Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13546–13585 · переход к 13551.
стр. 13546
وفى الختام أذكر هذه الحادثة لأوضح لكم إلى أي مدي أنتم مسئولون: فقد سألت بعض القائمين على المصارف الإسلامية: لماذا لا تؤسسون مشروعات صناعية وزراعية وتجارية وهذه هي المهمة التي من أجلها أسست البنوك الإسلامية؟ فقال لي: لا نستطيع ذلك فقلت: شاركوا بعض الشركات القائمة اشتروا شركات ناجحة. فقال: لم نجد من نستأمنه؟ ونخاف أن نخاطر بأموال المودعين. فقلت له: هذه هي نفسها حجة المرابين. أنهم لا يريدون المخاطرة. ولكن أليس الذين أودعوا نقودهم عندكم من المسلمين الذين فروا من الربا. وأنهم دخلوا وأودعوا أموالهم عالمين أنها قد تتعرض للربح والخسارة؟ فلماذا تخافون إذن من المخاطرة؟. ولم أسمع لليوم جواباً.
فيا إخواني الأعزاء هذه مسئوليتكم: فإن وجهتم المصارف الإسلامية اليد إلى العمل الإسلامي الصحيح توجهت. وكان لكم الفضل بعد الله .، وإن أقررتم ما هو حاصل الآن من المعاملات الربوِية كرستم الظلم والغش والربا وكانت المصارف الإسلامية القائمة اليوم وجهاً جديداً تحايلياًَ للمصارف الربوية فاختاروا اليوم ما تشاءون واللهم هل بلغت. اللهم فأشهد.
متى يكون بيع المرابحة حلالاً ومتى يكون حراماً؟
من المعلوم قطعاً أن كل عمل محرم إذا ألبس الصورة الشرعية فإنه يبقى على تحريمه بل يزداد حرمة لأنه يأخذ صورة الحيلة للتوصل إلى ما حرمه الله سبحانه. ولا شك أن المقاصد والنيات لها دخل كبير في الحكم على العمل هل هو حرام أم حلال.
ومن المعلوم قطعاً أيضًا كون البيع مباحاً ولكن هذه الإباحة ليست على إطلاقها فإن ثمة شروطاًَ لابد من توافرها ليكون البيع حلالاً وثمة موانع تمنع صحة البيع لابد من الابتعاد عنها.
وقد أجاز فقهاؤنا الأقدمون نوعاً من البيع سموه بيع المرابحة ولكنه اتخذ في بعض المعاملات الجارية والحادثة الآن صورة شرعية زائفة لعمل ربوي صريح.
стр. 13547
فبيع المرابحة المشروع هو أن يقول البائع للمشترى اشتريت هذه السلعة بكذا وأربحني فيها كذا وأبيعك إياها سواءً باعه هذه السلعة حاضراً أم بأجل وهذا لا خلاف في مشروعيته بين الفقهاء. ومازال المسلمون يتعاملون في أسواقهم بمثل هذا البيع، فكثيراً ما يقول لك التاجر "هذه السلعة وقفت علي بكذا أربحني كذا وأبيعك إياها ".
والبيع هنا صحيح سواء كذب البائع أو صدق فكذبه هنا حرام عليه لا يمنع صحة البيع وإن كان في هذا إثم عظيم لقوله ﷺ :"ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة: وذكر منهم رجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف له لقد اشتراها بكذا وكذا وإذا وهو على غير ذلك " رواه البخاري.
ولكن الصورة المحرمة من صور المرابحة والتي لاشك أنها تحايل على الربا، هو ما يصنعه الكثيرون ممن يلجأون إلى المصارف الإسلامية، أو الممولين فيقولون لهم "اشتر لي الأرض الفلانية أو السيارة الفلانية وأنا أشتريها منك "وهولا يلجأ إلى المصرف أو الممول إلا من أجل أن يبيعه مؤجلاً ومن أجل الحصول على المال، فبدلا من أن يقترض بربا ويشترى السلعة يلجأ إلى هذه الحيلة فيأخذ الممول أو المصرف وسيطاً لا من أجل الشراء وإنما من أجل الحصول على المال. والبنك الإسلامي لا يشترى السلعة لنفسه وإنما من أجل أن يبيعها لذلك المشترى، فالمقاصد هنا معلومة قطعاً وصورة الشراء الأول والبيع الثاني ما هي إلا غطاء شرعي زائف لعمل غير مشروع يقيناً وهو الربا. ومن أجل ذلك تتهم البنوك الربوية المتعاملين بمثل هذا البيع مع البنوك الإسلامية بأنه لا فرق بين عمل هذه البنوك وتلك، وإن كان في البنوك الربوية صريحاً والبنوك اَلِإسلامية ملفوفاً.
стр. 13548
وعليه فإننا نقول في الحلال فسحة وأبواب الرزق المشروعة أكبر وأعظم من أبواب الرزق المحرمة. ولا يجوز تحليل هذه المعاملة لأنها تحايل واضح على الربا يتم في صورة البيع. ولا علاج لذلك إلا بأن يشترى البنك الإسلامي لنفسه ثم يبيع لمن شاء دون أن يكون هنا اتفاق أو وعد سابق على الشراء والبيع قطعا لمادة الربا، وبعدا عن الشبهات، والحلال بين والحرام بين، ولاشك أن بيع المرابحة بهذه الصورة من الحرام البين الذي لا يحتاج إلى كبير بيان.
القول الفصل في بيع المرابحة
أولاً- صفة بيع المرابحة (المشروع) :
بيع المرابحة الشرعي هو أن يذكر البائع للمشترى الثمن الذي اشترى به السلعة فيقول وقفت علي بكذا ربحني فيها كذا وأنا أبيعك إياها: وفي هذا يقول ابن قدامة في المغنى: "معنى بيع الرابحة هو البيع برأس المال وربح معلوم ويشترط علمهما برأس المال فيقول رأس مالي فيه. أو هو علي بمائة (مثلاً) بعتك بها وربح عشرة فهذا جائز لا خلاف فيه ولا نعلم فيه عند أحد كراهة " (ا. هـ) .
ويقول صاحب بدائع الصنائع (فقه حنفي) هو أن يبيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. (ص ٢٢ ج ٥ ط أولى) وهذا البيع مازال معمولا به في أسواق المسلمين جميعاً إلى اليوم فأنت تأتى إلى التاجر فيقول لك هذه الشاة مثلاً اشتريتها بخمسين ديناراً ربحني فيها خمسة دنانير وأنا أبيعك إياها.
ثانياً- صفة (بيع المرابحة) المعمول بها في بعض البنوك الإسلامية:
стр. 13549
وأما المعاملة التي يسمونها في البنوك الإسلامية بيع مرابحة فهي تختلف عما قدمنا شكلاً وموضوعاً ونية وقصداً، فإن البنك لا يملك السلعة والمشتري الذي يلجأ إلى البنك لا يقصد خدمة البنك في أن يشتري له وإنما يلجأ إلى البنك من أجل المال لأنه ليس لديه مال حاضر وهو يريد شراء سلعة ما (أرضاً مثلاً أو سيارة) فيأتي إلى صاحب الأرض (البائع الحقيقي) ويتفق معه على السعر ثم يذهب إلى البنك الإسلامي ويقول له اشتروا لي هذه الأرض الفلانية ويوقع معهم عقدا يسمونه (وعد بالشراء) . ثم يذهب موظفوا البنك ويحضرون البائع ويتفقون معه على أن يبيعوا له بثمن أكثر نسيئة أعنى إلى أجل ويسمون هذه (الدورة الطويلة) بيع مرابحة.
أوجه تحريم هذه المعاملة:
(أ) قصد الربا:
ولا شك أن هذه المعاملة ليست من البيع والشراء في شيء فإن المشتري الحقيقي ما لجأ إلى البنك إلا من أجل المال، والبنك أيضاً لم يشتر هذه السلعة بقصد أن يبيعها بأجل إلى المشترى وهذه المقاصد لا يستطيع أحد أن يكابر فيها.
(ب) بيع ما لا يملك.
ولاشك أيضاً أن البنك الإسلامي عند ما يأتيه مشتر ويقول: اشتر لي السلعة الفلانية فإن البنك يساومه على البيع ويشترط عليه إذا اشتراها له أن يشتريها بربح كذا وكذا، وهنا يكون البنك قد باع ما ليس عنده. وقد جاءت النصوص بتحريم ذلك بل إجماع الأمة كلها على هذا كما قال ابن قدامة في المغنى: "ولا يجوز أن يبيع عيناًَ لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها رواية واحدة"أحمد بن حنبل "وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاً لأن حكيم بن حزام قال للنبي ﷺ :"إن الرجل يأتيني فيلتمس من البيع ما ليس عندي فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه فقال النبي ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك " (ا. هـ ص ١٥٥ ج ٤ المغنى) .
стр. 13550
ومعلوم يقيناًَ أن البنك يبيع ما ليس عنده باتفاقه مع المشتري الذي يسمونه وعداً بالبيع، والحال أنه تعهد مكتوب موقع عليه يلتزم به المسلم على الأقل أخلاقياًَ وأدبياًَ ولا يجوز للمسلم أن يخلف وعده حقاًَ إن البنك لا يقاضي من يتخلف عن هذا الوعد ويطالبه أمام المحاكم بإنجاز ما وعد [١] ولكنه يكبله بتوقيع ووعد يلزمه أخلاقياًَ على الأقل أن يشتري، وهل هناك بيع أظهر من هذا وأوضح.
(جـ) بيعتين في بيعة:
هذه المعاملة التي يتبايعون فيها في البنوك الإِسلامية هي بيعتان في بيعة. وقد جاءت النصوص وكلام السلف بالنهي عن ذلك فقد صح أن النبي ﷺ قد نهى عن بيعتين في بيعة. قال الإِمام ابن تيمية: "وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال لمن باع بيعتين في بيعة "فله أوكسهما أو الربا " وهذا إن تواطأ على أن يبيع ثم يبتاع فما له إلا الأوكس وهو الثمن الأقل أو الربا"أ. هـ فتاوى ج ٢٩ ص ٤٤٧ ولاشك أن الشراء الأول للبنك ثم البيع ما هما إلا عمليتان اثنتان في صفقة واحدة قصد بها التحايل على الربا.
(د) القضية كلها تحايل لأخذ الربا:
وهذه المسألة برمتها ما هي إلا دورة طويلة، القصد منها التوصل إلى الربا بغطاء شرعي. ولهذا قال ابن قدامة بعد أن ساق بعض المعاملات التي ظاهرها الشرع وباطنها التوصل إلى محرم: قال: "والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقداً مباحاًَ يريد به محرماً مخادعة، وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك، قال أيوب السختيانى: "إنهم ليخادعون الله كما يخادعون صبياً، لو كانوا يأتون الأمور على وجهه كان أهون علي "أهـ.
стр. 13551
وذكر صاحب المغنى أمثلة للحيل في أبواب الربا منها قوله: "وهكذا لو أقرضه شيئاً وباعه سلعة بأكثر من قيمتها توسلاً إلى أخذ عوض عن القرض فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم "ا. هـ " واستطرد ابن قدامة قائلاً: "وقال أبو حنيفة والشافعي ذلك كله وأشباهه جائز إذا لم يكن مشروطاً في العقد "لكن، قال بعض أصحاب الشافعي: "يكره أن يدخلا في البيع على ذلك لأن ما كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه"ثم عقب ابن قدامة على آراء الشافعي وأبي حنيفة هذه بقوله:"ولنا أن الله تعالى عذب أمة بحيلة احتالوها فمسخهم قردة وخنازير وسماهم معتدين وجعل ذلك نكالاً وموعظة للمتقين ليتعظوا بها ويمتنعوا عن مثل أفعالهم وقال بعض المفسرين في قوله تعالى ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي لأمة محمد ﷺ فروي أنهم (أي بنى إسرائيل) كانوا ينصبون شباكهم للحيتان يوم الجمعة ويتركونها إلى يوم الأحد، ومنهم من كان يحفر حفائر ويجعل إليها المجاري فيفتحها يوم الجمعة فإذا جاء السمك يوم السبت جرى مع الماء في المجاري فيقع في الحفائر فيدعها إلى يوم الأحد ثم يأخذها ويقول: ما اصطدت يوم السبت ولا اعتديت فيه فهذه حيلة". (أ. هـ.)
стр. 13552
وقال ابن عباس أيضاً فمن يشتري بنقد (حاضر) ومقصوده البيع نسيئة (أي إلى أجل) قال: "إذا استقمت بنقد ثم بعت بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقد ثم بعت بنسيئة فتلك دراهم بدراهم "قال ابن تيمية تعقيباً على كلام ابن عباس هذا: "ومعنى كلامه إذا استقمت، إذا قومت يعني إذا قومت السلعة بنقد وابتعتها إلى أجل فإنما مقصودك دراهم بدراهم " (الفتاوى ص ٤٤٢ ج ٢٩) وعقب الإمام ابن تيمية ناصحاً من يتبع بعض الأقوال الضعيفة لأهل العلم ويستحل مثل هذه الحيل قال: "عليهم إذا سمعوا العلم أن يقولوا عن هذه المعاملات الربوية، ولا يصلح أن يقلد فيها أحداً فمن يفتي بالجواز تقليداً لبعض العلماء فإن تحريم هذه المعاملات ثابت بالنصوص والآثار ولم تختلف الصحابة في تحريمها وأصول الشريعة شاهدت بتحريمها، والمفاسد التي لأجلها حرم الله الربا موجودة في هذه المعاملات مع زيادة مكر وخداع، وتعب وعذاب فإنهم يكلفون من الرؤية والصفة والقبض وغير ذلك من أمور يحتاج إليها في البيع المقصود، وهذا البيع ليس مقصوداً لهم وإنما المقصود أخذ دراهم بدراهم فيطول عليهم الطريق التي يؤمرون بها فيحصل لهم الربا فهم من أحل الربا المعذبين في الدنيا قبل الآخرة وقلوبهم تشهد بأن هذا الذي يفعلونه مكر وخداع وتلبيس ولهذا قال أيوب السختيانى: "يخادعون الله كما يخادعون الصبيان فلو أتوا بالأمر على وجهه لكان أهون علي"انتهى فتاوى ص ٤٤٥ ج ٢٩.
الخلاصة:
وخلاصة الأمر أن هذا البيع الذي يسمونه في بعض البنوك الإسلامية ببيع المرابحة ليس هو بيع المرابحة في شيء، واعتمادهم هو قول للشافعي ﵀ في هذه المسألة لا يحل لهم ذلك لأمرين:
الأول: أن الشافعي يفترض في هذا حسن النية وعدم التحايل على الربا قطعاً.
والثاني: أن الشافعي ﵀ يرى جواز ما يماثل هذه الحيلة وهو بيع العينة كما قال:
стр. 13553
"وان اشترى رجل طعاماً إلى أجل فقبضه فلا بأس أن يبيعه ممن اشتراه منه دون غيره بنقد والى أجل" (أهـ ص ٣٩ ج ٣) وهم لا يقولون بجواز مثل هذا البيع لأنه تحايل فكذا يجب أن يقولوا ذلك في مثيله (أهـ) .
كلمة أخيرة:
وعلى كل حال فليس مقصوداً في هذا والله يعلم. الطعن في البنوك الإسلامية، والتشويش عليها، كما ادعى بعض الناس سامحهم الله. بل مقصوداً هو النصح والتقويم وخاصة إن هذه معاملة قد استشرت في الناس ويعلم العامة قبل الخاصة أنها تحايل صريح على الربا، والبنوك الإسلامية لم تبدأ عملها بعد وما زالت في أول الطريق وعملها يبدأ عندما تكون هي الزارع والصانع والتاجر والشريك الحقيقي الذي يتحمل في الربح والخسارة، والمضارب الذي يمول غيره ويتحمل في الربح والخسارة، وهنا فقط يبدأ عمل البنك الإسلامي والطريق طويل ونسأل الله العون كل العون للقائمين عليها. ونصيحتي للمودعين أن لا ينتظروا الربح السريع من أول الطريق بل علينا التضحية ولن يضير البنك الإسلامي إذا مكث سنة أو سنتين أو أكثر يؤسس شركات حقيقية، ويشارك هو حقيقة ويبنى اقتصاداً إسلامياً حقيقياً، ولو أنه في سبيل ذلك لم يحقق لزبائنه هذه النسبة المرتفعة من الأرباح.
البنوك الإسلامية بين النظرية والتطبيق:
يعقد حالياً في الكويت المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية، وذلك لمناقشة شرعية المعاملات التي تمارسها المصارف الإِسلامية، وحتى يدرك الجميع الحقائق التي تواجهها هذه المؤسسات، ويعرف الناس ما يدور بداخلها نحب أن نضع الجميع أمام هذه الحقائق لتصل المصارف الإسلامية إلى التطبيق الصحيح للإسلام ولتكون مصارف إسلامية حقيقية وليست مجرد غطاء إسلامي لواقع ربوي.
أولاً: الفارق الأساسي بين البنك الربوي والمصرف الإسلامي:
كثيرون لا يدركون الفارق الأساسي بين المصرف الإسلامي والبنك الربوي والفارق باختصار يتمثل فيما يأتي:
стр. 13554
- البنك الربوي يقوم نظامه وعمله الأساسي على تجميع أموال المستثمرين، ومن ثم اقتراضها بفائدة ثابتة للتجار والمؤسسات والمصانع والحكومات والأفراد المحتاجين، وهذا يعنى في المحصلة أن البنك الربوي وكيل عن المودع في أقراض أمواله بفائدة ثابتة ثم هو أعنى البنك الربوي يتقاسم الفائدة بينه وبين المودع.وهذا يعنى أيضاًَ أن البنك الربوي لا يخاطر بالأموال وإنما يقرضها بفائدة ثابتة. وما يتحصله من فوائد يتقاسمه المودعين فيه.
- وأما المصرف الإسلامي فإنه يجمع أموال المودعين لا ليؤجرها أو يقرضها للغير وإنما ليعمل هو بها من خلال مؤسساته الخاصة- يعمله بها في الزراعة والتجارة والصناعة وشراء العقار وتأجيره وسائر أوجه الكسب المشروع وبالتالي فالمصرف الإسلامي مخاطر بأموال المودعين لأنه قد يكسب ويربح عند ممارسته لهذه الأعمال وقد يخسر وبالتالي فإنه لا يعطي فائدة ثابتة وإنما يتقاسم الربح والخسارة مع المودعين (المستثمرين) هذا هو الفارق الأساسي بعين البنك الربوي والمصرف الإسلامي.
ثانياً- الواقع الفعلي للمصارف الإِسلامية:
ولكن للأسف فان هذا المفروض الذي بيناه آنفاً غير مطبق في المصارف الإِسلامية الآن- اللهم إلا بنسبة ضئيلة جداًَ لا تتعدى خمسة في المائة ٥% من الأموال المودعة فيها. وأما بقية أعمال المصارف الإِسلامية الحالية فإنها تعمل بطريقة ربوية خالصة وذلك على النحو التالي:
стр. 13555
البنوك الربوية تقرض التجار الذين لا يملكون نقوداً حاضرة (سيولة) في مقابل فائدة ثابتة. وهذا من الربا الصريح الواضح وأما المصارف الإسلامية، فإنها تصنع مع التجار نفس الصنيع ولكن عن طريق دورة طويلة من الإجراءات التي لا داعي لها. فالتاجر الذي يأتيها يريد (سيولة) نقوداً حاضرة تقول له نحن لا نقرضك مالاً (لأننا بنك إسلامي) . ولكن ما هي البضاعة التي تريدها أرنا إياها ونحن نشتريها ثم نبيعها لك. بشرط أن تتكفل أنت بجميع مصاريف الشحن والتأمين وجميع الالتزامات الأخرى التي تترتب على نقل هذه البضاعة ونأخذ منك عشرة في المائة. هذه هي صورة معاملة البنك الإسلامي مع التاجر الذي لجأ إليه من أجل (السيولة) النقود وهكذا يكون البنك الإسلامي ضامناًَ للربح غير مخاطر بشيء- فهو يوهم نفسه ويوهم الناس أنه يتاجر والحال أنه مقرض بفائدة وما قضية الشراء والبيع إلا تمثيلية وقد يسأل سائل وما الحرام في ذلك والجواب أن الحرام يتأتى من أن البنك الإسلامي في هذه الحال يبيع ما ليست عنده وما لا يملك وهذا لا يجوز في الشريعة، ويبيع البضاعة ولم يتسلمها بعد ولم ينقلها إلى مخازنه وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه (كما في صحيح مسلم) وكذلك سائر البضائع والتجارات وكذلك فالبنك هنا ليست تاجراً وإنما هو مقرض فقط فهو لا يشتري لنفسه وإنما يشتري لغيره، ولا يلتزم بشيء بتاتاًَ نحو تجارته فلا هو ملزم بنفقات نقلها، ولا بضمانها إذا هلكت بل وهو أيضاً غير ملتزم بتسليمها إلى المشتري وإنما يسلمه المستندات وهو يذهب لاستلام بضاعته التي تكون مازالت في عرض البحر. ولذلك فالتاجر يكون في جانب المخاطرة والبنك الإسلامي يكون في جانب الأمان التام شأنه في ذلك شأن البنك الربوي تماماً إلا أن البنك الربوي وصل إلى مقصوده دون لف ودوران والبنك الإسلامي لا يصل إلى مقصوده إلا بزيادة عناء ولف ودوران. وهكذا تكون (الشريعة
стр. 13556
الإسلامية) على هذا النحو مزيداًَ في التعقيد والتطويل مع فعل نفس الأمر الذي حرمه الله .
ثالثاً- الدعاوى لا تغير الحقائق:
وقد استباح القائمون على البنوك الإسلامية لأنفسهم مثل هذه المعاملة التي بيناها آنفاً من باب أنهم عندما يأتيهم العميل فلأَنهم لا يبيعونه وإنما يعدونه وعداً غير ملزم بأن يبيعوا له إذا اشتروا السلعة. فإذا اشتروها لأنفسهم قاموا بعد ذلك ببيعها للعميل وهذا الكلام أيضاً غير صحيح بدليل ما يأتي:
١- لا يوجد شيء في الشريعة يسمى وعداً غير ملزم إذ المؤمن مطالب شرعاً بإنفاذ ما وعد وإلا كان على شعبة من نفاق٠
٢- كيف يكون وعد الشراء هذا غير ملزم وقد نصوا فيه على ما يأتي كما جاء نص العقد المعنون بـ (رغبة ووعد بالشراء) ففي المادة الرابعة منه: يتحمل الطرق الذي يخل بهذا الوعد الضرر الفعلي الذي يلحق بالطرف الآخر ما لم يكن الإخلال لأسباب قاهرة أهـ.
فكيف إذن يكون الوعد غير ملزم إذا كان الطرف الذي سيخل بهذا الوعد سيتحمل الضرر الناشئ من الإخلال بالوعد؟
ولعل قائلاً يقول إن الأمر لن يصل إلى أن يتقدم البنك الإسلامي بطلب محاكمة العميل الذي يتخلف عن إنفاذ وعده للبنك وإنما هذا مجرد تهديد وتخويف وأقول هذا أيضاً خطأ لأن المادة الخامسة من هذا الوعد تنص على ما يأتي فهي تقول بالنص: "عند نشوء أي خلاف بين الطرفين بشأن هذا الوعد يصعب عليهما حله ودياًَ يعرض على محكمين ملتزمين بالشريعة الإسلامية (هكذا) يتم اختيارها على الوجه التالي:
- حكم يختاره الطرف الأول.
- حكم يختاره الطرف الثاني.
- وحكم يختاره غرفة تجارة وصناعة الكويت.
стр. 13557
ويتم الفصل في النزاع وفقاً للقوانين والأعراف التجارية السائدة بدولة الكويت وبما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية (عجباً) ويكون حكمها سواء صدر بالإجماع أو بالأغلبية ملزماً للطرفين وغير قابل للطعن فيه بالمعارضة أو الاستئناف وإذا اعتذرت غرفة التجارة والصناعة عن ترشيح الحكم الثالث يقوم الحكمان المختاران من قبل الطرفين باختياره، فإذا تعذر ذلك تقوم المحكمة الكلية بتعيينه وفقاً لأحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتي) .
وبعد... ٠
أنظرتم يا إخواني إلى مفهوم الوعد غير الملزم في نظر البنوك الإسلامية إنه وعد يجرك جراً إلى محاكمة لا استئناف فيها ولا طعن فأي إلزام وأي دكتاتورية أبلغ من هذا...؟ إن هذه الالتزامات المترتبة على هذا الوعد بالشراء (غير الملزم) لهي أبلغ من كل الالتزامات التي تترتب على الإخلال بعقد بيع حقيقي. ولذلك قلنا إن الادعاء بأن وعد الشراء غير ملزم أكذوبة كبيرة وإيهام كبير.
رابعاً- نناشدكم الله العودة إلى الحق والصواب
للأسباب السابقة كتبنا مراراً وتكراراً مناشدين القائمين على البنوك الإِسلامية الله- أن يعودوا إلى الحق والصواب وأن لا تصبح الشريعة الإِسلامية ألعوبة في أيديهم فإن الدنيا لا تغني من الآخرة شيئاً، ومصير الجميع غداً بين يدي وهو سائل كل إنسان منا على ما اكتسبه بلسانه وقلمه ويده.
ولذلك قلنا إن المؤتمر الحالي للبنوك الإسلامية مفترق طرق فيما أن تتحول البنوك الإسلامية إلى مزاولة عملها وفق الشريعة حقيقة وذلك بأن تفتح هي وكالات تجارية وتمارس التجارة الفعلية حقيقة، وكذلك تقوم هي بالزراعة والصناعة والبناء، والمقاولات بشركاتها وعماله وصناعها، وإما أن تأخذ البنوك الإسلامية من المجتمعين صكاً شرعياً لتزاول ما تزاول من أعمال ربوية تحت غطاء هذا الصك الشرعي.
فماذا أنتم فاعلون أيها المجتمعون اليوم؟
стр. 13558
الفرق بين التاجر والمرابي
من المقطوع به في الشريعة أن الله قد أباح البيع، وحرم الربا , ومقالنا هذا مخصص وموجه لوضع الفروق بين البيع المشروع والربا المحرم.
تعريف البيع وشروط صحة عقده:
البيع معروف لدى جميع الناس تقريباً وهو استبدال نقود بسلع، أو سلع بسلع أخرى كاستبدال أرز بنفط مثلا، ويشترط له الصدق وعدم كتمان العيب، وخيار المجلس (ولهذا شرح في مقام آخر إن شاء الله تعالى) والتسليم، ومن شروطه الهامة التي تخفى على كثير من الناس وجوب حيازة التاجر للسلعة قبل بيعها للمشتري ومعنى هذا أن التاجر لا يجوز له أن يبيع ما ليس عنده، وأنه يجب عليه أولاً أن يشتري السلعة ويحوزها ثم بعد ذلك يشرع في بيعها.
حكمة مشروعية البيع:
ولا يخفى حكمة مشروعية البيع وجواز الربح من ورائه وذلك لما يأتي:
(١) البائع خادم للناس لأنه يجلب البضاعة ويتعهدها، ويعرضها لمن يشتري ويوفر على الناس كثيرا من الجهد والتعب، ومعنى هذا أنه يقوم بخدمة حقيقية لغيره.
(٢) البائع مخاطر فهو يشتري السلعة بماله ويخاطر في طلب الربح وقد تربح تجارته وقد تكسد وتبور. ولذلك فهو يبتغي فضل الله كما فسر العلماء قول الله ﵎ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قالوا هو التجارة لأن الله نهى عنها في الآية التي قبلها عند سماع النداء بصلاة الجمعة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية..
стр. 13559
وهذا سبب هام لإباحة التجارة وذلك أن البائع كما قلنا منتظر لفضل الله وهو كسب تجارته الذي قد يأتي وقد لا يأتي تماماً كالزارع والراعي والصياد وكل هؤلاء ينتظرون الربح ويخافون الخسارة.
والآن نأتي إلى الربا فما هو الربا ولماذا كان حراماً؟:
تعريف الربا:
الربا نوعان أساسيان أولهما: أخذ زيادة على تسليف النقود. ومعنى هذا إنه تأجير النقود لمدة معينة بسعر معين. حيث يسترد المرابي رأس ماله والزيادة وهذا هو الربا المشهور وهو ما يسمى في الفقه بربا النسيئة لأن النساء من الإمهال ومعناه إمهال مستلف النقود مدة معينة مقابل زيادة على رأس المال. وأما النوع الثاني من الربا فهو بيع أصناف معينة من السلع بجنسها متفاضلاً ومن هذه الأصناف الذهب والفضة والقمح والشعير، والزبيب والتمر. وما قاسه العلماء على هذه السلع فلا يجوز مثلاً أن يبيع طناً من القمح بطن ونصف من قمح آخر. وهذا النوع لا يعنينا الآن في مقالنا هذا لأن تحريم هذا النوع من الربا إنما هو من باب سد الذرائع.
لماذا حرمت الشريعة الربا؟
وفي تحريم الربا حكمة عظيمة جداً أهمها ما يأتي:
(١) القيام بخدمة لا يجوز أخذ الأجرة عليها:
لا شك أن الرابي يؤدي خدمة للمدين فهو يسلفه النقود، والمدين يستفيد ولا شك بأخذه لهذه السلفة. فقد يكون محتاجاً إليها لتنفيس كربه كأن يكون محتاجاً إليها للاستثمار والاتجار كأن يكون مريداً للزراعة أو صناعة أو تجارة أو نحو ذلك وحصوله على المال من المرابي (مصرفاً كان أو غيره) يسهل له ذلك.
стр. 13560
ولكن هذه الخدمة نهى الشارع الحكيم عن أخذ أجرة عليها وذلك لما تؤدى إليه من فساد النفوس والمجتمعات ولذلك جعلها الشارع خدمة مجانية تماماً كالشهادة والكفالة، والشفاعة، والضيافة، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وكل هذه الخدمات ولاشك من المسلم للمسلم ولكن الشارع نهى وحرم أخذ الأجرة على شيء من ذلك، وجعل تسليف النقود خدمة مفروضة بلا أجر. وذلك أن أخذ الأجر على هذه الأعمال يؤدي إلى التقاطع والمقت والكراهية وفقدان المحبة والموالاة بين المسلم والمسلم.
(٢) المرابي غير مخاطر وهو في جانب الأمان دائماً:
السبب الثاني الذي من أجله حرم الربا أن المرابي لا يخاطر بماله ولا يضعه إلا حيث يضمن الربح ولا يهتم بمن أخذ منه المال هل خسر أم كسب وبذلك يظل المرابي في جانب الأمان دائماً فينمو ماله باستمرار ويظل غيره في جانب الخطر صعوداً وهبوطاً. واستمرار الحال على هذا النحو معناه في النهاية تحول المال إلى القلة وبالتالي تحول السيطرة والعلو والنفوذ.
(٣) الربا ضد الزكاة:
يستحيل أن تزكو نفس المرابي لأنه يأخذ المال ممن أسلفه دون نظر إلى فقره أو غناه ولذلك يستحيل أن يكون المرابي منفقاً مزكياً. بل لا تروج بضاعة المرابي وهي تأجير النقود إلا في الأزمات والمصائب وفي وجود احتياج الناس له.
هذا باختصار أهم الفروق بين المرابي والتاجر أو بين البيع والشراء. والآن تعالوا لنطبق هذه القواعد على البيع المزور الذي تمارسه البنوك الإِسلامية لننظر هل هو من البيع أو من الربا؟
تعريف البيع الذي يسمونه بيع المرابحة:
стр. 13561
تاجر كويتي يبيع الأحذية مثلاً وله محلاته وزبائنه ويريد أن يستورد صفقة كبيرة من إيطاليا مثلاً ليس عنده نقود لشرائها. فيذهب إلى البنك الإسلامي ويقول هذه صفقة أريد شرائها من إيطاليا وهذه مواصفاتها وكميتها وعنوان مصنعها. والآن ماذا يصنع البنك الإسلامي. يقول لهذا العميل (تاجر الأحذية) نحن نشتريها لك بزيادة (بربح) ٢٠% مثلاً عن ثمن الشراء ويقول التاجر: قبلت على أن يسدد هذا المبلغ في غضون عام أو عامين مثلاً أو أقل من ذلك أو أكثر. ويحصل الإتفاق شفوياً أو كتابياً على ذلك.
ثم يقوم البنك بشراء السلعة من مصادرها وبمجرد شحنها يستدعى تاجر الأحذية ليوقع عقداً بالشراء مع البنك وتصبح البضاعة التي مازالت في البحر ولم يتسلمها أحد بعد في ذمة تاجر الأحذية.. والآن لنناقش هذا العقد بصراحة.
والسؤال الأول: هل البنك هنا مارس التجارة؟
والجواب... لا حتماً. لأسباب كثيرة منها: أن البنك لا يتاجر في الأحذية فليس له خبرة بها ولا يعرف ما يروج في الكويت مما لا يروج فيها وليس عنده أيما معرض أو مخزن لاستقبالها ويوم طلب البنك هذه السلعة من مصدرها لم يكن يعلم أي شيء عن محتوياتها؟ فكيف يكون هذا تاجراً...؟
وثائياً: التاجر يؤدي خدمة للمشتري كما ذكرنا آنفاً وهي أنه يجلب البضاعة ويتعهدها ويعرضها والبنك هنا لم يفعل شيئاً من هذا قط فالمشتري وهو تاجر الأحذية هو الذي له علم بمصانع الأحذية وأنواع هذه الأحذية ومعرفة ما يروج مما لا يروج وهو الذي يتحمل الخسارة إن بارت هذه السلعة. وأما البنك فقد قام بعملين فقط أحدهما حقيقة وآخر زائف.
стр. 13562
أما العمل الحقيقي فهو أنه دفع ثمن السلعة لمصدرها في إيطاليا والثاني هو عقد شراء من المصنع لهذه الأحذية وعقد الشراء هذا زائف وباطل لأنه لم يشتر لنفسه وليحوز السلعة إليه وإنما اشتراها ضامناً بيعها على تاجرها الحقيقي. وبهذا يتبين أن البنك الإِسلامي هنا يقوم بمهمة المرابي تماماً الذي يسلف النقود ويضمن الربح.
وثالثاً: لاشك أن البنك الإسلامي بهذه الصورة يكون بنكاً طفيلياً ربوياً، فهو بهذه الصورة ليس بتاجر قطعاً. لأن التاجر يلتزم بتسليم السلعة للمشتري والبنك الإسلامي لا يسلم السلعة وإنما يبيعها وهي ما زالت في البحار وأمامها كثير من المخاطر والآفات وقد تكون موافقة للمطلوب وقد تكون مغشوشة من مصدرها وكل هذه الأخطار تقع على المشتري ولا يلتزم ... البنك بشيء منها لأنه يفض يده من السلعة قبل وصولها.
ومن أكبر الأدلة على طفيلية البنوك الإِسلامية الحالية بهذه المعاملات المحرمة إنها لا تلتزم لأي اتفاق قانوني أو أخلاقي أو إنساني نحو السلع التي تستوردها لعملائها.. فالتاجر الحقيقي الذي يستورد غسالات مثلاً أو سيارات أو ثلاجات ملتزم قانونياً وأخلاقياً أمام زبائنه بقطع الغيار والتصليح والصيانة، والبنك الإسلامي يستورد ويبيع كل هذه الأشياء دون أي التزام قانوني أو أخلاقي بصيانتها أو تصليحها ... وإنما يقع هذا على كتف التجار الحقيقيين الذين يشتري لهم البنك...
وبهذا يظهر لكل ذي عينين أن البنك الإسلامي فيما يسمونه ببيع المرابحة لا يمارس تجارة وإنما يمارس التمويل الربوي الذي لا شبهة فيه, فحقيقة عمله في التجارة هو أن يسلف التجار لشراء بضائعهم بزيادة (ربح) ربوية في مقابل أجل السداد.
стр. 13563
ومرة ثانية نقول شتان بين النظرية والواقع لقد قامت البنوك الإسلامية لتمارس الإقتصاد الإسلامي ولو فعلت هذه حقيقة في مجال هام كالتجارة لقلبت أوضاع السوق رأساً على عقب، ومن ذلك أنها كان يمكن أن تكسر احتكار المحتكرين، وأن تكتفي بالربح القليل تيسيراً على عامة الناس وأن تشجع صغار التجار، وأن تقلل من السماسرة، وأن ترخص الأسعار حتماً لأنها ستقضي على أرباح البنوك الربوية التي تأخذها من التجار في مقابل التمويل ولكنها للأسف لم تفعل شيئاً من ذلك، وإنما جعلت من نفسها بنوكاً ربوية جديدة حيث تأخذ فائدة من التاجر الذي يشتري منها وبذلك تزيد ثمن السلعة على المستهلك ولو مارست هي التجارة رأساً وتحملت مخاطرها لحذفت من تكاليف السلعة هذه الزيادة الربوية ولكانت كلفة السلعة هي: ثمن الشراء + مصاريف النقل والتخزين والعرض + الربح، وأما تكلفة السلعة الآن فهي: ثمن الشراء من المصدر + تكاليف النقل والتخزين والعرض + فائدة البنك الإسلامي + ربح التاجر.
وهكذا وضعت البنوك الإسلامية نفسها موضع الوسيط الطفيلي الذي يضمن الربح عن طريق تمويل التجار بدلاًَ من أن تكون هي التاجر المسلم الحقيقي الذي يبتغى من فضل التاجر ويخاطر بماله في البر والبحر وينفع عباد الله.
وبعد فلقد حاولت جهدي أن أشرح هذا الموضوع بلغة سهلة واضحة لتقوم الحجة على عموم الناس. وذلك لخطورة هذا الأمر فقد أهلك الله طائفة من بنى إسرائيل ومسخهم قردة وخنازير لتحايلهم على أكل الحرام. وهذا البيع الذي يسمون بيع المرابحة هو من المحرم قطعاً لما أسلفنا وأرجو أن أبرئ ساحتي أمام الله وأكون قد بلغت. وأقول اللهم أشهد.
стр. 13564
ومرة ثانية نحن لا نتهم نية أحد، وحساب الجميع على الله وحده، وعلى الذين يتهموننا أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يقرأوا هذا الكلام بنزاهة المسلم. والدنيا لا تغني من الآخرة شيئاً. وحرام أن نسكت ونحن نرى البنوك الإسلامية تقع في حماة الربا الخبيث الملتوي، ولتسأل البنوك الإِسلامية. كم متجراًَ فتحت؟ وكم مصنعاًَ شيدت؟ وكم يداً عاملة استخدمت؟ وأين الزراعة والرعي، والتعدين الذي أنشئت من أجله؟ هذا هو ميدان البنوك الإسلامية، وليس ميدانها أن تكون وسيطاً ربوياً جباناًَ يخشى المشاركة والقراض، والمخاطرة المشروعة في سبيل الرزق والكسب.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] عندما كتبنا ذلك كان الأمر كذلك. أما الآن فإن العقود الجديدة تنص على التقاضي أمام المحاكم إذا أخل أي طرف بهذا الوعد.
стр. 13565
الغزو الفكريّ ووسائله
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
الرئيس العام لإدارات البحث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
س ١: ما هو تعريف الغزو الفكري في رأيكم.؟
جـ: الغزو الفكري هو مصطلح حديث يعنى مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخري أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة. وهو أخطر من الغزو العسكري لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية وسلوك المسارب الخفية في بادي الأمر فلا تحس به الأمة المغزوة ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس، تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه وتكره ما يريد منه أن تكرهه.
وهو داء عضال يفتك بالأمم ويُذهب شخصيتها ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها، والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمراً صعباً وإفهامها سبيل الرشد شيئاً عسيراً.
س ٢: هل يتعرض العرب عامة والمملكة خاصة لهذا النوع من الغزو.؟
جـ: نعم يتعرض المسلمون عامة ومنهم العرب لغزو فكري عظيم تداعت به عليهم أمم الكفر من الشرق والغرب ومن أشد ذلك وأخطره:
- الغزو النصراني الصليبي.
- الغزو اليهودي.
- الغزو الشيوعي الإلحادي.
стр. 13566
أما الغزو النصراني الصليبي فهو اليوم قائم على أشده ومنذ أن انتصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين الغازين لبلاد المسلمين بالقوة والسلاح أدرك النصارى أن حربهم هذه وإن حققت انتصارات فهي وقتية لا تدوم، ولذا فكروا في البديل الأفضل، وتوصلوا بعد دراسات واجتماعات إلى ما هو أخطر من الحروب العسكرية وهو أن تقوم الأمم النصرانية فرادي وجماعات بالغزو الفكري لناشئة المسلمين لأن الاستيلاء على الفكر والقلب أمكن من الاستيلاء على الأرض فالمسلم الذي لم يلوث فكره لا يطيق أن يري الكافر له الأمر والنهى في بلده، ولهذا يعمل بكل قوته على إخراجه وإبعاده ولو دفع في سبيل ذلك حياته وأغلى ثمن لديه. وهذا ما حصل بعد الانتصارات الكبيرة للجيوش الصليبية الغازية. أما المسلم الذي تعرض لذلك الغزو الخبيث فصار مريض الفكر عديم الإحساس فإنه لا يري خطراً في وجود النصارى أو غيرهم في أرضه، بل قد يري أن ذلك من علامات الخير ومما يعين على الرقى والحضارة. وقد استغنى النصارى بالغزو الفكري عن الغزو المادي لأنه أقوي وأثبت من أي حاجة لهم من بعث الجيوش بإنفاق الأموال مع وجود من يقوم بما يريدون من أبناء الإسلام عن قصد أو عن غير قصد، وبثمن أو بلا ثمن، ولذلك لا يلجأون إلى محاربة المسلمين علانية بالسلاح والقوة إلا في الحالات النادرة الضرورية التي تستدعى العجل كما حصل في غزو أوغندا والباكستان، أو عند ما تدعو الحاجة إليها لتثبيت المنطلقات لإقامة الركائز وإيجاد المؤسسات التي تقوم بالحرب الفكرية الضروس كما حصل في مصر وسوريا والعراق وغيرها قبل الجلاء.
стр. 13567
أما الغزو اليهودي فهو كذلك لأن اليهود لا يألون جهداً في إفساد المسلمين في أخلاقهم وعقائدهم. ولليهود مطامع في بلاد المسلمين وغيرها ولهم مخططات أدركوا بعضها ولا زالوا يعملون جاهدين لتحقيق ما تبقى. وهم وإن حاربوا المسلمين بالقوة والسلاح واستولوا على بعض أرضهم، فإنهم كذلك يحاربونهم في أفكارهم ومعتقداتهم. ولذلك ينشرون فيهم مبادئ ومذاهب ونحلاً باطلة كالماسونية والقاديانية والبهائية والتيجانية وغيرها ويستعينون بالنصارى وغيرهم في تحقيق مآربهم وأغراضهم.
أما الغزو الشيوعي الإلحادي فهو اليوم يسري في بلاد الإسلام سريان النار في الهشيم نتيجة للفراغ وضعف الإيمان في الأكثرية، وغلبة الجهل وقلة التربية الصحيحة السليمة فقد استطاعت الأحزاب الشيوعية في روسيا والصين وغيرها أن تتلقف كل حاقد وموتور من ضعفاء الإيمان وتجعلهم ركائز في بلادهم ينشرون الإلحاد والفكر الشيوعي الخبيث وتعدهم وتمنيهم بأعلى المناصب والمراتب، فإذا ما وقعوا تحت سيطرتها أحكمت أمرها فيهم وأدبت بعضهم ببعض وسفكت دماء من عارض أو توقف حتى أوجدت قطعاناً من بنى الإنسان حرباً على أممهم وأهليهم وعذاباً على إخوانهم وبنى قومهم فمزقوا بهم أمة الإسلام وجعلوهم جنوداً للشيطان يعاونهم في ذلك النصارى واليهود بالتهيئة والتوطئة أحياناً، وبالمدد والعون أحياناً أخرى، ذلك أنهم وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم جميعاً يد واحدة على المسلمين يرون أن الإسلام هو عدوهم اللدود. ولذا نراهم متعاونين متكاتفين بعضهم أولياء بعض ضد المسلمين فالله سبحانه المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
س ٣: ما هي الوسائل التي يستخدمها الغرب لترويج أفكاره؟
جـ: الوسائل التي يستخدمها الغرب لترويج أفكاره كثيرة منها:-
стр. 13568
١- محاولة الاستيلاء على عقول أبناء المسلمين وترسيخ المفاهيم الغربية فيها لتعتقد أن الطريقة الفضلى هي طريقة الغرب في كل شيء سواء فيما يعتقده من الأديان والنحل أو ما يتكلم به من اللغات أو ما يتحلى به من الأخلاق أو ما هو عليه من عادات وطرائق.
٣- رعايته لطائفة كبيرة من أبناء المسلمين في كل بلد وعنايته بهم وتربيتهم حتى إذا ما تشربوا الأفكار الغربية وعادوا إلى بلادهم أحاطهم بهالة عظيمة من المدح والثناء حتى يتسلموا المناصب والقيادات في بلدانهم، وبذلك يروجون الأفكار الغربية وينشئون المؤسسات التعليمية المسايرة للمنهج الغربي أو الخاضعة له.
٣- تنشيطه لتعليم اللغات الغربية في البلدان الإسلامية وجعلها تزاحم لغة المسلمين وخاصة اللغة العربية لغة القرآن الكريم التي أنزل الله بها كتابه والتي يتعبد بها المسلمون ربهم في الصلاة والحج والأذكار وغيرها. ومن ذلك تشجيع الدعوات الهدامة التي تحارب اللغة العربية وتحاول إضعاف التمسك بها في ديار الإسلام في الدعوة إلى العامية وقيام الدراسات الكثيرة التي يراد بها تطوير النحو وإفساده وتمجيد ما يسمونه بالأدب الشعبي والتراث القومي.
٤- إنشاء الجامعات الغربية والمدارس التبشيرية في بلاد المسلمين ودور الحضانة ورياض الأطفال والمستشفيات والمستوصفات وجعلها أوكاراً لأغراضه السيئة وتشويق الدراسة فيها عند الطبقة العالية من أبناء المجتمع ومساعدتهم بعد ذلك على تسلم المراكز القيادية والوظائف الكبيرة حتى يكونوا عوناً لأساتذتهم في تحقيق مآربهم في بلاد المسلمين.
стр. 13569
٥- محاولة السيطرة على مناهج التعليم في بلاد المسلمين يرسم سياستها إما بطريق مباشر كما حصل في بلاد الإسلام حينما تولى (دنلوب) القسيس تلك المهمة فيها أو بطريق غير مباشر عندما يؤدي المهمة نفسها تلاميذ ناجحون درسوا في مدارس (دنلوب) وتخرجوا فيها فأصبح معظمهم معول هدم في بلاده وسلاحاً فتاكاً من أسلحة العدو يعمل جاهداً على توجيه التعليم توجيهاً علمانياً لا يرتكز على الإيمان بالله والتصديق برسوله وإنما يسير نحو الإلحاد ويدعو إلى الفساد.
٦- قيام طوائف كبيرة من النصارى واليهود بدراسة الإسلام واللغة العربية وتأليف الكتب وتولى كراسي التدريس في الجامعات حتى أحدث هؤلاء فتنة فكرية كبيرة بين المثقفين من أبناء الإسلام بالشبه التي يلقنونها لطلبتهم أو التي تمتلئ بها كتبهم وتروج في بلاد المسلمين حتى أصبح بعض تلك الكتب مراجع يرجع إليها بعض الكاتبين والباحثين في الأمور الفكرية أو التاريخية ولقد تخرج على يد هؤلاء المستشرقين من أبناء المسلمين رجال قاموا بنصيب كبير من إحداث الفتنة الكبرى، وساعدهم على ذلك ما يحاطون به من الثناء والإعجاب وما يولونه من مناصب هامة في التعليم والتوجيه والقيادة فأكملوا ما بدأه أساتذتهم وحققوا ما عجزوا عنه لكونهم من أبناء المسلمين ومن جلدتهم ينتسبون إليهم ويتكلمون بلسانهم فالله المستعان...
стр. 13570
٧- انطلاق الجيوش الجرارة من المبشرين الداعين إلى النصرانية بين المسلمين وقيامهم بعملهم ذلك على أسس مدروسة وبوسائل كبيرة عظيمة يجند لها مئات الآلاف من الرجال ولقد تعد لها أضخم الميزانيات وتسهل لها السبل وتذلل لها العقبات ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: ٨) وإذا كان هذا الجهد منصباً على الطبقة العامية غالباً فإن جهد الإستشراق موجه إلى المثقفين كما ذكرت آنفاً وإنهم يتحملون مشاقاً جساماً في ذلك العمل في بلاد أفريقيا وفي القرى النائية من أطراف البلدان الإسلامية في شرق آسيا ثم هم بعد كل حين يجتمعون في مؤتمر يراجعون حسابهم وينظرون في خططهم فيصححون ويعدلون ويبتكرون. فلقد اجتمعوا في القاهرة سنة ١٩٠٦، وفي ادنمبرج سنة ١٩١٠، وفي لكنوا سنة ١٩١١، وفي القدس ١٩٣٥ م، وفي القدس كذلك في عام ١٩٣٥ م. ولا زالوا يوالون الاجتماعات والمؤتمرات فسبحان من بيده ملكوت كل شيء واليه يرجع الأمر كله.
стр. 13571
٨- الدعوة إلى إفساد المجتمع المسلم وتزهيد المرأة في وظيفتها في الحياة وجعلها تتجاوز الحدود التي حد الله لها وجعل سعادتها في الوقوف عندها وذلك حينما يلقون بين المسلمين الدعوات بأساليب شتى وطرق متعددة إلى أن تختلط النساء بالرجال والى أن تشتغل النساء بأعمال الرجال يقصدون من ذلك إفساد المجتمع المسلم والقضاء على الطهر والعفاف الذي يوجد فيه وإقامة قضايا وهمية ودعاوى باطلة في أن المرأة في المجتمع المسلم قد ظلمت وأن لها الحق في كذا وكذا يريدون إخراجها من بيتها وإيصالها إلى ما يريدون في حين أن حدود الله واضحة وأوامره صريحة وسنة رسول الله ﷺ جلية بينة يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأََزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (الأحزاب: ٥٩) ويقول سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنّ﴾ الآية: (النور: ٣١) ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ ويقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣) ويقول ﷺ : "إياكم والدخول على النساء"قال رجل من الأنصار: "يا رسول الله أفرأيت الحمو"قال: "الحمو الموت" وقال: "لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما".
٩- إنشاء الكنائس والمعابد وتكثيرها في بلاد المسلمين وصرف الأموال الكثيرة عليها وتزيينها وجعلها بارزة واضحة في أحسن الأماكن وفي أكبر الميادين.
стр. 13572
١٠- تخصيص إذاعات موجهة تدعو إلى النصرانية وتشيد بأهدافها وتضلل بأفكارها أبناء المسلمين السذج الذين لم يفهموا الإسلام ولم تكن لهم تربية كافية عليه وخاصة في إفريقيا يصاحب هذا الإكثار من طبع الأناجيل وتوزيعها في الفنادق وغيرها وإرسال النشرات التبشيرية والدعوات الباطلة إلى الكثير من أبناء المسلمين.
هذه بعض الوسائل التي يسلكها أعداء الإسلام اليوم في سبيل غزو أفكار المسلمين وتنحية الأفكار السليمة الصالحة لتحل محلها أفكار أخرى غربية شرقية أو غربية وهى كما نرى جهوداً جبارة وأموالاً طائلة وجنوداً كثيرين كل ذلك لإخراج المسلمين من الإسلام وإن لم يدخلوا في النصرانية أو اليهودية أو الماركسية إذ يعتقد القوم أن المشكلة الرئيسية في ذلك هي إخراجهم من الإسلام وإذا تم التوصل إلى هذه المرحلة فما بعدها أسهل وميسور. ولكننا مع هذا نقول إن الله سيخيب آمالهم ويبطل مكرهم ويضعف كيدهم لأنهم مفسدون وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين. قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠) وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ (الطارق: ١٥- ١٧) وإن الأمر يحتاج من المسلمين وقفة عقل وتأمل ونظر في الطريق التي يجب أن يسلكوها والموقف المناسب الذي يجب أن يقفوه وأن يكون من الوعي والإدراك ما يجعلهم قادرين على فهم مخططات أعدائهم وعاملين على إحباطها وإبطالها ولن يتم ذلك إلا بالاستعصام بالله والاستمساك بهديه والرجوع إليه والإنابة له والاستعانة به وتذكر هديه في كل شيء وخاصة في علاقة المؤمنين بالكافرين وتفهم معنى سورة الكافرون وما ذكره سبحانه في قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ١٢٠) وقوله: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى
стр. 13573
يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: ٢١٧)
أسال الله سبحانه أن يهيئ لهذه الأمة من أمرها رشداً، وأن يعيذها من مكائد أعدائها، ويرزقها الاستقامة في القول والعمل حتى تكون كما أراد الله لها من العزة والقول والكرامة. إنه خير مسئول وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 13574
حديث عن الدورة
وأثرها على المجتمع الذي أقيمت فيه
محاضرة ألقيت بقاعة المحضرات الكبرى بالجامعة الإسلامية
مساء الأربعاء ٣/١ / ١٤٠٣
للدكتور علي بن محمد ناصر فقيهي
عميد شئون المكتبات بالجامعة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
وبعد: فإن الجامعة الإِسلامية التي هيأ الله الأسباب لإنشائها في المدينة النبوية التي قال رسول الله ﷺ فيها: "إِن الإِيْمانَ ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها.." وقد أسست لهدف نبيل وغاية محمودة، وهو العودة بالمسلمين جميعاً إلى العقيدة الإِسلامية الصحيحة الصافية النقية المأخوذة من الكتاب والسنة، واتباع منهج سلف الأمة في ذلك، وذلك لمعرفة المؤسسين لها والراسمين لسياستها وأهدافها، أنه بصلاح القلوب وتنقِيتها من جميع شوائب الشرك والبدع والخرافات تصلح المجتمعات وتصح مسيرتها، لأن في القلب مضغة إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كله. وإذا فسدت فسدَ الجسدُ كله ألا وهى القلب، فالقلب ملك الأعضاء وقائدها.
стр. 13575
وهذا هو منهج المصطفى ﷺ في دعوته، فقد مكث في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس لتحقيق هذه الغاية، وهى توحيدُ الله وتركُ كل ما يدعى من دونه، ولو علم ﷺ أن هناك منهجاً آخر يمكن به صلاح البشرية لتبعه، فقد عرض عليه رؤساء قريش لصرفه عن منهجه في دعوته أموراًَ منها: أنه إذا أراد بدعوته الملك فهم على أتم استعداد أن يتوجوه ملكاً عليهم، ولكنه يعلم أن الملك لا يصلح قلوب الناس ولا ينقذ البشرية مما وصلت إليه من تدهور في العقيدة والسلوك والأخلاق، وإنما الملك ثمرة من ثمار الإيمان والأعمال الصالحة كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ ] النور/ ٥٥ [.
ولذلك بقي في دعوته سائراً على منهجه غير مبال بمعاداة ومخالفة الناس جميعاً له فيما يدعوهم إليه- إلا الذين آمنوا بدعوته وهم قلة.
والفئة القليلة المؤمنة، تغلب الفئة الكثيرة الضالة بإذن الله.
فهو ﷺ يعلم أنه لو صار ملكاً عليهم، وهم لا يؤمنون بمبادئه، وشريعته التي يريد تطبيقها وتنفيذها عليهم يعلم يقيناً أن ليس في استطاعته ولا في مقدوره تَنْفيذَ هذا المنهج فيهم.
стр. 13576
ولكن حينما صلحت تلك القلوب فآمنت بالله ثم بكل ما جاء عنه في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، قامت الدولة في المجتمع المدني الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ] الأحزاب/ ٣٦ [.
فكما نعلم جميعاً، أن عقوبة الزاني المحصن الرجم بالحجارة حتى الموت، فما الذي دعى المرأة الغامدية أن تقدم نفسها لإِقامة تلك العقوبة عليها، وما الذي دفع ماعزاً أن يقدم نفسه لتلك العقوبة أيضاً.
والجواب - أنه صلاح القلوب التي أصبحت فارغة من كل شيء إلا الإيمان بالله وبما جاء في كتابه وعلى لسان رسوله، الإِيمان الجازم باليوم الآخر وما يجرى فيه، وأنَّ منْ لم يعاقب على جريمته في الدنيا، فلن ينجو من ذلك يوم القيامة، يوم الأجزاء على الأعمال إن لم يعفو الله عنه، وبذلك الإيمان الصادق والعمل الصالح تحققت الخلافة في الأرض التي هي ثمرة من ثماره، وذلك ليُعَبَدَ الله وحدهُ ولا يشرك به شيئاً ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ وبقيام تلك الخلافة تحافظ الدولة على حماية هذا المبدأ العظيم الذي خلق الله الجن والإِنس من أجله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ] الذاريات: ٥٦ [. ولا تتحقق تلك المحافظة إِلا بالقيام بكل ما من شأنه عز الإسلام وأهله وهو ما نصت عليه الشريعة الإِسلامية وحث عليه دستورها القرآن الكريم، الذي لم يفرط في الله فيه من شيء، وهو القائل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ] الأنفال: ٦٠ [.
وقد قامت الدولة الإِسلامية من عهدها الأول بذلك، ومكن الله لها في الأرض، وبحفظها لدين الله وإقامة شريعته في الأرض بقيت لها العزة والكرامة.
стр. 13577
وحين ابتعد الناس عن هذا المنهج الذي رسمه لهم رسول الهدى ﷺ ، وابتعد الناس عن دينهم فتركوا كتاب ربهم وسنة نبيهم بعوامل كثيرة، نشأ عنها تفرق الأمة في عقائدها وسلوكها ومناهج حياتها بما يزينه لها أعداؤها، فتشتت المسلمون وتفرقت كلمتهم، وذلك بسبب تركهم لوصية رسول الله ﷺ وهى قوله: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي".
ومعناه أن من ترك التمسك بهما فسيضل، وهذا هو الواقع المشاهد. ومعلوم أن التمسك بهما هو العمل بما جاء فيهما أمراً ونهياً في جميع مجالات الحياة، بدأ بالعقيدة وإخلاص العبادة لله وحده، وانتهاء بعمل ما يمكِّن المسلمين من أداء هذه العبادة لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وقد قال الإِمام مالك ﵀: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها".
والمهتمون بأحوال المسلمين والذين يسعون لإصلاح المجتمعات ليستعيد الإسلام مجده، وتستعيد الأمة الإسلامية كرامتها وقوتَها وسيرتَها الأولى، هؤلاء يسلكون لتَحقيق هذه الغاية مناهج مختلفة.
والناظر في دعوات زعماء الإصلاح الذين سبقونا وهم كثيرون، أقول إن المتتبع لدعوات أولئك لا يجد دعوة نجحت وحققت ثمارها المرجوة منها إِلا الدعوة التي سلكت وترسمت المنهج الذي سلكه رسول الله ﷺ ، وهو البدء بإصلاح القلوب أولاًَ.
стр. 13578
وأعنى بالمنهج الذي نجح في ذلك هو منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي لازال المجتمع الإسلامي يجنى من ثمار دعوته المباركة، رغم ما كثفه أعداء الدعوة هذه ضدها من دعايات باطلة، سواء على المستوى السياسي الذي يتذرع به أصحابه لصد العامة عن سماع هذه الدعوة. أو على يد رؤساء الطرق الصوفية الضالة المضلة، وذلك بما يبثونه في أتباعهم من أن أتباع هذه الدعوة ودعاتها يكرهون رسول الله ﷺ ، والأولياء وينكرون كراماتهم، وذلك ليحافظ هؤلاء على خدمة العامة وخُضُوعهم لهم لأخذ ما يحتاجونه من أموالهم بالدجل والشعوذة.
وسوف أذكر أمثلة من كتبهم حينما أذكر لكم ثاني رجلين من رجال الدعوة السلفية تعرف عليهما أعضاء الدورة، وقد كان كل واحد منهما صاحب طريقة.
وقد قرأ الإخوة ما كتبه أحدهما عن مخازي طريقته التي أنقذه الله منها، تلك الطريقة التي بلغ فيها الكاتب أعلى رتبة، وهى رتبة الخليفة الذي له الإذن المطلق من أحمد التيجاني في إعطاء الطريقة والتنصيب والإذن لمن يراه أهلاً لذلك- وان شئت فقل: في إضلال الناس عن الصراط السوي وإدخالهم في مذهب الحلول والإتحاد المعبر عنه عندهم بالفناء أحياناً- كما ذكر هو ذلك في أحد كتبه في الرد على الطريقة التيجانية.
أعود فأقول: إن الجامعة الإسلامية أسست في مدينة رسول الله ﷺ ، للعودة بالناس إلى هذا المنهج الصحيح، وقد جَاء في أهدافها إيصال هذا الخير إلى العالم الإسلامي بالوسائل التي تحقق هذا الهدف، وأولها التعليم، فهي تقدم:
١ - منحاً دراسية لأبناء العالم الإسلامي حسب حاجات تلك البلاد وعدد سكانها.
٢ - ترسل بعثات للوعظ والإرشاد.
٣ - تبعث الكتب الدينية النافعة للمؤسسات والمدارس والأفراد.
стр. 13579
أما المنح الدراسية: فقد لَبَّى أبناء العالم الإسلامي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون﴾ ] التوبة: ١٢٢ [. ودليل ذلك وجود أكثر من مائة جنسية من أبناء العالم الإسلامي في مختلف مراحل التعليم في الجامعة.
وبوصول هؤلاء الطلاب الجامعة الإِسلامية يصبحون أمانة في عنق المسئولين فيها فعليهم أن يرعوا هؤلاء الطلاب وأن يعلموهم ما ينفعهُم في دينهم ودنياهم، على الأسس التي رسمتها الجامعة في سياستها وأهدافها. وهى الرجوع بالأمة إلى الكتاب والسنة.
وقد آتت الجامعة ثمارها في هذا الحقل فخرّجَتْ عدداً كبيراً من أبناء العالم الإسلامي، وعادوا إلى بلادهم رُسُلَ خير يبلغون قومهم هذا الخير الذي حصلوا عليه في جميع أنحاء العالم، وقد شهِدَ لهم بذلك الذين زاروا تلك البلاد ورأوا أعمالهم وما يقومون به من توجيه وإرشاد، ولا عبرة بالشاذ منهم عن هذا المنهج فتلك سنة الله في خلقه.
وقد قال لي رئيس جماعة عباد الرحمن- في كانو- سليمان بللو- مقارناً بين الطلاب الذين يرجعون إليهم من البلاد العربية بعد إكمال دراستهم، وبين الطلاب الذين يعودون من الجامعة الإِسلامية.
قال:"إن الطالب الذي يعود من الجامعة الإسلامية يمكث سنوات وأنت تشم فيه رائحة المدينة". فقلت له:"ما معنى هذا الكلام". فقال:"إن سلوكه وأخلاقه ودعوته تختلف كثيراً عن الذين عادوا إلينا من البلاد العربية الأخرى ".
стр. 13580
أقول هذا لأن هدف الجامعة الإسلامية الأول في نشر الدعوة هو التعليم وقد نجحت في هذا نجاحاً ملموساً على يد خريجيها حتى الذين كانوا في أيام دراستهم لا يلقى لهم بال ولا يعرف عنهم نشاط، فقد حدث عندهم ردُّ فعل لما يشاهدونه من انحراف عن المنهج السوي.
- كما أن الجامعة حققت نجاحاً بالوسائل الأخرى التي أشرت إليها، وهي إرسال الوفود للوعظ والإِرشاد، وبعثُ الكتب للمؤسسات والمدارس والأفراد.
- ولكن في نظري ويشاركني في هذا كل الذين اشتركوا معي في الدورة.
إن من أنجح الوسائل لهدف الجامعة بعد تعليم الطلاب في داخلها، هو المشاركة في إقامة هذه الدورات التعليمية، وذلك لما يأتي:
١- الدورات التي شاركت فيها أنا وزملائي والذين سوف أذكر أسماءهم هي دورات تعليمية تقوم بتنفيذ منهج في مواد معينة لها مذكرات بأيد الطلاب، ويوضع جَدْوَلُ حصصٍ لكل مدرس ليقوم بتدريس مادته كما لو كان في المعهد.
٢- المتدربون- هم معلمون في مراحل التعليم المختلفة- الثانوي، والإعدادي، والابتدائي، فهم ينقلون ما تعلموه إلى طلابهم في مدارسهم، والذين ينقلون ما يسمعون من أساتذتهم إلى أهليهم وذويهم.
٣- المنهج المقرر يشمل مادة العقيدة، وهذا هدف الجامعة الأول.
والعقيدة الصحيحة المأخوذة من الكتاب والسنة هي أساس كل انطلاق.
ثم مادة التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والنصوص، والتربية، وطرق تدريس المواد الدينية، وطرق تدريس اللغة العربية، ومواد أخرى مساعدة.
- وكما تعلمون جميعاً أن المواد المقررة لا تكفي في حد ذاتها. وإنما الأمر يرجع إلى مدرس المادة وعقيدته ومنهجه وما يريد أن يبلغه إلى الآخرين.
стр. 13581
وزملائي في هذه الدورات التي اشتركت فيها لا أعتقد أن منهجهم يختلف عن هذا المنهج لأنه المنهج الحق الذي يؤمنون به ويدينون الله به قبل كل شيء وهو منهج الجامعة الذي رسمته في أهدافها ونظامها الأساسي، وهو نشر العقيدة السليمة الصحيحة المأخوذة من الكتاب والسنة، والتي سبقنا إلى تطبيقها سلف الأمة.
وقد كان جميع أعضاء الدورة من المدرسين السعوديين إلا في المواد التي لا تخصص لهم فيها، فقد أخذنا من هيئة التدريس بالجامعة.
ومن هؤلاء المشتركين في الدورات جميعاً:
عميد شئون الطلاب الشيخ عوض أحمد سلطان، والدكتور ذيب القحطاني، والشيخ عبد العزيز الصاعدي، والشيخ صالح السحيمي، والشيخ محمد زربان الغامدى، والشيخ سليم الأحمدي، والشيخ راشد الرحيلي والشيخ جبران والشيخ إبراهيم عمير.
وأعتقد أن هؤلاء جميعاً يؤمنون بأن منهج الجامعة الإِسلامية في إبلاغ دعوتها في داخل الجامعة وخارجها هو المنهج الصحيح، وهو دعوة الناس جميعاً إلى الكتاب والسنة، والبدأ أولاً وقبل كل شيء بالعقيدة الصحيحة، وأنهم جميعاً يرفضون ما يسمى بمنهج التجميع، يرفضونه بأسلوبهم في دعوتهم، ولا يلتفتون إلى أي أسلوب آخر يفرض عليهم، يقومون بذلك دون ضجيج أو شعارات ترفع، لأن الغرض هو إبلاغ الحق الذي يؤمنون به إلى الآخرين الذين هم في حاجة إليه، دون نصب رايات لا يعمل أصحابُها غير رَفعها.
стр. 13582
أما عمل هؤلاء داخل الجامعة فيتمثل في القيام بالتدريس وتوجيه الطلاب إلى المنهج الصحيح في العقيدة والسلوك، يوجد أثر ذلك عند طلابهم الذين تلقوا التدريس على أيديهم في مختلف مراحل التعليم في الجامعة، ثم في كتابة من له مشاركة في الكتابة. وأما عملهم لتحقيق هدف الجامعة خارجها فإني مضطر هنا إلى ذكر أمثلة لما حققته هذه الدورات على أيد هؤلاء الإخوة وزملائهم الذين لم يرفعوا لائحات بأعمالهم أمام الآخرين، ولم يتحدثوا بما قدموا إلا لمن سألهم عما وجدوا، وماذا عملوا، وهم لا يحبون ذلك لأنهم لا يريدون من أحد من الناس جزاءً ولا شكوراً.
ولكني أستميحهم عذراً في ذكر ذلك إجابة على أسئلة تكررت كثيراً وذلك لبيان الحقيقة للذين لا يعلمون. (ولذا فإن العنوان الكامل لهذا الحديث هو: (حديث عن الدورات التدريبية وأثرها على المجتمع الذي أقيمت فيه وتحقيقها لأهداف الجامعة الإِسلامية لو كانوا يعلمون) .
فأقول: إن الدورة الأولى عام ١٤٠٠ هـ وأعنى بها دورة نيجيريا- التي اشتركت فيها- لا الدورات في بنجلادش وباكستان التي شارك فيها زميلي في الدراسة من المرحلة الإِعدادية إلى أخذ شهادة الدكتوراه الشيخ ربيع بن هادى المدخلي.
أقول: فقد كان من المشاركين معي في هذه الدورة كما أشرت سابقاً عميد شئون الطلاب الشيخ عوض أحمد سلطان، والدكتور ذيب القحطاني وغيرهما، وقد التحق بهذه الدورة ثلاثمائة معلم، والذين دخلوا الإمتحان ومنحوا شهادة الدورة أكثر من مائتين وثلاثين معلماً.
أما الأعمال التي قام بها الأساتذة في تلك السنة إضافة إلى التدريس فما يأتي:
стр. 13583
١- القيام بخطب الجمعة في الجامع الذي يحضر للصلاة فيه أكثر من أربعة آلاف، إذ يصلون خارج المسجد تحت الأشجار وفي الشمس، حرصاً منهم على سماع الداعية المعروف عندهم أمين الدين أبو بكر، إمَّا لِسَمَاع خطبه أو لترجمته للخطب التي تلقى يوم الجمعة والإخوة هناك ومنهم القاضي نائبي وإلى يلقبونه بالمترجم المشهور.
وهو رئيس جماعة الدعوة والذي عرف العقيدة السلفية. وقرأ كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وترجم مسائل الجاهلية على أشرطة (باللغة الهوا) يتداولها الشباب وتباع في السوق، كما قرأ ما وجده من كتب شيخ الإسلام ابن تيميه، أما شيخه في الحديث كما قال- فناصر الدين الألباني ولم يره-، ثم نبذه للطرق الصوفية بواسطة الشيخ أبى بكر قومي عضو المجلس الأعلى للجامعة وعضو رابطة العالم الإسلامي، وهو الرجل المعروف بمحاربة أصحاب الطرق والخرافات ولازال في محاربتهم إلى الآن.
٢- المشاركة في المحاضرات والندوات التي تقيمها المؤسسة الإِسلامية في قاعة مدرسة العلوم العربية طوال شهر رمضان، وتنقل في الإِذاعة يومياًَ.
٣- إقامة ندوات ومسابقات للطلاب اشترك فيها الدكتور عبد العزيز فاخر، والشيخ عوض أحمد سلطان الشهري، وغيرهما من الأساتذة.
ومما حدث في هذه الدورة أن طالباً صاحب طريقة أرسل للإشتراك في الدورة من أجل إثارة الأسئلة لينقل ما يقال إلى شيخه، وقد جرى النقاش في الفصل حول التوسل فذكر المدرس التوسل المشروع- واستشهد بقول عمر بن الخطاب للعباس في صلاة الإستغاثة-"قم يا عباس فادعوا الله لنا..."الخ. فقال الطالب: يقول رسول الله ﷺ : "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم"فقال له المدرس: لو رجعت لهذا الحديث لوجدته موضوعاً. فقال: هذه طريقتكم، الحديث الذي يصلح لكم تستشهدون به، والذي لايصلح تقولون عنه موضوع.
стр. 13584
ثم ذهب إلى شيخه وقال له ما يشاء- فأرسل الشيخ سكرتيره للإذاعة وسمحوا له فألقى حديثاً قال فيه: إن جماعة من الوهابيين جاءوا لتفريق كلمة المسلمين ولكن بحمد الله فقد كان هذا الحديث منه سبباً من أسباب نجاح الدورة وظهورها، وبيان الحق الذي جاء به المشتركون فيها.
كما تعرف الإخوة في هذه الدورة على الداعية المشار إليه أمين الدين أبو بكر وجرت معه مناقشات حول أسلوب الدعوة، وما الطريق الصحيح الذي ينبغي أن يسلكه الداعية.
وقد وجدنا عنده أكواماً من الكتب تتحدث عن الإسلام عموماً وتدعوا لنصرته، وهي تهتم بما يسمى بالتنظيم والتخطيط والتنفيذ، حتى صار هذا الأسلوب يجري على ألسنة بعض الشباب وهو لا يدري ماذا ينفذ. وكل هذه الكتب تدعو إلى تجميع الناس لا فرق في الدعوة فيها بين من يهتم بالأساس وهو العقيدة الصحيحة وغيره، فكل صاحب طريقة أو تربية والتربية ألطف في التسمية سواءً كان قادرياً أو تيجانياً يمكنهم الدخول في هذه الدعوة إذا تحقق شرط واحد وهو الولاء العام لها.
ومن المصادفة أن الشيخ أمين الدين كان قادرياً، أي يتبع الطريقة المنسوبة لعبد القادر الجيلاني، فهو يعرف أسرارها وما تهدف إليه في دعوتها ولها صولة وجولة وأتباع كثيرون.
وقد حارب هذه الطريقة التي يعرف ضلالها وفسادها ومخالفتها للشريعة الإِسلامية.
стр. 13585
فلما كثرت عنده هذه الكتب التي تدعوا للتجميع، وقد دعم ما تدعوا إليه هذه الكتب، الشخص الذي يحملها إليه، ويحمل كل جديد منها باستمرار، ولا يتأخر عن نيجيريا فهو دائم الأسفار إليها ففي كل ثلاثة أشهر تقريباً يزورها- وقد سألته عن مهمته- فقال: إنه يريد تأسيس مطبعة ودار للنشر- ولكن مضى ثلاث سنوات ولم يوجد أثر لذلك. وقد حاول هذا الرجل إقناع أمين الدين بمهادنة أصحاب الطرق بحجة الحكمة في الدعوة وجمع كلمة المسلمين، ولكن أمين الدين بحمد الله قد أقنعه الإخوة بالدعوة الصحيحة، وهي تُؤدَّى بالحكمة والموعظة الحسنة، لأن بيان الحق لابد منه، وإلا فما معنى الدعوة إذا لم يبيّن الحقُّ من الباطل.
وفي الدورة الثانية وبعد زيارته لنا أعني أمين الدين، ذهبت لزيارته في مسجده فوجدت عنده كتاباً جديداً بكمية لا بأس بها، ولكنه لم يعرف ما فيه إذ لم يقرأه، والكتاب اسمه (تربيتنا الروحية) وقد ذكرت ما فيه من خرافات في مقدمة تحقيقي لكتاب (الرد على الجهمية لابن مندة) وهو مطبوع الطبعة الثانية.
ولقد حملت منه نسخاً هدية له ولطلابه ولبعض الأساتذة الذين تعرفت عليهم.
فتناولت كتاب التربية، وفتحت على ص ٢١٦، ٢١٧ لأنظر هل تنطبق على الطبعة التي نقلت منها قول المؤلف:"إن الكرامة تحدث للمنتسب للطريقة الرفاعية وإن كان فاسقاً..."الخ. فوجدتها كذلك لأنها مصورة.
فأعطيتها لأمين الدين فلما قرأها. وضع يده على رأسه وقال: أنا أعْرفُ بِكذِب الصوفية وخرافاتهم ودجلهم وقد وصلت في الطريقة القادرية إلى رتبة ممتازة عندهم، وقد أنقذني الله منها وقد كنت أضرب الطبل في المسجد للذكر- وهذا من طقوسهم- قال: فأنا إذاً أعود لها مرة أخرى.
следующие страницы →