← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14246–14285 · переход к 14251.

стр. 14246

وقال الجاحظ: "بعث الله محمداً أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيباً وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته. ودعاهم بالحجة وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ويدعوهم صباحاً ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذباً بسورة واحدة أو بآيات يسيرة وكلما ازداد تحدياً لهم بها لعجزهم عنها تكشف عن نقصهم ما كان مستورا وظهر منه ما كان خفياً فحين لم يجدوا حيلة. قالوا: أنت تعرف من أخبار الأمم مالا نعرف فلذلك يمكنك مالا يمكننا. قال: "فهاتوها مفتريات"فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر فدل ذلك على عجز القوم مع كثرة كلامهم واستحالة لغتهم وسهولة ذلك عليهم، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كان أنقص لقوله وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أصحابه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ولهم القصيدة العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر الجليل المنفعة وكما أنه محال أن يطيقوه ثلاثاً وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه [٢٦] .

стр. 14247

وقال ابن عطية: "الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه وذلك أن الله أحاط بكل شيء علماً وأحاط بالكلام كله فإذا ترتيب اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظه تصلح إن تلى الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر بعضهم يعمهم الجهل والنسيان والذهول ومعلوم ضرورة أن أحداً من البشر لا يحيط بذلك فبهذا جاء نظم القرآن فما الغاية القصوى من الفصاحة. والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط ولهذا نرى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولاً ثم ينظر فيها وهلم جرا وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ونحن يتبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وقامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحر، وفي معجزة عيسى بالأطباء فإن الله إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبدع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته وكذلك الطب في زمن عيسى والفصاحة في زمن محمد ﷺ " [٢٧] . ويقول الخطابي: إنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حاصل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظماً أحسن تأليفا وأشد تلاوة وتشاكلاً من نظمه، وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام فإما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير.

стр. 14248

فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته ودعائه إلى طاعته وبيان لطريق عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها واضعا كل شيء منها موضع الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق منه مودعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعائد منهم منبئا عن الكوائن المستقبلية في الأعصار الآتية من الزمان جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ليكون ذلك آكد للزوم ما دعا عليه وأدل عن وجوب ما أمر به ونهى عنه ومعلوم أن الإتيان بهذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر يعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله ومناقضته في شكله. ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس وهو صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ذوي الروعة والمهابة في حال آخر ما يخلص منه إليه. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . وقال: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ .

стр. 14249

ومن ذلك ما روي عن ابن عباس قال: "جاء المغيرة بن شعبة إلى النبي ﷺ فقرأ له القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوك لئلا تأتي محمداً لتعرض لما قاله. قال: علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك كاره له. قال: فماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي نقول شيئاً من هذا ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإن لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر بأثره عن غيره". المقتطفات أعلاه تؤكد أن هناك أكثر من وجه واحد للإعجاز القرآني، وإن كان ذلك لا يمنع من أن يكون الإعجاز اللفظي مشتركاً في تصوير أي معنى أو جانباً عن معانيه السامية والمقصودة أصلاً بالتصديق والاتباع. غير أن الإعجاز اللفظي ليس مقصودا لذاته وإنما أريد به نقل المعنى في أحسن صورة وأبلغها وأنجعها، حتى كان المعنى هو الغاية واللفظ هو الأداة والوسيلة، وكثير من الناس يعتقد أن القرآن أعجز العرب بفصاحته فحسب، ولكنه في الحقيقة أعجزهم بفصاحته وبمعانيه معا، فهم لم ينكروا أن الألفاظ والتعابير هي ألفاظهم وتعابيرهم وإن عجزوا عن نظم مثل نظمها ولكنهم قالوا إن هذه المعاني ليست مما عرفوا، وقالوا هي ليست من صنع البشر فنسبوها للكهنة وللجن، وعلى أي فمراد الله حتى من عجزهم عن بناء اللفظ إنما لينتبهوا ويعوا الحقيقة: إن هذا المعنى القرآني ليس من صنع البشر حتى يؤمنوا به ويعملوا بمقتضاه فيكتب لهم النجاح في الدنيا والنجاة والفلاح في الآخرة.

стр. 14250

والإعجاز القرآني جملة ومنه اللفظي إنما يتجلى للمسلمين على درجات متفاوتة وإن الذين يقفون على جل أسرار الإعجاز اللفظي فقط قلة حتى بين العرب فإذا غاب الإعجاز اللفظي على نسبة كبيرة من المسلمين العرب فهو على غيرهم من المسلمين أكثر غيابا، فلماذا والحال كذلك تضع العراقيل في وجه تبليغ الدعوة للناس كافة على أمر هو على أهميته وسيلة وليس غاية في حد ذاته، ليس ذلك فحسب بل إن هذه الوسيلة لا تدرك على أكمل وجه وأبلغه بمجرد تعلم اللغة العربية وإنما ببلوغ درجات عظيمة في علومها وفنونها، ومع ذلك فإن مفاتيح إدراك وجوه الإعجاز والمعاني القرآنية لا تكمن في اللغة فحسب وإن كانت اللغة أهم أدواتها، ولكن بشاشة الإيمان وصدقه وإخلاص القلب وصفاءه هي المصابيح التي تنير طريق المؤمن وتكشف خبايا هذا الكنز الميسر للمؤمنين إن شاء الله ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ . وبشاشة الإيمان كما لا يخفى لا تدرك بكثير علم في الشرع ولا باللغة ولكن بنور الله الذي يعطاه من أصدق الله ونصره، فما سبق الناس أبو بكر بكثرة الصيام ولا قيام ولكن سبقهم بشيء في قلبه، وبالعبادة يرقى العبد إلى أعلى عليين فيدفعه ذلك إلى التعطش للمعرفة والتقرب إلى الله من خلال الحديث إليه مباشرة والأخذ من مأدبته: ألا إن مأدبة الله القرآن: فيجد المسلم - والحال كذلك - نفسه مدفوعاً إلى تعلم العربية وفنونها وهو الأفضل لأن الحاجة لتعلمها تأتي من خلال الحاجة لاستعمالها وذلك هو المحك الرئيسي للعلم وهذا ما فعله ويفعله المسلمون الخلص كل يوم وبلغ به الأعاجم مكانة في اللغة بزوا فيها العرب وما كانوا ليبلغوها لولا هذا الحافز الديني.

стр. 14251

كان هذا القدر كافياً في الدلالة على أنه ليس ثمة ما يحرم ترجمة معاني القرآن لأي لغة أخرى بغرض تبليغ الدعوة الإسلامية إلى القاصي والداني، وما دامت الترجمة لم تحرم بالنص الشرعي ولم يجمع على تحريمها بناء على ذلك فقد أصبحت من الأمور الجائزة شرعا عملا بقاعدة: (إن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد الحظر) . ولكن الترجمة في نظري تتمتع بما هو أكثر من الجواز الشرعي فبينما انعدمت واندفعت النصوص والأدلة المانعة لها تضافرت الأدلة القوية المجوزة والموجبة لها، ابتداء من عمل وإقرار الرسول ﷺ للترجمة وانتهاء بالشروح والتفسيرات والتخريجات المبنية على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وسبل الاجتهاد الأخرى. وفوق هذا وذاك هناك توجيه ثالث ينبغي أن لا يفوت على المسلمين: ذلك أن الرسول ﷺ قد ابتعثه الله خاتما للنبيين وأرسله إلى الناس كافة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون أرسله بشيرا ونذيرا ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. فقال تعالى: ١- ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [٢٨] . ٢- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [٢٩] . ٣- ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [٣٠] .

стр. 14252

وأمر الرسول ﷺ بأداء هذه الرسالة وتبليغ الأمانة. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [٣١] . وقال ﷺ في نهاية وصيته لأصحابه في حجة الوداع: "ألا هل بلغت". قالوا: بلى. قال: "اللهم فاشهد ثلاثا. ليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى ممن سمع". كما ينبغي أن يؤدى الواجب وأمر المسلمين أن يحملوا الراية من بعده إلى يوم الدين إذ لا نبي بعده. وكما يقول الإمام الشاطبي: "وذلك أن العالم وارث النبي ﷺ فالبيان في حقه لابد منه من حيث هو عالم والدليل على ذلك أمران: أحدهما: ما ثبت من كون العلماء ورثة الأنبياء وهو معنى صحيح ثابت ويلزم من كونه وارثاً قيامه قيام مورثه في البيان وإذا كان البيان فرضاً على المورث لزم أن يكون فرضا على الوارث أيضاً، ولا فرق في البيان بين ما هو مشكل أو مجمل من الأدلة وبين أصول الأدلة في الإتيان بها فأصل التبليغ بيان لحكم الشريعة وبيان المبلغ مثله بعد التبليغ. والثاني: ما جاء من الأدلة على ذلك بالنسبة إلى العلماء فقد قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ . ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

стр. 14253

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ . والآيات كثيرة وفي الحديث: "ألا يبلغ الشاهد منكم الغائب". وقال: "لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها". وقال: "من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل". والأحاديث في هذا كثيرة ولا خلاف في وجوب البيان على العلماء والبيان يشمل البيان الابتدائي والبيان للنصوص الواردة والتكاليف المتوجهة فثبت أن العالم يلزمه البيان من حيث هو عالم" [٣٢] . ومعلوم لدى الكافة أن الرسالة الإسلامية لم تصل بل ولم تبلغ صحيحة لكثير من أمم العالم اليوم فما على المسلمين إلا أن يشمروا ساعد الجد وأن يسعوا في تبليغها حية وصحيحة بكل سبيل إلى الناس أجمعين وما الترجمة إلا واحد من هذه الوسائل التي يمكن أن يؤدي بها هذا الواجب الذي حملوه عن الرسول ﷺ ومن الله من قبل حيث قال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [٣٣] .

стр. 14254

وصحيح ما أعرب عنه الكثيرون من أن الترجمة لا يمكن أن تنقل المعاني القرآنية بكل دلالاتها وإيقاعاتها، بكل سحرها وروعتها المؤثرة في النفوس الملينة للقلوب، إلا أنه ومن خلال التجارب والترقي في فنون الترجمة القرآنية سيصل المسلمون - ما أخلصوا النية - إلى مستوى من الترجمة معقول ومقبول، ولقد نشأت الآن بعض الدراسات ورصدت بعض الملاحظات التي من شأنها أن تهدي إلى إزالة كثير من القصور الذي صاحب التراجم الأولى وعلى كل فما يدرك كله لا يترك كله ويقرر ذلك في بساطة الأستاذ محمد أسد في مقدمة ترجمته للقرآن فيقول: دون سائر الكتب فإن معاني القرآن وتعبيراته اللغوية يكونان كلا لا ينفصل فيه أحدهما عن الآخر، ذلك أن مكان الكلمة من الجملة وموسيقى العبارات والتركيب العضوي للجمل القرآنية والهيئة المثلى التي تتدفق فيها العبارات القرآنية الرمزية إلى دلالات واقعية حية بإيقاعات ونبرات محكمة مؤثرة، كل هذا يجعل من القرآن عملاً فريداً يعجز البشر عن ترجمته وفقاً لهذه الخصائص إلى أي لغة أخرى إلا أنه من الممكن أن تترجم رسالته (معانيه) بلغة معبرة ومفهومة لقوم كالغربيين لا يعرفون العربية البتة وكمعظم المسلمين غير العرب الذين لا تسعفهم حصيلتهم من العربية إلى أن يجدوا سبيلهم إلى القرآن دون مساعدة [٣٤] . إن واجب المسلمين تجاه العالم اليوم لأكبر من أن يؤدى بمجرد ترجمة القرآن وإنما يحتاج لمجهود أكبر من ذلك، فهو عالم حائر يتخبط ذهبت به المادة مذاهب ليس فيه المزيد من القوى لتحملها كما لم يعد في المادة نفسها مزيدا من البريق والجاذبية لتلهيه وتجذبه ... فضل أيما ضلال فما على المسلمين إلا أن يقدموا له الإسلام حيا يسعى بأعمالهم قبل أقوالهم.

стр. 14255

ولكي يتسنى للمسلمين أن يضطلعوا بهذا الدور الكبير والخطير لابد من أن يحرروا له فكرهم من معتقلات عصر الجمود الطويل ومن شعاراته التي تقول: ليس في الإمكان أحسن مما كان هذا وأن التحرر الفكري للاجتهاد العصري لن يتم بمجرد الوعي بأهميته وإنما لابد له من فهم واسع وعميق للشريعة واستخدام صحيح للطبيعة على ضوئه، إذا لن يتأتى إسهام فكري وعلمي جديد ذو شأن في هذا العصر إلا كان ناتجه رائدا على ناتج المعدلات الفكرية والعلمية الحاضرة والمتصوِرة. وحيث أن المعدلات الراهنة تتنافس في حيز ضيق في القمة، فدربها قد أصبح مسدودا لكل طامح. ولا يلوح في الأفق فكر - سوى الإسلام - يمكن أن يأتي بمعدلات جديدة. وذلك لما فيه من إمكانية التزاوج بين علوم الشريعة والطبيعة بما يحقق التكامل الفطري الذي يفتقده الإنسان المعاصر، لأن الحضارة المادية سلبته جل مقوماته الروحية، وأي تصحيح لها من داخَله سيقلب كفة الميزان على غير هدى كما نشاهده في حركات الرفض الغربية والتصوف الإسلامية والرهبنة النصرانية، وما يرشح الإسلام للقيام بهذا الدور هو قدرته على الاحتفاظ بكَفتي الميزان في اعتدال، ومن هنا يأتي الإسهام بمعدلاته الجديدة الكاسحة إن شاء الله - فقد يتطلب الأمر من المسلمين فهما للإسلام أكثر إحاطة وعمقاً لكل من علم الوحي المنزل – الشريعة - وعلم الكون المفتوح- الطبيعة- ومن ضمن ما ينبثق عن علم الوحي الاستخدام الصحيح لعلم الطبيعة حتى يتم التزواج بين العلمين في اتساق وانسجام ليعطي كفاية إنتاجية عالية، لأن تفجير طاقات الإنسان بواسطة هذا التزاوج الواعي يفوق كل أسباب الدفع والحوافز الحالية، بل إنها جميعا كسر صغير من أسباب الدفع الديني في الحياة تحت ظل العقيدة الإسلامية. خاتمة

стр. 14256

ولقائل أن يقول علام هذا الجهد في أمر قد أصبح مطروقا ومألوفاً ومعمولاً به عند الناس؟ وهو اعتراض صحيح من وجه ولكن رغم العمل والألفة فمازال يحيك في صدور الكثيرين منا شيء من الوجل وعدم الاطمئنان لموضوع الترجمة مثلاً في الاعتراضات القوية التي أثبتناها من قبل، وما مثل هذا الجهد المتواضع إلا كمثل إبراهيم ﵇ حين سأل ربه ضارعا: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [٣٥] . فلو أفلح هذا في إدخال الطمأنينة إلى نفوس أولئك الذين كانت تحيك في صدورهم أشياء من الترجمة لكفى به جهدا والله المستعان وعليه التكلان...... -------------------------------------------------------------------------------- الإحكام في أصول الأحكام لأبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي (١/٨٢) . مطبوعات محمد علي صبيح. بميدان الأزهر بمصر. [١] أصول فخر الإسلام - اليزدوي مع كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (١/٢١-٢٥) ١٣٠٧. [٢] تفسير النيسابوري المطبوع بهامش تفسير الطبري: لمؤلفه الحسن بن علي بن محمد بن حسين القصي النيسابوري (١/٨٠) المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق – مصر - ١٢٢٣ – الطبعة الأولى. [٣] المرجع السابق. [٤] المرجع السابق [٥] إن ذلك مذهب أبي حنيفة ﵀ بدليل جواز القراءة بالفارسية عنده في الصلاة. [٦] كشف الأسرار لعبد العزيز اليزدوي البخاري (١/٢٦-٢٧) [٧] تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري (١/٨٠) [٨]

стр. 14257

القوانين الفقهية لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزى (ص:٤٤) الطبعة الأولى١٩٧٧م. دار القلم -بيروت- لبنان. [٩] تفسير النسابوري أعلاه (١/٨١) . [١٠] فتح الباري لابن حجر العسقلاني (١٧/٢٩٩-٣٠٠) . [١١] كشف الأسرار (١/٢٥-٢٦) [١٢] الفرقان لمحمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ص ٢٢١) الطبعة الأولى (١٣٦٧-١٩٤٨) مطبعة دار الكتب المصرية - القاهرة. [١٣] دلالة الألفاظ للدكتور إبراهيم أنيس (ص ١٨٦) الطبعة الثانية، (١٩٦٣) مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة. [١٤] فتح الباري بشرح صحيح البخاري (١٧/٢٩٩-٣٠٠) شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر: ١٣٨٧ [١٥] فتح الباري لابن حجر العسقلاني (١٩/٢٩٩-٣٠١) . [١٦] انظر: ص [١٧] إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني الموضوع بها من الأنفاق في علوم القرآن للسيوطي [١٨] الفرقان (ص ٢٢٢) . [١٩] الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل –لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري. [٢٠] فن التدريس للتربية الإسلامية (ص ٥٢٢) . [٢١] ترجمة بتصرف. [٢٢] المرجع السابق: ترجمة بتصرف. [٢٣] الفرقان (ص: ٢٢٨) . [٢٤] الإتقان في علوم القرآن (٢/١١٦-١١٧) . [٢٥] المرجع السابق. [٢٦] المرجع السابق: (ص: ١١٩) . [٢٧] الفرقان: (١) [٢٨] النساء: (١٧٤) . [٢٩] الأنعام: (١٩) . [٣٠] المائدة: (٦٧) . [٣١] الموافقات في أصول الأحكام لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (٣/١٧٦) . المطبعة السلفية بمصر. [٣٢] الأحزاب: (٧٢) . [٣٣] الترجمة بتصرف. [٣٤] البقرة: (٢٦٠) [٣٥]

стр. 14258

تعدد زوجات الرسول ﷺ -٢- للدكتور ملك غلام مرتضى رئيس قسم الترجمة بالجامعة في هذه الحلقة أتم ما بدأت من موضوع تعدد زوجات الرسول ﷺ فيما يلي: ٨- السيدة: جويرية بنت الحارث ﵂: وكانت أرملة ماتع بن صفوان الذي كان من ألد أعداء الإسلام وأشدهم خصومة للرسول ﷺ . كان قد قتل يوم المريسيع خلاله غزوة بني المصطلق وتركها فوقعت أسيرة في يد المسلمين، وهي أيضا بنت الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق الذين كانوا يتآمرون على المسلمين وأحيانا يغيرون عليهم ويوقعون بهم الضرر. وقد ورد في صحيح البخاري عن عائشة- ﵂ تعالى- أنها قالت: "أصاب رسول الله خير نساء بني المصطلق، فأخرج الخمس منه ثم قسمه بين الناس، فأعطى الفرس سهمين والرجل سهما، فوقعت (جويرية بنت الحارث) في سهم ثابت بن قيس، فجاءت إلى الرسول فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما قد علمت، وقد كاتبني ثابت على تسع أواق، فأعني على فكاكي، فقال ﵇: "أو خير من ذلك؟ ". فقالت: ما هو؟. فقال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك". فقالت: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله: "قد فعلت". فلما علم أصحاب النبي ﷺ بهذا قالوا: "أصهار رسول الله يسترقون؟ ". فأعتقوا ما كان في أيديهم من سبي بني المصطلق، فبلغ عتقهم مائة بيت بزواجه ﵇ بنت سيد بني المصطلق.

стр. 14259

ولم يسع لبني المصطلق بعد إطلاق سراحهم والإحسان عليهم من قبل الرسول ﷺ والمسلمين إلا أن يسلموا ويتخلصوا من حقدهم على الإسلام والنبي ﷺ ويقلعوا عن جرائم قطع الطريق والغارات التي كانوا يشنونها على ديار المسلمين (كانت هذه القبيلة من قطاع الطريق) . وقد ورد في بعض الروايات أنه وصل أبو السيدة جويرية لعتقها من الأسر قبل زواجها بالرسول ﷺ وأراد أن يأخذها معه ويدفع تسع أوقيات من عنده وهنا ترك النبي ﷺ الأمر للسيدة جويرية أن تختار بين أمرين. (١) إما أن تذهب إلى قبيلتها مع أبيها. (٢) وإما أن تسلم وتختار الزواج بالرسول ﷺ فاختارت الإسلام والزواج بالرسول ﷺ على الكفر والرجوع إلى أهلها وقبيلتها. فكان هذا الزواج بركة عليها وعلى أهلها وقبيلتها لأنه كان سببا لإسلامهم وعتقهم وترك أعمال قطع الطريق، فقال الناس: "إن جويرية أيمن امرأة على قومهَا". من هنا نرى أن هذا الزواج كان ميمونا على بني المصطلق لأنه استبدل عداوتهم للإسلام إلى حبهم لله والرسول والإسلام وهو مبارك على المسلمين أيضا لأنه خلصهم من غَارات بني المصطلق ومؤامراتهم وبدأ بنو المصطلق يساعدون المسلمين ويجاهدون في سبيل الله. ٩- السيدة: أم حبيبة- ﵂: وهي بنت أبي سفيان الذي كان في جاهليته (ألد أعداء الإسلام بعد أبي جهل) وكانت قد أسلمت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش فرارا بدينها، ومات زوجها في الحبشة فأصبحت وحيدة ليس لها كفيل ولا معين، إن هي عادت إلى أبيها في مكة المكرمة فالنتيجة واضحة، ستجبر على الرجوع إلى الكفر قهرا وإلا عذبت عذابا شديداً، أما في المدينة المنورة فليس لها من يكفلها ويرعاها.

стр. 14260

فلما علم الرسول ﷺ بوفاة زوجها، خطبها وأرسل إلى النجاشي ملك الحبشة ليزوجه إياها، فلما علمت السيدة أم حبيبة بما فعل الرسول ﷺ فرحت وسرت سرورا عظيما ووافقت على هذا الزواج، فزوجها النجاشي بالرسول ﷺ وأصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا أخرى ثمينة وبعث بها إلى النبي ﷺ مع شرحبيل بن حسنة فوصلت في سنة سبع من الهجرة إلى المدينة المنورة، وكان عمرها حينئذ سبعاً وثلاثين سنة، ولما علم أبو سفيان بهذا الزواج أقره وقالت: "هو الفحل لا يقدع أنفه". ونرى حكمة بالغة وراء هذا الزواج وهي تأليف قلب أبي سفيان وقومه فصار هذا الزواج سبباً لتخفيف الأذى عن المسلمين في مكة المكرمة وأصبح أكثر ميلا إلى الصلح، فنراه قادما إلى المدينة المنورة لتجديد الصلح ويزور ابنته في بيت الرسول ﷺ والابنة تقنعه أنه لا كرامة لأي إنسان إلا بالإسلام وإن كان والدها، فمن الواقع أن أبا سفيان ما جاء غازيا ضد أهل المدينة بعد هذا الزواج. ١٠- السيدة: صفية ﵂: وكانت سيدة بني قريظة وأيضا سيدة بني النضير وهما قبيلتان من اليهود عقدتا صلحاً مع الرسول ﷺ والمسلمين ثم نقضتا العهد غدرا وخيانة. والسيدة صفية ابنة حيي بن أخطب الذي كان سيد بني قريظة ومن ناحية الأم هي ابنة صيمويل الذي كان سيد بني النضير. وكانت السيدة (صفية) قد أسرت بعد مقتل زوجها في غزوة خيبر وروي أنها ﵂ لما دخلت على النبي ﷺ قال لها: "لم يزل أبوك من أشد اليهود عداوة لي حتى قتله الله". فقالت: "يا رسول الله إن الله يقول في كتابه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ".

стр. 14261

فقال لها النبي ﷺ : "اختاري فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك"، فقالت: "يا رسول الله لقد هويت الإسلام، وصدقت بك قبل أن تدعوني إلى رحلك ومالي في اليهودية أرب، ومالي فيها والد ولا أخ، وخيرتني الكفر والإسلام فالله ورسوله أحب إلي من العتق، وأن أرجع إلى قومي". فأمسكها رسول الله ﷺ لنفسه. ونرى كثيراً من اليهود أسلموا بعد هذا الزواج، ولا نراهم يتآمرون ويؤلبون قبائل العرب ضد رسول الله ﷺ بعده. ١١- السيدة: ميمونة ﵂:

стр. 14262

كانت السيدة (ميمونة) قد تزوجت مرتين قبل زواجها بالنبي ﷺ ومات زوجها الثاني (أرحم بن عبد العزى) في السنة السابعة من الهجرة، وهي أيضا أخت أم المؤمنين (زينب بنت خزيمة) من ناحية الأم. وكان في هذا الزواج مصلحة كبيرة لأن السيدة ميمونة كانت أخت زوج سيد بعض قبائل عربية تآمرت على الإسلام والمسلمين إذ طلبوا من الرسول ﷺ أن يرسل سبعين من الفقهاء ليعلموهم الدين وما لبثوا أن غدروا بهؤلاء المبعوثين فقتلوهم عن بكرة أبيهم، واستمروا على عدائهم، حتى أن تمت مصاهرة النبي ﷺ لسيدهم بزواجه ميمونة - ضي الله عنها - وجدير بالذكر أن نقف برهة لنميز بين هذا النوع من الزواج بين ملوك وأباطرة العالم وبين الرسول ﷺ ، فإن مثل هذه الزيجات كانت معروفة لدى أباطرة العالم بمصاهرة أعدائهم إتقاء شرهم ولكسبهم إلى صفوفهم أو ضمان حيادهم على أقل تقدير ويكون الإصهار دائما في جانب قوي. لا يتمكن الصهر من كسر شوكتهم ... أما الرسول ﵊ فلم يكن زواجه من هذا القبيل وإن اتفق في النهاية بمصاهرة أقوام ناصبوه العداء فمصاهرته لم تكن خاضعة للمفاوضات والمبادلات، ولكنه مصاهر بعد كسر شوكتهم وتغلبه عليهم ودحرهم وحتى لم يكن هناك طلباً رسميا مقدم إلى رئيس القبيلة أو القوم المعاديين لهذه المصاهرة.

стр. 14263

والجانب الآخر أن الإسلام لم يكن قط طريقا للعبودية والسخرة التي دأبتها البشرية في عصورها وما تناله النساء خاصة بعد انكسار قواتهم في الحروب من هتك لأعراضهم وذل وعار بهيمي في الدرك الأسفل من البهيمية، فقد كان الرسول ﷺ بذاته قدوة للمؤمنين، خيرهن بين خير الإسلام وعتقهن، ومن ثم تشريفهن بالزواج بعد إيمانهن لا بالرق ليتمثل به المؤمنون ... والوقائع تشهد لنا بذلك والقرآن الكريم يؤكد هذا الأمر: ﴿وَلأََمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ . مزاعم أعداء الإسلام ودفعها: يزعم أعداء الإسلام أن الرسول ﷺ أنه عدد زوجاته لإشباع رغباته، وفيما سبق أشرت بإيجاز إلى الظروف والملابسات التي أدت إلى كل زيجة من زيجات النبي ﷺ ومنها يمكن أن يرد على أولئك الأعداء فيما يزعمون من جهة، ومن جهة أخرى لو أن الرسول ﷺ كما يزعمون لما ظل وفيا لخديجة ﵂ التي كانت قد بلغت الخامسة والستين من العمر وهو ما يزال في الخمسين من عمره، فكيف يقنع بامرأة متقدمة في السن تكبره خمس عشرة سنة ولا يختار امرأة أخرى حتى توفيت وهي في الخامسة والستين من عمرها، فهل يمكن لرجل شهواني أن يصبر على شهوته إلى هذا الحد حتى يهرم ويصير شيخا كبيراً؟. فضلا عن ذلك، فإن قريشا عرضت عليه ﷺ أن ينصبوه ملكا عليهم، وأن يزوجوه أجمل النساء على أن يترك دعوته ولو كان كما يزعم أعداء الإسلام لرحب بهذا العرض، واختار لنفسه إحدى الشابات الجميلات. ولكنه عاش حياة البساطة والتقشف رغم أن الله تعالى يسر للمسلمين غنائم كثيرة. وأسوق شاهدا لهذا حادثين موجزين فيما يلي:- ١- حادث الإيلاء:

стр. 14264

عندما كثرت الفتوحات والغنائم والأموال، طالبت أزواج النبي ﷺ بزيادة يسيرة في نفقات المعيشة حتى ينتقلن من حياة الفقر إلى حياة اليسر والراحة مما أزعج النبي ﷺ إزعاجا شديداً. وعندما علم سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر بهذا جاءا إلى بنتيهما أم المؤمنين السيدة عائشة وأم المؤمنين السيدة حفصة ونبهاهما إلى قلق النبي ﷺ إزاء موقفهما، أما الأزواج الأخريات فلم يرق لهن تدخل أبي بكر وعمر وأصررن على المطالبة بزيادة النفقات على أساس أن ما يطلبن يعتبر شيئا يسيرا بل متوفرا لدى غالبية المسلمين، وجئن بدليل قوي وهو أنهن قد صبرن على آلام الفقر والحرمان والمسكنة في الماضي، أما بعد أن أفاء الله بنعمائه وكثرت الأموال والغنائم والجواري فلم يبق أي مبرر لاستمرار حياة الفقر والمسكنة والجوع والفاقة. فانزعج النبي ﷺ لدرجة أنه هجر أزواجه كلهن لشهر كامل والتزم الصمت معهن حتى ذل بين الناس أنه قد طلقهن. ٢- حادث التخيير: هذا الحدث تتمة لحدث الإيلاء، فعندما ظلت أزواج النبي ﷺ مصرات على طلب زيادة النفقات، أنزل الله سبحانه آيات التخيير وجعلهن يخترن بين أمرين: (١) إما الحياة مع الرسول ﷺ مع الفقر والمسكنة. (٢) وإما الحياة بدون الرسول ﷺ مع رغد وبحبوحة في العيش وأنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ . (سورة الأحزاب: ٢٨-٢٩) .

стр. 14265

فخير النبي ﷺ زوجاته بين الأمرين وأسمعهن هذه الآيات. وقال للسيدة عائشة: "تشاوري مع والديك ولا تتعجلي في الأمر" فردت على الفور: "هل أتشاور في الله والرسول يا رسول الله؟ ". والمعروف أن كل واحدة من نساء النبي ﷺ اختارت الله والنبي ﷺ والدار الآخرة مع حياة الفقر والفاقة والمسكنة والتقشف والبساطة حتى شهد التاريخ أنه ما كان يوجد زيت للإنارة في بيت النبي ﷺ يوم انتقل إلى رحاب الله. فهل يمكن هذا لرجل غير النبي أن يعيش مثل هذه العيشة ويجبر زوجاته أيضا عليها؟. والشخص الذي يتدبر هذه الأمور ويتعرف على سيرة النبي ﷺ لاسيما حياته العائلية لا يمكن أن يتهم الرسول الكريم ﷺ بالشهوانية والتكالب على الملذات الحسية لو كان لهذا الشخص أدنى وازع من الضمير أو لديه ذرة من الحياء والخجل. المصالح والغايات وراء تعدد الزوجات: وهي خمسة أقسام:- (أ) المصالح التعليمية. (ب) . المصالح التشريعية (ج) .المصالح الاجتماعية (د) المصالح السياسية. (ر) .المصالح الشخصية والآن لنتناول بإيجاز كل من هذه المصالح الخمس: أ - المصالح التعليمية: المرأة كما هو معروف نصف المجتمع لذلك كان لابد للنبي ﷺ أن يهيئ معلمات ومفتيات لتبصير نساء المسلمين بأمور دينهن. فهذه هي الحكمة الأساسية وراء تعدد الزوجات، وقد عرفنا أن السيدة عائشة ظلت تدرس وتبلغ تعاليم الإسلام وتفتي في الكثير من المسائل الهامة ثماني وأربعين سنة بعد وفاة النبي ﷺ وانتقل ربع الأحكام الشرعية إلى الأمة الإسلامية من خلال توجيهاتها ومساعيها، ومن هنا تتضح لنا المصلحة وراء زواجه ﷺ بالسيدة عائشة وهي صغيرة السن.

стр. 14266

وكان النبي ﷺ (أشد حياء من العذراء في خدرها) وهكذا يكون الأنبياء فما كان يمكنه أن يرد على كل سؤال يوجه إليه من جانب النساء بكل صراحة فكان يجيب بأسلوب الكناية أو يستعين بإحدى أزواجه ﷺ ، ومن رواية السيدة عائشة –﵂ أن امرأة من الأنصار، سألت النبي ﷺ عن الغسل من المحيض فعلمها النبي ﷺ كيف تغتسل، ثم قال لها: "خذي فرصة ممسكة (أي قطعة من القطن بها أثر الطيب) فتطهري بها"، قالت: "كيف أتطهر بها"، قال: "تطهري بها"، قالت: "كيف يا رسول الله أتطهر بها؟ ". فقال لها: "سبحان الله تطهري بها"، قالت: السيدة عائشة: "فاجتذبتها من يدها فقلت ضعيها في مكان كذا وكذا، وتتبعي بها أثر الدم". وهكذا كان هناك الكثير من الأسئلة المحرجة لاسيما عن أحكام الحيض والنفاس والجنابة فكانت تجيب عنها زوجاته الطاهرات في أكثر الأحيان في حياته وبعد وفاته ﷺ والسنة المطهرة بعد القرآن الكريم هي المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام وتشتمل على أقوال الرسول ﷺ وأعماله وتقريره ولا يمكن لأحد أن يعرف ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو عمل أو تقرير إلا أن يكون معه في جميع الأوقات حتى خلال أوقات فراغه متابعاً لكافة حالات فرحه وغضبه ويسره وعسره ويصاحبه في كل أمور حياته مهما كانت هامة أو بسيطة، عامة أو شخصية. وهذا الشرف لم يقدره الله إلا لزوجاته ﷺ اللاتي ظللن يصحبنه طوال حياته إلى لحظة انتقاله إلى الرفيق الأعلى. فلهذا نرى أن كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يستفتون أمهات المؤمنين -رضوان الله تعالى عليهن أجمعين- فيما يعن من أمور هامة في حياة المسلمين العامة والخاصة.

стр. 14267

ويقول الإمام الزهري التابعي: "كانت عائشة أعلم الناس يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ". (طبقات ابن سعد: ج ٢: قسم ٢: ص ٢٦) . ب- المصالح التشريعية: كما تزوج رسول الله ﷺ لتحقيق بعض الغايات التشريعية ومنها إبطال بعض العادات التي سادت زمن الجاهلية مثل التبني والتآخي. كان بعض الناس من العرب يقول للآخر: "أنت ابني" فكان يتخذه ابنا حقيقيا فكان له حكم الأبناء من النسب في جميع الأحوال، في الزواج والطلاق ومحرمات النكاح ومحرمات المصاهرة والميراث. وكذلك كان بعض الناس يقول للآخر: "أنت أخي"فكان يتخذه أخاً حقيقيا بنفس الطريقة وكان يحل له كل ما يحل للأخ الحقيقي ويحرم عليه كل ما يحرم على الأخ الحقيقي أيضا. فأبطل رسول الله ﷺ عادة التبني بزواجه بمطلقة متبناه زيد وهي أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش. الحق أن النبي ﷺ كان يخشى أيضا من ألسنة الناس ويتردد في هذا الزواج فنزلت الآية: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ . فالنقطة الهامة أنه ما كان لأي إنسان غير النبي يستطيع أن يبطل عادة التبني إذا لم يبطلها النبي ﷺ لخشيته من الناس. ففرض الله على النبي ﷺ هذا الزواج ليبطل نظام التبني. وبالمثل فقد أبطل النبي ﷺ عادة التآخي بزواجه بأم المؤمنين السيدة عائشة لأنها ابنة أخيه في الإسلام سيدنا أبي بكر الصديق. وقال له رسول الله ﷺ كما سبق أن ذكرنا "أنت أخي في الإسلام" ولا يعني هذا أنك أخي من ناحية النسب. ففرق رسول الله ﷺ بين التآخي في الإسلام والأخوة على أساس النسب.

стр. 14268

ج- المصالح الاجتماعية: حاول رسول الله ﷺ أن يربط أهم وأبرز أعضاء الأمة الإسلامية بعضهم ببعض عن طريق المصاهرة فمثلا زواجه بالسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق والسيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب جاء تتويجا للوشائج الوثيقة التي ربطت بينه وبين أهم وأعظم أصحابه وهما سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر بن الخطاب اللذان أسديا خدمات جليلة للإسلام والمسلمين وقد تقلد كل منهما أمور المسلمين بعد وفاة المصطفى ﷺ . ومن ناحية أخرى فقد زوج الرسول ﷺ بعض بناته بسيدنا عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وقربهما إليه وقد كان هذا حافزا لهما بالتضحية في سبيل الله بكل شيء. وهكذا صار سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي من أعاظم الرجال وأتقاهم وأقربهم إلى قلب النبي ﷺ . د- المصالح السياسية: ونرى الكثير من المصالح السياسية التي تحققت من وراء زيجات النبي ﷺ فمثلا زواجه بالسيدة جويرية بنت سيد بني المصطلق، وعتق أسرى بني المصطلق فأسلموا وتخلوا عن أعمال قطع الطريق وغاراتهم التي كانوا يشنونها ضد المسلمين ولا نرى أية مؤامرة يحيكها بنو المصطلق ضد المسلمين بعد هذا الزواج. وهكذا زواجه بالسيدة صفية بنت حيي بن أخطب سيد بني قريظة قد خفف بل قضى على موقف العداء الذي وقفه اليهود ضد الإسلام ووضع حداً لمؤامرتهم ضد النبي ﷺ بعد هذا الزواج. وهكذا زواجه بالسيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان سيد قريش، فنرى أبا سفيان الذي كان ألد أعداء الإسلام قبل إسلامه، خفيفا غير ممعن في عداوته ضد الإسلام حتى جاء إلى المدينة المنورة يلتمس تجديد عقد صلح الحديبية ولا نراه يأتي غازيا إلى المدينة المنورة بأحزابه بعد هذا الزواج.

стр. 14269

وزواجه ﷺ بالسيدة ميمونة أخت زوج سيد بعض قبائل سعت فسادا في الأرض واغتالت سبعين من كبار الصحابة بالمكر والخديعة، كان له أثر بالغ في تلطيف مخاصمة هذه القبائل للمسلمين. ر- المصالح الإنسانية: وهناك المصالح الإنسانية أيضا وراء بعض زيجاته ﷺ ، فقد تزوج النبي ﷺ بعض النساء رأفة بهن بسبب ظروفهن الخاصة، وكانت هناك بعض النساء العجائز اللاتي مات عنهن أزواجهن فلم يبق لهن سند أو معين في الحياة أو هناك الأمهات اللاتي افتقدن الكفيل لهن ولأطفالهن، وكانت هناك بعض الأرامل اللاتي لو رجعن إلى أهلهن لعذبن عذاباً شديدا ولفتن فتونا كبيراً، فتزوجهن رسول الله ﷺ صيانة لهن ورعاية لإنسانيتهن فمنهن السيدة سودة ﵂ (عمرها ٥٥ سنة وقت الزواج) . والسيدة زينب بنت خزيمة (كان عمرها ٦٥ سنة حينئذ) . والسيدة أم سلمة ﵂ (كان عمرها حوالي ٦٠ سنة حينئذ) . فما رأي الأفاكين والمغرضين من المستشرقين في زواج الرسول ﷺ بهؤلاء النسوة؟، هل تمت هذه الزيجات بدافع الأنانية كما يزعمون أو هو منتهى الإيثار والتضحية وتكريم الإنسانية؟. الخاتمة إذا كان ذهن ومستوى فكر بعض الناس أضيق من أن يتصور حقيقة الكرامة والشرف للإنسان فما هو ذنب أهل الكرامة والشرف؟. وما على هؤلاء الناس إلا أن يعالجوا أذهانهم ومستوى فكرهم ويوسعوا أفق تصورهم. إنما الحق أن زيجات الرسول ﷺ كلها تدل على نبوته ورسالته وهي دلائل قاطعة وبراهين ساطعة على أنه لم يأت ولن يأتي رجل مثل النبي ﷺ الذي ضحى بكل ما يملك مرضاة لله سبحانه ثم حباً للإنسانية. إن الرجل هو في الحقيقة أنقى وأطهر الناس في العالم بدليل أنه لا يختار لنفسه إلا الأرامل والعجائز والوحيدات اللاتي فقدن كل سند ومعين في الحياة.

стр. 14270

والسيدة عائشة هي الوحيدة بين كل أمهات المؤمنين التي كانت بكراً، وأما الأخريات فهن كلهن أرامل ومسنات - هل هذه شهوانية وأنانية أم هذه قمة الإنسانية؟. والأمر الهام جدا أن نرى هذه الزيجات في إطار الظروف والملابسات التي أحاطت الرسول الداعي إلى الإسلام وإمام الإنسانية، ما الذي كان يناسبه لنشر دعوته إلى الناس جميعا، فمنهم الرجال والنساء، ومنهم أصحابه وأعداؤه ومنهم قبائل العرب ودول العجم وقد أرسله الله رسولا إلى الناس كافة فكان عليه أن يؤم الحركة الإسلامية ويبلغ الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة، ويعطيها نفوذاً وقوة في كل مجال وفي كل ناحية. فإذا نظرنا إلى زيجات الرسول ﷺ من هذه الناحية نرى أنها أمر لابد منه وهكذا سنة النبيين جميعاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين....

стр. 14271

العدد ٦١ فهرس المحتويات ١- الدَّعوَة إلى الله وَالوَاقِع المعاصِرْ: الدكتور عبد الله الصالح العبيد ٢- آيةُ العَدَدِ: للشيخ أبي بكر الجزائري ٣- الجَمَاعَة في ضوءِ الكتاب وَالسُّنَّةِ: للدكتور عبد العزيز بن عبد الله الحميدي ٤- فقه السُّنّةِ - صَلاة الجَمَاعَة: للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي ٥- مِن مَزَايَا التشرِيع الإسلامِي: محمد بن ناصر السّحِيباني ٦- مَنْهَجُ السَّلَفِ في العَقِيدَةِ وأثَرُهُ في: وحدَةِ المُسلِمِينَ: الدكتور صالح سعد السحيمي ٧- أثر العقيدَة الإسلاميَّةِ في تضامُنِ وَوَحْدَة الأمَّةِ الإسلاميَّةِ: الدكتور أحمد سعد الغامدي ٨- العِبَادَاتُ في الإسلام وَأثرُهَا في تَضَامُن المسلِمِينَ: للدكتور علي عبد اللطيف منصور ٩- التضَامن الإسلامي: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٠- الإسلام يَسُدُّ مَنافِذَ الفرقة وَالاختِلاَف وَيَصُون عَوامِل الوحدة وَالائتلاف: للدكتور جمعة علي الخولي ١١- مُرْتكزَاتُ التّضامُن وَالوَحْدَة: للشيخ عطيّة محمد سالم ١٢- كَيفَ أقامَ النبيُّ ﷺ أوَّل دَوْلة إسلاميَّة عَلى التضَامُنِ وَالوَحْدَة؟ : الدكتور محمد السيد طنطاوي ١٣- الفتح العُمَرِي لِلقدسِ نموذج للدّعوَة بالعمل وَالقدوَةِ: د. شفيق جاسر أحمد محمود ١٤- الإسْلاَمُ والمسلِمُونَ في إنجلتِرَا مَاضيهمْ وَحَاضرهم وَمسْتقبلهمْ (٢) : للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي ١٥- المشارق في المغارب: الدكتور عبد الله بن أحمد قادري ١٦- رسائل لم يحملها البريد: الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ١٧- حديث مع البلبل: محمد بن عبد الله زربان الغامدي ١٨- من تراثنا الشعري المعاصر المؤاخاة بين المهَاجرين والأنصَارِ: للشاعر أحمد محرم ١٩- الرَّأيُ العَامُ في المجُتمع الإسلامِيِّ: لِلدكتور إبراهيم زيد الكيلاَني ٢٠- دَورُ الإعلاَمِ في التضَامُنِ الإسلاَمِي: الدكتور إبراهيم إمام ٢١- مِنَ الفَتَاوى الشرعيَّة: حُكْمُ الصَّلاةِ عَلى النَّبَيِّ ﷺ والإشارة إليهَا بالحُروفِ: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٢٢- مختارات من الصحف: آراء ومواقف جَلالة الملك لخدمَة الإسلام بمناسَبَة اختياره لجائِزة الملك فيصَل ٢٣- أحدَاث العَالمِ الإسلاميِّ: إعداد الشيخ محمد محمود سالم ٢٤- أخبار الجامعة ٢٥- القسم الإنجليزي (English Section) عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 14272

الدَّعوَة إلى الله وَالوَاقِع المعاصِرْ الدكتور عبد الله الصالح العبيد رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الحمد لله العزيز القائل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد النبي الأمين خير من دعا إلى الله وآمن به وعمل لشرعه فكان القدوة المثلى والأسوة الحسنة ورضي الله عن أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. وبعد: فإنه لشرف للجامعة الإسلامية أن تحتضن المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي ينعقد تحت موضوع (سبيل الدعوة الإسلامية إلى تحقيق التضامن الإسلامي ووحدة المسلمين) وفي نطاق الاستعداد لهذا المؤتمر يشرفها كذلك أن تصدر هذا العدد الخاص من (مجلة الجامعة الإسلامية) الذي يضم بعض المقالات والبحوث والدراسات عن الدعوة من خلال اهتمامات المؤتمر. وبين يدي هذه المناسبة أطرح هذه الأسطر التي تتعلق بمنهج الدعوة إلى الله ومتطلباتها إذ لعل في مناقشتها ما يلقي بعض الضوء في طريق الوصول إلى الحكمة المنشودة في هذا السبيل. أهمية الدعوة:

стр. 14273

تكتسب الدعوة إلى الله أهميتها من أنها رسالة الله إلى الخلق وأمر الله الذي أراد من عباده أن ينهجوه، ومن هذه الأهمية يتسابق محبّوا الخير، وفي السباق يكون التنافس ومعروف أنه إذا لم يحكم التنافس منهج وضوابط فإنه يورث الحقد والكراهية والحسد. والضوابط التي يضعها الله سبحانه هي القول الحسن في الدعوة، والعمل الصالح في سبيلها، والانتماء الصادق لجماعة المسلمين، حيث يقول سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهي مع هذه الالتزامات لا تقف على وسيلة معينة ولا على جماعة مخصصة أو بلاد محددة، إنها رسالة المسلم حيث وجد على ظهر الأرض أياً كان عمله وأينما كان مركزه وكيفما كان موقعه ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ، وللحكمة أبعادها وآفاقها وللموعظة حكمها وأساليبها وللمجادلة أسبابها وآدابها والأمر مع كل ذلك لا يعني أن العمل في مجال الدعوة مطلق للفرد على عواهنه فالفرد يخسر بمفرده لكن للنجاة من الخسار عليه أن يعمل مع الآخرين لهدايتهم ومع الآخرين للاستعانة بهم يقول ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .

стр. 14274

ومع هذه المسئولية الكبيرة والرسالة العظيمة يصبح من نافلة القول الإطالة في الحديث عن أهمية العلم والمعرفة للإنسان ولجماعة المسلمين قبل الدخول في مجالات العمل، ذلك أن المعرفة في دين الله وفي أصول الدعوة إذا لم تقم وتبنى على العلم الشرعي فسوف تقام وتبنى على غيره وأمر الله لا يقوم إلا على شرعه ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ومن المسلم به عقلاً وشرعاً ألا يعبد الله إلا بما شرع. فالعلم بشرع الله أولا ثم الالتزام بالدعوة إليه ثانياً. من خلال المسئولية الفردية والتعاون الجماعي وعلى الأصل المشار إليه يتشكل منهج الدعوة إلى الله سبحانه ثم إن الدعوة بهذا تعتبر حركة مستمرة لا تنتظر مؤتمرات تعقد ولا اجتماعات ترتب إلا أن الاجتماع على الخير أمر مطلوب وتدارس أحوال الدعوة والدعاة إلى الله أمر مرغوب "ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ". واقع الدعوة:

стр. 14275

ويعيش المسلمون هذه الفترة من حياتهم على الكثير من الخلافات والصراعات القائمة بينهم وبين أعدائهم من جهة وبينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى. ويصعب في الوقت الحاضر التفريق بين الواجهتين الداخلية والخارجية ذلك أن الأعداء نقلوا المعركة من المواجهة العسكرية المكشوفة بعد فشلهم فيها وتحرر بعض البلدان الإسلامية من ربقة الاستعمار، نقلوها في كثير من المواقع إلى مواجهات بين المسلمين أنفسهم من خلال زرع بذور الفتنة والخلافات العنصرية والعصبية والقبلية وأن يتسمى بالمسلمين من ليس منهم فيؤسسون الجمعيات ويقيمون الجماعات كيما يضرب المسلمون رقاب بعض ويستعين بعضهم بأعداء الله لقتال البعض بل لقتال المستقيمين منهم على أمر الله. لقد كان من المقبول في السابق أن تعيش القبيلة على تعدد فصائلها والدولة على شتات أقاليمها واختلاف تضاريسها وخلفياتها أيام الاستعمار. أما الآن فأصبح ذلك من سمات التخلف وصفات الماضي التي يجب أن لا تعود وأضحى من اللازم أن تتفرع القبيلة وتتشتت الأسرة الكبيرة وتتوزع الدولة إلى دويلات كيما تكون دواعي الافتراق أقوى من دواعي الالتقاء وعوامل الاختلاف أكبر من عوامل الائتلاف وليس بخاف على كل مسلم مدرك ما يعايشه المسلمون اليوم من جراء ذلك ولكن بفضل الله ومنته- تولدت بين المسلمين عودة إلى دين الله واستعادة لمنهج الله فبقدر ما لقوا من العناء وما كابدوا من الشقاء عملوا بقوة واندفاع لاستعادة المكانة وإعادة البناء، وفي ظل هذه الظروف وملابساتها كانت الصحوة الإسلامية المعاصرة التي بدأت بيئية وإقليمية بحكم المعايشة للظروف المحلية ثم انتقلت إلى صيغة الشمول والعالمية بحكم ما جد في العلاقات والاتصالات والمصالح والروابط الدولية، لقد حققت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث جانبا هاما في سبيل التضامن الإسلامي وتحقيق وحدة المسلمين، ولكن ما يخشى هو ألا تستمر الجماعات والجمعيات الإسلامية في أداء هذا الدور

стр. 14276

بل إن ما يخشى منه أكثر أن تكون بعض تلك الجماعات والجمعيات نقطة ضعف في تضامن المسلمين وتحقيق وحدتهم ولذا فلابد من مواجهة الواقع من قبل العاملين في مجال الدعوة الإسلامية ومن قبل القادة والمسئولين في مجال تلك الجماعات والجمعيات بدراسة الوضع ومعالجته. وليست هذه العجالة مكانا لتشخيص الداء ولا لوصف الدواء، ولكن بقدر ما تقدم من لمحة عن أهداف الدعوة إلى الله وما يستعرض من أسباب أدت إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة بما فيها من سلبيات وإيجابيات ما يمكن أن ينظر على ضوئه - وما يمكن أن يضاف عليه- في منهج للتفكير في مواجهة التحديات الجديدة والصراعات القائمة. من أسباب وظواهر الصحوة الإسلامية: إن من أهم الأسباب التي أدت إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة وما اكتنف تلك الأسباب من سلبيات ما يلي: أولاً: إن المسلمين قد تجاوزوا مرحلة من مراحل الجهل التي ضربت أطنابها على بقاعهم فانتشر التعليم وتوسعت دوائر المعرفة وتعددت وسائل الإعلام والنشر وأصبحت وسائل التعريف بالدعوة بين المسلمين في وضع أفضل مما كانت عليه في الفترة الممثلة لعصر التخلف والانحطاط. ومع أن المناهج والبرامج التعليمية والإعلامية لم توجه التوجيه الديني الكافي إلا أن التوجيه الديني كان قويا حتى بين صفوف المشتغلين بالعلوم التطبيقية والذين حصيلتهم الدينية من خلال المناهج التربوية بسيطة وعامة. إلا أن الوسائل والمؤسسات العاملة في مجالي التعليم والإعلام لم تسلم من التأثيرات الخارجية وضعف التجربة الذاتية. كما أن الكتاب الإسلامي لم يسلم من سبل الارتزاق والمتاجرة.

стр. 14277

ثانياً: قيام بعض الحركات الإصلاحية في الجزيرة العربية والهند ومصر والسودان وتونس وغيرها من بلاد المسلمين مثل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والمهدية والسنوسية وأهل الحديث وأنصار السنة والجماعات الإسلامية والإخوان المسلمون وما تولد عن تلك الحركات من نشاطات وما صاحب ذلك من تضحيات بالأموال والأنفس والثمرات وما نتج عن ذلك كله من تمدد وانكماش وما رافق العنف الذي حوربت به تلك الحركات والنشاطات من تعاطف مع التوجيه الديني فالملاحظ أن الضربات التي واجهت تلك الحركات قد أضعفت الحركة نفسها لكنها ضاعفت من النشاط الإسلامي من المتعاطفين مع العمل الإسلامي حتى أصبحنا نرى ما بين فينة وأخرى ميلاد جماعات جديدة وأصبحت العواطف وردود الفعل هي الموجه حتى كان حرب القلم واللسان التي مر بها العالم الإسلامي في مرحلة ما تعود اليوم وقد حملت مع القلم واللسان السيف والسنان.

стр. 14278

ثالثاً: الاتجاه الرسمي الجديد من قبل بعض القيادات السياسية في العالم الإسلامي إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية مثل ما حصل في الباكستان والسودان مما يدل على فشل النظم والمبادىء المستوردة، وإن الممارسات المبنية على تلك النظم والمبادىء لم تحقق آمال وتطلعات المسلمين في تحكيم شريعة الله في الأرض. لقد أعطى هذا الاتجاه التوجه لمراجعة حصيلة المسلمين من العلوم والمعارف الشرعية وإجراء المزيد من الدراسة والبحث في تلك العلوم والمعارف من أجل التطبيق على أرض الواقع كما بعث روح التفكير في طبيعة الحياة الإسلامية المتكاملة لدى المسلمين وغيرهم وما يمكن أن تقدمه التجربة الإسلامية في مثل تلك البلدان بعد أن مرت بالعديد من التجارب ذلك أن النظام العام لا يمس كل فرد في الدولة فقط بل يتعداه إلى من هم خارج الدولة بحكم العلاقات المتبادلة ووسائل الاتصال المترابطة وعلى كل فليس ما تم أو أعلن عن التوجه إليه في تطبيق أحكام الشريعة هو نهاية المطاف إذ أن ذلك إنما يمثل جانباً من جوانب تحقيق حكم الله في الأرض. ذلك أن الأمر يتطلب إعادة النظر في البناء الاقتصادي والسياسي والتربوي في تلك البلدان. رابعاً: اهتمام الطبقة المثقفة والمتعلمة من غير المسلمين بدراسة الإسلام والتعرف عليه وإعلان العديد منهم اعتناق الإسلام وكان من أشهر من أسلم منهم من رجال الدين خليل إبراهيم ومن الأدباء ميشيل سركيوسكي ومن الباحثين فنسان منتيل ومن المؤرخين بنواميشان ومن الفلاسفة روجي جارودي. قد دفع إسلام هؤلاء وما يقومون به من أبحاث ودراسات، دفع من يختلط بهم من المسلمين بحكم التعامل إلى العودة لتاريخهم وتراثهم كما وفر الكثير من القناعة لدى الشباب المسلم الذي انبهر بحضارة الغرب بضرورة العودة إلى دينه الأصيل والنهل من منابعه الصافية التي لم تكدرها التحزبات والطوائف والتجمعات المنحرفة.

стр. 14279

خامساً: دعم بعض الدول الإسلامية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- التي قامت على أساس تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية- والمؤسسات والهيئات والأفراد في تلك الدول للنشاط الإسلامي مادياً ومعنوياً مما ساعد الهيئات والمنظمات والجماعات الإسلامية على تخطي بعض الصعاب وتجاوز بعض العقبات. إلا أن تلك المساعدات قد لا تنفق في وجهها المشروع مما جعل الثقة في بعض المشاريع الإسلامية تضعف وتهتز. سادساً: قيام بعض التنظيمات والروابط الدولية وشبه الدولية بين بلدان العالم الإسلامي مثل رابطة العالم الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية والدعاة للتضامن الإسلامي التي تولاها جلالة الملك فيصل ﵀ وما أسفرت عنه من عقد مؤتمر القمة الإسلامي وما انبثق عنه من منظمات ومقررات ومواقف. وقد كان لهذه الجوانب تأثيراً إيجابياً في سبيل تحقيق الشعور بالذات بين المسلمين وتقوية وتنمية الروابط فيما بينهم كأمة واحدة دولا وأقليات ولاجئين إلا أن هذه التنظيمات والروابط تحتاج إلى المزيد من الشعور بالأهمية والالتزام بالمسئولية من جانب جميع الدول الإسلامية من أجل تنفيذ القرارات وتحقيق الأهداف الإسلامية في كافة المجالات. الحاجة لمراجعة واقع الصحوة: وعند الرغبة في التفصيل فإن هذه العناصر تحتاج إلى المزيد من التسبير والتفريع، إلا أن الحاجة القائمة تدعو إلى تجاوز ذلك إلى النظر في توجيه هذه الصحوة من حيث الدوافع والمقاصد والنتائج.

стр. 14280

إن هذه الصحوة في معظم دوافعها ومقاصدها قد ارتبطت بمواجهة التخلف من جهة ومقاومة الاستعمار من جهة أخرى ولذا فقد اتسمت بالاندفاع الشديد المرتبط بالقوة العسكرية من جانب والاندفاع الفكري والجدلي من جانب آخر وهي أمور فرضتها الظروف وقد حققت تلك الأمور الكثير مما نتج عنه هذه الصحوة الإسلامية التي تعم ليس فقط أرجاء العالم الإسلامي بل العالم أجمع. وإذا كان ذلك أمر تطلبه وضع الدفاع فإن الأمر يحتاج اليوم إلى إعادة النظر في الأمور من أجل ترميم المواقع وترتيب الصفوف والاستعداد للمرحلة القادمة. لقد كان من نتائج هذه الصحوة عودة الأذان إلى منابر الأندلس في الغرب وإلى منائر الصين في الشرق وإلى مواقعه القديمة في عمق العالم الإسلامي التي اسكت فيها فترة من الزمن كما امتد الأذان إلى مآذن جديدة في مواقع جديدة في أوربا وأمريكا واستراليا وأفريقيا وآسيا ولكن السؤال المطروح هو هل متطلبات ودوافع العمل الإسلامي في المستقبل هي نفس متطلبات ودوافع ذلك العمل في الماضي؟ ولن تكون الإجابة على هذا السؤال متطابقة نتيجة للظروف التي يعايشها المسلمون وهي ظروف متعددة ومتغايرة، ومع أن هذا التعدد والتغاير يكون في كثير من الأحيان مجالا للخلاف في الرأي والتباين في وجهات النظر إلا أنه ينبغي ألا يخرج إلى حد نقل المعركة من المسلمين وأعدائهم إلى ما بين المسلمين أنفسهم.

стр. 14281

لقد بات من الملاحظ وجود فراغات في بنية العمل الإسلامي وأخطاء في الممارسات القائمة في مجال الدعوة إلى الله فالدعوة تعاني من تشتيت الجهود بل تعارضها وتصادمها في كثير من الأحيان حتى انشغلت بعض الجماعات الإسلامية في محاربة بعضها بدلاً من توجيه السهام إلى العدو المشترك، كما تعاني من الشقاق داخل الجماعة الواحدة حتى أصبح منها اليمين واليسار والحمائم والصقور واندست في صفوف الدعوة جيوش النفاق التي كانت عاملا من عوامل ذلك الشقاق وتشتيت الجهود. كما كان من اهتمام بعض الجماعات الإسلامية بتكثير السواد وتجميع الأتباع أن يتحدث عن الإسلام من لا يعرفه ويدعو إليه من لا يلتزم به. متطلبات الدعوة: وأمام هذا الجانب من الصورة وهو الجانب السلبي نحتاج إلى وقفة وفي هذه الوقفة نستعرض شيئا مما يدعو إليه ديننا الحنيف وما يأمر به من توجيه في مجال أدب الدعوة إلى الله .

стр. 14282

يقول ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ويقول سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ويقول سبحانه ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ ويقول سبحانه ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ويقول سبحانه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ذلكم هو منهج كتاب الله ووصف الله للمؤمنين العاملين والدعاة الصادقين. أما رسول الهدى ونبي التقى فيقول "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" ويقول "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" ويقول ﵊ " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" وذلكم هو منهج رسول الله وخلق رسول الله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ . وعلى ضوء هذه الأوامر والتوجيهات يمكن التركيز على أن المتطلبات والمقاييس الثابتة للدعوة هي: أولاً: الانطلاق من وحدة الفكر والهدف من خلال التوحيد الخالص لله مهما كانت الظروف المكانية والمصالح الزمنية والتحديات الحضارية. ثانياً: العلم بشرع الله والفهم الصحيح له على هدى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ثالثاً: العمل على أساس الصدق والإخلاص والتضحية والتجرد والتحلي بالحكمة والبصيرة في التلقي والتلقين لدعوة الله. بين الواقع والمستقبل:

стр. 14283

وعلى ضوء هذه المتطلبات والمقاييس يجب وضع الضوابط الخاصة بطبيعة العمل وطريقة التحرك لمواجهة الظروف المكانية والمصالح الزمنية والتحديات الحضارية المعاصرة وهي أمور بلا شك تختلف في عدة جوانب عن الظروف والمصالح والتحديات التي دعت إلى نشأة بعض الحركات الإسلامية وحددت منهج العمل فيها. لقد انتقل التحدي الاستعماري من العمل العسكري إلى العمل الفكري، كما انتقلت المواجهة من الشخصية الأجنبية إلى الشخصية الوطنية وذلك في معظم المواقع. لقد ارتحل الاستعمار بعساكره من بعض البلدان لكن قوافل الصليب ومناجل الإلحاد قد تكالبت على نشر الفساد في البلاد والكفر بين العباد، ومن جهة أخرى فإن الاستقرار الذي تم في بعض البلاد الإسلامية وتطلعها إلى تحكيم شرع الله يتطلب توفير الأسس والتطورات والأساليب والإجراءات الخاصة بتطبيق تحكيم الشريعة في تلك البلدان في كافة الشؤون الاقتصادية والسياسية والتربوية والفكرية ويجب ألا يكون العاملون في مجال الدعوة إلى الله في غيبة عن هذه المواقع لأنها المحك العملي والممارسة الفعلية لتطبيق الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين. أمل ورجاء: ومن هذا التصور أتطلع إلى أن يلتقي العاملون في مجال الدعوة إلى الله وأن تكون هذه المقاييس والمتطلبات ضابطاً للجميع فيما يقولون ويعملون وأن تكون عونهم فيما يواجهون. وما مناسبة انعقاد المؤتمر العالمي الثاني لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة في رحاب الجامعة الإسلامية إلا إحدى الظروف المناسبة لمناقشة مثل هذه الأمور ودراستها والتفكير فيما يمكن أن يعمل من أجلها وأسأل الله سبحانه على ألا يقتصر هذا الاجتماع على إضافة اضبارة إلى خزانة الأوراق أو كسب ورقة في مجال الدعاية والاستهلاك والله هو المسئول أن ينشر دينه وأن يعلي كلمته وأن يوفق عباده إلى الخير والسداد والهدى والرشاد إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 14284

الإسلام يَسُدُّ مَنافِذَ الفرقة وَالاختِلاَف وَيَصُون عَوامِل الوحدة وَالائتلاف للدكتور جمعة علي الخولي رئيس قسم الدعوة بالجامعة يحرص الإسلام حرصاً بالغاً على أن تبقى أواصر الود والائتلاف بين المسلمين متينة العود، صلبة القوام، لا يكدرها غيم، ولا يوهنها كيد.. ولذلك نفر من كل ما من شأنه أن يوغر الصدور أو يوهي رباط الاخوة. فحرم الغيبة والنميمة: لما لهما من أثر سيء على علاقات الناس، قال ﵊ "كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله " [١] وجاء في خطبة الوداع "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" [٢] . والغيبة كما قال ﵊ هي "ذكرك أخاك بما يكره، فإن كان فيه فقد أغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته" [٣] ومعنى بهته افتريت عليه الكذب. والنميمة هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد، قال ﵊: "لا يدخل الجنة نمام " [٤] وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئاً فإني أحب أن أْخرج إليكم وأنا سليم الصدر" [٥] . ونفر من المراء والجدال: لما يولده ذلك من الخصومة والاختلاف، ويورثه من الفرقة والتعدد، روى ابن ماجة عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " [٦] تم تلا هذه الآية ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ وكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وكذا روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال:"من ترك المراء وهو مبطل بنى الله له بيتا في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى أجنة" [٧] وقال أبو الدرداء "كفى بك إثما ألا تزال ممارياً". ونهى عن التباغض والتقاطع والتدابر:

стр. 14285

وفي الحديث "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " [٨] . وفيه أيضا "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال "أنظروا هذين حتى يصطلحا أنظروا هذين حتى يصطلحا" [٩] . كما نهى عن احتقار المسلم ولمزه والسخرية به والتجسس عليه وسوء الظن به من غير ضرورة: قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال ﵊ "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" [١٠] ، وقال "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " [١١] . وأتى برجل إلى ابن مسعود فقيل له "فلان هذا تقطر لحيته خمرا، فقال: إنا نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به" [١٢] . ونهى عن إظهار الشماتة بالمسلم: عن وائلة بن الأسقع ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك" [١٣] والشماتة هي الفرح ببلية الغير. **** وهكذا حاول الإسلام أن يبعد أتباعه عن كل ما من شأنه أن ينفر بعضهم من بعض، أو يقطع صلات بعضهم ببعض، وكان رسول الله ﷺ شديد الكره للفرقة والاختلاف، كثير التحذير من عواقبهما السيئة، ولذلك كان يحارب كل مظهر يشى بالفرقة والشذوذ، أو يدل على التشتت والانقسام.
следующие страницы →