Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14421–14460 · переход к 14426.
стр. 14421
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . (آل عمران: ١٠٤) .
ومن صفات المؤمنين الصالحين أنهم: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ . (التوبة: ٧١) .
-وهناك مؤثرات أخرى في تكوين الرأي العام، عمل الإسلام على توجيهها وربطها بقواعده ومبادئه وهي:
(أ) البيت: وقد أشار القرآن الكريم إلى الذرية الصالحة التي تتبع الوالدين على طريق الإيمان ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم﴾ . (الطور: ٢١) ، وأشار إلى خطر انفصال الولد عن أبيه والأسرة عن بعضها إذا انحلت عرى الإيمان فقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ . (المجادلة: ٢٢) .
وفي الحديث الشريف: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه [٤] "وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
(ب) المدرسة: وهى بيوت العلم التي حرص الإسلام على أدائها لرسالتها مهتدية بقواعد الإسلام ومبادئه في المنهج، والكتاب، والعلم، وحذر أشد التحذير من انحرافها عن الكتاب والسنة، ووجه لأن تكون العلوم المختلفة خادمة العقيدة والإيمان بالله ووحدانيته، حتى لا يتناقض ما يقرأه الطالب في درس التربية الإسلامية عما يقرأه في المباحث الأخرى، ولتكون الثقافة الواحدة التي يتربى عليها أفراد المجتمع في المدارس ثقافة واحدة، توحد الفكر ولا تمزقه، وتساعد على إيجاد رأي عام واحد صالح يخدم أهداف الإسلام ويرعى مبادئه.
стр. 14422
لقد أثمرت الثقافة الإسلامية الواحدة التي تلقتها الأمة في المسجد والمدرسة وحدة في الاتجاه العام والرأي العام جعل أبناءها في العصور السالفة على اختلاف تخصصاتهم العلمية في الحديث، والتفسير، والفقه واللغة، والفلك والكيمياء والفيزياء والطب والهندسة أبناء ثقافة واحدة، تسلك طريقهم، وتوحد خطاهم في المجتمع، وتصنع وحدتهم وتقيم أواصر التعاون فيما بينهم. وحين وقع الانفصال بين الجامع والجامعة، وبين المدرسة والمسجد، وبين مصادر التوجيه، والدين، وأخذت تتسرب للأمة الثقافات المتعددة نتيجة الغزو الفكري الأجنبي، وسيطرة المستشرقين وتلاميذهم على معظم الجامعات في البلاد الإسلامية ... وانتقل هذا التأثير المنحرف إلى المناهج والكتب المدرسية في مراحل الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية في بلاد المسلمين، حين حصل هذا وقع الانفصال بين ثقافة الأمة وشخصيتها الحضارية المستمدة من دينها وتاريخها وأصولها. وأصبح الرأي العام يتأثر تأثراً كبيراً بقيم جديدة وثقافات غريبة أوجدتها مراكز التوجيه المنحرفة. وأصبحت مهمة العلماء صعبة شاقة، ورسالتهم كبيرة ضخمة لإيجاد التغيير في المجتمع، والعودة إلى قيادة الأمة والرأي العام فيها من جديد.
بالإضافة إلى المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي شغلت الناس بالمادة عن الله وعبادته.
٤- من مبادئ الإسلام أن يرجع المسلم إلى العلماء المشهود لهم بالصدق والنزاهة للتعرف على أحكام الله، ومتابعتهم قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . (النساء:٨٣) .
стр. 14423
٥- من مبادئ الإسلام أن الذي يصيب مسلما بسوء يصيب المجتمع كله، ومن هنا حرم الإسلام الإشاعات الباطلة ونزلت الآيات في حديث الإفك تربية للأمة وتطويراً للرأي العام فيها وصيانة له من الانحراف والجرأة على الباطل بدون بينة [٥] .
٦- من مبادئ الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والآيات كثيرة تدل على وجوبها.
وسائل الإعلام والتوجيه المختلفة:
لوسائل الإعلام من إذاعة وتلفزيون وصحافة أثرها في إيجاد الرأي العام، فالرأي العام هو أساس الإعلام ... فهدف الإعلام الأول إيجاد الرأي العام أو توجيهه نحو قضية ما أو وجهة نظر مطلوبة وتأثير الإعلام في الرأي العام راجع إلى اتصاله المباشر بالجماهير على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الثقافية.
ورجل الإعلام الناجح هو الذي يعرف نفسية الجماهير ورغباتهم ويحاول توجيهها لمصالح فكرته ومؤسسته.
ودخول وسائل الإعلام كل بيت بغير استئذان، وعرضها للفكرة بوسائل الإقناع المختلفة في أوقات النهار المختلفة يجعل لها التأثير البالغ على عقول الجماهير وإيجاد الرأي. العام في الأمة.
ومن هنا كانت خطورة أجهزة الإعلام وأهميتها البالغة إيجاباً أو سلباً، ومن هنا كان على العلماء في البلاد الإسلامية واجب كبير في توجيه هذه الأجهزة "السيطرة عليها حتى تكون معبرة عن عقيدة الأمة وحضارتها، داعية إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا يقتضي أن تكون لهذه الأجهزة رسالة وفلسفة واضحة تلتقي مع رسالة أجهزة التوجيه الأخرى في المجتمع وهي: المسجد والمدرسة والصحافة والكتاب، حتى لا تتناقض هذه الأجهزة ولا يهدم جهاز ما يبنيه الآخر، ولا تحدث الصراع والتمزق في نفوس أبناء الأمة. كما يقتضي حسن اختيار العاملين في هذه الأجهزة كفاءة وديناً وخلقاً ليكون رجال الإعلام القدوة الحسنة لما يدعون إليه الناس بسيرتهم وخلقهم، ولتكون دعوتهم مؤثرة فاعلة في الجماهير.
стр. 14424
إن انفصال رجل الإعلام عن قيم الإسلام وأخلاقه بسيرته وسلوكه جريمة كبرى في أي بلد إسلامي تجعل من اللص (محافظاً على بيت المال) . (والمجرم) مسؤولاً عن حفظ الأمن.!!
كما تقيم الهوة السحيقة بين أجهزة الإعلام وثقة الناس بها. ومن هنا كان من أعظم الواجبات التي يجاهد لتحقيقها العلماء إنقاذ أجهزة الإعلام من التوجيه الفاسد المنحرف في البلاد الإسلامية. والقيام بمسؤولياتهم في توجيه الأمة من خلالها بلغة العصر وأسلوبه وكفاءته.
(٣) وظيفة الرأي العام:
للرأي العام في المجتمع الإسلامي وظائفه عديدة من أهمها:
١- رعاية تطبيق الأحكام الشرعية.
٢- حراسة المبادئ الإسلامية وصيانتها ومساندة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا المجال.
٣- حسن استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها في الكتاب والسنة عن طريق إعطاء الثقة بأهل الحل والعقد من العلماء والعاملين.
٤- رفع الروح المعنوية للأمة وتقوية أواصرها وتعاونها.
٥- استثارة مشاعر الأمة للقيام بواجب معين.
١- رعاية تطبيق الأحكام الشرعية:
الأمة الإسلامية مخاطبة جميعها بتطبيق الأحكام الشرعية، والخطاب في القرآن في هذا المجال يتناول أَفراد الأمة جميعاً. فقوله تعالى في سورة النور مثلاً: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . موجه لكل فرد في الأمة. ونظراً لأن الأفراد لا يستطيعون القيام بهذه المسؤولية متجمعين فلابد أن يختاروا من يقوم عنهم بهذه المهمة وهو الحاكم أو الإمام فالحاكم في الدولة الإسلامية وكيل الأمة في إقامة أحكام الله المطلوبة منهم جميعاً.
ومن هنا كان للرأي العام سلطانه في دعوة الحكومة لتطبيق أحكام الله تعالى والتقيد بها وعدم الخروج عنها إلى قوانين وضعية أو مشاريع مستوردة.
стр. 14425
يقول الإمام النسفي في تفسير قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . والخطاب للأئمة لأن إقامة الحد من الدين، وهي على الكل إلا أنهم لا يمكنهم الاجتماع فينوب الإمام منابهم [٦] .
٢- حراسة المبادئ الإسلامية وصيانة قيمتها في المجتمع:
ومن هذا المبدأ كانت مسؤولية الأمة عامة عن حراسة مبادئ الشريعة وقيمتها، وكان الرأي العام في المجتمع الإسلامي ذا سلطان قوي في حراسة هذه المبادئ ورعاية هذه القيم وصيانتها.
وقد وجه القرآن الكريم الأمة الإسلامية ودعاها مجتمعة متعاونة لترفع صوتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومساندة العلماء الذين يقومون بهذه المسؤولية. والأمر بالمعروف يعني الأمر بما قرره الكتاب والسنة من مبادئ وقيم وأحكام للمجتمع، والنهي عن المنكر يعني النهى عما نهى عنه الكتاب والسنة من معاصي تعتبر خروجاً عن المبادئ الإسلامية وقيمها.
ومن المناسب إيراد النصوص التالية من الكتاب والسنة التي تصور حرص الإسلام على مساندة تعاليمه وأحكامه بسلطان الرأي العام المسلم:
(١) قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . (آل عمران:١٠٤) .
(٢) عن النعمان بن بشير- ﵄ عن النبي ﷺ : "مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً, وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً" [٧] .
стр. 14426
فالرأي العام مدعو هنا للتوجيه وإصلاح الخطأ وإنقاذ نفسه مع إنقاذ المرتكبين للخطأ، إن الحديث الشريف يحذر الجماعة من شعور (اللامبالاة) وعدم الاهتمام بقضايا الجماعة العامة بحجة أن الذين يرتكبون الفساد قوم غيرهم.
(٣) والمسلم.. مدعو للجهاد والتضحية في سبيل نصرة أحكام الشريعة إذا انتهك حرمتها حاكم ظالم. عن جابر- ﵁ عن النبي ﷺ قال: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله" [٨] .
إن الجمع بين حمزة بن عبد المطلب- ﵁ الذي أبلى بلاء حسناً في قتال المشركين والتنكيل بهم حتى قضى شهيداً في غزوة أحد، وبين من جهر بكلمة الحق في وجه إمام ظالم، يصلنا بطبيعة المعركة التي خاضها حمزة- ﵁ في وجه الجاهلية وظلمها، ويخوضها إخوان حمزة في طريق العمل لاستئناف الدولة الإسلامية، أو في مواجهة محاولات الظالمين لإبعاد أحكام الشريعة عن التطبيق بالتدريج وبالوسائل المختلفة. إن ظهور أمثال هؤلاء الرجال في ساحات المجتمع الإسلامي ومواجهة أعداء الشريعة من شأنه إلهاب مشاعر الجماهير المسلمة وإضاءة الطريق أمام الرأي العام ليقول كلمته ويتحمل مسؤوليته.
(٤) إن دعوة الرأي العام في المجتمع المسلم ليقف في وجه الانحراف والفساد ومحاولات الخداع والتمويه تظهر صريحة في حديث النبي الكريم: عن ابن مسعود- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدمم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " [٩] .
стр. 14427
(٥) ويحذر الإسلام أفراد المجتمع المسلم من الجبن في نصرة الحق والوقوع في ذلة الجبن والخور أمام رأي الأكثرية الفاسدة.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يُحقِّرَن أحدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أن عليه مقالا، ثم لا يقول فيه، فيقول الله يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول خشية الناس: فيقول فإياي كنت أحق أن تخشى" [١٠]
(٦) ويحذر الله الجماعة المسلمة أن يفلت من يدها زمام الأمر فتغلب المعاصي وتنتشر الفاحشة فيستحقوا عذاب الله. وقد سألت عائشة- ﵂ رسول الله ﷺ : "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث" [١١] .
وعن جرير بن عبد الله- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه، ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا" [١٢] .
وعن أبي بكر الصديق- ﵁ قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... ﴾ (المائدة: ١٦٠) وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب عن عنده" [١٣] .
الرأي العام ودوره في مقاطعة مجالس المنكرات:
ومن خير ما تتجلى به حراسة الرأي العام في المجتمع الإسلامي لمبادئ الشريعة وقيمها الحكم الشرعي الذي يأمر الجماعة المسلمة وكل فرد مسلم بمقاطعة مجالس المنكرات، والأماكن التي يعصى فيها الله، والمحافل التي يستهزأ فيها بدين الله، قال تعالى:
стр. 14428
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ . (النساء: ١٤٠) إن المسلم مدعو إذا لم يستطع أن يغير المنكر بيده ولسانه، أن يغيره بقلبه والتغيير بالقلب ليس حركة انفعالية نفسية ولا تظهر أثراً إيجابياً في إزالة المنكر، بل هي حركة انفعالية نفسية عملية تساعد على التغيير بالانسحاب من مجلس يعصى فيه الله، وهذا ما عبر عنه النبي ﷺ في حديث له: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
إن كلمة: "فبلسانه"و "فبقلبه"متعلقتان بالفعل فليغيره، والتقدير: فليغيره بيده، أو فليغيره بلسانه أو فليغيره بقلبه ... ولا يكون بالقلب تغيير إلا بحركة هي أضعف الحركات وأقلها بعد اليد واللسان هي حركة الانسحاب من مجالس المنكرات ومقاطعتها
الرأي العام ودوره في مقاطعة من عصى:
والرأي العام في الإسلام حين يخاصم ويقاطع هدفه الإصلاح والعلاج، لا التشهير والهدم، وهذا ما يميزه عن المجتمعات المادية، فالثلاثة الذين خلفوا عن الجهاد بغير عذر وأمر الرسول ﷺ الأمة بمقاطعتهم واستعمل رسول الله ﷺ سلاح الرأي العام هذا وسيلة صالحة لإبرار أثر التخلف عن الجهاد على الأمة، وقيام الأمة جميعها بواجب المقاطعة، حتى أقارب المقاطع وزوجه يقاطعونه.
حتى إذا حققت المقاطعة ثمرتها التربوية للمتخلفين خاصة، وللأمة عامة نزل الحكم من السماء بإنهاء المقاطعة والتوبة على الذين تخلفوا وتابوا وأنابوا.
стр. 14429
قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . (التوبة:١١٧-١١٨) [١٤] .
إن سلاح المقاطعة يمثل قمة التربية الإيمانية للشخصية المسلمة حين تحب في الله، وتبغض في الله، وتصل في الله، وتقطع في الله، وتحارب في الله وتسالم في الله.
وإن العقيدة التي توحد رأي أبنائها في إصدار حكم على شخص بمقاطعته لأنه تخلف عن الجهاد، أو جاهر بمعصية لتمثل لنا أسلوباً من أساليب الدعوة الإسلامية في تربية الجماعة وإصلاحها، والدارس للتاريخ الإسلامي يجد تطبيقاً كريماً لهذه المبادئ في محيط الأسرة، أو محيط الجماعة حين يخرج أحدهم عن الجادة، ويجاهر بمعصية الله فيهجر في الله، وتعطى الأمة برأيها فيه بالمقاطعة العلنية.
وقد ظهر هذا الأسلوب في مرحلة الدعوة الأولى في مكة قبل الهجرة حين أمر رسول الله ﷺ بأن يهجر المجالس التي لا توقر فيها آيات الله وشرائعه فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ . (الأنعام: ٦٨) .
стр. 14430
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: "من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر مؤمناً كان أو كافراًً ... وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي: اسمع مني كلمة فأعرض عنه وقال: "ولا نصف كلمة" [١٥] وروى عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" [١٦] .
٣- حسن استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وإعطاء الرأي في قضايا الأمة المهمة:
المقصود بهذا العنوان إظهار الأهمية التي يعطيها الإسلام للرأي العام من خلال بيان الرابطة بين جمهور الأمة وأهل الحل والعقد فيها، وبيان صلاحيات أهل الحل والعقد، ودورهم في بيان أحكام الشريعة باعتبارهم ممثلين شرعيين لجمهور الأمة، ومعبرين عن رأيها العام في أمور الشريعة، وهذا يقتضي التعريف بأهل الحل والعقد وأهم أعمالهم.
أهل الحل والعقد كما يسميهم جمهور العلماء، أو أهل الاختيار كما يسميهم الماوردي وغيره [١٧] أو أهل الاجتهاد كما يسميهم البغدادي [١٨] هم جماعة معينة من فضلاء الأمة يوكل إليهم النظر في مصالحها الدينية والدنيوية ومنها اختيار رئيس الدولة، فهم المسؤولون عن تصفح أحوال الذين يمكن صلوحهم لتولي هذا المنصب الخطير، والاجتهاد في ذلك، وهذه الجماعة لا تقوم باختيار الإمام إلا نيابة عن الأمة جميعاً، فهم بمباشرتهم هذا الاختيار لا يمثلون أنفسهم، بل يمثلون الأمة كلها، ولهذا فإنه عند مبايعة أهل الحل والعقد للإمام تجب مبايعته والانقياد له على سائر أفراد الأمة [١٩] .
стр. 14431
وقد بين العلماء أن أهل الحل والعقد هم: "العلماء والرؤساء، ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم " [٢٠] ويرى الشيخ محمد رشيد رضا أن أهل الحل والعقد هم المقصودون بأولي الأمر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . (النساء: ٨٣) . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . (النساء: ٥٩) . وليس المراد بأولي الأمر في الآيتين الأمراء والسلاطين كما يرى بعض العلماء بدليل أن الآية الأولى نزلت في أولي الأمر الذين كانوا على عهد الرسول ﷺ ، ولم يكن هناك أمراء ولا سلاطين، قال: "وما كان هناك إلا أهل الرأي من كبار الصحابة- عليهم الرضوان- الذين يعرفون وجوه المصلحة مع فهم القرآن ... "وهكذا يجب أن يكون في الأمة رجال أهل بصيرة ورأي في سياستها، ومصالحها الاجتماعية، وقدرة على الاستنباط، يرد إليهم أمر الأمن والخوف وسائر الأمور الاجتماعية والسياسية وهؤلاء الذين يسمون في عرف الإسلام أهل الشورى وأهل الحل والعقد ... [٢١] .
فيفهم من هذا القول ومما ذكره الفقهاء أن أهل الحل والعقد هم المتبوعون في الأمة الحائزون على ثقتها ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة [٢٢] .
стр. 14432
أما علاقة أهل العقد والحل في الأمة فهي علاقة النائب والوكيل [٢٣] أما كيف ينالون هذه المنزلة فإن الأمة هي التي ترفعهم إلى هذه المنزلة باختيارها لهم صراحة أو ضمنا، وأن السوابق التاريخية تبين لنا وكالة أهل الحل والعقد عن الأمة في عصر الإسلام الأول- عصر الخلفاء الراشدين- كانت وكالة ضمنية لأنهم كانوا معروفين بتقواهم وإخلاصهم وكفاءتهم وعلمهم شهد لهم القرآن الكريم والنبي صلوات الله وسلامه عليه بالثناء العام والخاص عليهم، فما كان هناك من حاجة لقيام الأمة بانتخابهم وتوكيلهم عنها صراحة.
ومن المقاييس المهمة في معرفة نبل هذا العالم أو ذاك لثقة الجماهير رجوعُها إليه في الفتوى، وحضورها دروسه، وترددها على مجالسه، وأخذها برأيه، في أمور حياتهم المختلفة.
ومع ذلك فإننا إذا أخذنا في الوقت الحاضر بنظام الانتخاب المباشر لأهل الحل والعقد ضمن شروط يقرها الإسلام، منها أنه يجب أن تتوافر فيمن يرشح نفسه للانتخاب:
(أ) العدالة الجامعة لشروطها.
(ب) العلم.
(ج) الرأي والحكمة والخبرة [٢٤] .
وإن مثل هذا الانتخاب على هذا النحو المذكور جدير بأن يترجم إرادة الأمة صراحة وتوكيلها لهؤلاء، وهو المناسب لعصرنا لأن إجازة التوكيل الضمني في هذا الزمن قد يفتح باب شر خطير ويؤذن بالفوضى التي تضعها المزاعم الكاذبة والدعاوى الفارغة [٢٥] .
الفرق بين سيادة الرأي العام في الإسلام والنظم الديمقراطية:
(أ) ومن الأهمية بمكان أن نذكر أن الأمة حين تبدي رأيها عن طريق ممثليها في قضية من القضايا فلرأيها السيادة ولحكمها النفاذ في النظم الديمقراطية الغربية، أما في الإسلام فإن أهل الحل والعقد لا ينفذ رأيهم إلا في الأمور التي لم ينص عليها الشرع ... فإذا جَاء الله بحكم فليس لجماعة من الأمة أن تعارضه وليسر للأمة بمجموعها إن تبطله.
стр. 14433
ومن هنا كانت المسائل الفقهية الخاضعة لرأي الجماعة مقيدة بأمرين:
أ- ألا يكون قد نزل فيها نص صريح.
٢- أن يرجع أهل الحل والعقد في بيان الرأي فيها إلى أصول الشريعة ومقاصدها العامة.
(ب) أن القانون أو الحكم حين تصدره الدولة نابعاً من عقيدة الأمة ودستورها، تجد اقتناع الرأي العام به قوياً صادقاً، وتنفيذه سهلاً ميسوراً، بينما نجد حرمان القوانين الوضعية من هذه الميزة. وخير مثال يوضح هذه الفكرة المقارنة بين تحريم الخمر في الإسلام الذي تهيأ الرأي العام لقبوله وبين تحريمه في أمريكا ... فنجح في المجتمع الإسلامي ولم ينجح هناك.
٤- رفع الروح المعنوية للأمة وتقوية أواصرها وتعاونها:
من أهم وظائف الرأي العام في المجتمع الإسلامي رفع الروح المعنوية عند الجماهير التي تكونه، لأن وحدة الجماعة المسلمة على رأي واحد من شأنه أن يبرز قوة هذه الجماعة وتعاونها، ويعطيها الزاد والقوة على تحقيق أهدافها مهما بلغت التكاليف.
لقد وضع القرآن الكريم القاعدة المباركة لوحدة الجماعة المسلمة على الهدف الكريم بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ . (المائدة: ٢) . وبقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ . (الصف: ٢) . وبقوله ﷺ : "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" [٢٦] .
стр. 14434
وتظهر أثر هذه التربية الإيمانية للجماعة المسلمة في وحدتها وتآلفها، في وقوفها في وجه المحن والشدائد صفاً واحداً، ومن أبرز الأمثلة على ذلك في تاريخ الإسلام خروج المسلمين، في اليوم التالي لغزوة أحد، للثأر من عدوهم، ومسح آثار مصيبتهم، وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:١٧٢) .
لقد حرص الإسلام على دعم أهدافه بسلطة الرأي العام، وإيجاد روح التعاون بين أبناء الأمة الإسلامية، والتقارب بين فئات الشعب، لتتوحد اتجاهاتها، وتسيطر على مبدأ أساسي في حياة الأمة، وهو الاتفاق على الأهداف، وهذا الاتفاق يؤدي حتما إلى نجاح الأمة في بلوغ غايتها وتحقيق أمانيها.
إن الأذان الذي يتردد كل يوم خمس مرات، عالياً مدوياً معبراً عن أهداف الإسلام الكبيرة، وإن الصلوات التي تقام كل يوم خمس مرات جامعة للأمة موحدة لرأيهَا، وإن الجُمَع، والجماعات، وفريضة الحج التي من شأنها أن يظهر وحدة الأمة على أهدافها، وإن القرآن الذي يتلى في كل صلاة جامعا للأمة على أهدافه وغاياته، إن هذا كله جدير بأن يحقّق في المجتمع الإسلامي وحدة الأهداف ووحدة الرأي العام على هذه الأهداف، ويرفع معنويات الأمة لأداء دورها الكبير ورسالتها العظيمة في الحياة، ولنتأمل في روحِ العزة التي يصنعها الإسلام بالإيمان والعمل الصالح ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ .
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ .
стр. 14435
وإلى رفع هذه الروح المعنوية في ضمير الأمة بالتقائها على أهدافها ووحدة رأيها يشير النبي ﷺ بقوله:
"يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار".
"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" [٢٧] .
إن البنيان الذي يشد بعضه بعضا يصور لنا الروح المعنوية العالية التي يعطيها وحدة الرأي العام لأفراد الأمة كما يصور لنا معاني التعاون على أهداف الإسلام الكريمة في الحياة، وأن الجماعة التي تباركها يد الله وترعاها وتنصرها جديرة بأن تتغلب على أسباب الضعف وتحقق أسباب قوتها ونموها وازدهارها.
استثارة مشاعر الأمة للقيام بواجب معين:
في كل مسجد جامع منبر وظيفته مخاطبة الرأي العام كل أسبوع يدعوه إلى واجب أو يحذره من أمر، أو يبصره بقضية لها أهميتها في حياته.
لقد سن رسول الله ﷺ للأمة كيف تكون يدا واحدة في مواجهة الأحداث، يأخذ قويها بيد ضعيفها، وغنيها بيد فقيرها، وأنه من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
والدارسون لسيرة رسول الله ﷺ وسير الخلفاء الراشدين والتابعين هم بإحسان، نجد أن النبي الكريم كان يدعو المسلمين إلى المسجد عند كل حدث مهم يخبرهم به، أو واجب يدعوهم إليه، حين يوجه الحملات للجهاد، فيدعو إلى البذل والنفقة، كما يدعو إلى المشاركة بالجهاد.
وحين يرى طائفة من المسلمين تعاني ضائقة مالية فيدعو المسلمين إلى مساعدتهم وكذلك كان الصحابة- رضوان الله عليهم- فأبو بكر- ﵁ يوجه الجيوش لفتوح الشام والعراق، وكلما دعا الداعي لإمداد جيش وجه النداء للأمة وندبها إلى الخروج مع هذا القائد أو تلك الحملة.
стр. 14436
وفي تهيئة الأمة لقبول حكم معين كان الخليفة يوم الجمعة يعلن في الناس ويمهد لقراره ويقنع الجماهير به، ففي مسألة تحديد المهور استشار عمر الناس في المسجد فردت عليه امرأة رأيه بالآية الكريمة: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ . فأعلن رجوعه عن رأيه وقال: "اللهم، غفرا كل الناس أفقه من عمر، أخطأ عمر وأصابت امرأة" [٢٨] .
وفي الصورة المقابلة نجد خطبة الجمعة التي من شأنها أن تعالج قضايا الأمة يعرضها أولو الأمر من العلماء والحكام لتقوم بتهيئة الرأي العام لقبول القرار الذي ستتخذه الدولة أو رفضه بمناقشته وبيان مدى تحقيقه لأهداف الشريعة ومقاصدها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
--------------------------------------------------------------------------------
[١]
E.S.Bo gardus. The Making of public opinio - P. ٥
والإعلام والدعاية نظريات وتجارب. د: محمد عبد القادر حاتم (ص١٢٣) .
[٢] المرجع السابق.
[٣] تفسير ابن كثير: (٤/٢٠٦) . ط دار الفكر.
[٤] متفق عليه.
[٥] نزلت (١٨) آية في سورة النور في هذا الموضوع.
[٦] تفسير النسفي: (٣/٣٢٣) .
[٧] رواه البخاري والترمذي: الترغيب والترهيب (٤/٤-٥) .
[٨] رواه الترمذي والحاكم: وقال صحيح الإسناد/ الترغيب (٤/ص٤) .
[٩] رواه مسلم: الترغيب والترهيب للحافظ المنذري (٤/٥) .
[١٠] رواه ابن ماجه: ورواته ثقات ـ المرجع السابق (٦) .
[١١] رواه البخاري: عن زينب بنت جحش ﵂ المرجع السابق (٦) .
[١٢] رواه أبو داود: المرجع السابق: (٨) .
[١٣] رواه أبو داود والترمذي.
[١٤] انظر قصتهم في صحيح البخاري كتاب المغازي زفي الطبري (١١/٥٨) .
[١٥] تفسير القرطبي: (٧/١٣) .
стр. 14437
[١٦] المرجع السابق، وانظر تفسير المنار (ج٧/٥٠٦) والتحرري والتنوير (ج٧/٢٨٨) للشيخ محمد بن عاشور.
[١٧] الأحكام السلطانية للماوردي (ص٦) والأحكام السلطانية أبي يعلى.
[١٨] رسالة الدولة في الفقه الإسلامي. د: محمد رأفت عثمان (٢٥٦-٢٥٧) ط دار الكتاب الجامعي-القاهرة.
[١٩] رسالة الدولة في الفقه الإسلامي. د: محمد رأفت عثمان (٢٥٦-٢٥٧) ط دار الكتاب الجامعي-القاهرة
[٢٠] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين محمد بن أبي العباس الرملي (٧/٣٩٩٠) .
[٢١] تفسير المنار: للشيخ السيد محمد رشيد رضا (٧/١١) .
[٢٢] أصول الدعوة للدكتور: عبد الكريم زيدان (١٩٩) وتفسير المنار (٥/١٨١) .
[٢٣] المرجع السابق. (/١٩٩)
[٢٤] الأحكام السلطانية للماوردي (٦) ، وأصول الدعوة لعبد الكريم زيدان (٢٠٠) .
[٢٥] المرجع السابق (٢٠١) .
[٢٦] رواه البخاري.
[٢٧] رواه البخاري ومسلم والترمذي.
[٢٨] حقوق النساء في الإسلام للشيخ محمد رضا (ص١٣) .
стр. 14438
آيةُ العَدَدِ
للشيخ أبي بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة
قوله تعالى: ﴿يا أيُّهاَ الّذِينَ آمَنُواْ اْتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأنتُم مَّسلِموُنَ. واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وآله وصحابته أجمعين.
وبعد فهذه آية العدد نقدم شرحها لأبنائنا طلبة العلم على طريقتنا في التفسير التحليلي فنبدأ بذكر مناسبة الآية لما قبلها من الآيات، ثم نذكر الغرض الذي سيقت له الآية ثم نشرح مفرداتها، ثم نذكر معنى الآية المراد فهمه منها ثم نختم الشرح للآية بذكر ما فيها من هداية قرآنية راجين أن يهتدي بها الطالب إلى ما يزكي نفسه، ويكمل أخلاقه ومعارفه، وبسم الله نبدأ، ومنه نستمد العون والتوفيق فنقول:
مناسبة الآية لما قبلها:
стр. 14439
لقد جاء في السياق قبل هذه الآية قول الله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ . وهو إخبار منه تعالى لعباده المؤمِنين بأنهم إن أطاعوا بعض أفراد اليهود أو النصارى بأن سمعوا منهم واستجابوا لما يقولون لهم أدَّى بِهِمْ ذلكَ إلى الردَّة والعياذ بالله تعالى، وهو إخبار بمعنى الإنشاء؛ إذ مراد الله تعالى من هذا الخبر نهيه المؤمنين عن طاعة أهل الكتاب لما قد تُفْضي بهم تلك الطاعة إلى الكفر والعياذ بالله. ومن هنا ناسب أن يأمرهم بما يكون عصمة لهم من الوقوع في الردَّةِ والكفر بعد الإيمان والإسلام فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . ﴿اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . فهذا وجه المناسبة بين الآيتين وهو ظاهر والحمد لله.
الغرض الذي سيقت له الآية:
إنّ الغرض الذي سيقت له هذه الآية هو الأمر بتقوى الله وذلك بفعل مأمور الله وهو الإيمان والعمل الصالح، وترك منهيه تعالى وهو الشرك والمعاصي بترك واجب أو فعل منهيّ وبذل الجهد في تحقيق هذه التقوى، والصبر عليها مع الاعتصام بدين الله وعدم التفرّق فيه، حتى الموت على الإسلام.
مباحث الألفاظ:
من مباحث ألفاظ هذه الآية ما يلي:
التقاة: اتّقى يتقي اتّقَاءً وتُقَاةً، وهى بمعنى التقوى التي هي الاسم من اتقى.
حق تقاته: هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، إذ الأصل اتقوا الله التقاة الحقة.
ولا تفرقوا: تفرّقوا أصلها: تتفرقوا فحذفت إحدى التائين تخفيفا.
إلا وأنتم مسلمون: الجملة حالية، والاستثناء فيها مفرّغ من أعم الأحوال إذ
стр. 14440
المعنى: ولا تموتن على أيِّ حال من الأحوال إلاّ على حال أنتم مسلمون.
شرح الكلمات:
آمنوا: اذعنت قلوبهم للتصديق بوجود الله تعالى ربّاً لكُلِّ شيء وإلهاً لكل العالمين. موصوفاً بكل كمال، منزّها عن كل نقصان، وللتصديق بمحمد ﷺ نبيًّا ورسولاً للعالمين، وبكل ما جاء به من الدين، وأخبر عنه من أمور القدر والغيب، وللتصديق بالبعث والجزاء في الدار الآخرة بالنعيم المقيم، أو العذاب المهين.
اتقوا: أمر بالتقوى، والتقوى الاسم من فعل، اتّقَى، ومعناه: اتخذوا الإيمان والاعتصام بالطاعة وقاية تقيكم وتحفظكم مما تخافون من العذاب المترتب على الكفر والمعاصي.
الله: اسم الجلالة الأعظم: وهو عَلَمٌ على ذاتِ الربّ المعبود بحق، واشتقاقه من اله ياله إلهة وتألّهاً. إذا عبد فأذعن وأطاع حبًّا وتعظيماًَ. فمعنى الله: المعبود الذي تتحير الأفكار في حقائق صفاته، وتطمئن القلوب إلى ذكره، وتفرح النفوس بمعرفته، وتولع الخليقة بدعائه والتضرع إليه، ولا تفزع عند الشدائد إلا إليه سبحانه لايدرك كنه ذاته، ولا تعلم حقائق صفاته.
حق: يقال حَقّ الشيء يحق إذا ثبت ووجب.
التقاة: مصدر بمعنى التقوى، ومعنى المتضايفين ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ : اتقوا الله التقاة الحقة الواجبة لله تعالى الثابتة له بما له من قوة لاتحد، وقدرة لا تعجز، وسلطان لا يقهر.
ولا تموتن: الواو [١] عاطفة للجملة على سابقتها وهى: اتقوا الله حق تقاته. ولا: أداة نهى وجزم وتموتن: مضارع مات يموت؛ إذا فارقته الحياة، وهو مسند إلى واو الجماعة دخل عليه الجازم فحذف نون الرفع، فصار ولا تموتوا، فأكد بنون التوكيد فالتقى ساكنان فحذفت الواو لوجود ما يدل عليها وهى الضمة فصارت الكلمة ولا تموتن.
стр. 14441
إلا وأنتم مسلمون: إلا أداة استثناء وهو هنا مفرغ من أعم الأحوال، والواو للحال وجملة "أنتم مسلمون "خبريّة مؤلفة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال. ومعنى الجملة: لا تموتن أيها المؤمنون على أي حال من الأحوال إلا على الحال التي أنتم فيْها مسلمون، والجملة متضمنة النهي عن الرّدّة بعد الإسلام، فلا يحل للمؤمن أنْ يكفر بعد إسلامه. كما يريد ذلك كفار أهل الكتاب.
واعتصموا: الاعتصام: التمسك بالشيْء بشدة حتى لا يسقط منه، مأخوذ من معصم اليد، إذ قوة التمسك بالشيء تابعة لقوة معصم الإنسان وساعده.
حبل الله: الحبل لغةً السبب، وما يتوصّل به إلى الشيء أو ما يتمسّك به طلبا للنجاة والمراد به هنا: القرآن الكريم، والدّين، وجماعة المسلمين، إذ التمسّك بهذه يُنجي من السقوط والهبوط في الدنيا والآخرة.
جميعا: حال من ضمير واعتصموا، والمعنى تمسّكوا بكتاب الله ودينه وجماعة المسلمين حال كونكم مجتمعين لا يتخلف منكم أحد أبداً.
ولا تفرقوا: الواو عاطفة، ولا ناهية جازمة. وتفرقوا مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل. والتفرق لا يكون إلا بعد الاجتماع، وعليه فالجملة مؤكدة لسابقتها؛ إذ الأولى فيها أمر الله تعالى للمؤمنين بالتمسك بدينهم، وفي هذه نهيه تعالى عباده المؤمنين عن التفرق المفضي بعدم التمسك المأمور به.
معنى الآية الكريمة:
стр. 14442
ينادى الله ﵎ عباده المؤمنين بوصف الإيمان: يا أيها الذين آمنوا؛ إذ بالإيمان حياتهم فهم بإيمانهم أحياء غير أموات يقدرون على فهم الخطاب، وعلى القول والعَمل، يناديهم ليأمرهم بما فيه سلامتهم من كل مرهوب، وظفرهم بكل مرغوب محبوب من سعادة الدارين ألا وهو تقوى الله الحقة الواجبة له على عباده، والمتمثلة في امتلاء القلب بخشيته ومحبّته، وانقياد الجوارح كل الجوارح لطاعته، حتى يطاع فلا يُعصى، ويذكر فلا يُنْسى ويشكر فلا يكفر. ولينهاهم عن الكفر بعد الإيمان، والردة بعد الإسلام ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . فليثبتوا على إيمانهم، وليستمرّوا على إسلامهم لربهم مطيعة قلوبهم وجوارحهم لا يفارقون الطاعة حتى تفارقهم الحياة، ابقاء على نور قلوبهم، وزكاة أنفسهم، وطهارة أرواحهم؛ ليكونوا أهلاً لمواكبة الرفيق الأعلى والنزول في منازل الأبرار، والفوز بالنعيم المقيم في جوار الربّ الرحيم.
وناداهم ليأمرهم بالاعتصام بكتابه ودينه، وعهده الذي أخذه عليهم لمّا شهدوا له بالوحدانيّة، ولنبيّه بالرسالة، والاعتصام بكتابه يعنى العمل بما فيه فيعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويُحلّون حلاله ويحرمون حرامه، ويلتزمون بآدابه، ويتحلون بأخلاقه. والاعتصام بدينه يعنى التمسك بعقائده، وأداء فرائضه، وإقامة حدوده، والتأدب بآدابه، والتجمّل بأخلاقه، مع ملازمة أهله القائمين به والداعين إليه. والاعتصام بعهده يعني الوفاء لله تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وذلك في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وفاءً دائماً، لا يُخلُّون به حتى تفارق الحياة أبدانهم، وتباينهم أرواحهم، وناداهم أيضاً لينهاهم عن التفرق بعد التجمع، وعن الاختلاف بعد الائتلاف؛ لما في تفرقهم من فشلهم وذهاب ريحهم، ولما في اختلافهم من سوء أحوالهم وفساد بالهم، والقعود بهم عن مواكبة الصالحين في الدارين.
هداية الآية:
стр. 14443
إن من بين الهدايات القرآنية التي تضمّنتها هذه الآية الكريمة الهدايات التالية:
ا- تقوى الله ، وذلك لأن الله تعالى بيده ملكوت السموات والأرض يحيي ويميت ويعطى ويمنع ويضر وينفع، يُغنى ويفقر، يُعزّ ويذل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قدرته لا تُحدّ، وسلطانه لا يقهر، فهو لذلك يجب أن يتقى، ولكن لا بالحصون والأسوار العالية، ولا بالقوات الضاربة، من رجال وسلاح، على اختلافه وتطوره حتى لو كان سلاح الذرّة والهدروجين، وإنما يُتّقى الله ﷻ وعزّ سلطانه، وهو الذي ذلّت له رقاب الجبابرة، وانحنت أمام جبر وته هامات القياصرة والأكاسرة، يتقى بشيء واحد ألا وهو العبودية الحقة المتمثلة في إسلام القلوب والجوارح له، فالقلوب تؤلّهه رهبةً ورغبةً، ومحبّةً وتعظيماً. والجوارح انقياداً لأمره، ولنهيه تركاً. بهذا فقط يتقى الله ذو الجبروت والملك والملكوت، فمن طلب النجاة من العار والنار، وأحب الفوز بالجنة دار الأبرار فليتّق الله الواحد القهار، فإن ذلك له، ومردّه إليه، وتقواه هي مفتاح بابه، وسلم الوصول والارتقاء إليه، وهاهي آيات كتابه تنبئ عما قلناه، وتترجم للقارئ معناه، قال تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب﴾ ] الطلاق: ٢، ٣ [.
стр. 14444
إن مما تهدي إليه هذه الآية: الموت على الإسلام، والموت على الإسلام هو الغاية التي ما وراءها غاية، والأمل الذي دونه كل أمل ولنشهد هذه الحقيقة من خلال القصة التالية: جلس على عرش مصر نبي الله ورسوله الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵇ ورفع أبويه فوق عرشه فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وجلس إخوته الأحد عشر أخاً بين يديه وقد تم له الملك بحذافيره، وجاءته الدنيا طائعة، وحفل الكون به من حوله. هنا ابتهل يوسف إلى ربّه قائلا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ .
إن هذه القصة تقول: إن المال والملك والسلطان واجتماع الشمل بالأهل والإخوان ليس بالغاية المطلوبة ولا بالأمل المرجو عند الأبرار الأطهار الأخيار، وإنما الغاية المرغوبة والأمل المنشود: الوفاة على الإسلام، واللّحاق بمواكب الصالحين.
وإن قيل: وهل الإنسان يملك أن يموت على الإسلام، أو على غيره من الأديان؟.
قيل له: نعم؛ إذ عدم الردة عن الإسلام هي الموت عن الإسلام، ومن شبّ على شيء شاب عليه، ومن لازم شيئا في حياته وآثره على غيره مات علَيه، يضاف إلى هذا أن التكليف بملازمة الإسلام وعدم الارتداد عنه ليس تكليفا بما لا يطاق، لاسيما وأن الإسلام دين الفطرة فلا يوجد في النفس البشرية من نوازع تدافع الإسلام وتأباه، والردة المحذر منها قد تأتي من خارج النفس لا من داخلها، تأتى من طريق الاستجابة للشيطان وإخوان الشيطان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ .
هذه هداية وثالثة:
٣- الاعتصام بحبل الله تعالى:
стр. 14445
إن مما تهدي إليه هذه الآية من أسباب الكمال والسعادة الأمر بالاعتصام بحبل الله تعالى الذي هو كتابه الكريم، ودينه القويم، وجماعة عباده الصالحين.
٢- الموت على الإسلام:
إن مما تهدي إليه هذه الآية: الموت على الإسلام، والموت على الإسلام هو الغاية التي ما وراءها غاية، والأمل الذي دونه كل أمل ولنشهد هذه الحقيقة من خلال القصة التالية: جلس على عرش مصر نبي الله ورسوله الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵇ ورفع أبويه فوق عرشه فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وجلس إخوته الأحد عشر أخاً بين يديه وقد تم له الملك بحذافيره، وجاءته الدنيا طائعة، وحفل الكون به من حوله. هنا ابتهل يوسف إلى ربّه قائلا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ .
إن هذه القصة تقول: إن المال والملك والسلطان واجتماع الشمل بالأهل والإخوان ليس بالغاية المطلوبة ولا بالأمل المرجو عند الأبرار الأطهار الأخيار، وإنما الغاية المرغوبة والأمل المنشود: الوفاة على الإسلام، واللّحاق بمواكب الصالحين.
وإن قيل: وهل الإنسان يملك أن يموت على الإسلام، أو على غيره من الأديان؟.
стр. 14446
قيل له: نعم؛ إذ عدم الردة عن الإسلام هي الموت عن الإسلام، ومن شبّ على شيء شاب عليه، ومن لازم شيئا في حياته وآثره على غيره مات علَيه، يضاف إلى هذا أن التكليف بملازمة الإسلام وعدم الارتداد عنه ليس تكليفا بما لا يطاق، لاسيما وأن الإسلام دين الفطرة فلا يوجد في النفس البشرية من نوازع تدافع الإسلام وتأباه، والردة المحذر منها قد تأتي من خارج النفس لا من داخلها، تأتى من طريق الاستجابة للشيطان وإخوان الشيطان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ .
هذه هداية وثالثة:
والاعتصام بكتاب الله تعالى يكون باعتقاد الحق الذي جاء به من التوحيد والنبوة، والبعث والجزاء، وتحليل حلاله وتحريم حرامه من المقول والمفعول: كالصدق وقول الحق والمعروف، والمطاعم والمشارب والمناكح والمكاسب، كما يكون بإقامة حدوده والتزام آدابه ومحاسن أخلاقه بعد دراسته وفهمه وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار.
والاعتصام بدينه يكون بإقامة فرائضه والمحافظة على سنته، وتطبيق شرائعه والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه بعد معرفة أحكامه وحفظ قواعده، كما يكون بالدعوة إليه، والموالاة فيه، والمعاداة عليه.
والاعتصام بجماعة عباده الصالحين يكون بموالاتهم، وتحريم معاداتهم، وبحبِّهم، والحب لهم وصدقهم وتصديقهم، والصلاة معهم وعليهم، والجهاد مع إمامهم وحرمة الخروج عليه وعليهم ما أقيمت الصلاة فيهم.
هذه هداية ورابعة:
٤- حرمة الفرقة والاختلاف:
стр. 14447
إن هداية هذه الآية تقول: إن الفرقة والاختلاف محرمان ممقوتان، وكونهما بعد الاجتماع والائتلاف اشدّ حرمة وأكبر مقتاً، إن من هداية هذه الآية تحريم الفرقة والاختلاف في الكتاب والدين والجماعة، أما الاختلاف في الكتاب فإنه لا يكون في ألفاظه وكلماته؛ إذ قد تولى الله منزّله حفظه من الزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، حيث جمع أمة الإسلام عليه منذ نزوله فلم تختلف فيه ولن تختلف بإذن الله تعالى فيه. وإنما الاختلاف في الكتاب يكون في معانيه وما يدل عليه، والعصمة من ذلك في الأخذ بالسنة والتمسك بها؛ إذ هي الشارحة لألفاظه ومعانيه، والمبيّنة لمجمله، والمخصّصة لعمومه، والمقيدة لمطلقه. وذلك بأقوال الرسول ﷺ وأفعاله وأحكامه وأقضيته، وسياساته، وفي سيرة أصحابه من بعده حصن حصين، وسياج منيع من الفرقة والاختلاف في كتاب الله أيضا. ولهذا فالأمة المرحومة وهى أهل السنة والجماعة لم تختلف في كتاب الله، وإنما اختلف فيه من رد سنة رسول الله التي وردت من غير طريق من فتن بهم، وكفر أصحاب رسول الله، وغض من شرفهم وأهدر كرامتهم، ولعنهم وأبغضهم. والعياذ بالله تعالى من ضلال الطوائف والفرق المنتسبة إلى الإسلام باطلا وزوراً. وكذباً وميناً.
وأما الاختلاف في الدين فإنه ذو خطورة كبيرة على أمة الإسلام، ولذا كان من هداية هذه الآية التصريح بتحريمه والتحْذير من آثاره المدمرة، وفي الكتاب الكريم الأمر بإقامة الدين وعدم التفرق فيه، والتوصية بذلك قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .
ولكي تُتجنب الفرقة في الدين يلزم اتباعُ ما يأتي:
(١) اعتقاد أن الدين هو ما شرع الله ورسوله، ورفض كل تشريع يخالفهما، أولا ينبع منهما.
стр. 14448
(٢) تقديم الكتاب في الاستدلال ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس، ولا يجوز العمل بقياس لا يشهد له كتاب ولا سنة ولا إجماع بصحة ولا اعتبار.
(٣) اعتبار المذاهب الأربعة الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي مذاهب حق، وذلك لاتفاقها في أصول الدين وشرائعه، وعدم تعمد أصحابها الخروج عن الكتاب والسنة بأيّ حال من الأحوال. وعدم وجود خروج فيها عن الكتاب والسنة وإن قل.
(٤) اعتبار هذه المذاهب الأربعة مَذْهَباً واحداً موسّعاً يستعان بها على فهم الكتاب والسنة والعمل بهما، ولذا على هيئة الإفتاء في البلد الإسلاميّ أن تنظر فيها مجتمعة ثم تصدر فتواها نابعة عنها مؤثرة في ذلك الدليل من الكتاب والسنة وشواهد الإجماع والقياس الصحيح.
(٥) تأليف كتب فقهية على غرار"بداية المجتهد"و"منهاج المسلم" تعرض للمذاهب الأربعة وتؤيد ما يؤيّده الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وتنشر تلك الكتب الفقهيّة الجامعة الموحدة وتعممها على سائر المسلمين.
(٦) ترويض الأفكار الخاصة والعامة على انتهاج هذا المنهج الذي يجمع أمة الإسلام ولا يفرقها، ويوحدها ولا يخالف بينها، عملا بقول الله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ . وأخذاً بهداية هذه الآية في الاعتصام بالدين وعدم التفرق فيه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ .
وترويض الأفكار يكون بإلقاء الدروس والمحاضرات في المعاهد والمساجد في كل ديار المسلمين بأن الله تعالى لم يتعبدنا إلا بما شرع لنا في كتابه وعلى لسان رسوله، وأن التعصب لما في مذهب معين ولو خالف الحق لا يجوز أبداً لما يلزم عنه من ردّ الكتاب والسنة وردهما ردة أوشبهها، والعياذ بالله تعالى. وأن العلماء مجمعون على أن لا معصوم في هذه الأمة إلا رسولها محمد ﷺ .
стр. 14449
وبذلك يتقارب أهل الحق من هذه الأمة، وتتم وحدتهم، وتنتهي الفرقة بينهم ويسيرون صفاً واحداً يحيون ميّت الإسلام ويجددون بناء ما انهدم منه بعامل الفرقة والخلاف قرونا طويلة.
وأما الاختلاف في الجماعة فإنه وإن كان أقل خطراً من الاختلاف في الدين فإنه معوق لأمة الإسلام عن النهوض والتقدم، ومعرّض لها أيضا لأوخم العواقب، وأسوأ الأحوال، ودليل ذَلك أنها ما وقعت في براثن الاستعمار الغربي ردحا من الزمن غير قليل يسومها الخسف ويصب عليها سياط العذاب والإهانة إلا بعد أن تفرقت جماعتها، وقاتل بعضها بعضاً، وإنها- والله- اليوم لعرضة لمحنة قاسية أشد من محنة الاستعمار السابقة وذلك لما تعيش عليه من الفرقة والاختلاف في كل شيء فلذا وجب على المصلحين أن يسارعوا إلى تلافي الموقف بجمع الأمة المحمدية تحت لواء واحد وهولا إله إلا الله محمد رسول الله فلا يعبد في ديارها إلا الله، ولا يتابع إلا رسول الله ﷺ .
وأحسب أن ما تقدم في الأرقام الستة السابقة كاف في بيان الطريق الذي يتم به وحدة المسلمين وجمعهم على منهج الله ليكملوا ويسعدوا عليه دنيا وأخرى ... والله المستعان، وعليه وحده التكلان. وسلام
--------------------------------------------------------------------------------
[١] إن قيل: لم شرح هذه الجزئيات، والتعرض للإعراب؟ قلنا: إن المجلة مجلة طلبة العلم وهم ينتفعون بمثل هذا التحليل اللفظي والمعنوي.
стр. 14450
دَورُ الإعلاَمِ في التضَامُنِ الإسلاَمِي
الدكتور إبراهيم إمام
أستاذ بكلية الدعوة وأصول الدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم للأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن التضامن الإسلامي هو المبادرة النابعة من أصول العقيدة الإسلامية، لإرساء قواعد الحياة على أسس متينة في عالم تتنازعه المطامع، وتشن فيه المبادئ الملحدة حرباً شرسة ضد التراث الحضاري الإسلامي بقيمه النبيلة، ولقد كان التضامن هو السر فيما حققت الأمة الإسلامية من مجد وسؤدد، يوم كانت متمسكة بدينها حق التمسك، آخذة بتعاليمه حق الأَخذ.
وتكمن إحدى معجزات الإسلام الكبرى في قوة التضامن، عندما وحد بين قلوب القبائل المتنافرة، ثم بين الأقطار والشعوب المتباينة، وأصبح التضامن من أهم سمات الحياة الإسلامية وليست رابطة الأرض أو مكان الإقامة أو الولادة كما هو الحال في الفكر الغربي، لأن مفهوم الأمة في الإسلام يقوم على الاشتراك في وجهة عامة، فقد أشار القرآن الكريم إلى المسلمين على أنهم أمة واحدة، فلم يفرق بين شعب وشعب، ولم يخص بلداً أو قبيلة أو فئة بالأمر بالوحدة، بل كان خطابه عاماً شاملاً يضم كل من آمن بالرسالة المحمدية وتبع هديها وطريقها. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [١] وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [٣] وقال عز من قائل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [٤]
стр. 14451
ويشير القرآن الكريم إلى إعجاز الوحدة الإسلامية وعظمة ما تعنيه في مدلولها فيقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [٥] .
فالأمر الإلهي بالتضامن فرض جوهري في صلب العقيدة الإسلامية، والأخوة هي إحدى النعم الكبرى التي منّ الله بها على عباده المسلمين، وقد برأ الله تعالى رسوله الكريم من العاملين على تفرقة كلمة المسلمين وهدم وحدتهم، فيقول ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ .
ويؤكد الرسول الكريم ﷺ أهمية الأخوة الإسلامية والتضامن بين المسلمين، ولا يدع فرصة مواتية إلا وعبر عن أهميتها فيقول ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى".
وقال ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وقال أيضا: "من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها فليس مني ولست منه".
لقد كان الرسول الكريم ﷺ يحث على الإخاء الإسلامي على مستوى الأفراد والجماعات فأوصى بالمودة بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الإخوان والجيران، وهكذا تلتئم خلايا المجتمع التئاماً متدرجاً حتى يتم بناء الأمة الإسلامية بأسرها على أسس من المحبة والود والإخاء والتضامن.
الإِعلام سلاح في يد الأعداء
فالتضامن الإسلامي فرض من فروض الإسلام على الأمة أن تنهض به، وهو ليس مجرد عمل سياسي أو شعاراً مؤقتا وإنما هو جزء لا يتجزأ من جوهر الدعوة الإسلامية، ولا يستقيم للمسلمين عمل ولا حال إلا إذا تحققت أركان التضامن بينهم.
стр. 14452
ومن واجب الدولة الإسلامية أن تحقق التضامن، وأن تسعى إلى تثبيت أصوله وحمايته من التصدع، ولا ينبغي أن يسعى إقليم أو قومية أو دولة لتحقيق مصالحها على حساب الوحدة الإسلامية، إذ أن هذه الآفة هي التي حركت مطامع الدول الأجنبية في المسلمين وشجعتها على الانفراد بكل قطر على حدة.
ولقد دبر أعداء المسلمين شتى الخطط التآمرية على الأقطار الإسلامية ولجأوا إلى مختلف الطرق والأساليب من أجل إضعاف التضامن، ووضع العقبات والعوائق للحيلولة دون اتصال المسلمين ببعضهم لتحقيق تضامنهم. وقد كان الإعلام من أهم الأسلحة المستخدمة لبث روح الفرقة والانقسام بين المسلمين، إذ أن أعداء الإسلام يعلمون تماماً أنهم ما كانوا ليحققوا ما حققوه لو أن الصف الإسلامي كان موحداً ومتماسكاً وقوياً.
الإِعلام الطباعي
لقد كانت المطبعة هي السلاح الأولى الذي جلبه الصليبيون والمبشرون إلى العالم العربي لشن حملاتهم التبشيرية عن طريق الكتاب والصحيفة، ففي أحد الأديرة المارونية في لبنان وفي دير قزحيا طبع كتاب المزامير سنة ١٦١٠ بالحرف السرياني، ثم أنشأ الشماس عبد الله زاخر أول مطبعة عربية سنة ١٧٣١ بقرية الشوير اللبنانية، وتخصصت هذه المطبعة في نشر كتب التبشير المسيحي.
وفي سنة ١٨٣٤ أنشأ المبشرون الأمريكيون من أمثال كورنيليوس فان دايك، ووليم ورتبات وغيرهما مطبعة في بيروت لطبع الإنجيل، وتزويد الجمعيات التبشيرية بالكتب الدينية، ومن المعروف أن هذه الجمعيات كانت تضم الكثير من القسس والأطباء والعلماء الذين نذروا أنفسهم للتبشير بين المسلمين في العالم العربي.
стр. 14453
وأنشأ المبشرون مدارس دينية ومدرسة عليا هي الكلية السورية الإنجيلية التي تحولت إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ومن الغريب أن هذه المعاهد قد اتخذت من بيروت والقاهرة ولا هو وأنقرة، وهى من أركان العالم الإسلامي، مراكز للتبشير في جميع أجزاء العالم الإسلامي، وبث الفرقة بين أقطاره المختلفة، وكان الإعلام الطباعي يغذي هذه الحركات التبشيرية بالكتب والصحف والمجلات والأطالس.
وخاف اليسوعيون الكاثوليك أن يتفوق الأمريكيون البروتستانت عليهم في مضمار الإعلام التبشيري المسيحي والدعوة الصليبية بفضل مطبعتهم، فقرروا في سنة ١٨٤٨ إنشاء مطبعة يواجهون بها منافسيهم، فاستوردوا من فرنسا مطبعة كبيرة طبعوا عليها الكتب الدينية والأدبية والعلمية، وفي الربع الأخير من القرن الماضي أصبحت طابعات هذه المطبعة الكاثوليكية تدار بالبخار لأول مرة في لبنان.
لقد كانت خطة الأمريكين البروتسانت والفرنسيين الكاثوليك هي تعليم اللبنانيين والسوريين طرق التبشير وفنون الكتابة وأساليب الإعلام وأصول التحرير الصحفي، وتقنيات الطباعة لكي يصيروا دعاة لهم في جميع أنحاء العالم العربي، ثم في جميع أركان العالم الإسلامي، لبث الفرقة والانقسام بين أبنائه، والحيلولة دون تضامن العالم الإسلامي بأي شكل من الأشكال.
وبالفعل نجد أن ناصيف اليازجي وبطرس البستاني في لبنان وبلاد الشام، ثم يعقوب صروف الذي أنشأ مجلة المقتطف، وشاهين مكاريوس وفارس نمر اللذان اشتركا في تأسيس المقطم مع خليل ثابت، بالإضافة إلى شبلى شميل وأنطون فرح، ثم سلامة موسى ولويس عوض، وهم جميعا من أنصار الاتجاهات المادية والاشتراكية، فضلا عن التروج للمذهب الدارويني في النشوء والتطور، والهجوم على كل ما يتصل بالإسلام.
стр. 14454
ولا يفوتنا ذكر ما لقيته الصوفية المنحرفة، من تشجيع فقد أنشأ الإيطالي (بلفنطى) مطبعته الحجرية التي طبعت بعض الدواوين الصوفية إلى جانب الكتب المسيحية، فالتبشير المسيحي يهتم بالتصوف الذي يحث على التواكل والتكاسل، ويشجع انتشار روح الفرقة بين المسلمين، ويعبر المستشرقون في كتاباتهم عن الإعجاب الشديد بالفلسفات الشرقية الغنوصية، وبالشطحات الصوفية مثل الفتوحات المكية لابن عربي وقصائد الحلاج وكتابات السهروردي وغيرها من الأفكار المدسوسة على الإسلام بما فيها من جبرية ووحدة الوجود ومذهب الحلول المنحرف الكافر.
الإعلام الصهيوني
ولقد تسابق اليهود والمسيحيون في إرساء قواعد الإعلام عن طريق إنشاء المطابع في فلسطين، ففي سنة ١٨٣٠ أنشأ نسيم باق مطبعته في القدس لطبع كتب الديانة اليهودية، وكانت حروف تلك المطبعة عبرية، وفي سنة ١٨٤٨ أسس جماعة من الإنجليز مطبعة بالقدس أسموها مطبعة لندن لانتشار الإنجيل، كما أنشأ الأرمن في السنة نفسها مطبعة وضعوها بديرهم المجاور لجبل صهيون، ولم يكتف اليهود بمطبعة نسيم باق بل ثنوها بمطبعة أسسها داويد ساسون سنة ١٨٥٠.
وهكذا أخذت المطابع اليهودية ترتبط بالحركة الصهيونية، وكانت الدعاية توجه إلى يهود العالم، ثم إلى العالم المسيحي توطئة للأحداث المؤسفة التي فرقت شمل العالم العربي، وعملت على تمزيق الصف الإسلامي أيضا، وليست مجرد صدفة أن معظم قادة اليهود من رجال الإعلام والصحافة بدءاً من تيودور هرتزل الذي ترأس مؤتمر بازل في سويسرة سنة ١٨٩٧ حتى رجال الصحافة والسينما والتلفزيون الذين يهيمنون على وكالات الأنباء والصحف وغيرها من دور النشر والإذاعة والسينما.
ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على اهتمام اليهود بالإعلام والصحافة بوجه خاص، فهم يملكون:
١- ٢٤٤ صحيفة في الولايات المتحدة الأمريكية، منها ١٥١ دورية.
٢- ٣٠ دورية في كندا.
стр. 14455
٣-١١٨ صحيفة في أمريكا اللاتينية.
٤- ٣٤٨ صحيفة في أوروبا بجميع اللغات الأوروبية.
٥-٣ صحف في الهند.
٦- خمس دوريات في تركيا.
٧- ٤٢ دورية في أفريقيا.
وتعلن إسرائيل رسميا أن الصهيونية تسيطر على ٨٨٩ صحيفة في الدول الغربية.
ٍوقد استطاع الصهيوني روبرت مردوخ أن يشتري أعظم صحف بريطانيا وأقواها نفوذا وهي صحيفة التايمز التي كان يملكها اللورد طومسون.
وقد عرضت مجلة نيوزويك الأمريكية المشهورة للبيع فاشترى أكثر أسهمها أحد اليهود بمبلغِ ٨٠٠ ألف دولار، وأصبحت هذه المجلة التي لها شهرتها وانتشارها وتأثيرها سلاحاً دعائياً جديداً في يد الصهيونية، وكم قامت هذه المجلة وغيرها بتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وبذر روح الفرقة والانقسام بينهم!.
الإذاعات التنصيرية
وهكذا استطاع اليهود والصليبيون السيطرة على وسائل الإعلام في العالم وسخروها لخدمة أهدافهم الشيطانية ولم يستطع الإعلام الإسلامي حتى الآن أن يتغلب على هذه القوى الشريرة، لذا استطاع الإعلام الصهيوني أن يحجب الاهتمام بالقضايا التي تهم عالمنا الإسلامي حتى تموت في ضمير المسلمين، وفي نفس الوقت يركز على قضايا جانبية أو ظواهر فيها الخطر المحدق بمجتمعاتنا الإسلامية يمهد لها ويعمل على نشرها وبث الزخارف المضللة حولها كالأفكار والمذاهب الهدامة والإباحية إلى غير ذلك.
وقد سخروا لهذا أحدث أنواع الأساليب والوسائل الإعلامية من مجلات ونشرات وجرائد ونشرات متخصصة حتى للأطفال والنساء بصورة جذابة وبمختلف اللغات ينفقون عليها حتى تظهر بصورة مغرية جذابة منها ما يوزع مجانا ومنها ما يوزع بثمن ضئيل.
стр. 14456
كما أن هناك معاهد متخصصة في هذا المجال في أمريكا وغيرها، وقد سخرت مطابع ودور نشر لهذه الأغراض علاوة على طباعة الإنجيل ونشره وتوزيعه وترجمته إلى لغات عديدة. هذا في مجال الكلمة المطبوعة أما في الكلمة المسموعة فقد بلغت شأواً بعيدا في هذا المضمار حيت أنشئت برامج إذاعية تنصيرية بل أنشئت محطات خاصة للتنصير في مناطق عديدة منها:
١- إذاعة ساعة الإصلاح بالخرطوم في السودان.
٢- إذاعة نور على نور في مرسيليا.
٣- صوت كلمة الحياة في مالاكا بأسبانيا.
٤- نداء الرجاء في شتوتجارت بألمانيا الغربية.
٥- إذاعة المحبة والوفاء في بيروت.
٦- إذاعة مونت كارلو بمونت كارلو.
٧- المدرسة الإذاعية الإنجيلية مرسيليا.
٨- المركز المعمداني في بيروت.
٩- دار الهداية بسويسرا.
١٠- الإذاعة التنصيرية في ليبيريا.
١١- الإذاعة التنصيرية في سيشيل.
هذا وقد عقدت المؤتمرات واللقاءات في هذا المضمار حيث عقد في هوس بنيجيريا اجتماع ضم حوالي أربعين من زعماء الكنائس الأفريقية اللوثرية ومديري المحطات الإذاعية ورجال الإعلام لبحث تضافر الجهود وتطوير أسلوب الإذاعات التنصيرية في غرب أفريقيا، كما عقد اجتماع في تنزانيا في مارس ١٩٨١ خاص بشرق أفريقيا.
وفي أكتوبر عام ١٩٨٠ عقد مؤتمر كبير في سوزايلند ضم مجموعة من العامين في مجال البث الإذاعي يمثلون ١٢ دولة من إفريقيا حضر معهم مجموعة من المراقبين في أوروبا.
ومن المعروف أن للطائفة المعمدانية فقط حوالي ١١١ محطة إذاعية تنصيرية منتشرة في ثمانية وثمانين بلداً. كما تم تخصيص عشرين مليون دولار ابتداء من عام ١٩٨٠ لتقوية إذاعة آسيا التنصيرية لمنطقة جنوب شرق آسيا خاصة وقارة آسيا عامة وهذه الإذاعة متمركزة في الفلبين وتبث برامج بلغات كثيرة بلغت ٢٨ لغة آسيوية.
стр. 14457
أضف إلى ذلك محاولة تجنيد رجال التنصير في المؤسسات الإعلامية في الدول الإسلامية ليضمنوا السيطرة بشكل أو بآخر على هذه الأجهزة، بل تعدى الأمر إلى إنتاج برَامج خاصة بالتنصير بأساليب خادعة لتفوت على رجال الرقابة في المؤسسات الإعلامية الإسلامية المسموعة والمرئية.
الفيلم وقضايا المسلمين
وعلى حين تغطى أفلام الترفيه والضياع أسواق العالم الإسلامي في السينما والتلفزيون، فإن القضايا الإسلامية الخطيرة، ومشاكل المسلمين العديدة، لا تجد مجالاً في تلك الأسواق. فمثلاً قضية فلسطين وهي أكبر تحد واجهه المسلمون منذ ضياع الأندلس، تقف إمكانات المسلمين عاجزة عن إنتاج فيلم واحد يشرح قضيتها، ويبصر الناس بمأساتها، في حين أن اليهود قد عرضوا في عامي ١٩٧٤ و١٩٧٥ أكثر من ٣٠٠ فيلم في المهرجان اليهودي الدولي للسينما والتلفزيون.
وقد بذل مجلس الجامعة العربية جهوداً كبيرة للحصول على أفلام يوزعها على مراكزه في الخارج، وفي سنة ١٩٦٤ اعتمد المجلس مبلغ نصف مليون دولار لإنتاج فيلم عن فلسطين بالتعاون مع منتج معترف به دوليا، غير أن الفيلم لم يظهر إلى الوجود نظرا للعجز في الإمكانات، ولعل الحقيقة تكمن في العقبات التي يضعها أعداء الإعلام الإسلامي في سبيل إنجاز أي إنتاج يكون له تأثير على الرأي العام.
ومع ذلك فعندما احتج سفراء الدول العربية والإسلامية على عرض فيلم "الخروج "الذي يقدم دعاية سافرة عن إسرائيل واليهود، قامت قيامة الصحف الغربية، وأخذت تكيل السباب والشتائم للعرب والمسلمين.
مسؤولية الإعلام عن بث روح التضامن
والحق إن من أهم وظائف الإعلام تنوير العقول وتهذيب النفوس في ضوء تعاليم الإسلام، فمن واجب الإعلام الإسلامي الدعوة لوحدانية الله، وتحريره الإنسان من عبودية العباد وإنقاذه من سيطرة الأهواء والشهوات والغرائز.
стр. 14458
فالإعلام مرفق هام من مرافق الدولة الإسلامية ولا ينبغي العبث به أو استخدامه لإثارة الشهوات، وتحريك الرغبات الدنيا بين الشباب والناشئة، بل أن المفروض أن ترقى اهتمامات الناس، وأن يسمو الإعلام بعقولهم وعواطفهم.
ولعل الهدف الأسمى للإعلام هو توحيد الأمة فكراً وسلوكاً وولاء وإيجاد التعارف والتآلف بين أبنائها، والإصرار على معاني الأخوة والتراحم والتواد بين أفرادها، بل يجب على السلطان أن يضرب بيد قوية على كل من تسول له نفسه العبث بوحدة الأمة، أو تعريض وحدتها للخطر، وهذه جريمة من جرائم الخيانة العظمي.
ولاشك أن أهم ما ينبغي أن نسارع إليه هو وقف حملات التشهير والسب والشتم والمهاترات بين أقطار العالم الإسلامي، كما يجب مواجهة الحملات الإعلامية المعادية، والتفرغ للدفاع عن الأمة ومقدساتها وتنشيط الروح الجهادية عند المسلمين.
وبدلاً من إذاعة برامج لتعليم اللغة الإنجليزية بالراديو أو نشر اللغة الفرنسية أو غيرها من اللغات الأجنبية، ينبغي أن تتوفر إذاعاتنا الإسلامية على محو الأمية بأشكالها المختلفة، ونشر التعاليم الإسلامية، ومحاولة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
وبدلاً من الدعاية للحضارة الغربية، والتحدث عنها بإكبار وتقدير، وتقديم نماذج للشباب يقتدون بها، يجب على الإعلام في الدولة الإسلامية أن يتخذ مثله العليا من أبطال الإسلام وعلمائه، مع تعرية الحضارَة الغربية والثقافةَ الشيوعية والدعاية الصهيونية والمذاهب المنحرفة، وتسليط الأضواء على المعطيات الحضارية للإسلام.
стр. 14459
إن الطالب في كثير من الجامعات التي تنتشر في العواصم الإسلامية يعرف عن فرنسا، وإيطاليا وبريطانيا وأمريكا أضعاف أضعاف ما يعرف عن إندونيسيا والباكستان ونيجيريا والعراق، ويعرف عن فولتير وشكسبير وروسوولويسر التاسع ودانتى أكثر بكثير مما يعرف عن عبد الرحيم الغافقي ومحمد الفاتح وحسان بن ثابت والمتنبي والجاحظ وابن قتيبة.
ولعل من أهم أسباب تقوية روح التضايق الإسلامي العمل على تعميم وسائل الإعلام، بنشر بعض الصحف اليومية لكي يتداولها الناس في جميع العواصم الإسلامية باللغة العربية وبعض اللغات الإسلامية الحية، على أن تتبنى هذه الصحف القضايا الإسلامية وتطالب بحقوق المسلمين المستضعفين وتعرف الناس بالأقليات الإسلامية وما تتعرض له من مشكلات، ولاشك أن إطلاق القمر الصناعي العربي بعد تسعة أشهر ـ بإذن الله - سوف يتيح فرصاً سانحة عظيمة لنشر الدعوة الإسلامية وربط أواصر العالم الإسلامي والعمل على تضامنه ووحدته.
الإعلام وأصالة التضامن الإِسلامي:
والتضامن الإسلامي ليس دعوة مستحدثة، ولا فكرة جديدة، ولا هو عمل سياسي لغايات مؤقتة، وعلى الإعلام أن يرسخ في أذهان المسلمين أن التضامن هو جوهر الدعوة الإسلامية، وبغيره لا يمكن أن يستقيم للمسلمين حال، ولا أن ينتظم عمل، ولا أن يحقق الإسلام ذاته في ديار المسلمين.
إن وحدة المسلمين واتفاق كلمتهم قد جعلت من العرب قوة ناجزت أعظم قوتين في العالم هما دولة الفرس ودولة الروم، كما سارت مواكب المجد الإسلامي- بفضل الوحدة- مشرقة ومغربة توسع ديار الإسلام، رافعة رايته خفاقة، وحاملة رسالته مضيئة منيرة مشعة في الخافقين.
والمسلمون لا يجهلون أن سقوط الأندلس يرجع إلى تمزق الصف العربي والإسلامي وكثرة دويلات المسلمين، وتسلل العناصر المتآمرة إلى صفوف تلك الدويلات، والركون إلى الترف والتعرض للأفكار المنحرفة والعقائد الشاذة.
стр. 14460
على أن الحاجة إلى تنظيم الدعوة للتضامن قد أصبحت ملحة للغاية، ولابد أن تقوم على أسس مدروسة وخطط علمية، وهنا يقوم الإعلام بدور هام في تعميق الإحساس بالحاجة إلى التضامن، وتصوير الإطار الذي تدور فيه كل الوسائل والعوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية المؤدية إلى وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها بما هو يعود على دينهم ودنياهم بالخير والنفع والبركة.
الإِعلام وتحقيق التضامن الإِسلامي:
ولا تخلو الساحة الإسلامية من الجهود الطيبة لإذكاء روح التضامن، مثال ذلك إنشاء رابطة العالم الإسلامي التي تعتبر بحق من أروع مظاهر التضامن الإسلامي، وهى التي تبذل جهوداً طيبة في حقل الإعلام لتجسيد دعوة التضامن وإبرازهاَ إلى حيز الوجود على أسس عملية وعلمية في آن واحد.
لقد ظهرت رابطة العالم الإسلامي بنتيجة القرار الذي اتخذه "المؤتمر الإسلامي"الذي انعقد في مكة المكرمة عام ١٣٨١هـ، وقد عبرت المقررات التي اتخذها المؤتمر عن مدى الإحساس بضرورة تقوية الروابط بين المسلمين، وتحقيق التقارب والتعاون فيما بينهم، فجاء في مقدمة تلك القرارات:
"يؤكد المؤتمر الإسلامي إيمانه برابطة الأخوة بين المسلمين، ويعتبرها الرابطة الحقيقية بين سائر الشعوب الإسلامية، كما يعلن المؤتمر أن أخوة الإسلام فريضة الله على كل مسلم تربطه بأخيه المسلم مهما كان جنسه ووطنه، وأن هذه الأخوة ظلت دائماً ركيزة القوة وخصيصة المجتمع الإسلامي في كل عهود العزة والمنعة في تاريخ المسلمين، وأن كل عصبية دون الإسلام تقع تحت قول رسول الله ﷺ "ليس منا من دعا إلى عصبية" وكل دعوى باسم القومية أو غيرها تفرق بين المسلمين وتتخذ بطانة من دونهم هي من دعاوى الجاهلية الباطلة التي أنكرها رسول الله ﷺ ، ولا يستفيد منها إلا أعداء الإسلام والمسلمين ".
следующие страницы →