Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13581–13620 · переход к 13586.
стр. 13581
وزملائي في هذه الدورات التي اشتركت فيها لا أعتقد أن منهجهم يختلف عن هذا المنهج لأنه المنهج الحق الذي يؤمنون به ويدينون الله به قبل كل شيء وهو منهج الجامعة الذي رسمته في أهدافها ونظامها الأساسي، وهو نشر العقيدة السليمة الصحيحة المأخوذة من الكتاب والسنة، والتي سبقنا إلى تطبيقها سلف الأمة.
وقد كان جميع أعضاء الدورة من المدرسين السعوديين إلا في المواد التي لا تخصص لهم فيها، فقد أخذنا من هيئة التدريس بالجامعة.
ومن هؤلاء المشتركين في الدورات جميعاً:
عميد شئون الطلاب الشيخ عوض أحمد سلطان، والدكتور ذيب القحطاني، والشيخ عبد العزيز الصاعدي، والشيخ صالح السحيمي، والشيخ محمد زربان الغامدى، والشيخ سليم الأحمدي، والشيخ راشد الرحيلي والشيخ جبران والشيخ إبراهيم عمير.
وأعتقد أن هؤلاء جميعاً يؤمنون بأن منهج الجامعة الإِسلامية في إبلاغ دعوتها في داخل الجامعة وخارجها هو المنهج الصحيح، وهو دعوة الناس جميعاً إلى الكتاب والسنة، والبدأ أولاً وقبل كل شيء بالعقيدة الصحيحة، وأنهم جميعاً يرفضون ما يسمى بمنهج التجميع، يرفضونه بأسلوبهم في دعوتهم، ولا يلتفتون إلى أي أسلوب آخر يفرض عليهم، يقومون بذلك دون ضجيج أو شعارات ترفع، لأن الغرض هو إبلاغ الحق الذي يؤمنون به إلى الآخرين الذين هم في حاجة إليه، دون نصب رايات لا يعمل أصحابُها غير رَفعها.
стр. 13582
أما عمل هؤلاء داخل الجامعة فيتمثل في القيام بالتدريس وتوجيه الطلاب إلى المنهج الصحيح في العقيدة والسلوك، يوجد أثر ذلك عند طلابهم الذين تلقوا التدريس على أيديهم في مختلف مراحل التعليم في الجامعة، ثم في كتابة من له مشاركة في الكتابة. وأما عملهم لتحقيق هدف الجامعة خارجها فإني مضطر هنا إلى ذكر أمثلة لما حققته هذه الدورات على أيد هؤلاء الإخوة وزملائهم الذين لم يرفعوا لائحات بأعمالهم أمام الآخرين، ولم يتحدثوا بما قدموا إلا لمن سألهم عما وجدوا، وماذا عملوا، وهم لا يحبون ذلك لأنهم لا يريدون من أحد من الناس جزاءً ولا شكوراً.
ولكني أستميحهم عذراً في ذكر ذلك إجابة على أسئلة تكررت كثيراً وذلك لبيان الحقيقة للذين لا يعلمون. (ولذا فإن العنوان الكامل لهذا الحديث هو: (حديث عن الدورات التدريبية وأثرها على المجتمع الذي أقيمت فيه وتحقيقها لأهداف الجامعة الإِسلامية لو كانوا يعلمون) .
فأقول: إن الدورة الأولى عام ١٤٠٠ هـ وأعنى بها دورة نيجيريا- التي اشتركت فيها- لا الدورات في بنجلادش وباكستان التي شارك فيها زميلي في الدراسة من المرحلة الإِعدادية إلى أخذ شهادة الدكتوراه الشيخ ربيع بن هادى المدخلي.
أقول: فقد كان من المشاركين معي في هذه الدورة كما أشرت سابقاً عميد شئون الطلاب الشيخ عوض أحمد سلطان، والدكتور ذيب القحطاني وغيرهما، وقد التحق بهذه الدورة ثلاثمائة معلم، والذين دخلوا الإمتحان ومنحوا شهادة الدورة أكثر من مائتين وثلاثين معلماً.
أما الأعمال التي قام بها الأساتذة في تلك السنة إضافة إلى التدريس فما يأتي:
стр. 13583
١- القيام بخطب الجمعة في الجامع الذي يحضر للصلاة فيه أكثر من أربعة آلاف، إذ يصلون خارج المسجد تحت الأشجار وفي الشمس، حرصاً منهم على سماع الداعية المعروف عندهم أمين الدين أبو بكر، إمَّا لِسَمَاع خطبه أو لترجمته للخطب التي تلقى يوم الجمعة والإخوة هناك ومنهم القاضي نائبي وإلى يلقبونه بالمترجم المشهور.
وهو رئيس جماعة الدعوة والذي عرف العقيدة السلفية. وقرأ كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وترجم مسائل الجاهلية على أشرطة (باللغة الهوا) يتداولها الشباب وتباع في السوق، كما قرأ ما وجده من كتب شيخ الإسلام ابن تيميه، أما شيخه في الحديث كما قال- فناصر الدين الألباني ولم يره-، ثم نبذه للطرق الصوفية بواسطة الشيخ أبى بكر قومي عضو المجلس الأعلى للجامعة وعضو رابطة العالم الإسلامي، وهو الرجل المعروف بمحاربة أصحاب الطرق والخرافات ولازال في محاربتهم إلى الآن.
٢- المشاركة في المحاضرات والندوات التي تقيمها المؤسسة الإِسلامية في قاعة مدرسة العلوم العربية طوال شهر رمضان، وتنقل في الإِذاعة يومياًَ.
٣- إقامة ندوات ومسابقات للطلاب اشترك فيها الدكتور عبد العزيز فاخر، والشيخ عوض أحمد سلطان الشهري، وغيرهما من الأساتذة.
ومما حدث في هذه الدورة أن طالباً صاحب طريقة أرسل للإشتراك في الدورة من أجل إثارة الأسئلة لينقل ما يقال إلى شيخه، وقد جرى النقاش في الفصل حول التوسل فذكر المدرس التوسل المشروع- واستشهد بقول عمر بن الخطاب للعباس في صلاة الإستغاثة-"قم يا عباس فادعوا الله لنا..."الخ. فقال الطالب: يقول رسول الله ﷺ : "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم"فقال له المدرس: لو رجعت لهذا الحديث لوجدته موضوعاً. فقال: هذه طريقتكم، الحديث الذي يصلح لكم تستشهدون به، والذي لايصلح تقولون عنه موضوع.
стр. 13584
ثم ذهب إلى شيخه وقال له ما يشاء- فأرسل الشيخ سكرتيره للإذاعة وسمحوا له فألقى حديثاً قال فيه: إن جماعة من الوهابيين جاءوا لتفريق كلمة المسلمين ولكن بحمد الله فقد كان هذا الحديث منه سبباً من أسباب نجاح الدورة وظهورها، وبيان الحق الذي جاء به المشتركون فيها.
كما تعرف الإخوة في هذه الدورة على الداعية المشار إليه أمين الدين أبو بكر وجرت معه مناقشات حول أسلوب الدعوة، وما الطريق الصحيح الذي ينبغي أن يسلكه الداعية.
وقد وجدنا عنده أكواماً من الكتب تتحدث عن الإسلام عموماً وتدعوا لنصرته، وهي تهتم بما يسمى بالتنظيم والتخطيط والتنفيذ، حتى صار هذا الأسلوب يجري على ألسنة بعض الشباب وهو لا يدري ماذا ينفذ. وكل هذه الكتب تدعو إلى تجميع الناس لا فرق في الدعوة فيها بين من يهتم بالأساس وهو العقيدة الصحيحة وغيره، فكل صاحب طريقة أو تربية والتربية ألطف في التسمية سواءً كان قادرياً أو تيجانياً يمكنهم الدخول في هذه الدعوة إذا تحقق شرط واحد وهو الولاء العام لها.
ومن المصادفة أن الشيخ أمين الدين كان قادرياً، أي يتبع الطريقة المنسوبة لعبد القادر الجيلاني، فهو يعرف أسرارها وما تهدف إليه في دعوتها ولها صولة وجولة وأتباع كثيرون.
وقد حارب هذه الطريقة التي يعرف ضلالها وفسادها ومخالفتها للشريعة الإِسلامية.
стр. 13585
فلما كثرت عنده هذه الكتب التي تدعوا للتجميع، وقد دعم ما تدعوا إليه هذه الكتب، الشخص الذي يحملها إليه، ويحمل كل جديد منها باستمرار، ولا يتأخر عن نيجيريا فهو دائم الأسفار إليها ففي كل ثلاثة أشهر تقريباً يزورها- وقد سألته عن مهمته- فقال: إنه يريد تأسيس مطبعة ودار للنشر- ولكن مضى ثلاث سنوات ولم يوجد أثر لذلك. وقد حاول هذا الرجل إقناع أمين الدين بمهادنة أصحاب الطرق بحجة الحكمة في الدعوة وجمع كلمة المسلمين، ولكن أمين الدين بحمد الله قد أقنعه الإخوة بالدعوة الصحيحة، وهي تُؤدَّى بالحكمة والموعظة الحسنة، لأن بيان الحق لابد منه، وإلا فما معنى الدعوة إذا لم يبيّن الحقُّ من الباطل.
وفي الدورة الثانية وبعد زيارته لنا أعني أمين الدين، ذهبت لزيارته في مسجده فوجدت عنده كتاباً جديداً بكمية لا بأس بها، ولكنه لم يعرف ما فيه إذ لم يقرأه، والكتاب اسمه (تربيتنا الروحية) وقد ذكرت ما فيه من خرافات في مقدمة تحقيقي لكتاب (الرد على الجهمية لابن مندة) وهو مطبوع الطبعة الثانية.
ولقد حملت منه نسخاً هدية له ولطلابه ولبعض الأساتذة الذين تعرفت عليهم.
فتناولت كتاب التربية، وفتحت على ص ٢١٦، ٢١٧ لأنظر هل تنطبق على الطبعة التي نقلت منها قول المؤلف:"إن الكرامة تحدث للمنتسب للطريقة الرفاعية وإن كان فاسقاً..."الخ. فوجدتها كذلك لأنها مصورة.
فأعطيتها لأمين الدين فلما قرأها. وضع يده على رأسه وقال: أنا أعْرفُ بِكذِب الصوفية وخرافاتهم ودجلهم وقد وصلت في الطريقة القادرية إلى رتبة ممتازة عندهم، وقد أنقذني الله منها وقد كنت أضرب الطبل في المسجد للذكر- وهذا من طقوسهم- قال: فأنا إذاً أعود لها مرة أخرى.
стр. 13586
وقد كانت مناقشة الإخوان له في منهج الدعوة الصحيحة نبراساً له اهتدى به إلى منهج السلف في دعوته، والمذكور داعية له تأثيره في المجتمع يشغل جميع أوقاته في التعليم والدعوة، وعنده بعض الطلبة يعولهم لفقرهم، وبعضهم من الوثنيين أسلم على يديه فقلاه أهله، وليس عنده من الدخل إِلا راتبه وهو يعمل مدرساً وله أسرة.
ومما يجدر ذكره أن الرجل الذي كان يدعو أمين الدين إلى مهادنة أصحاب الطرق اتصل بجماعة الشيخ أبى بكر قومي، وهم جماعة نصر الإسلام، فدعاهم إلى مهادنة الطرق الصوفية، وقال إن كتاب الشيخ عبد الرحمن الإفريقي في الصوفية لا يصلح توزيعه لأنه يفرق كلمة المسلمين، فاصطدم بهم وأخذه البوليس إلى السجن وبقي فيه حتى جاء رئيس المؤسسة الإِسلامية من (كانو) إلى (كادونا) فأخرجه بكفالته.
أما في هذه السنة فقد كان أعضاء الدورة مع الطلبة المشتركين في الدورة وغيرهم يجرون مناقشات حول الطرق وهى مناقشة علمية سلكناها من أول يوم فيطالبونهم بالأدلة من الكتاب والسنة على ما يقولون ويدّعون فهي الحكمُ فيما اختلف فيه.
وقد أرسل مشائخ الطرق طلاباً من أتباعهم للإشتراك في الدورة، لإِثارة الأسئلة ونقل ما يجري في الدورة.
ولكن باستعمال الإخوة الحكمة في الدعوة ظهر الحق واندحر الباطل.
ومن أمثلة ذلك:
إن طالباً قادرياً في المستوى الجامعي قال في الفصل بعد مناقشات حول الطرق- إن الأئمة الأربعة أجمعوا على تكفير ابن تيمية.
فقال له المدرس: هل وجدت هذا في كتاب؟ قال: نعم. قال من كتب الأئمة الأربعة فيظهر أنه تملص من الإجابة.
стр. 13587
فقال المدرس للطلبة وهم في المستوى الجامعي هل تعرفون متى وجد الأئمة الأربعة وهم يعرفون ذلك، ثم بين لهم أنهم وجدوا في القرن الثاني والثالث، وابن تيمية وجد في القرن السابع فكيف حكموا بكفره قبل أن يولد، وبذلك أصبح الطلبة يخاصمون الطالب ويسكتونه إذا سأل، كما حدثت له مناقشة مع الشيخ صالح السحيمي في شرح البيت:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به.. الخ.
وفي هذه الدورة كان للأساتذة دور مع أتباع الخميني، ذلك أن الشعب النيجيري شعب مسلم يحب الإِسلام، ولكن الذي ينقص الشباب هناك هو العلم بحقيقة الإِسلام، وما تنطوي عليه دعوات الفرق المنتسبة للإِسلام.
فحين سمعوا ما يسمى بالثورة الإسلامية، وقد كثف أصحاب هذه الدعوة دعايتهم في نيجيريا بإرسال الوفود والنشرات باللغة الإنجليزية والعربية انخدع هؤلاء الشباب بهذه الدعوة.
وقد اشترك بعض هؤلاء الطلاب الذين تركوا مدارسهم في الدورة في العام الماضي وجرت معهم مناقشات طويلة. وفي آخر شهر رمضان تركوا الدراسة واعتكفوا في المسجد فقلنا لهم إِن الاعتكافَ سنة وطلبَ العلم فريضة فلم يقبلوا.
فطلبنا من الشيخ محمد زربان وهو الرجل المعروف بأسلوبه في الدعوة أن يذهب ليلقي دروساً في المسجد، وكان هدفنا هو ملاحقة هؤلاء الشباب المغرر بهم عسى الله أن يهديهم، وقد استمر معهم يناقشهم ويجيب على شبههم ويوجههم ولكنه في آخر الأمر قال: إنني أصب في قربة مخروقة أملأها في الليل فتصبح فارغة.
وذلك أنه بعد مناقشتهم وإقناعهم في المساء مثلا يصبحون يعيدون المسألة بعينها.
стр. 13588
ورغم ما ظهر على بعضهم من تأثر عند سفرنا فقد مكث أحدهم أو رئيسهم عند الشيخ محمد زربان ليلة سفرنا إلى وقت متأخر من الليل ثم بكى متأثراً بما يسمع ومع هذا كله لما عدنا هذا العام. وجدنا شوكتهم قويت وشعارات الشيعة ظاهرة عليهم كلبس العمائم بل قال لي الشيخ أمين الدين إنهم في داخل البلد وفي الذهاب للمسجد يلبسون العمائم السود، ثم لهم مكتبة باسم مكتبة الأمة تأتيها الصحف والمجلات والنشرات من إيران يوزعونها مجاناً ومعها صور الخميني وهي معلقة على باب المكتبة.
وفي أول خطبة جمعة خطبها الشيخ محمد زربان في الجامع، وترجمها الشيخ أمين الدين أبو بكر- وقد تعرض المترجم لدعوة الخميني وبين للناس أنها ضلال مبين إذ أن عقائدهم تقوم على تكفير الصحابة وعلى رأسهم أبى بكر وعمر، وهو الرجل الوحيد فيما أعلم يبين للناس عَلَناً أن ثورة الخميني ليست إسلامية، ولا تمت إلى الإسلام بصلة وإنما هي دعوة باطنية.
وبعد صلاة الجمعة وحين خرجنا من المسجد تقدم طالب من طلاب الشيخ محمد زربان من الذين كان يناقشهم العام الماضي بمجلة حرس الثورة يوزعها علينا، ثم اتبعوها بنشرات أخرى مطبوعة باللغة العربية والإنجليزية فيها أقوال الخميني.
وبعد أن عرفوا أننا قرأناها طلبوا منا موعداً فلبينا طلبهم فحضروا بعد صلاة العشاء في السكن فاجتمعنا في المكان المعد للصلاة، وجرت المناقشة مع رئيسهم وهو آيتهم واسمه بشير- الذي لم يجاوز عمره العشرين سنة وهو طالب ذكي أضله أولئك الدعاة.
فقد دعاه الخميني بواسطة عملائه إلى زيارة إيران فزاره هو وبعض زملائه وقابلوا الخميني ورجع معمداً لإنقاذ المستضعفين.
وقد جرت المناقشة معه لعقيدة الرافضة ودعوتهم، وما الإِسلام الذي يدعون إليه، وهم يعتقدون كفر الصحابة الذين نقلوا لنا القرآن والسنة ... الخ.
стр. 13589
فكان الرجل أعمى لا علم عنده، وقد قطع هؤلاء الصلة بينهم وبين علمائهم فحين قلنا لهم العام الماضي ما دمتم تركتم دراساتكم في الجامعة، فاتصلوا بالشيخ أبى بكر قومي، والدكتور حسن غاورزوا، رئيس القضاة، وأمين الدين أبو بكر لتتفقهوا في الدين على أيديهم قالوا: إن هؤلاء موظفون مع الحكومة فلا يوثق بعلمهم. لذلك تمكنت الدعاية المكثفة مع وجود العاطفة الإسلامية عندهم من إضلالهم، فمثلاً يقولون رداً على تكفيرهم للصحابة ومنهم أبو بكر وعمر، إن هذا القول تركه المتأخرون وإنما هي عقائد قديمة.
فقيل لهم: إن هذا القول موجود في كتاب الخميني- الحكومة الإسلامية- فقال بشير: هذا الكتاب طبعته رابطة العالم الإِسلامي ضد الخميني، فقلنا له: أنت زرت إيران ولاشك أنك أخذت من الخميني الذي قابلته النسخة الأصلية فاطلعنا عليها فرفض. فقال له الشيخ صالح السحيمى: ما رأيك لو قلت: إن لأئمتنا درجة لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقال: أنت كافر.
فقال له: ولو قال هذا القول الخميني ما رأيك فيه، فقال: أمره إلى الله. فقلنا له اتق الله ما الفرق بين الاثنين.
فقال بحماس: أنا لا أكفر الخميني لأنه يجاهد في سبيل الله.
والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ . فهو سيهتدي. هكذا بلغ حال هؤلاء، وليست هناك مقاومة لهذا الضلال تذكر ما عدا ما يقوم به الشيخ أمين الدين أبو بكر، حتى الكتب الصغيرة مثل الخطوط العريضة وكتب إحسان إلهي ظهير لا توجد في هذه البلاد.
أما الطلبة الذين اشتركوا في الدورة فقد كان بعضهم متأثراً بدعوة الخميني- أو بفتنته- لأنها تلمس عواطفهم ومشاعرهم الدينية بألفاظها ولا يعرفون حقيقتها.
стр. 13590
وقد ركز الإخوة جميعاً على إزالة هذه الشبه من أذهانهم، باستثارة عواطفهم الدينية أيضاً، وهو طلب الحكم منهم على من يكفر الصحابة ومن يقول أن أبا بكر وعمر صنمي قريش، فيصدر الحكم منهم على قائل ذلك. فيبين لهم أن هذه عقيدة الشيعة الرافضة الإمامية في القديم، وهى الموجودة الآن في كتبهم التي تنشر وتوزع.
وقد فضح الله باطل الشيعة وإن كانوا يستعملون التقية ديناً وهى النفاق بعينه- وذلك بما قاموا به من نشْرٍِ لِكتاب الكافي في أجزاء صغيرة مبسطة للقراءة- أعلى الصفحة باللغة العربية وفي أسفلها الترجمة باللغة الإنجليزية، وفيه الطعن على أبي بكر وعمر ومعاوية وغيرهم من الصحابة.
وقد ركز في الكلمة التي ألقيت في حفل اختتام الدورة والتي حضرها وزير الإسكان ورئيس القضاة على حثهم على الاهتمام بالشباب المسلم والعناية بالعقيدة الصحيحة التي أخبر الرسول بأن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إِلا واحدة. ولما سئل عنها قال: هي من كان مثل ما أنا عليه وأصحابي. فالذي يكفر الصحابة ويقول في أبي بكر وعمر أنهما صنمي قريش كيف يكون داعية للإِسلام.
فوعد رئيس القضاة بأنهم سيعملون بهذه النصيحة.
أما الآن فإلى الحديث عن ثاني رجلين من رجال الدعوة إلى العقيدة الصوفية.
الذي تعرف عليه أعضاء الدورة وتناقشوا معه وقرأوا كتبه وأعجبوا بعمله وبأفكاره.
ذلك الرجل هو الشيخ محمد طاهر ميغري البرناوي المحاضر في جامعة بايرو- في كانو- وألدّ أعداء الطريقة التيجانية التي بلغ فيها درجة يتمناها كل تيجاني كما قال ذلك في مقدمة كتابه (الطريقة التيجانية دين جديد هدام لعقيدة الإِسلام وشريعته) .
стр. 13591
أريد أن أقول قبل أن أذكر شيئاً عن كتبه: إن أعضاء الدورة وأعني بهم السعوديين خاصة- بقدر ما قدموا لطلابهم في بيان العقيدة الصحيحة فقد أخذوا معلومات جيدة في معرفة أسرار الطرق الصوفية الخبيثة التي أضلت شباب العالم الإسلامي في كل مكان، وذلك بما قرأوه في كتب الشيخ محمد طاهر ميغري، وبما سمعوا من تحليل لأقوال ابن عربي وابن الفارض وغيرهما.
وقد كان البعض منا يظن أن الطرق الصوفية عبارة عن أوراد يعملون فيها خلافاً لما عمله السلف الصالح في الذكر بما يحدثونه من حلقات وذكر جماعي.. الخ.
ولكن تبين لنا بعد قراءة تلك الكتب أنها - أي -الطرق الصوفية كفر وإلحاد وزندقة، بيّن ذلك وأرجعه إلى مصادره وأصوله القديمة قبل الإِسلام، كما بين الغاية من أن الدعوة إليها، هي محاربة لكتاب الله وسنة رسوله بصرف الناس عن القرآن بالأوراد، وصلاة الفاتح التي ادعى التيجاني أن الملك نَزَلَ بها على البكري مكتوبة في صحيفة من نور وأنها تعدل القرآن ستة آلاف مرة بل أضعاف ذلك. لأنهم يقولون لأتباعهم: إن القرآن ثقيل- كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ فهو لثقله يخرب الديار ويزلزل البيوت- فيكتفي بالأوراد التي أجْرُهَا أضعاف أجر القرآن ستة آلاف مرة أو أكثر وهي سليمة العواقب.
أما كتبه التي ألفها ولا تزال مخطوطة فهي:
الأول: الطريقة التيجانية دين جديد هدام لعقيدة الإسلام وشريعته.
الثاني: إبطال ادعاء رؤية النبي ﷺ يقظة.
الثالث: التيجانية آخر مظهر للباطنية القرمطية الإِسماعيلية.
الرابع: كتاب في المهدي.
стр. 13592
والكتب الثلاثة الأولى هي في الأصل كتاب واحد بعنوان (التعليمات المفيدة) وسبب تأليفه أنه ألقى محاضرة في جامعة بايرو بعنوان التربية عند الشيخ إبراهيم إنياس السنغالي. تعرض فيها لبيان ضلاله وإلحاده، وقد أخذ رسالته الماجستير بعنوان (إبراهيم إنياس آراؤه وأصول أفكاره مع تحقيق كتابه السر الأكبر) وكلاهما مطبوع في مجلد واحد.
فكتب أحد أتباع الطريقة التيجانية وهو موريتاني، رسالة في الرد عليه بعنوان (إنذار وإفادة لمن باع دينه بشهادة) أي بشهادة الماجستير فكتب محمد طاهر ميغري هذه الكتب الثلاثة.
أما الكتاب الأول- وهو الطريقة التيجانية دين جديد.
والثاني- وهو إبطال ادعاء رؤية النبي ﷺ يقظة.
فقد قرأها الأساتذة من أولها إلى آخرها قراءة متأنية مع المناقشة الحادة بعض الأحيان، لأن المؤلفَ شديدُ اللهجة في الرد على المخالف وقد يستنبط بعض الأحيان من أقوالهم ما يراه بعضنا إلزام لهم بما لم يحمله قولهم- وهو مشترك معنا في التدريس في الدورة فيحضر عندنا في السكن فتجرى معه مناقشة ممتعة ومفيدة. وقد دلت على علم الرجل وفهمه، واعتداده بما يقتنع به. كما أن من مميزاته قبول الحق إذا تبين له. وعدم العناد فيه.
وهو لا يقبل المجاملة والاحتمالات التي يُفَسّرُ بها بعض أخطاء العلماء في العقيدة.
وله منهج خاص في ذلك، وهو تتبع العالم في مسار فكره في كتبه فإن كان يسير في أغلب كتبه إلى تأييد هذه الفكرة بشتى الوسائل والاحتمالات والتفسيرات، ثم لا ينقل أقوال المخالفين له كاملة، وإنما يقتصر على ما يحتاجه منها، ثم يروى أحاديث موضوعة وهو يعلم ذلك ولا يبين أنها موضوعة.. وهكذا، فمثل هذا لا يقبل الاعتذار عنه لأن تلك عقيدته.
وان أخطأ مرة أو مرتين فهذا كغيره من العلماء يخطئون ويصيبون. وليسوا بمعصومين.
стр. 13593
وأهم ما يمتاز به المذكور في دراسته وبحوثه استيعابه لأقوال الخصم وأدلته وحرصُه الشديد على النقل للأمور المنسوبة لذلك الشخص بأمانة لا زيادة ولا نقصاناً.
ثم سرد للتسلسل التاريخي لبدء الفكرة، وتطورِها في جميع مراحلها، وبعد ذلك يبدأ في المناقشة، فيبطل ما قاله أولئك بعد مناقشة أدلتهم مناقشة علمية وإبطالها بالعقل والنقل، ثم يورد أدلته على ما يريد إثباته من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة، المعتبرةُ أقوالُهم كالأئمة الأربعة وابن تيمية وابن القيم، وابن العربي وابن حجر وغيرهم.
ولا يورد أحكامه على الآخرين جزافاً، وهو بعيد كل البعد عن الحكم بالعواطف.
هذا بالنسبة لكتبه المخطوطة، والتي أحضرنا بعضها لأنه يرغب نشرها في المجتمع النيجيري الذي أفسده أصحاب الطرق المضلة، وهو فقير لا يستطيع طبعها.
وهي كتب تخدم الدعوة، فهو جدير بأن يشد من أزره ويشجع وينشر الصالح من كتبه.
أما كتبه المطبوعة فمنها كتابه (إبراهيم إنياس السنغالي آراؤه وأفكاره مع تحقيق كتابه السر الأكبر) . وهو رسالة ماجستير تَقَدّمَ بها في جامعة بايرو- بكانو-.
والرسالة كما هو واضح من عنوانها (دراسة لشخصية إبراهيم إنياس وتحقيق لكتابه السر الأكبر) وكلاهما مطبوع في مجلد واحد يشمل ٥٢٠ صفحة.
وطبيعة البحث العلمي- لاسيما دراسة الشخصيات والمعاصرة منها على الخصوص، والمفتون بها مئات الآلاف بل الملايين من الناس- سواء قدَمَهُ صاحبُه رسالة في جامعة فهو يعلم أنه سوف يعرض نفسه للمناقشة في جميع أقواله. أو يقدمه للقراء فكذلك سيكون مستهدفاًَ للنقاد، فهو يحتاط قدر استطاعته، ولابد أن يبقى عنده نقص لكونه بشراً.
وقد ذكرت أن ما يميز بحوث الشيخ محمد طاهر ميغري هو الاستقصاء وإيراده لكل ما يستطيع أن يتوصل إليه من أقوال قيلت في المسألة.
стр. 13594
وقد ناقشه أساتذة الدورة في هذا الاستطراد، وأقنعنا بضرورة ذلك في بعض المواطن.
فكذلك كان بحثه في دراسته لشخصية إبراهيم إنياس السنغالي.
فقد قام بدراسة ميدانية، فسافر إلى كولخ موطن أسرة إبراهيم إنياس وإلى موريتانيا حيث يوجد أتباع طريقته، ثم اتصل بكل من له به صلة حتى جمع عنه جميع المعلومات التي استطاع أن يجمعها عن حياته وسجل ذلك كما أخذه بأمانة الناقل.
ثم درس الطريقة التيجانية التي ينتسب إليها إبراهيم إنياس ويدعو لها وينشرها في نيجيريا بلد غير بلده.
فذكر تأريخ أحمد التيجاني، وبين سيرته السيئة، وما جرى له من الحاكم التركي الذي سجنه لأنه ثبت عليه تزييفه للنقود، ثم ضربه له وأخيراً تسفيره.
ثم ذكر حقد الشيخ التيجاني على الحاكم التركي المسلم وعلى الإسلام والمسلمين جميعاً، ودعوته على بلاد المسلمين بأن يستولى عليها الاستعمار.
ولما قيل له في ذلك قال: إن الله أوحى إليه بأنه ساخط على المسلمين وأنه لا يقبل دعاء أحد فيهم.
وقد ناقشه محمد طاهر ميغري في هذه الأقوال الزائفة وأثبت كذبَه فيها ثم نقل إجماع المسلمين على تكفير من ادعى نزول الوحي بعد النبي ﷺ على أحد من خلقه مستدلاًَ بأدلة ختم النبوة- وبحديث الصحيحين- بأنه سيكون بعد الرسول دجالون كذابون قرابة ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي.
ثم أثبت بعد ذلك تعاون التيجانى وجميع أصحاب الطرق مع المستعمرين، ووصيتهم لأتباعهم بالسمع والطاعة للمستعمرين.
وبعد ذلك انتقل إلى تبشير التيجانى بأنه ستكون فيضة في آخر الزمان على يد أحد أتباعه، يدخل الناس في الطريقة التيجانية أفواجاً، وأن من دخل فيها فهو من أهل الجنة سواءً عَبَد الله أولم يعبده، وسواءً ارتكابه المعاصي والذنوب من زنى وسرقة وغيرها، فان الله قد تكفل له بأن يقضى عن أتباعه من خزائن جوده وكرمه. وأن يدخلهم الجنة بغير حساب ولا عذاب.
стр. 13595
هذا نموذج مما ذكره عن التيجاني وقد حكم بكفره لادعائه الوحي. ولادعائه دخول أتباعه الجنة بغير حساب وأن الله تكفل له بذلك.
وبعد ذلك انتقل إلى إبراهيم إنياس السنغالي فاستقصى سيرته من حين ولادته، ذاكراً الخرافات التي قرنت بولادته، ثم تتبع سيرته إلى أن أصبح صاحب طريقة، وأنه لما كان في السنغال أصحاب طرق ينافسونه، وهم أقوى منه، كان أكثر أتباعه في الدول المجاورة مثل موريتانيا وغيرها.
ثم بين اتصاله بنيجيريا لنشر طريقته فيها، وأنها كانت بسبب معرفة بينه وبين أمير (كانو) وقعت في الحج، ثم قدم إلى (كانو) بعد ذلك لنشر طريقته. ثم ادعى بعد أن قَبِلَ الناسُ منه طريقته، أنه هو صاحب الفيضة التي بشربها أحمد التيجاني، والتي قال عنها أنها ستكون في آخر الزمان على يد أحد أتباعه، فقرر لهم أنه صاحبها وأنه صاحب الدائرة الفضلية التي تقع خارج دوائر الشرع كلها، وأن كل من اتبعه يدخل الجنة بلا حساب وإن ارتكب المعاصي من زنا وفجور وقتل وسلب لأموال الناس فالله يقضي عن أتباعه كل ما ارتكبوه من خزائن فضله. وهذا سبب تسمية دائرته بالدائرة الفضلية.
قال: وإن الذين لا يؤمنون بطريقته ويعادونها كفار يخلدون في النار.
ثم نقل عنه قوله من قصيدة له:
في جنة الخلد بلا بهتان
ومن يحبني ومن يراني
وقوله في قصيدة أخرى يدعي فيها تصرفه في الكون قال:
إن قلت كُنْ يَكُنُ بلا تسويفي
قد خصّني بالعلم والتصريفي
ثم ناقش محمد طاهر ميغري هذه الكفريات مناقشة علمية وبين مصادمتها للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وأنها خروج على الشريعة الإسلامية، وأن من يقولها ويعتقدها فهو الكافر الذي يستحق العقاب من الله- لا عموم المسلمين الذين يَكْفُرُوْنَ بتعاليمِ طريقته الخارجة عن الشريعة الإِسلامية.
стр. 13596
وقد عقد باباً في أول أبواب الكتاب بعنوان (إبراهيم إنياس من شيخ الطريقة إلى شيخ الإِسلام) .
فقد يظن المتعجل في الحكم أنه يمدحه وهو في الحقيقة يذمه. فقد أثبت في هذا المبحث أن إبراهيم إنياس يقول بالتقية ويعمل بها، كما أثبت في الأبواب الأخرى أن الصوفية هم باطنية إسماعيلية يقولون ويعتقدون عقائد الروافض.
قال: وباستعماله لعقيدة التقية فقد خدع الناس بمكره وخداعه، وقد منح ذكاءً وأسلوباً عجيباً في خداع العالم حتى استطاع أن يكون عضواً في رابطة العالم الإسلامي. قال: فهو يَظهَر للعالم الإسلامي بمَظهر شيخ الإسلام ثم يعود إلى قفصه في كولخ يُعَلّم الناس ضلاله وفساد عقيدته، إلى أن قال: فقد عاَش طول حياته تيجانياً ومات تيجانياً، وقد قال في باريس وهو في المستشفى، على فراش الموت:
بباريسَ هل هذا المحل محله
رأيت رسول الله جهراً ويقظة
ثم نقل إلى لندن فمات بها ونقل جثمانه إلى كولخ فدفن بها وقد أوصى بالطريقة لخلفه من بعده.
كما نقل في أول الكتاب من كتاب السر الأكبر المحقق مع الدراسة والذي سبقت الإِشارة إليه ما يأتي:
قال: إن كافراً فاسقاً اغتصب امرأة تيجانية فعاشرها طول حياته، هذه المعاشرة الفاسدة، فلما مات هذا الكافر دخل الجنة، وذلك بسبب معاشرته لهذه المرأة التيجانية مع العلم أن المرأة غير ملتزمة بأداء الأوراد التيجانية، ولكنها لم تتركها إنكاراً لها وإنما تركتها كسلاً وتهاوناًَ [١] .
ثم يناقش الشيخ محمد طاهر ميغري هذا الكلام الفاسد ويحكم على معتقده بالكفر.
стр. 13597
هذه نماذج قليلة ذكرتها مما تضمنه هذا الكتاب من المخازي التي أثبتها فيه الشيخ محمد طاهر ميغري عن التيجانية وعقائدهم وكفرهم وعن إبراهيم إنياس نفسه المخصص بالدراسة، وذلك لأن للشيخ محمد طاهر عليّ وعلى زملائي في الدورة حق المسلم على المسلم وأخص بالذكر من المشايخ أكثر من غيره إمامنا في الصلاة الذي لم تفته صفحة واحدة من قراءة كتبه. (ومنها ما قرىء من هذا الكتاب إبراهيم إنياس، والذي قال عنه بعضهم: إن مقدمته تكفي في بيان أنه طعن للطريقة التيجانية ولأصحابها- وأقول إن الذي قاله هو الحق وقد سمعتم تكفيره للتيجاني ولإبراهيم إنياس بما جاء عنهما من عقائد فاسدة.
منها أن الملك نزل على التيجانى بالوحي. وادعاء إبراهيم إنياس أن أتباعه في دائرة وراء دوائر الشرع- وأن الله تكفل له بإدخال أتباعه الجنة بغير حساب ولو عملوا ما عملوا من المعاصي وأن الله يقضي عنهم من خزائن فضله، وأنه يرى رسول الله باستمرار حتى في باريس وأن الكافر الفاسق يدخل الجنة إذا عاشر امرأة تيجانية.. الخ) .
أقول إن من قرأ هذا الكتاب ليقف على رأي مؤلفه في التيجانية وفي إبراهيم إنياس فقط، فسيجد حكمه على التيجانى وإبراهيم إنياس بالكفر الصريح لا بالمدح، وبحمد الله الكتاب موجود.
ولم أتحدث عن محمد طاهر ميغري عن عاطفة، وإنما أتحدث عن حقائق وعن رجلٍ داعيةٍ يتبع مذهب السلف ويحارب الطرق الضالة المضلة، فيجب أن يشد أزره ويشجع بطبع الصالح من كتبه.
وأعتقد بعد ما سمعتم والكتاب موجود- أنه لا ينبغي أن يقال عنه إنه خبيث يدعو للتيجانية أو يمدح التيجانية، فهذا حكم جائر ظالم، وربما صدر هذا الكلام من صاحبه عن حسن نية وعدم قراءة للكتاب وإنما أكتفي ببعض الصفحات وكان الإنسان عجولاً، وهذا الذي أعتقده، لأن حق المسلم على المسلم أن لا يَظْلِمَهُ ولا يخذله.. الخ ما جاء في الحديث.
стр. 13598
ولو كان مثلُ هذا القول صحيحاً لما كتب التيجانى الموريتاني تلك الرسالة رداً عليه بعنوان (إنذار وإفادة لمن باع دينه بشهادة) ولا شك أنه قد باع ما سماه هو- التيجانية دين جديد هدام لعقيدة الإِسلام وشريعته بيعة لا رجعة فيها إن شاء الله.
وحيث أن القول في محمد طاهر ميغري وفي كتابه قد أصاب شخصاً آخر، كما يقال: عصفورين بحجر- وهو في الحقيقة ليس بعصفور وإنما هو صقر على رخم الطرق الصوفية، ذلك الشخص هو: الشيخ أبو بكر قومي الرجل المعروف في نيجيريا كلها بمحاربة أصحاب الطرق الصوفية، وقد سمعتم عن جماعته وهم جماعة نصر الإِسلام الذين لهم مراكز في جميع ولايات نيجيريا- وهم الذين أدخلوا من يريد منهم مهادنة أصحاب الطرق بحجة جمع الكلمة- السّجْنَ عن طريق البوليس، وهو عربي وليس بنيجيري.
وذلك أن أبا بكر قومي وهو عضو في المجلس الأعلى للجامعة الإِسلامية، وعضو في رابطة العالم الإسلامي- قد كتب مقدمة مقتضبة لهذا الكتاب. وقال عنه أي إبراهيم إنياس أنه صاحب الفيضة، استهزاءً به لا مدحاً له وهو الذي دعاني لقراءة الكتاب كله من أوله إلى آخره، وذلك لعلمي بمحاربة أبى بكر قومي لأصحاب الطرق حتى أن الحكومة عجزت عن المصالحة بينهما كما حدثني بذلك الدكتور محمد ثاني زهر الدين رئيس قسم الدراسات الإِسلامية بجامعة بايرو.
ولكن قلت في نفسي: إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلعل الرجل حدث له شيء.
ولكن حينما قرأت الكتاب وجدته بالعكس فإن الرجل مازال على منهجه فقد جاء في الكتاب نفسه، في الباب الذي جمع فيه محمد طاهر ميغري المعلومات الميدانية عن إبراهيم إنياس مقابلته لأبي بكر قومي في منزله في (كادونا) مثبتاً تاريخ اليوم الذي جرت فيه المقابلة وهو السبت ٢٧/ مايو ١٩٧٨ م بمقره في كدونة حيث قال له:
стр. 13599
- ما رأيك في إبراهيم إنياس وطريقته فأجابه بقوله: إن إبراهيم إنياس جاء إلى نيجيريا بكفر صريح مكشوف ينادي به علناً وعلى رؤوس الأشهاد، وأنه أضل عوام النيجيريين بِدَجَلِه ومكره.
قال- أي أبو بكر قومي-: وقد قابلته في المدينة أيام أن كان عضواً في الرابطة، فأراد أن يتخذ من تلك المقابلة خدعة للناس بحجة أننا تصالحنا مع أصحاب الطرق، فبينت للناس ذلك الكذب في حينه لأننا عندما تقابلنا تبين لي أنه كافر فتبرأت منه وابتعدت عنه، وأما اتحاد حركتي مع حركة تلاميذي والتعاون معهم فلا أرى أنني أحتاج إلى ذلك. لأن حركتي هي جماعة نصر الإسلام، وهي ليست لي وإنما هي لجميع المسلمين وكل من يريد أن ينصر الإسلام فالباب مفتوح لا يحجبه شيء [٢] .
قال: ثم قلت له: ما رأيك في قول الشيخ إبراهيم إنياس: "إن الله قد ساق الوجود كله مساق الهلاك في هذا الزمان فلا ينجو منه أحد إلا من رزقه الله محبة الشيخ التيجانى". فقال: "إنه يريد بذلك أن يقول: ومن يبتغ غير التيجانية ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ".
أما كتابته المقدمة للكتاب باختصار ولم يفصل القول فيها عن مخازي الطريقة التيجانية فقد سئل من شخصية تعمل بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ] الحجرات: ٦ [.
стр. 13600
فأجاب عن ذلك، بأن المقصود منه أن يقرأ النيجيريون الكتاب وبالأخص أصحاب الطرق منهم حتى يعرفوا مخازي شيوخ طرقهم، لأنهم إذا وجدوا مني التفصيل والنقد في أول الكتاب قد ينصرفون عنه بحجة أن أبا بكر قومي عدو للتيجانية ولأصحاب الطرق جميعاً، حدثنا بذلك هو بنفسه حين زرناه في منزله (بكادونا) ، وكان يحدثنا عن أصحاب الطرق، وقد جاء ذكر محمد طاهر ميغري في ذلك المجلس، ومما يؤكد أن أبا بكر قومي لازال على منهجه في محاربة الطرق الصوفية الضالة المضلة وأنه بعيد كل البعد من أن يقدم لكتاب يمدح التيجانية- إنه في هذه الزيارة التي كانت في شهر ذي القعدة ١٤٠٢ هـ للشيخ أبى بكر قومي في منزله فقد كان حديثه معنا عن خرافات أصحاب الطرق، حيث قال: إن من ضلالهم ودجلهم على عوام الناس بالكذب والتضليل، أن ولياًّ من أوليائهم قال لأتباعه، إن ولياًّ طار من بغداد إلى نيجيريا، فلما وصل نزل على رأس شجرة، والأشجار كثيرة في نيجيريا كما تعرفون- فذهب إليه الولي النيجيري وقال له: لماذا لا تنزل؟ فرد عليه قائلاً: إن الأرض ملوثة بالمعاصي والذنوب فلا يمكن أن أنزل عليها. ولذلك ذكر له حاجته ثم طار راجعاً إلى بغداد- ولا ندري هل أرض بغداد ملوثة بالمعاصي أولا؟.
قال ومثل هذا الكذب يصدقه العوام لأنه عندهم من كرامات الأولياء.
هذا وقد أخبرني أمين الدين رئيس جماعة الدعوة، أن لأصحاب الطرق رابطة فيما بينهم ولهم جماعة سمّوْهم باسم شباب الإِسلام- في مقابلة اسم جماعة أبى بكر قومي (نصر الإِسلام) وأن هؤلاء تمكنوا من إصدار برنامج في الإذاعة يلقيه أحد رؤساء الطرق الصوفية (باللغة الهوسا) لمحاربة أبى بكر قومي والطعن عليه وعلى كتبه- في الوقت الحاضر- وذلك معارضة منهم لحديث أبى بكر قومي الذي يلقيه في الإذاعة من زمن لتوجيه الناس وإرشادهم وتحذيرهم من الخرافات والبدع المهلكة.
стр. 13601
أقول هذا عن الشيخ أبى بكر قومي رئيس قضاة شمال نيجيريا سابقاً وعضو المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية وعضو رابطة العالم الإسلامي، وعن الشيخ محمد طاهر ميغري البرناوي المحاضر بَجامعة بايرو- لأنهما من رجال الدعوة إلى الحق ومن ألد أعداء أصحاب الطرق وعلى رأسها الطريقة التيجانية لأنهم يعرفون ضلالها وفسادها وتدميرها لأخلاق الشباب المسلم أكثر منا، وهما على ثغرة في الوقت الحاضر لا يسدها غيرهما، ومعهما أمين الدين أبو بكر رئيس جماعة الدعوة وهو الذي يقاوم في الوقت الحاضر ضلال الرافضة ويبين للناس زيف دعوتهم للإِسلام وأنهم يدعون للضلال إذ كيف يدعو للإِسلام من يكفر الذين نقلوا لنا القرآن والسنة وعلى رأسهم أبو بكر وعمر ﵄.
يعلن ذلك على منبر الجامع يوم الجمعة للناس جميعاً، بلا تحفظ ولا خوف من أحد.
فالذي يجب علينا ونحن ندعو إلى الحق أن نشد من أزر هؤلاء ونشجعهم ونساعدهم بما نستطيع تقديمه لهم، ولو بالدعاء لهم، وأن لا نندفع مع ملابسات لا أصل لها ولا تمت إلى الحقيقة والواقع بشيء ونحن في غنى عنها.
وإني لأتمثل للشيخ أبى بكر قومي والشيخ محمد طاهر ميغري بأبيات من منظومة قالها الشيخ حافظ الحكمي لملابسات تشبه هذه من بعض الجوانب هي بعنوان: الجوهرة الفريدة في تحقيق العقيدة.
قال فيها:
وولديها الحيارى ساء ما ولدوا
إني براء من الأهواء ما ولدت
يقول في الله قولاً غيرَ ما يرد
والله لست بجهمي أخا جدل
إلى أن قال:
ولا ابن سبعين ذلك الكاذب الفند
وما أرسطو ولا الطومسي أئمتنا
ولا الذي لنصوص الشر يستند
ولا ابن سيناء وفارآبيه قدوتنا
كل الخلائق بالباري قد اتحدوا
مؤسس الزيغ والإلحاد حيث يرى
الكلب والقرد والخنزير والأسد
معبودُه كُلُّ شيء في الوجود بدا
стр. 13602
.. الخ القصيدة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،،
مركز إسلامي في السويد
تم وضع حجر الأساس لبناء أول مركز إسلامي في الدول الاسكندنافية بمدينة (مالمو) بجنوب السويد.
ويحتوي المركز الإسلامي على مسجد وفصول دراسية لتعليم أبناء المسلمين الدين الإسلامي الحنيف إلى جانب مكتبة تحتوي على العديد من الكتب الإسلامية المختارة.
وقد أعرب رئيس المركز الإسلامي في السويد ديفيد بيكروف عن سعادته البالغة لهذا الإنجاز ودعا جميع الدول الإسلامية لدعم هذا المركز حتى يستطيع تأدية رسالته..
(الندوة)
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر كتاب الشيخ إبراهيم إنياس، حياته وآراؤه ص ١٩٤- ١٩٧. .
[٢] انظر كتاب الشيخ إبراهيم إنياس السنغالي، حياته وآراؤه وتعاليمه ص ٢٣٧- ٢٣٨ الدار العربية تأليف محمد طاهر ميغري. تقديم أبى بكر قومي. .
стр. 13603
مِنْ مَنْهَجِ الْقُرْآنِ الْعَظِيْم في التربيَة والتعلِيم
للشيخ محمد المجذوب
كلية الدعوة وأصول الدين
قال الله ﵎ في سورة لقمان:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ .
стр. 13604
المفردات: الوهن: الضعف، والجنين ضعيف لا يدفع عن نفسه ضراً ولا يجلب لها نفعاً والرحم الحامل له ضعيف لا يستطيع حماية نفسه، والأم الحامل في ضعف مستمر حتى تضعه، الفصال: الفطام، أناب إلى الله: وثق به واتكل عليه وفوض أمره إليه، صعرّ خده: أماله عن الناس استكباراً، والمرح: الفخر والخيلاء، القصد: الإعتدال بين الإفراط والتفريط. غض من صوته: خفضه تأدباً.
تلخيص المعاني: في هذه الآيات الكريمة تركيز عجيب لدستور كامل في أصول التربية والتعليم، يذكر الله ﵎ معظمه عن لسان معلم صالح أتاه الحكمة فعمل بها ومن العسير استيفاء البحث في مضمونها هذا الدستور الجامع المانع، لذلك نكتفي بالإشارة إلي أصوله الكبرى.
الموضوع هنا يمكن اعتباره قسمين يؤلفان وحدة متكاملة، أما أحدهما فخاص بالفرد من حيث هو كائن بشري لابد له من التوجيه إلى المباديء الأساسية التي تنظم كيانه الشخصي. وأما الثاني فيتناول تنظيم العلاقة بين هذا الفرد السوي ومجتمعه البشري.
يبدأ القسم الأول من الوصية الحكيمة بالتحذير من الشرك، لأن التوحيد هو المرتكز الأساسي الذي ينهض عليه البناء السليم للفرد والجماعة، وليس الشرك إلا عارضاً من الخارج، والحكمة تقتضي تحصين الفطرة من ذلك الواغل الوبيل، الذي لا ظلم أظلم منه للنفس وللحق.
وكأن لقمان قد سكت عن ذكر الوصية بالوالدين لأنها تتعلق بحقه على ولده، فآثر عليه حق الله وحق الآخرين، ولأن التزامهما مؤد في الواقع إلى توكيد شأن الوالدين باعتبارهما الأولى بكل برّ بعد الله، ولكن الله جل شأنه لم يشأ أن يدع الأمر للاستنتاج، فاستدرك على لقمان بتوكيد هذا الحق مباشرة بعد حقه، كما عودنا سبحانه من الربط بين حقه وحق الوالدين في آيات أخر، ثم قيد ذلك بحدود طاعته، فللوالدين على الولد حق البر وخفض الجناح، ولكن ليس لهما أن يفرضا عليه متابعتهما على المعصية..
стр. 13605
ولكي يصون الإنسان نفسه من الانحراف عن هذا الخط لابد له من قدوة عملية يلتزم سبيلها في سلوكه، وقد حدد له هذه القدوة في اتباع المنيبين إليه من الأنبياء والأصفياء السالكين على خطاهم. والبرّ بالوالدين، ومتابعة الصالحين، مع التوحيد الخالص، أساس التربية القويمة التي تضبط مسيرة الفرد في الطريق الأمثل، يضاف إلى ذلك تذكره الدائم للمصير الذي هو منته إليه بعد هذه الحياة الزائلة، حيث يرى ما عمله من خير محضراً، وما عمله من سوء يود لو أن بينه وبينه أمداً بعيداً. وأولى ثمار هذه التربية تكوين المراقبة الداخلية لأعمال الفرد، وهو ما نسميه بالضمير، إذ يتجنب كل زيغ عن الجادة، لأن كل حركاته وسكناته مُحصى عليه من قبل اللطيف الخبير، الذي لا يفوته كبير ولا صغير.
وهنا يأتي القسم الثاني وفيه تتلاحق الأوامر والنواهي: أمراً بالصلاة التي هي معراج المؤمن إلى الملأ الأعلى وكأنها مواقف حساب يومي، يعرض فيها نفسه وعمله على ربه فيستغفره لما أصاب من الهفوات، ويستمده العون على ما وفق إليه من الحسنات. ثم أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وصبر على المصائب.. كل أولئك نتائج طبيعية لتلك المقدمات، لأن الإنسان الذي زود بكل هاتيك الفضائل بات مؤهلا للإسهام في توجيه المجتمع بالدعوة إلى كل خير، والتحذير من كل شرّ ولا يطيق ذلك إلا بالصبر الذي يحبب إليه الثبات واجتياز العقبات. والصبر في حقيقته قوة لا تتاح إلا لأولي العزم، فليكن إذاً واحداً من أتباعهم وليتحمل في سبيل الله ما تحمله الأولون من أتباع النبيين، وما يتحمله حتى اليوم أتباعهم بإحسان في سجون الملاحدة والظالمين.. وإنما تستمر سلامة المجتمع واستقراره في طريق الخير بهؤلاء الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، الذين ما خلت منهم أمة إلا تودع منها.
стр. 13606
ومن ثم تتابع الآداب الاجتماعية ممثلة في نهيين وأمرين. أما الأولان فالتحذير من الاستكبار والمرح. وأما الآخران فالحض على الاعتدال في المشي، والغض من الصوت عند مخاطبة الناس. ويعقب كلاً من القسمين تذييل مؤكد لمضمونه بصورة تقنع العقل السليم بالتزام المطلوب ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ و ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وحسب المؤمن أن يعلم كره الله للاختيال والتطاول حتى يهجر لوازمهما من الصعر والمرح. اللذين يسجلان على صاحبهما فراغ النفس من الفضائل. وخلو القلب من التفكير بالتبعات الثقال. التي لا يستطيع تجاهلها من كان يؤمن بأنه مسؤول عن حركاته وسكناته جميعاً! وبحسبه كذلك أن يتصور نهيق الحمار ومزعجاته حتى تشمئز نفسه من مشابهته، فيحاول جهده أن يلتزم أدب الإسلام في المشي وفي الكلام.
أهمية هذه المعاني وأثرها في تكوين المجتمع الصالح: بقليل من التدبر الواعي لهذه الوصايا نتبين أننا تلقاء مخطط عميق الغور، لا أمل بإنشاء الفرد الصالح خارج نطاقه فهو أشبه بالأعداد السياسية في علم الحساب. فكما أن عملية حسابية دقت أو جلت تقوم على الأرقام الواحد والتاسع وما بينهما. فكذلك تنبثق من جذور هذا المخطط جميع التفريعات. التي تحدد مضمون المناهج وأهدافها في كل نظام للتربية والتعليم كما يريده الإسلام وكما تتطلبه مصلحة الجنس الإنساني.
стр. 13607
وإذا كان لكل منهاج نماذجه التي تمثال مضمونه في صور مشهودة. فالنماذج التي يقدمها هذا المنهج تؤكد أنه الوحيد. بين مناهج الدنيا. الذي أعطى العالم أعظم رجال التاريخ إطلاقاً فأثبت بذلك أنه النظام الوحيد الذي يضمن إنشاء الإنسان الممتاز الذي يحلم به الفلاسفة دون أن يعرفوا الطريق إليه... ومن يكون ذلك الإنسان الممتاز غير الذي رباه الإسلام في مدرسة النبوة على ضوء هذا المنهج الرباني فكان أتقى الناس وأعدل الناس وأشجع الناس. وأكرم الناس. وأعف الناس. وأشد الناس حين الشدة. والينهم عند اللين.. أبعد الخلق عن جهل، وأرغبهم في علم. حتى كان منهم أئمة البشر في علوم الدين والدنيا جميعاً!
فمن المخطط يتضح لنا أن غاية التربية والتعليم. في مستواهما الأعلى ووفق الطريقة الإسلامية. إنما هي رعاية النفس الإنسانية بتدريبها على تحقيق المنهاج الرباني. في تربية الروح ضمن تعاليم الوحي التي تحرر النفس من كل خوف لغير الله. وكل عبودية لسواه. وتجعلها مدركة لرسالتها في الحياة التي هي تكوين المجتمع الأفضل القائم على عبادة الله وابتغاء مرضاته، ثم تربية العقل تربية صحيحة تمكنه من تحقيق مهمته في استجلاء مظاهر عظمة الله في ملكوته، وتسهيل سبل الإفادة مما سخر له الله في السماء والأرض من وسائل المتاع والانتفاع. دون ظلم ولا جحود ولا طغيان.. وهذا هو السر الذي أدركه سلفنا الصالح لمفهوم التربية والتعليم على هدى من هذا المنهج الأمثل. فراحوا يؤكدون على وجوب العناية بالروح. حتى اعتبروها قوام الإنسان كله كما يقول أحدهم: "فأنت بالروح لا بالجسم إنسان"واعتبروا صلاحها صلاحاً للكيان البشري كله كما يتضح من قول أحدهم:
وترى الكل فهي للكل بيت
هذب النفس بالعلوم لترقى
ـل سراج وحكمة الله زيت
إنما النفس كالزجاجة والعقـ
وإذا أظلمت فإنك ميْت
فإذا أشرقت فإنك حي
стр. 13608
ولا يعنى هذا التركيز على الجانب الروحي من الإنسان إغفاله جانبه المادي. لأن الإسلام هو النظام الوحيد الذي يقوم على التوازن المتكامل بين الروح والجسد، وإنما جاء توكيد العناية بالروح لأن من طبيعة الإنسان الاستجابة لنوازعه المادية إلى حد الإفراط. فكان من الحكمة إثارة اهتمامه بالجانب الآخر لتحقيق التوازن بين الحالين..
وطبيعي أن أدب الجاهلية لم يقترب من هذه المعاني قط. فهي جديدة على العقل العربي، وهي بالتالي جديدة على العقل البشري في كل مكان قبل نزول القرار العظيم ... ولا تزال جديدة عند أهل العلم. الذين يتولون تخطيط أسس التربية في أنحاء العالم المتمدين في الشرق والغرب على السواء وإنما تستمد قيمتها من عمق الإدراك لخصائص الفطرة البشرية التي لا صلاح لها إلا بهذه الحقائق. وقد ثبت ذلك بشهادة الله الذي أودعها كتابه الحكيم توكيداً لأهميتها في هذا المضمار. وتقديراً لهذا النوع من الحكمة التي استحقت تكرمته وتخليده سبحانه.
стр. 13609
الأسلوب المعجز في الآيات: عندما عجز علماء البلاغة عن الإحاطة بأسرار الأعجاز في كلام الله اضطروا إلى القول بأنه كلام لا كالكلام. فإذا كان كلام البشر يدور بين الشعر والنثر فالقرآن ليس من الشعر، وإن كان فيه الكثير من خصائصه في أكمل حالاتها كعذوبة الجرس. ورشاقة العبارة، والتصوير المجسم لأدق المعاني.. وليس من النثر، وإن شاركه في أخص عناصره، كالانطلاق، وتحديد المدلول. والتوافق بين الفكر واللفظ.. وسلوك الأساليب المختلفة من السجع إلى الإرسال، إلى تقصير الفقرات أو تطويلها حسب المناسبة، وكاستخدام المثل والقصة والتمثيل وما إلى ذلك من فنون القول ... وإذن فهو قسم خاص من الكلام قائم بذاته وبخصائصه التي يسمو بها على كل ضروب الأدب ومن هنا جاء قولهم: الكلام ثلاث أقسام نثر وشعر وقرآن. وأقرب تعبير عن هذا السر المعجز هو القول بأن طراز البلاغة في كل كلام إنما يمثل عبقرية منشئها وخصائصه الفكرية والنفسية والثقافية. وإنما يتفاوت البلغاء في نطاق هذه الخصائص قوة وضعفاً. وانخفاضاً وارتفاعاً، لأنهم بصياغتهم فنية إنما يمثلون صفاتهم المنبثقة من هذه الخصائص. ونحن عند ما نميز بين أسلوب إنسان وأسلوب آخر إنما نميز في الحقيقة بين صفة هذا وصفة ذاك. تماماًَ كما قرر نقاد الغرب عندما زعموا: أن الأسلوب هو الإنسان، يريدون أنه صفته المميزة له. وعلى هذا المقياس نستطيع القول إن امتياز كلام الرب ﵎ إنما جاء من كونه صفته المعبرة عن علمه وكمالاته اللائقة بجلاله. فلا سبيل إلى المقارنة بين كلامه وكلام مخلوق مهما تبلغ بلاغته من الارتفاع. لأنه لا سبيل إلى المقارنة بين علم الرب المحيط بكل شيء، وعلم العبد الذي لا يرى من الشيء إلا الجزء الذي يواجهه.. ومن طبيعة هذا الفرق أن الإنسان يتراوح بين السمو والهبوط وفق قدرته المحدودة في تتبع الوقائع، واستنباط الأسرار، فيصيب ويخطئ. ويتعمق الشيء آناً فيقول ما يتفق مع
стр. 13610
حقيقته، ويغم عليه السر آنًا فيتخبط في أحكامه. وبذلك يتعرض للإحسان والإساءة على حين يأتي كلام الخالق صورة الحق الخالص الثابت على مرّ الأحوال وتغير الأزمان، لكل حرف فيه مدلوله اليقيني الذي لا يقبل التبديل، كمثل العضو من الجسم الحي له مكانه ووظيفته، التي لا سبيل لتحقيقها إلا عن طريق ذلك الوضع المخصوص..
وإذن فالإعجاز في الكلام الإلهي قائم في المعنى والمبني معاً.. فمعاني الآيات كما رأيت تمثل أسمى ما يتصوره العقل البشري من كمال التنظيم التربوي. الذي عجز عن مثله مفكروا القديم والحديث. لأنه حقائق منسجمة مع الفطرة التي لا تبديل لها على الأحداث والبيئات.
والأعجاز متمثل كذلك في نظم الآيات من حيث الألفاظ والتعابير. وتساوق الفقرات في فواصلها ونهاياتها.. فتقسيم الكلام إلى آيات يوجه القارئ إلى التوقف على أواخرها. ويساعده على التغني بها وهى بعض مميزات التنزيل التي لا تجد مثلها في كلام الجاهليين ولا الإسلاميين، حتى في أسلوب المقامات القائمة على تقسيم الكلام إلا فقرات مسجوعة كقوافي الشعر تشعر عند مقارنتها بآيات القرآن العظيم أنها تكاد تفقد كل أثر للجمال. إذ تبدو سجعاتها متكلفة قد سخرت لها المعاني. واجتلبت لها الألفاظ بدافع الرغبة في الهندسة اللفظية فقط.. وهذا ما جعل بعض علماء البلاغة ينكرون وجود السجع في كلام الله. لأنهم لم يروا السجع قط إلا متكلفاً. بخلاف نهايات الآيات القرآنية التي لا تأتي أبداً إلا عفوية على أتم التساوق والانسجام مع المعنى، ولهذا رأوا أن تسمية هذه النهايات بالفواصل أحكم وأليق من تسميتها بالسجع.
стр. 13611
والقارئ ذو الشعور المرهف يدرك بذوقه في هذه الفواصل التي تختتم بها الآي من الجمال والتأثير ما لا سبيل إلى تحديده بالوصف الكلامي وسيكون أكثر إدراكاً لأثرها إذا هو ترك قراءة تلك الخواتيم واكتفى بقراءة صدورها وحدها. إذ يحس أنه يفتقد بذلك غير قليل من النغم. والجمال والتأثير.
شخصية لقمان: ولقد اعتدنا أن نقرأ الوصايا الجاهلية فقراً متقطعة لا نظام لها في الغالب حتى يمكن تغيير مواقعها دون أن يؤثر ذلك على مجموعها. لأن قائلها في الأصل لم يعن فيها بوحدة الموضوع.. أما هنا في وصية لقمان فالأمر على الضدّ. إذ نرى التماسك بين الفقرات على أتمه، فكل فقرة ممسكة بأختها، لأن كل فكرة ممهدة لما يليها. ومنها جميعاً على هذا التماسك يتألف دستور التربية المتكامل.
لقد بدأت الآيات بخبر الحكمة التي هيأ الله لها لقمان، ثم تتابعت المعاني التي تنطوي تحتها، وأولها الشكر لله. ولم تذكر الإيمان به سبحانه. لأن المناسبة تقتضي أن الإيمان أصل في الفطرة الإنسانية لا جدال فيه وإنما البحث في متطلباته ومغذياته. ولا شك أن شكر المنعم في مقدمتها لأن الحس البشري لا يقع على شيء إلا وهو من فضله تعالى. فشكر المتفضل إنما هو تعهد للنفس بالإصلاح المستمر والضبط الواعي ضمن حدود الخير.. فإذا ما تمت للقمان أن هذه الخاصة العليا، خاصة التنبه الدائم لنعم الله وشكرها. كان أهلاً لدعوة الآخرين إلى هذا الخير. وأحق الناس به منه ولده. وأفضل ما يبدأ به تزويده التحذير من الانحراف بفطرة الإيمان عن طريقها السديد. لأن الشرك ظلم عظيم.. وهكذا تتابع أجزاء الموعظة في ترابط عجيب لا يغفل شاردة ولا واردة. من الوصية بالوالدين. إلى القدوة الحسنة إلى مراقبة النفس والعمل، إلى الجهاد العام للحفاظ على صلاح المجتمع. إلى حسن معاملة الناس وما يصلح للمؤمن العاقل من أدب المعاملة لمن يدعوهم إلى الصلاح ...
стр. 13612
هكذا من حيث وحدة الموضوع.. فإذا رحنا نتبين الخصائص النفسية لهذا الحكيم الصلاح واجهتنا الحكمة ممثلة في طريقته نفسها، فهو يسوق مواعظه في أرق الأساليب وأبلغها وقعاً، فيبدأ كل زمرة من تلك الفضائل بذلك الخطاب المؤثر المشحون بالإشفاق: ﴿يَا بَنِي﴾ ...ثم لا يكتفي بصيغة الأمر والنهي في عرضها، بل يعمد إلى دعمها بالتعليل المقنع فهو ينهاه عن الشرك لأنه ظلم عظيم، ويحذره من التهاون بصغائر الذنوب لأن الله لطيف خبير، وهو يحضه على الاستمساك بالصبر لأن تكاليف الإيمان والدعوة من الأعباء التي تتطلب العزائم الضخمة، وهو ينفره من التصعير المرح لأن الله لا يحب أهلهما، وينصح له بالأناة والرصانة لأن الخروج منهما دخول في صفة الحيوان الذي لا يعرف الآداب ...ولكي ندرك روعة التنسيق في أسلوب هذه الآيات نأخذ الآية السابعة عشرة كمثل من ذلك. أنه يدعو ولده إلى أربعة أشياء: الصلاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر. وكان ممكناً أن يبدأ بأي منها. ولكنه آثر البدء بالصلاة وقيدها بالإقامة لتكون أدل على كمالها.ومن ثم لتؤدي وظيفتها كاملة في رفع طاقاته النفسية فإذا تم له ذلك حُبِّبَ إليه الأمر بالمعروف، وقدم ذلك على النهي عن المنكر، لأن دعوة الناس إلى مهجور الخير أوقع في قلوبهم من دعوتهم للإقلاع عن مألوف المنكر.. فإذا مرن على ذلك سهل عليه الانتقال إلى ما بعده ولكن هذه أعباء ثقال لا يطيقها إلا أولو العزم من الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ...فلتكن الوصية بالصبر أخيراً. ثم ليأت بيان أهمية ذلك تذييلاً شاملاً لهذه الأحكام جميعاً ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .
стр. 13613
وهكذا نخلص من هذه الدراسة الوجيزة لوصايا لقمان، وقد تبينا ملامح من أهميتها وحاجة الإنسان إلى تحقيقها في كل زمان ومكان، واستبنا من خلالها شخصية ذلك الحكيم العظيم الذي تعلمنا منه الكثير من أصول الدعوة وطريقة عرض الحقائق بالأسلوب المبشر الذي لا ينفر..وأخيراً تعرفنا أثناء ذلك بعض الخصائص التي ميز بها الخلاق العظيم أسلوب كتابه الحكيم، فكان بها المعجز الذي لا يبارى والمعلم الذي لا يجارى والنور الخالد الذي يهدي للتي هي أقوم.
стр. 13614
تعدد زوجات الرسول ﷺ
للدكتور ملك غلام مرتضى
رئيس قسم الترجمة بالجامعة
قبل أن نتحدث عن الحياة الأسرية للنبي ﷺ ، من الأجدر أن أمهد لهذا البحث فأقول: إن عصرنا الحاضر، في الحقيقة، يمثل الصحوة الإسلامية في العالم والبعث الإسلامي الجديد. لقد جرب أهل الغرب نظمهم وعقائدهم وحصلوا على ما حصلوا عليه من نتائج سيئة وخطيرة. والآن يسود العالم شعور عام وإحساس ملح لإخفاق الإنسان في هذه النظم الوضعية، وهو نفسه يشعر أنه قد سئم من هذه النتائج السيئة. لذا فهو يريد الآن أن يتوجه نحو نظام غير وضعي، نظام ليس من صنع البشر، نظام إلهي محكم شامل.
ولكن ثمة صعوبة كبيرة تصادف الإنسان، ألا وهى خلو الأديان كلها عدا الإسلام من تصور نظام شامل. والنصرانية تأتي بتصور مذهب شخصي. وهناك نفس المشكلة في اليهودية والأديان الأخرى. ولكن الإسلام يختلف اختلافاً جذرياً في هذا الشأن فهو يتميز بوجود نظام شامل متكامل للحياة.
وأقبل العلماء والمفكرون على مطالعة الإسلام والتعرف على مبادئه عن كثب، الأمر الذي أدى إلى اليقظة العلمية والركون إلى الإسلام، فاعتنق عدد كبير من أهل أوربا وأمريكا الإسلام مما أزعج اليهود والتبشيريين وكل أعداء الإِسلام إزعاجاً شديداً.
وإذا أخفق أعداء الإِسلام في مقاومته بأساليب علمية لجأوا إلى الحملات المغرضة والمؤامرات الدنيئة ضد هذا الدين، فمثلاً يروجون أباطيلهم وشبهاتهم حول شخصية محمد ﷺ لاسيما بالنسبة لتعدد زوجاته.
ولا تكاد مكتبة من المكتبات المنتشرة في شتى أنحاء أوربا التي زرتها، إلا وتضم مؤلفات تتناول أموراً مزعجة في نفس الموضوع.
стр. 13615
فقد هاجموا شخصيته ﷺ بأسلوب متصف بالوقاحة وعدم الموضوعية وبيعت مثل هذه الكتب بالملايين ووزع بعضها بأسعار مخفضة بل حتى بالمجان.
وهكذا الوضع في الهند. كان الهندوكيون يطبعون الكتب الدنيئة مثل كتاب (رنكيد رسول) (الرسول الشهواني) الذي ظهر منذ زمن بعيد ومازالوا ينحون هذا المنحى ومع هذا فإن أعداداً كبيرة منهم يشرح الله صدرها للإِسلام فيدخلونه أفواجاًَ.
ولو أننا ضربنا صفحاً عن هذه الكتب المليئة بالكذب والأباطيل فعلينا أن نحلل بأسلوب علمي منهجي يخاطب العقل والمنطق أسباب تعدد الزوجات في حياة الأنبياء لاسيما أسباب الأحد عشر زوجة خلال حياة محمد ﷺ .
لقد وجه أعداء الإِسلام التهمة تلو التهمة إلى النبي ﷺ فزعموا أنه كان والعياذ بالله رجلاً شهوانياً وأنانياً ومن أهل الدنيا وكان يفتقر إلى النقاء الروحي فضلاً عن النبوة والرسالة.
والآن سأركز على أربعة أمور وهى:
١- هل تعدد الزوجات مختص بالرسول العربي ﷺ أم أن هذه سنة أكثر الأنبياء؟ وما الذي ورد في التوراة والإنجيل في هذا الصدد.؟ وما هو المذكور في الكتب المقدسة للمذهب الهندوكي عن أكابرهم بالنسبة لتعدد الزوجات؟
٢- ما هي الأسباب وراء تعدد زوجات النبي ﷺ . وما هي الخلفية وراء كل زوجة من زوجاته الإحدى عشرة؟
٣- ما الذي يتوقع من شخص آخر غير النبي ﷺ لو كان في محل الرسول ﷺ ؟ ماذا كان يمكن أن يكون أسلوب حياته في نفس الظروف والملابسات؟
٤- ما هي المصالح العملية وراء تعدد زوجات النبي ﷺ والحكم التعليمية والتشريعية والاجتماعية والسياسية والشخصية؟
سنة الأنبياء السابقين مما ورد في التوراة والإنجيل:
стр. 13616
الذين يعترضون على تعدد زواج الرسول ﷺ أكثر من غيرهم هم المستشرقون من اليهود والنصارى. ومن ثم كان علينا أن ننظر في أسفار التوراة والأناجيل الحالية لنرى ماذا ورد في هذين الكتابين عن كبار الأنبياء من بنى إسرائيل في هذا الصدد.
١- تعدد زوجات سيدنا إبراهيم ﵇:
كان لسيدنا إبراهيم ﵇ ثلاث زوجات حسبما ورد في التوراة والإنجيل:
أ- السيدة/ هاجر (كتاب الخلق: ١٦/ ٤) وهى أم سيدنا إسماعيل ﵇.
ب- السيدة/ سارة (الخلق: ١٨/ ١٥) وهى أم سيدنا إسحاق ﵇.
جـ- السيدة قثورة (الخلق: ٢٥/ ١٠) وكان لها ستة بنين وهذه أسماؤهم:
زمران، يقان، مدان، مديان، أسباق، سنوخ.
٢- تعدد زوجات سيدنا يعقوب ﵇:
كان له أربع زوجات (الخلق: ٢٩/ ٢٣- ٢٩) وأسماؤهن كما يلي:
أ- لياه (الخلق: ٢٩/ ٢٣) وهى أم سمون، لاوى، يهوده، أشكار وزبون.
ب- زلفة: وهى أم ابنين وهما: جد وآثر.
جـ- راخيل: ولها ابنان: سيدنا يوسف ﵇ وبنيامين.
د- بلهمة: وهى أم دان (ونفتاى) .
٣- تعدد زوجات سيدنا موسى ﵇:
تزوج سيدنا موسى ﵇ بأربع نساء (كتاب الخروج: ٢/ ٣١) وأسماؤهن كما يلي:
أ- سفورة وهى أم جيسون والعيزر.
ب- جبشية.
جـ- بنت قيني (قاضيون ١٦/١) .
د- بنت حباب (قاضيون ٤/ ١٦) .
٤- تسع زوجات لسيدنا داود ﵇:
وقد ورد في كتاب صيموئيل (٢٦/٢٣) ذكر تسع زوجات لسيدنا داود ﵇ ولا يسعني أن أذكر أسماؤهن وأسماء أولادهن لضيق المقام.
٥- ألف امرأة لسيدنا سليمان ﵇:
وقد ورد في كتاب سلاطين ١١/٣ أنه كان لسيدنا سليمان ﵇ سبعمائة زوجة وثلاثمائة أمة. ولم يذكر هذا الأمر في القرآن الكريم.
٦- سنة سيدنا عيسى ﵇ ومسلكه:
стр. 13617
لم يتزوج سيدنا عيسى ﵇ وكذا صار الزواج عملاً غير مستساغ عند النصرانيين واعتبروا العزوبة منتهى الروحانية.
ولكن مع كل ذلك فقد ورد قول سيدنا عيسى ﵇ في إنجيل متى باب ٢٥ حينما أخبر عن بعثته أنه ﵇ أخبر عن عشر أبكار. "تزوجت خمس منهن بعريس واحد وذهبن إلى بيتهن، أما الخمس الأخريات فتخلفن ولم يفتح لهن الباب".
وهذه الجملة الواحدة تدل بكل وضوح على أن سيدنا عيسى ﵇ كان يجيز تعدد الزوجات. فقد أول بعض القسيسين هذه الجملة قائلين أن المسيح قد تكلم بأسلوب تمثيلي. نعم: ولو كان كذلك: الحق أنه لا يمكن لنبي أن يقول شيئاً بأسلوب تمثيلي عن أمر ما إلا إذا كان ذلك الأمر مرغوباً لديه.
ولهذا السبب كان (ملتن) الشاعر الإنجليزي الشهير يقول بتعدد الزوجات. وجدير بالذكر أن نابليون ملك فرنسا قد استدل على ذلك وتزوج ثانية في حضور البابا ولم يعترض البابا وصدقت أوربا على صحة هذا الزواج!. وهناك أحداث كثيرة مماثلة.
تعدد الزوجات في المذهب الهندوكي:
والآن نتقدم إلى ما ورد في المذهب الهندوكي. والمهم أن الهندوكيين لا يوجد لديهم نظام تعدد الزوجات في العصر الحاضر وقد اعترضوا على تعدد زواج الرسول ﷺ لنفس الأسباب السابقة.
وأهم شخصية في المذهب الهندوكي، هو شرى رام جندرجي. انهم يحلونه محل الآلهة. ومن المعروف والمعلوم عند كل هندوكي أنه كانت لوالد شرى رام جندرجى (راجه وسرت، ملك من ملوك الهند) ثلاث زوجات في آن واحد وأسماؤهن كما يلي:
١- ملكة كوشليا وهى أم شرى رام جندرجى.
٢- ملكة سمترا وهى أم لجمن جى.
٣- ملكة كيكنى وهى أم برت جى.
وقصة المخاصمات بينهن معروفة جداً عند الهندوكيين وهم يمثلون وقائع هذه المخاصمات كل عام في صورة حفلات عظيمة.
стр. 13618
وشرى رام جندرجى هو مؤسس المذهب الهندوكي، وكان له ثماني عشرة زوجة حسبما ذكر عالمهم الكبير (لاله لا جبت رائى) في مؤلفه (كرشن جتر) .
وهناك شخصية هامة أخرى وهى الجد الأعلى للهندوكيين لاسيما الباندوكيين واسمه الملك باندو. ومن المعروف أنه كانت له زوجتان واسمهما: (بنتى) و (مادرى) ، وكذلك هناك شخصية بارزة من بين مؤسسي الهندوكية وهى الملك شنتن الذي كانت له زوجتان واسمهما: (جنجا) و (سيتاوتى) .
وهكذا كانت لسيد بجترايرج زوجتان وأمة.
ولا يسعني لضيق المكان أن أعرض بالتفصيل تعدد الزوجات عند مؤسسي الهندوكية وكل شخصياتهم البارزة- ولكن أود أن ألتمس من الكتاب الهندوكيين أن يطالعوا كتبهم المقدسة قبل أن يكتبوا كتباً دنيئة مثل (الرسول الشهواني) إن كان لديهم شيء من الحياء والخجل.
حكمة زواج النبي ﷺ بكل واحدة من أزواجه الطاهرات:
والآن أحاول أن أبين الحكمة وراء كل زوجة من زوجات النبي ﷺ وفقاً للترتيب الزمني لزواجه ﷺ :
١- السيدة خديجة ﵂:
السيدة خديجة هي أولى زوجاته ﷺ وهى أرملة وكان عمرها وقت الزواج أربعين سنة وعمر الني ﷺ خمساً وعشرين سنة. فعاشا معاً لخمس وعشرين سنة بعد زواجهما إلى أن توفيت السيدة خديجة وهى في الخامسة والستين من عمرها بينما كان النبي ﷺ في الخمسين من عمره. وجدير بالذكر أن النبي ﷺ لم يتزوج أية امرأة أخرى في حياتها.
ومات أبو طالب عم النبي ﷺ في نفس السنة وسمي هذا العام بعام الحزن. ذلك لأن النبي ﷺ فقد شخصيتين هامتين ألا وهما: السيدة خديجة وأبا طالب اللذين كانا يشدان من أزر النبي ﷺ ويحنوان عليه.
стр. 13619
وهكذا صار النبي ﷺ وحيداً لا ناصر له ولا معين من ناحية أسرته.
٢- السيدة سودة ﵂:
وكانت هذه المرحلة في حياة النبي ﷺ مرحلة الشدائد والابتلاء وهو في حاجة ماسة إلى من يسكن إليها لذلك فهو يتزوج السيدة سودة البالغ عمرها وقتئذ خمس وخمسون سنة.
وعليكم أيها القراء أن تنتبهوا إلى عمر أزواج النبي ﷺ ، ولكي ندرك مدى بطلان الافتراءات التي يثيرها أعداء الإسلام ضد الرسول ﷺ واتهامهم له بالشهوانية والأنانية. علينا أن نتساءل: ما هي الخلفية وراء زوجاته: ما هو عمر أزواجه؟ ولماذا يتزوجهن؟
كانت السيدة سودة أرملة سكران بن عمرو وهي من المؤمنات المهاجرات. توفي عنها زوجها بعد الرجوع من الهجرة الثانية إلى الحبشة فأصبحت وحيدة لا ناصر لها ولا معين. ولو رجعت إلى أهلها الكفار لعذبوها ولحاولوا ردها إلى الشرك قسراً. وما كان هناك أي شخص يمكن أن يقوم بكفالتها والمحافظة على إسلامها.
فاختار النبي ﷺ كفالة هذه الأرملة الوحيدة الحزينة المسكينة المسنة فتزوجها وفي هذا تشريع الزواج بالأرامل اللائي ينظر إليهن نظرة سوداء في الملل والأديان الأخرى كالهندوكية. فالرسول ﷺ أرسل للبشر كافة ولم يرسل لأمة بعينها كغيره من الأنبياء، لذا فسن زواجه لإبطال كل ما في الأديان المحرفة والملل الأخرى من خرافات وامتهان للنساء وبخاصة المزدريات منهن في مجتمعاتهن كالأرامل والمطلقات وتشريفهن بزواجه منهن وهو أشرف البشر فيمتثل به المؤمنون كافة.
٣- السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄:
стр. 13620
وهى الوحيدة من بين أزواجه الطاهرات التي كانت بكراً. وكان النبي ﷺ قد قضى على نظام التبني بزواجه السيدة زينب بنت جحش، فيمكننا القول أنه ﷺ قد قضى على نظام آخر بهذا الزواج وهو نظام التآخي الجاهلي إذ كانت العادة قد جرت عند بعض العرب أن يؤاخى بعضهم بعضاًَ وكانت هذه المؤاخاة تتساوى مع الأخوة الحقيقية القائمة على صلة الدم، وكانوا يحرمون على أنفسهم الزواج بابنة أخيهم المزعوم.
فقضى النبي ﷺ على هذه العادة الجاهلية بزواجه بالسيدة عائشة ﵂ وكان عمرها تسع سنوات وقت الزواج وبقيت على قيد الحياة ثمانيا وأربعين سنة بعد وفاة النبي ﷺ ولعل هذا هو السر وراء هذا الزواج. وظلت تنشر الدين وتبلغه إلى النساء والرجال.
ونرى أثر ذلك حتى اليوم كلما ذهبنا إلى الروضة في المسجد النبوي الشريف فنجد هناك عموداًَ (قائماً) يسمى (اسطوانة عائشة) .وكان الصحابة يجلسون بقرب هذه الاسطوانة بعد وفاة النبي ﷺ ويستفتونها في الأمور الدينية وكانت السيدة عائشة تفتي وتدرس وتبلغ وهي جالسة في حجرتها التي فيها قبر النبي ﷺ .
وإذا استشكل أبوها سيدنا أبو بكر وغيره من الصحابة الكبار مثل سيدنا عمر الفاروق وسيدنا عثمان بن عفان في أي أمر هام رجعوا إلى السيدة عائشة لحل تلك المشكلة.
وقد ذكر العلماء المؤرخون أنه قد انتقل ربع الأحكام الشرعية إلى الأمة المسلمة بعد وفاة النبي ﷺ من خلال توجيهات السيدة عائشة وجهودها التي استمرت ٤٨ سنة بعد وفاته ﷺ وظلت تسكن نفس الحجرة التي دفن فيها الرسول إلى أن توفي سيدنا عمر ودفن بجوار قبر رسول الله ﷺ فانتقلت من تلك الحجرة قائلة: "إنني أستحي الآن أن أبقى هنا ".
следующие страницы →