعة الأولى من هذه القصيدة التي يبلغ عدد أبياتها ٢٦ بيتاً:
ل ي بك رسول الله من كان باكيا
ولا تنس قبرا بالمدنية ثاويا
جزى الله عنا كل خير محمدا
فقد كان مهديا دليلا وهاديا
ولن تسرى الذكرى بما هو أهله
إذا منت للبرِّ المطهِّر ناسيا
أتنسى رسول الله أفضل من مشى
وآثاره بالمسجدين كما هيا
وكان أبّر الناس بالناس كلهم
وأكرمهم بيتاً وشعبا وواديا
تكدّر من بعد النبي محمد
عليه سلام الله ما كان صافيا
فلم من منار كان أوضحه لنا
ومن علمٍ أمسى وأصبح عافيا
وبعد هذه الأبيات التي حذفها:
ركنا إلى الدنيا الدنية ضلة
وكشّفت الأطماع منا المساويا
وإنا لنُرمى كل يومٍ بعبرة
стр. 13401
نراها فما نزداد إلا تماديا
نُسرُ بدارٍ أورثتنا تضاغُنا
عليها ودارٍ أورثتنُّا تعاديا
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى
تقلب عريانا وان كان كاسيا
اخي كن على يأس من الناس كلهم
جميعاً وكن ما شئت لله راجياً
ألم تر أن الله يكفي عباده
فحسب عباد الله بالله كافيا
والقصيدة رائعة يختمها بقوله:
ألا أيها الباني لغير بلاغة [٥]
ألا لخراب الدهر أصبحت بانيا
ألا لزوال العمر أصبحت بانيا
وأصبحت مختالا فخوراً مباهيا
كأنك قد ولّيْتَ عن كل ما ترى
وخلفت من خلفته عنك ساليا [٦]
أجل، فالإنسان المغرور الغافل، يدركه الموت ويترك ماله لوارثه الذي سرعان ما ينساه ويسلو عنه.
وأكتفي بهذه الأمثلة على تحريفات الأب لويس شيخو، وهي نموذج لما يفعله متعصبو الصليبيين بالتراث للإسلامي.
٣. المنجد في اللغة:
للأب يوسف معلوف وهو معجم مشهور متداول بين الناشئة، طبع للمرة الأولى سنة ١٣٢٦ (١٩٠٨م) في ٧٣٧ ص بمطبعة الآباء اليسوعيين [٧] ثم تتابعه طبعاته، وقد طبعت الطبعة السابعة عشر سنة ١٣٧٦ (١٩٥٦م) بعنوان: (المنجد في اللغة والأدب والعلوم) ، وذكر في مقدمة هذه الطبعة ما أدخل عليه من التحسينات مثل طبع الكلمة (الأم) باللون الأحمر، وإضافة المنجد في الأدب والعلوم للاب فرد يناند تونل. وفي الطبعة الثالثة والعشرين سنة ١٣٩٨ (١٩٧٨م) عنون له: (المنجد في اللغة والأعلام) ، ومنذ الطبعة السابعة عشرة كان يراجعه عدد من الأساتذة منهم كرم البستاني، والأب بولس موتراد، وأنطون نعمة وغيرهم.
وقد بلغت صفحات الطبعة الثالثة والعشرين للمنجد اللغوي ٩٦٦ صفحة ومع (فرائد الأدب) تبلغ ١٠١٤ صفحة (والمنجد في الأعلام) ٨٠٠ صفحة مع ١٣٢ لوحة بالألوان و ٦٨ خريطة جغرافية و ٣٩ خريطة بالألوان، و ٣٢ جدولاً و ١٣٢٠ رسماً.
стр. 13402
وتضمن المنجد في العلام ٦٠٠ر١٠ مادة، منها ٥٩٤٠ عن العالم الإسلامي.
هذا هو (المنجد) المعجم الخطير بسبب حسن إخراجه وسهولة المراجعة فيه، وما اتصف به من المزايا التي ذكرناها، مما جعله يروج رواجاً عظيماً بين الدارسين من أبناء الأمة الإسلامية.
وترجع خطورته إلى ما تضمنته من أخطاء علمية وتاريخية معتمدة في كثير من الأحيان، وفيه تحريفات ومطاعن في تاريخنا قد تخفى على الناشئة، وقد تنبه لهذه الأخطاء طائفة من العلماء والباحثين.
أ) فنشر العلامة عبد الله كنون الأمين العام لرابطة علماء المغرب سلسلة من المقالات في مجلة (دعوة الحق) المغربية انتقد فيها ٦٧٢ مادة.
ب) وصدرت ثلاث مقالات للأستاذ منير العمادي في مجلة (مجمع اللغة العربية) و (مجلة المعرفة) بدمشق في نقده.
ج) وفي سنة ١٣٨٩ صدر تقرير عن أضرار (المنجد الأبجدي) للأستاذ سعيد الأفغاني رئيس قسم اللغة العربية بدمشق قدمه إلى رئيس لجنة التأليف والترجمة والنشر وكيل بجامعة دمشق، بيّن فيه بعض عوراته ومثالبه بأسلوب واضح وكلام مركز مبين.
د) ونشر الأستاذ عبد الستار فرج السيد مقالين في مجلة (العربي) بيّن فيهما بعض نواقص المنجد وما فيه من عورات ومثالب، وأورد أمثلة عديدة لما وقع فيه من تحريف للسماء وتشويه للحقائق التاريخية، وأخطاء بسبب الترجمة السيئة، وعدم الرجوع إلى المصادر العربية، وإهمال الكثير من الشخصيات العربية والإسلامية، ومما قاله: ((والمنجد في الأعلام المطبوع عام ١٩٦٩ ما هو إلا صورة للمنجد في الأدب والعلوم، ولكنها صورة فيها أحياناً بتر وقبح، أو مسخ كريه، أو صياغات أدت إلى خلل واضطراب.
هـ) وتتبع العلامة الشيخ إبراهيم القطان في كتابه النفيس (عثرات المنجد) تحريفاته وأغليطه حتى بلغت صفحات هذا الكتاب نيّفاً وخمسين وستمائة صفحة، وسار فيه على الخطة التالية:
стр. 13403
ينقل نص (المنجد) أو يشير إليه مع ذكر رقم الصفحة ثم يذكر تعليقه عليه وإذا صُحح الموضوع، أو غُيّر أو صُحح بعضه في الطبعة الثانية من منجد الأعلام، فإنه ينبه إلى ذلك، وإذا بقي على خطئه لا يشير إليه إلا نادراً.
وكثيراً ما يشير في تصحيح الألفاظ اللغوية إلى (المنجد) حتى يعلم القارئ أن المصنف لم يراجع الكتب العربية مطلقا بما في ذلك (المنجد اللغوي) .
وهذه نماذج من أخطاء المنجد وعثراته، في الطبعة الثانية التي أشرف عليها عدد من الأساتذة:
١_ قالوا في صفحة ٣٩٥ ((الفضل بن الربيع عهد إليه الرشيد في بعض صلاحيات الوزارة بعد وفاة أمه. وزير للمأمون)) .
فما هم المقصود بقولهم بعد وفاة أمه؟ فهل كانت أمه تلي الوزارة، وعاد هو بعدها؟ واغرب من هذا وأعجب قولهم إنه للمأمون، والمعروف بدون شك أن الفضل كان من أشد خصوم المأمون، وقد كان وزير للأمين، ولما استقر الملك للمأمون بعد مقتل الأمين استتر الفضل مدة، حتى عفا عنه المامون وبقي مهملا إلى أن مات.
٢ _ تسمية الكتاب في الطبعتين الأوليتين (المنجد في الأدب والعلوم) تسمية خاطئة، لأن الكتاب معجم لبعض الأعلام والأماكن والكتب وليس فيه ذكر للأدب إلا عرضا, وبعضها ذكر مشوها، كما عرّف علم الكلام بأنه (علم القواعد الشريعة المكتسبة عن الأدلة) وعرف علم الفقه بأنه (علم تطبيق الأحكام الشريعة المستخرجة بالاجتهاد من القرآن والحديث على الأعمال البشرية والدنيوية) ، إلى غير ذلك من التشويه والتخليط دون الرجوع إلى المصادر الموثوق بها والنقل منها. لذلك عدل المشرفون على الطبعة الجديدة عن هذه التسمية وسموه المنجد في الأعلام) .
٣ _ وبالإضافة إلى الأخطاء والتحريف وتشويه الحقائق فإن في لغة المنجد عجمة ظاهرة أحياناً. وفيه عامية ولحن واضح في بعض المواد لا يقه فيها من كانت له أدنى معرفة باللغة العربية.
стр. 13404
٤ _ في الصفحة ٢٥٦ من حرف السين الطبعة الأولى ((سفيان (أبو) ابن أمية القرشي، تاجر عادى النبي وحاربه في بدر وأحد، وقاد جناحا من الجيش الكبير الذي ذهب لحصار المدينة في وقعة مؤته، ثم اعتزل الحرب، وصالح محمداً في معاهدة الحديبية وسلمه مكة. توفي نحو ٦٥٢)) .
ويعلق مؤلف عثرات المنجد على هذه العبارة القليلة الأسطر مبينا فيها الأخطاء التالية:
أ) إن أهم صفة تميز أبا سفيان أنه شيخ قريش وزعيمها في وقته لا أنه تاجر فقط.
ب) ومن المعروف بداهة أن أبا سفيان لم يشهد معركة بدر لأنه كان يقود العبر التي جاءت من الشام ونجا بها إلى مكة.
جـ) عندما جاء أبو سفيان لحصار المدينة كان هو قائد الجيش العام وكان ذلك في
غزوة الخندق سنة خمس من الهجرة. وهي غير غزوة مؤتة التي كانت سنة ثمان من الهجرة بين المسلمين والروم، وشتان بين الخندق ومؤتة في الزمان والمكان.
د) لم يعتز أبو سفيان الحرب مطلقاً، وبقي معادياً للمسلمين إلى يوم فتح مكة حين أسلم
هـ) وفي صلح الحديبية لم يُذكر أبو سفيان مطلقا، وكانت المفاوضة بين سهيل بن عمرو العامري عن المشركين وبين النبي ﷺ .
٥ – ونختم هذه النماذج للتحريفات بما جاء في أول (منجد الأعلام) الطبعة التاسعة (الثالثة والعشرين) المنجد اللغة:
((آدم: الإنسان الأول وأبو الجنس البشري، وعصى آدم وحواء أوامر الله فطردا من جنة الفردوس، ولكنهما وعدا بمخلص هو المسيح)) . ويعلق مؤلف (عثرات المنجد) بما يلي:
стр. 13405
يجب أن يقال: هذا حسب اعتقاد المسيحيين، وأما عند المسلمين فالأمر يختلف، وذلك كما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ٣٥ _ ٣٧) . فإن الخطيئة في اعتقاد المسلمين لا تورث، وكل إنسان مسؤول عن عمله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ النجم ٣٩. ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فاطر ١٨، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ المدثر ٣٨. صدق الله العظيم.
هذا لا يجوز أن يقتنى (المنجد) إلا ومعه (عثرات المنجد) حتى يتبين من يرجع إلى المنجد ما فيه من السموم والأخطاء.
وأخيراً فإني أهيب بأهل العلم ودارسي الدب أن يقوموا بتمحيص الكتب التي وضعها أعداء الإسلام من اليسوعيين وأشباههم. مثل جورجي زيدان، وخاصة الكتب التي تتناول بالبحث لغة القرآن، وأدب العربية، والتاريخ الإسلامي، وتراجم أعلام المسلمين، وينقدوها ويستخرجوا ما دسّه فيها مؤلفوها من سموم.
ومما يحزّ في النفس أن ُيختار كتاب (تاريخ الأدب العربية) لجورجي زيدان الحاقد على الإسلام والمسلمين، وكل آثاره شواهد على ذلك وخاصة سلسلة روايات تاريخ الإسلام، يختار كتابه وويترك كتاب (تاريخ آداب العرب) في ثلاثة أجزاء للأديب المسلم النابغة مصطفى صادق الرافعي ﵀، وقد خصص الجزء الثاني لإعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وكفانا انخداعاً بتملق بعض الأدباء والكتاب من النصارى، فإن العربية أبت أن تتنصر كما قال العلامة الأديب محمد إسعاف النشاشيبي المقدسي _ ﵀ _.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 13406
[١] منه نسخة مخطوطة جيدة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة. قمت بتصويرها سنة ١٣٩٠. وفي نيتي نشرها محققة إن شاء الله.
[٢] بل هي مقصودة , وجريمة تزوير صحيحة.
[٣] أبو العتاهية: أخباره وأشعاره ص ٧.
[٤] انظر ص ١٠٠ من كتاب (أبو العتاهية أخباره وأشعاره) وقابلها بصحيفة ٦٧ من الطبعة المنحرفة بعنوان (شرح ديوان أبو العتاهية) طبعة دار التراث بيروت وهي طبق الأصل من الأنوار الزاهية.
[٥] أي حاجة كأنه ينظر لقوله ﷺ (عش في الدنيا كأنك غريب) .
[٦] انظر القصيدة كاملة في (أبو العتاهية أشعاره وأخباره) ص ٤٣٣ _ ٤٣٥ وقابل ذلك بـ (شرح ديوان أبي العتاهية) طبعة دار التراث ببيروت بدون تاريخ وبلا ذكر المؤلف أو الشارح. وهي موافقة لطبعات (الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية) الذي مسخه وحرفه الأب لويس شيخو. وقد راج في لبنان في هذا العصر سرقة الطبعات بالتصوير , دون استئذان أصحاب الحق في الطبع والنشر والتأليف.
[٧] المعجمات العربية تأليف وجدي رزق غالي.
стр. 13407
ثغرَاتٌ فِي المنْهَج الثّانَوِيِّ
لتدريس القران الكريم والحديث الشريف والأدب العربي
١- القرآن الكريم:
إن دراسة القران الكريم والحديث الشريف في هذه المرحلة يجب أن تستهدف ناحيتين هامتين:
أ – أثرهما في توحيد الفكر العربي والسمو إلى الآفاق العليا من حيث النظر إلى الكون وانتهاج سبل البحث العلمي , ثمأثر ذلك في بعث القوى النفسية والعقلية لبناء المجتمع الصالح , وبالتالي أثره في انبثاق العلوم المختلفة بدافع من التطور الشامل.
ب – أثرهما في توجيه الأدب العربي وتركيز اللغة العربية على أصول ثابتة , ثم في بروز علوم البلاغة , وبخاصةٍ أثر هذه في بناء النقد الأدبي ن وبذلك يتاح للطالب أن يدرك معنى (الأدب الإسلامي) الذي هو الصورة الجديدة لكل أدب عربي صحيح منذ البعثة النبوية حتى اليوم.
стр. 13408
قضية جمع القران: لابد عند الحديث عن القران العظيم من إعطاء القول الفصل في قضية جمعه , ليكون الطالب على بصيرة من سلامة القران من كل زيادة أو نقصان , على حين أن كل ما تستوعبه كتب الأدب المقررة لا ينطوي على الكلمة النهائية في الموضوع , بل يفسح المجال للشك الخبيث في هذه الناحية. فالطالب لا يخرج فقط دون فهم صحيح لسبب الإقتصار على نسخة عثمان , بل يزوده المؤلفون بأغاليط مشوشة , وبخاصة ما يذكرونه من إحراق عثمان لمجموعة أبي بكر عقب جمع مصحفه , ومعلوم أن الرسول ﷺ لم يغادر الدنيا إلا بعد أن كان القران محفوظاً كله في صدور الألوف الذين يستحيل نواطؤهم , وفي صحف تؤلف مجموعات كاملة لدى عدد من الصحابة , وإنما كتبت نسخة أبي بكر خوفاً من فقدان الحُفَّاظ لكثرة ما قتل منهم في الحروب , وقد كتبت هذه في (قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب) بيد زيد بن ثابت كاتب الوحي , والحافظ الذي عرض مجموعه على رسول الله آخر حياته ﷺ ’ فلما كان عهد عثمان تباعدت منازل القوم فاختلفوا على القراآت باختلاف لهجاتهم , وحصل عن ذلك جدال ولجاج بين الناس , كل يؤيد قراءته , الأمر الذي حفز عثمان ومعه الصحابة رضوان الله عليهم أن يجعلوا الناس على مصحف أبي بكر وحده منعاً للخلاف على القراآت. وهكذا كتب مصحف عثمان في نسخ وزعت على الأمصار , بعد الاستيثاق من ضبطه على صحف الصديق ومحفوظات الصحابة تماماً , وقد اعيدت صحف الخليفة الأول إلى أم المؤمنين حفصة سالمة , وحرقت الصحف الأخرى التي كانت في حوزة بعض الصحابة تجنبا لاختلاف القراآت , وهكذا اتفقت جميع النسخ مع المحفوظ في سلامة الضبط ولم يكن فيها من اختلاف قط إلا في ترتيب السور , فقد كانت في بعضها مرتبة حسب النزول، فاختير ترتيب زيد لأنه صاحب العرضة الأخيرة على الرسول , أما ترتيب الآيات في السور فهو تقيف عن الرسول عن جبريل ولا خلاف فيه.
стр. 13409
وهذا الخبر هو الذي أجمع عليه الثقات , ومنه يتبين أن لو أمكن عرض هذه الحقائق على الطلاب لأدركوا بالبداهة سلامة الكتاب من كل اضطراب , وإنما دخل الوهم على مؤلفي كتب الأدب من اعتمادهم كلام ذوي الأغراض المنحرفة من المستشرقين وأتباعهم , وكان أحرى بهم أن يرجعوا إلى مصادر علماء الإسلام الذين استوعبوا تفصيل كل ذلك كالسيوطي في (الاتقان..) والرزرقاني في (مناهل العرفان..) وشكيب أرسلان في (حاضر العالم الإسلامي ...)
مشكلة التقطع: تحتل هذه المشكلة حيزاً هاماً _ على صغره _ في الكتاب المقرر للسنة الأولى , فقد أخذ المؤلف برأي المستشرقين في هذا الموضوع دون محاكمة.. والتقطع في تعريفهم هو الانتقال من غرض إلى غرض في السورة الواحدة دون مناسبة.. وإذا ذكرنا أن مثل هذا الاستطراد بنظر المؤلف نفسه يعد عيبا في الشعر الجاهلي مثلا حيث تقوم الوحدة على البيت دون القصيدة , أدركنا سوء النتيجة التي تنبع في ذهن الطالب عن بلاغة القران , والواقع إن هذا الذي يسمونه تقطعاً إنما هو ميزة قرآنية لا علاقة لها بطريقة الجاهلين ذات الوحدات المتعددة. ذلك أن السورة الواحدة تدور دائماً حول محاور ذات وحدة موضوعية هذا فضلاً عن أن لتلك الاستطرادات _ إذا صح وجودها _ أثراً فعالاً في ايقاظ ضمير القرىء للغايات العليا من أغراض السورة , وبخاصة إذا ذكرنا فرق ما بين القرآن بكونه نظام تربية وتوجيه إلهي , وبين المؤلفات الأخرى ذات الاختصاص الجزئي ...
стр. 13410
المكي والمدني: لا خلاف على التمايز بين المكي والمدني في أسلوب القرآن. ولكن طريقة المؤلفين في عرض هذا الموضوع تلقي في خلد الطالب أن ذلك تابع للآثار المكاني والاجتماعي في نفس الرسول , كالفرق بين أسلوب حسان الجاهلي والإسلامي. وهذا باب جديد للشك في وحي القران يمكن إغلاقه بإيضاح الحكمة الإلهية في هذا الاختلاف , الذي يعود إلى مراعاة حال المخاطب لا المتكلم , ومعلوم ما بين وسطي مكة والمدينة من فروق اجتماعية , تتطلب لكل منهما أسلوباً بلاغيا مطابقا لمقتضى الحال. ويظهر ان المؤلفين اكتفوا هنا أيضاً بتردد آراء المستشرقين مثل (نولدكه) ومن لف لفه , فراحوا يعرضون ترهاتهم كمسلّمات دون مناقشة.
ولو صحت نواياهم حقاً لم يفتهم أن يدركوا طوايا أولئك المرجفين , الذين حملوا كل أحقاد الصليبية الأولى على إخوان وأحفاد صلاح الدين , واحتضنوا كل ضغائن اليهودية التي ما تنفك في حربها للإسلام منذ قريظة والنضير وقينقاع , فشهادتهم في كل ما يتصل بالإسلام مردودة , لأنها تحمل بنفسها طابع تزويدها.. وإلا فكيف تجاهل هؤلاء المرددون لأقاويل أعدائهم طوابع كل من المرحلتين المكية والمدنية!! ..
следующие страницы →