← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 13686–13725 · переход к 13691.

стр. 13686

ولقد أشعلت هذه الخطبة جذوة الحماسة في نفوس الجماهير النصرانية شريفهم وضعيفهم على السواء فهبوا عن بكرة أبيهم حتى بلغ عدد المتطوعين مائة وخمسين ألفاً من النورمانديين والفرنج ولم يكن الحماس الديني وحده هو الذي دفع هذه الجماهير إلى شن الغارة على الشرق الإسلامي بل إن كثيراًَ من الأمراء ومن بينهم (بوهيمند) ، خرجوا استجابة لأطماعهم في تكوين إمارات لهم في الشرق الأوسط كما كانت المصالح الإقتصادية هدف تجار البندقية وبيزه وجنوة. وكان من بين تلك الجماهير أرقاء الأرض الذين وجدوا في التطوع لهذه الحروب فرصة للتخلص من أمراء الإقطاع وكذلك الفقراء الذين ملوا في أن يجدوا لهم مصدر رزق في الشرق والمجرمون الذين وجدوا في الحروب من أجل تخليص بيت المقدس تكفيراً عن ذنوبهم [٢] . تلاحقت الجيوش التي تكونت منها الحملة الصليبية الأولى في القسطنطينية ثم عبرت منها إلى آسيا الصغرى سنة ٤٩٠ هـ واشتبكت بجيوش السلطان (قليج أرسلان) السلجوقي عند مدينة (قونية) فهزمتها واستولت على المدينة ثم واصلت سيرها إلى مدينة (أسكي شهر) وفتحتها [٣] . ثم عبر الصليبيون جبال طوروس واتجهت فرقة منهم تحت قيادة (بلدوين) واستولت على (الرها) في أوائل سنة ٤٩١ هـ أما بقية الصليبيين فقد واصلوا سيرهم نحو الجنوب وضربوا الحصار على مدينة (إنطاكية) التي كان يحكمها أمير تركي منذ عهد (ملكشاه) يدعى (ياغي سيان) . وبعد تسعة أشهر تمكنوا من فتحها.

стр. 13687

استراح الصليبيون فترة ثم اتجهوا إلى مدينة بيت المقدس التي كانت قد عادت إلى حكم الفاطميين منذ بضعة أشهر فقط وكان يحكمها من قِبل الخليفة الفاطمي (المستعلى بالله) أمير يسمى (افتخار الدولة) تؤيده حامية لا تتجاوز ألف جندي. ومع ذلك صمد لحصار الصليبين نحو أربعين يوماً تمكنوا بعدها من فتح المدينة سنة ٤٩٢ هـ وارتكبوا من ضروب الوحشية ما تقشعر منه الأبدان وتنكره الشرائع وقتلوا من سكانها سبعين ألفاً بغير ذنب. أنشأ حماة الصليب. ثلاث إمارات في المشرق: إمارة الرها وأميرها (بلدوين) وامارة أنطاكية وأميرها (بوهيمند) وأمارة بيت المقدس وأميرها (جود فري) . وقد تكونت من هذه الإمارات الثلاث المملكة اللاتينية في الشرق أختير (جود فرى) ملكاً لها ولقب (بارون وحامى حمى القبر المقدس) . ولما كان لابد لتأييد مركز الصليبيين في الشام وتأمين طريقهم إلى أوروبا من احتلال مدن الساحل شرع جود فرى في احتلالها بمساعدة السفن الإيطالية التي بذل أصحابها المعونة ليجعلوا من هذه الثغور أسواقاً جديدة لتجارتهم. وكان معظم تلك الثغور تابعاً- للدولة الفاطمية. ومن بينها مدينة طرابلس فطمع الكونت (رايموند) في فتحها وحاصرها سنة ٤٩٤ هـ ولكنه لم يتمكن من فتحها ومات قبل أن تتحقق أمنيته ولكن ابنه (برتراند) حقق هذه الأمنية في أواخر سنة ٥٠٢ هـ حيث استولى على المدينة بمساعدة أسطول جنوي [٤] . وبذلك تكونت إمارة صليبية رابعة تبعت بيت المقدس. وكانت إمارة بيت المقدس وما يتبعها من الإمارات الثلاث: الرها وإنطاكية وطرابلس هي الإمارات اللاتينية الوحيدة التي قامت على أرض إسلامية لذلك كانت أملاك الصليبيين قاصرة على مساحة ضيقة من إقليم الجزيرة وبعض أجزاء الشام الشمالية والسهل الساحلي الضيق. أما المدن الداخلية كحلب وشيزر وحماه وحمص وبعلبك ودمشق فإنها لم تدخل في حوزة الصليبيين. من المسئول عن هذه المأساة:

стр. 13688

إن المساحة التي اقتطعها الصليبيون من أرض المسلمين وأنشأوا عليها مملكتهم كان الجزء الشمالي منها تابعاً للدولة العباسية والجزء الجنوبي تابعاً للفاطميين. وكان مسرح نزاع على النفوذ والسيطرة بين الدولتين لعدة سنوات قبل مجيء الصليبين إليها. أما العباسيون فإن دولتهم كان قد تجدد شبابها على يد سلاطين السلاجقة الثلاثة الأول: طغرل بك وألب أرسلان وملكشاه (٤٤٧- ٤٨٥) هـ ولكن خلفاءها لم يكم لهم من الأمر شيء وكان النفوذ والسلطان للسلاجقة فلما توفي السلطان ملكشاه الذي جاء الصليبيون إلى الشرق بعد موته بسنوات معدودة تنازع أبناؤه على السلطنة فضعف أمرهم وانشغلوا بالنزاع فيما بينهم واستغل الخلفاء هذا النزاع ليستعيدوا سلطتهم وشغلوا بذلك عما يجري في الشام من أحداث [٥] . وتركوا الصليبيين يبنون لهم ملكاً في أحشاء العالم الإسلامي ويشيدونه ولم يفكروا في دعوة المسلمين إلى الجهاد ويخرجوا بأنفسهم على رأس المجاهدين ليصدوا هؤلاء المغيرين عن بلاد الإسلام. ولو أن هؤلاء الخلفاء أعلنوا النفير العام وحاولوا إيقاظ شعور العالم الإسلامي وإشعال الحماس الديني في نفوس المسلمين- كما فعل البابوات في أوروبا- لأحرزوا بعض النجاح إن لم يحرزوه كله واستطاعوا أن يعطلوا سير الصليبيين إن لم يستطيعوا أن يردوهم على أعقابهم إلى أوروبا. ولم يهتم السلاجقة كذلك بجهاد الصليبيين بل كانوا في شغل شاغل بالتنافس على كرسي السلطنة فيما بينهم ومراقبة الخلفاء حتى لا يتمكنوا من استرداد سلطانهم وهكذا شغل هؤلاء وهؤلاء بمصلحتهم الشخصية عن الواجب الديني الذي فرضه الله على المسلمين

стр. 13689

وقد كان من الواجب على هؤلاء السلاطين الذين كانوا يحملون ألقاب (غياث الدنيا والدين وحامى حمى المسلمين) كان الواجب عليهم أن يعملوا بمقتضى ما منحوه من ألقاب وأن يوجهوا همتهم للدفاع عن بلاد الشام والجزيرة التي كانت موطئ أقدام الغزاة الصليبين وألا يتركوا عبء الدفاع عنها على كواهل أمرائها الضعاف الذين لم يكن لديهم من الجيوش والمعدات ما يمكنهم من صد هؤلاء المغيرين ويساعده على الإحتفاظ بما تحت أيديهم من الإمارات وحمايتها من أطماع الصليبين. ومما يثير الدهشة أن وفداً من سكان بيت المقدس ذهب إلى بغداد بعد سقوط مدينتهم في يد الصليبيين يلتمس النجدة من أمير المؤمنين (المستظهر بالله ٤٨٧- ٥١٢ هـ) فتأثر أهل بغداد لما حلّ بإخوانهم تأثراً عميقاً وحزنوا لما أصابهم حزناً شديداً ولكنهم لم يهبوا لنصرتهم. أما الخليفة فإنه أحال الوفد على السلطان بركياروق بن ملكشاه ولكن السلطان لم يقدر المسئولية ولم يحقق ما عقد عليه من أمل ويهب على رأس جيش لنجدتهم. وهكذا تقاعس الخلفاء العباسيون والسلاطين السلاجقة عن الجهاد وحماية بلاد الإسلام حتى وطد الصليبيون أقدامهم في جزء غال منها وتطلب إجلاؤهم عنه مجهوداً كبيراً ووقتاً طويلاً من أبطال الإِسلام الذين كرسوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله أمثال عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود وصلاح الدين يوسف بن أيوب ومن جاء بعدهم من الأيوبيين والمماليك.

стр. 13690

وكان الخلفاء الفاطميون قد ضعف شأنهم في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري وانتقلت السلطة من أيديهم إلى أيدي وزرائهم وكان يتربع على كرسي الوزارة في الوقت الذي غزا فيه الصليبيون بلاد الشام الوزير القدير الأفضل بن بدر الجمالي وكانت الدولة في عهده تبسط يدها على كثير من مدن الشام الساحلية مثل صور وعكا وعسقلان ويافا وغزة وغيرها، كما كانت تحتفظ بقوة برية وبحرية كبيرة ولكن هذا الوزير لم يتناس العداوة القديمة بين السلاجقة السنيين وبين الفاطميين الشيعة وظن أن فرسان الصليبيين يمكن أن يناصروه على أعدائه السلاجقة ولم يدرك أنهم أعداء الطرفين إلا عندما استولوا على بيت المقدس واشتبكوا معه في معركة طاحنة على مقربة من مدينة عسقلان بعد أن سقطت بيت المقدس في أيديهم بأيام وهزموه هزيمة منكرة [٦] . ولقد تحمس الأفضل لجهاد الصليبيين وأرسل إلى ميادين القتال أبرع قواده ولم يبخل حتى بأولاده غير أنه لم يحرز نصراً ذا قيمة عليهم وسقط في أيديهم ما كان في حوزة الفاطميين من مدن الشام مدينة تلو الأخرى حتى طمعوا في غزو مصر نفسها. وهكذا تقع مسئولية ما حل بأهل البلاد التي اغتصبها الصليبيون من كوارث وما نزل بأهل البلاد التي هاجموها من مصائب على عاتق الخلفاء العباسيين الذين عاصروا تلك الحوادث وسلاطين السلاجقة الذين كانوا يديرون شئون دولتهم وعلى خلفاء الدولة الفاطمية الذين كانوا يجلسون على كرسي الخلافة في مصر في هذه الفترة والوزراء الذين حكموا باسمهم. عصر المقاومة بعد مضي ربع قرن على تأسيس مملكة الصليبيين في الشرق ظهر زعيم إسلامي قوي هو عماد الدين زنكي أمير الموصل الذي استولى على إمارة حلب وحمل لواء الجهاد ضد الصليبين وتمكن من انتزاع إمارة الرها من أيديهم [٧] .

стр. 13691

ولقد روع سقوط الرها في يد عماد الدين الصليبين المقيمين في الشرق فأرسلوا إلى أوروبا يستدعون حماة الصليب للدفاع عنهم وجاءت الحملة الصليبية المعروفة (بالحملة الثانية) ولكنها لم تحقق الغرض الذي جاءت من أجله وهو تخليص الرها بل حاصرت دمشق فاستنجد أميرها بابني عماد الدين: سيف الدين غازي أمير الموصل ونور الدين محمود أمير حلب ودافع الأمراء الثلاثة عن المدينة فلم يتمكن الصليبيون من فتحها ورجعت الحملة إلى أوروبا تجر أذيال الخيبة [٨] . وكان عماد الدين زنكي قد توفي بعد استيلائه على الرها فحمل ابنه نور الدين محمود أمير حلب لواء الجهاد الإسلامي ضد الصليبين ووحّد بلاد الشام تحت حكمه وسبق معاصره الصليبى (عمورى الأول) إلى فتح مصر. وبعد موت نور الدين سنة ٥٦٩ هـ حمل صلاح الدين الأيوبي راية الجهاد الإسلامي وفي السنة التي توفي فيها نور الدين مات عمورى الأولى وخلفه على بيت المقدس ابنه (بلدوين الرابع) وكان أبرص [٩] . وبموت عمورى فقد الصليبيون شخصية قوية كانت تسيطر على الإمارات الصليبية سيطرة قوية وتقرب في الكفاءة الحربية من شخصية نور الدين بطل المسلمين. صلاح الدين يخلف نور الدين في زعامة العالم الإسلامي: في سنة ٥٦٩ هـ توفي السلطان نور الدين محمود ولم يترك من الذكور سوى الصالح إسماعيل وكان في الحادية عشرة من عمره فاتفق أمراء الدولة على مبايعته بالسلطنة على أن يتولى الأمير شمس الدين بن المقدم الوصاية عليه [١٠] . ولقد خطب صلاح الدين في مصر للملك الصالح إسماعيل وسك النقود باسمه وأعلن طاعته له ولكن أمراء دولة الملك الصالح تنافسوا فيما بينهم على السيطرة على السلطان الصغير وأعلن ابن عمه سيف الدين غازي الثاني استقلاله ببلاد الموصل.

стр. 13692

ولما اشتد التنافس بين أمراء حلب وأمراء دمشق على السيطرة على السلطان الصغير أرسل شمس الدين بن المقدم إلى صلاح الدين يدعوه للقدوم من مصر إلى دمشق ليسلمها إليه وانتهز صلاح الدين هذه الفرصة وسار إلى دمشق وتسلمها سنة ٥٧٠ هـ وأعلن أنه ليس خارجاً على الملك الصالح وأنه إنما جاء إلى الشام ليحافظ على ملكه [١١] . وفي سنة ٥٧٧ هـ توفي الصالح إسماعيل ولم يترك وارثاًَ للعرش وكان صلاح الدين بمصر فلما علم بوفاته اتجه إلى الشام فدانت له حلب وخضع لسلطانه أكثر مدن الموصل. وبذلك انتهت دولة الأتابكة في الشام التي كان قد أسسها عماد الدين زنكي سنة ٥٢٢ وشيد بنيانها ابنه نور الدين محمود بعد أن حملت لواء الجهاد ضد الصليبين نحو نصف قرن حتى أنهكت قواهم وورثتها الدولة الأيوبية التي كانت ثمرة طيبة من ثمارها. موقعة حطين: لم تخل الفترة التي قضاها صلاح الدين في توحيد القوى الإِسلامية (٥٧٢- ٥٨٢ هـ) من حروب بينه وبين الصليبيين. وفي سنة ٥٧٦ هـ عقدت هدنة بين صلاح الدين وبين (بلدوين الرابع) ملك بيت المقدس (ريموند) أمير طرابلس لمدة سنتين ولكن أرناط (ريجينالد) أمير حصن الكرك الذي يتبع بيت المقدس لم يحترم تلك الهدنة ودأب على مهاجمة القوافل السائرة بين دمشق والقاهرة وفي السنة التالية لعقد الهدنة عزم على توجيه حملة إلى بلاد الحجاز ولكن عزّ الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين ونائبه على دمشق علم بذلك فأغار على حصن الكرك وشغل أرناط عن تنفيذ ما عزم عليه [١٢] . وفي العام التالي لهذه الحادثة اتجه أرناط على رأس حملة بحرية إلى شواطئ الحجاز يريد غزو مكة والمدينة. وكان صلاح الدين بالموصل وقتئذ ونائبه في مصر أخوه العادل فأرسل العادلا أسطولاً التقى بأسطول الصليبيين شمال ينبع وهزمه هزيمة ساحقة وأسر كثيراً من بحارته وفر أرناط بمن بقي معه [١٣] .

стр. 13693

وعلى الرغم من استنجاد (رايموند) الثالث أمير طرابلس بصلاح الدين ليساعده على تولى ملك بيت المقدس الذي تولاه (جاى دى لوزينيان) بمساعدة أرناط فإن صلاح الدين لم يشأ أن يتدخل في شئون الصليبيين الداخلية تمسكاً بالأخلاق الإسلامية التي تدعو إلى الوفاء بالعهد. وفي سنة ٥٨٢ هـ هاجم أرناط قافلة من الحجاج المسلمين كانت تعبر بلاده في طريقها إلى مكة ونهبها وأسر كثيراً من أفرادها فأرسل إليه صلاح الدين يطلب إطلاق سراح الأسرى فلم يفعل فغضب صلاح الدين واستعد للحرب ونذر أن يذبح أرناط بيده إن أظفره الله به [١٤] . ولما علم الصليبيون باستعداد صلاح الدين لحربهم اجتمعوا في بلدة صفورية على مقربة من عكا ليدرسوا الموقف ويقرروا الخطة التي يسيرون عليها إذا هاجمهم صلاح الدين فأشارت الأقلية- وعلى رأسها أرناط- بمهاجمة صلاح الدين ولكن الأكثرية- وعلى رأسها جان دي لوزينيان- رأت أن يقف الصليبيون موقف الدفاع. غير أن أرناط أثر على الملك فانحاز إليه وترجحت كفة الداعين للهجوم وتقدم الجيش الصليبي وعسكر على تل قريب من قرية (حطين) . أما صلاح الدين فأنه فتح مدينة طبرية سنة ٥٨٣ ولكن قلعتها لم تسلم ففك الحصار عنها واتجه نحو معسكر الجيش الصليبي وهاجمه هجوماً عنيفاً وأنزل بالصليبيين هزيمة ساحقة وقتل كثيراً منهم وأسر كثيراً من بينهم أرناط وجاي دي لوزينيان. وقتل السلطان أرناط بيده وفاء بنذره. ولما رأى ملك بيت المقدس ما حل بأرناط ارتعدت فرائصه ولكن صلاح الدين أمنه على حياته [١٥] . أثر الموقعة:

стр. 13694

أحرز صلاح الدين في موقعة (حطين) نصراً بيناً على الصليبيين فأصبح من السهل عليه أن يوالي انتصاراته عليهم بعد أن أباد معظم جيشهم في الموقعة فرجع إلى طبرية وشدد الحصار على قلعتها حتى سلمت ثم رحل إلى عكا وضرب الحصار عليها حتى فتحها واستنقذ منها أسرى المسلمين وكانوا زهاء أربعة آلاف. وخير أهلها المسيحيين بين الرحيل عنها بأموالهم وما يستطيعون حمله من أمتعتهم وبين الإِقامة بها على أن يدفعوا الجزية فاختار معظمهم الرحيل خوفاً من أن يغدر بهم صلاح الدين. وتسلم السلطان المدينة ثم أخضع معظم المدن الساحلية مثل قيسارية وحيفا ويافا وصيدا وغيرها [١٦] . ثم حاصر السلطان مدينة عسقلان ووعد (جاي دي لوزينيان) بإطلاق سراحه إن هو أقنع أهلها بالتسليم فسلموا على الشروط التي سلمت بها عكا من قبل وبرّ صلاح الدين بوعده لملك بيت المقدس فأطلق سراحه بعد سنة من تسليم عسقلان وبعد أن أخذ عليه عهداً ألا يشترك في حرب ضده ولكنه نقض العهد وحارب السلطان بعد ذلك [١٧] . وكان صلاح الدين قد قضى على زهرة الجيش الصليبي في موقعة حطين واحتل المدن الساحلية القريبة من بيت المقدس وسيطر على الطرق المؤدية إليها وبذلك تهيأت الفرصة لفتحها فتقدم إليها وحاصرها أسبوعاً فاستسلمت حاميتها وطلب أهلها الصلح فأجابهم صلاح الدين وأمهل من أراد الجلاء من أهلها أربعين يوماً وشرط عليهم أن يدفعوا قبل رحيلهم فدية مقدارها عشرة دنانير عن الرجل وخمسة عن المرأة وديناران عن الطفل ذكراًَ كان أو أنثى فمن دفع سمح له بالخروج ومن لم يدفع أخذ أسيراًَ وأعفى من الفدية الشيوخ والعجزة والفقراء. وتم تسليم المدينة في أواخر رجب سنة ٥٨٣ هـ وخلّص صلاح الدين من كان فيها من أسرى المسلمين وكانوا زهاء ثلاثة آلاف [١٨] .

стр. 13695

وكان سقوط مدينة بيت المقدس عاصمة المملكة الصليبية في يد صلاح الدين إيذاناً بجلائهم عن الشرق ورجوعهم من حيث أتوا وقد سر المسلمون سروراً عظيماً لهذا النصر المبين. ولما دخل صلاح الدين المدينة حافظ على ما بها من آثار وعمر ما تخرب منها في أثناء الحصار ثم أرسل أخاه العادل لفتح حصن الكرك ففتحه سنة ٥٨٤ هـ وتوجه هو على رأس بقية الجيش إلى مدينة صور وحاصرها وكانت قد تجمعت بها فلول النازحين من البلاد المفتوحة واحتموا بها فاستعصت عليه لأن الإمدادات كانت تأتيها عن طريق البحر ففك عنها الحصار [١٩] . الحملة الصليبية المعروفة (بالثالثة) سنة ٥٨٧ هـ: لقد أثار سقوط بيت المقدس في يد صلاح الدين أوروبا فتناسى ملوكها ما بينهم من عداوات وقاد الجيوش للثأر من المسلمين كل من (فردريك بربروس) إمبراطور ألمانيا ورتشارد الأول (قلب الأسد) ملك إنجلترا وفيليب أغسطس ملك فرنسا. وكان هؤلاء الملوك الثلاثة أقوى ملوك أوروبا الغربية وكانت حملتهم أكثر الحملات الصليبية عدداً. وكان فردريك أول من اتجه إلى الشرق سالكاً الطريق البري عبر أوروبا الشرقية وآسيا الصغرى ولكنه غرق عندما كان يعبر أحد الأنهار في كيليكيا فعاد معظم جيشه إلى ألمانيا [٢٠] . أما ملكا فرنسا وإنجلترا فإنهما ركبا البحر من مرسيليا ووصلا بجيوشهما إلى جزيرة صقلية واستراحا بها فترة ثم غادراها دون أن يتفقا على خطة معينة فتوجه فيليب أغسطس نحو عكا مباشرة وعرج ورتشارد على جزيرة قبرص واحتلها ليتخذها قاعدة لأسطوله يهاجم منها فلسطين.

стр. 13696

اتفق الصليبيون الذين كانوا بالشام مع ملك فرنسا ومن وصل إليهم من بقايا جيش إمبراطور ألمانيا على حصار عكا ونقض جاي ذي لوزينيان ملك بيت المقدس عهده لصلاح الدين عندما فك أسره وحاصر المدينة سنة ٥٨٦ هـ وفى اليوم التالي لحصارها وصل صلاح الدين لإنقاذها وضرب خيامه في مواجهة العدو واشتدت المعارك براًَ وبحراًَ بين المهاجمين والمدافعين. وبعد فترة وصل رتشارد بجيشه ففرح الصليبيون بقدومه وقوي جانبهم وقد استبسلت حامية المدينة في الدفاع عنها وكانت أوامر صلاح الدين تصل إلى الحامية بواسطة السباحين وحمام الزاجل [٢١] . وقد استمر الحصار إلى سنة ٥٨٧ هـ وساعد الفرنج على مداومته سيطرتهم على البحر. ولما اشتد الضيق بحامية المدينة وعجز صلاح الدين عن إرغام الفرنج على فك الحصار عنها سلمت على أن يفتدى أهلها أنفسهم بمائتي ألف دينار وألف وستمائة أسير من أسرى الفرنج من بينهم مائة شخص طلب فداؤهم بالذات وأن يرد المسلمون صليب الصلبوت الذي كانوا قد أخذوه عندما فتحوا مدينة بيت المقدس [٢٢] . أخذ صلاح الدين يجمع المال ليفتدي حامية عكا ولما انقضى شهر ولم يدفع الملك المبلغ المتفق عليه أمر رتشارد بقتل ألفين وسبعمائة من أسرى المسلمين ولم يكن كريماً في معاملته للأسرى المسلمين كما فعل صلاح الدين بعد فتحه لبيت المقدس مع الأسرى الفرنج حيث أطلق آلافاً منهم عجزوا عن افتداء أنفسهم [٢٣] .

стр. 13697

وقد أصبحت عكا بعد أن استردها الصليبيون أهم مركز لدولة الفرنجة في الشرق وحلت محل بيت المقدس في الزعامة على المدن الصليبية الأخرى. وكان من المحتمل أن يكسب الصليبيون انتصارات أخرى مهمة على المسلمين ولكن سرعان ما دب دبيب الشقاق بينهم ورجع ملك فرنسا إلى بلاده وبقي (رتشارد) واستولى على مدينتي أرسوف ويافا وعزم على استرداد بيت المقدس فوجه صلاح الدين همته إلى تحصين المدينة والدفاع عنها ورأى أنه من الخير الاحتفاظ بالمدن الداخلية ريثما تتاح له فرصة تكوين أسطول بحري كبير يحمي به المدن الساحلية. صلح الرملة: كان رتشارد شديد الرغبة في فتح بيت المقدس ولكنه لم يكن واثقاً من الظفر بأمنيته ففكر في حيلة تحقق له بعض ما يتمناه وأقترح أن يزوج أخته من العادل أخي صلاح الدين على أن يحكم الاثنان بيت المقدس ولكن هذا الاقتراح رفضه المسيحيون والمسلمون على السواء [٢٤] . ثم حدثت بعض المعارك بين جيش رتشارد وصلاح الدين وكان رتشارد وصلاح الدين يتبادلان الهدايا والمكاتبات رغم الحرب الدائرة بينهما [٢٥] . ولما سئم كل من الطرفين الحرب دخلا ثانية في مفاوضات انتهت بعقد صلح الرملة سنة ٥٨٨هـ على شروط أهمها ما يلي: ١- أن تخرب مدينة عسقلاة التي كانت قد وقعت في أيدي الصليبيين وكان بقاء هذه المدينة محصنة خطراً على بيت المقدس لأنها مفتاحه. ٢- أن يستولى الصليبيون على المدن الساحلية من صور شمالاً إلى يافا جنوباً وأن تبقى المدن الساحلية الواقعة جنوب يافا في أيدي المسلمين. ٣-أن يمكن المسيحيون من الحج إلى بيت المقدس وألا يتعرض لهم المسلمون بأذى.

стр. 13698

هذا كل ما تمخضت عن الحملة الصليبية المعروفة (الثالثة) . يقول المؤرخ الإنجليزي المعروف (فيشير) معلقاً على فشل هذه الحملة ومن هذه النتيجة الضئيلة تتضح شناعة الخاتمة التي حلت بما عقد على تلك الحملة من آمال كما تتضح فداحة الدليل على عجز أوروبا عن توحيد المسيحية الغربية وتوجيهها نحو هدف عام [٢٦] . الأيوبيون والمماليك يواصلون جهاد الصليبيين:- لم يعمر صلاح الدين طويلاً بعد صلح الرملة بل وافته منيته في صفر سنة ٥٨٩ هـ ودفن بدمشق وتوارثت أسرته حكم الإمبراطورية التي أنشأها وحملت لواء الجهاد ضد الصليبين وصدت كل ما وجهوه إلى الشام ومصر من هجوم وكان آخر أبطالهم المعظم توران شاه بن السلطان الصالح أيوب الذي أظهر بطولة نادرة في حربه مع لويس التاسع ملك فرنسا وتغلب عليه وأسره مع كثير من أمراء دولته وجنده وقتل منهم سبعة آلاف في المعركة [٢٧] . وكان السلطان الصالح أيوب قد أكثر من شراء المماليك ورقاهم إلى أعلى رتب الجيش وكانوا أطوع له من بنانه وأكثر الناس ولاءً له وقد أبلوا بلاءً حسناً في محاربة الصليبين وكانوا من أقوى العناصر التي ساعدت على هزيمتهم فقوي مركزهم وطمعوا في انتزاع الملك من الأيوبيين بعد موته فلما أراد ابنه توران شاه أن يفرض عليهم نفوذه وسيطرته قتلوه بعد بضعة عشر يوماً من انتصاره على الصليبيين وهو ما يزال في أرض المعركة وقبل أن يعود إلى القاهرة [٢٨] . وبعد قتل السلطان توران شاه نادى المماليك بشجرة الدر أم ولد السلطان نجم الدين أيوب سلطانة على مصر وما يتبعها من بلاد الشام ويعدها أكثر المؤرخين آخر سلاطين الدولة الأيوبية لأنها زوجة الصالح أيوب.

стр. 13699

ولما علم الخليفة العباسي المعتصم بالله بسلطنة الشجرة الدر أنكر ذلك إنكاراً شديداً [٢٩] ، فرأت أن بقاءها في السلطنة غير ممكن فتزوجت من معز الدين أيبك التركماني أحد أمراء المماليك وتنازلت له عن السلطنة وبذلك انتقل الملك من الأيوبيين إلى المماليك. وقد واصل المماليك الجهاد ضد الصليبين ففتح الظاهر بيبرس (٦٥٨-٦٧٦هـ) كثيراً من مدنهم وأهمها قيسارية وأرسوف وصفد وطبرية ويافا وأنطاكية وفتح المنصور قلاوون (٦٧٩- ٦٨٩ هـ) طرابلس وعزم على حصار عكا ولكن المنية عاجلته [٣٠] . وخلفه ابنه الأشرف خليل (٦٨٩- ٦٩٣ هـ) فحاصرها نحو شهر حتى فتحها سنة ٦٩٠ هـ. وكانت عكا آخر معقل للصليبيين في بلاد الشام فلما تم فتحها سلم ما بقي من أيديهم من المدن في ظرف شهرين دون مقاومة وقضى على دولتهم القضاء الأخيرة [٣١] . وهكذا واصل المسلمون الجهاد حتى استردوا ما اغتصبه الصليبيون من بلادهم ولم يهنوا امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [٣٢] وواصلوا جهادهم واثقين بوعد الله للمجاهدين في سبيله بالنصر حيث يقول جلّ شأنه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [٣٣] . فلعل المسلمين أن يقتدوا بأسلافهم ويُوحدوا جهودهم ليخلصوا بلادهم من الصهاينة كما فعل أسلافهم من قبل مع الصليبيين ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [٣٤] . الشهادة على سمكة حكى عبد الرحمن بن هارون المغربي. عند القزويني- أنه ركب بحر المغرب فوصلنا إلى موضع يقال له البطرون وكان معنا غلام صقلي معه سنارة فألقاها في البحر فصاد بها سمكة نحو البشر فنظرنا. فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا الله وفي قفاها محمد وخلف أذنها اليسرى رسول الله. القزوينى ص ١٧٧

стр. 13700

-------------------------------------------------------------------------------- [١] فيليب حتى: تاريخ العرب ترجمة الأستاذ مبروك نافع جـ٢ ص٨٢٢. [٢] المصدر السابق جـ٢ ص ٨٢٣. [٣] ابن القلاني: ذيل تاريخ دمشق ص ١٣٢. [٤] ابن القلاني:ذيل تاريخ دمشق ص١٦٢. [٥] أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين جـ اص ٣١. [٦] ابن الأثير: الكامل جـ ١٠ ص ١٠٦. [٧] إسحاق أرملة: الحروب الصليبية في الآثار السريانية ص ١٠٦. [٨] ميشو: تاريخ الحروب الصليبية جـ ٢ ص ٢٧ ١- ٢٩ ١. [٩] ابن الأثير: الكامل جـ١٠ ص ١٣٩. [١٠] ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ص ٥٨. [١١] ابن الأثير: تاريخ الأتابكة ص ٢٢. [١٢] أبو الفداء: المختصر في أخبار البر جـ ٣ ص ٦٣. [١٣] المقريزى: كتاب السلوك جـ اص ٧٦- ٧٨. [١٤] أبو الفدا: المختصر جـ ٣ ص ٧١. [١٥] ابن شداد: سيرة صلاح الدين ص ٦٥. [١٦] أبوا الفدا: المختصر جـ ٣ ص ٧١- ٧٢. [١٧] المقريزي: كتاب السلوك جـ اص ١٧٢. [١٨] ابن شداد: سيرة صلاح الدين ص ٦٦، ٦٧. [١٩] أبو الفدا: المختصر جـ ٣ ص ٧٣. [٢٠] فيليب حتى: تاريخ العرب جـ ٢ ص ٨٣٩، ٨٤٠. [٢١] ابن شداد: سيرة صلاح الدين ص ١٢٠. [٢٢] أبو شامة: الروضتين في أخبار الدين جـ ٢ ص ١٨٩. [٢٣] فيليب حتى: تاريخ العرب جـ ٢ ص ٨٤١. [٢٤] أبو الفدا: المختصر: جـ ٢ ص ٨٠. [٢٥] ابن شداد: سيرة صلاح الدين ص ٢٢٩. [٢٦] تاريخ أوروبا في العصور الوسطى جـ ٢ ص ١٨٨. [٢٧] المقريزي: كتاب السلوك جـ اص ٣٥٦. [٢٨] السيوطي: حسن المحاضرة جـ ٢ ص ٤٥. [٢٩] المرجع السابق جـ ٢ ص ٤٦.

стр. 13701

[٣٠] أبو المحاسن: النجوم الزاهرة جـ ٧ ص ١ ٣٢- ٣٢٥. [٣١] أبوالفدا: المختصر جـ ٤ ص ٢٤ ولأبي الفدا أهمية خاصة في تدوين هذه الوقائع لأنه اشترك في المعارك التي دارت بين المسلمين وبين الصليبيين في أواخر عهد قلاوون وعهد ابنه الأشرف خليل. [٣٢] سورة الأعراف آية ١٣٩. [٣٣] سورة الحج آية ٤٠. [٣٤] سورة الروم آية هـ.

стр. 13702

كَيفيَّة الدَّعوَة إِلى الله للشيخ أبو بكر الجزائري رئيس قسم التفسير بالجامعة قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة يوسف أية ١٠٨) بين يدي تفسير الآية: بسم الله. والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإن هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية. كآية النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية. وكآية الرعد ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ الآية. متضمّنة واجب الدعوة إلى الله تعالى الذي قام به رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده وسلفهم الصالح خير قيام فعرف الله تعالى. وعرفت شرائعه المتضمنة محابه ومكارهه. وعبد ووحد في عبادته في أنحاء كثيرة من العالم ٠ وسعد وكمل على تلك الدعوة خلق لا يحصى عددهم إلا الله، لأنهم من أجيال أربعة عشر قرناً وزيادة.

стр. 13703

غير أن هذا الواجب تخلى عنه المسلمون في الجملة زمناً غير قصير. فمنذ ضعفت الخلافة العثمانية وقبل سقوطها والدعوة الإسلامية واقفة، وظلها الطيب المبارك ينحسر عن رقاع واسعة من العالم الإسلامي. والأسباب معروفة، فما هناك حاجة إلى ذكرها هنا. وإنما الذي ينبغي أن يذكر هو أن العالم الإسلامي قد تحرر من سلطان الاستعمار الغربي، وأصبح للمسلمين دول وحكومات لها شأن عظيم. ووزن ثقيل بين دول العالم وحكوماته فيجب على المسلمين أن ينهضوا من جديد بواجب الدعوة الإسلامية ويحملوها إلى الناس ليكملوا عليها ويسعدوا بها، وذلك واجبهم الذي أوجبه الله تعالى عليهم بآية يوسف التي نحن بصدد تفسيرها. إذ قوله تعالى: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ نص صريح في أن من اتبع الرسول ﷺ فيما جاء به ودعا إليه من الإيمان والإسلام والإحسان، وجب عليه أن يدعو إلى الله تعالى ليعرف ويعبد ويوحد. في حدود طاقته، وما يتسع له جهده البشري. ونظراً إلى الظروف المحيطة بالعالم الإسلامي. والواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم. فإن النهوض بهذا الواجب، واجب الدعوة إلى الله تعالى قد يتأتى من طريقين: الأول: وهو واجب الدعوة في داخل العالم الإسلامي، ويكون باضطلاع الحكومة المسلمة به بين مواطنيها ورعاياها، وذلك بتكوين لجان الأحياء والقرى والمساجد. وتتكون لجنة الحي في الجامع من عمدة الحي أو القرية وإمام المسجد والواعظ الخاص بالمسجد، ويتعاون كل مواطن في الحي أو القرية مع هذه اللجنة على دعوة كل مواطن لحضور درس المسجد اليومي من بعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، لتلقي العلم المعرف بالله تعالى ومحابه ومساخطه. والمواعظ المساعدة على فعل المحبوب لله ، وترك المكروه له . وعلى المسئولين أن يولوا هذه اللجان وأعمالها في المساجد عناية تجعل المواطن لا يتأخر عن حضورها والإستفادة منها طوال حياته٠

стр. 13704

يضاف إلى ذلك تحويل الإذاعة إلى منبر هداية وإصلاح وتربية وتعليم على نحو إذاعة القرآن بالمملكة العربية السعودية، فإنها خير إذاعة وجدت اليوم في العالم الإنساني؛ إنها تبث ثمان عشرة ساعة الهدى والمعرفة مع خلوها من أي باطل أو ضلال من غناء أو زمر. أو صوت امرأة يحرم سماع صوتها٠ كما يضاف إلى ما تقدم: أن يقوم وزير الداخلية في كل حكومة إسلامية بزيارات متتالية لكل قرية وحي في المدينة بحيث يؤمر أهل القرية أو الحي بالحضور إلزامياً. ويحضره الوزير ورجاله وكافة أهل القرب أو الحي ويلقي الوزير كلمة يشجع بها على طاعة الله ورسوله والاستقامة على دين الله. ثم تلقي كلمات الوعاظ والمرشدين المتخصصين. وكلها تدعو إلى معرفة الله والتقرب إليه وطلب ما عنده من خير الدنيا والآخرة وذلك بطاعته تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، بفعل الصالحات وترك السيئات٠ فعلى مثل هذا يتم النهوض بواجب الدعوة إلى الله تعالى في داخل البلاد الإسلامية. وهذا الطريق خير من نظام الجمعيات والتكتلات الخاصة، فقد جربت فلم ينتج عنها إلا البلبلة والاضطراب وسوء الأخلاق وفساد الأحوال. وقد عرف هذه الحقيقة الملك الصالح عبد العزيز آل سعود، فعاش طوال حكمه وليس في المملكة حزب ولا جمعية ولا منظمة، وجرى على هذا أبناؤه البررة. فصارت المملكة مضرب المثل في الطهر والصلاح والاستقرار بينما وجدت في البلاد الإسلامية الأخرى الأحزاب والجمعيات والجماعات، فلم تثمر شيئا ذا بال من الخير والإصلاح. فضلاً عما حصل من جرائها من مصاعب ومتاعب في كثير من البلاد الإسلامية والعياذ بالله. والثاني: وهو النهوض بواجب الدعوة خارج ديار الإسلام، ويكون من طريقين:

стр. 13705

الأول: متعذر في هذه الظروف وهو أن يتقدم الجيش الإسلامي إلى الدولة المتاخمة لحدوده فيعسكر على مقربة منها، ثم يطالب بواحدة من ثلاث: الإسلام، أو الدخول في حماية المسلمين للدعوة إلى الله تعالى، والتعريف به وبما عنده وما لديه، ويحكموا الناس بشريعة الله العادلة الرحيمة. وإن رفضت الأوليين فالثالثة وهي القتال حتى يحكم الله بين المسلمين دعاة الله وبين الكافرين دعاة الشيطان والطاغوت٠ هذا طريق، وهو متعذر في هذه الظروف كما قدمنا٠ والثاني: وهو أن يلحق بكل سفارة لدولة إسلامية في بلاد الكفر عالِمٌ متخصّصٌ في شئون الدعوة الإسلامية يتولى أمر عرض الإسلام بلغة تلك البلاد، وبيان محاسنه، والدعوة إليه بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة بواسطة النشرة والكتاب. والمحاضرة والندوة، وما إلى ذلك من وسائل البلاغ. هذا أولاً. وثانيا أن يعنى بشأن الجاليات الإسلامية الموجودة في تلك البلاد بحيث تصبح في كمالاتها الروحية والأخلاقية مثالاً عالياً يُرغب في احتذائه والتمثل به. الأمر الذي يجعل سكان تلك الديار يتساءلون عن مصدر تلك الكمالات الروحية. ويطلبون التعرف إليها، والأخذ بها. وهذه طريق من أنجح الطرق إلى الإسلام وأكثرها نفعاً: لأنها الدعوة إلى الإسلام بحسن القدوة٠ ولكي تصبح الجاليات الإسلامية على هذا المستوى الرفيع من الكمال الروحي والخلقي. يجب أن تنشأ هيئة إسلامية في العالم الإسلامي لهذا الغرض، تكون مهمتها جمع التبرعات المالية شهرياًَ من كل المسلمين حكومات وشعوباً ويتولى إنفاق تلك الأموال هيئة إسلامية أخرق تعرف (بالهيئة العليا للدعوة الإسلامية في العالم) وتعمل هذه الهيئة على توحيد كلمة الجاليات الإسلامية وعملها من طريق بناء مسجد جامع لكل مجموعة في البلد الواحد وتزويده بعالم يؤم الناس ويعلمهم ويرشدهم ويهذب نفوسهم ويصلح أخلاقهم مع فتح مدرسة تتسع لأولادهم، ومقبرة لدفن موتاهم٠

стр. 13706

ومن المسجد الجامع تنبثق لجنة تعرف (بلجنة المسجد) تعنى بشئون الأفراد المسلمين دينياً ودنيوياًَ في تلك المدينة بحيث تقوم بما تقوم به جماعة المسلمين عند انعدام الحاكم المسلم، فتأمر بالمعروف بين الجالية، وتنهى عن المنكر، وتنصح، وترشد، وترعى الحرمات، وتدفع المضرات، وتفصل في الخصومات٠ وبهذا تتم الدعوة الإسلامية في خارج البلاد الإسلامية. وبذلك تبرأ ذمة المسلمين من واجب الدعوة إلى الله تعالى. ويكونون قد قدموا لأنفسهم ولغيرهم خيراً يعود عليهم نفعة في الدنيا والآخرة. (تفسير الآية) أ- شرح الكلمات: قل: فعل أمر من قال يقول قولاً، إذا أمر غيره أن يقول. بمعنى ينطق بقولٍ ما من الأقوال. هذه: أسم إشارة إلى القريب، والمشار إليه هنا: طريق الرسول ﷺ في إبلاغ رسالته٠ سبيلي: السبيل: الطريق الموصل إلى غاية. وهي هنا الإسلام. والغاية الجنة دار السلام وأضيفت السبيل إلى رسول الله ﷺ لأنه سالكها وملتزم بالسير عليها. أدعو: أطلب غيري من الناس إلى الإسلام ليدخلوا فيه حتى يعملوا ويسعدوا٠ إلى: حرف جر يفيد الغاية ويدل عليها والانتهاء إليها٠ الله: اسم الرب ﵎: ومعناه المعبود بحق الذي يألهه أهل السماء والأرض. على: حرف جر يدل على الاستعلاء والتمكن فيه٠ بصيرة: البصيرة للقلب كالإبصار للعين. والمراد بها هنا: العلم التام والحجة الواضحة. أنا: ضمير المتكلم وهو هنا عائد إلى رسول الله ﷺ وفصل هنا ليعطف عليه قوله ومن اتبعني٠ و: حرف عطف، عطف به الموصول (مَن) على الضمير المنفصل قبله (أنا) من: من اسم موصول بمعنى الذي٠ اتبعني: اتبع فعل ماضي، والضمير المستتر فاعل عائد على من، والنون للوقاية.

стр. 13707

والياء ضمير متصل عائد على رسول الله ﷺ مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وسبحان: الواو حرف عطف- سبحان أصله مصدر كالغفران من سبح يسبح. وصار علماًَ على التسبيح الذي هو تنزيه الله تعالى عن النقائص وعن كل ما لا يليق به: أي طلب البراءة له من كل نقص وعيب٠ الله: اسم الجلالة الأعظم: علم على ذات الرب تعالى٠ وما: الواو للعطف والاستئناف. وما: حرف نفي مثل ولا، في نفي الصفات والذوات والأفعال أيضاًَ، نحو ما الله بغافل. وما القائم زيد، وما قلت غير الحق٠ أنا: ضمير فصل للمتكلم عائد إلى رسول الله صلى الله عديه وسلم. من: حرف جر، ولها معان كثيرة يعرف كل معنى بحسب ما تدخل عليه من الكلام، فتكون للتبعيض كأنفقوا مما رزقناكم، وكما هي هنا إذ نفى الرسول ﷺ أن يكون واحداً من المشركين. أي بعضاً منهم. المشركين: جمع مشرك وهو من عبد مع الله تعالى غيره من سائر المخلوقات، وبأي نوع من أنواع العبادات٠ التي شرعها الله لعباده يعبدونه بها٠ ب- المعنى المجمل للآية الكريمة: يأمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عديه وسلم أن يقول للمشركين والمكذبين به وبدينه الحق: هذه سبيلي أي طريقتي التي لا أخرج منها ولا أحيد عنها، وقد وضعني ربي عليها وأمرني بالتزامها. وهي إيماني به تعالى وإسلامي وجهي له، بعبادته وحده لا شريك له بما شرع لي من العبادات، وما ألزمني به من الطاعات، حال كوني داعيا إلا الإيمان بالله ربي تعالا والى معرفته، ومعرفة محابه ومساخطه٠ من الاعتقادات والأقوال والأعمال والى فعل محبوبه، وترك مكروهه. ليكمل الناس بذلك ويسعدوا عليه٠

стр. 13708

وإني في دعوتي هذه لَعَلَى عِلمٍ كامل ومعرفة تامة بربي وبمحابه ومساخطه، وبما عنده من نعيم مقيم لأوليائه في دار كرامته، وما لديه من نكال وعذاب أليم لأهل عداوته وبغضته ممن كفروا به وأشركوا في عبادته، وذلك في دار مهانة أعدائه يوم يحشرون إليه. ويجمعون ويوقفون بين يديه. وان أتباعي على طريقتي هم مثلي يدعون على علم تام ومعرفة كاملة. يدعون عباد الله إلى معرفته تعالى ومعرفة محابه ومكارهه، والى طاعته بفعل محابه من المعتقدات والأقوال والأفعال، وتركَ مكارهه من ذلك، رجاء أن يكملوا ويسعدوا في دنياهم وأخراهم. وإني لمسبح ربي ومقدسه ومنزه له عن كل ما لا يليق بجلاله وجماله من الولد والشريك والعجز وكل صفات النقص وسمات الضعف والعجز٠ ومع هذا فإني متبرئ من المشركين، فلا تربطني بهم رابطة، ولا تصلني بهم صلة، وذلك من أجل محادتهم لربي، وشركهم به، وكفرهم بآياته ورسوله، وأن أتباعي مثلي في تنزيه ربي وتقديسه، وفي البراءة من الشرك والمشركين٠ جـ- هداية الآية: اعلم أخي المسلم أن في كل آية من آي كتاب الله تعالى الذي بلغ نيفاً وست آلاف أية هداية خاصة بحيث لا تخلو أية من ذلك. وقد تحمل الآية الواحدة هدايات عدة وهناكَ نوع من الهدايات لا تخلو منه أية آية قط، وهو دلالة كل آية على وجود الله تعالى وعلمه ورحمته وقدرته وحكمته، ونبوة محمد ﷺ ورسالته. وبيان ذلك: أن الآية قول نزل على محمد ﷺ ، وكل قول دال على قائله؛ إذ يستحيل وجود قول بلا قائل، فدلت الآية إذاً على وجود الله تعالى. وبما أن الآية تحمل علماًَ ومعرفة فقائلها إذاً عالم. وكون الآية تحمل مظهر الرحمة، لأنها نزلت بالخير، فمنزلها رحيم، وكونها لا تخلو من حكمة نزلت لها فإن منزلها قطعا حكيم، وهكذا ٠

стр. 13709

وبما أن محمداً ﷺ رجل أمي بشهادة الله تعالى وشهادة التواتر البشري وينطق بالقرآن ويقرؤه، ويعلمه، ويهدي ويحكم به. فإن هذا دل على أنه ﷺ نبي الله ورسوله. إذ لولا أن الله تعالى نبأه وأرسله لما أوحى إليه كلامه، وأمره أن يتلوه ويعلمه ويحكم به ويهدي، وهو أمي لا يعرف حتى الحروف الهجائية. فهذه الهداية- وهى الدلالة الفعلية على صحة الحقيقة العظمى وهى: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله- موجودة في كل آية من كتاب الله القرآن العظيم. ومن هدايات هذه الآية الخاصة: ١- منهجية الإسلام: إذ هو سبيل الله الموصل إلى رضوانه تعالى وجواره الكريم، وهو قائم على الاعتقاد الخاص، والقول الخاص، والعمل الخاص. وأهله ملزمون بالتقيد التام بمعتقداته، وأقواله، وأعماله. وبهذا كان الإسلام منهجاً ثابتا وواضحاًَ يفضي بالآخذين به إلى كمالهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة٠ ٢- علم الداعي بما يدعو إليه: وبما يساعده على إبلاغ دعوته من الحجج القواطع، والبراهين السواطع. العقلية والنقلية ومن ذلك أساليب البيان للترغيب والترهيب٠ ٣- واجب الدعوة إلى الله تعالى: ليعبد ويوحد. ويذكر ويشكر من أجل إكمال البشر وإسعادهم في الحياتين. على كل من شهد لله بالوحدانية، ولمحمد ﷺ بالرسالة ممن أوتى علماً وبصيرة في دين الله تعالى الذي هو الإسلام٠ ٤- وجوب تنزيه الله تعالى وتقديسه: عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله وجماله من سائر العيوب والنقائص، مع وجوب إثبات كل كمال لله مما يليق بذاته وربوبيته سبحانه. ٥- وجوب البراءة من الشرك وأهله: ولو كانوا أقرب قريب. وذلك إلى أن يؤمنوا بالله وحده ويعبدوه بما شرع لعباده من ضروب الطاعات وصنوف العبادات٠

стр. 13710

هذا وفي الآية هدايات غير ما ذكرنا. والله نسأل أن يرزقنا الاهتداء بهداياتها والعمل بها. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه. قال تعالى: ﴿ولا تصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ وَلاَ تَمْش في الأرض مَرَحاً إنَّ الله لا يحب كلَّ مُخْتال فخُورٍ﴾ (لقمان الآية: ١٨) من هم القُرّاء السبعة هم: نافع في المدينة المنورة - وعبد الله بن كثير في مكة المكرمة - وأبو عمرو بن العلاء في البصرة - وعبد الله بن عامر في دمشق- وعاصم - وحمزة ابن حبيب والكسائي ثلاثتهم في الكوفة.

стр. 13711

لماذَا كانَت الهِجرَة إلى الحبشة؟ للشيخ عبد الكريم عبد السلام بالدراسات العليا بالجامعة إن الهجرة في الإسلام ليست مجرد مجرد ترك الوطن أو الابتعاد عن الأهل والعشيرة، أو الزهد في المال لأنها إذا كانا كذلك فلا ميزة لها ولا أهمية في الإسلام. فالهجرة في الإسلام تحتوي على معان عظيمة وتهدف إلى تحقيق أهداف سامية، فلها أهمية خاصة في نظر الإسلام، ومعيار لقوة الإيمان وضعفه، وفارقة بين الصادق المخلص والمدعي الخادع، ووسيلة من وسائل نصرة العقيدة التي آمن بها المهاجر مهما كلفه ذلك من عناء ومشقة مضحياً في سبيل ذلك بكل ما يملك. ولعلنا نستطيع أن نستشف ذلك من قوله ﷺ : "إن شأن الهجرة لشديد " [١] . فلم تكن الهجرة إلى الحبشة والطائف وكذلك الهجرة إلى المدينة إلا لأجل تحقيق المبادىء التي دعا المصطفى ﷺ الناس إليها لتكون لهم عقيدة وسلوكاً. ولما انتهت دواعي ذلك، أعلن الرسول ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا " [٢] . وسنرى فيما يأتي في ضوء هذه المقدمة، ما هي الأهداف من الهجرة إلى الحبشة؟. وإلى أي مدى تحققت؟ ...

стр. 13712

قطعت دعوة الرسول ﷺ مرحلتها السرية، وشوطاًَ من طورها الجهري، بعد مضي نحو خمس سنوات من بدايتها، وقد سعت قريش بجميع عروضها المغرية ضد الرسول ﷺ لتعطيل حركة الدعوة، ووقف سيرها، وهى تعلم أن ما تصبو إليه بعيد المنال، فأكبت على المسلمين بضروب من العذاب وفنون من الأذى والنكال، مع قلة عددهم، وضعف قوتهم المادية، وأخذت تمارس ألواناً من الإيذاء الموجع، والتعذيب المهلك، ضد جماعة المؤمنين حتى بلغ أذاهم مبلغاً يذيب الصخر، ويفتت الجبال الراسيات، فصبروا على هذا الإبتلاء دون وهن، وكان الرسول ﷺ في منعة من قومه، وحماية عمه أبى طالب، لا يصل إليه شيء يكرهه مما ينال أصحابه، ولم يكن يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء.

стр. 13713

فرأى من حسن السياسة أن يبعد أصحابه عن مكة ليرتاحوا فترة من الزمن حتى يقضي الله بأمره، ولم يكن ذلك إلا بوحي من الله تعالى، فالقرآن كان قد بدأ يهيئ نفوس المسلمين لترك الوطن والأهل والمال في سبيل الله، بحيث لا تكون هذه الأشياء عقبة في سبيل نشر الدعوة وإقامة شعائرها، فقال الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [٣] . وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [٤] . بعد هذه التوجيهات والتلميحات قال الرسول ﷺ لأصحابه:"لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه " [٥] . فخرجت [٦] عند ذلك جماعة من المسلمين في رجب من السنة الخامسة من البعثة إلى أرض الحبشة، فكانت أول هجرة في الإسلام، إلا أنهم- بعد ثلاثة أشهر رجعوا إلى مكة لما بلغهم من إسلام أهلها، حتى إذا دنوا منها، عرفوا عدم صحة ما بلغهم من إسلام هؤلاء، فلم يدخل فيها أحد منهم إلا بجوارٍ أو مستخفياً، وعاد بعضهم الآخر إلى الحبشة ثانية [٧]

стр. 13714

ثم إن هؤلاء العائدين إلى مكة، لم يلقوا من قريش إلا ما كانوا يواجهون من قبل من عنف وتعسف، فأذن لهم النبي ﷺ بالخروج مرة ثانية إلى أرض الحبشة، فخرج [٨] هذه المرة حوالي ثمانين رجلاً وبضع عشرة نسوة. بعد مقارنة الراويات في هذا الصدد يبدو أن جميع المهاجرين الذين أقاموا في الحبشة، يبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلاً، وثماني عشرة نسوة، منهم إحدى عشرة امرأة قرشية، وسبع نسوة غير قرشية. ونزلوا جميعاً في جوار النجاشي، فكانوا في خير دار إلى خير جار، آمنين أحراراً على دينهم، ولم يخشوا ظلماً ولم يسمعوا مكروهاً، بل كان لهم عنده منزلة، وكان يرسل إليهم فيسألهم عما يريدون [٩] . ولم تكن الهجرة إلى الحبشة اعتباطاً أو فراراً كما يظنه بعض الكتّاب- مؤولاً ذلك إلى الفرار بالدين، ولكنها كما يبدو بعد إمعان النظر- وقعت بعد دراسة عميقة دقيقة قام بها الرسول ﷺ بوحي من الله تعالى. وقد دل تحقق النتائج التي توقعها النبي ﷺ لهذه الهجرة على مدى عمق تفكيره، وحسن تدبيره، وإداركه الأمور، واتخاذه أسلوباً حكيماً مواطئاً للظروف القائمة في نطاق وحي الله تعالى. فالهجرة كانت ذات نتائج عظيمة، ولم تكن مجرد فرار بالدين مخافة الفتنة، أو طلباً للمأوى في الحبشة فحسب، أو لم تكن أسبابها ما قاله المستشرقون كذباً وافتراءً على الإسلام لإظهار ضعف أهله، والتشكيك في نوايا دعاته. وخلاصة أقوالهم: أن تلك الهجرة كانت للأسباب التالية: أولاً: الهروب من الاضطهاد ... ثانياً: البعد عن خطر الارتداد. ثالثاً: ممارسة النشاط التجاري. رابعاً: السعي للحصول على مساعدة عسكرية من الأحباش. خامساً: نشوء اختلاف شديد بين المسلمين آنذاك.

стр. 13715

ولم يكن كل من خرجوا في هذه الهجرة فقراء، ليس لهم منعة ولا قوة، بل كان أكثرهم ذوي شرف ومكانة في قومهم، وأولى ثروة ومال، وكان لهم من عصبتهم ما يدفع الأذى عنهم إلى حد كبير أمثال: عثمان بن عفان، وابن عوف، وجعفر بن أبي طالب ﵃ ممن هم في الذروة من النسب، ولهم مكانة وجاه بين قريش. أما الموالي المستضعفون الذين لاقوا التعذيب فلم يهاجر منهم إلا قليل، وقد كانوا أحق بالهجرة والنجاة من غيرهم، فلماذا هاجر الأقوياء وبقي المستضعفون، إن كان الفرار هو الهدف من الهجرة؟ ... ولماذا هاجرت نساء من بين أشراف قريش كرقية بنت الرسول ﷺ ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأسماء بنت عميس ﵅. ولم تتعرض إحداهن لأذى أو فتنة؟ [١٠] . وعلى هذا يبدو أن إيذاء قريش للمسلمين لم يكن هو وحده السبب للهجرة، بل كانت هناك عوامل أخرى سيأتي ذكرها. وقد جعل الرسول ﷺ هجرة المهاجرين إلى الحبشة مثل هجرة المهاجرين إلى المدينة التي لا تخفي أهميتها على أحد، حيث صرح بذلك حينما ذكرت له أسماء بنت عميس قال لها عمر: "سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله عنكم". فقال ﷺ : " ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أصحاب السفينة هجرتان " [١١] . ولنوجز الأسباب الظاهرة التي من أجلها أذن النبي ﷺ للمسلمين بالهجرة، وخاصة إلى الحبشة، وذلك فيما يلي: أولاً: اشتد تعذيب قريش على المسلمين، وطفحت كأس صبرهم، حتى جاءوا يسألون النبي ﵊:"متى يأتي نصر الله؟."فأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة صوناً لدينهم، وحماية لهم من أذى قريش. وتلك سنة من الله شرعها لمن ضيق عليه إلى يوم القيامة، عند عجزه عن الظهور بدينه، إذا منعه أهل الباطل من العمل بها أو الدعوة إليه [١٢] .

стр. 13716

ثانياً: أراد الرسول ﷺ إنقاذ الدعوة من إجهاضها في أيامها الأولى، ذلك لأن المسلمين كانوا يتزايدون كل يوم، ولو بقوا كلهم بمكة، لشعرت قريش بخطرهم عليها، فتقوم بحرب استئصال لهم باسم الآلهة، وربما أيدهم العرب في ذلك [١٣] . ثالثاً: يبدو أنه كان من الممكن أن يترتب على هجرتهم إثارة العاطفة الجياشة إزاء الأهل والأقرباء واستغلالها أحسن استغلال، فتراود قريش نفسها في أمر هؤلاء المهاجرين الذين تربطهم بهم رابطة الرحم، فقد تمتنع عن إيذائهم. والحق أنه كان لذلك أثر كبير في قلوب القرشيين، فلم تبق دار أو أسرة إلا وتأثرت بهذا الحادث الأليم، إلا أن هذا التأثر كان مختلفاً من بيت إلى آخر، فمن هؤلاء من ازداد غيظاً على المسلمين فزاد في تعذيبهم ومنهم من شعر أنه من الظلم إجبار الناس على مفارقة الأهل والوطن، فرقت قلوبهم للمهاجرين، وأصبح ذلك سبباً إلى اعتناقهم الإسلام [١٤] .

стр. 13717

ألا ترى لما خاب أمل الوفد المبعوث من قبل قريش إلى نجاشي الحبشة في اليوم الأول، قال عمرو بن العاص أحد العضوين للوفد:"والله لآتينه غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم". فقال صاحبه عبد الله بن أبى ربيعة:" لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا" [١٥] . وإن في خبر زوجة عامر بن ربيعة مع عمر بن الخطاب لأبلغ دليل على الأسف الذي داخل بعض قلوب الكفار من مغادرة ذوي أهلهم وهجرتهم إلى الحبشة. وذلك أنه مر عمر بن الخطاب بأم عبد الله بن عامر وهى تستعد للرحيل إلى الحبشة، وكان زوجها قد خرج لقضاء بعض حاجاته، فقال لها عمر:"إنه للانطلاق يا أم عبد الله"، فردت عليه وذكرته بالأذى والبلاء والإهانات التي يتعرضون لها. وقالت:"نعم والله لنخرجن في أرض الله، آذيتونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا فرجاً ومخرجاً "، فقال:"صحبكم الله". فأحست رقة في نبرات عمر لم تكن تعهدها من قبل وقد عرفت عنه قسوته على المسلمين، فلما عاد زوجها أخبرته بما بدا على عمر، وقالت:"يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفاً ورقته وحزنه علينا"، قال:"أطمعت في إسلامه"، قالت: "نعم". قال:"فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب". رابعاً: إن في خروجهم إلى الحبشة إشارة إلى حقيقة كبرى، وهى أن الدعوة الإسلامية لم تكن لتنحصر في مكة أو الجزيرة العربية أو أي بقعة خاصة في الأرض، بل إنها موجهة إلى جميع العالم، ولهذا لما وصل المهاجرون إلى أرض الحبشة لم يكونوا صامتين، أو قائمين بالشعائر في مجالسهم فقط، أو عاكفين في بيوتهم فحسب، بل أظهروا مظاهر الإسلام. ومن نتائج واقعهم هذا قدوم وفد النصارى إلى النبي ﷺ في مكة، وإسلام النجاشي حتى أصبح داعياً إلى الإسلام، فكان عمرو بن العاص من الذين أسلموا على يديه، كل ذلك من نتائج جهود المسلمين المهاجرين وآثارها [١٦] .

стр. 13718

خامساً: ومن عواملها: أخذ التجربة لنشر الدعوة في موطن جديد، مع الإبقاء على ضعفة المسلمين ويؤيد هذا القول أن الهجرة جاءت بعد أن لم يستجب للدعوة إلا قليل، ويشهد لهذا- أيضاً- ما سبقت الإشارة اليد من أنه لم يهاجر كل الضعفة المعذبين، إذ ما كل مستضعف كان يلوذ بالفرار والهجرة بما يدل عليه ما جرى لعثمان بن مظعون الذي كان في جوار من وليد بن المغيرة. وذلك أنه لما رأى ما فيه أصحابه ﷺ من البلاء. وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد، فقال:"هذا نقص كبير في نفسي"، فرد إليه جواره. (أنظر: ابن هشام، السيرة ١ ص ٣٨٦) . سادساً: وشيء آخر ذو بال يلمح من الهجرة إلى الحبشة، أملأ وهو الجانب الإعلامي لأمر الدعوة الإسلامية بحيث ينتشر عند العرب وغيرهم أمر هؤلاء القوم الذين أتوا النجاشي وظفروا بحمايته، من هم؟ ولماذا جاءوا؟ وبماذا جاءوا؟ . وتتناقل الألسنة هذا الخبر من مكان إلى آخر، فيصبح ذلك بمثابة الإعلام الناجح عن وجود هذه الدعوة الإسلامية فيترتب على ذلك انتشارها في أماكن مختلفة، وهذا كسب عظيم. وهذا الأمر زاد من قلق قريش، فقد أشاعت هذه الهجرة في أهل مكة جواً من الخوف وزلزلة في القلوب، حتى ترك رجال قريش حيارى لا يدرون ماذا يفعلون؟. لقد أحس الملأ من قريش أن الزمام أخذ يفلت منهم، وأن هؤلاء الذين احتموا بأرض الحبشة من المسلمين سيكونون- بلا ريب- دعاية حسنة لدعوة الإسلام، فليس يبعد أن يتأثر الأحباش بدعوتهم فيسلموا، وينتشر الإسلام، فيصير المسلمون قوة وكثرة، وتصبح لهم قاعدة إسلامية هناك، ولقد أسقط في يد قريش عندما رجع رسولاها من عند النجاشي بدون جدوى ففي هذا الجو الغاضب الحائر قرروا أن يقاطعوا بنى هاشم وبني عبد المطلب بالصحيفة الظالمة.

стр. 13719

يقول أمين دويدار: "كانت هواجس الخوف من هجرة المسلمين إلى الحبشة تقلق بال قريش، وتزعج أمنها واستقرارها، حتى تركتها في اضطراب دائم، وبلبلة مستمرة، وأغلقت منافذ التفكير على ذوى الرأي فيها، وحرمتهم التوفيق في كل ما كانوا يأتون، ويدعون من الأمر، فكانوا يقدمون على شيء يظنون أن فيه النيل من رسول الله ﷺ والصد عن سبيله، فينقلب عملهم خيراً له وشراً عليهم" [١٧] . والحقيقة أن هذه الصحيفة كانت دعاية لصالح المسلمين بين الوافدين إلى مكة وتبين الناس ظلم قريش وعدوانها حتى أدى ذلك إلى شعورها بالخزي. وها أذكر الآن بعض الأسباب التي اختار النبي ﷺ أرض الحبشة لتكون هي المهجر الأول للمسلمين فيما يلي: أولاً: اختارها لعدم وجود قبائل عربية مستقرة فيها، فتتمكن قريش عن طريقها من النيل من المسلمين وتكون الهجرة سبباً في إثارة المتاعب في وجوه المهاجرين، أما الجزيرة العربية – إذ ذاك –فلم تكن مهيأة للهجرة إليها، بل ربما كان من المحقق أن تجامل قريشاً لمكانتها وعظمتها لديهم، بسبب بدانتها البيت وسيادتها الدينية وكونها من ولد إسماعيل. أما العراق والشام فكان يعوزهما الاستقرار السياسي، إذ كانت الحروب والاضطرابات مشتعلة فيها، فالهجرة إليهما لا تحقق الغرض المقصود، بل إنها تكون أشد خطراً من الإقامة في مكة نفسها، فضلاً عن أنه كانت هناك بينها وبين قريش علاقات تجارية قديمة وغير تجارية مما يجعل العراق والشام تبادران إلى إجابة مطالب قريش، كذلك كان دولة الفرس قائمة وما كانت تدين بدين سماوي، فما كانت الهجرة كذلك تصلح لديهم. كل ذلك يدل على أن الهجرة إلى هذه الجهات كانت أمراً غير مأمون العواقب، ثم إن المهاجرين لا يمكنهم اختراق شبه جزيرة العرب إلى هذه الجهات النائية دون التعرض للقرشيين وحلفائهم [١٨] .

стр. 13720

ثانياً: كان ملك الحبشة أصحمة النجاشي عالماً بالتوراة والإنجيل، ومعروفاً بحب العدل وتحري الحق، ولم يكن يخشى لديه ظلم أحد- كما قال عنه النبي ﷺ :"لا يظلم عنده أحد". وقد كان أهل مكة يعرفونه لصلاتهم التجارية بالحبشة. ثالثاً: أنهم كانوا على شيء من دين المسيح ﵇، وهم أقرب مودة وأقل عداوة من اليهود والمشركين وغيرهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الود فقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [١٩] . رابعاً: لجوء المسلمين المهاجرين إلى أرض آمنة، يجدون فيها الراحة والحماية- الأمر الذي يشجع أهل مكة الخائفين من اعتناق الدين الإسلامي أن يعتنقوه ويلحقوا بهؤلاء المهاجرين. وبعد هذه الدراسة يبدو- في الحقيقة- أن هجرة المسلمين إلى الحبشة لم تكن لغرض دنيوي ولا اقتصادي ولا عسكري، ولم تكن لجوءً سياسياً بحتاً، بل أنها كانت بمثابة أسلوب من أساليب الدعوة التي اتخذها الرسول ﷺ بحيث كانت لها فوائد جمة وكانت نقلة كبرى، وانقلاباً خطيراً في محيط المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون في مكة المكرمة. هكذا كان حكام المسلمين

стр. 13721

يروي التاريخ أن عمر بن الخطاب ﵁. كان يجتاز الطريق يوماً ومعه الجارود العبدي فإذا امرأة تناديه وتقول:"رويدك عمر حتى أكلمك كلمات قليلة "، ويلتفت عمر وراءه ثم يقف حتى تبلغه المرأة. فتقول له وهو مصغ مبتسم: "يا عمر عهدي بك وأنت تسمى عميراً تصارع الفتيان في سوق عكاظ فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية واعلم أن من خاف الموت خشي الفوت". فقال لها الجارود العبدي: لقد اجترأت على أمير المؤمنين ". فجذبه عمر من يده وهو يقول:" دعها فإنك لا تعرفها هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات وهي تجادل رسول الله في زوجها وتشتكى إلى الله. فعمر والله حري أن يسمع كلامها ". -------------------------------------------------------------------------------- [١] البخاري: الجامع الصحيح كتاب الأدب باب ما جاء في قول الرجل (ويلك) جـ ١ ص ٥٥١ رقم الحديث (٩١٦٥) ومسلم الجامع الصحيح، كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير جـ ١٣ ص ٩. [٢] البخاري: الجامع الصحيح كتاب الجهاد. باب وجوب النفير جـ ٦ ص ٣٧، رقم الحديث (٣٨٣٥) ومسلم. المرجع السابق ص ٨. [٣] انظر: الطبري: جامع البيان جـ ٢١ ص٧ , والقرطبي:جامع أحكام القرآن جـ ١٣ص٣٥٧ وابن كثير: تفسير القرآن العظيم جـ ٣ص ٤١٩، والألوسي: روح المعاني جـ ٢١ ص ٩، والشوكاني: فتح القدير جـ ٤ ص ٢١٠ وصديق حسن خان: فتح البيان جـ ٧ ص ٢٢٣. [٤] انظر: الطبري: جامع البيان جـ ٢٣ ص ١٣٠، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم جـ ٤ ص ٤٧، وسيد قطب: في ظلال القرآن جـ ٥ ص ٣٠٤٣، والمودودي: تفهيم القرآن جـ ٤ ص ٣٦٣. [٥] ابن إسحاق: السيرة ص ١٩٤.

стр. 13722

[٦] انظر: ابن الأثير: الكامل جـ ٢ص ٧٧، وابن سعد:الطبقات جـ١ ص ٢٠٤، وابن كثير: السيرة جـ٢ ص٣،وشبلي النعماني السيرة:جـ١ ص ٢٧٣، والمودودي: السيرة جـ ٢ ص ٥٦٧. [٧] أنظر: ابن هشام، السيرة جـ ١ ص ٣٨٢، وابن سعد، الطبقات جـ١ص٢٠٣-٢٠٦،وابن الأثير، الكامل جـ٢ ص ٧٧. [٨] ذلك في بداية السنة السادسة من النبوة.أنظر: المودودي، السيرة جـ٢ ص ٥٨١. [٩] اليعقوبي: التاريخ جـ ٢ ص ٢٩. [١٠] أنظر عبد الرؤوف شلبي: الدعوة الإسلامية في عهدها المكي ص ٣٣٧. . [١١] البخاري: الجامع الصحيح، كتاب المغازي باب غزوة خيبر رقم الحديث (٤٢٣٠- ٤٢٣١) جـ ٧ ص ٤٨٥، ومسلم: الجامع الصحيح، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل جعفر وأسماء وأهل السفينة جـ ١٦ ص ٦٥. [١٢] انظر: عبد العزيز بن راشد، أصول السيرة المحمدية ص ٤٤ وظافر القاسمي: نظام الحكم في الشريعة ص ٢٨. [١٣] أنظر: محمد رواس قلعة جي: التفسير السياسي للسيرة ص ٦٦. [١٤] أنظر: جلال مظهر، محمد رسول الله سيرته وأثره في الحضارة ص ٦٤، المودودي: السيرة جـ ٣ ص ٥٨٦، وأمين أحسن الإصلاحي: الدعوة إلى دين الله وأساليبها ص ٢١٥، والدكتور علي حسني الخربطلي: الرسول في المدينة ص ٨١. [١٥] ابن هشام: السيرة جـ ١ص ٣٤٩، وابن كثير: البداية والنهاية جـ ٣ ص٧٤. [١٦] انظر: يحيى بن أبي بكر العامري بهجة المحافل جـ ١ص ٣٢٦، ومحمد إسماعيل إبراهيم: سيرة الرسول ﷺ ص ٨٠ وعطية محمد سالم: معالم على طريق الهجرة ص ١٨. [١٧] صور من حياة الرسول ﷺ ص ١٦٢. [١٨] انظر: أحمد عز الدين عبد الله خلف الله: السيرة المحمدية الخالدة جـ ١ ص ١٧٦-١٧٧، وعلي حسني الخربطلي: الرسول في المدينة ص ١٩.

стр. 13723

[١٩] قد ذهب أهل التفاسير أنها نزلت في حق النجاشي، انظر: الطبري: جامع البيان جـ ٧ص، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن جـ ٦ ص ٢٥٥، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم جـ ٢ ص ٨٥.

стр. 13724

مُوجَز لتاريخ القدس حَتى الفتح الإسلاَمي للدكتور شفيق جاسر أحمد محمود أستاذ مساعد بكلية الدعوة وأصول الدين بنى اليبوسيون- وهم عرب كنعانيون- مدينة القدس قبل الميلاد بحوالي ثلاثة آلاف سنة، وأحاطوها بالأسوار مما زاد في منعتها [١] ١. وقد كانت القدس في ذلك العهد على طريق تربط مصر ببلاد الشام، تبدأ من بحيرة التمساح، مارة بسيناء، وبئر السبع، والخليل، وبيت لحم، والقدس، والجيب، وبيتين، ونابلس، وتعنك، حيث تلتقي في مجدّو مع الطريق الرئيسية الساحلية، التي تصل بين مصر وبلاد الشام، وكانت تتصل مع ساحل البحر الأبيض المتوسط عن طريق الجيب، بيت عور التحتا، يالو، أبو شوشة، عاقر، وتتصل بالغور عن طريق مخماس، أريحا. والقدس من أقدم مدن الأرض، وهى أقدم من بابل ونينوى، وليس أقدم منها إلا (اون) أو (ايوتو) [٢] أولى عواصم مصر في فجر التاريخ و (منف) أو (ممفيس) ثاني عواصم مصر التي أنشئت حوالي سنة ٣٤٥٠ قبل الميلاد [٣] . لقد بنيت منازل القدس من الحجارة، وكانت منازل صغيرة، يتألف المنزل منها من طبقة واحدة، له في وسطه باحة، وحولها الغرف.، والمدخل في صدر الباحة، وأحياناًَ يكون في وسطها بئر تتجمع فيه مياه الأمطار. وكانوا يأخذون حجارة البناء من الأحجار الكلسية البيضاء لليونتها، وسهولة نحتها. ولوجود هذه الأحجار في أعماق الصخور [٤] ، تمكن اليبوسيون من حفر الأحواض والأنفاق الكثيرة، مما كان له شأن في تاريخ المدينة. وقد قدرت مساحة المدينة آنذاك ما بين ستة عشر إلى ثمانية عشر فداناً [٥] .

стр. 13725

كان أهل القدس في البداية يكتفون بمياه الأمطار، ولما كثر عددهم استفادوا من مياه عين أم الدراج. ولذلك بنوا حوالي عام ألفين قبل الميلاد نفقاًَ [٦] يصل بين المدينة وهذه العين، يسهل وصول السقاة للعين، ويفيدهم أثناء الحصار. والنفق المذكور هو أقدم ما عثر عليه من ذكر لطريقة الحصول على المياه من العيون والآبار المجاورة للمدينة. وكان ملكي صادق [٧] ملك اليبوسيين ورئيسهم الديني من الموحدين، لذلك تكون مدينة القدس أقدم بقعة في الأرض آمنت بالله الواحد، ونبتت فيها فكرة التوحيد كما نسب إليه أنه مؤسس القدس [٨] التي كانت قبل ذلك صحراء بين أودية، وجبال، فنزل ملكي صادق بكهف من جبالها للعبادة، واشتهر أمره، فجاءه ملوك الأرض الذين كانوا بالقرب من القدس، وكانوا اثني عشر ملكاً، فسمعوا منه، وساعدوه بالأموال على إقامة مدينة القدس، ثم عينوا ملكاً عليهم وسموه (أبا الملوك) [٩] . وقال مؤلفوا قاموس الكتاب المقدس: "والظاهر أنه أي- ملكي صادق- كان محافظاً على سنة الله بين شعب وثني، ولذلك كانت له الأسبقية على إبراهيم وعلى الكهنة الذين تسلسلوا منه " [١٠] . وقد كان ملكي صادق قد اتخذ بقعة الحرم الشريف معبداً له يقدم ذبائحه على موضع الصخرة المشرفة [١١] . وبذلك يكون العرب الكنعانيون أقدم من قدس هذه البقعة وتعبد فيها، وذلك قبل أن يقوم سليمان بن داود ببناء هيكله بما يقرب من ألف سنة [١٢] . وهذا يفسر لنا ما أثبتته الحفريات وذكره المحدثون من أن بناء سليمان كان على أساس قديم، فقال صاحب الأنسب:"وهذه الأقوال تدل على أن بناء داود وسليمان إياه إنما كان على أساس قديم، لا أنهما المؤسسان له بل مجددان " [١٣] . كما ذكر كعب الأحبار- الذي كان من علماء اليهود ثم أسلم- "إن سليمان بنى هيكل بيت المقدس على أساس قديم " [١٤] .
следующие страницы →