Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13651–13690 · переход к 13656.
стр. 13651
وكان أكثر أيامه يأتي زمزم ليشرب منها، وخرج إلى الشام في تجارة وهو ابن اثني عشرة سنة فرأى أبو طالب من آيات نبوته ما زاد في الوصايا والحرص عليه من تظليل الشجرة بظلها عليه، وكان حكيم بن حزام قد رآه في سوق حباشة وشري منه بزاً من بز تهامة وطلبت منه خديجة أن يخرج في تجارة إلى سوق حباشة وبعثت معه غلامها ميسرة فخرج فابتاعا بزاً ورجعا إلى مكة فربحا ربحاً حسناً وكان بعد ذلك يرعى غنماً لأهل مكة بقراريط كل شاه بقيراط شهد حرب الفجار وكان يناول عمه النبل وكان عمره يومئذ عشرين سنة ثم أجر نفسه من خديجة سفرتين بقلوصين، وخرج ثانية إلى الشام في تجارة ومعه غلامها ميسرة حتى أتى بصرى، فرآه الراهب وبشر بنبوته فرغبت خديجة أن يتزوجها لما ربحت، فتزوجها بعد شهرين ولها من العمر أربعون سنة وعمره خمس وعشرون سنة على الصحيح وكان الذي سفر بينهما نفيسة بنت أمية أخت يعلة بن أَمية وكان الذي زوج خديجة من النبي عمها عمر بن أسد بن عبد عزى وشهد النبي مع أعمامه حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان، وكان الله قد أعانه وبرأه وحماه من دنس الجاهلين حتى كان يسمى بين قومه (بالأمين) لما اشتهر بين قومه من صدق حديثه. ولما بنيت الكعبة بعد هدم قريش لها سنة ٣٥ من عمره ووصلوا إلى موضع الجحر الأسود اشتجروا فيمن يضع الحجر الأسود مكانه وأرادت كل قبيلة أَن تضعه، واستعدوا للقتال وتحالفوا على الموت ومكثوا على ذلك أربع ليال، فأشار عليهم أبو حذيفة بن المغيرة أن يجعلوا بينهم حكماً أَول من يدخل من باب المسجد.
стр. 13652
فكان أول من دخل رسول الله فلما رأَوه قالوا هذا الأمين رضينا، وأخبروه، فقال:"إلي بثوب"، فأتى بكساء من الشام كان له ﷺ فأخذ الحجر فوضعه بيده فيه وقال ليأخذ كل واحد بطرف من الثوب وليرفعوه، ففعلوا. فصلوات الله وسلامه عليه. هذا ما أحببت جمعه لإخواني وأرجو الله أن يكون خالصاً لوجهه الكريم وبضاعتي مُزجاة، ولست من فرسان هذا الميدان.... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته....
٢
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد خاتم النبيين الذي أرسله الله رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه والتابعين: أما بعد ...
стр. 13653
قلما من الله على عباده بإرسال بعثة محمد، كان لا يري رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح وحبب إليه الخلوة، فكان يخلو بغار حراء فيقيم به الليالي ذوات العدد ثم يرجع إلى أَهله فيتزود لمثلها وبينما هو بغار حراء يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلت من رمضان وله من العمر أربعون سنه جاءه جبريل فقال له: إقرأ فقال: لست بقاريء فضمه حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله فقال: اقرأ قال: لست بقاريء فعل ذلك به ثلاث مرات ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فأخبر بذلك خديجة ﵂ وقال: قد خشيت على عقلي، فثبتته وقالت: أبشر كلا والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكلَّ وتعين على نوائب الدهر، في أوصاف جميلة عددتها من أخلاقه الكريمة تصديقاً له فهي أول صديقة من النساء آمنت. ثم تبدي له الملك بين السماء والأرض على كرسي وثبته وبشره أنه رسول الله حقاً فلما رآه مرق منه وذهب إلى خديجة ﵂ فقال: زملوني زملوني دثروني دثروني فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ .
ثم أمره الله تعالى أن ينذر قومه ويدعوهم إلى الله فشمر ﷺ عن ساق الجد والاجتهاد وقام في طاعة الله أتم قيام يدعو إلى الله تعالى الكبير والصغير والأبيض والأحمر. والنساء. والأسود.
стр. 13654
وكان حائز قصب السبق، عبد الله أبو بكر بن قحافه فآزره وصدقه فيما جاء به ودعا معه إلى الله بصيره فاستجاب لأبى بكر جماعة منهم: عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وكان ﷺ يأتي إلى الكعبة أول النهار فيصلي صلاة الضحى وكانت صلاة لا تنكرها قريش، وكان ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فرادى ومثنى لصلاة العصر ثم نزلت الصلوات الخمس.
فقد أسلم علي بن أبى طالب وزيد بن حارثة بن شرحبيل والعشي وورقه بن نوفل وتمنى لو كان جذعاً وكانت قريش لما بلغهم ما أكرم الله به رسوله راعهم ذلك وكبر عليهم فأبغضوه عند ذلك وعادوه، وتعرضوا لمن آمن به فأخذهم سفهاء أهل مكة بالأذى والعقوبة وصان الله رسوله بعمه أبي طالب لأنه كان شريفاً مطاعاً في قومه لا يتجاسرون على مفاجأته بشيء، وكان من حكمة الله تعالى بقاء أبى طالب على دين قومه لما في ذلك من المصلحة ورسول الله يدعو إلى الله ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً لا تأخذه في الله لومة لائم.
واشتد أذى قريش للذين آمنوا وكانوا يلقونهم في الحر ويضعون الصخرة الشديدة الحر على صدر أَحدهم، ومر أبو جهل الخبيث بسمية أم عمار بن ياسر بن مالك وهى تعذب في الله هي وزوجها ياسر وابنها عمار فطعنها بحربة في فرجها فقتلها. وكان أَبو بكر إذا مر بأحد الموالي وهو يعذب في الله اشتراه وأعتقه منهم بلال وأم حمامه. وعامر بن فهيره وغيرهم.
стр. 13655
وقد اشتد أذى قريش لرسول الله وهموا بقتله فحماه الله، فهموا أن يقتلوه في الزحمة وأحاطوا به وهو يطوف بالبيت ويصلي، فصاح أبو بكر: ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ هذا ما أحببت جمعه لإخواني من صفة مبعث محمد ﷺ الذي كانت سبباً لهداية البشرية وإنقاذها من ظلمات الجهل والظلم والطغيان والوثنية. وأرجو الله أن ينفع بها من قرأها وسمعها وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماًَ كثيراً إلى يوم الدين ...
ولا عِمادَ إذا لم تُرسَ أوتادُ
والبيت لا يُبتَنَى إلا على عُمد
يوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادُوا
فإن تجمَّعَ أوتادٌ وأعمدةٌ
ولا سَراة إذا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
لا يصلحُ الناسُ فوضى لا سَرَاةَ لهم
وإن تولتْ فبالأشرارِ تنقادُ
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
سمع الآذان في القاهرة:
فقال سمعت هذا فوق القمر
رائد الفضاء الأمريكي (نيل أرمسترونج) أول من هبط على سطح القمر أشهر إسلامه. نشرت ذلك الجرائد الماليزية ونقلته عنها بعض الصحف التي تصدر في سيلان.
ذكرت هذه الصحف إن مصر وراء إسلام رائد الفضاء الأمريكي.
стр. 13656
وقصة هذا الخبر تعود بدايتها إلى عدة سنوات عندما كان في زيارة للقاهرة ضمن جولة له حول العالم. وبينما كان رائد الفضاء (نيل أرمسترونج) يتجول في أحياء القاهرة الشعبية سمع أذان الظهر ينطلق من الجوامع، فأصابه الذهول وتساءل وسط دهشته البالغة عن هذا الصوت، فأجابه مرافقوه وهم متعجبون من ذهوله: إنه الأذان الذي ينبه المسلمين إلى الصلاة ولم يجب عليهم رائد الفضاء الأمريكي، واستمر في ذهوله الشديد وسط دهشة المرافقين له. وبعد أيام قليلة ألقى بقنبلة وأعلن لكل من حوله في صراحة ودون تردد أن كلمات الأذان التي رنت في آذانه دون أن يفهمها هي نفس الكلمات التي سمعها عند هبوط أقدامه لأول مرة على سطح القمر ...
وعقب عودته إلى الولايات المتحدة الأمريكية عكف على دراسة الدين الإسلامي دراسة كاملة، وعرف قواعد الدين بالتفصيل. وفي النهاية أعلن إسلامه. وكان من نتيجة هذا الموقف الذي أعلنه رائد الفضاء الأمريكي واعتناقه للإسلام أن تم فصله من عمله في مركز الفضاء ولكنه قال في قوة: "فقدت وظيفتي ولكنني وجدت الله ... "
(الأخبار المصرية)
стр. 13657
اَلْكَعْبَة البَيت الحَرَام
وتطبيقات رسول الإسلام ﷺ
للدكتور عبد العظيم حامد خطاب
أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران: ٩٦، ٩٧) وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (البقرة: ١٢٥- ١٢٦)
وقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة ١٤٤) .
стр. 13658
حَرَّم الله بيته منذ خلق السموات والأرض. وجعله مثابة للناس وأمناً. ومن دخله كان آمناً وحفظه من الآفات. ووضع له الجلالة والقداسة في قلوب الناس. وجعلهم على مختلف العصور يهتمون بأمره ويعنون بشأنه. وفي حرمه ولد خاتم المرسلين. وصارت مكة مهبط الوحي الأمين لآخر الأنبياء. وصار هذا الحرم متجه المسلمين في صلاة آخر الأمم، وخير البشر. وقد عرف نبي الإسلام لهذا البيت قدره فعظمه وأعطاه حقه من الإجلال والخشوع. وطهره حق التطهير وهو آخر الأنبياء الذي يعلن من فوقه توحيد الإله الخالق المستحق للعبادة لتكون مكة أخيراً دار الإسلام وقبلة آخر الأمم. كما سبق لإبراهيم وإسماعيل ﵉ أن أمرا بتطهير البيت والصلاة فيه. ليجمع الله لمصطفاه من البشر بين البداية والنهاية. فهو أول بيت لله. وآخر قبلة في الصلاة. أمرنا بالتوجه إليه إخلاصا لعبادة الله. وإذا كنا نفخر أن الله هدانا إلى يوم الجمعة ليكون عيداً للمسلمين قبل أيام الأمم السابقة. فإن الله بوأ لنبيه محمد ﷺ الكعبة ليتخذها مصلى وقبلة للإسلام دون الأمم.
فلله الحمد أن جعلنا مسلمين. ومن هذه الصفوة التي تابعت هذا النبي الكريم ﷺ .
الكعبة: المسلمون مطالبون في الصلاة أَن يتجهوا نحو جهة مكة. وأهل مكة مطالبون بالاتجاه صوب المسجد الحرام. ومن في داخل المسجد المتعين عليهم استقبال الكعبة ذاتها. يلتفون حولها حلقاً إحاطة السوار بالمعصم. وجعلت سنة دخول المسجد الحرام الطواف سبعة أشواط حول الكعبة.
стр. 13659
والكعبة قديمة سابقه على أَسفار العهد القديم والتوراة. وقد توارث العرب أن أَول من رفع قواعدها إبراهيم ﵇. والكعبة البيت المربع، وجمعه كعاب. كما ذكر ذلك ابن منظور في لسان العرب وقيل سمي البيت كعبة لارتفاعه. وكل بيت مربع فهو عند العرب كعبة. قال ابن سيده، أراه لتربعها [١] وذكر الزبيدي في تاج العروس أن الكعبة البيت الحرام سمي كعبة لارتفاعه وتربعه. إذ الكعب كل مفصل للعظام ناشز فوق القدم [٢] وقيل كعبة لأنها مكعبة الأضلاع. وكان الناس يبنون بيوتهم مدورة تعظيماً للكعبة، وأول من بنى بيتاً مربعاً حميد بن زهير فقالت قريش: ربع حميد بن زهير بيتاً إما حياة وإما موتاً [٣] .
وذكر البتانوني في الرحلة الحجازية، البيت هو الكعبة المكرمة على شكل مربع زواياه إلى الجهات الأربع حتى تتكسر عليها تيارات الهواء لكيلا يؤثر ضغط الرياح على كتلتها. وهذه بعينها القاعدة التي بنيت عليها أهرامات مصر، وصارت محل إعجاب علماء العمارة إلى الآن [٤] وقالوا: "بكة"موضع البيت ومكة القرية أَو الحرم كله. ومن أسماء مكة: مكة وبكة وأم رحم. وأم القرى. والبلد الأمين. والباسَّة والبيت العتيق. والحاطمة والناسّة [٥] .
стр. 13660
الجانب التاريخي للحرم: أَما بداية بناء الكعبة فغير معروف على التحقيق غير أَن هناك روايات تبين أن الكعبة ترجع تاريخياً إلى آدم. أَو ربما إلى ما قبل آدم أبو البشر. فقد ذكر الأزرقي رواية عن محمد بن على بن الحسين يذكر فيها إن الله جعل تحت العرش البيت المعمور، فطافت به الملائكة، وبعث الله الملائكة. فقال: ابنوا لي بيتاً في الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله تعالى من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور [٦] فتكون الملائكة هي التي بنت البيت الحرام وأنها طافت به قبل آدم. فقد ذكر المسعودي المؤرخ أنه قيل لآدم ايت الكعبة فطف بها، فمشى إليها فتلقته الملائكة بالابطح فقالوا له: حياك الله يا آدم، لقد طفنا قبلك هذا البيت بألفي عام [٧] وبعض الروايات الأخرى تذكر أن آدم أول من طاف بالبيت لأنه هو الذي بناه أولاً بمعونة الملائكة. فقد ذكر الأزرقي في رواية عن ابن عباس أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به آدم. وأن آدم بناه من خمسة أجبل بمعونة الملائكة. وساق رواية أخرى عن ابن عباس أيضاً أنه لما أهبط الله آدم ﵇ إلى الأرض من الجنة، كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض فطأطأ الله منه إلى الأرض ستين ذراعاً. فقال:"يارب. مالي لا أسمع أصوات الملائكة ولا حسهم". قال:"خطيئتك يا آدم. ولكن اذهب فابن لي بيتاً فطف به واذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي". فانتهى إلى مكة وبنى البيت الحرام وأن جبريل ﵇ ضرب بجناحه الأرض فابرز عن أس ثابت في الأرض السفلي فقذفت الملائكة الصخر وما يطيق الصخرة ثلاثون رجلاً. وبهذا يكون من أسس البيت وصلى فيه آدم علية السلام [٨] .
стр. 13661
وإذا وضعنا في الاعتبار قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ فلابد أن يكون لهم قبلة يتجهون إليها في عبادتهم لله وحده. من أول يوم على الأرض. ولا نتصور عبادة بلا اتجاه أو بيت معبود.
وذكر اليعقوبي في تاريخه أن آدم لما أهبط إلى الأرض تلقى من ربه كلمات فتاب عليه وهدي. واجتباه وأمره أن يبنى له بيتاً. فصار إلى مكة وبنى البيت [٩] وروى عبد الملك بن هشام عن وهب بن منبه: "إن آدم عندما تاب الله عليه، أَنزل عليه صحيفة نزل بها جبريل يأمره بالمسير إلى البلد الحرام، ويبني البيت العتيق، وأن جبريل دَلّه على المكان فبنى آدم البيت وتعينه حواء. وقال: هذا منسك لك ولولدك من بعدك، فأول أثر على وجه الأرض مكة والبيت قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ ثم أمره بالمسير إلى البلد المقدس فأراه جبريل كيف يبنى بيت المقدس فعاونه أبناؤه في بنائه" [١٠] .
ولم تزل العرب تعظم موضع البيت بعد أن أزاله الطوفان وصار موضعه أكمة حمراء [١١] .
وذكر الطبري في تفسيره عن قتادة قال:"ذكر لنا أن البيت أهبط مع آدم حين هبط إذ قال الله له: أهبط معك بيتي يُطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين. حتى إذا كان زمان الطوفان حين أغرق الله قوم نوح رفعه وطهره ولم تصبه عقوبة أهل الأرض. فتتبع منه إبراهيم أثراً فبناه على أَساس قديم كان قبله" [١٢] كما ذكر الطبري أيضاً في تاريخه:"أن البيت حين أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي أساسه فبوأه الله لإبراهيم فبناه" [١٣] .
стр. 13662
أما الاختلاف في أول من بنى الكعبة فيوضحه البدر العيني فقال:"أول من بناها الملائكة". وقيل آدم ذكره ابن إسحاق وقيل أول من بناها شيث ﵇ وكان في عهد آدم البيت المعمور فرفع. وقيل بل رفع وقت الطوفان [١٤] ثم أورد العيني رواية البخاري عن إبراهيم التميمي عن أبيه قال:"سمعت أبا ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله أَي مسجد وضع في الأرض أول. قال، المسجد الحرام. قلت، ثم أي. قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما.؟ .. قال: أَربعون سنة. ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فإن الفضل فيه" [١٥] . قال ابن الجوزي:"فيه إشكال لأن إبراهيم بنى الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس وبينهما أَكثر من ألف سنة". والجواب عنه ما قاله القرطبي:"إن الآية الكريمة ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ والحديث السابق لا يَدُلاّن على أن إبراهيم وسليمان ﵉ ابتدأ وضعهما بل كان تجديداً لما أسس غيرهما. وقد روي: أول من بنى البيت آدم وعلى هذا فيجوز أن يكون غيره من ولده رفع بيت المقدس بعده بأربعين عاماً. ويوضحه ما ذكره ابن هشام في كتاب التيجان أن آدم لما بنى البيت أَمره جبريل ﵇ بالمسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه. قال ابن كثير: أول ما جعله مسجداً إسرائيل (يعقوب) وإنما أمر سليمان بتجديده وإحكامه لا أنه أول من بنى" [١٦] .
стр. 13663
إبراهيم وبناء البيت: يشهد القرآن الكريم بأن إبراهيم حين اسكن ذريته في مكة قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (سورة إبراهيم/ ٣٧) وذلك قبل بناء الكعبة على يديه وإسماعيل ﵉ عندما بلغ إسماعيل الثلاثين. كما تذكر الروايات التاريخية. ويذكر الله تعالى بناء إبراهيم للكعبة بقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ والقواعد جمع قاعدة. وقواعد البيت أساسه.
وقد اختلف أهل التأويل في القواعد أهما أحدثا ذلك. أم هي قواعد كانا قبلهما؟.وعن ابن عباس أنها كانت قواعد البيت قبل ذلك [١٧] والبعض يقول بأنه بنى البيت ابتداءً. ويعلل لنا الأزرقي هذا الاختلاف بأن مكان البيت القديم كان قد خفي واندرس من الغرق الذي جاء به الطوفان فيما بين نوح وإبراهيم ﵉. ولكن كان موضعه أكمة حمراء لا تعلوها السيول. غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك. ولكنهم لا يتثبتون موضعه [١٨] وتأييداً لهذا ذكر المسعودي أنه كان في موضع البيت ربوة حمراء أمر إبراهيم ﵇ هاجر أن تتخذ عليه عريشاً يكون مسكناً لها [١٩] ثم أمر الله إبراهيم أن يبنى الكعبة. ويؤذن في الناس بالحج. ويريهم مناسكهم. فبنى إبراهيم حتى انتهى إلى موضع الحجر فنادى إبراهيمَ أبو قبيس: إن لك عندي وديعة فأعطاه الحجر الأسود فوضعه وأذن في الناس بالحج [٢٠] .
стр. 13664
وكان إبراهيم ﵇ منذ أسكن ذريته في هذا الموضع يزور ابنه إسماعيل. فلما شاهد اجتماع الناس بنى البيت بأمر الله له. ولما شهد قيام البلد الذي كان يرجو قيامه حول البيت واطمأن إلى أن عمله قد آتى ثماره قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ... ﴾ [٢١] .
وعامة كتب التاريخ والتفاسير تشير إلى بناء إبراهيم للبيت وتفصيله فلا حاجة إلى إيراد مثل تلك التفصيلات ولكن لا بأس بإيراد رواية الطبري المختصرة فقد ذكر أن إبراهيم ﵇ لما جاء المرة الثالثة لإسماعيل في مكة كان إسماعيل يصلح نبلاً له من وراء زمزم. فقال إبراهيم:"يا إسماعيل إن ربك قد أمرني أن أبني له بيتاً. فقال له إسماعيل:"فأطع ربك فيما أمرك". فقال إبراهيم:"قد أمرك أن تعينني". فقال:"إذا أفعل". فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجر. ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم فجعل إسماعيل يناوله الحجر فلما فرغ إبراهيم أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج [٢٢] .
стр. 13665
قضية تحريم مكة: كانت مكة محرمة منذ خلق الله السموات والأرض. ولكن قال بعض المفسرين:"كان الحرم المحيط بمكة حلالاً. قبل دعوة إبراهيم ﵇ كسائر البلاد. وإنما صار حرماً بتحريم إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ كما كانت مدينة الرسول حلالاً قبل تحريم رسول الله ﷺ . وتحريم المدينة إنما كان قبل توجه الرسول ﷺ إلى بدر فقد صلى عند بيوت السقيا ودعا يومئذ لأهل المدينة فقال:"اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك دعاك لأهل مكة وإني محمد عبدك ونبيك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم. اللهم حبب إلينا المدينة واجعل ما بها من الوباء بُخمْ. اللهم إني حرمت ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم خليلك مكة " [٢٣] .
قال ابن جرير الطبري:"الصواب أن الله تعالى ذكره. جعل مكة حراماً حين خلقها وأنشأها كما أخبر النبي ﷺ في خطبته عند فتح مكة كما سوف نفصله إن شاء الله. وأن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله.. فلم تزل كذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله. وأسكن بها أهله وولده إسماعيل. فسأل حينئذ إبراهيم الله إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه أو لأن إبراهيم علم تحريمها [٢٤] وقد أورد ابن كثير قولاً في هذا الاتجاه أن أبا شريح الخزاعي قال:"قام رسول الله ﷺ يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي حين تكلم به أنه حمد الله وأثنى عليه وقال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ... " [٢٥] .
стр. 13666
فالبقعة حرام ما في ذلك شك. والتبرير الذي ساقه الطبري مقبول. فالمكان كان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض. ويدعو عنده المكروب. فقل من دعا هنالك إلا استجيب له. وكان الناس يحجون موضع البيت حتى بوأ الله مكانه لإبراهيم لما أراد عمارة بيته وإظهار دينه وشرائعه. فلم يزل المكان منذ أهبط الله آدم إلى الأرض معظماً محرماً [٢٦] .
وقد ذكر النويري أن النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فتعبد بها ومن معه من المؤمنين حتى يموت. فمات بها نوح وهود وصالح وشعيب وقبورهم بين زمزم والحجر. وعن مجاهد:"حج موسى النبي على جمل أحمر فمرّ بالروحاء عليه عباءتان قطوانيتان متزر بإحداهما مرتدياً بالأخرى. فطاف بالبيت ثم سعى بين الصفا والمروة ".
وعن ابن عباس ﵄:"لقد سلك فَجّ الروحاء سبعون نبياً حجاجاً عليهم لباس الصوف مخطمي إبلهم بحبال الصوف. ولقد صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً ". وعنه:"عن الرسول ﷺ لقد مر بهذا الفَجّ (فج الروحاء) سبعون نبياً على نوق حمر خطامها الليف لبوسهم العباء وتلبيتهم شتى " [٢٧] .
وروي الحافظ أبو يعلى عن ابن عباس قال:"حج رسول الله ﷺ فلما أتى وادي عسفان قال: يا أَبا بكر، أي واد هذا. قال: هذا وادي عسفان. قال: لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر، خطمهم الليف وأَزرهم العباء وأرديتهم النمار يحجون البيت العتيق " [٢٨] . ومعروف أن نوحاً وهوداً كانا قبل إبراهيم ﵈. ويذكر ابن كثير:"أن قبر نوح ﵇ بالمسجد الحرام وليس في كرك نوح بالشام كما يقال" [٢٩] .
стр. 13667
ومن هنا يمكن القول بأن البيت الحرام كان موجوداً قبل بنائه على يد إبراهيم خليل الرحمن. وأن هذا البيت كان قد جرت عليه أحداث غيرت من طبيعته. وأخفت مكانه فكان من رحمة الله بعباده أن أمر خليله ببناء البيت ورفع قواعده. وظلت قداسة البيت أمراً مسلماً به لا خلاف عليه من أهل مكة وأهل البادية. ورغم تفشى عبادة الأوثان في سواد القبائل العربية المحيطة بمكة. فإنه لم يرد عنهم أنهم عبدوا هيكل الكعبة. ولم يعبدوا الحجر الأسود رغم تسليمهم بقدسيته واحترامه ومكانته حتى كادوا يقتتلون على من هو أولى بوضعه في مكانه. حين تدخل الرسول قبل البعثة فأقترح وضعاً حقن برأَيه هذا الدماء فأشرك القبائل في شرف حمله ووضعه ﷺ في مكانه.
وكانت العرب لا تقسم بالكعبة أو بالحجر الأسود. وإنما تقسم برب الكعبة. وهكذا استجاب الله لخليله حين دعاه بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ لم يتخذ البيت عمارة إبراهيم وإسماعيل صنماً يعبدونه وظلت مكانته مرموقة فأعاد قصي بن كلاب في القرن الثاني قبل الهجرة بناءه وبنته قريش قبل المبعث واشترك الرسول في أمره [٣٠] .
الرسول يراعي حرمة مكة: ظلت الدعوة في مكة. كان الرسول خلال ثلاثة عشر عاماً يؤمر بالصبر. قال الله تعالى له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (الأحقاف: ٣٥) ولم يشرع القتال في مكة لمقامها الذي يعرفه من حرمها من أول يوم. حتى أن الرسول بعد بيعة العقبة الثانية أنذر به الشيطان (هل لكم في مذمم والصبأة معه قد اجتمعوا على حربكم) قال الرسول لمن بايعوه تلك البيعة الأخيرة:"أرفضوا إلى رحالكم". قال العباس بن عبادة بن نضلة:"والله الذي بعثك بالحق: إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا؟. قال له الرسول ﷺ : لم نؤمر بهذا، ولكن ارجعوا إلى رحالكم" [٣١] .
стр. 13668
ولما استقر الإسلام في المدينة وأذن الله بالقتال للمسلمين بقوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٣) حرص الرسول ﷺ على قتال قريش خارج الحرم فرسول الله أعلم بالله وبحدوده وبما أحل وما حرم. علم قدر مكة فلم يأتها غازياً. مكة التي شنت الحرب عليه ثلاث مرات بدر وأحد والخندق والتي ألبت عليه وعلى المسلمين فأصاب المسلمين خلال ذلك ما أصابهم فلم يورثه ذلك ثورة على مكة ولا ضغينة على حرمها. وإنما قدرها. نلمس ذلك من مواقف في سيرته ﷺ . نذكر منها على سبيل الاختصار:-
١- تعظيم أمر مكة في الحديبية: خرج ﷺ من المدينة بمن معه هلال ذي القعدة من السنة السادسة. وحرص أن لا يكون معه إلا سلاح المسافر السيوف في القرب [٣٢] وساق هديه. يقول ابن هشام:"خرج معتمراً لا يريد حرباً وهو يخشى من قريش أن يرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت وساق الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له [٣٣] .
وفي رواية عن عروة بن الزبير. عن مسور ابن مخرمة. ومروان بن الحكم. أنهما حدثاه فقالا: "خرج رسول الله عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً [٣٤] وكما ساق الهدي ساق أهل القوة الهدي: أبو بكر الصديق وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن عبادة ساقوا جميعاً هدياً مع هدي رسول الله ﷺ .
стр. 13669
ولما كان بعض الصحابة والعرب يخشون قريشاً ويخافون أن يقاتلوا المسلمين قال عمر بن الخطاب ﵁:"أتخشى يا رسول الله علينا من أبي سفيان بن حرب وأصحابه ولم نأخذ للحرب عدتها؟ "فقال الرسول:"ما أدري. ولست أحب حمل السلاح معتمراً ". وقال سعد بن عبادة:"يا رسول الله لو حملنا السلاح معنا، فإن رابنا من القوم ريب كنا معدين لهم". فقال رسول الله:"لست أحمل السلاح إنما خرجت معتمراً " [٣٥] .
وأرسل رسول الله ﷺ من ذي الحليفة بسر بن سفيان الكعي الخزاعي. وقال له: "أن قريشاً قد بلغها أني أريد العمرة. فخَبّر لي خبرهم ثم القني بما يكون منهم" [٣٦] . وكان ﷺ يأمل أن تستجيب قريش للاتجاه السلمي فلا يعرضوا له بسوء أو بقتال رعاية لحرمة مكة، التي لا يريد فيها قتالاً بل سلاماً وأمناً. وتقدم أمامهم بسر بن سفيان حتى دخل مكة فسمع من كلامهم ورأى ما رأى منهم ثم رجع فلقي رسول الله بغدير الاشطاط من وراء عسفان فلما رآه الرسول قال:"يابسر ما وراءك" قال:"يا رسول الله تركت قومك: كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد سمعوا بمسيرك ففزعوا، وهابوا أن تدخل عليهم عنوة. وقد استنفروا الأحابيش ومن أطاعهم، معهم العُوذ المطافيل [٣٧] . وقد لبسوا لك جلود النمور ليصدوك عن المسجد الحرام، وقد خرجوا إلى بلدح وضربوا بها الأبنية وتركت عمادهم يطعمون الجزر أحابيشهم ومن ضوى إليهم في دورهم. وقدموا الخيل عليها خالد بن الوليد في مائتي فارس. وهذه خيلهم بالغميم وقد وضعوا العيون على الجبال ووضعوا الأرصاد " [٣٨] .
стр. 13670
ورغم أن الرسول ﷺ كان يعلم تصلب قريش وإصرارهم على حميتهم الجاهلية وتماديهم في باطلهم إلا أنه رأى أن يظهر السلم فيتحول عن طريق طليعة المشركين قائلاً: يا ويح قريش قد أَكلتهم الحرب وماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب. ثم قال:"فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة أي صفحه عنقه ﷺ " [٣٩] . كما قال أيضاً:"أَنا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وإن قريشاً قد أنهكتهم الحرب فأضرت بهم فإن شئت ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس " [٤٠] .
ثم قال الرسول:"هل من رجل يخرج بنا على غير طريقهم" فسلك بهم رجل من أَسلم طريقاً وعراً أجرلّ بين شعاب [٤١] انتهى إلى أَرض سهلة حتى إذا سلك ثنية المرار وقفت يدا راحلته ﷺ على ثنية تهبط على غائط القوم فبركت ناقته [٤٢] فقال الناس:"خَلأت القصواء". قال الرسول:"ما خَلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها" [٤٣] وذكر ابن حجر أن من تعظيم الحرمة ترك القتال [٤٤] .
стр. 13671
ولو أن بعض الآراء تذهب إلى أن هذا القول معناه أنى إن دخلت مكة على رغم قريش وقع قتال أفضى إلى سفك الدماء. إذ علم الله أنه سيدخل في الإسلام منهم خلق ويستخرج من أصلابهم ناس يجاهدون في سبيل الله [٤٥] إلا أننا يمكن أن نضيف أمراً هاماً فإذا نظرنا إلى الربط بين حبس الفيل وحرمة البيت. ثم حبس الناقة لحرمة البيت انتهينا إلى أن هذا مقصوده. ثم إبداء هذه صراحة من الرسول بأنه يرضى بأي خطة فيها تعظيم أمر مكة وحرمها وإجلال البيت وحفظ مهابته. ومنع القتال فيه. وقيل أن منع أَصحاب الفيل ومنع أصحاب الناقة مع اختلاف مقاصدهما هدفه منع القتال مطلقاً [٤٦] ومن ثم يظهر لنا الرسول ﷺ إنما تعمد عدم حمل السلاح معه حتى لا يتمادى الأمر، رغبة في السلم وإيثاره. صحيح أن الرسول لما أشيع مقتل عثمان بن عفان الذي بعثه ليعلن لهم احترام الرسول لمكة ومسالمته لها، ومقتل من دخل مكة من المسلمين. أخذ البيعة على أصحابه بأن لا يفروا وأعد نفسه للقتال الذي لا مناص منه إذا اضطرته قريش إلى ذلك بقتل هؤلاء. ولكن سرعان ما تحول عن رغبته في المقاتلة عند البيت لما علم بكذب هذه الإشاعة. فحفظ للبيت حرمته التي جعلها الله له.
ولدينا دليل آخر من حفظ الحرمة ورعاية مكة، أنه أمر بإطلاق من حاولوا الإعتداء على معسكر المسلمين. وكانت قريش قد بعثت نحواً من أربعين أو خمسين رجلاً ليطيفوا بمعسكر المسلمين رجاء أن يصيبوا منهم أَحداً، أو يصيبوا منهم غِرّة فأخذهم محمد بن مسلمة وأصحابه من حراس معسكر المسلمين. فجاء بهم إلى الرسول فعفا عنهم وخلى سبيلهم [٤٧] .
стр. 13672
وقد مَنّ الله على نبيه لهذه الحادثة فقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ (الفتح، ٢٠، ٢٤) أي أن الله كف الأيدي عن القتال في الحرم. وصان الفريقين بأن أَوجد صلحاً. ولذا قال الرسول حين أمر بإطلاق المعتدين، أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناؤه [٤٨] . قال الشوكاني:"كف أيدي الناس عنكم يعني منع أهل مكة أن يستحلوا حرم الله أو يستحل بكم وانتم حُرُم ولتكون آية للمؤمنين أي سنة لمن بعدكم [٤٩] أي لمراعاة حرمة مكة والبيت.
فلما قدم سهيل بن عمرو. واصطلح مع رسول الله على صلح الحديبية مع ما فيه من شروط ظاهرها قاس على المسلمين: ومنه أن لا يعتمروا ذلك العام والحرم على مَدّ البصر. ومن يأتي إلى المسلمين بغير إذن وليه: عادوه لقريش. ورفض سهيل أَن يوافق على كتابة بسم الله الرحمن الرحيم أَو محمد رسول الله. وإنما كتب باسمك اللهم ومحمد بن عبد الله وثب عمر بن الخطاب. فقال:" يا رسول الله ألسنا بالمسلمين؟ ". قال رسول الله:" بلى"قال:"فعلام نعطي الدنية في ديننا"، فقال رسول الله ﷺ :"أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني". فلما سمع منه أبو بكر مقالته قال: "يا عمر الزم غَرْزَه- أي أَتبع أمره- فإني أشهد أنه رسول الله وأن الحق ما أَمر به ولن يخالف أَمر الله ولن يضيعه الله" [٥٠] .
стр. 13673
فرسول الله نظر إلى حرمات الله وتعظيم مكة والكعبة ولم يرد أن يسفك دما وقَبلَ ما كان يعتبر في نظر المسلمين قاسياً شديداً. ولكن ظهر أن ذلك الصلح كان خيراً وبركة على المسلمين وكان فتحاً مبيناً. وأن الأمر أمر تعظيم حرمات الله وأن النصر بيد الله فطابت نفوس المسلمين جميعاً.
ب- في عمرة القضاء: كانت هذه العمرة قصاصاً لعمرة الحديبية التي حال المشركون دون إتمامها وتطبيقاً لشروط صلح الحديبية وهي أن لا يدخل مكة عامه هذا فإذا كان عام قابل دخل فيقيم بمكة ثلاثة أيام ليس معه إلا سلاح الراكب: السيوف في القُرُب. وقد وفى ﷺ بشرطه لهم فلم يدخل عليهم السلاح الذي أحضره معه تنبيهاً للسفهاء ومن ينقضون عهدهم فأبقاه ببطن يأجج مخافة الغدر [٥١] ولكن قريشاً بلغها ضعف المسلمين أو هكذا تفشت قالة السوء بأن المسلمين أوهنتهم حمى يثرب. وبدأ فيهم الضعف. علم ذلك رسول الله فأراد أن يسد هذه الثغرة، فلعل ضعاف النفوس ينتهزون فرصة للقتال داخل الحرم. فلما أقبل ودخل المسجد. وقفت قريش تنظر قوة المسلمين. فأضطبع الرسول بردائه. ثم قال:"لا يرى القوم فيكم غميزة" [٥٢] . وذكر ابن هشام أنهم صفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه فلما دخل رسول الله إضطبع بردائه وأخرج عَضُده اليمنى ثم قال:" رحم الله امراً أراهم اليوم من نفسه قوة". ثم استلم الركن ثم خرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا وآراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها. ثم مضت السنة على ذلك. [٥٣] وذكر ابن كثير عن ابن عباس أنه ﷺ قال للمسلمين معه:"ارمُلوا [٥٤] ليرى المشركون قوتكم.."كما قال:"اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف ليرى المشركون جلدهم وقوتهم ... " يقول ابن عباس:"وكان يكايدهم ﷺ بكل ما استطاع فاستكف أهل مكة" [٥٥] .
стр. 13674
فكان إظهار القوة والجلد والحركة سبباً لعزة المسلمين ومنعتهم فلم يجرؤا أي قرشي أن يعرض لهم بسوء. وقالت قريش:"ما يرضون بالمشي أما إنهم لينفرون نَفرَ الظباء" [٥٦] . فكأن الرسول أراد بإظهار القوة سد الذريعة حتى تنفذ قريش شروط الأمان في بلد الله الحرام. وحذرهم بما أعد من قوة وسلاح من التعرض له ودعاهم بلسان الحال إلى الكف عما ينتوونه من سوء الفعل وهو التعرض لحرمة البيت الآمن.
وبقي الرسول بمكة فلما كان عند ظهر يوم الرابع أتى سهيل بن عمرو وحويطب ابن عبد العزى ورسول الله صلى الله عديه وسلم في مجلس من مجالس الأنصار يتحدث مع سعد بين عبادة، فصاح حويطب قد انقضى أجلك فاخرج عنا. فقال النبي:"وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم [٥٧] . فصنعت لكم طعاماً "؟. فقالا:"لا حاجة لنا في طعامك أخرج عنا. ننشدك الله يا محمد والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا فهذه الثلاث قد مضت". فغضب سعد بن عبادة لما رأى من غلظة كلامهم للنبي صلى الله عديه وسلم. فقال لحويطب:"كذبت لا أم لك، ليست بأرضك ولا أرض أبيك والله لا يبرح إلا طائعاً راضياً. فتبسم رسول الله. ثم قال:"يا سعد لا تؤذ قوماً زارونا في رحالنا". وأسكت الرجلان عن سعد ثم أمر ﷺ أبا رافع بالرحيل قائلاً:"لا يمسين بها أحد من المسلمين" [٥٨] .
هكذا ضبط النبي ﷺ أمر المسلمين والتزم بعهده وعقده شأنه دائماً. وأقر الأمن والأمان بمكة ليكون دليلاً آخر على معرفته ما لهذا الحرم من جليل القدر.
стр. 13675
جـ-في فتح مكة: إذا أردنا أن نلخص مسلك النبي ﷺ عندما رغب في فتح مكة لمعرفة مدى احترامه لحرمة هذا البلد وجدنا أنه ما جاء إليها إلا بعد أن نقضت عهدها، بأن أعدت عدواناً غاشماً من بني بكر على بني كعب من خزاعة. بتعضيد من كبار القرشيين. فلما استُنصر ﷺ وعد بالنصر وبدأ يستعد. ولكنه حرص على إخفاء وجهته. ثم وضع الحرس على أنقاب المدينة حتى لا تشعر قريش باستعداده لها. فلما نزل بقرب مكة وأخذ أبو سفيان ورفقته. طلب أبو سفيان الأمان لأهل مكة فأعطاه الأمان العام. ونودي به في أنحاء مكة. كل ذلك حرصاً على أن لا تكون هناك مجابهة ولا يقع قتال. وقد كان.
فإذا انتهينا من التلخيص إلى التفصيل وضح لنا حقيقة التعظيم لحرمة مكة فحين عزم على المسير لقريش دعا ربه فقال:"اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها لي بلادها" أو قال:"اللهم خذ على قريش أبصارهم فلا يروني إلا بغتة ولا يسمعون بي إلا فجأة" [٥٩] ثم أمر أهله أن يجهزوه وأن تخفى جهازه [٦٠] . فدخل أبو بكر ﵁ على عائشة وهى تعمل قمحاً سويقاً ودقيقاً وتعد تمراً. قال: "أي بنية أأمركم رسول الله أن تجهزوه". قالت:"نعم فتجهز". قال:"فأين ترين يريد". قالت:"لا والله ما أَدرى". فلما دخل ﷺ قال له:"أين تريد يا رسول الله". قال:"قريشاً. وأخْفِ ذلك يا أبا بكر". قال:" أو ليس بيننا وبينهم مدة " [٦١] . قال:"أنهم غدروا ونقضوا العهد فأنا غازيهم. أَلم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟ ". ثم قال له:"واطو ما ذكرت لك" [٦٢] .
стр. 13676
ثم إن الرسول أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ [٦٣] . وأخذ رسول الله بالأنقاب [٦٤] . فكان عمر بن الخطاب ﵁ يطوف على الأنقاب قَيمّا لهم يقول:"لا تدعوا أحداً يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه". وكانت الأنقاب مُسَلَّمة الأمن سلك إلى مكة أو ناحيتها فإنه يتحفظ به ويُسأل عنه [٦٥] . وعندما كتب حاطب بن أبى بلتعة إلى قريش يخبرها بأمر الرسول وأعطى كتابه لامرأة من مزينة قال لها:"إخفيه ما استطعت فجعلته في رأَسها ثم فتلت عليه قرونها. ثم قال لها: "لا تمري على الطريق فإن عليها حرساً فسلكت على غير نقب حتى لقيت الطريق بالعقيق" [٦٦] . وأَتى رسول الله الخبر من السماء بما صنع حاطب فأمر علي بن أبي طالب والزبير بن العوام أن يدركا المرأة فأدركاها بروضة خاخ [٦٧] . فاستخرجا منها الكتاب وعادا به. ورغم أن الرسول قبل اعتذار حاطب فإن القرآن نزل ينبه على هذا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [٦٨] . ومما يدل على شدة التحذير من إبلاغ قريش استئذان عمر بن الخطاب الرسول في قتل حاطب لمخالفته فلم يأذن له لأنه من أهل "بدر"وهم من غفر الله لهم [٦٩] .
والهدف من الدعاء والإخفاء أن لا يصل إلى قريش أَنباء الإستعداد وقدوم المسلمين إليهم فَيُعِدوا للأمر عدته من الرجال والسلاح فيشتد الأمر وتقع ضحايا من الفريقين فتتأثر بذلك حرمة مكة. فكأن الرسول يريد بذلك تقليل الخسائر إلى أدنى حد. وحتى تضطر قريش إلى التسليم فيحقق الرسول مراده.
стр. 13677
وقد حدثت المفاجأة باقتراب الرسول ﷺ وكثرة من معه من الرجال والسلاح حتى بلغ مَر الظهران [٧٠] . ولم يكن قد وصل عن مسير رسول الله إلى قريش شيء. فأمر ﷺ أَصحابه أن يوقدوا ناراً فأوقِدَت عشرة آلاف نار لتحدث المفاجأة والمباغتة فيرهبهم ويخوفهم بالكثرة. وكان الرعب قد سيطر على قريش منذ خابت وساطة أَبى سفيان ليشفع عند الرسول في منع الحرب فأجمعوا أن يبعثوا أبا سفيان نحو المدينة فلعله يلقاه. وقالوا له:" أن لقيت محمداً فخذ لنا جواراً إلا أن ترى رقة في أصحابه فآذنه بالحرب"، وهم يظنون أن لديهم من الوقت ما يسمح بالإستعداد. وفيما كان أبو سفيان يسير بالقرب من مكة ومعه رفقه له إذا هم يرون عشرة آلاف نار في فحمة الليل وكثرة الأبنية والعسكر. وسمعوا صهيل الخيل ورغاء الإبل ففزعوا وبينما هم كذلك إذا بالعباس بن عبد المطلب ينادى أَبا سفيان:"يا أبا حنظلة ". فقال أبو سفيان:"لبيك أبا الفضل ما وراءك ". قال العباس:"هذا رسول الله في عشرة آلاف من المسلمين. لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب عجز هذه البلغة حتى أستأمنه لك" [٧١] . وأخَذَ رفيقيه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فانتهى بهم إلى رسول الله ﷺ فكان إسلامهم [٧٢] . فلما طلب العباس أن يجعل الرسول لأبى سفيان شيئاً يفخر به على الناس بمكة. قال:"من دخل دار أَبى سفيان فهو آمن. ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن" [٧٣] . وعفا رسول الله عن أهل مكة وأعلن لهم الأمان الذي طلبوا بعد أن حاربوه وألبوا عليه فلما قدر عليهم أعلن أمان الله في حرم الله. لما يعرف لهذا البلد من الحرمة. وود أن لا يقع قتال. فأراد قبل أن ينصرف أَبو سفيان إلى أهل مكة ليبلغهم أمان الله ليكون على ثقة بعدم جدوى المقاومة أو رفع السلاح. أراد الرسول أن يُرى أبا سفيان خيل الله وعدة المسلمين وعددهم وراياتهم فأمر العباس أن يحبس أبا سفيان في
стр. 13678
مضيق الوادي حتى تمر به جنود الإسلام فيراها [٧٤] . فلما لحق به العباس وحبسه عن المسير في المضيق قال أبو سفيان:"أغدراً بنى هاشم ". فقال العباس:"إن أهل النبوة لا يغدرون ولكن لي إليك حاجة". فقال أبو سفيان:"فهلا بدأَت بها أولاً "؟. قال العباس:"لم أكن أراك تذهب هذا المذهب حتى ترى جند الله " [٧٥] .
ومرت القبائل المسلمة على راياتها ومر رسول الله في كتيبته الخضراء. فقال أبو سفيان:"ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط ولا خَبرنيه مُخَبرّ. سبحان الله ما لأحد بهذا طاقة ولا يدان ". ثم قال للعباس:" لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً ". قال العباس:"ويحك يا أبا سفيان ليس بملك ولكنها نبوه ". قال:"نعم.."ثم قال العباس:" فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم ". فتقدم أبو سفيان الناس كلهم فدخل مكة فأعلن في أرجائها:"هذا محمد في عشرة آلاف عليهم الحديد وقد جعل لي من دخل داري فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن طرح السلاح فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن". وجعل يصرخ في مكة:"يا معشر قريش إنه جاءكم بما لا قِبلَ لكم به. رأيت الرجال والكراع والسلاح فلا لأحد بهذا طاقه" [٧٦] .
ونظم رسول الله ﷺ جيشه ليدخل مكة من كل أقطارها ودخل هو من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة [٧٧] . لا فخرَ ولا زهوَ ولا خيلاء وقد أعلى الله كلمة الإسلام وصارت مكة بين يديه خاضعة لأمره. روي أنه ﷺ وضع رأسه تواضعاً لله، لما رأى من إكرام الله به من الفتح. حتى أن رأسه لتكاد تمس رحله شكراً لله. وخضوعاً لعظمته أن أحل الله له بلده. ولم تحل لأحد قبله ولا لأحد بعده [٧٨] . ومع ما أحل له، رفض قولة سعد بن عبادة لأبى سفيان:"اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة" [٧٩] . فقال الرسول:"اليوم يوم المرحمة اليوم يُعَزُ الله قريشاً" [٨٠] . وفي رواية أخرى: "كذب سعد: هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة" [٨١] .
стр. 13679
وقد كان رسول الله ﷺ عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من يقاتلهم. غير أنه أهدر دم نفر سماهم [٨٢] . فلما دخل نظر ﷺ إلى البارقة فقال:" ما هذا..؟ وقد نهيت عن القتال". فقالوا:"إن خالداً قوتل وبُدىء بالقتال فلم يكن بُد من أن يقاتلهم". وبعد أن اطمأن الرسول قال لخالد:"لمَ قاتلت وقد نهيتك عن القتال "؟. فقال:"هم بدؤنا بالقتال وقد كففت يدي ما استطعت". فقال الرسول:"قضاء الله خير" [٨٣] . وقال ﷺ مبيناً حرمة مكة وحرمها:"إن أعدى الناس على الله من قتَل في الحرم". وقال أيضاً يوم فتح مكة:"لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة " [٨٤] .
ثم طهر رسول الله بيت الله مما شابه من أوثان وأصنام إذ جعل يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. وعلا "بلال بن رباح "البيت فأذن بكلمة التوحيد وأعلن الإسلام [٨٥] .
فلما كان غداة يوم الفتح قام رسول الله خطيباً فقال:"يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض. فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً ولا يعضد فيها شجراً. لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي. ولم تحلل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها. ألا ثم رجعت كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد منكم الغائب. فمن قال لكم أن رسول الله قد قاتل فيها فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحللها لكم" [٨٦] .
стр. 13680
وهكذا عرف النبي ﷺ للبيت حقه وحرمته فعظمه وطهره من الصور والأصنام وأعلن الأمان لكل من دخله. وعفا عن مجاوريه من أهل مكة فقال لهم:"ما ترون أني فاعل بكم "؟. قالوا:" خيراً. أخ كريم وابن أخ كريم". قال:"اذهبوا فانتم الطلقاء" وعادت حرمة مكة إلى الأبد وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ابن منظور، لسان العرب (المطبعة الأميرية) جـ ٢ ص ٢١٣.
[٢] الزبيدي، محمد مرتضى: تاج العروس من جواهر القاموس جـ ١ ص ٤٥٧.
[٣] النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب جـ ١ ص ٣١٣، محمود الألوسي: بلوغ الأرب جـ ١ ص ٣١٣.
[٤] البتانونى: الرحلة الحجازية ص ١٠٢.
[٥] النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب جـ ١ ص ٣١٤، محمود الألوسي: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب جـ ١ ص ٢٢٧.. .
[٦] الأزرقي: أخبار مكة جـ ١ ص ٣٤ (الطبعة الثالثة) ، الألوسي: بلوغ الأرب جـ ١ ص ٢٢٩.
[٧] المسعودي: أخبار الزمان ومن أباده الحدثان ص ٧٣.
[٨] النويري: نهاية الأرب جـ ١ ص ٣٠١، الأزرقي: أخبار مكة جـ١ ص ٣٦، ٣٧.
[٩] اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي جـ ١ ص ٦.
[١٠] وهب بن منبه: كتاب التيجان في ملوك حمير ص ٩، ١٠، ١٤، ١٥٤.
[١١] المسعودي: أخبار الزمان ومن أباده الحدثان ص ١٠٥.
[١٢] الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن. تحقيق محمود شاكر جـ ٣ ص ٤٥.
[١٣] الطبري: تاريخ الرسل والملوك جـ ١ص ١٣٢.
[١٤] العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ ١٦ ص ٢٨٨، الطبري: جامع البيان جـ ٤ ص ٧.
[١٥] العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ ١٥ ص ٢٦١.
[١٦] العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري جـ ١٥ ص ٢٦٢.
стр. 13681
[١٧] الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن جـ ٣ ص ٥٧، ٥٨.
[١٨] الأزرقي: أخبار مكة ص ٥٢، ٥٣.
[١٩] المسعودي: مروج الذهب ومعاص الجوهر جـ١ ص ٣٥٧، أخبار الزمان ١٠٥: الطبري: جامع البيان ٣/ ٦٣.
[٢٠] اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي جـ ١ ص ٣٧.
[٢١] سورة إبراهيم آية ٣٥.
[٢٢] الطبري: تاريخ الرسل والملوك جـ ١ ص ١٣١، النويري: نهاية الأرب جـ ١ ص ٣٩٩.
[٢٣] المقريزي: إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع جـ ١ ص ٦٣.
[٢٤] الطبري: جامع البيان في تفسير القران جـ ١ ص ٥٠.
[٢٥] ابن كثير: البداية والنهاية جـ ٨ ص ١٤٨.
[٢٦] الأزرقي: أخبار مكة ص ٥٣.
[٢٧] النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب جـ ١ ص ٣٠٩، ٣١٠.
[٢٨] ابن كثير: البداية والنهاية جـ١ ص ١١٩.
[٢٩] ابن كثير: المرجع السابق جـ ١ ص ١٢٠ وكرك نوح قرية كبيرة قرب بعلبك. راجع. ياقوت. معجم البلدان.
[٣٠] الألوسي: بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب جـ ١ ص ٢٣٢.
[٣١] ابن هشام: السيرة النبوية لابن هشام. ط الحلبي. جـ ١ ص ٤٤٧، ٤٤٨.
[٣٢] الوافدي: كتاب المغاري. تحقيق مارسون جونس ص ٥٧٢، النويري: نهاية الأرب جـ ١٧ ص ٢١٨.
[٣٣] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٣٠٨.
[٣٤] ابن هشام: المرجع السابق جـ ٢ ص ٣٠٩. .
[٣٥] الوافدي: كتاب المغازي جـ ٢ ص ٥٧٣.
[٣٦] المرجع السابق: الجزء والصفحة.
[٣٧] كناية عن النساء والأطفال حتى لا يعودوا لأهله.
[٣٨] الوافدي: كتاب المغازي جـ ٢ ص ٥٨٠.
[٣٩] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٣٠٩.
[٤٠] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم جـ ٤ ص ١٩٧.
[٤١] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٣٠٩.
[٤٢] النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب جـ١٧ ص ٢١٩.
стр. 13682
[٤٣] الوافدي: كتاب المغازي جـ ٣ ص ٥٨٧.
[٤٤] ابن حجر العسقلاني: فتح الباري جـ ٣ ص ٥٨٧.
[٤٥] القسطلاني: المواهب اللدنية جـ ١ ص ١٢٦.
[٤٦] ابن حجر العسقلاني: فتح الباري جـ ٥ ص ٣٣٦.
[٤٧] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٣١٤، الواقدي: المغازي جـ ٢ ص ٦٠٤.
[٤٨] ابن كثير: تفسير القران العظيم جـ ٤ ص ١٩٢.
[٤٩] الشوكانى: فتح القدير الجامع بين فني الدراية والرواية في التفسير. جـ ٥ ص ٥٢.
[٥٠] الواقدي: كتاب المغاري جـ ٢ ص ٦٠٦.
[٥١] الواقدي: كتاب المغازي جـ ٢ ص ٧٣٤.
[٥٢] ابن كثير: البداية والنهاية جـ ٤ ص ٢٣١ والغميزة العيب والضعف في العمل المعجم الوسيط ٢ ص ٦٦٨.
[٥٣] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٣٧١.
[٥٤] الرمَل: هو الإسراع في المشي وهز المنكبين: بن الأثير النهاية في غريب الحديث والأثر جـ ٢ ص ٢٦٥.
[٥٥] ابن كثير: السيرة النبوية جـ ٣ ص ٤٣٢.
[٥٦] ابن كثير: البداية والنهاية جـ ٤ ص ٢٣٢. وينفرون أي يسرعون ويشردون: الفيروز آبادي: القاموس المحيط جـ ٢ ص ١٥١.
[٥٧] كان الرسول قد خطب ميمونة بنت الحارث الهلالية فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها للرسول ﷺ . وبنى بها في طريقه نحو المدينة عن سَرف. (الواقدي: المغازي جـ ٢ ٧٣٨- ٧٤١) . وسرف بعد التنعيم. انظر الأزرقي في أخبار مكة جـ ١ ص ١٨٥ خانة ٦.
[٥٨] الواقدي: كتاب المغازي جـ ٢ ص ٧٤٠.
[٥٩] الواقدي: كتاب المغازي جـ ٢ ص ٧٩٦، ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٣٩٧.
[٦٠] ابن كثير: السيرة النبوية جـ ٣ ص ٥٣٤.
[٦١] المدة: هي هدنة تضع الحرب بموجب شروط الحديبية عشر سنين.
[٦٢] الواقدى: كتاب المغازي جـ ٢ ص ٧٩٦، ابن كثير: السيرة النبوية جـ ٣ ص ٥٣٥.
стр. 13683
[٦٣] الأنقاب: جمع نقب وهو الطريق بين جبلين. إبن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر جـ ٥ ص ١٠٣.
[٦٤] الواقدي: كتاب المغازي جـ٢ ص ٧٩٦.
[٦٥] الواقدي: كتاب المغازي جـ ٢ ص ٧٩٦.
[٦٦] الواقدى: كتاب المغازى جـ ٢ ص ٧٩٩.
[٦٧] روضة خاخ: موضع على اثني عشر ميلاً من المدينة قرب حمراء الأسد: العباسي: احمد بن عبد الحميد: عمدة الأخبار ٣١٦.
[٦٨] إبن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٣٩٩، ابن كثير: السيرة النبوية جـ ٣ ص ٥٣٧. والآية أول سورة الممتحنة.
[٦٩] إبن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٢٩٩ ٠ ابن كثير: السيرة جـ ٣ ص ٥٣٨.
[٧٠] مر الظهران: يعرف الآن بوادي فاطمة بقرب مكة: الأزرقي: أخبار مكة جـ١ ص ١٨٥ حاشية ٦.
[٧١] ابن كثير: السيرة النبوية جـ ٣ ص ٥٤٧.
[٧٢] الواقدى: كتاب المغازي جـ٢ ص ٨١٥.
[٧٣] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٤٠٣.
[٧٤] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٤٠٣.
[٧٥] الواقدى: كتاب المغازي جـ ٢ ص ٨١٨.
[٧٦] الوافدي: المرجع السابق جـ ٢ ص ٨٢٢، ٨٢٣.
[٧٧] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٤٠٧.
[٧٨] القسطلاني: المواهب اللدنية جـ اص ١٥٤.
[٧٩] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٤٠٦.
[٨٠] القسطلاني: المواهب اللدنيه جـ ١ ص ١٥١.
[٨١] ابن كثير: البداية والنهاية جـ ٤ ص ٢٩١.
[٨٢] ابن كثير:البداية والنهاية جـ ٤ ص ٢٩٧، السيرة النبوية جـ ٣ ص ٥٦٥.
[٨٣] القسطلانى: المواهب اللدنية جـ ١ ص ١٥٢.
[٨٤] ابن كثير: السيرة النبوية جـ ٣ ص ٥٨٠.
[٨٥] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٤١٧.
стр. 13684
[٨٦] ابن هشام: السيرة النبوية جـ ٢ ص ٤١٥، ٤١٦، القسطلاني: المواهب اللدنية جـ ١ ص ١٥٥، ابن كثير: السيرة النبوية جـ ٣ ص ٥٧٨. وانظر أيضاً: البخاري: صحيح البخاري جـ ٢ ص ١٨ (ط الحلي) .
стр. 13685
جهادُ المسلِمِينَ ضِدّ الصَّلِيبيِّّينَ
للدكتور جَاد محمد أحمد رَمضان
كلية الدعوة وأصول الدين
إن المسلمين اليوم في أشد الحاجة إلى اتحاد الكلمة ووحدة الصف لحماية بلادهم من أطماع الطامعين وكيد الكائدين والقدوة بأسلافهم الذين ردوا كيد أعدائهم وحموا بلادهم من أطماعهم.
ففي القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) تدفقت على الشرق الإسلامي جموع من الأوربيين النصارى وشنت عليه حروباً عرفت في التاريخ بالحروب الصليبية نسبة إلى الصليب الذي اتخذه المحاربون شارة لهم.
والأسباب التي تذرع بها هؤلاء المعتدون هي تمكين الحجاج النصارى من الحج إلى بيت المقدس وحمايتهم من مضايقة المسلمين لهم وهى أسباب غير صحيحة لأن تعاليم الإسلام كفلت لأهل الأديان الأخرى الحرية التامة في مزاولة شعائر دينهم ونهت عن التعرض لهم بسوء ما داموا مسالمين ولا نظن أن مسلمي هذا العصر كانوا يجهلون ذلك.
وكان الذي أثار هذه الشائعات هو بطرس الناسك الذي حج إلى بيت المقدس وعز عليه أن يراه ملكاًَ للمسلمين وهو المكان المقدس لدى النصارى وقد طاف بطرس الناسك جميع البلاد الأوربية وأخذ يحرض النصارى على تخليص بيت المقدس من يد المسلمين.
وفي أواخر سنة ٤٦٣ هـ انهزم البيزنطيون أمام المسلمين في موقعة (ملاذ كرد) فاستنجد الإمبراطور البيزنطي بالبابا (إريان الثاني) بطريرك الكنيسة الغربية وقد صادف هذا الإستنجاد هوى من نفس البابا الذي كان يطمع في ضم الكنيسة الشرقية إلى الكنيسة الغربية فأقام أوربا وأقعدها وأثار تلك الضجة العالمية التي تعتبر من أهم أحداث التاريخ.
وفي العام التالي لهذا الاستنجاد ألقى البابا خطبة في مدينة (كلير منت) في الجنوب الشرقي لفرنسا حث فيها النصارى على أن يسلكوا سبيلهم إلى القبر المقدس ويأخذوه عنوة من ذلك الشعب الملعون ويخضعه لأنفسهم [١] .
стр. 13686
ولقد أشعلت هذه الخطبة جذوة الحماسة في نفوس الجماهير النصرانية شريفهم وضعيفهم على السواء فهبوا عن بكرة أبيهم حتى بلغ عدد المتطوعين مائة وخمسين ألفاً من النورمانديين والفرنج ولم يكن الحماس الديني وحده هو الذي دفع هذه الجماهير إلى شن الغارة على الشرق الإسلامي بل إن كثيراًَ من الأمراء ومن بينهم (بوهيمند) ، خرجوا استجابة لأطماعهم في تكوين إمارات لهم في الشرق الأوسط كما كانت المصالح الإقتصادية هدف تجار البندقية وبيزه وجنوة.
وكان من بين تلك الجماهير أرقاء الأرض الذين وجدوا في التطوع لهذه الحروب فرصة للتخلص من أمراء الإقطاع وكذلك الفقراء الذين ملوا في أن يجدوا لهم مصدر رزق في الشرق والمجرمون الذين وجدوا في الحروب من أجل تخليص بيت المقدس تكفيراً عن ذنوبهم [٢] .
تلاحقت الجيوش التي تكونت منها الحملة الصليبية الأولى في القسطنطينية ثم عبرت منها إلى آسيا الصغرى سنة ٤٩٠ هـ واشتبكت بجيوش السلطان (قليج أرسلان) السلجوقي عند مدينة (قونية) فهزمتها واستولت على المدينة ثم واصلت سيرها إلى مدينة (أسكي شهر) وفتحتها [٣] .
ثم عبر الصليبيون جبال طوروس واتجهت فرقة منهم تحت قيادة (بلدوين) واستولت على (الرها) في أوائل سنة ٤٩١ هـ أما بقية الصليبيين فقد واصلوا سيرهم نحو الجنوب وضربوا الحصار على مدينة (إنطاكية) التي كان يحكمها أمير تركي منذ عهد (ملكشاه) يدعى (ياغي سيان) . وبعد تسعة أشهر تمكنوا من فتحها.
стр. 13687
استراح الصليبيون فترة ثم اتجهوا إلى مدينة بيت المقدس التي كانت قد عادت إلى حكم الفاطميين منذ بضعة أشهر فقط وكان يحكمها من قِبل الخليفة الفاطمي (المستعلى بالله) أمير يسمى (افتخار الدولة) تؤيده حامية لا تتجاوز ألف جندي. ومع ذلك صمد لحصار الصليبين نحو أربعين يوماً تمكنوا بعدها من فتح المدينة سنة ٤٩٢ هـ وارتكبوا من ضروب الوحشية ما تقشعر منه الأبدان وتنكره الشرائع وقتلوا من سكانها سبعين ألفاً بغير ذنب.
أنشأ حماة الصليب. ثلاث إمارات في المشرق: إمارة الرها وأميرها (بلدوين) وامارة أنطاكية وأميرها (بوهيمند) وأمارة بيت المقدس وأميرها (جود فري) . وقد تكونت من هذه الإمارات الثلاث المملكة اللاتينية في الشرق أختير (جود فرى) ملكاً لها ولقب (بارون وحامى حمى القبر المقدس) .
ولما كان لابد لتأييد مركز الصليبيين في الشام وتأمين طريقهم إلى أوروبا من احتلال مدن الساحل شرع جود فرى في احتلالها بمساعدة السفن الإيطالية التي بذل أصحابها المعونة ليجعلوا من هذه الثغور أسواقاً جديدة لتجارتهم. وكان معظم تلك الثغور تابعاً- للدولة الفاطمية. ومن بينها مدينة طرابلس فطمع الكونت (رايموند) في فتحها وحاصرها سنة ٤٩٤ هـ ولكنه لم يتمكن من فتحها ومات قبل أن تتحقق أمنيته ولكن ابنه (برتراند) حقق هذه الأمنية في أواخر سنة ٥٠٢ هـ حيث استولى على المدينة بمساعدة أسطول جنوي [٤] . وبذلك تكونت إمارة صليبية رابعة تبعت بيت المقدس.
وكانت إمارة بيت المقدس وما يتبعها من الإمارات الثلاث: الرها وإنطاكية وطرابلس هي الإمارات اللاتينية الوحيدة التي قامت على أرض إسلامية لذلك كانت أملاك الصليبيين قاصرة على مساحة ضيقة من إقليم الجزيرة وبعض أجزاء الشام الشمالية والسهل الساحلي الضيق. أما المدن الداخلية كحلب وشيزر وحماه وحمص وبعلبك ودمشق فإنها لم تدخل في حوزة الصليبيين.
من المسئول عن هذه المأساة:
стр. 13688
إن المساحة التي اقتطعها الصليبيون من أرض المسلمين وأنشأوا عليها مملكتهم كان الجزء الشمالي منها تابعاً للدولة العباسية والجزء الجنوبي تابعاً للفاطميين. وكان مسرح نزاع على النفوذ والسيطرة بين الدولتين لعدة سنوات قبل مجيء الصليبين إليها.
أما العباسيون فإن دولتهم كان قد تجدد شبابها على يد سلاطين السلاجقة الثلاثة الأول: طغرل بك وألب أرسلان وملكشاه (٤٤٧- ٤٨٥) هـ ولكن خلفاءها لم يكم لهم من الأمر شيء وكان النفوذ والسلطان للسلاجقة فلما توفي السلطان ملكشاه الذي جاء الصليبيون إلى الشرق بعد موته بسنوات معدودة تنازع أبناؤه على السلطنة فضعف أمرهم وانشغلوا بالنزاع فيما بينهم واستغل الخلفاء هذا النزاع ليستعيدوا سلطتهم وشغلوا بذلك عما يجري في الشام من أحداث [٥] . وتركوا الصليبيين يبنون لهم ملكاً في أحشاء العالم الإسلامي ويشيدونه ولم يفكروا في دعوة المسلمين إلى الجهاد ويخرجوا بأنفسهم على رأس المجاهدين ليصدوا هؤلاء المغيرين عن بلاد الإسلام.
ولو أن هؤلاء الخلفاء أعلنوا النفير العام وحاولوا إيقاظ شعور العالم الإسلامي وإشعال الحماس الديني في نفوس المسلمين- كما فعل البابوات في أوروبا- لأحرزوا بعض النجاح إن لم يحرزوه كله واستطاعوا أن يعطلوا سير الصليبيين إن لم يستطيعوا أن يردوهم على أعقابهم إلى أوروبا.
ولم يهتم السلاجقة كذلك بجهاد الصليبيين بل كانوا في شغل شاغل بالتنافس على كرسي السلطنة فيما بينهم ومراقبة الخلفاء حتى لا يتمكنوا من استرداد سلطانهم وهكذا شغل هؤلاء وهؤلاء بمصلحتهم الشخصية عن الواجب الديني الذي فرضه الله على المسلمين
стр. 13689
وقد كان من الواجب على هؤلاء السلاطين الذين كانوا يحملون ألقاب (غياث الدنيا والدين وحامى حمى المسلمين) كان الواجب عليهم أن يعملوا بمقتضى ما منحوه من ألقاب وأن يوجهوا همتهم للدفاع عن بلاد الشام والجزيرة التي كانت موطئ أقدام الغزاة الصليبين وألا يتركوا عبء الدفاع عنها على كواهل أمرائها الضعاف الذين لم يكن لديهم من الجيوش والمعدات ما يمكنهم من صد هؤلاء المغيرين ويساعده على الإحتفاظ بما تحت أيديهم من الإمارات وحمايتها من أطماع الصليبين.
ومما يثير الدهشة أن وفداً من سكان بيت المقدس ذهب إلى بغداد بعد سقوط مدينتهم في يد الصليبيين يلتمس النجدة من أمير المؤمنين (المستظهر بالله ٤٨٧- ٥١٢ هـ) فتأثر أهل بغداد لما حلّ بإخوانهم تأثراً عميقاً وحزنوا لما أصابهم حزناً شديداً ولكنهم لم يهبوا لنصرتهم. أما الخليفة فإنه أحال الوفد على السلطان بركياروق بن ملكشاه ولكن السلطان لم يقدر المسئولية ولم يحقق ما عقد عليه من أمل ويهب على رأس جيش لنجدتهم.
وهكذا تقاعس الخلفاء العباسيون والسلاطين السلاجقة عن الجهاد وحماية بلاد الإسلام حتى وطد الصليبيون أقدامهم في جزء غال منها وتطلب إجلاؤهم عنه مجهوداً كبيراً ووقتاً طويلاً من أبطال الإِسلام الذين كرسوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله أمثال عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود وصلاح الدين يوسف بن أيوب ومن جاء بعدهم من الأيوبيين والمماليك.
стр. 13690
وكان الخلفاء الفاطميون قد ضعف شأنهم في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وانتقلت السلطة من أيديهم إلى أيدي وزرائهم وكان يتربع على كرسي الوزارة في الوقت الذي غزا فيه الصليبيون بلاد الشام الوزير القدير الأفضل بن بدر الجمالي وكانت الدولة في عهده تبسط يدها على كثير من مدن الشام الساحلية مثل صور وعكا وعسقلان ويافا وغزة وغيرها، كما كانت تحتفظ بقوة برية وبحرية كبيرة ولكن هذا الوزير لم يتناس العداوة القديمة بين السلاجقة السنيين وبين الفاطميين الشيعة وظن أن فرسان الصليبيين يمكن أن يناصروه على أعدائه السلاجقة ولم يدرك أنهم أعداء الطرفين إلا عندما استولوا على بيت المقدس واشتبكوا معه في معركة طاحنة على مقربة من مدينة عسقلان بعد أن سقطت بيت المقدس في أيديهم بأيام وهزموه هزيمة منكرة [٦] .
ولقد تحمس الأفضل لجهاد الصليبيين وأرسل إلى ميادين القتال أبرع قواده ولم يبخل حتى بأولاده غير أنه لم يحرز نصراً ذا قيمة عليهم وسقط في أيديهم ما كان في حوزة الفاطميين من مدن الشام مدينة تلو الأخرى حتى طمعوا في غزو مصر نفسها.
وهكذا تقع مسئولية ما حل بأهل البلاد التي اغتصبها الصليبيون من كوارث وما نزل بأهل البلاد التي هاجموها من مصائب على عاتق الخلفاء العباسيين الذين عاصروا تلك الحوادث وسلاطين السلاجقة الذين كانوا يديرون شئون دولتهم وعلى خلفاء الدولة الفاطمية الذين كانوا يجلسون على كرسي الخلافة في مصر في هذه الفترة والوزراء الذين حكموا باسمهم.
عصر المقاومة
بعد مضي ربع قرن على تأسيس مملكة الصليبيين في الشرق ظهر زعيم إسلامي قوي هو عماد الدين زنكي أمير الموصل الذي استولى على إمارة حلب وحمل لواء الجهاد ضد الصليبين وتمكن من انتزاع إمارة الرها من أيديهم [٧] .
следующие страницы →