Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14141–14180 · переход к 14146.
стр. 14141
رجعية التقدميين
ينادي بعض الكتاب (التقدميين) المعاصرين من خلال دراساتهم الإسلامية الشباب الدارسين إلى إعادة النظر في مادة القدماء. وقد يتصور الناس أنهم اكتشفوا مفاهيم جديدة لم يطلع عليها القدماء في مجال العلم والمعرفة لفقد الوسائل التي حصلت للإنسان بعد التطور العلمي والصناعي.
غير أن استعراض أفكارهم يخيب الأمل حيث لا يجد الإنسان عندهم اكتشافا جديداً أو موضوعاً طريفاً يستحق الاهتمام والتنويه وكل ما يجده في أفكارهم هي جاهلية العصور الأول، عصور كثيرة الفرق وتضارب الأهواء في الملل والنحل بسبب استيراد التصورات اليونانية الوثنية في الإلهيات، ومباحث ما وراء الطبيعات.
والشيء الذي يبعث على الضحك والبكاء معاً هو نداء هؤلاء الكتاب إلى إحياء الفكر الاعتزالي وقضايا: تعطيل الرب من الصفات، وإيجاب الأصلح عليه، ومنح الإنسان حرية خلق أفعاله، واستقلاله عن الوحي، والإيمان بمنزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، وجعل المعاد، والجنة والنار، وكل ما يتعلق بالحياة الأخروية رموزاً وأشياء فنية – كل هذه الآراء أثيرت أثناء غزو الفكر اليوناني عن الكون والحياة، غير أنها تبخرت أمام الفكر الإسلامي الصحيح وبوقوف العلماء المخلصين في وجه هذا التيار المنحرف.
ويندهش الإنسان أمام رجعية الكتاب المتنورين التقدميين اليوم حينما ينادون –إلى إحياء تلك الأضاليل من جديد حيث أنهم رغم كل ادعاءاتهم عن تمجيد العقل والبلوغ إلى مراتب الاجتهاد العليا لا يستطيعون إلا بنبش قبور الأولين من المعتزلة والخوارج والجهمية والفرق المنحرفة الأخرى والتوقف عند ما توصلت إليه عقولهم قبل قرون من الزمان.
стр. 14142
لذا لا نبالغ حينما نقول إن كتابات كافة أدعياء (التنور) و (العقلانية) والتقدم في هذا العصر لا يؤكد إلا حتمية واحدة وهي أنهم أغبياء رغم دعاويهم عن الاجتهاد والتعقل، جبناء رغم تظاهرهم بالشجاعة، رجعيون رغم هتافاتهم عن (التنور) و (العقلانية) .
أغبياء ... لأنهم ما استطاعوا زيادة شيء على ما يؤثر عن الفرق المنحرفة من الأفكار والآراء بل ما استطاعوا استيعاب تلك الآراء وإدراكها إدراكا صحيحا، لأننا لا نجد عندهم شجاعة أدبية في نسبة الأفكار إلى المصادر التي يأخذون منها من كتب الملل والنحل بواسطة المستشرقين أئمتهم الذين اغترفوا أيضا من تلك المياه العكرة.
رجعيون ... لأنهم لا يقدرون على نقد أفكار أئمة الضلال بل يقبلون كل ما ينزل عليهم من سحاب الاعتزال أو غيوم الاستشراق كالوحي المنزل من السماء، لا تؤكد كتاباتهم ودراساتهم إلا هذه الحقيقة.
فهل يتنبه الشباب المسلمون إلى تضليل هذه الفئة من الناس التي تتفنن في الأساليب أثناء الحديث عن التراث وأصول الدين والتاريخ والأدب...؟
ولا يحمل هؤلاء الناس على الكلام حول غياب الإنسان غياب الوعي من التراث إلا غياب الإيمان من نفوسهم ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ...
(عن البلاغ - العدد ١٦٩٤ لسنة ١٤٠٣هـ)
стр. 14143
أخبار الجامعة
إعداد إدارة العلاقات العامة بالجامعة
أضواء على نتائج الامتحانات بالجامعة في العام الجامعي ١٤٠٢-١٤٠٣هـ في مجال الدراسات العليا
١- بلغ عدد الحاصلين على درجة الدكتوراه عام ١٤٠٢/ ١٤٠٣هـ خمسة عشر طالباً منهم ستة طلاب سعوديون، والباقون ينتمون إلى الأردن، والسودان، وفولتا العليا والهند واليمن ولبنان.
وقد حصل أربعة عشر منهم على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.
٢- وبلغ عدد الحاصلين على درجة الماجستير في نفس العام خمسة وثلاثين طالباً منهم سبعة عشر سعوديون والباقون ينتمون إلى الأردن وأندونيسيا وباكستان وبورما وراوندي والسودان والصومال ومصر ونيبال والهند واليمن الجنوبي.
حصل أحد عشر منهم على درجة الماجستير بتقدير (ممتاز) وثلاثة وعشرون بتقدير (جيد جداً) وواحد فقط بتقدير (جيد) .
ثانيا: كليات الجامعة.
١- كلية الشريعة: بلغ عدد الطلاب الذين حصلوا على درجة الشهادة العالية (الليسانس) في الدور الأول لعام ١٤٠٢/ ١٤٠٣هـ مائة وخمسة وأربعين طالباً، منهم سبعة عشر طالباً بتقدير (ممتاز) . وسبعة وخمسون بتقدير (جيد جدا) . وستة وستون طالبا بتقدير (جيد) . وخمسة طلاب بتقدير (مقبول) . ومنهم ستة عشر سعوديا، والباقون ينتمون إلى تسع وثلاثين جنسية من أنحاء العالم الإسلامي وبلاد الأقليات الإسلامية.
وبلغ عدد الطلاب الذين دخلوا امتحان الدور الثاني ستين طالبًا. نجح منهم اثنان وثلاثون، فيكون عدد الحاصلين على الليسانس من كلية الشريعة لعام ١٤٠٢ / ١٤٠٣هـ سبعة وسبعين ومائة طالب.
стр. 14144
٢- كلية الدعوة وأصول الدين: بلغ عدد الطلاب الحاصلين على الشهادة العالية (الليسانس) من كلية الدعوة وأصول الدين في امتحان الدور الأول ستة ومائة طالب ينتمون إلى ثلاث وثلاثين جنسية. حصل منهم اثنا عشر على تقدير (ممتاز) . وتسعة وعشرون على تقدير (جيد جدا) . وثمانية وخمسون على تقدير (جيد) . وسبعة طلاب فقط على تقدير (مقبول) .
هذا بالإضافة إلى خمسين طالباً كان لهم حق امتحان الدور الثاني كلهم غير سعوديين نجح منهم أربعة عشر طالبا، فيكون عدد الحاصلين على شهادة الليسانس من كلية الدعوة لهذا العام مائة وعشرين طالبا.
٣- كلية القرآن الكريم: بلغ عدد الطلاب الذين حصلوا على شهادة الليسانس في الدور الأول ستة عشر طالبا ينتمون إلى خمس جنسيات منهم طالب سعودي، وحصل أربعة منهم على تقدير (ممتاز) وأربعة على تقدير (جيد جدا) وثمانية على تقدير (جيد) .
وكان أربعة عشر طالبا غير سعوديين لهم حق دخول الدور الثاني نجح منهم سبعة طلاب في الدور الثاني.
٤- كلية الحديث الشريف: بلغ عدد الحاصلين على شهادة الليسانس في الدور الأول خمسة وأربعين طالباً. منهم ستة طلاب سعوديون والباقون ينتمون إلى سبع عشر جنسية. وحصل أربعة منهم على تقدير (ممتاز) . وستة عشر على تقدير (جيد جدا) . وأربعة وعشرون على تقدير (جيد) ، وواحد فقط على تقدير (مقبول) . وكان خمسة وثلاثون طالبا يحق لهم دخول الدور الثاني منهم طالب سعودي واحد، نجح ممن دخلوا امتحان الدور الثاني منهم اثنا عشر طالبا.
стр. 14145
٥- كلية اللغة العربية: بلغ عدد الحاصلين على الليسانس ستين طالباً منهم اثنان سعوديان والباقون ينتمون إلى ثلاث وعشرين جنسية. حصل منهم واحد فقط على تقدير (ممتاز) وخمسة وعشرون على تقدير (جيد جدا) . والباقون وعددهم أربعة وثلاثون على تقدير (جيد) . وكان يوجد ٢٩ طالبا جميعهم غير سعوديين يحق لهم دخول امتحان الدور الثاني، نجح ممن دخلوا الامتحان منهم أحد عشر طالبا.
أقامت الجامعة الإسلامية المخيم الصيفي التربوي - الذي تقيمه كل عام للطلاب في إجازة الصيف لمدة شهر- وقد أقيم هذا المخيم في الفترة من ٧/١٠ إلى ٩/١١/١٤٠٣هـ بمدينة النماص، بمنطقة عسير (أبها) وشارك فيه ثلاثة وسبعون طالبا من مختلف الجهات التعليمية بالجامعة يمثلون سبعا وعشرين جنسية.
اشتركت الجامعة الإسلامية بمائة طالب في مخيم الحج الثالث من ٦ ذي الحجة إلى ١٤ ذي الحجة لطلاب جامعات الخليج، وقد بلغ عدد الطلاب المسجلين بالمخيم من طلاب الجامعات الخليجية حوالي ألف وخمسمائة طالب.
وقد أسهمت الجامعة بتقديم تسهيلات كبيرة للمشاركين في هذا المخيم، إذ وفرت لأعمال المخيم ١٦ (ست عشرة) ناقلة لتنقلات طلاب الجامعات المشاركين، كما استضافت طلاب الجامعات الخليجية المشاركين بالمخيم أثناء زيارتهم للمدينة المنورة.
وكان لإسهام الجامعة ومشاركتها أثره – بفضل الله – في إنجاح المخيم.
وقد تلقى معالي الدكتور: عبد الله الصالح العبيد رئيس الجامعة برقية شكر من الدكتور: محمد الأحمد الرشيد مدير مكتب التربية العربي لدول الخليج، الذي كان مديرا للمخيم، على ما قامت به الجامعة من دور كان له أبرز الأثر في إنجاحه.
стр. 14146
عقدت الأمانة العامة لندوة عمادات شئون الطلاب بجامعات المملكة اجتماعا بمقر الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة يوم الأربعاء ٢٨من شهر ذي الحجة ١٤٠٣هـ برئاسة فضيلة الشيخ عوض بن أحمد سلطان الشهري عميد شئون الطلاب بالجامعة والأمين العام للندوة.
ونوقش في هذا الاجتماع الموضوعات والمقترحات التي أعدتها اللجان المتفرعة من الأمانة العامة للندوة الخامسة القادمة والتي من المقرر إن شاء الله أن تعقد في رحاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
توقيع عقد المخطط العام والتصميمات المعمارية للمشروع العام للجامعة
في تمام الساعة العاشرة من صباح يوم الثلاثاء الموافق ٢٧/١٢/١٤٠٣هـ تم توقيع عقد إعداد المخطط العام والتصميمات المعمارية والهندسية للمشروع العام للجامعة الإسلامية الذي يتضمن إنشاء مدينة جامعية متكاملة على أحدث المستويات العالمية تشتمل على كل ما تتطلبه المدينة الجامعية من وحدات للجهات التعليمية والأجهزة الإدارية من المرافق العامة، وسكن للطلبة والموظفين ... الخ.
وقد وقع العقد عن الجامعة معالي الدكتور عبد الله الصالح العبيد رئيس الجامعة وعن شركة أرثر أريكسون - التي تشرف على تنفيذ المشروع - السير ديفيد جويس.
ويأتي هذا المشروع في نطاق اهتمام حكومة جلالة الملك – أيدها الله - بالجامعة الإسلامية، والنهوض بها دوما إلى الأمام.
وقد صرح معالي الدكتور عبد الله الصالح العبيد رئيس الجامعة بمناسبة توقيع العقد بقوله:
لقد تحقق بتوقيع عقد إعداد المخطط العام لمشروع الجامعة أمل منسوبي الجامعة الإسلامية في النهوض بهذه الجامعة لتأخذ مكانتها اللائقة بين جامعات العالم حتى تؤدي رسالتها التي أقيمت من أجلها.
стр. 14147
وقد وعد صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز المعظم في لقائه بأبنائه طلاب الجامعة في شهر محرم من هذا العام بأن (هذه الجامعة سوف تقام بشكل مناسب وملائم فيما يتعلق بمبانيها وجميع أمورها التي تعود بالفائدة الكبرى، كما أكد جلالته بأن المملكة العربية السعودية – حكومة وشعبا - لا يمكن أن تبخل بأي شيء فيه دعم الجامعة حتى تأخذ مستواها اللائق بها) .
وهكذا - وقبل نهاية العام - تحقق توقيع هذا العقد الذي يترجم اهتمام حكومة جلالة الملك وفقها الله بالجامعة الإسلامية، وبه يبدأ عهد جديد من التقدم المرجو لها، وبهذه المناسبة أتقدم بوافر الشكر لحضرة صاحب الجلالة وسمو ولي عهده، وأدعو الله أن يوفقهم لمزيد من عمل الخير في سبيل دعم الأمة العربية والإسلامية، كما أقدم شكري للأخوة العاملين في الجامعة وعلى رأسهم المهندسون والعاملون بإدارة المشروع العام في الجامعة لما بذلوه من جهد في إبراز هذا المشروع، كما أقدم شكري للأخوة في وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وعلى رأسهم معالي الشيخ محمد أبا الخيل وللأخوة في وزارة التخطيط وعلى رأسهم معالي الشيخ هشام ناظر على الجهد الذي قاموا به من أجل استكمال الدراسات والإجراءات المالية والنظامية والقانونية لإخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود وبصورة متكاملة ... وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد.
صياغة الشيخ محمود محمد سالم
стр. 14148
فضل أهل الحديث
شهادة العدول الصادقين لهم
بأنهم على الصراط المستقيم والحق الواضح المبين
للدكتور ربيع بن هادي المدخلي
أستاذ مساعد بالدراسات العليا
شهادة ابن قتيبة:
ألف فقيه الأدباء وأديب الفقهاء الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ كتابا سماه (تأويل مختلف الحديث دفاعا عن سنة رسول الله ﷺ وعن حملتها وناقليها وحفاظها أهل الحديث) .
قال في مطلع الكتاب: (أما بعد) أسعدك الله تعالى بطاعته وحاطك بكلاءته ووفقك للحق برحمته وجعلك من أهله فإنك كتبت إليَّ تُعْلمني ما وقفت عليه من ثلب أهل الكلام أهل الحديث وامتهانهم وإسهابهم في الكتب بذمهم ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض حتى وقع الاختلاف وكثرت النحل وتقطعت العصم وتعادى المسلمون وأكفر بعضهم بعضا وتعلق كل فريق منهم لمذهبه بجنس من الحديث ثم ذكر الخوارج وما تعلقت به من الأحاديث في تأييد مذهبها والمرجئة وما تعلقت به كذلك والمفوضة وما تعلقت به من الأحاديث والرافضة وما تعلقت به من الأحاديث في ضلالتها وتكفيرها الصحابة ومفضلوا الفقر وما تعلقت به، ثم ذكر طعون الزنادقة في أهل الحديث.
стр. 14149
ثم قال: (باب ذكر أصحاب الكلام وأصحاب الرأي) فقال: وقد تدبرت رحِمك الله مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون على الله ما لا يعلمون ويفتنون الناس بما يأتون ويبصرون القذى في عيون الناس وعيونهم تُطْرَف على الأجذاع ويتهمون غيرهم في النقل ولا يتهمون آراءهم في التأويل، ومعاني الكتاب والحديث وما أودعاه من لطائف الحكمة وغرائب اللغة لا يدرك بالطفرة والتولد والعرض والجوهر والكيفية والكمية والآنية ولَو ردُّوا المشكل منهما إلى أهل العلم بهما وضح لهم المنهج واتسع لهم المخرج، ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة وحب الاتباع واعتقاد الإخوان بالمقالات. والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضاً، ولو ظهر لهم من يدعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء أو من يدعي الربوبية لوجد على ذلك
أتباعا وأشياعاً. وقد كان يجب- مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر- أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحُسَّابُ والمسَّاح والمهندسون لأن آلتهم لا تدل إلا على عدد واحد وإلا على شكل واحد وكما لا يختلف حذاق الأطباء في الماء ونبض العروق لأن الأوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد، فما بالهم أكثر الناس اختلافاً لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين.
ثم ذكر تضارب الآراء واختلاف الأهواء والاتجاهات بين زعماء أهل الكلام وانتقدهم أشد النقد ثم قال ذكر أصحاب الحديث.
стр. 14150
فأما أصحاب الحديث، فإنهم التمسوا الحق من وجهته وتتبعوه من مظانه وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله ﷺ وطلبهم لآثاره وأخباره براً وبحراً وشرقا وغربا يرحل الواحد منهم راجلا مقويا في طلب الخبر الواحد أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ثم لا يزالوا في التنقير عن الأخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي فنبهوا على ذلك حتى نجم الحق بعد أن كان عافيا وبسق بعد أن كان دارسا واجتمع بعد أن كان متفرقا وانقاد للسنن من كان عنها معرضا وتنبه لها من كان عنها غافلا، وحُكِمَ بقول رسول الله ﷺ بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان، وإن كان فيه خلاف على رسول الله ﷺ وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف وطلبهم الغرائب، وفي الغريب الداء. ولم يحملوا الضعيف والغريب لأنهم رأوهما حقا، بل جمعوا الغث والسمين والصحيح والسقيم ليميزوا بينهما ويدلوا عليهما وقد فعلوا ذلك. ثم ذكر طائفة من الأحاديث الموضوعة وذكر نقد المحدثين لها وتزييفهم إياها وفضح واضعيها.
﵀ وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.
شهادة الإمام ابن حبان:
قال الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن معاذ بن معبد بن سعيد التميمي المتوفى سنة ٣٥٤ في مقدمة صحيحه (انظر الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان (١/٢٠-٢٣) . بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله:
стр. 14151
ثم اختار طائفة لصفوته وهداهم للزوم طاعته من اتباع سبل الأبرار في لزوم السنن والآثار فزين قلوبهم بالإيمان وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه واتباع سنن نبيه بالدّؤُب في الرحل والأسفار وفراق الأهل والأوطار في جمع السنن ورفض الأهواء والتفقه فيها بترك الآراء فتجرد القوم للحديث وطلبوه ورحلوا فيه وكتبوه وسألوا عنه وذاكروا به ونشروه وتفقهوا فيه وأصلوه وفرعوا عليه وبذلوه وبينوا المرسل من المتصل والموقوف من المنفصل والناسخ من المنسوخ والمحكم من المفسوخ والمفسر من المجمل والمستعمل من المهمل والمختصر من المتقصىَّ والملزوق من المتفصىَّ والعموم من الخصوص والدليل من المنصوص والمباح من المزجور والغريب من المشهور والغرض من الإرشاد والحتم من الايعاد والعدول من المجروحين والضعفاء من المتروكين وكيفية المعمول من المجهول وما حرف عن المخزول وقلب من المنحول من مخايل التدليس وما فيه التلبيس حتى حفظ الله بهم الدين على المسلمين وصانه من ثلب القادحين، جعلهم عند التنازع أئمة الهدى وفي النوازل مصابيح الدجى، فهم ورثة الأنبياء ومأنس الأصفياء.
ثم بعد الشهادة لرسول الله بالرسالة والبلاغ المبين والجهاد وآثار ذلك قال: وإن في لزوم سنته تمام السلامة وجماع الكرامة لا تطفأ سرجها ولا تدحض حججها من لزمها عصم ومن خالفها ندم إذ هي الحصن الحصين من تمسك به ساد ومن رام خلافه باد، فالمتعلقون به أهل السعادة في الآجل والمغبوطون بين الأنام في العاجل. وقال: (١/١٠٥) وصف الفرقة الناجية من بين الفرق التي تفترق عليها أمة المصطفى ﷺ ثم ذكر حديث العرباض بن سارية وفيه "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
стр. 14152
ثم قال: في قوله ﷺ : "فعليكم بسنتي" عند ذكره الاختلاف الذي يكون في أمته بيان واضح أن من واظب على السنن وقال بها ولم يعرج على غيرها من الآراء من الفرقة الناجية في القيامة جعلنا الله منهم بمنة.
ثم قال في: (١/١٠٧) ذكر البيان بأن من أحب الله وصفيه ﷺ بإيثار أمرهما وابتغاء مرضاتهما على رضا سواهما يكون في الجنة مع المصطفى ﷺ .
ثم قال في: (١/١٥١) كتاب العلم ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة.
ثم أورد حديث معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة".
شهادة الإمام الرامهرمزي:
وقال الإمام أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠ في مقدمة كتابه (المحدث الفاصل) (ص: ١-٤) :
стр. 14153
اعترضت طائفة ممن يشنأ الحديث ويبغض أهله، فقالوا بنقص أصحاب الحديث والإزراء بهم وأسرفوا في ذمهم والتقول عليهم وقد شرف الله الحديث وفضل أهله وأعلى منزلته وحكمه على كل نحلة وقدمه على كل علم ورفع من ذكر من حمله وعنى به، فهم بيضة الدين ومنار الحجة وكيف لا يستوجبون الفضيلة ولا يستحقون الرتبة الرفيعة وهم الذين حفظوا على الأمة هذا الدين وأخبروا عن أنباء التنزيل وأثبتوا ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وما عظمه الله به من شأن الرسول ﷺ فنقلوا شرائعه ودونوا مشاهده وصنفوا أعلامه ودلائله وحققوا مناقب عترته ومآثر آبائه وعشيرته وجاءوا بسير الأنبياء ومقامات الأولياء وأخبار الشهداء والصديقين وعبروا عن جميع فعل النبي ﷺ في سفره وحضره وظعنه وإقامته وسائر أحواله من منام ويقظة وإشارة وتصريح وصمت ونطق ونهوض وقعود ومأكل ومشرب وملبس ومركب وما كان سبيله في حال الرضا والسخط والإنكار والقبول حتى القلامة من ظفره ما كان يصنع بها، والنخاعة من فيه أين كان وجهتها، وما كان يقوله عند كل فعل يحدثه ويفعله، وعند كل موقف ومشهد يشهده تعظيما له ﷺ ومعرفة بأقدار ما ذكر عنه وأسند إليه، فمن عرف للإسلام حقه وأوجب للرسول حرمته، أكبر أن يحتقر من عظم الله شأنه وأعلى مكانه وأظهر حجته وأبان فضيلته ولم يرتق بطبيعته إلى حزب الرسول واتباع الوحي وأوعية الدين، ونقلة الأحكام والقرآن، الذين ذكرهم الله في التنزيل فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ .
فإنك إذا أردت التوصل إلى معرفة هذا القرن لم يذكرهم لك إلا راوي الحديث متحقق به أو داخل في حيز أهله ومن سوى ذلك فربك بهم أعلم.
ثم ذكر كلاما لبعض الحاقدين على أهل الحديث وبين باعث هذا الحقد ثم رد عليه ثم وجه نصيحة لطلاب الحديث فقال:
стр. 14154
فتمسكوا – جبركم الله - بحديث نبيكم ﷺ وتبينوا معانِيَهُ وتفقهوا به وتأدبوا بآدابه ودعوا ما تعيرون به من تتبع الطرق وتكثير الأسانيد وتطلب شواذ الأحاديث وما دلسه المجانين وتبلبل فيه المغفلون واجتهِدوا في أن توفوه حقه من التهذيب والضبط والتقويم، لتشرفوا به في المشاهد وتنطلق ألسنتكم في المجالس ولا تحفلوا بمن يعترض عليكم حسداً على ما آتاكم الله من فضله، فإن الحديث ذكر لا يحبه إلا الذاكرون ونسب لا يجهل بكل مكان وكفى بالمحدث شرفا أن يكون اسمه مقرونا باسم النبي ﷺ متصلا بذكره وذكر أهل بيته وأصحابه.
ولذلك قيل لبعض الأشراف: نراك تشتهي أن تحدث فقال: أولا أحب أن يجتمع اسمي واسم النبي ﷺ في سطر واحد، وحسبك جمالا عصبة منهم علي ابن الحسن بن علي ﵃، ومن يليه من ذريته وأهل بيت النبي ﷺ وأبناء المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأهل الزهادة والعبادة والفقهاء وأكثر الخلفاء ومن لا يدركه الإحصاء من العلماء والنبلاء والفضلاء والأشراف ذوي الأخطار فكيف بمن يسميهم الحشوية الرعاع ويزعم أنهم أغثار وحملة أسفار والله المستعان.
شهادة الحاكم:
وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ في مقدمة كتابه: (معرفة علوم الحديث) (ص: ١-٤) :
стр. 14155
الحمد الله ذي المن والإحسان والقدرة والسلطان الذي أنشأ الخلق بربوبيته وجنسهم بمشيئته واصطفى منهم طائفة أصفياء وجعلهم بررة أتقياء فهم خواص عباده وأوتاد بلاده يصرف عنهم البلايا يخصهم بالخيرات والعطايا، فهم القائمون بإظهار دينه والمتمسكون بسنن نبيه وأشهد أن لا إله إلا الله الذي زجِر عن اتخاذ الأولياء دون كتابه واتباع الخلق دون نبيه ﵌ وأن محمدا عبده المصطفى ورسوله المجتبى بلغ عنه رسالته فصلى الله عليه آمراً وناهياً ومبيحا وزاجراً وعلى آله الطيبين.
أما بعد- فإني لما رأيت البدع في زماننا كثرت ومعرفة الناس بأصول السنن قلت مع إمعانهم في كتابة الأخبار وكثرة طلبها على الإهمال والإغفال دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث مما يحتاج إليه طلبة الأخبار المواظبون على كتابة الآثار.
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مرزوق البصري بمصر، حدثنا وهب بن جرير ثنا شعبة عن معاوية بن قرة قال: سمعت أبي يحدث عن النبي ﷺ قال: "لا يزال ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة".
سمعت أبا عبد الله محمد بن علي بن عبد الحميد الآدمي بمكة يقول سمعت موسى ابن هارون يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول وسئل عن معنى هذا الحديث فقال: إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث، فلا أدري من هم؟. قال أبو عبد الله: وفي مثل هذا قيل من أمَّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحق. فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر إن الطائفة المنصورة التي يرفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث.
стр. 14156
ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين واتبعوا آثار السلف الماضين ودفعوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أجمعين من قوم آثروا قطع المفاوز والقفار على التنعم في الدمن والأوطان وتنعموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة العلم والإخبار وقنعوا عند جمع الأحاديث والآثار بوجود الكسر والأطمار قد تركوا الإلحاد الذي تتوق إليه النفوس الشهوانية وتوابع ذلك من البدع والأهواء والمقاييس والآراء والزيغ جعلوا المساجد بيوتهم وأساطينها تكاهم وبواريها فرشهم.
حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة ثنا محمد بن الحسين بن أبي الحسين ثنا عمر بن حفص بن غياث قال: سمعت أبي وقيل له: ألا تنظر إلى أصحاب الحديث وما هم فيه. قال: هم خير أهل الدنيا.
وحدثني أبو بكر محمد بن جعفر المزكي ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق قال: سمعت علي ابن خشرم يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: إني لأرجو أن يكون أصحاب الحديث خير الناس يقيم أحدهم ببابي وقد كتب عني فلو شاء أن يرجع ويقول: حدثني أبو بكر جميع حديثه فعل ولكنهم لا يكذبون.
قال أبو عبد الله: ولقد صدقا جميعا إن أصحاب الحديث خير الناس وكيف لا يكونون كذلك وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم وجعلوا غذاءهم الكتابة وسمرهم المعارضة واسترواحهم المذاكرة وخلوتهم المداد ونومهم السهاد واصطلاءهم الضياء وتوسدهم الحصى فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، قلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة تعلم السنن سرورهم ومجالس العلم حبورهم وأهل السنة قاطبة إخوانهم وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم.
سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد الحنظلي ببغداد يقول سمعت أبا إسماعيل محمد ابن إسماعيل الترمذي يقول:
стр. 14157
كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء. فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه فقال: زنديق زنديق زنديق ودخل البيت.
سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ يقول: سمعت جعفر بن سنان الو اسطي يقول: سمعت أحمد بن سنان القطان يقول: "ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث"وإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه. قال أبو عبد الله وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا كل من ينسب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا ينظر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة ويسميها الحشوية ... اه.
أقول هذه الكراهية والبغضاء والحقد الأرعن مازال أهل البدع والزيغ يتوارثونه جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا فأشد أعدائهم هم أهل الحديث والسنة والتوحيد والحديث، بقال الله قال رسول الله خصوصا فيما يتعلق بتوحيد الله ورد البدع أشد عليهم من وقع السهام وقرع السيوف وصوت القنابل والمدافع.
شهادة الخطيب البغدادي:
وألف الإمام الكبير أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ كتابا أسماه (شرف أصحاب الحديث) :
قال في مقدمته: بعد أن ذكر أقوال العلماء في ذم الرأي من (ص: ٣-٥) فلو أن صاحب الرأي المذموم شغل نفسه بما ينفعه من العلوم وطلب سنن رسول رب العالمين واقتفى آثار الفقهاء المحدثين لوجد في ذلك ما يغنيه عما سواه واكتفى بالأثر عن رأيه الذي رآه لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد وبيان ما جاء من الوعد والوعيد وصفات رب العالمين تعالى عن مقالات الملحدين والإخبار عن صفة الجنة والنار، من صنوف العجائب وعظيم الآيات وذكر الملائكة المقربين ونعت الصافين والمسبحين.
стр. 14158
إلى أن يقول: وقد جعل الله أهله أركان الشريعة وهدم بهم كل بدعة شنيعة فهم أمناء الله في خليقته والواسطة بين النبي وأمته والمجتهدون في حفظ ملته أنوارهم زاهرة وفضائلهم سائرة وآياتهم باهرة ومذاهبهم ظاهرة وحججهم قاهرة وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه وتستحسن رأيا تعكف عليه سوى أصحاب الحديث فإن الكتاب عدتهم والسنة حجتهم والرسول فئتهم وإليه نسبتهم لا يعرجون على الأهواء ولا يلتفتون إلى الآراء يقبل منهم ما رووا عن الرسول وهم المأمونون عليه العدول، حفظة الدين وخزنته وأوعية العلم وحملته، إذا اختلف في الحديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع، منهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلته، مخصوص بفضيلته، وقارئ متقن وخطيب محسن وهم الجمهور العظيم وسبيلهم السبيل المستقيم وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر وعلى الإفصاح بغير مذهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله ومن عاندهم خذله الله لا يضرهم من خذلهم ولا يفلح من اعتزلهم المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير وبصر الناظر بالشر إليهم حسير، وإن الله على نصرهم لقدير، ثم ساق إسناده إلى علي بن المديني قال: في حديث النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم".
стр. 14159
قال (أي ابن المديني) : (هم أهل الحديث) والذين يتعاهدون مذاهب الرسول ويذبون عن العلم ولولاهم لم نجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي شيئاً من السنن فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين وصرف عنهم كيد المعاندين لتمسكهم بالشرع المتين واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين فشأنهم حفظ الآثار وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولا وفعلا وحرسوا سنته حفظا ونقلا، حتى بينوا بذلك أصلها وكانوا أحق بها وأهلها، فكم من ملحد يروم أن يخلط في الشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها إذا صُدِفَ عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
стр. 14160
ثم قال في ص ٦: قال الخطيب: قد ذكر أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتابه المؤلف في تأويل مختلف الحديث ما يتعلق به أهل البدع من الطعن على أصحاب الحديث ثم ذكر من فساد ما تعلقوا به ما فيه مقنع لمن وفقه الله لرشده، ورزقه السداد في قصده وأنا أذكر في هذا الكتاب إن شاء الله ما روي عن رسول الله ﷺ في الحث على التبليغ عنه وفضل النقل لما سمع منه، ثم ما روي عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء الخالفين في شرف أصحاب الحديث وفضلهم وعلو مرتبتهم ومحاسنهم المذكورة ومعالمهم المأثورة. نسأل الله أن ينفعنا بمحبتهم ويحيينا على سنتهم ويميتنا على ملتهم ويحشرنا في زمرتهم إنه بنا خبير بصير وهو على كل شيء قدير. ثم أورد حديث "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه" من طرق إلى زيد بن ثابت وجبير ابن مطعم وعبد الله بن مسعود ﵃ ثم روى بإسناده إلى سفيان بن عيينة أنه قال: ما من أحد يطلب الحديث إلا في وجهه نضرة لقول النبي ﷺ : "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه" (ص:١٠-١١) . ثم أورد روايات في وصية النبي ﷺ بإكرام أصحاب الحديث (ص: ١١-١٢) . ثم أورد حديث: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء" من طريق أبي هريرة وعبد الله بن مسعود ثم قال عقبه: "قال عبدان: هم أصحاب الحديث الأوائل" (ص: ١٣) . ثم أورد حديث: "ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" ثم روى بإسناده إلى الإمام أحمد بن حنبل أنه قال:
стр. 14161
يعني في الفرقة الناجية: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟ (ص:١٣) . ثم ذكر قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" من حديث معاوية بن قرة وعمران بن حصين. ثم قال: يزيد بن هارون إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟ وروى بإسناده إلى عبد الله بن المبارك أنه قال: هم عندي أصحاب الحديث، ثم روى أيضا بإسناده إلى أحمد ابن حنبل وأحمد بن سنان وعلي بن المديني أنهم قالوا: إنهم أصحاب الحديث وأصحاب العلم والأثر (ص: ١٤-١٥) . ثم أورد حديثا عن علي ﵁ في كون أهل الحديث خلفاء النبي ﷺ في التبليغ عنه. (ص:١٧-١٨) .
ثم قال: وصف النبي ﷺ إيمان أهل الحديث ثم ذك ر في هذا المعنى حديثا عن عبد الله بن عمرو وآخر عن عمر بن الخطاب مرفوعين إلى النبي ﷺ (ص١٨-١٩) . ثم قال: "كون أصحاب الحديث أولى بالنبي ﷺ لدوام صلاتهم عليه"، ثم أورد في هذا المعنى حديث ابن مسعود ﵁: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم صلاة علي"، ثم قال: قال أبو نعيم ﵀ وهذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على النبي ﷺ أكثر مما يعرف لهذه العصابة نسخاً وذكراً (ص:١٩-٢٠) .
ثم قال: بشارة النبي ﷺ بكون طلبة الحديث بعده واتصال الإسناد بينهم وبينه وساق حديثا في هذا المعنى عن ثابت بن قيس مرفوعا وآخر عن ابن عباس- ﵄.
стр. 14162
ثم قال: ذكر بيان فضل الإسناد وأنه مما خص الله به هذه الأمة ثم ذكر جهود أهل الحديث واهتمامهم بالأسانيد وتحريهم في الأخذ عن الثقات واجتهادهم في كتابة الحديث وتتبع طرقه ونقدهم للرواة وبعدهم عن المحاباة فلا يحابي أحدهم في الحديث أباه ولا أخاه ولا ولده، ثم قال: وهذا علي بن المديني وهو إمام الحديث في عصره لا يروى عنه حديث واحد في تقوية أبيه، بل يروى عنه ضد ذلك (ص: ٢٢-٢٣) .
ثم قال: كون أصحاب الحديث أمناء الرسول ﷺ لحفظهم السنن وتبيينهم لها.
ثم نقل عن أبي حاتم فضل أهل الحديث وعن عبد الله بن داود الخريبي يقول: سمعت أئمتنا ومن فوقنا أن أصحاب الحديث وحملة العلم هم أمناء الله على دينه وحفاظ سنة نبيه ما عملوا وعلموا. ثم روى بإسناده إلى- كهمس- ﵀ قال: من لم يحقق أن أهل الحديث حفظة الدين فإنه يعد في ضعفاء المساكين الذين لا يدينون لله بدين (ص: ٢٤-٢٥) .
ثم أورد العنوان التالي: وهو كون أصحاب الحديث حماة الدين بذبهم عن السنن وساق تحت هذا العنوان قول الثوري: "الملائكة حراس السماء وأصحاب الحديث حراس الأرض". وقول يزيد بن زريع: "لكل دين فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد". (ص:٢٥) .
ثم قال: كون أصحاب الحديث ورثة رسول الله ﷺ فيما خلفه من السنة وأنواع الحكمة.
وذكر أثراً عن ابن مسعود أن السنة هي ميراث رسول الله ثم اعتبار الفضيل بن عياض أهل الحديث ورثة الأنبياء، ثم قول الشافعي: "إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت النبي ﷺ حيًّا"ساق هذا إلى الشافعي بإسناد صحيح (ص: ٢٥-٢٦) .
ثم قال: "كونهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر".
وروى بإسناده إلى إبراهيم بن موسى أنه سئل من الأمارون بالمعروف والناهون عن المنكر؟ قال: نحن منهم نقول قال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا كذا (ص: ٢٦) .
стр. 14163
ثم قال: "كونهم خيار الناس. ثم روى بإسناده إلى أبي بكر بن عياش أنه قال: "ما قوم خير من أصحاب الحديث وقال: ما أعلم في الدنيا خيرا منهم".
وبإسناده إلى أحمد بن حنبل: قال: ليس قوم عندي خيراً من أهل الحديث ليس يعرفون إلا الحديث. وقال: أهل الحديث أفضل من تكلم في العلم.
وقال أحمد أيضا: إن لم يكن هؤلاء هم الناس فلا أدري من الناس؟. وبإسناده إلى الأوزاعي أنه قال: لا أعلم أحدا أفضل من أهل الحديث، وبإسناده إلى عثمان بن أبي شيبة أنه قال في أهل الحديث: أما إن فاسقهم خير من عابد غيرهم.
وبإسناده إلى أبي يوسف القاضي أنه قال وقد رأى أصحاب الحديث على الباب "ما على الأرض خير منكم" (ص: ٢٦-٢٨) ثم عنون بما يأتي: "من قال: إن الأبدال والأولياء أصحاب الحديث ثم ساق قول صالح بن محمد الرازي ويزيد ابن هارون وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل في هذا المعنى أي أن أهل الحديث: هم أولياء الله وهم الأبدال (ص: ٢٨) .
ثم أورد عنوانا بلفظ، من قال: لولا أهل الحديث لاندرس الإسلام، ثم ساق بإسناده أقوال حفص بن غياث وأبي داود وعلي بن المديني في هذا المعنى وَلفظ أبي داود: لولا هذه العصابة لاندرس الإسلام يعني أصحاب الحديث الذين يكتبون الآثار (ص: ٢٩) .
стр. 14164
ثم قال: من قال: إن الحق مع أصحاب الحديث، وساق أسانيده إلى هارون الرشيد والوليد الكرابيسي ومحمد بن قريش العنبري البصري شهادتهم لأهل الحديث أنهم أهل الحق، ولفظ الرشيد: "طلبت أربعة فوجدتها في أربعة، طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة، وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث" (ص: ٣١- ٣٢) . ثم قال: كون أهل الحديث أولى الناس بالنجاة في الآخرة وأسبق إلى الجنة. ثم ساق بإسناده حديثا مرفوعا في هذا المعنى ثم عقبه بأقوال في هذا المعنى أسندها إلى أبي جعفر النفيلي وإلى أبي مزاحم الخاقاني وشاذان بن يحيى وابن المبارك والحسن بن علي التميمي.
وقول النفيلي: إن كان على وجه الأرض أحد ينجو فهؤلاء الذين يطلبون الحديث. (ص: ٣٢-٣٣) .
ثم تكلم في فضل الرحلة في طلب الحديث وسماعه وكونه فيه خير الدنيا والآخرة وذم الذين لم يسمعوا الحديث والترغيب في كتابة الحديث وثبوت حجة صاحب الحديث، ووصف الراغب في الحديث والزاهد فيه.
ثم قال: الاستدلال على أهل السنة بحبهم أصحاب الحديث وأسند إلى قتيبة ابن سعيد قوله: "إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن ابن مهدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وذكر قوما آخرين فإنه على السنة ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع". (ص:٤٠) .
ثم أسند إلى أحمد بن حنبل أن أحمد بن الحسن الترمذي قال له: يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال له: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه. فقال: زنديق زنديق زنديق ودخل بيته. وذكر أقوالا عن الأوزاعي وغيره أن من علامة المبتدعة عدم انقيادهم للحديث. (ص: ٤٠-٤١) .
ثم قال: من جمع بين مدح أصحاب الحديث وذم أهل الرأي والكلام الخبيث.
وأسند إلى الشعبي وأحمد بن شبويه ومحمد بن عبد الرحمن النسفي أقوالهم في ذم الرأي.
стр. 14165
ثم أسند إلى عبيدة بن زياد الأصبهاني أنه قال:
دين النبي محمد أخبار
نعم المطية للفتى آثار
لا تخدعن عن الحديث وأهله
فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما غلط الفتى سبل الهدى
والشمس بازغة لها أنوار
وساق أقوالا لعلماء في ذم الرأي. ثم أسند إلى أبي عبد الله محمد بن علي الصوري أنه قال:
قل لمن عاند الحديث وأضحى
عائبا أهله ومن يدعيه
أبعلم تقول هذا ابن لي
أم بجهل فالجهل خلق السفيه
أيعاب الذين هم حفظوا الدين
من الترهات والتمويه
وإلى قولهم وما قد رووه
راجع كل عالم وفقيه
ثم ساق أقوالا في ذم الكلام وأهله ومنها قول الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ بالكلام. (ص: ٤١-٤٣) ﵀ وجزاه الله عن الحديث وأهله خيراً.
فهذا قليل من كثير في حال أهل الحديث وواقعهم وما قيل من مدح بحق وشهادة بصدق. نقلت هذا لمن كان على نهجهم في اتباع الكتاب والسنة ليزداد إيمانا وثباتا ولمن خدع من المنتسبين إلى السنة بمغالطات وتلبيسات الجهمية والمرجئة وغيرهما من الفرق الضالة فوقع في شيء من التعطيل والتأويل الجهمي أو التحريف الصوفي أو وقع في مزالق الإرجاء أو سقط في أفخاخ الجبرية ليعود إلى أصله ويأوي إلى عرينه فيلزم عرين أهل الحديث ويكون في ركبهم ويتبع حاديهم:
أهل الحديث هموا أهل النبي وإن
لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
دين النبي محمد أخبار
نعم المطية للفتى آثار
لا ترغبن عن الحديث وأهله
فالرأي ليل والحديث نهار
стр. 14166
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ .
стр. 14167
فقه السنة:
صلاة الجماعة
للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي
أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف
الأول: حكم صلاة الجماعة:
عن أبي هريرة – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أثقل الصلاة على المنافقين، صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". (إسناده صحيح) [١] .
وفي رواية عند أحمد: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وآمر فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار" [٢] .
وفي إسناد أحمد: أبو معشر، وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي المشهور بكنيته، ضعيف.
وقوله: "حبواً" أي المشي على الأيدي والركب، وهو الزحف كما يزحف الصغير.
خص النبي ﷺ الصلاتين وهما العشاء والفجر وجعلهما ثقلاً على المنافقين لأن العشاء كانت وقت الإيواء إلى البيوت من العمل، وكانت ظلمة الليل تمنعهم من الخروج من البيت. وأما الفجر فلذة النوم تمنع من القيام وخاصة في البرد الشديد.
وخص النبي ﷺ المنافقين لأنهم ما كانوا يؤدون الصلاة على جهة الاحتساب فكلما وجدوا فرصة للغياب لم يفرطوا فيها، بل اغتنموها فكأن النبي ﷺ شبه المؤمنين تاركي حضور الجماعة في صلاتي الفجر والعشاء بالمنافقين، وهددهم بالإحراق بالنار.
واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على وجوب صلاة الجماعة لأنها لو كانت سنة لما هدد النبي ﷺ تاركها بالتحريق.
فتفرع عن ذلك عدة أقوال في حكم صلاة الجماعة منها:
стр. 14168
١- أنها فرض على الأعيان: وهو رأي الأوزاعي، وأحمد، وداود الظاهري، بعض محدثي الشافعية كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، ثم اختلف هؤلاء، فقال داود الظاهري: إنها شرط في صحة الصلاة، ففي المحلى "ولا تجزي صلاة فرض أحداً من الرجال، إذا كان بحيث يسمع الأذان أن يصليها إلا في المسجد مع الإمام، فإن تعمد ترك ذلك بغير عذر بطلت صلاته فإن كان بحيث لا يسمع الأذان ففرض عليه أن يصلي في جماعة مع واحد إليه فصاعداً ولابد، فإذا لم يفعل فلا صلاة له إلا أن لا يجد أحداً يصليها معه فيجزئه حينئذ إلا من له عذر فيجزئه حينئذ التخلف عن الجماعة" [٣] .
وذكر ابن عقيل من الحنابلة وجهاً في اشتراطها عن أحمد أيضاً قياساً على سائر واجبات الصلاة. والصحيح عنه أنها ليست شرطاً في صحة الصلاة بدليل عدم إنكار النبي ﷺ على اللذين صليا في رحالهما.
يقول ابن دقيق العيد: "ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية قال أحمد في أظهر قوليه بوجوبها على الأعيان بدون شرطية" [٤] .
وكذلك انعقد الإجماع على أن من صلى في بيته وحده لا يجب عليه الإعادة.
٢- وذهب الجمهور إلى أنها سنة مؤكدة. وهو رأي الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأبي حنيفة، وبه قال الثوري: وللشافعي ومالك قول بأنها فرض كفاية.
أدلة القائلين بوجوب الجماعة:
١- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُم﴾ (سورة النساء) .
هذه الآية تختص بصلاة الخوف، فإذا لم يأذن الله أن نتخلف عن الجماعة في حالة الخوف، ففي الأمن أولى.
قال ابن كثير: "وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ لك" [٥] .
стр. 14169
وقال ابن قدامة: "ولو لم تكن واجبة لرخص فيها حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها" [٦] .
٢- ولأن النبي ﷺ لم يرخص للأعمى أن يتخلف عن الجماعة مع عذره.
قال أبو هريرة: "أتى رسول الله ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله: إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فرخص له، فلما ولىَّ دعاه، فقال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "فأجب" [٧] .
وعن عمرو بن أم مكتوم أنه قال لرسول الله ﷺ : "إني ضرير البصر، شاسع الدار، لي قائد لا يلاومني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟. قال: "هل تسمع النداء؟ "قال: نعم. قال: "فأجب، فإني لا أجد لك رخصة". وفي رواية "قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وأنا ضرير البصر، فهل تجد لي من رخصة؟. قال: "تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ ". قال: نعم. فقال: "فحي هلا"، ولم يرخص" [٨]
قوله: يلاومني من الملاومة أي الموافقة والمناسبة.
قال الخطابي: "هكذا يروى في الحديث بالواو، ولكن الصواب: يلايمني: أي يوافقني، وأما الملاومة فإنها من اللوم وليس هذا موضعه".
والهوام: هوام الأرض أي حشراتها.
فحي هلا: حي بمعنى هلمَّ، وهلا: بمعنى عجل وأسرع.
قال الخطابي: "وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب ولو كان ذلك ندباً لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم".
стр. 14170
وكان عطاء بن أبي رباح يقول: "ليس لأحد من خلق في الحضر، والقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة". وقال الأوزاعي: "لا طاعة للوالدين في ترك الجمعة والجماعات، سمع النداء أو لم يسمع". وكان أبو ثور يوجب الجماعة. واحتج هو وغيره ممن أوجبه بأن الله أمر أن يصلى جماعة في حال الخوف، ولم يعذر في تركها فعقل أنها في حال الأمن أوجب.
وقال: "وأكثر أصحاب الشافعي على أن الجماعة فرض على الكفاية لا على الأعيان. وتأولوا حديث ابن أم مكتوم على أنه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة، وإنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال. واحتجوا في ذلك بقوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". انتهى كلامه [٩] .
٢- حديث ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : "من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر، قال: وما العذر؟، قال: خوف أو مرض، لم تقبل منه صلاته التي صلى".
رواه أبو داود والدارقطني والحاكم [١٠] كلهم بطرق عن أبي جناب، عن مغراء العبدي، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عنه.
قال أبو داود: "روى عن مغراء أبو إسحاق أيضاً".
وسكت عليه الحاكم والذهبي.
ومغراء: بفتح أوله وسكون المعجمة - أبو مخارق الكوفي ذكره ابن حبان في الثقات وطعن فيه عبد الحق وتكلم فيه الذهبي. قال ابن القطان: "أنكر على عبد الحق طعنه في حديثه، ولا يعرف فيه تجريح".
وفيه يحيى بن أبي حية، أبو جناب الكلبي: قال الحافظ: "ضعفوه لكثرة تدليسه".
وقال المنذري: "أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي ضعيف، وأخرجه ابن ماجة بنحوه وإسناده أمثل وفيه نظر". انتهى.
وحديث ابن ماجة الذي أشار إليه المنذري هو بلفظ "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر".
стр. 14171
رواه ابن ماجة والدارقطني والحاكم [١١] كلهم من طرق عن هشيم بن بشير عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. كما رواه الحاكم أيضا بطريق عبد الرحمن بن غزوان أبي نوح المعروف بقراد عن شعبة. وقال: "هذا الحديث قد أوقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة، وهو حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم، وقراد أبو نوح ثقتان، فإذا وَصَلاه فالقول فيه قولهما". انتهى. ووافقه الذهبي وقال: الدارقطني بعد ذكر هذا الحديث بطريق هشيم بن بشير عن شعبة، حدثنا ابن مبشر وآخرون قالوا: أخبرنا عباس بن محمد الدوري حدثنا قراد عن شعبة بإسناده نحوه.
ثم قال: "رفعه هشيم، وقراد شيخ من البصريين مجهول". انتهى.
وقراد هذا الذي زعمه الدارقطني هنا أنه مجهول قد وثقه هو نفسه في الجرح والتعديل كما نقله عنه الحافظ في التهذيب [١٢] .
قال الحافظ: "ورواه قاسم بن أصبغ في مسنده موقوفاً ومرفوعاً من حديث شعبة عن عدي بن ثابت به ولم يقل في المرفوع: "إلا من عذر". ثم ذكر كلام الحاكم وأنه أخرج في مستدركه بعض الشواهد، منها: عن أبي موسى الأشعري وهو من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين عن أبي بردة عنه بلفظ: "من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة له". ثم قال: ورواه البزار من طريق قيس بن الربيع عن أبي حسين أيضاً. ورواه من طريق سماك عن أبي بردة عن أبيه موقوفاً". وقال البيهقي: "الموقوف أصح. ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث جابر، وضعفه، ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وضعفه". انتهى كلام الحافظ [١٣] .
وقال الحاكم: "وقد صحت الرواية فيه عن أبي موسى عن أبيه (هكذا والصحيح عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه) ". ووافق الذهبي على تصحيح الحديث [١٤] .
стр. 14172
قال الكاساني: "تجب الجمعة على الرجال العاقلين الأحرار القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعد ومقطوع اليد والرجل من خلاف والشيخ الكبير لا يقدر على المشي والمريض"انتهى [١٥] لأن هؤلاء من أصحاب الأعذار.
٤- حديث جابر بن عبد الله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"وهو حديث مشهور بين الناس وليس له إسناد ثابت. فقد رواه الدارقطني [١٦] عن جابر بن عبد الله وفيه: محمد بن سكين الشقري المؤذن. قال عنه الذهبي: لا يعرف وخبره منكر. وقال البخاري: في إسناد حديثه نظر. ورواه العقيلي في الضعفاء وضعفه. ورواه أيضاً هو والحاكم [١٧] . عن أبي هريرة: وفيه سليمان بن داود اليمامي قال عنه ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان متروك. ورواه ابن عدي في الكامل وضعفه، ورواه أيضا عن علي بن أبي طالب. وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف جداً.
وقال ابن الجوزي: رواه عمر بن راشد من حديث عائشة. قال ابن حبان: لا يحل ذكر عمر إلا على سبيل القدح فيه [١٨] .
ذكر السيوطي في الجامع الصغير [١٩] ، والعجلوني في كشف الخفاء [٢٠] .
وقالا: إنه ضعيف. هذه هي بعض ما روي في هذا الموضوع وإليكم الآن:
وجهة نظر الجمهور القائلين بعدم وجوب الجماعة:
نظر الجمهور إلى الأحاديث التي مر ذكرها، وإلى الأحاديث التي تفضل الجماعة على الفرد بدرجات فقالوا: نحمل هذه الأحاديث على تأكيد الجماعة وعدم التهاون فيها لأن قوله ﷺ : "على صلاته وحده" يقتضي صحة صلاته منفردا لاقتضاء صيغة (أفعل) الاشتراك في أصل التفاضل فإن ذلك يقتضي أيضاً وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه.
стр. 14173
قال الإمام الشافعي: "ومنعني أن أقول إن صلاة الرجل لا تجوز وحده وهو يقدر على الجماعة بحال تفضيل النبي ﷺ صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يقل لا تجزئ المنفرد صلاته، وأنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالا معه الصلاة فصلوا بعلمه منفردين، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا، وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قوما فجاءوا المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد، فصلى كل واحد منهم منفردا" [٢١] .
قال القرطبي: ولا يقال إن لفظة (أفعل) قد ترد لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ . لأنا نقول: إنما يقع ذلك على قلة حيث ترد صيغة (أفعل) مطلقة غير مقيدة بعدد معين، فإذا قلنا: هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلابد من وجود أصل العدد.
ولا يقال: يحمل المنفرد على المعذور لأن قوله: صلاة الفذّ صيغة عموم فيشمل من صلى منفرداً بعذر، وبغير عذر فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل، وأيضاً ففضل الجماعة حاصل للمعذور [٢٢] .
ويحتج على الظاهرية القائلين بالوجوب بحديث أبي هريرة أنه بمقتضى مذهبهم لا يدل على وجوب الجماعة في غير الفجر والعشاء، لأنهم يأخذون بالظاهر، فإذا ثبت أن الصلوات الأخرى غير واجبة، وجب أن نحمل حديث أبي هريرة على غير الوجوب أيضاً لأن الصلوات الأخرى لا يختلف حكمها.
فإذا كان كذلك وجب تأويل حديث أبي هريرة حتى يصلح أن يكون حكمه مثل الصلوات الأخرى.
وإليكم بعض هذه التأويلات نقلاً من الحافظ:
١- أن النبي ﷺ هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه.
وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه كما أن تركه لهما حال التحريق لا يستلزم الترك مطلقا لإمكان أن يفعلها في جماعة آخرين قبل التحريق أو بعده.
٢- إنها لو كانت شرطاً أو فرضاً لبين ذلك عند التوعد.
стр. 14174
يجاب بأن النبي ﷺ قد دل على وجوب الحضور وهو كاف في البيان.
قال ابن دقيق العيد: بأن البين قد يكون بالتنصيص وقد يكون بالدلالة.
فلما قال: قد "هممت" دل على وجوب الحضور.
٣- قال الباجي وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار.
وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.
وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار وكان قبل ذلك جائزاً بدليل حديث أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلاناً وفلانا فاحرقوهما بالنار". ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
رواه البخاري في الجهاد في باب لا يعذب بعذاب الله، وأصحاب السنن، إلا أن هذا الحكم كان خاصا بالكفار.
٤- أن النبي ﷺ ترك تحريقهم بعد التهديد فلو كان واجباً ما عفا عنهم.
قال القاضي عياض: ليس في الحديث حجة لأنه ﷺ هم ولم يفعل وزاد النووي: ولو كان فرض عين لما تركهم.
وأجاب ابن دقيق العيد فقال: هذا ضعيف لأنه لا يهم إلا بما يجوز له فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن يكون انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه وقد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون". الحديث [٢٣] .
٥- قالوا: إن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأساً لا مجرد الجماعة وهو متعقب بأن في رواية مسلم "لا يشهدون الصلاة" أي لا يحضرون، وفي رواية أحمد "لا يشهدون العشاء في الجميع". أي في الجماعة.
стр. 14175
٦- إن هذا التهديد ورد في حق المنافقين لتركهم الجماعة. تعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه ﷺ كان معرضاً عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقد قال: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". وتعقب هذا التعقيب ابن دقيق العيد بأنه لا يتم إلا إن ادعي أن ترك معاقبة المنافقين كان واجباً عليه ولا دليل على ذلك وليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم [٢٤] .
قال الحافظ بعد نقل هذه الاحتمالات: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين لقوله في صدر الحديث: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء...".
وبقوله: "لو يعلم أحدكم" لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر بدليل قوله في رواية عجلان: "لا يشهدون العشاء في الجميع". وقوله في حديث أسامة: "لا يشهدون الجماعة" وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عند أبي داود: "ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة". فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء. انتهى [٢٥] .
стр. 14176
وأجاب الجمهور عن حديث ابن أم مكتوم وغيره من أصحاب الأعذار بأن النبي ﷺ لم يجد لهم رخصة تحصل لهم فضيلة الجماعة من غير حضورها، وليس معناه إيجاب الحضور على الأعمى، بدليل أنه ﷺ رخص لعتبان بن مالك ﵁ حين قال: يا رسول الله إن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فأحب أن تأتيني في مكان من بيتي أتخذه مسجداً. فقال رسول الله ﷺ : "سنفعل". فلما دخل النبي ﷺ قال: "أين تريد؟ ". فأشار إلى ناحية من البيت فقام رسول الله ﷺ فصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين.
وفي رواية إن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : إنها تكون الظلمة، والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكاناً أتخذه مصلى ... الخ [٢٦] .
وقالوا أيضاً: إن النبي ﷺ لم يأمر رجلين صليا في رحالهما بإعادة الصلاة، ولم يبين لهما أن حضور الجماعة واجب وهذا وقت بيانه.
ثم الاستدلال بحديثي الأعمى وأبي هريرة على وجوب مطلق الجماعة ففيه نظر، لأن الدليل أخص من الدعوى إذ غاية ما في ذلك وجوب حضور جماعة النبي ﷺ في مسجده لسامع النداء.
وكان من جملة أدلتهم أيضاً حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً وهو "إن أعظم الناس في الصلاة أجرا أبعدهم إليها ممشى، والذي ينتظر الصلاة يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام" [٢٧] .
وأيضا حديث أبي هريرة بهذا المعنى [٢٨] .
وأما حديث ابن عباس المتقدم بلفظ "من سمع النداء فلم يأت الصلاة فلا صلاة له إلا من عذر". فإن المراد به كاملة على أن في إسناده يحيى بن أبي حية أبو جناب ضعيف كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب.
الثاني: كيف تحصل فضيلة الجماعة؟
стр. 14177
تحصل فضيلة الجماعة بالاثنين وأكثر لأن النبي ﷺ أطلق في قوله: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". فسوى الجماعات في الفضل سواء كثرت أم قلت.
وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة، لهم التضعيف خمسا وعشرين [٢٩] انتهى.
ولكنه لا ينفي مزيد الفضل إذا كان أكثر، لاسيما مع وجود النص المصرح به وهو ما رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث أبي بن كعب مرفوعا: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما أكثر فهو أحب إلى الله" [٣٠] .
والصحيح أن الجماعة تحصل باثنين لما رواه مالك بن الحويرث قال: أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال من عنده قال: "إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما وليؤمكما أكبركما" [٣١] .
وقد بوب البخاري في صحيحه: الاثنان فما فوقهما جماعة. وهذه ترجمة مأخوذة من حديث ورد من طرق ضعيفة منها في ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعري وفي معجم البغوي من حديث الحكم بن عمير، وفي أفراد الدارقطني من حديث عبد الله بن عمر، وفي البيهقي من حديث أنس، وفي الأوسط للطبراني وعند أحمد من حديث أبي أمامة: "أنه رأى رجلا يصلي وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ فقام رجل يصلي معه فقال: "هذان جماعة" والقصة المذكورة دون قوله "هذان جماعة"أخرجها أبو داود والترمذي من وجه آخر صحيح [٣٢] .
وقال الإمام النووي: "قال أصحابنا: أقل الجماعة اثنان إمام ومأموم، فإذا صلى رجل برجل، أو بامرأته، أو أمته، أو بنته أو غيرهم أو بغلامه، أو بسيدته أو بغيرهم حصلت لهما فضيلة الجماعة التي هي خمس أو سبع وعشرون درجة، وهذا لا خلاف فيه، ونقل الشيخ أبو حامد وغيره فيه الإجماع" [٣٣] .
стр. 14178
وذلك بدون تفريق ما بين الفرض والنفل. وذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا تنعقد الجماعة بصبي، وذهب هو في رواية، والإمام مالك إلى الصحة في النافلة دون الفرض.
وعموم الأحاديث قاضية على هذا الخلاف، لأن النبي ﷺ لم يبين بأن الجماعة لا تنعقد مع صبي فالأمر على الأصل حتى يثبت بالدليل ما يخالفه.
الثالث: العدد الصحيح لمضاعفة فضل صلاة الجماعة على الفذ
قال الترمذي: عامة من روى هذا الحديث قالوا خمساً وعشرين إلا ابن عمر فإنه قال: سبعا وعشرين.
قال الحافظ: لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق [٣٤] عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه: خمس وعشرون. لكن العمري ضعيف. ووقع عند أبي عوانه في مستخرجه من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال فيه: بخمس وعشرين وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحاب نافع وإن كان راويها ثقة [٣٥] . وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك ابن عثمان عن نافع بلفظ بضع وعشرين فليست مغايرة لرواية الحفاظ لصدق البضع على السبع وأما غير ابن عمر، فصح عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن مسعود، عند أحمد وابن خزيمة، وعن أبي بن كعب عند ابن ماجة، والحاكم، وعن عائشة وأنس عند السراج، وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد بن ثابت وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أبي فقال: أربع أو خمس على الشك وسوى رواية أبي هريرة عند أحمد فقال فيها: سبع وعشرون، وفي إسنادها شريك القاضي وفي حفظه ضعف، وفي رواية لأبي عوانة بضعا وعشرين، وليست مغايرة أيضا لصدق البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع إذاً لا أثر للشك، واختلف في أيهما أرجح فقيل: رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل رواية السبع لأن فيها زيادة من عدل حافظ [٣٦] .
ثم قال: وقد جمع بين روايتي الخمس والسبع بوجوه:
стр. 14179
منها: أن ذكر القليل لا ينفي ذكر الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد.
ومنها: أن النبي ﷺ أخبر بالخمس ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل، فأخبره بالسبع وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه.
ومنها: الفرق باعتبار قرب المسجد وبعده.
ومنها: بحال المصلي كأن يكون أعلم وأخشع.
ومنها: إيقاعها في المسجد وغيره.
ومنها: الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره.
ومنها: الفرق بإدراك كلها أو بعضها.
ومنها: الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم.
وقد رجح الحافظ دخول مفهوم الخمس تحت مفهوم السبع.
وقال: الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى، ونقل الطيبي عن التوربشتي ما حاصله: إن ذلك لا يدرك بالرأي بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرت علوم الألباب عن إدراك حقيقتها كلها. انتهى كلام الحافظ من الفتح.
وقد أطال الحافظ الكلام في هذا الحديث وبيان المفهوم المراد من العدد، فمن أحب الإطلاع عليه فليرجع إليه.
والذي يظهر لي أن بيان فضائل الأعمال بالأعداد أمر معروف وشائع في الشريعة الإسلامية في مثل فضائل التسبيح والتهليل والتحميد وهو أمر متعارف أيضا بين الناس في المسابقة والمناقشة لتعيين أجر معدود لمن فعل كذا ولمن فعل كذا ...
والله تعالى أعلم بالصواب وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وإلى حلقة أخرى إن شاء الله تعالى.
تصحيح
جاء في العدد ٥٨ في مقال (صلاة المسافر) ص ٧٧ أن أنس بن مالك هو خادم رسول الله ﷺ .
والصواب أنه أنس بن مالك الكعبي، وليس له في كتب الحديث إلا هذا الحديث
الذي ذكر في المقال.. فليتنبه.
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 14180
[١] رواه البخاري (٢/١٢٥ مع الفتح) ومسلم (١/١٤٥) وأبو داود (١/٣٧١-٣٧٢) والنسائي (٢/١٠٧) والترمذي (١/٤٢٢-٤٢٣) وأحمد (٢/٢٤٤، ٢٩٢، ٣١٤، ٣١٩) .
[٢] أحمد (٢/٣٦٧) .
[٣] المحلى (٤/٢٦٥) .
[٤] إحكام الأحكام (١/١٦٦) .
[٥] تفسير ابن كثير (٢/٣٥٤) .
[٦] المغني (٢/١٤٩) [٦]
[٧] رواه مسلم (١/٤٥٢) والنسائي (٢/١٠٩) [٧]
[٨] رواه أبو داود (١/٣٧٥) والنسائي (٢/١١٠) وابن ماجة (١/٢٦٠) [٨]
[٩] مختصر المنذري (١/٢٩٢) وهامش سنن أبي داود (١/٣٧٤) [٩]
[١٠] أبو داود (١/٣٧٤) والدارقطني (١/٤٢٠) والحاكم (١/٢٤٥) [١٠]
[١١] ابن ماجة (١/٢٦٠) والدارقطني (١/٤٢٠) والحاكم (١/٢٤٥) .
[١٢] التهذيب (٦/٢٤٩) . [١٢]
[١٣] انظر التلخيص الحبير (٢/٣٠) . [١٣]
[١٤] انظر المستدرك (١/٢٤٦) . [١٤]
[١٥] البدائع (١/٤٢٢) . [١٥]
[١٦] الدارقطني (١/٤٢٠) . [١٦]
[١٧] المستدرك (١/٢٤٦) . [١٧]
[١٨] الموضوعات: (٢/٩٣) . وانظر المجروحين لابن حبان: (٢/٩٣) . ٦/٤٣١: (مع فيض القدير) .
[١٩] ٦/٤٣١: (مع فيض القدير) . كشف الخفاء (٢/٣٦٥) .
[٢٠] كشف الخفاء (٢/٣٦٥) . الأم (١/١٥٥) .
[٢١] الأم (١/١٥٥) .
[٢٢] انظر فتح الباري (٢/١٣٦) .
[٢٣] هذه الزيادة لا تصح وقد سبق بيانه.
[٢٤] إحكام الأحكام: (١/ ١٦٥) .
[٢٥] فتح الباري: (٢/١٢٧) .
[٢٦] رواه البخاري (٢/١٥٧ مع الفتح) ومسلم (١/٤٥٥) والنسائي (٢/٨٠) .
[٢٧] رواه البخاري (٢/١٣٦ مع الفتح) ومسلم (١/٤٦٠) .
следующие страницы →