← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14211–14250 · переход к 14216.

стр. 14211

المثال الأول: نفرض أن دولة من دول المسلمين تفكرت في مسألة تعليم العلوم الحديثة، لكنها لم تتبع (الفكرة السنية) إذاً تجعل الدنيا غاية فكرها وجهدها وتكون فكرتها فكرة أوروبا وأمريكية، وتختار ما اختار أهلها من الرغبة عن الدين، والميل إلى الفسق والفجور، واتخاذ سبيل الغي في النظام التعليمي ومناهجه كرفع حجاب الطالبات وأمثالها من الأمور المخالفة للشريعة المقدسة، وكذلك لا تبالي هذه الدولة بتسليط أهل الضلالة كالشيعة والمرزائين وغيرهما من الضالين على الإدارات التعليمية ونظمها. وأما إذا كانت فكرتها (الفكرة السنّية) فتكون غاية فكرها وجهدها ومرام سعيها من إشاعة العلم هي إعلاء كلمة الله ومنافع الآخرة وترويج الخير في العالم. وتكون الغاية هي إرضاء الله تعالى شأنه، أما المنافع الدنيوية فتكون مقصودة تبعا للمنافع الدينية، فتتخذ سبيل الرشد سبيلا إلى مرامها، وتحترز كل الاحتراز عما نهى عنه الشرع الشريف، ولا تجترئ بتسليط أهل الضلال وأعداء الإسلام من المنافقين والمجاهرين بالكفر على الإدارات التعليمية.

стр. 14212

المثال الثاني: فرضنا أن أرباب الحل والعقد لمملكة مسلمة يريدون أن يضعوا دستوراً لمملكتهم فيلجأون إلى الكتاب والسنة وعمل الصحابة ومشاورة الفقهاء، ولا يلتفتون إلى ما يتفوه به أهل أوربا وأمريكا وغيرهما من الذين لا يتبعون الإسلام، لأن الفكرة السنّية النفسية ترشدهم إلى تلك المآخذ والمنابع، وتصدهم عن النظر إلى غيرها، ويصرحون في الدستور بأن مملكتهم هي مملكة إسلامية سنّية قائمة على منهاج الخلافة الراشدة، وغاية وجودها هي إجراء الأحكام الشرعية وحفظها والدعوة إليها ونصرتها، والرقي الديني والدنيوي لأهل الإسلام بحيث تكون دنياهم تابعة لدينهم، ثم أنهم لا يغفلون عن الأغيار الأشرار المجاهرين بعداء الإسلام الداعين إلى النار كالشيعة والمرزائية وغيرهما من أهل الضلالة والنفاق، فإن أرباب الحل والعقد وقواد المسلمين المتفكرين بالفكرة السنّية النفسية لا يغفلون عن مكائد تلك الأشياع الضالة، فيضعون قوانين وضوابط في الدستور التي تسد طرق هذه الأشياع المنافقة على المملكة وطرق غدرهم بها، ويحفظون المملكة عن شرهم. وأما الذين لا يتفكرون بالمنهاج الإسلامي أي لا يختارون (الفكرة السنّية) فلا يبالون بتلك الأمور المهمة، أو يغفلون عن بعضها، أو يطرحون بعضها قصداً لضعف إيمانهم واعوجاج فهمهم لفقدهم (الفكرة السنّية) فيذوقون وبال أمرهم، ويخسرون في الدنيا والآخرة، يوردون قومهم مورد الهلاك والخسران كما نرى الآن في بعض البلدان الإسلامية فإن أهل السنة بها يبتلون بظلم شديد ومصائب عظيمة وما ذلك إلا لفقدهم (الفكرة السنّية) في حركاتهم السياسية وذهولهم عن الحقيقة أنهم أهل السنة والجماعة وأنهم هم المسلمون، وأن الرافضة ليست من الإسلام في شيء بل هم أعداء الإسلام والمسلمين.

стр. 14213

مثال آخر: أرادت دولة مسلمة حديثة إصلاح معيشة القوم وإجراء نظام للمعيشة يكون موجبا لفلاح القوم ويحفظ أهل الملك من الفقر والمسكنة، وظلم الظلمة من المستحصلين المتمولين المغلوبين من الشحّ والبخل، فإن كانت الدولة معتادة للفكرة السنّية واختارتها للتفكر في هذه المسألة المهمة، فلابد أن تنظر إلى الكتاب والسنة وعمل الصحابة وأقوال الفقهاء وتختار النظام الإسلامي للمعيشة الذي أمر به الله تعالى شأنه، ورسوله ﷺ وفسرته الصحابة بقولهم وعملهم، وفصلته الفقهاء في ضوء عمل الصحابة وأقوالهم، ولا تلتفت هذه الدولة المؤمنة إلى نظام غير إسلامي كالشيوعية وغيرها من الأنظمة الخاطئة الباطلة، وأما الدولة التي ليس لها حَظ من (الفكرة السنّية) فتخبط خبط عشواء وتتبع كل عمياء، وتنظر إلى أنظمة غير إسلامية فتختار بعضها فتذوق وبال إثمها في الدنيا والآخرة، وكانت عاقبة أمرها خسراً، والأمثلة الثلاثة المذكورة آنفا للفكرة السنّية النفسية تكفي للزيادة في وضاحتها وتنور مفهومها ومصداقها فنختم بيانها، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب. شهادة التاريخ:

стр. 14214

التاريخ يدخر المواعظ والعبر لنتعظ بها، ولنسلك طريق المستقبل في ضوئها، فنشير إلى بعض الحوادث الماضية التي تصدق ما قلناه من أن (الفكرة السنّية) لها أثر عظيم في رقي الأمة المسلمة وعروجها، وإن تركها موجب لزوالها وانحطاطها، فإن زوالها إنما بدأ حين ضعف اعتصامها بالكتاب والسنة، ولاشك أن هذا الضعف قد طرأ عليها بسبب التغير في منهاج فكرها ووجهة نظرها، وذلك بأن المجتمع الإسلامي من حيث المجتمع قد ترك (الفكرة السنّية) في الأمور الاجتماعية لاسيما في الأعمال السياسية وإن بقيت مختارة لكثير من الأفراد في الحياة الفردية، وكفاك مثلا وعبرة حادثة زوال الخلافة العباسية فإنها سقطت في أول فتنة في التاريخ الإسلامي التي أثارها المنافقون، وأصبحت تلك الفتنة قائدة لجيش الفتن التي صحبتها، كفتنة القول بخلق القرآن وفتنة إنكار الحديث وأمثالها من الفتن التي ظهرت في عصر العباسيين وانتهت بزوالهم. وتوضيح هذا المجمل أن أول فتنة ظهرت في الإسلام هي فتنة تنقيص شأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فإن سعي اليهود لإزالة حب الصحابة وتعظيمهم وتوقيرهم عن قلوب المسلمين أنتجت فرقة في الأمة تسمي نفسها باسم الشيعة. وهذه الفرقة التي نشأت على عداوة الصحابة وتنقيص شأنهم، قد قويت على عهد الخلافة العباسية، لأن العباسيين استعانوا بها حين أثاروا الثورة ضد الأمويين، ثم إن خلفاءهم وزعماءهم قربوا هذه الفرقة ونصبوا رجالها على مناصب جليلة وأشركوهم في أمور الخلافة، حتى أنها تسلطت عليهم، وكان عاقبة الأمر أن الشيعة لعداوتهم لأهل السنة ولدينهم الحق دمروا الخلافة العباسية تدميرا واستأصلوها بالمؤامرة بتآمر الذين دعوهم للتدمير وأعانوهم على هذا المقصد الشنيع.

стр. 14215

والسبب الأساسي لتلك الحادثة الفاجعة الأليمة هو أن العباسيين ومن كان معهم من المسلمين أي من أهل السنة صرفوا النظر عن هداية الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ . (الآية) وخالفوها باتخاذ أعداء الإسلام المنافقين بطانتهم وبالاعتماد عليهم وتركوا الفكرة السنّية فذاقوا وبال خطئهم. ثم إن هذا المرض أصبح وباء متعديا إلى العامة من أهل السنة وأفسد مزاج المجتمع لأن الاختلاط والمودة بالذين أشربوا في قلوبهم عداوة الصحابة ﵃ أجمعين والسخط على دينهم الحق أدّى إلى ضعف حب الصحابة وسنتهم ونقص عظمتهم في قلوبهم، فأدى إلى ضعف في اعتصامهم بالكتاب والسنة وقد حفظ الله تعالى شأنه طائفة من المؤمنين من هذا الداء العضال حتى أصبحت مصداقا لقوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم". أو كما قال، لكنها كانت قليلة في العدد. وكما أن التاريخ يقص قصص زوال الأمة وأسبابها ويرفع الحجاب عن الحقيقة أن إهمال الفكرة السنّية وتركها واختيار فكرة غير سنّية هي أعظم أسباب زوال الأمة وانحطاطها كذلك ينبئنا عن عروج الأمة ورقيها وأسبابه، ويضيء لنا الطريق إليه ويأتينا بأخبار كثيرة تدل دلالة واضحة على أن (الفكرة السنية) كفيلة بعروج الأمة ورقيها وهي الطريقة الوحيدة إليه.

стр. 14216

وإني أستطيع أن آتي من التاريخ بأمثلة كثيرة لهذا الأصل، لكني قصداً للإيجاز أكتفي بإيراد قصة المجاهد الجليل والفتى النبيل محمد بن القاسم الثقفي ﵀ حين وصل إلى قلعة محكمة في غزوة السند، وكانت القلعة التي غزاها على ساحل بحر السند، ولم يكن هناك جسر ولا سفينة، فنظر إلى جيوشه وسألهم: أرب البحر والبر واحد أم لهما ربان؟ قالوا: إن الله وحده هو رب البحر والبر ورب كل شيء وهو رب العالمين، فقال: ربنا الذي نصرنا وحفظنا في البر وإنا خرجنا في سبيل الله فلا ينبغي لنا أن نرجع على أعقابنا فادخلوا البحر، فدخل المجاهدون في الماء يمشون عليه كما يمشي الرجل على الأرض، ولما رأت جيوش الهندوس الذين كانوا يرمون الحجارة عليهم بالمنجنيق هذه الحالة المدهشة العجيبة طرحوا أسلحتهم وفتحوا باب الحصن وأطاعوا المسلمين المجاهدين، وواضح أن محمداً بن القاسم ومن كان معه من المجاهدين تفكروا بفكرة سنية، فنظروا إلى وعد الله تعالى شأنه لا إلى الأسباب الظاهرة، واستعانوا بالإيمان فأفلحوا ونجحوا، ثم لا يخفى على من طالع تاريخ السند أن الفتح المذكور، جاء في تلك البلاد ببركات كثيرة من غلبة الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا، ونشاط علمي وفكري كما جاء بالأمن والسلام. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 14217

نظام الإثبات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة (٣) للدكتور عوض عبد الله أبو بكر الأدلة المختلف فيها: بعد أن تناولنا في المقالين السابقين السمات الأساسية لنظام الإثبات في الفقه الإسلامي، ووضحنا تفرده بنظام يتسق مع عدله وشموله، وبينا أنه يحتوي على قسمين من أدلَة الإثبات –قسم اتفق عليه الفقهاء، وهو يتمثل في الإقرار والشهادة. وقسم آخر اختلفوا فيه –ومن هذا القسم المختلف فيه موضوع بحثنا في هذا المقال- اليمين والنكول عنه وعلم القاضي. اليمين والنكول عنه: النكول عن اليمين هو الامتناع عنها حينما توجه إلى المدعى عليه من القاضي بطلب المدعي [١] . فإذا لم يكن للمدعي بينة وطلب يمين المدعى عليه فنكل، قال أبو حنيفة وأصحابه يقضى عليه بنكوله، ذلك لأن الشهادة لما كانت لإثبات الدعوى واليمين لإبطالها، وجب أن نكل أن تحقق عليه الدعوى، وقالوا إن عثمان ﵁ قد قضى بالنكول، ولم يعلم له مخالف من الصحابة فكان ذلك إجماعا [٢] . غير أن مذهب أبي حنيفة بالقضاء بالنكول وحده منتقد من وجوه:- الأول: إن النكول لا يدل على أن الحق قد ثبت على الناكل، لأنه قد يمتنع عن الحلف تورعا وترفعا حتى وإن كان صادقا في إنكاره للدعوى. الثاني: قالوا لهم إنكم قد خالفتم قضاء عثمان ﵁، فإنه لم يقض بالنكول في بعض الوقائع التي رفعت إليه. يقول ابن حزم: "فكيف وقد خالفوا عثمان في هذه القضية نفسها، لأنه لم يجز البيع بالبراءة إلا في عيب لم يعلمه البائع، وهذا خلاف قولكم. ومن العجيب أن يكون حكم عثمان بعضه حجة وبعضه ليس بحجة، هذا على أن مالك بن أنس روى هذا الخبر عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سالم بن عبد الله فقال فيه عن أبيه: فأبى أن يحلف وارتجع العبد فدل هذا على أنه اختار أن يرتجع العبد فرده إليه عثمان برضاه" [٣] .

стр. 14218

الثالث: إن دعوى الإجماع غير صحيحة، فالإجماع يكون صحيحا بعدم المخالف، لا بعدم العلم بالمخالف، وفرق بين عدم المخالف وعدم العلم به. أما الأئمة مالك والشافعي وأحمد فيقولون إن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين لا يجب للمدعي بنكوله شيء، وإنما ترد اليمين إلى المدعي، فإذا حلف استحق المدعى به. وتوجيه هذا القول هو أن نكول المدعى عليه أضعف من شاهد المدعي، فالأولى أن يقوى بيمين الطالب، إذ النكول ليس بينة من المدعى عليه ولا إقرارا، فلم يقو على الاستقلال بالحكم، فإذا حلف معه المدعي قوي جانبه [٤] . قالوا: وإن هذا المعنى يستفاد من الآية الكريمة في شأن الوصية في السفر ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِم ... ﴾ الآية (المائدة ١٠٧-١٠٨) . ووجه الاستدلال في الآية أنها أفادت رد اليمين إلى الجهة التي شرعت فيها أولا وهي الشاهدان إلى غيرهما، ويؤخذ منه رد اليمين من المدعى عليه إلى غيره [٥] . وكذلك استدلوا بما رواه الدارقطني والحاكم في المستدرك وصحح إسناده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قد رد اليمين على طالب الحق [٦] . ومع أن هذا المذهب أظهر من سابقه وأرجح لكونه اعتمد على أدلة نقلية منها ما هو منطوق في محل النزاع كحديث ابن عمر ﵁، إلا أنه لم يسلم أيضا من انتقاد وجه إليه، ويتلخص هذا الانتقاد في:

стр. 14219

أولا: إن استدلالهم بالآية لا يستقيم لهم في موضوع النزاع، لأنها تدل على أن شاهدين يقومان مقام شاهدين آخرين ظهر كذبهما بعد الحلف، وليس ذلك موضوع الخلاف. ثم إن الشافعية والمالكية وهم من أنصار هذا المذهب يقولون بنسخ هذه الآية بالآيات التي تمنع ولاية الكافر على المسلم، والشهادة فيها ولاية على المشهود عليه، ولذا فقد أبطلوا شهادة الكافر على المسلم. فكونهم لم يعملوا بالآية في موضوعها فمن باب أولى ألا يستدلوا بها هنا. ثانيا: إن حديث ابن عمر الذي استندوا عليه مطعون في إسناده فلا يصح الاعتماد عليه. (انظر الهامش) . هل تكفي اليمين لقطع النزاع؟ لاشك أن المدعى عليه إذا أقر بالدعوى إقراراً صحيحاً، أو ثبتت عليه الدعوى بشهود المدعي، وحكم القاضي بناء على ذلك انقطع النزاع بينهما لاتصال الحكم بالدليل الذي يؤدي إلى الحق غالبا، ولكن هل يعتبر الحال كذلك عند اتصال الحكم باليمين؟ أي هل تنقضي الدعوى إذا حلف المنكر عند عجز المدعي من تقديم بينته؟ وبمعنى آخر هل يجوز للمدعي أن يقدم بينة بعد احلاف المدعى عليه اليمين؟. جمهور الفقهاء يرون سماع بينة المدعي بعد حلف المدعى عليه اليمين، ويعتبرون إنهاء الدعوى باليمين إنما هو إنهاء مؤقت يمكن أن تعاد مرة أخرى إذا قدم المدعي البينة التي كان قد عجز عن تقديمها قبل اليمين، ويقولون إن البينة العادلة أولى من اليمين الفاجرة، ولأن البينة مثبتة واليمين نافية، والإثبات أولى من النفي، ولأن اليمين تكون مع عدم البينة، فإذا وجدت البينة سقط حكم اليمين، ولأن سقوط الدعوى باليمين ليس موجبا لسقوط الحق، فالحقوق لا تسقط إلا بقبض أو إبراء، وليست اليمين قبضاً ولا إبراء [٧] . ويرى بعض الفقهاء أن اليمين طريق من طرق الإثبات، فإذا حلف المدعى عليه سقط حق المدعي في الدعوى وترتب على ذلك اليمين قطع النزاع [٨] .

стр. 14220

اليمين مع الشاهد: روى مسلم وأحمد وأبو داود عن ابن عباس ﵁: "أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين"، وفي رواية أحمد: "إنما كان ذلك في الأموال"وروى الدارقطني في سننه: "أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق" [٩] . استناداً على هذه الأحاديث ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز القضاء بشاهد ويمين المدعي في المال، وما يؤول إلى المال من حقوق الأبدان كالنكاح والطلاق، ولا يحكم بذلك في القصاص والحدود. وخالف أبو حنيفة وأصحابه وقالوا: "لا يحكم بشاهد ويمين إذ الآية الكريمة ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾ (البقرة: ٢٨٢) قد قصرت الإثبات في البينة على النحو المذكور، وحديث الشاهد واليمين زيادة على النص، والزيادة على النص تكون نسخا، وخبر الواحد لا ينسخ المتواتر" [١٠] . وقد أورد الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار أدلة الفريقين وانتصر لمذهب الجمهور قائلا: "جميع ما أورده المانعون من الحكم بشاهد ويمين غير نافق في سوق المناظرة عند من له أدنى إلمام بالمعارف العلمية وأقل نصيب من إنصاف، فالحق أن أحاديث العمل بشاهد ويمين زيادة على ما دل عليه قوله تعالى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ... ﴾ الآية وعلى ما دل عليه قوله ﷺ "شاهداك أو يمينه"غير منافية للأصل، فقبولها متحتم، وغاية ما يقال على فرض التعارض- وإن كان فرضا فاسدا- إن الآية والحديث المذكورين يدلان بمفهوم العدد على عدم قبول الشاهد واليمين والحكم بمجردهما، وهذا المفهوم المردود عند أكثر أهل الأصول لا يعارض المنطوق وهو ما ورد في العمل بشاهد ويمين [١١] . يمين القسامة: القسامة في اللغة تطلق على معنيين، بمعنى الحلف، يقال: أقسمت إذا حلفت، وبمعنى الحسن والجمال، يقال فلان قسيم الوجه، ورجل قسيم أي وسيم [١٢] .

стр. 14221

أما في اصطلاح الفقهاء، فقد عرفها ابن قدامة في المغني بقوله: "القسامة هي الأيمان المكررة في دعوى القتل" [١٣] . ويقول ابن عرفة المالكي: "هي حلف خمسين يمينا أو جزأها على إثبات الدم" [١٤] . وعند فقهاء الحنفية القسامة هي "أيمان يقسم بها أهل محلة أو دار وجد فيها قتيل به أثر، يقول كل واحد منهم ما قتلته ولا علمت له قاتلا" [١٥] . يتضح من هذه التعريفات أن القسامة هي أيمان قدرها خمسون يمينا يحلفها إما أولياء القتيل يثبتون بها الدم على المدعى عليه كما هو مفهوم جمهور من يقول بها، أو يحلفها من وجد القتيل بين ظهرانيهم ينفون بها نسبة القتل إليهم وهو مفهوم الحنفية. وقد اختلفوا فما القسامة هل هي قسم من أقسام اليمين؟ أم هي طريق آخر من طرق الإثبات إذ قد يترتب على حلفها عند الجمهور إثبات الدم المترتب عليه القود أو الدية. وعلى كل فإن القسامة طريق لإثبات الدم يقوم على حلف اليمين. ويحتج جمهور الفقهاء القائلون بالقسامة بالأحاديث الصحيحة التي نصت على مشروعيتها ففي صحيح البخاري عن بشير بن يسار: "زعم أن رجلا من الأنصار يقال له سهل ابن أبي حثمة أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلا، وقالوا للذي وجد فيهم قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا. فانطلقوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلا. فقال: الكبر الكبر. فقال: لهم تأتون بالبينة. فقالوا: يا رسول الله مالنا بينة. قال: فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة" [١٦] .

стр. 14222

ورواية مسلم وأبي داود: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته. قالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف. قال: "تبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم". قالوا: يا رسول الله قوم كفار، فوداه رسول الله ﷺ من قبله". قال سهل: "فدخلت مربدا لهم فركضتني ناقة من تلك الإبل برجلها" [١٧] . وعند الترمذي "تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم قاتلكم ... " ثم ساق الحديث. وجه الدلالة من هذه الأحاديث أن رسول الله ﷺ شرع أيمان القسامة. وفي الروايتين الأخيرتين أجاز لأولياء القتيل أن يحلفوا خمسين يمينا على من اتهموه في بالقتل، ويستحقون بهذه الأيمان دم القاتل، وإلا حلف المتهمون خمسين يمينا لتبرئة أنفسهم من الاتهام الموجه إليهم. ويتضح أيضاً من هذه الأحاديث اعتماد المدعين على قرينة العداوة بين اليهود والأنصار مما دعاهم إلى توجيه تهمة القتل إليهم، لاسيما وقد وجد القتيل بينهم، وقد أجاز لهم النبي ﷺ الحلف على ذلك. هذا ولم يخالف في الأخذ بالقسامة إلا ما روى عن سالم بن عبد الله وسليمان ابن يسار وقتادة وأبى قلابة وعمر بن عبد العزيز والبخاري، محتجين بأن القسامة تخالف أصول التشريع الإسلامي، إذ أن الأصل في الشريعة ألا يحلف أحد إلا على ما علم قطعا أو شاهد حسا، فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل. ويقولون أن رسول الله ﷺ تلطف بالأولياء ليريهم أنه كيف لا يلزم الحكم بها في الإسلام لأنها كانت من أحكام الجاهلية. ويحتجون أيضا بأن الأيمان لا تأثير لها في الدماء فلا تصلح لإشاطتها. وتخالف القول بأن البينة على المدعى واليمين على من أنكر [١٨] .

стр. 14223

وأجاب من أخذ بالقسامة عليهم بأن القسامة أصل قائم بنفسه قررته السنة النبوية الشريفة كسائر السنن المقررة للأصول، وأنه يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله، وللإنسان أن يحلف على غالب ظنه. ثم أن الرسول ﷺ جعل لهم استحقاق دم القاتل بقوله: "وتستحقون دم صاحبكم"أو "ويدفع إليكم برمته". وليس ثمة ما يمنع أن تكون الأيمان سبيلا لإشاطة الدماء أي إهدارها مادامت الأيمان تؤدي إلى إثبات القتل [١٩] . علم القاضي: وقد اختلف الفقهاء أيضاً في قضاء القاضي في حادثة بناء على علمه بحقيقتها فإن كان الحق المدعى به من حقوق الله الخالصة -كالحدود- فهذه اتفقوا على أنه لا يقضي فيها بعلمه، اللهم إلا ما روي عن ابن حزم الظاهري بجواز ذلك. أما إن كان من حقوق العباد -كالبيع والشراء- ففيها اختلاف بين الفقهاء. قال متقدمو الحنفية: "إنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بناء على علمه الشخصي فيها"، وعن محمد بن الحسن "لا يقضي بشيء أصلا". وهو ما أفتى به المتأخرون منهم. جاء في البحر الرائق: "علم القاضي بشيء ينفذ القضاء في غير الحدود، وأما القصاص، فله القضاء بعلمه كما في الخلاصة، وتركه المصنف للاختلاف وظاهر ما في جامع الفصوليين أن الفتوى على أن القاضي لا يقضي بعلمه لفساد قضاة الزمان" [٢٠] . وقول ابن حزم والمتقدمين من الحنفية هو أيضا رواية عن أحمد وقول للشافعي. أما المشهور عند المالكية والرواية الأخرى لأحمد والشافعي لا يجوز للقاضي الحكم بعلمه الشخصي في الدعوى. ويستند هذا القول الأخير- الذي يمنع القاضي من الحكم بناء على علمه - على أمرين: الأول: إن قضاء القاضي بعلمه يعرضه إلى التهمة والريبة، والقضاة مأمورون بصيانة أنفسهم عن التهم. كما يؤدي إلى زعزعة الثقة بالقضاء وبأحكامه.

стр. 14224

الثاني: إن ترك الحرية للقاضي ليقضي بعلمه يمكن من لا خلاق لهم من القضاة بالتلاعب بالأحكام بتقتيل من يخالفهم وتفسيقهم وتجريح من يبغضهم، وتمييز من يواددهم، وتغيير الأحكام بناء على أطماعهم وأهوائهم الشخصية. ولهذا فإن هذا القول أرجح من سابقه وأظهر وأكثر ملاءمة لوقتنا الحاضر. وبه أفتى المتأخرون من علماء الشريعة، وذهبوا إلى منع ذلك منعا باتا بناء على ما تقتضيه المصلحة العامة حيث فسد الناس وعمت الفوضى وخربت الذمم، وأصبح الاختيار لمنصب القاضي لا يقوم على ما كان عليه عند أسلافنا من تحري التقوى والورع. يقول الشيخ أحمد إبراهيم ﵀: "الحق أن الاحتياط في ذلك واجب بل هو من أعظم مطالب الشريعة الحكيمة العادلة، فلا نسلم للقاضي بما يقضي به ولا نقره عليه إلا إذا بين أسبابا مقنعة وحججا واضحة استند في قضائه عليها يزيل بها التهمة عن نفسه وبدون ذلك لا توجد الطمأنينة في نفس أحد" [٢١] . ويقول الدكتور محمد البهي ﵀: "أما إذا منعناه من القضاء بعلمه فالضرر الذي يترتب على هذا المنع محدود الدائرة ضيق الأثر لأنه لا يتعدى بعض المتقاضيين، أما نفعه فإنه يعود على المجتمع كله، فيأمن الناس معه على أعراضهم ودمائهم وأموالهم، كما أنه حماية للقاضي ومكانة القضاء من أن تزلزل في نفوس الناس ويهن شأنها في نظرهم" [٢٢] . --------------------------------------------------------------------------------

стр. 14225

اتفق الفقهاء على أن الحقوق الخالصة لله تعالى- كالحدود- لا توجه اليمين إلى المدعى عليه لإثباتها، وإن كانت هناك رواية عن الشافعي تجيز ذلك. أما حقوق العباد الخالصة- كالأموال- فهذا اتفقوا على توجيه اليمين فيها، وإن كانت غير ذلك كالنكاح والطلاق والرجعة والعتق، فمالك ورواية عن أحمد على منع توجيه اليمين فيها، والشافعي وبعض الحنفية وابن حزم على جواز توجيه اليمين فيها، وأبوحنيفة يقول إن كانت هذه الحقوق مما يحتمل البذل أي ترك المنازعة فيجوز توجيه اليمين فيها، وإن كانت غير ذلك كالنكاح والنسب فلا يجوز. أما الحقوق المشتركة بين العبد والرب فاختلفوا فيها- فمن رجح جانب العبد أوجب اليمين، ومن يرجح جانب الله لم ير ذلك. [١] الاختيار لتعليل المختار للموصلي ج٢ ص١٦٢ ط السعادة مصر. [٢] المحلى ج١٠ ص ٥٣٣-٥٣٤ ط دار الاتحاد العربي مصر. [٣] الطرق الحكمية لابن القيم ص ١٣٧، بداية المجتهد ج٢ ص ٤٦٩. [٤] الأم للشافعي ج ٧ ص ٣٤. [٥] سنن الدارقطني ج٤ ص ٢١٣- وجاء في التعليق المغني على سنن الدارقطني للمحدث أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي "الحديث أخرجه البيهقي والحاكم وفي إسناد كلهم محمد بن مسروق وهو لا يعرف، وإسحاق بن الفرات مختلف فيه" [٦] المغني ج١٠ ص ١٠٤. [٧] المرافعات الشرعية لمحمد زيد بك الإبياني ص٩ وما بعدها. [٨] سنن الدارقطني ج٣ ص٢١٤، نيل الأوطار ومنتقى الأخبار ج١٠ ص٢٨٢ ط الطباعة الفنية. [٩] [٩] نيل الأوطار ج١٠ ص٢٨٤، تبصرة الحكام ج١ ص٢٦٨، إعلام الموقعين ج٣ ص٨٥ [١٠] نيل الأوطار ج ١٠ ص ٢٨٤. [١١] لسان العرب (فصل القاف من حرف الميم) . [١٢] المغني ج٨ ص٦٥. [١٣] مواهب الجليل للحطاب ج٦ ص٢٦٩ [١٤] [١٤] العنابة بهامش تكملة فتح القدير ج٨ ص٣٨٣. [١٥] صحيح البخاري (باب القسامة) ج٤ ص ١٥٦. [١٦]

стр. 14226

صحيح مسلم مع شرح النووي ج١١ ص١٤٨، وسنن أبي داود ج٤ ص٢٩٩. [١٧] صحيح البخاري (باب القسامة) ج٤ ص١٥٧، المبسوط للسرخسي ج٢٦ ص١٠٩، بداية المجتهد ج٢ ص٤٢٨. [١٨] شرح النووي على صحيح مسلم ج ١ ص١٤٤، بداية المجتهد ج ٤ ص ٤٢٨. [١٩] [١٩] البحر الرائق ج ٧ ص٢٠٤ ط دار المعرفة بيروت، وانظر في الموضوع الأشباه والنظائر لابن نجيم ج ١ ص ٣٣٨ المطبعة العامرة مصر، والطرق الحكمية ص ٢٢٧ ونيل الأوطار ج ١ ص٢٨٧. [٢٠] طرق القضاء في الشريعة الاسلامية ص ٣٩. [٢١] من طرق الإثبات في الشريعة والقانون ص١٤٥ [٢٢]

стр. 14227

ترجمة القرآن الكريم للأستاذ أحمد علي عبد الله بكلية الشريعة والقانون - جامعة بايرو- نيجيريا مقدمة: في حين أن موضوع ترجمة القرآن لا يأخذ حيزاً واسعًا ولا ضيقًا من الدارسين في البلاد العربية إلا أنه يستحوذ على قدر غير قليل من اهتمام الدارسين في البلاد الإسلامية غير العربية ومن المسلمين غير العرب.. وهذا بدوره يؤكد قواعد الشريعة الإسلامية الأصولية القائلة بأن الواقع المعاش في كل مكان وآن هو الذي يولد المشاكل والهموم الفقهية ومن ثم يسعى الفقهاء لتكييفها وحلها لمصادر الشرع الخالدة والمرنة مصداقا لقوله ﷺ : "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك". "ولقد تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي" وموضوع ترجمة القرآن الذي نحن بصدده الآن ليس من الموضوعات ولا المسائل الفقهية الجديدة.. بل هو قديم قدم الفقه الإسلامي وحي كحياة الشريعة الإسلامية التي من أصولها مجابهة الواقع لا مداراته وتحاشيه.. تتعامل الشريعة بوضوح وجرأة مع كل مسألة تنشأ في ظل سلطانها فتضع لها الحل وتعطيها الحكم الشرعي الملائم والمتسق مع مبادئها العامة وأحكامها الجزئية.. على عكس ما آل إليه الأمر اليوم من دفن الرؤوس في الرمال أمام الواقع الذي تفلت بسبب ذلك من حكم الشرع.. مما صور الشريعة بصورة العاجز عن معالجة هذا الواقع.. وما العجز في حقيقة الأمر إلا أن المسلمين خاصة أولي الأمر من الحكام والعلماء. قلنا تتعامل الشريعة مع كل واقع جديد مهما عظم بإيجابية وجرأة لأن من طبيعتها الشمول ومن خصائصها المرونة التي تتسع بها لاستيعاب كل جديد ومن عقيدتها أن تحكم حتى تقوم الساعة.

стр. 14228

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلام﴾ (آل عمران: ١٩) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥) . وليس هنالك رهبة أو وجل في أعمال الشريعة لأن المجتهد فيها مأجور ما خلصت نيته وأفرغ جهده "أجتهد رأيي ولا آلو ... " فلئن أصاب في اجتهاده أجر مرتين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة ... وإن أخطأ في اجتهاده نال أجر الاجتهاد ولا يغرم شيئاً في الخطأ. فعلام المهابة إذاً وإلام الاستكانة يا علماء المسلمين. والموضوع كما قدمنا قديم وأرى أن معالجته بشيء من الوضوح والواقعية تقتضي تقسيمه إلى قسمين: القسم الأول: يعالج ما إذا كانت الترجمة قرآناً أم لا. القسم الثاني: يناقش الآراء الفقهية حول جواز الترجمة أو عدم جوازها باعتبارها تفسيراً لمعاني القرآن.. وأفضل أن أبدأ بالمسألة الأولى لأسباب منها: ١- من حيث الظرف التاريخي فإن المسألة الأولى طرحت نفسها أولا. ٢- ثم إنها أثرت سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الفكر الإسلامي في مجابهته للمسألة الثانية. تعريف القرآن: إن أجمع وأوضح ما قيل في القرآن هو قول الإمام الآمدي: "إن الكتاب: هو القرآن المنزل" [١] . وقلنا هو أجمع وأوضح لأن معظم التعريفات الأخرى تؤدي إلى متاهات لا حاجة للناس فيها في أمر جده معلوم لدى الكافة.. ومع ذلك، ومن أجل الدخول في الموضوع سنورد تعريف الإمام اليزدوي: "أما الكتاب فالقرآن المنزل على رسول الله المكتوب في المصاحف المنقول عن النبي ﷺ نقلاً متواتراً بلا شبهة. وهو النظم والمعنى جميعا في قول عامة العلماء، وهو الصحيح من قول أبي حنيفة عندنا إلا أنه لم يجعل النظم ركنا لازماً في حق جواز الصلاة خاصة وجعل المعنى ركنا لازماً والنظم ركناً يحتمل السقوط رخصة" [٢] . القرآن نظمًا ومعنى:

стр. 14229

وتعريف اليزدوي أعلاه يشير بوضوح إلى أن القرآن يتألف عند عامة العلماء.. من النظم العربي والمعنى معا تأليفاً لا تنفك فيه المعاني القرآنية عن ألفاظها العربية وأن النظم (العربي) المعجز جزء من ماهية القرآن والكل بدون الجزء مستحيل كما يقول النيسابورى [٣] . ويدل النص من ناحية أخرى على ما نسب لأئمة الحنفية من خلاف حول المعنى السابق.. وما نسب للأحناف يصوره ما أورده النيسابوري قال: قال الشافعي: "ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها"، وقال أبو حنيفة: "إنها كافية في حق القادر والعاجز". وقال أبو يوسف ومحمد: "كافية في حق العاجز لا القادر" [٤] . وبناء على ما نقله النيسابوري يتضح أن أبا حنيفة: يجوز قراءة ترجمة القرآن في الصلاة.. وأن ذلك الجواز إنما هو للقادر على قراءته باللغة العربية وللعاجز معاً وإن الصاحبين خالفاه في هذا الإطلاق فرخصا للعاجز دون القادر.. وإن قراءة الترجمة في الصلاة تفيد أن المقروء قرآنٌ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن﴾ .

стр. 14230

والأجدر بنا أن نرجع إلى كتب الحنفية أنفسهم حتى نتعرف عن قرب على رأي الإمام وأصحابه في هذا الصدد ولكن قبل أن نشرع في ذلك ينبغي أن ننبه إلى أن أبا حنيفة ليسَ بعربي.. بل تربى وتأثر بالثقافة والحضارة الفارسية قبل الإسلام.. وعاش في منطقة العراق الحالية حيث كان يسكنها الفرس مع غيرهم من العرب والأجناس الأخرى.. لا غرو أن يجابه الإمام الأعظم وأي إمام في مكانته بمثل هذه المسألة الفقهية التي تعكس الواقع الذي كان يعيشه.. ذلك أن الناس يدخلون كل يوم في دين الإسلام وأنهم يعانون ويجابهون صعوبة في تعلم العربية لوقتها.. فهل من حاجة في أن يعرب لهم المعنى القرآني بلغتهم ليؤدوا الصلاة حتى حفظوا من السور القرآنية ما يغني عن ذلك أم أنه ليس هناك حاجة ابتداء لهذا التجوز؟؟ ولقد واجه هذا الواقع من قبل - ولكن بصورة أخف - سيدنا عبد الله بن مسعود قالوا وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يعلم رجلاً أن شجرة الزقوم طعام الأثيم والرجل لا يحسنه، فقال: "قل طعام الفاجر، ثم قال عبد الله ليس الخطأ في القرآن أن نقرأ مكان العليم الحكيم إنما الخطأ بأن تضع مكان آية الرحمة آية العذاب". قلنا الظن بابن مسعود غير ذلك [٥] . تلكم كانت صورة من البيئة والظروف التي وجد فيها أبو حنيفة نفسه مضطرا لمجابهة مثل هذا الواقع الذي قلما يجابه إماماً كمالك بالمدينة أو الأوزاعي بالشام أو الشافعي بمصر وهاك موجزا لما جاء في كتب الحنفية في هذا الموضوع: ١- من حيث أن القرآن مؤلف من النظم العربي والمعنى معاً فمذهب أبي حنيفة ذلك كمذهب الجمهور.. حتى أن أبا حنيفة يعد كافرا كل من أنكر أن القرآن غير النظم العربي والمعنى معا.

стр. 14231

٢- مع ذلك لم يجعل أبو حنيفة نظم القرآن ركناً لازماً بالنسبة للصلاة خاصة وذلك في تقديره لأن قراءة القرآن في الصلاة مبنية على شيء من التوسعة.. ومقصودها مناجاة الله.. وفوق ذلك فقد جعلت القراءة فيها على التيسير: أ- لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل: ٢٠) . ب- ولسقوط القراءة عن المأموم بتحمل الإمام وبسقوطها بخوف فوات الركعة.. في حين أن هذا لا يجوز في سائر أركانها. ٣- لكل ذلك جوز الإمام الاكتفاء في الصلاة بأداء الركن الأصلي من قراءة القرآن وهو المعنى الذي تتحقق به المناجاة.. ودليل ذلك أن القرآن نزل ابتداء بلغة قريش فلما شق على غير القرشيين من العرب رخص في قراءته باللغات السبع فقال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف" فلما جاز للعربي أن يدع لغة قريش إلى لغته مع قلة الكلفة جاز من باب أولى لغير العربي أن يدع العربية لعجزه عنها والاكتفاء بالمعنى القرآني الذي هو المقصود. ٤- فالعدول إذن عن النظم العربي إلى الترجمة إنما هو رخصة كالمسح على الخفين والقصر في حال السفر. ٥- قصر الأحناف الرخصة على الصلاة خاصة ولا يصح عندهم تجاوزها إلى غيرها.. حتى أن أبا حنيفة حرم مداومة قراءة الترجمة في الصلاة نفسها. ٦- وفوق ذلك قيدت صحة الصلاة بالترجمة على اللغة الفارسية، لأنها كما يزعمون قريبة من فصاحة العربية. ٧- ورغم كل القيود السابقة فقد صح عن أبي حنيفة عدوله عن جواز القراءة في الصلاة بترجمة القرآن.. وبذلك يصبح الخلاف حول صحة الصلاة بالترجمة مجرد تاريخ يحكى على ما عليه الفتوى في المذهب الحنفي. ويبسط الإمام عبد العزيز البخاري ثم يبرر ويوجه ما روي عن أبي حنيفة في هذا الخصوص ثم يقرر عدوله عن ذلك الرأي من خلال تعليقه على تعريف اليزدوي السابق للقرآن كالآتي:

стр. 14232

"ومنهم (أي من العلماء) من اعتقد أنه (أي القرآن) اسم للمعنى دون النظم. وزعم [٦] الصلاة بغير عذر مع أن قراءة القرآن فيها فرض مقطوع به. فرد الشيخ (يعني اليزدوي) ذلك وأشار إلى فساده بقوله وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة عندنا أي المختار عندي أن مذهبه مثل مذهب العامة في أنه اسم للنظم والمعنى جميعا، وأجاب عما استدل به الزاعم بقوله: لكن أبا حنيفة لم يجعل النظم ركناً لازماً له. قال مبنى النظم على التوسعة لأنه غير مقصود خصوصاً في حالة الصلاة إذ هي حالة المناجاة وكذا بنى فرضية الصلاة على التيسير قال تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن﴾ ولهذا يسقط عن المقتدي بتحمل الإمام عندنا وبخوف فوات الركعة عند مخالفنا بخلاف سائر الأركان، فيجوز أن يكتفي فيه بالركن الأصلي وهو المعنى، يوضحه أنه نزل أولاً بلغة قريش لأنها أفصح اللغات فلما تعسر تلاوته بتلك اللغة على سائر العرب نزل التخفيف بسؤال الرسول ﷺ وأذن بتلاوته بسائر لغات العرب وسقط وجوب رعاية تلك اللغة أصلاً واتسع الأمر حتى جاز لكل فريق منهم أن يقرءوا بلغتهم ولغة غيرهم وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: "أنزل القرآن بسبعة أحرف كلها كاف شاف"فلما جاز للعربي ترك لغته إلى لغة غيره من العرب حتى جاز للقرشي أن يقرأ يلغة تميم مثلاً مع كمال قدرته على لغة نفسه جاز لغير العربي أيضاً ترك لغة العرب مع قصور قدرته عنها والاكتفاء بالمعنى الذي هو المقصود.

стр. 14233

فصار الحاصل أن سقوط لزوم النظم عنده رخصة كمسح الخف والسلم وسقوط شطر صلاة المسافر حتى لم يبق اللزوم أصلاً فتستوي فيه حال العجز والقدرة وفي قوله خاصة -تنصيص على أن فيما سواه من الأحكام من وجوب الاعتقاد حتى يكفر من أنكر كون النظم منزلاً وحرمة كتاب المصحف بالفارسية وحرمة المداومة على الاعتياد على القراءة بالفارسية وقيل الخلاف في الفارسية لأنها قربت من العربية فى الفصاحة فأما القراءة بغيرها فلا يجوز بالاتفاق. وقد صح رجوعه إلى قول العامة رواه ابن أبي مريم عنه. ذكره المصنف في شرح المبسوط وهو اختيار القاضي الإمام أبي زيد وعامة المحققين وعليه الفتوى" [٧] . والصواب طبعاً ما ذهب إليه الكافة ورجع إليه أبو حنيفة من أن القرآن هو المعنى والنظم معاً.. والحاجة التي أدت بأبي حنيفة إلى أن يقول بعدم ركنية النظم في الصلاة خاصة قد اندفعت عند الجمهور بصورة تهمل فيها ركنية النظم وهو مذهب أولى بالاعتبار وادعى لبطلان ما ذهب إليه الأحناف ابتداء. ولنا كما يقول النيسابوري: "أنه أي ﷺ والخلفاء من بعده وجميع الصحابة ما قرءوا إلا هذا القرآن العربي فوجب علينا اتباعهم فكيف يجوز عاقل قيام الترجمة بأي لغة كانت وهي كلام البشر مقام كلام خالق القوى والقدر" [٨] . لقد وسع العلماء - وفقاً لقواعد الشريعة العامة - على الذين لم يتعلموا بعد ما يقيمون به الصلاة من القرآن. ١- بالصلاة مع إمام يحسن أو يعرف ذلك. ٢- وإن لم تتيسر الصلاة في جماعة فيمكن له أن يؤديها بأي نوع من الذكر يعرفه. ٣- على أن يجد في حينه في تعليم القرآن وغيره من الأحكام التي يحتاجها في الصلاة.

стр. 14234

يقول الإمام ابن جوزي: "ومن لم يحسنها أي (أم القرآن) إن كان أبكم لم يجب عليه شيء، وإن كان يتعلمها وجب عليه تعلمها والصلاة وراء من يحسنها فإن لم يجد فقيل يذكر الله وقيل يسكت ولا يجوز ترجمتها خلافا لأبي حنيفة" [٩] . وقال الحسن بن محمد: "إن لم يحفظ شيئاً من الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها من القرآن ثم ما ذكر من الأذكار ثم عليه بوقفة بقدرها فإن تعلم قرأ ما لم يفرغ منه" [١٠] . وعن أبي هريرة قال:- كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل". الآية. يقول ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث قال ابن بطال: "استدل بهذا الحديث من قال تجوز قراءة القرآن بالفارسية وأيد ذلك بأن الله تعالى حكى قول الأنبياء ﵈ كنوح ﵇ وغيره ممن ليس عربياً بلسان القرآن وهو عربي مبين ويقول تعالى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ﴾ والإنذار إنما يكون بما يفهمونه من لسانهم فقراءة أهل كل لغة بلسانهم حتى يقع لهم الإنذار به". وقال ابن حجر في أجزاء الصلاة من قرأ فيها بالفارسي: "والذي يظهر التفصيل، فإن كان القارئ قادراً على التلاوة باللسان العربي فلا يجوز له العدول عنه ولا تجزئ صلاته وإن كان عاجزاً وإن كان خارج الصلاة فلا يمتنع عليه القراءة بلسانه لأنه معذور، وبه حاجة إلى حفظها يجب فعلا وتركا، وإن كان داخل الصلاة فقد جعل الشارع له بدلا وهو الذكر وكل كلمة من الذكر لا يعجز عن النطق بها من ليس بعربي فيقولها ويكررها فتجزئ عن الذي يجب عليه قراءته في الصلاة حتى يتعلم، وعلى هذا فمن دخل في الإسلام أو أراد الدخول فيه فقرئ عليه القرآن فلم يفهمه فلا بأس أن يعرب له لتعريف أحكامه أو لتقوم عليه الحجة فيدخل فيه" [١١] .

стр. 14235

والقياس الذي عقده الأحناف لصحة القراءة بالترجمة في الصلاة على صحة القراءة بالأحرف السبعة هو قياس مع الفارق الكبير كما لا يخفى.. ذلك لأن العدول عن لغة قريش إلى أي لغة أخرى عربية لا يخرج القرآن عن عربيته.. ومع ذلك فهذه رخصة بموجب النص استثناء وما شرع رخصة واستثناء لا يصح القياس عليه كما هو مقرر في الأصول. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لا أرى وجهاً لإلزام المرء بالصلاة من قبل أن يتعلم من القرآن والأحكام القدر الضروري لأداء الصلاة.. والصورة الوحيدة التي يمكن إلزامه بها إنما في الجماعة ما تيسر، ولا وجه لإلزامه بالصلاة لأنها كغيرها من الأحكام بنيت على أركان وشروط فما لم تكتمل الأركان وتحقق الشروط لا تتوفر لها أسباب الأداء بالأصالة.. ويقول تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن﴾ ويقول ﷺ : "لا صلاة لمن لا يقرأ فاتحة الكتاب.." فما لم يستطع الإنسان أن يحفظ بفاتحة الكتاب أو أي جزء منها لا تلزمه الصلاة ما لم يفرط وإن فرط أثم على تفريطه. وبما أن الصلاة أصلا هي الصلة بين العبد وربه فللمرء مندوحة في أن يأتي بأسباب هذه الصلة الكثيرة والمتعددة الأوجه كالدعاء والذكر والتفكير.. دون الصلاة التي شرعت بكيفية وهيئة معلومتين فلا تؤدى إلا وفقا لتلك الهيئة أو وفقا للرخص المعلومة.. والتيسير الذي ذكره الله بالنسبة للقراءة في الصلاة هو متسق مع مبادئ الشريعة العامة في رفع الحرج عن العباد ولكن لا يمكن أن يستقل ذلك لإلغاء نظمه ركنية النظم العربي للقرآن.. وعلى المرء أن يحرص كل الحرص ويجند كل طاقاته لتعلم الفاتحة وغيرها من السور والأحكام حتى ينتظم في أداء هذا الركن الركين من الدين الإسلامي ألا وهي الصلاة.

стр. 14236

ويؤيد رأي الجمهور أن علماء الحنفية أنفسهم حاروا في توجيه المسألة المنسوبة لإمامهم قال عبد العزيز البخاري: "فإن قيل لما جاز الاكتفاء بالمعنى عنده في الصلاة من غير عذر لابد من أن يكون ذلك قرآناً إذ لا جواز للصلاة بدون قرآن وبالإجماع وحينئذ لا يكون الحد المذكور متناولاً له لعدم إمكان كتابة المعنى المجرد في المصحف ونقله بالتواتر وما تعلق المعنى به في العبارة الفارسية مثلاً ليس بمكتوب في المصحف ولا منقول بالتواتر أيضاً فلا يكون الحد جامعاً أولا يكون المعنى بدون النظم قرآنا فينبغي أن لا تجوز الصلاة. قلنا إنما جاز الاكتفاء بالمعنى عنده إما لقيام المعنى المجرد في الصلاة مقام النظم والمعنى أو لقيام العبارة الفارسية الدالة على معنى القرآن مقام النظم المنقول كما قال أبو يوسف ومحمد في حالة العذر فيكون النظم المنقول المكتوب موجوداً تقديرا وحكما فيدخل تحته الحد ويكون الحد جامعاً ويفسر قوله المكتوب في المصاحف المنقول عنه نقلاً متواتراً بالكتابة والنقل حقيقة أو تقديراً أو نقول هو يسلم أن المعنى بدون النظم ليس بقرآن ولكن لا يسلم أن جواز الصلاة متعلق بقراءة القرآن المحدود بل هو متعلق بمعناه ويحمل قوله: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآن﴾ على أن المراد وجوب رعاية المعنى دون النظم لدليل لاح له فلا يرد الإشكال" [١٢] . فبرجوع أبي حنيفة عما كان يقول به من اعتبار الترجمة قرآنا في الصلاة على الرأي المفتى به في المذهب الحنفي اجتمعت كلمة المسلمين في الجملة على أن القرآن إنما هو النظم العربي والمعنى معا سواء كان ذلك بالنسبة للصلاة أو غيرها من الأحكام الشرعية. وقلنا في الجملة لأن فريقا من الأحناف ما يزال يعتقد أن الرأي ما ذهب إليه الإمام أولاً لأن رجوعه عن هذا الرأي لم يصح في تقديرهم.. وهذا رأي مرجوح في المذهب الحنفي. ترجمة معاني القرآن:

стр. 14237

إذا ثبت بالدليل القاطع أن الترجمة لا تعتبر قرآناً لأن أحداً لم يقل بذلك ولأن الرأي المقيد الذي كان يقول به أبو حنيفة قد صح رجوعه عنه بنفسه، مما يدل على فساده من ناحية أخرى فما حكم ترجمة القرآن على وعي تام بأن الترجمة ليست قرآنا. أحكامهم على القرآن من خلالها. وما دام الأمر قد استقر بين المسلمين على أن الترجمة لا تعتبر قرآناً وإنما يقصد بها نقل معاني القرآن بحيث يتسنى للإنسانية الإطلاع عليها والاهتداء بتعاليمها فما علينا إلا أن نعالج المسألة من ناحية موضوعية فنورد ما لها وما عليها في ضوء القواعد الأصولية العامة والمبادئ الشرعية الحاكمة. والترجمة المقصودة هنا هي نقل لمعاني وأحكام القرآن إلى لغة أخرى أشبه ما يكون الأمر بالتفسير ... كل ما هناك أن التفسير يهتم بإبراز الأحكام بأنواعها بينما تسعى الترجمة لإبراز الأحكام والمعاني تبعا لنقل روح وأهداف وإيقاع العبارة القرآنية ما أمكن [١٣] . بالرغم من هذا فقد انبرى كما قدمنا فريق من المسلمين وقالوا بعدم جواز ترجمة القرآن وساقوا الحجج الآتية لتأييد ما ذهبوا إليه. ١- إن ترجمة القرآن تعتبر بدعة خطيرة، أما إنها بدعة فلأن الأولين لم يقدموا على مثل هذا العمل وهم أقدر ما يكون عليه وهي في المقام الثاني خطيرة لما يترتب عليها من مفاسد كهجران اللغة العربية من قبل المسلمين غير العرب بعد اكتفائهم بالترجمة في تعلم القرآن ودراسته وتلاوته. ٢- إن إحجام الصحابة ومن بعدهم من المسلمين عن ترجمة القرآن أدى إلى انتشار اللغة العربية فتحقق من أجل ذلك ما لا يحصى من الفوائد بالنسبة للإسلام والمسلمين. ٣- أما عن واجب تبليغ الدعوة للناس كافة فيقول أصحاب هذا الرأي: "الواجب هو تبليغ مجمل الدعوة.. فلا ينبغي كل ما جاء بالقرآن.. بل يجب على تلك الأمم أن تشرع في تعلم العربية فور إسلامها حتى تستكمل دينها".

стр. 14238

٤- ثم قالوا: "إن عدم جواز الترجمة مبني أيضاً على قصور الترجمة عن تحمل المعاني الكثيرة التي أودعها الله القرآن بنظم عربي معجز.. فلا يستطيع كائن ما أن يحيط بهذه المعاني أولاً وأن ينقلها في المقام الثاني بحيث يحافظ على إعجازها اللفظي والمعنوي.."أو كما يقول الأستاذ إبراهيم أنيس: "وفي الحق أنه لا يكاد المرء ينتهي من تصفح هذه الكتب وأمثالها حتى يحس في قرارة نفسه أن الوقوف على دلالات الألفاظ القرآنية أمر عسير المنال دونه صعوبات جمة، فلا يكاد يسلم المترجم لها من الزلل أو القصور في إبراز تلك الدلالات، وتصويرها بالقدر الذي يقارب ما هي عليه في منبتها القرآني من جمال وروعة وإعجاز لأهل اللسن والفصاحة في كل زمان ومكان" [١٤] . ومن ناحية أخرى ذهب الأكثرون إلى القول بجواز بل بضرورة ترجمة القرآن لنقل روح وأهداف القرآن - ما أمكن - لمن لا يحسنون أو لا يعرفون اللغة العربية. وحيث أن الأحناف قالوا بصحة تلاوة ترجمة القرآن في الصلاة فهم ومن باب أولى يجوزون ترجمته باعتبارها تفسيرا ونقلا لمعاني وأحكام القرآن. كذلك أورد الإمام البخاري في صحيحه ما يدل على صحة ترجمة القرآن قياساً على صحة ترجمة غيره من كتب الله، وقد بنى على ذلك الفهم الإمام ابن حجر - في شرحه لصحيح البخاري - جواز ترجمة القرآن. تحت باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . أورد البخاري الآتي.

стр. 14239

وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان بن حرب: أن هرقل دعا ترجمانه ثم دعا بكتاب النبي ﷺ فقرأه فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد ... فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون". وعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل ... "الآية. وعن ابن عمر ﵄ "أتى النبي ﷺ برجل وامرأة من اليهود قد زنيا فقال لليهود: ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما. قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين. فجاءوا وقالوا لرجل ممن يرضون أعور: أقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه قال: ارفع يدك. فإذا فيه آية الرجم تلوح فقال: يا محمد إن عليهما الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا. فأمر بهما فرجما، فرأيته يجافى عليهما الحجارة" [١٥] . في تعليقاته على هذه الأحاديث يقول ابن حجر: والحاصل أن الذي بالعبرية يجوز التعبير عنه بالعربية وبالعكس، وهل يتقيد الجواز بمن لا يفقه ذلك اللسان أو لا؟ الأول قول الأكثر قوله: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ..﴾ وجه الدلالة أن التوراة بالعبرية وقد أمر تعالى أن تتلى على العرب وهم لا يعرفون العبرانية فقضية ذلك الإذن بالتعبير عنها بالعربية ثم ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

стр. 14240

الأول: حديث ابن عباس. ووجه الدلالة فيه أن النبي ﷺ كتب إلى هرقل باللسان العربي ولسان هرقل رومي ففيه إشعار بأنه اعتمد في إبلاغه ما في الكتاب على من يترجم عنه بلسان المبعوث إليه ليفهمه والمترجم المذكور هو الترجمان [١٦] ، والثاني حديث أبي هريرة ولقد أوردناه وما علق به ابن حجر من قبل [١٧] . لقد أشار الإمام البخاري في هذا الباب إشارة كما أفصح ابن حجر في شرحه إفصاحاً على جواز الترجمة أخذاً من فعل الرسول ﷺ وارتضائه ترجمة التوراة إلى العربية في حضرته وبإرساله الكتب التي تحمل الآيات القرآنية بلسان عربي إلى ملوك الأرض حينئذ إلى هرقل وكسرى والنجاشي وهم لا يفقهون اللسان العربي وهو يعلم أنها ستترجم لهم إلى لغاتهم المختلفة وذلك إقرار منه ﷺ على جواز ترجمة القرآن إلى هذه اللغات وخبر إرساله بهذه الكتب إلى أولئك الملوك معلوم ومشهور [١٨] . وقد نسب أيضا ابن الخطيب إلى ابن حجر قوله بجواز الترجمة في غير هذا المكان، إذ يقول: "وقد قرر الإمام ابن حجر وهو من كبار أئمة المحدثين وجوب الترجمة حيث يقول: إن الوحي متلو أو غير متلو إنما نزل بلغة العرب ولا يرد على هذا كونه ﷺ قد بعث إلى الناس كافة عربا وعجماً وغيرهم، لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي وهو يبلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم " [١٩] .

стр. 14241

ويقول جار الله محمود الزمخشري تعليقاً على قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم ١٤) أي ليفهموا عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجة على الله، ولا يقولوا لا نفهم ما خوطبنا به كما قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ..﴾ فإن قلت لم يبعث رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم تكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة، وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة أيضاً. قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو واحد منها ولا حاجة لنزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك، وتكفي التطويل فبقي أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول ﷺ لأنهم أقرب إليه فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما نرى الحال ونشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم.. ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها مع اختلافها وكثرتها وكان مستقلا بصفة الإعجاز في كل واحد منها وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها ما كلم أمته التي هو منها، يتلوه عليهم معجزا لكان ذلك أمرا قريبا من الإلجاء [٢٠] . وهذا نص واضح وقاطع ليس في جواز الترجمة وحسب بل هو قائل بوجوبها اعتماداً على أن الرسول ﷺ مبعوث للناس كافة برسالة القرآن التي ينبغي أن تصل للكل مفهومة حتى تقوم بها الحجة ولا سبيل لذلك إلا بالترجمة وسيأتي بيان ذلك.

стр. 14242

وختاما يقول الأستاذ محمد صالح سمك: "واستدل الإمام الشاطبي في الموافقات على جواز ترجمة القرآن بالقياس على ما هو حاصل من إجماع الأمة على تفسيره للعامة، ومن ليس له من الفهم ما يقوى به على إدراك كل معانيه الدقيقة وما الترجمة إلا تفسير وإيضاح لغير العرب حتى يفقه القرآن وأحكامه ويتدبر معانيه ومقاصده" [٢١] . هذه جملة الأدلة التي احتج بها المؤيدون لجواز ووجوب الترجمة وهي الأولى بالاعتبار في نظري لمنحاها الايجابي المتسق مع مقاصد الدين وأهداف الشرع الإسلامي.. غير أن ذلك لا يعفينا من مناقشة الاعتراضات والحجج الوجيهة التي أثارها أصحاب الرأي الأول. ١- قالوا: إن الترجمة بدعة وأمر لم يقدم عليه الأوائل.. وهذه حجة قد اندفعت بحصول ترجمة القرآن إلى الرومية والفارسية والحبشية على أقل تقدير فى حياة الرسول ﷺ وبإقراره. وكما لا يخفى على دارس أصول السنة فإن إقراره ﷺ كفعله وقوله من حيث الحجية.. ولما حصلت وقبلت الترجمة من الرسول ﷺ من حيث المبدأ فلا يضيرها وإن كانت وقتئذ على مستوى بسيط واقتضت الحاجة إلى أن ترفعها الآن إلى مستوى أكبر وعلى نطاق أوسع هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن البدعة المزعومة ليست في عمل كل شيء لم يفعله الرسول ﷺ وإلا لكان مجرد جمع القرآن في مصحف وتفسيره في صحائف وجمع السنة وغير ذلك مما قصد به خدمة الشرع الإسلامي بدعة.. ولا أحسب أن عاقلا يقول بذلك خاصة وأن الرسول ﷺ قد أرشد إلى أن: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجرمن عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً".

стр. 14243

فالترجمة إذن من قبيل السنة المأجور فاعلها لا من قبيل البدعة ولا السنة السيئة المذموم فاعلها. وعلى أي فإن العمل ينتقل من حكم العادة إلى درجات العبادة بنية ودوافع صاحبه فالترجمة التي قصد بها وجه الله وخدمة الإسلام والمسلمين هي التي من قبيل السنة الحسنة.. فالترجمة كغيرها من الأفعال تحمد وتذم وفقا لجهد وصدق أو سوء نية صاحبها. ٢- قيل: إن الترجمة تؤدي إلى إحجام المسلمين غير العرب عن دراسة اللغة العربية التي هي لغة القرآن والاهتمام بها، وهذه بدورها حجة لا تستند إلى دليل، فمجرد الترجمة لا يؤدي إلى هذه النتيجة لأن الترجمة كما يقول محمد أكبر: مجرد محاولة لمساعدة الدارس لفهم وإدراك النص القرآني وليست بأي حال بديلا له [٢٢] . ومعلوم أيضا أن اللغة العربية تنتشر تبعاً للإسلام وليس العكس فإذا كان ذلك كذلك وإذا كان الغرض من الترجمة هو - نقل معاني القرآن من ناحية وتبليغ دعوة الإسلام لغير العرب من ناحية أخرى.. فينتظر من هذا الجهد كما هو ملحوظ- إدخاله الناس في دين الله أفراداً وأفواجاً.. وهم من بعد دخولهم الإسلام سيدفعون بأكثر من دافع وحافز لتعليم العربية.. لأن الترجمة ليست قرآناً والقرآن هو أساس الإسلام وكل مسلم يحس في نفسه الحاجة الماسة لتعلم العربية حتى يأخذ الإسلام من مصادره الأصلية والمؤثرة.. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. ٣- ثم قالوا: إن الترجمة قاصرة عن تحمل المعاني الكثيرة التي أودعها الله القرآن في نظم معجز بحيث لا يستطيع امرؤ أن يحيط بهذا المعاني ولا أن ينقلها بعد المحافظة على إعجازها اللفظي والمعنوي.. هذه دعوى صحيحة على فرض أن الترجمة تعتبر قرآنا الشيء الذي قررنا فساده من قبل وقصور الترجمة عن نقل الإعجاز اللفظي والمعنوي.. كقصور التفسير تماما عن نقله بل إن قصور الأخير أشد ومع ذلك لم يقل أحد ببطلان التفاسير ... بل هي ضرورة عند الجميع.

стр. 14244

ولقد نوهت من قبل إلى أن معظما آراء المعارضين للترجمة مبنية على فهم خاطئ ألا وهو اعتبار الترجمة قرآناً.. ولم يستطع كثير من المفكرين المسلمين أن يتجاوزوا هذا الشعور. يقول الأستاذ محمد أكبر في مقدمته لترجمة الإمام المودودي للإنجليزية: "ويجب أن ألفت النظر إلى مسألة هامة ذلك أن الاتجاه العام لدى كثير من الناس هو اعتبار الترجمة إلى اللغة الإنجليزية قرآنا وهذا لعمرو الله من الخطأ البين الخطير.. إذ ليست هناك ترجمة مهما بلغت من الجودة يمكن أن تسمو وتبلغ درجة القرآن العظيم" [٢٣] . إنه ولإزالة هذا اللبس والفهم الخاطئ سمى الإمام المودودي ترجمته للقرآن بالأردية تفهيم القرآن وعند ترجمة ذلك إلى الإنجليزية سميت: (The Meaning of the Quran) أي معاني القرآن. ولنفس السبب سمى الشيخ أبو بكر غومي ترجمته للقرآن إلى لغة الهوسا: معاني للقرآن بلغة هوسا. وفي الحقيقة فإن القول بأن إعجاز القرآن إنما هو في لفظه فقط تقليل من شأن القرآن وانتقاص من قدره [٢٤] ذلك أن المعنى والموضوع عاملان مهمان بالنسبة لجمال أي عمل.. ورغم أن إعجاز القرآن اللفظي مع غيره كان التحدي المباشر للعرب إلا أن معانيه وأحكامه وقصصه وأهدافه وتعاليمه ونبوءاته كل هذه مع غيرها تكون الإعجاز القرآني وإليك هذه المقتطفات التي تبين أن الإعجاز ليس قاصرا على النظم وحده. يقول الإمام السيوطي: "اعلم أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة وهي: إما حسية وإما عقلية، وأكثر معجزات بني إسرائيل حسية، وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزات العقلية الباقية ليراها ذووا البصائر كما قال ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا". أخرجه البخاري.

стр. 14245

قيل: إن معناه إن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات فلا يمر عمر من الأعمار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون دليلا على صحة دعواه. وقيل: المعنى أن المعجزات الواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزات القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا" [٢٥] .

стр. 14246

وقال الجاحظ: "بعث الله محمداً أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيباً وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته. ودعاهم بالحجة وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحاً ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذباً بسورة واحدة أو بآيات يسيرة وكلما ازداد تحدياً لهم بها لعجزهم عنها تكشف عن نقصهم ما كان مستورا وظهر منه ما كان خفياً فحين لم يجدوا حيلة. قالوا: أنت تعرف من أخبار الأمم مالا نعرف فلذلك يمكنك مالا يمكننا. قال: "فهاتوها مفتريات"فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر فدل ذلك على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستحالة لغتهم وسهولة ذلك عليهم، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كان أنقص لقوله وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أصحابه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ولهم القصيدة العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر الجليل المنفعة وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثاً وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه [٢٦] .

стр. 14247

وقال ابن عطية: "الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه وذلك أن الله أحاط بكل شيء علماً وأحاط بالكلام كله فإذا ترتيب اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظه تصلح إن تلى الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر بعضهم يعمهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم ضرورة أن أحداً من البشر لا يحيط بذلك فبهذا جاء نظم القرآن فما الغاية القصوى من الفصاحة. والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط ولهذا نرى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولاً ثم ينظر فيها وهلم جرا وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ونحن يتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وقامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحر، وفي معجزة عيسى بالأطباء فإن الله إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبدع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته وكذلك الطب في زمن عيسى والفصاحة في زمن محمد ﷺ " [٢٧] . ويقول الخطابي: إنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حاصل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظماً أحسن تأليفا وأشد تلاوة وتشاكلاً من نظمه، وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام فإما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير.

стр. 14248

فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ودعائه إلى طاعته وبيان لطريق عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعا كل شيء منها موضع الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق منه مودعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعائد منهم منبئا عن الكوائن المستقبلية في الأعصار الآتية من الزمان جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه وأدل عن وجوب ما أمر به ونهى عنه ومعلوم أن الإتيان بهذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر يعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله ومناقضته في شكله. ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ذوي الروعة والمهابة في حال آخر ما يخلص منه إليه. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . وقال: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ .

стр. 14249

ومن ذلك ما روي عن ابن عباس قال: "جاء المغيرة بن شعبة إلى النبي ﷺ فقرأ له القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوك لئلا تأتي محمداً لتعرض لما قاله. قال: علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك كاره له. قال: فماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي نقول شيئاً من هذا ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإن لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر بأثره عن غيره". المقتطفات أعلاه تؤكد أن هناك أكثر من وجه واحد للإعجاز القرآني، وإن كان ذلك لا يمنع من أن يكون الإعجاز اللفظي مشتركاً في تصوير أي معنى أو جانباً عن معانيه السامية والمقصودة أصلاً بالتصديق والاتباع. غير أن الإعجاز اللفظي ليس مقصودا لذاته وإنما أريد به نقل المعنى في أحسن صورة وأبلغها وأنجعها، حتى كان المعنى هو الغاية واللفظ هو الأداة والوسيلة، وكثير من الناس يعتقد أن القرآن أعجز العرب بفصاحته فحسب، ولكنه في الحقيقة أعجزهم بفصاحته وبمعانيه معا، فهم لم ينكروا أن الألفاظ والتعابير هي ألفاظهم وتعابيرهم وإن عجزوا عن نظم مثل نظمها ولكنهم قالوا إن هذه المعاني ليست مما عرفوا، وقالوا هي ليست من صنع البشر فنسبوها للكهنة وللجن، وعلى أي فمراد الله حتى من عجزهم عن بناء اللفظ إنما لينتبهوا ويعوا الحقيقة: إن هذا المعنى القرآني ليس من صنع البشر حتى يؤمنوا به ويعملوا بمقتضاه فيكتب لهم النجاح في الدنيا والنجاة والفلاح في الآخرة.

стр. 14250

والإعجاز القرآني جملة ومنه اللفظي إنما يتجلى للمسلمين على درجات متفاوتة وإن الذين يقفون على جل أسرار الإعجاز اللفظي فقط قلة حتى بين العرب فإذا غاب الإعجاز اللفظي على نسبة كبيرة من المسلمين العرب فهو على غيرهم من المسلمين أكثر غيابا، فلماذا والحال كذلك تضع العراقيل في وجه تبليغ الدعوة للناس كافة على أمر هو على أهميته وسيلة وليس غاية في حد ذاته، ليس ذلك فحسب بل إن هذه الوسيلة لا تدرك على أكمل وجه وأبلغه بمجرد تعلم اللغة العربية وإنما ببلوغ درجات عظيمة في علومها وفنونها، ومع ذلك فإن مفاتيح إدراك وجوه الإعجاز والمعاني القرآنية لا تكمن في اللغة فحسب وإن كانت اللغة أهم أدواتها، ولكن بشاشة الإيمان وصدقه وإخلاص القلب وصفاءه هي المصابيح التي تنير طريق المؤمن وتكشف خبايا هذا الكنز الميسر للمؤمنين إن شاء الله ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ . وبشاشة الإيمان كما لا يخفى لا تدرك بكثير علم في الشرع ولا باللغة ولكن بنور الله الذي يعطاه من أصدق الله ونصره، فما سبق الناس أبو بكر بكثرة الصيام ولا قيام ولكن سبقهم بشيء في قلبه، وبالعبادة يرقى العبد إلى أعلى عليين فيدفعه ذلك إلى التعطش للمعرفة والتقرب إلى الله من خلال الحديث إليه مباشرة والأخذ من مأدبته: ألا إن مأدبة الله القرآن: فيجد المسلم - والحال كذلك - نفسه مدفوعاً إلى تعلم العربية وفنونها وهو الأفضل لأن الحاجة لتعلمها تأتي من خلال الحاجة لاستعمالها وذلك هو المحك الرئيسي للعلم وهذا ما فعله ويفعله المسلمون الخلص كل يوم وبلغ به الأعاجم مكانة في اللغة بزوا فيها العرب وما كانوا ليبلغوها لولا هذا الحافز الديني.
следующие страницы →